السبت، 30 سبتمبر، 2017

سبتمر 2017

فاطمة الشيدي

22 سبتمبر 
الإرهاب الأمريكي في العالم هو أبشع أنواع الإرهاب. وربما هو دافع ومحرّض على كل إرهاب آخر كردة فعل موازية.  الإرهاب الذي تصنعه السياسة، ثم يشرّعه التطرف الديني ولا يدفع ثمنه إلا الإنسان البسيط الطيب المحب غالبا.
الإنسان الذي يريد أن يعيش ويعمل ليتحصّل على لقمة عيشه، وينجب أطفالا ليحبهم ويعيش معهم يدفع حياته أو بعض أعضائه ليعيش عاجزا، ومع هذا قد يأتي من يتاجر بضعفه وجرحه ليجعل منه بطلا. في حين ...كل مايريده أن يستشعر ضعفه ويبكي بين يدي من يحب حين يكون ضعيفا (بعد أن يفقد قدميه)، ويقاوم بجسده وروحه ليستمر بأقل الخسائر لإنه إنسان عادي وليس كائنا خارقا ولا بطلا، وليس عليه أن يكون كذلك فقط ليدفع فاتورة الحكومات والإعلام والحقارة الكونية التي تتصاعد بأشكال شتى وأسماء جديدة. هذا بعض ما قاله هذا الفيلم الإنساني المستفز للروح والوعي والإنسانية الكونية.

21 سبتمبر 
يغشاني الفرح حين أجد رجلا شرقيا -قبل أي صفة أخرى ككاتب أو فنان-يفخر بزوجته، يكتب عنها، يضع صورتها في حدث ما، يجلُّ تكريما تحصّلت عليه، أو يقدّم عملا أنجزته.
وأقول الزوجة تحديدا لأنها الشرف والعرض كفكرة تافهة يقدمها المجتمع الشرقي المريض فلا يستطيع الرجل تجاوزها، بينما قد يستطيع البعض تجاوز حضور الأم والبنت، وتقديمها إلى جانبه امتنانا وحنانا.
أفرح بصدق أن ثمة رجل شرقي غادر منطقة الظل التافه للعادات والتقاليد المريضة في مجتمعنا المقصي للمرأة بوصفها عورة أو ظل أو هلام علينا ...أن نعبره بخجل، ونكون معه في الخفاء الإنساني فقط، أو مع الأقربين والمحارم.
رجل اتحد بإنسانيته الحقيقية، وارتقى بذاته لمدارجها الطبيعية منتشلا إياها من قاع التبعية والخوف والجهل، ومحررا لها من عبودية القيد العرفي، وقبلها محاكما ومواجها لأطرها المريضة ومنطلقاتها الجامدة.
أفرح لأنني أجد أملا أن يحذو حذوه جيل قادم، وأن تتحرر هذه العقول والمجتمعات من داء المرأة العورة، ومن فصام الرجل الشرقي.
أفرح لأن ازدواجية الإنسان العربي في كل شيء والتي هي سبب تأخرنا المريض هذا، وعنصريتنا المقيتة؛ ستتراخى قليلا، وتتراجع خطوة ما. ولأن كل حل يبدأ من تصالح الإنسان مع ذاته، ومن تحقق وعيه الداخلي والذاتي والشخصي أولا وقبل شيء.
أفرح لأن ثمة أمل
في زمن السقوط هذا، وثمة حلم صغير يوازي ضوء شمعة في عبور النفق يوما ما.

20 سبتمبر
 
رحل في هذا اليوم  أخ في النسب والذاكرة القليلة والإنسانية المغدقة بالخير والجمال والمحبة عن هذه البسيطة.
رحل باكرا كما لا يليق بالأشقاء الذين عليهم أن يكملوا الدرب معنا، وكما لا يليق ببنوّتهم لأمهات ينغرز خنجر الغياب والفقد بعيدا في قلوبهن فلا يحدث جرحا بل يجتث كل حس بالحياة، وتظل أرواحهن ترفرف فقدا ووجعا وحزنا حتى تغادر للأبد.
وكما لا يليق بأبوتهم لحمامات صغيرة ستتلمس أبدا موضع فقدهم في هذه الحياة كجرح لن يندمل، وستتألم كلما احتاجت ظلا تسند ظهرها المكشوف عليه، ويدا تعبر بها نحو الأمان وتمسح بقايا دمعة حائرة كلما أمعن الوقت في القسوة، وفرحا مرتعشا كلما أينعت الشهادة في كفنهاية العام.
مبكرا رحل كما لا ينبغي لأخ وابن
وأب ليترك قلوب والدته وأخوته ترزح تحت وطأة الثكل أبدا فلا تتذكر لأنها لا تنسى، ويسمح لليتم أن يسيل في قلوب أطفاله كليل أبدي لا ينبلج له صبح ولا يأذن بالراحة أبدا.
فالرحمة للراحلين.. ولا عزاء للمحبين.


20  سبتمبر
ستتعب كثيرا حتى تنهي رواية (لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة) للروائي السوري المبدع خالد خليفة، ولن تعرف من هو  البطل فيها، وإلى من عليك أن تنحاز كقارئ؟   للأم التي تُفتتح الرواية بموتها وهي التي ركضت وراء رجل لا يوازيها مكانة اجتماعية حتى تزوجته، ومع ذلك تركها مع عجوز أمريكية ليهرب للجنّة الغربية، فتظل تحاول أن تحقق مافاتها من مكانة في بيتها ومع أطفالها برعونة وتشدد. 
أم للخال نزار الموسيقي المثلي، الذي يتعذب لميوله هذا، ويعيش حياة متابينة القسوة والفرح مع عشاقه وموسيقاه وأسرته التي ترفضه ماعدا أخته الأقرب، أم مع سوسن الفتاة المرحة اللعوب المحبة للحياة والتي تجرب كل شيء من الحب حتى السياسة فالدين وتنتهي وحيدة تبحث لطفلها غير الشرعي عن أب. أم لرشيد الفتى العبقري الذي انتهى به الأمر مجاهدا في العراق ثم يعود ليتخلص من حياته ويخلص للغياب.
ولذا ستتبع صوت السارد المحايد تماما في السرد والوصف،  وستنحاز للألم فقط، وستجد في ملحمة القهر هذه ما ينثر الملح فوق جراحك العربية ويستثيرها بحرقة،  ولن يكون بمقدورك تتبع خيط أمل وحيد أو حلم لزمن بعيد تماما عن زمن تحلم به. 

19 سبتمبر 
كاتب/ة قرأ/ت روايتين، وبضع قصائد على الانترنت والفيس بوك، وطبل له أصحابه، وغمرته اللايكات المجاملة، فأخذ بنفسه، وظن نفسه رولان بارت، أو إدوارد سعيد او من فيما مقامها وأعلى. ليظن بنفسه العبقرية والتفرد والقدرة على إصدار الأحكام، متجاوزا القيم الفنية والأخلاقية، ذاهبا في توزيع هبات أحكامه التافهة عطاء وحذفا، وتقديم وتأخير الأسماء وتوزيع الهبات النزقة مثل شخصيته تماما هؤلاء يستحقون الشفقة أكثر من أي شيء !

17 سبتمبر 
سأنتخب اليوم أغنية للصوت الملائكي (أميمة خليل)  الذي ما أن تسمعه حتى يتبادر لذهنك أنه قد تخلقت لديك أجنحة، وأنت تحلق الآن في السماوات البعيدة، خارج الزمن والمكان، في الوسط الهلامي بين الأرض والسماء، وأنك ترتفع فوق كل ترهات هذا العالم وجنونه وشياطينه، أنتخب صوتها وأتشربه وأنا أمضي نحو العمل الذي أحب، لأبدأ بالحب والجمال الفصل الدراسي الجديد.  


16 سبتمبر 
اليوم - وأنا أشاهد بمتعة كبيرة وعميقة حتى العظم وبشكل يشبه العذاب كثيرا، (أوبرا عايدا) في دار الأوبرا بمسقط، حول فكرة الصراع الأزلي بين الواجب والحب والذي تعيشه الأميرة الحبشية عايدا، وقائد الجيش راداميس الذي كان على كل منهما أن يختار بين وطنه وحبيبه، لتكون نهايتهما الدفن أحياء في قبر تحت الأرض، حيث حكم على القائد بذلك جبرا، في حين اختارته عايدا طواعية لتموت مع حبيبها تكفيرا عن خيانة لم تقصدها، ورغبة في خلاص أبدي في حضن حبيبها - كنت أفكر أن فنونا كالموسيقى والفن التشكيلي والرقص والمسرح وغيرها من فنون الجسد أجمل وأكثر عذوبة من الكتابة أو من اللغة بشكل عام.   لأنهما أكثر صمتا وبهاء وتماسا مع الروح.
بينما الكتابة محاولة تجريدية جافة في كل شيء وعاجزة عن تجسيد المعنى الكوني الكبير أحيانا كثيرة. وفي حين يميل أهل الموسيقا والفن التشكيلي والمسرح لتجسيد المعنى بالصمت فيرسم الفنان بصمت، ويضرب اللوحة بسكين قلبه الطافح بالعشق والوجع، تماما كما يفعل الموسيقي وهو يعانق آلته، ويوقّع وجعه على جسدها، يتصاعد في اللحن، ويسقط فيه في ذات اللحظة، ويعبّر الجسد عن أقصى درجات الإحساس بحركاته العبقرية؛ يميل الكتاب للثرثرة في كل شيء، ويظن الكتّاب غالبا أنفسهم أنبياء الحكمة ودعاة الوعي والفهم، وأنهم قادرون على الخوض في كل موضوع. 
الفنون لغة الروح المباشرة التي تعيد الحواس تشكيلها بأشكال جديدة، ثم تجسدها الأصابع وتهبها حضورا فيزيقيا ، بينما تظل محاولة ترجمة الإحساس إلى لغة حالة ناقصة وتجريدية وباهتة أحيانا كثيرة. 
هل هذا تجني على الكتابة؟ بالتأكيد نعم، فلعل ما نراه من خوض الخائضين في كل شيء يشعل هذه الفكرة أحيانا أمام تقدير شخصي ضمني لرفعة الصمت وعظمة الفنون.  فالكتب دواة الوجود، وشجر المعرفة، وروح الحكمة في الكون، وظل الروح الوارف الذي تستظل به أبدا. 


15 سبتمبر 
ونحن نشاهد فيلم (فيكتوريا وعبدول  Victoria and Abdul )  الفيلم الممتع بحسه الكوميدي، وعمقه الإنساني، في القبض على مشاعر امرأة كبيرة في السن تعيش حياة مملة أكثر مما يحتمل الإنسان، وهي الملكة التي يراها الجميع قوية وسعيدة، إلا أنها عميقا تشعر بالخواء الروحي  فتجد في هذا الشاب متنفسا لأشياء روحية تفتقدها فعلا ؛ ندرك كم هي غريبة تلك القصة بينهما، و التي لم يكن ليسمح بها المستعمر العنصري لولا مذكرات عبد الكريم التي وصفت تلك العلاقة، والتي نجت صدفة من كل محاولات الحرق التي قام بها ابنها وعائلتها. والحقيقة أن هذه التفاصيل الصغيرة والعلاقات الخاصة تمثل جوهر عبور الإنسان على هذه الأرض أكثر من المسميات والصفات الكبيرة، فالمجد والخلود للروح والصداقة والجمال.

14سبتمبر 
يميل الكثير من الكتاب الجدد لتقنية السخرية في التعبير عن رفضهم للمجتمع ولكنهم يستخدمون أبشع الوسائل اللغوية والفكرية في ذلك. فالسخرية فن عميق يقوم على حس نقدي وموضوعي لا يتعارض مع الأخلاق ولا يتناول الحالات الطبيعية للجسد أو العيوب الخلقية أو الثقافية أو الإيمان أو العقيدة أو المستوى الاجتماعي وإلا أصبحت إهانة وظلما وتجريحا. 
وللكن للأسف هذا ما يحدث بلا وعي منهم بذلك، ومع اللايكات يرتفع (الإيجو) ويظن البعض أنه (برنارد شو).


13 سبتمبر 
هذا أسبوع العودة لمقاعد الجامعة، الزهور التي تقف على مقربة من كل شيء الآن تحثك على تتبع روائح نوّارها، وعلى نسج أمنيات غارقة في الحلم لها،  وصلوات كثر تبتهل بها في روحك، الحلم هو كل ما نملك نحن سدنة الخيالات والأحلام التي نعيش بها، وفيها. 
زمن جديد قادم كدائما يترنح بين حيثيات الضجر والأماني الملوّنة كمناطيد عليها أن ترتفع أبدا. 
وجوه متنوعة ترفل في زهْوها المستحق، وذهابها  نحو المستقبل، عقول قادمة من تنوّعات بيئية وفكرية وتربوية كثيرة. 
يزرعون بذورا في حقولهم الروحية، مأخوذين بغرور الوقت، البعض كبارا يبدأون، والبعض صغارا ثم يكبرون، والبعض صغارا سيخرجون من حيّز المكان للوجود ويظلون كذلك.  سواء كان ذلك في المعرفة أو في القيم الإنسانية أو كلاهما. 
الصمت يطبق شفتيه برعونة على كل شيء. 
الأشياء كلها في أماكنها ولكن بتراتيبية مريرة، وبجمود ممل. 
المكان بارد وميت رغم حرارة الشمس المتربّعة بخيلاء على جسد الوجود. لا أغنيات تصدح في المكان، لا مرح،  لا ألوان ربيعية لهذه الأجساد الربيعية إلا من ضدية الأسود والأبيض. لا تنوع.  لا اختلافات بينية في الشكل أو الفكر.  
لا ابتسامات تغمر الوجوه والأرواح الصغيرة بالدفء، لا آفاق روحية وعقلية جلية، وهي التي يرمز لها المكان أصلا. 
لا لوحات فنية حقيقية، لا منحوتات عظيمة. لافن. لا مقاهٍ راقية ومفتوحة للجميع من أساتذة وطلاب وعابرين،  تدفع لنقاش طويل ومعرفة خارج قاعات الدرس، وتذهب نحو آفاق أوسع للجمال والرؤى المتعددة خارج الملل الأكاديمي. 
فالجميع يعبر بكهولته المتصنعة مهما كان عمره، وبقالبه الجبسي الذي يضعه فور دلوفه للخارطة المكانية.  الكل ممتثلون لشرط الحالة، متصنّعون للرزانة، ملتزمون بالأشياء الجاهزة، والكليشيهات المتوارثة، ذاهبين في رصانة الصمت، ووجاهة الرؤى الكبيرة والأهداف العظمى، خاضعين لاشتراطات التنافق المجتمعي والديني من عيب وحرام،  فتنقسم الأرواح الغضة القادمة بشغف المعرفة والعمر والرغبة في التكوّن لذكور وإناث ونحن نحتاج لصناعة إنسان راق وناضج (رجالا  ونساء) فقط فقط. يضعون الحب والجمال في دائرة الخطأ، ولذا يرتبك الجمع وتحدث الخروجات على المحظورات قصدا أو ارتباكا، ويسمى لاحقا خطأ، ويتصاعد الارتباك وتقصى الحرية أكثر، ويذهبون في التزمت أكثر وأكثر ويغيب التفاعل ويذهب الجديد نحو زمنه وعوالمه الرقمية خارج الحياة الحقيقية التي تضيق به فيصير الحضور نفاقا والتوافق مع الأنظمة وصنّاعها كذبا. 
فتسكن الكتب الهواتف النقالة والسر يستبدل بالعلن، والإنسان الحقيقي يقبع تائها في زاويته البعيدة إلا من ذاته وصدقه وأهدافه الكبرى.
وأبدا تتصاعد البروتوكولات الرسمية، وتزداد الأنظمة البليدة  تفرعا وقرفا وتحكما بالجميع، فتشعر بيدها تحت جلدك وبين شهقيك وزفيرك، وفي جدولك الدراسي، وفي تغيير درجة في مادتك العلمية، وفي حيثيات مؤتمر تريد أن تحضره أو بحث تريد نشره. في هاتف مكتبك المعطّل، وفي مواقف السيارات المحجوزة لذوي المناصب الرسمية قبل العلمية، ولمسمياتهم الكبيرة والكثيرة تتصدر كل فعالية ونشاط، وفي مزاج الشرطي عند بوابة الدخول، وفي دائرة شئون الموظفين.
فتتراجع أحلام كبيرة بالحرية والبساطة والخفة التى ترقى بالإنسان والوعي والفن والجمال والمعرفة وتبهت قليلا قليلا داخلك. 
وتتقلص الأمنيات لدى الجميع لتسمع من يقول (بضع سنوات وتعدي..  ياصبر أيوب)
نعم كم يحتاج الجميع للكثير من صبر أيوب، ورسائل السماء، وأصدقاء شحذ الهمم بالطاقة والبرمجيات اللغوية والعصبية وللكثير الكثير من الأحلام لنستمر لزمن آخر، عام آخر، فصل آخر .

12 سبتمبر
هذا اليوم أصلي للكتابة في غيابها وعجزي 
أيها الكتابة:
أردتك فرحا فلا تكوني حرنا مضاعفا
وأردتك نجاة فلا تكوني غرقا محتوما
أرتدك  صاحبا فلا تكوني خذلانا مبينا
أردتك حياة فلا تكوني فقدا جديدا

11 سبتمبر
تصادف هذا اليوم ذكرى الحادي عشر من سبتمبر .. بكل ما تشكله أحداث هذا اليوم داخلنا من ارتباك ضمني كبير..  فهل علينا أن نشعر بالقليل من الألم الإنساني لأن قتل إنسان في أي مكان في العالم يمثل طعنة غادرة ووصمة عار كبيرة؟! 
أم علينا أن نشعر بالقليل من الفخر الإنساني، لأننا في هذا اليوم فقط كنا -إنسانا ووعيا وثقافة- في موضع قوة ينظر إليها العالم أجمع بخوف، بعد أن سحقتنا الثقافة الغربية بدمويتها وبشاعتها (إنسانا ووثقافة ووعيا أيضا)  لزمن طويل، وشربت دمنا ساخنا في كؤوسها الأنيقة. لست مع القتل والإرهاب، وضد كل قاتل وجبان، لكن شيئا مني يستشعر أنها كانت صفعة مستحقة على وجه الغرب الأنيق والمتحضر خارجا،  والقاتل والإرهابي ضمنيا لتقول له:  انتبه، تبتكر الإنسانية والثقافات والشعوب المقهورة أساليبها دائما للدفاع عن نفسها، فاتق الكائن الجريح الذي ليس لديه ما يخسره، الكائن الذي قد يتعلم من أعدائه ومن اختراعاتهم وثقافتهم أيضا، والحضارة سجال، ولو دامت لغيرك ما وصلت إليك!!!!

10. سبتمبر
كل ما كنت أحتاجه هو الشغف الحارق للحياة والكتابة، ذلك الجرح الطولي في الجسد والروح والذاكرة، ولكن للأسف أبدا كانت الجراح أفقية،  الشغف باهتا وبسيطا.

9 سبتمبر
الكتابة الجديدة أسهل بكثير من مراجعة وتحرير كتابة قديمة؛  الأولى أشبه بولادة جديدة، والثانية أشبه بمحاولة بث الحياة في جسد وروح قديمين هكذا أشعر الآن بعد زمن من مراجعة وتحرير كتاب للنشر .

8 سبتمبر
في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم الأسبوع كالعادة، وكان موعدنا مع فيلم " HITMAN,S BODYGUARD، شعرت بالامتعاض في البدء من فكرته القائمة على القتل، بين الانتربول وقاتل مأجور، رغم الدعاية الجيدة التي دفعتنا لمتابعته ، ولكن لاحقا كمية الكوميديا الجميلة المشبع بها الفيلم إضافة إلى الحب والرومانسية التي تعطر أجواءه، إذا تتساقط الجثث بين مشاهد الضحك والحب الكثيرة، فتضحك من قلبك،  وتتحسه (أي قلبك) بين فينة وأخرى لتتأكد منه عاشقا ومعشوقا؛ جعلتني أخرج من الفيلم راضية كل الرضا، وتحققت لدي جرعة الأسبوع من المتعة السينمائية التي أنشدها.

7 سبتمبر
أن تبدأ في تتبع حياة وأعمال بورخيس قراءة واستماعا ومشاهدة، فأنت موعود بمتعة كبيرة وعظيمة ومضاعفة، لن تقف فيها على "كتاب الرمل" الذي هو عبارة عن مجموعة نصوص مدهشة، أو الكثير من المقابلات المدهشة للمعلم الضرير، إنك تمضي في شهرك هذا مع الجمال الممكن والمستحيل الذي بدأ للتو ولن ينتهي.

6 سبتمبر
فيما مضى كان ثمة دفتر وقلم وكان ثمة تأن وبطء، وثمة إحساس عارم بالأشياء والناس والحزن. ولزمن طويل حاولت الفضاء الأزرق وأعترف أنني شغفت به، وذهبت معه قليلا، ولكن الضوء كان مربكا جدا، والوجوه مصبوغة ولامعة أكثر مما ينبغي والقلوب المغطاة بالضوء يظهر قبحها ما أن يتوارى الضوء، وثمة أحقاد ولصوص وقطاع طرق، وأوهام منتفخة تمشي على قدمين.  لم أجد هناك ذاكرة لامعة، ولاحزن شجي، ولا قوارب للنجاة ولا عزلة تليق بي، وها أعود خالية الوفاص، بردت تلك الشهوة الجامحة، ونقصتني لذة الغياب والركون للظل وللحنين المستطيل كظل شجرة، عدت للورقة والقلم. 
والآن أود أوعود لكتابة الصمت، للهدوء الأبدي والعزلة المبهجة، بعيدا عن الصخب الموازي للكينونة الحقيقية بعيدا عن كثيرا عن كل شيء . أود أن أعود لذلك الهدوء النبيل، والوعي الجارح،  وأبقى حيث أنا والقلم والقرطاس فقط .


5 سبتمبر
الحياة أوسع من اللغة ..أم اللغة أوسع من الحياة بحيث تتسع لها؟ سؤال كبير يحاصرني هذا اليوم، مستحضرة روح هايدغر ورولان بارت، ودوسوسير وغيرهم من علماء اللغة إضافة إلى كل الشعراء والكتاب الذين اخترقوا وعيي على مدى عمر الاطلاع والقراءة.
فهل كينونة الوجود تحدث عبر اللغة، وبالتالي فهو توجيد له بشكل جلي، ودون اللغة تظل الحياة خفاء لا وجود له. وهنا يكون التفكير هو البناء اللغوي لمسميات الوجود والموجودات، وخارج اللغة لا وجود للوجود لأن الوعي الوجودي الإنساني مرتبط باللغة بدءا .
وأن الداخلي من المشاعر والانبهار يظل في الداخل. لا يتشكل أصلا وبالتالي فهو غير موجود،  ولعل وصفا لغويا أقل من الحقيقي يشكل وجودا أعمق.
وبالتأكيد أن اللغة ليست هي الكلام المكتوب فقط، بل هي ماقبل العبارة غالبا، فهي التشكل الرؤيوي للفكرة، ثم تجسدها في شكل ما.
فماهي الحياة خارج الوصف؟  وهل نختبرها إلا ضمنه، والوصف باعتباره توصيفا أوليا قبل التجسيد النهائي، ألا يقدم تجسيدا تكوينيا لها، نعرفها أي الحياة عبره. فالتشكل البدئي للذات يحدث داخل اللغة /خارج الحياة. أسئلة تجعل لهذا اليوم بعدا وجوديا لغويا خاصا

 4 سبتمبر
علينا أن نفرق كثيرا بين الكاتب وما يكتب من حيث القيم الرفيعة والوعي والمسئولية الثقافية والإنسانية.  الكتابة فعل نرجسي بالدرجة الأولى ولكن التطبيق الإنساني هو محك تقييم الإنسان.

3 سبتمبر
للتو فرّغت أيامي من جحافل النمل
ومن اكتظاظات الينابيع
قبلها بقليل اسنفدت خطط القيامات
واستفقت على العبث
بعدها بقليل سأمصّ أصابعي في احتشاد الفراغ وأمضي في رقصة العدم

2 سبتمبر
أيلول والعيد وذاكرة مثقلة بالتفاصيل، وروح متصدعة بالحنين..  يا ااأبي
"ورقو الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك/ ذكرني وورقو دهب مشغول ذكرني فيك
رجع أيلول وأنت بعيد بغيمي حزيني قمرها وحيد
بيصير يبكيني شتي أيلول ويفيقني عليك يا حبيبي
ليالي شتي أيلول بتشبه عينيك
يا ريت الريح إذا أنتا نسيت حبيبي أول الخريف وما جيت.. ينساها الحور وقمرها يغيب وليلا يطول
ونبقى حبيبي غريبي وغريب أنا وأيلول"


1 سبتمبر
ممل هذا العيد كمشهد مكرر
كصفحة بلا إثارة في رواية ايروتيكية
كقهقهة مجنونة يخالطها البكاء
كميت يحاول الأطباء إنعاشه
كأشياء بلا معنى نحاول أن  نخلع عليها معنى كبير كالفرح

الخميس، 31 أغسطس، 2017

أغسطس 2017

فاطمة الشيدي
أغسطس 2017

29 أغسطس
المعصرات الجدد، للأسف هذا هو أكثر  ما خرجت علينا به مواقع التواصل الاجتماعي في نسختها العربية، وحين أقول (الجدد) فهذا احتراز لغوي من الفهم أنهن نسوة يقطعن أيديهن، فهم للأسف جمع مشترك بين الذكور والإناث.
المعصرات الجدد في فضاءاتنا الزرقاء، التي وهبتها لنا يد الآخر؛ لا غاية أرقى لديهن/ هم من الكلام الهش والأخبار البائتة والباهتة من هنا وهناك، أو عن هذا وذاك، وقد لا يتورع البعض الولوغ في الأعراض والشرف، وبالطبع لن يعدم  (الأحمق/ الحمقاء صاحب البوست الكثير من اللايكات والتعليقات ممن هو في نفس منزلته ونفسيته ووعيه،  ليرتفع لديه (الإيجو) المريض فيظن في نفسه العلو والمكانة الأدبية والثقافية والمعرفية، فيتباهى على الجميع، ويبدأ في توجيه أصابعه القصيرة نحو كل كبير وكثير.
إن مواقع التواصل الاجتماعي العربية هي نتاج الحياة العربية  تماما، لذا وكما في الحالة الاجتماعية والسياسة والدينية لاتبخل علينا كل يوم بالمسوخ والتشوهات والأمراض التي تتقافز على حبال الضوء كجراء صغيرة أرعبها النها، أو كخنافس تجمع ماتساقط من خراء الوجود وتكوره في عبورها الحتمي وذهابها الأبدي، فيمضون وهم يقرعون ناصية الوهم ويتهافتون على الحضور المريض كزواحف يتسلقن التراب كفعل ارتقاء على مشارف الكونية الباهتة. وليس لمن يكتنز الجمال ويسعى إليه  سوى رفعة العزلة وشغف الصمت والكثير من الاحتياطات التقنية.

27 أغسطس
اختلاف الرأي (خاصة في القضايا القيمية والمبادئ الراسخة) يفسد للود ألف قضية.
لذا فالحمدلله  على نعمة
Delete/unfollow/ plock


26 أغسطس
حرضتنا نيكول كيدمان بمحبتنا السابقة لها على مشاهدة فيلم (The Beguiled) وهو فيلم نفسي داخلي يكشف الكثير من ارتباكات الإنسان أمام حاجاته ورغباته رجلا كان أو امرأة. هذا الفيلم يقدم صورة مقطعية من المجتمع في الحرب الأهليه الأمريكية، هذه الصورة المجتزأة عبارة عن بيت (مدرسة) به مجموعة نساء وفتيات محتجزات خوفا من الحرب. 
وتبدأ الأزمة حين تعثر إحدى الفتيات على جندي جريح من جنود الأعداء،  فتحضره للبيت ليقمن بمعالجته. لاحقا  تظهر الأزمات الداخلية لكل واحدة من تلك النساء المأزومات بفعل الوحدة والحرب.  وتنكشف الطبيعته الذكورية للرجل .. وإذا تتصاعد حدة الصراع بينهن من جهة، وبينهن وبينه من جهة أخرى  يتفقن على قتله ويلقينه خارجا، وكأنهن يقتلن  بذلك رغباتهن وينتصرن على أنفسهن. 

25 أغسطس
 في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم الجمعة  كالعادة الأسبوعية، فكان فيلم BlIND هو خيارنا هذه المرة، وهو يحكي قصة امرأة  عاشت مع زوجها الغني حياة ثرية وباذخة غاضة الطرف عن مصدر ثروته وأعماله المشبوهة، حتى يحكم عليها بالخدمة الاجتماعية مدة حبس زوجها بعد أن وقع في قبضة العدالة لاعتراف شريكه عليه، هناك تجد نفسها تقرأ لكاتب أعمى كتابات طلابه.
هذا الكاتب الكبير أصيب بالعمى نتيجة حادث فقد معه زوجته ورغبته في الكتابة،  فتبدأ العلاقة حادة بينهما، ولكنها تسير نحو الإئتلاف حتى الحب خاصة بعد أن عرفت خيانة زوجها .
يخرج الزوج من السجن ويشعر بتغيرها نحوه فيحاول استعادتها، فتترك الكاتب الأعمى بعد أن وقعا في الحب الصادق والعميق، ولكن الزوج الخائن يعود لعشيقته التي هي صديقتها الأقرب. وهناك تتخذ قرارها فتتركهما وتذهب لحبيبها الكاتب الكبير الأعمى. يصور الفيلم أيضا علاقة الكاتب بطلابه، وعلاقته بكاتب شاب يتلمس الطريق إليه ليتعلم منه الكتابة، وهو فيلم إنساني راقٍ جعلني  أخرج من القاعة وبي رغبة في الصراخ نعم كان فيلما يستحق المشاهدة.


24 أغسطس
تنفجر أغنية في روحك، تستجيب لها حواسك، تتداعى معها خلاياك النائمة، تتوزع في رهافة الكلمات وتصدعات اللحن وارتقاءات الصوت الندي. وهي هذه المرة رائعة نزار قباني بصوت الجارحة ماجدة الرومي (أحبك جدا وجدا .. وأعلم أني تورطت جدا) 

23 غسطس
يلكزني سوط من الندم في خاصرتي
فأعترف بوجع أنني أخطأت
وأنني ساهمت في انحدار  السفح أكثر
وفي اهتزاز الصورة المرتبكة أكثر وأكثر
وأني نفخت في جثة حالكة فأصابها الضوء في مقتل
فارتفعت كبالون فارغ
وأصدرت هباء الطبول
وأني مددت يدا لتمثال من خراء
فلا عجب أن ترنح بزهو السقوط
ولا عجب أن تشملني  الرائحة

22 أغسطس
ما زلت أعتقد بشدة  أن من يصنعون الجمال والحب يختلفون كثيرا عمّن يدعونه، وحتى عن أولئك الذين يحترفون الكتابة عنه أو يميلون لتجسيده، فما زلت كلمّا ذهبت لصالون التجميل، وأسلمت نفسي للأيادي الرقيقة التي تعتني ببشرتي وشعري، أعتقد أن هذه المرأة يد الله التي تعتني بالجمال الآدمي، فهي تعتني بالذوق والفرح والبهاء الكوني. وكلما شاهدت العامل الذي يشيّد البنيان ويصنع العمران الإنساني، والمزارع الذي يعتني بالأشجار والمزارع في كل مكان.  أدرك أنهم جميعا بعض أياديه الجميلة ..فالمجد للجمال ولرب الجمال.

21 أغسطس
الأفلام التاريخية مثل الروايات التاريخية لها فضيلة إضافية غير الفن والمتعة، ألا وهي بعث ذاكرة الحدث عبر الزمن، وعرض تاريخ الإنسان على هذه الأرض كدروس مستفادة للإنسان الجديد. وفي هذا اليوم شاهدت عبر الشاشة الكبيرة فيلم (The Man With The Iron Heart)  الفيلم الذي عرض جانبا من المقاومة الشعبية في التشيك لجيش هتلر النازي، في الاربعينيات من القرن العشرين، وتحديدا لقائد الاستخبارات صاحب القلب الحديدي المشبّع بالحقد والكراهية والرغبة في القتل وقد أجهزت عليه فعلا) ؛ ستتذكر كم مر على البشرية عبر التاريخ من القتلة والسفاحين والمجرمين الذين دمروا العالم وقتلوا الإنسان .وكم سيمر!
كما ستتذكر المثل الذي يقول: وراء كل رجل عظيم(حقير /نبيل/قاتل) امرأة. فامرأة هي التي أوصلت هذا الضابط الصغير لرئاسة الاستخبارات عبر والدها، في حين كانت فتيات ونساء المقاومة يضحين بأرواحهن ويخاطرن بكل شيء من أجل الوطن والناس.
الفيلم يعكس جانبا من صراع الأفكار والأيديلوجيات الطويل عبر الأزمنة، وانحياز الإنسان لما يمثله من خير أو شر. ويسرد تاريخ المقاومة في مقابل عنف النازية وبشاعتها ودمويتها.  

20 أغسطس
في حوار بسيط حول الجنة التي يستأثر المسلمون بأحقيتهم لها وحدهم دون باقي البشر ، كان المحاور يحاول أن يقنعني بأن الإسلام هو آخر الملل والشرائع ولذا فإن الجنة هي مكافأة الرب للمتدينين المسلمين .
أنا كنت أستحضر بعضا ممن يدفعون من أعمارهم وأوقاتهم وأموالهم الكثير لتقدّم البشرية ورفاهية الإنسان، ولمساعدة شعوب بأكملها يأكلها الضيم والفقر والحاجة وتنخر أجسادها الأمراض باختيار تام، وقناعة داخلية. وكان عقلي تحديدا يستحضر انجلينا جولي وبيل جيتس.  واتساءل هل هؤلاء سيدخلون النار في حين سيدخل من يطيل لحيته ويقصّر ثوبه فقط الجنة لأنه مسلم. "مالكم كيف تحكمون".

19أغسطس
ويد الإرهاب المجرمة تمتد لبرشلونة؛ أمسح دمعة في قلبي وأستحضر كل ذلك الجمال الذي ملأ روحي وذاكرتي، وكيف وقعت في غرام برشلونه، وفتنت بها وبفنانها الساحر غاودي، وهمنا في شوارعها وأزقتها وتشربنا جمالها حتى الظمأ

18 أغسطس
وقد قرأت قصة (أجمل غريق في العالم لماركيز)  هذا اليوم،  تلبستني تماما، كنت أتساءل هل كلنا هذا الغريق? أم كلنا سكان هذه القرية التي هزتهم جثة الغريق، فحمّلوها أحلامهم وأوهامهم ونقصهم، كم من (غريق) نمر به في حيواتنا فيهز قناعاتنا، ويعري نقصنا، ويجعلنا في مقابل صورنا المشوهة وحياتنا الفارغة وداخلنا المقفر .. وخارجنا المغبّر المليء بالمقابر والجثث.
هل نحتاج أن نموت ليحبنا البشر، أم نحتاج أن نواجه الموت لنشعر بالقليل من المحبة للوجود والإنسان.
استبان أنقذ هذه القرية وأنقذني من تراكمات حزن ما كان يسكنن...ي ألبسته جثته، وزينّته لأجله، ثم رميته في البحر معه، وعدت لذاتي لأجمّلها أكثر للذهاب خلف أفق الجمال الوجود الكوني الذي أحرص على التشبث به مهما كانت أظافري قصيرة، ولا أظنها ستطول يوما.
كم  منا يحتاج لهذا الغريق كصدمة وجودية وحياتية، تعرّي نقصه ، ليواجه ذاته المرتبكة داخليا، ويسعى لأصلاح بعضه، وإكماله في الداخل والخارج.

17 أغسطس
ياطالما رددت بيني وبيني أو بيني وبين آخرين أن ثمة كتاب (رواية تحديدا) لن تعود بعدها كما كنت قبلها، وكنت أقصد تلك الخلخلة التي تصيب عقلك ووعيك ورسوخك، الرواية التي تهبك تصورا أبعد منك، تواجهك بك، تأخذك منك.
وغالبا هي تلك الروايات العظيمة، المنطلقة بدءا من فكرة  غير مطروقة، ويأتي البناء السردي  المحكم ليضيء الفكرة الأساس ويشتق منها أفكارا أخرى متتابعة وجريئة وصادمة.
إنها الرواية المنطلقة من فكر فلسفي عميق قائم على انبثاق كلي من مناطق جديدة تماما، ثم تحميلها بمحمولات فكرية وفلسفية بعيدا عن الحشو اللفظي أو المستهلك من الأفكار.
الرواية الفلسفية هي الرواية الخالدة والتي تجترح رؤية عظيمة تجرح بها وعي القارئ متى ما قرأها فهي صالحة لكل زمان ومكان، إنها رواية الإنسان التي تصور حقيقته الداخلية.
وأستطيع القول أن رواية (العمى) رواية من تلك الروائع الخالدة التي لن ترجع بعدها كما كنت قبلها، وليس بوسعك وأنت تقرأ إلا أن تتلمس عينيك بين فينة وأخرى، وثمة صوت ينهش سكينتك لأحدهم (أنا أعمى). وستتخيل بخوف ذلك البياض الحليبي الذي يغطي الوجود، تماما كما ستتخيل ذلك العجز الذي يصاب به العميان، بكل ممكناتهم وقدراتهم، الطبيب والسارق، والعاهرة، والطفل .. الجميع وهو يحاولون الحياة بأسبابها البسيطة كالأكل والشرب واستعمال الحمام والاستحمام، ومع هذا ورغم هذا العجز ستظل تظهر الكثير من الممارسات الآدمية الشريرة منها مثل التحرش و وظلم الآخرين والاستيلاء على طعامهم ومقايضتهم بأرخص الأساليب.
والطيبة مثل مساعدة الأضعف كالطفل الأحول ومافعلته زوجة الطبيب (التي لم تكن عمياء) بل ضحت لأجل زوجها فظلت بقربه للاهتمام به. وما بين تلك الحالتين كالحب او الخيانة التي وجدت طريقها رغم العمى.
أما نهاية الرواية التي بدأت الوهن والوخوف الذي أصاب زوجة الطبيب إذ شاهدت تفخم عدد من الأجساد ولجوئها للرب (الكنيسة) والرعب الذي أصابها وهي تشاهد أن الأيقونات واللوحات كلها معصوبة الأعين، وأستنتاجها بأن صاحب الأبرشية فعل ذلك، ثم محاورتها للرجل الذي تصدى لها هناك بقولها: (الزمن هو الذي يحكم... الزمن هو المقامر الآخر قبالتنا على الجانب الآخر من الطاولة وفي يده كل أوراق اللعب، وعلينا نحن أن نحرز الأوراق الرابحة في هذه الحياة).
ثم عودة النظر للجميع تدريجيا بزوال ذلك البياض والوعاودة للرؤية، وكيف رفعت هي رأسها للسماء لترى البياض هناك، وتثق أن الجميع عميان أصلا أصيبوا بالعمى فقط (لا أعتقد أننا عمينا، بل أأتقد أننا عميان يرون، بشر عميام يستطيعون أن يرون لكنهم لا يرون) .

16 أغسطس
لم تكن تلك الصرخات التي قوبل بها قرار حقوق المرأة في تونس من نساء العالم العربي من أقصاه إلى أدناه إلا مؤشرا خطيرا وجارحا على رسوخ المنظومة الفكرية المناهضة للحريات لدى المرأة العربية، فالمزعج والموجع بشدة والعالم كله يناقش حصول  المرأة التونسية على حقها في الميراث المساوي للرجل وحقها في الزواج من غير المسلم،  وفي كل ما يتعلق بحقوق المرأة بشكل عام؛ وقوف الكثير من النساء (النسوان) ضد تلك الحقوق تحت ذرائع شتى. شيء يبعث على  القهر والغثيان أيضا أن هناك من يحاول أن ينظر إليها على أنها إنسانة كاملة الحقوق، فتأبى إلا أن تنظر لنفسها على أنها نصف إنسان أو (ناقصة عقل ودين) وترفع صوتها في سبيل ذلك بقوة. فمتى وكيف تدرك المراة حقيقة ذاتها وحقوقها !!!

15 أغسطس
لماذا نكتب يومياتنا ؟ نكتب لنتذكر، لعلنا نكايد النسيان بذلك، التذكر فعل إرادي والنسيان فعل لا إرادي غالبا، أو ربما لنكافئ أنفسنا بزهو خفيف بين أصدقاء مثلنا، كما يباهي تاجر بزيادة مليون أو امرأة بطبخة لذيذة، نضع علامات لحياتنا الرتيبة عبر فعل يشبهنا لنستمر في طريق موغل اختارنا أو اخترناه أمام تفرعات كثيرة يفعل فيها الناس ما يظنونه جميلا ومفيدا لهم.
لذا ندون أيامنا لنتأكد أننا لم ننحرف كثيرا عن المسار ، ولم نهمل تلميع عقولنا، ولم تاخذنا توافه الأشياء نحو أفقها المغري. أظن أننا نكتب كما نفكر أحيانا بصوت عالٍ، وربما فعلا يتحول هذا القليل يوما للبنة في بناء أكثر رصانة وأجمل صنعة. ولذا علينا أن ننتبه لرصانة اللبنات وهدفها البعيد.


14 أغسطس
تصل إلى أغنيتها المفضلة عبر الصباح، تتعثر قبل ذلك بالأفكار كسلم طويل، بدعاء والدها، بحنانات مجازية، بالصداع النصفي، بالأحلام القليلة التي تجعلها تعيش، والكوابيس الكثيرة التي تقربها دائما خطوة نحو الموت.
لم تعد حزينة جدا، هي أحيانا حزينة فقط، لكنها ما زالت تتأمل كل شي بألم، الطواويس المنتفخة، والحمامات الوادعة التي لن تتوانى عن نقر عيني جثة حيوان ميت لتعيش، الجيوب المتسعة أبدا لكل شيء، والأحزان التي تتدحرج على الأرصفة ولا يراها أحد، كواليس المشهد الدرامي الذي لم يفصح عنه المخ...رج، والقامات المستطيلة، بكاء الوحيد آخر الليل، وأغلفة الكتب السميكة التي لا تحبها، وصورة امرأة في لوحة في متحف في مكان ما من العالم تطعنها كسكين، الفراغ الذي يسكن الضمائر، والكذب الذي يتدلى كذيل حصان.
المرأة التي تكتب قصيدة في المطبح، والرجل الذي يستعرض ذكورته فور نشوته، و أحلام الخادمات في البيوت، والزهور التي تلسعها حرارة الصيف فتشهر فتنتها لتقاوم الجفاف.
تكتب في رأسها كل شيء، كل شيء تماما، صوت الموسيقى، وانسحابات الجسد نحو الوهن، وقميص ضاق عليها مؤخرا، وقدح القهوة التي تطلبه في المقهى لتكايد الأرق، ورواية عظيمة استمعت إليها مؤخرا، هذه الهواية الجديدة التي تمارسها بشغف جديد مع المشي.
بينما تهرب من أوراق ملطخة بالحبر تخشى الاقتراب منها كي لاتجبرها على تنقيحها، ومن الرواية البائسة التي تنتظر تعديلها النهائي، والقصائد التي لن يقرأها أحد.
هكذا تستيقظ كل صباح في بهو الفراغ العظيم ثم تمضي به إلى نهاية متجددة.

13 أغسطس
"عداوة بسيطة أفضل
من صداقة الخشب المُعاد إلصاقه."
نيتشه

12 أغسطس
ما أجمل أن تكون ذاكرة الفرح!
هكذا عبر عبدالحسين عبد الرضا هذه الحياة ليظل في قلوب أجيال كثيرة، واتساعات مكانية شاسعة ذاكرة حيّة وحميمة للفرح وستظل تبتسم لمجرد أن يخطر اسمه أو صوته أو ملامحه على عيونها أو مخيلاتها.
المجد للفعل الراسخ والإيمان الحقيقي بما نعمل.

11 أغسطس
التاريخ وجهة نظر!  هكذا أفكر في هذا اليوم
ولذا أيضا -وككل وجهات النظر- الاختلاف فيها قد يفسد للود قضية.
ولأن الجغرافيا جزء من التاريخ غالبا ، فهي أيضا كثيرا ما تكون وجهة نظر تفسد الود

10 أغسطس
مثقلة خرجت من هذا الفيلم  (Wind River ) الذي يحكي عن فقد واختطاف نساء الهنود الأصليين في أمريكا، ومشاعر الآباء والأمهات حيال هذا الفقد، وعدم وجود قانون صارم لردع ذلك والتصدي له ويختتم أحداثه بتعليق مؤثر( حتى اليوم لا توجد احصائيات دقيقة عن النساء المفقودات من الهنود الأصليين) .
خرجت حزينة على هذه الغابة الكونية الممتدة والتي غالبا النساء فيها هن الطرف الأضعف. بل وحتى القوة أحيانا لا تكفي إلا كشرف محاولة للنضال ...لصالح الحياة والشرف ضد الموت والانحطاط. فكما يقول البطل في تعليق عميق على العميلة الفيدريالية التي أصابتها رصاصات القتلة وهي تؤدي مهمتها في البحث عن القاتل (الحظ يوجد في المدن، هنا توجد القوة فقط، الغزال الذي ينجو هو الغزال القوي في حين يموت الضعيف).
الفيلم يحكي عن عدم وجود عدالة كافية في هذا العالم، وتفاوت تحقيق القانون حسب المطبِّق والمطبَّق عليه. هذا في أمريكا أما في عالمنا فحتى الكلام عن الظلم ينطبق عليه ما ينطبق على القانون خاصة إذا كانت هناك (جهات عليا تغلّ يد العدالة) وهي دائما موجودة.

 9أغسطس
المؤسسة القانونية (خارج الشرطية) جزء من المؤسسة الدينية فهي في أغلبها مؤسسات شرعية، وكذلك كل من يعمل بها ضمن هذا الإطار، وبالتالي فحضور المرأة (العورة) فيها ضمن تجليات قانونية (حياتيةضرورية) غير مرحب بها، ولا تسير بسلاسة ومهنية، فوجود المرأة يربك منظومة هذه المؤسسة وأعضاءها المنضوين تحت الفكر الديني ووعيه ونظرته الإقصائية (كي لا أقول الدونية وهي كذلك) للمرأة. 
وبالتالي تجد النساء أنفسهن ضمن حالة من القلق والارتباك يتمنى كل من الطرفين(المرأة والمؤسسة) الخروج منها بأسرع وقت ممكن.  والحل الوحيد لهذه الأزمة يكمن في تغليب الحالة المدنية لهذه المؤسسة فقط وفقط.


8 أغسطس
(ونحن لم نحلُمْ بأكثر من حياة كالحياةِ)
من منا - نحن بنات الصحراء (مناخا وعقليات)- لم تحلم أن تستيقظ صباحا وتنزل للشارع دون أن تضع أقنعة أو أجزاءً من بيت السلحفاة على جسدها، فتمشي طويلا في الشوارع التي تعرفها وترتاح لخطواتها وصوت كعبها مهما ارتفع، تتجول في المحلات القريبة ثم تجلس إن أخذ منها التعب مأخذا لتشرب قهوتها وحيدة أو مع صديق/ة أو طفل في أقرب مقهى وهي مأمن من مضايقة شيء أو أحد ما.
غير أننا ندرك جيدا أن المستحيلات لدينا أكثر مما عرفته العرب قديما وحديثا؛ فعلاوة على ...أننا نعيش في جهنم طقسا، وبلا شوارع تقبل تيهنا وجنوننا؛ نحن نعيش بلا حرية أيضا وهذا أكبر همومنا، فالجميع يتيح لنفسه فرصة متابعتك ومراقبتك والتدخل في خصوصيتك وانتقاد ما لايتناسب مع وعيه وثقافته حتى لو كانت من نسخة ما قبل الميلاد بكثير.
الحل الوحيد في هذه البلاد هو وجود المقاهي، المفتوحة على الخارج تحديدا. لتهبنا بعض الهواء للتنفس طبعا متى ما سمح بذلك الطقس ولو قليلا.

5 أغسطس
نعيش حياتين، أغلبنا في الأقل يفعل ذلك، حياة داخلية نتأمل فيها كل شي، حياة صادقة وعميقة ومتأنية، ندخل فيها من نحب ومن نكره، وأخرى خارجية نهرول في عبثها وجنونها، نكذب ونجامل ونربي هالات مرضية، ونضع أقنعة حسن، ونستأصل ذيولنا البسيطة كي نبدو أجمل وأكثر وأكبر، ثم حين ننكسر نذهب للداخل لنبكي ونرمم خيباتنا الحميمة قبل أن نعاود الخروج بفراء نمر أو بيت سلحفاة.

4- أغسطس
مجددا يا أبي ثمة فراغ في الحكايات بما يكفي لحبكة جديدة، وثمة صمت في الموسيقا بما يكفي لانتهاء رقصة بين عاشقين، وثمة حزن في ضحكة مسترسلة كشعر طويل، ودمعة ضلت طريقها إلى فرح قصي.
مجددا ثمة ثقب في القلب يتسع كلما نظرت، وأنا أنظر باتساع الرؤية، والكائنات الباهتة تتكاثر حولي، في حين الرجل الداكن كغيمة على وشك البكاء يضيق ويتقلص للداخل كحنين أزلي أو موت زاحف.
مجددا لا أنتبه كثيرا لهذا الخارج وأنا أعبر الكون بزاوية حادة، الأشياء القليلة داخلي تكفي كي أعيش أو أموت من أجلها، وا...لكائنات القليلة التي أمد لها يدي يعوزها الصدق كثيرا، ويخونني صدقي، يخونني ارتباك الخطوة الناقصة.
مجددا ينتشي الحزن في روحي لأسباب هشة جدا، فتتناقص أسباب وجودي سببا، وأفتش عن أغنية تعيد لي توازني أو ضحكة طفل ملقاة على ناصية ما، أو عن شيء كان منك أو لك.
مجددا أتذوق طعم الليل بلذة مجنون أو عاشق أو صوفي، وأكنز صباحاتي في دواليب الفراغ كي لا يرعبني الضوء أو لا يأكلني ضجيج الكائنات المشرقة بلمعانها المبالغ فيها وأصواتها العالية.
مجددا أحلم بصديقة تكنّس لي بصوتها الجاف حكايات الدروب الوعرة، وأعري ذاتي بين يديها من تفاصيل الأرق، وأهب لها كذباتي المصنوعة على عجل كقهوة سريعة التحضير، ونبكي معا كلما امتصنا العجز أو سرق منا الوجود ضحكة خبئناها تحت أغطية الليل، أو في لفافات السجائر التي نشربها خلسة حين تنتحل المرايا صورة العدم.
مجددا يبتلعني رهاب الزمن، وعدمية الوجود، وأمشي بخطواتي المرتبكة بين الألم والأمل بلا رغبات مستطيلة إلا من أغنية أو كتاب أو كوب قهوة مرة، ويكسرني صوت نحيب خفي خلف نافذة بعيدة، أو خوف طفل يمشي خلف والده، أو انحناءة ظهر عجوز وحيدة وأتساءل عن مطلق الفكرة ونسبية تحققها.
مجددا أستميل الكائنات البسيطة إلى روحي المرهفة كنبات استوائي في بيئة صحرواية، الأمهات المثقلات بالقلق، والرجال المرتعبون من الزمن وفقدان الرغبة.
مجددا أهرع للحلم كي أواري سوأة الكلام، فأحلم بجسد بجعة، وبخفة فراشة، وبأغنية يهديها لي عاشق مجنون على رصيف ما، وبزيارة مدينة لم يزرها أحد قبلي، وبكتاب ينز من روحي اكتئابها المزمن وخيباتها الكثيرة، ويسوي بيني وبين الكلام للأبد.

2 أغسطس
أي رواية هي دميان؟ وأي راوٍ هو هيرمان هسه؟  لقد صب لنا الكثير من الأفكار الكبرى (النفسية والاجتماعية والفكرية ) في حكاية بسيطة لعلها عنه شخصيا، حكاية الطفل سانت كلير الذي تورط في كذبة صغيرة ليتباهى بين أقرانه، ولكن أحدهم يستغل ذلك الموقف فيسلبه ماله وكرامته لزمن طويل، حتى يجيء دميان التلميذ الجديد القوي المتزن والواعي لينقذه، فيتآلف معه ويستشعر قربه منه، ويتعلم منه فكرة عدم الصراع بين الخير والشر، وفكرة السيطرة على الآخر والذات معا، ويتعرف منه خصائص البشر المختلفين في رؤاهم، ويستمر ذلك القرب حتى المدرسة الثانوية إذ يفترقان، فيظل يتذكره، ويتذكر تعاليمه وأفكاره، ويراه في وجه كل من يتعرف عليه خاصة عازف الأرغون (بستاريوس) حتى يلتقيا مجددا. فيقترب منه أكثر، ويتعرف على أمه التي كثيرا ما رآها في الحلم ورسمها  في لوحاته، وأخيرا يفرّقه الموت عن دميان في الحرب العالمية الأولى حيث مات الأخير.
هرمان هسه الذي يعتبرمن أكثر الذين وقفوا ضد هذه الحرب رغبة في السلام. وكان صديقا ليونج، بل خضع للتحليل النفسي على يديه، وضمّن هذه الرواية الكثير من الأفكار النفسية مثل قانون الجذب والاستدعاء بالتركيز على الشخص أو الفكرة فتتحقق، ومهمة كل إنسان في فهم ذاته والترقي بها،  وهو مانجده اليوم كثيرا عند علماء النفس ومدربي التنمية البشرية، كما ركّز على فكرة تحليل الأحلام ومحاولة فهمها وشرحها بكل الوسائل إضافة لنقد الدين والحوار مع الرب وهي أفكار يظهر فيها تأثير يونج الكبير فيه.

الاثنين، 31 يوليو، 2017

يوليو 2017

فاطمة الشيدي

30 يوليو
"إذا كانت للملائكة لغة تتحدث بها، فإنها بلا شك الموسيقى"
توماس كارليل

11 يوليو
في قرطبة ينهض التاريخ من رقدته في حضرتك، ويفتح عبد الرحمن الداخل ذراعيه وأنت تضع خطوتك الأولى في مسجدها العظيم، ويضمك إليه بقليل من الوجع والكثير من الفخر، وتعانقك الأسماء والزقاق والجدران عناق الأرحام للأرحام، وتروي النافورات عطشك التاريخي بنثاثها الضارب في القدم، وتتلبسك رائحة المكان التي ينبثق منك وتلتحم معه لحمة الجزء والكل، وتقرأ ولادة بنت المستكفي عليك بعض قصائدها لابن زيدون، ويرفع ابن رشد رأسه عن رقعه ومحبرته، ويبدأ ينثر عليك حكمته وفلسفته.
في قرطبه يجلس التاريخ بين الناس، ويبثهم نجواه وحكمه، وتتآخى الأديان بعد صراعات مريرة صنعها الإنسان بجهله، وتجاوزها بحكمة الزمن والسلام والجمال (الذي لم نزل في مبعدة عنه للأسف). في قرطبة تفهم معنى الحضارة الإنسانية التي تتداخل فيها الأجناس والأعراق والحضارات والأديان جميعا بلا تمايز ولا عداء، بل بمحبة وسلام وجمال يتسع للجميع.

الخميس، 20 يوليو، 2017

حزن

فاطمة الشيدي
15- 7- 2017


فور دخولي المقهى أخرجت حزني من حقيبتي
وضعته على الطاولة
فذهب في التمدد والارتقاء
ثم تشكل كائنا خرافيا وجلس على الكرسي المقابل
طلبت له (أيس كريم) ولي قهوة سوداء أشربها نخبا له
ابتسم النادل وهو يقول:
جميل هذا الحزن.. كثير جدا، وشهي ياسيدتي
يكفي لكتابة قصيدة
أو كي يزهر الربيع مجددا في بلاد الحر
أما الرجل السمين الذي يجلس على الطاولة المجاورة

فكان يهش بيديه كي لايصله شيء من فراشات الحزن التي غمرت المكان فور دخولي
يبدو أنه يخاف أحزان النساء

أو لعله متورط فيها أكثر مما ينبغي

الاثنين، 17 يوليو، 2017

رسالة إلى أبي

فاطمة الشيدي
17-7-2017


عم مساء يا أبي من أحد أرصفة العالم البعيدة، فقد هربت بك، أو هربت منك لا أعلم، هربت من حزني أم هربت به لا فرق..  فهذا كله لا يهم، فما زلت أرى العالم كما كنت تراه متشابها، وما يفرق هو الإنسان .
أين أنت الآن يا أبي؟ لم يكن أنت ذاك الذي رأيته مسجى على فراش ليحمَل إلى القبر، فلم يكن له عزمك وصوتك اللذان لم يغلبهما المرض يوما، ولا ذاكرتك القوية، أو فكرك الحاد، ولم تكن له رائحتك الخاصة، ولمسة يديك الحانية، كان جسدا انسللت منه ..  فأين ذهبت؟
ماهي الروح يا أبي، هل لها عالم آخر، عالم خاص بها، بعد أن تتركنا في وجودنا المادي هذا تذهب إليه . (قالت الكتب التي كنا نحبها أنا وأنت بعضا من ذلك ولكنها لم تقنعني، وكنت تقنعني بالقليل من الكلام) فأنا مؤمنة قلقة كما كنت تعلم، وأنت مؤمن قوي كما عرفت أبدا.
أتذكرك الآن .. أتذكر كل شيء دفعة واحدة فيهيج بي الشوق، وأحلم أن أعود إليك لأقبل رأسك ويديك، فهذا الفراق لم يقنعني بعد ، ولن يفعل.
سأسافر طويلا وبعيدا، وسأغيب كثيرا، وعميقا ولكنك هناك حين أعود سأجدك هكذا يقول لي قلبي الشقي. وستسألني عن كل شيء،  وسأصدق معك دائما، وسأكذب عليك أحيانا كي لا أضايقك. ستسألني عن العالم والبشر والعمل والحياة.  وسأختصر لك الإجابات كي لا أتعبك. أنت مرهق كما رأيتك قبل الغياب، وكنت كل عام تزداد إرهاقا، لكن هذا لم يكن يمنعك من الضحك على بعض الجمل والأفكار التي أتعمد أن أنتقيها لتضحكك، ولم يكن يمنعك أن تشارك في حوار عميق وجاد حول تغير المكان أو تبدّل أحوال الإنسان.
أنا بعيدة الآن يا أبي، أنا ولست أنت، هل تصدق ذلك؟ وأشعر أنك قريب، بل أقرب لي من الجميع. وأتذكر أنني كنت كلما أخبرتك عن شيء ما، عن بلد ما، عن فكرة عميقة، كنت تنصت باهتمام،  ثم تسأل بعمق وتتبّع أصول الفكرة وكل ما يتعلق بها بوعي حاذق لم تنقصه تراكم السنوات على جسدك المرهق، ثم ترد بخبرة المجرّب عن اختلاف العالم الآخر، وعن تضييع إنساننا لقيم الحضارة والإنسانية، وتختتم كلامك بالأسف المرير.
أنا هنا الآن يا أبي في مكان يحترم الإنسان، ويعلي قيمة الحرية، لكني أشتاق أن أكون  (حيث لا أدري) بين يديك.  أشتاق لخوفي القديم منك، وخوفي الدائم عليك، لذلك الشعور العجيب بأن ثمة جبل خلف ظهرك تستند إليه كلما ارتخت أغصانك، وتضعضع عزمك، فتشعر بالأمان.
أتذكر حكاياتك وصوتك، أتذكرك قويا وضعيفا، فرحا وحزينا، مجلجلا بضحكتك القوية، غاضبا بقوتك العالية في رحلة عمر طويلة من الصحة والمرض والتعب والراحة، رحلة قوينا عبرها وضعفت أنت تدريجيا.
أتذكرك تفتتح الصباحات الندية بطزاجة صوتك وأنت تقرأ القرآن بخشوع يخضّل بداياتنا الأولى في رحلة العبور نحو عالم المعرفة والمدارس، فترتجف أرواحنا بصوتك والبرد يدغدغ أجسادنا الطرية ببرودته.
أتذكرني أقرأ لك في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، أو كتاب الأغاني، أو ديوان المتنبي وأنت مستعذب لذلك، وتشرب فنجانك السابع فأرأف بصحتك وأحاول أن أجعلك تكتفي من القهوة فتنهرني كي لا أفعل.
وأتذكرني أكتب لك رسائل الناس لترفعها للوالي بصيغتها الرصينة، ويوجعني احتياجهم، ويفرحني حرصك على بيان ظروفهم وشفاعتك بشهادة عارف لتلبيتها.أتذكر خطك المبهر برسمه الأنيق.
عاد الجميع إلى أوقاتهم يا أبي،  وبقيت أنت في الزمن تحرس ذكرياتنا الكثيرة ونشيج أرواحنا المرهقة. وستظل فيه وفي أرواحنا، الرجل الأول، الأحب وإن قسى، والأقرب وإن بعد، الأجمل وإن كبر، رفيق العمر، ونور القلب  الذي كنا نتتبعه بإيمان مطلق وثبات قديم.
ابن البحر، وصديق المسافات الذي أبحر في التيه في عمر الصبا وتناثرت أحلامه على أرصفة العالم، وعاد لنتخلق من صلبه حنينا ممزوجا بالغربة والوعي.
حارس الماء، وصديق الشجر إذ كنت تربيها كصغارك وتطلق عليها الأسماء، رفيق السواقى إذ كنت تمسح على جسدها بيديك المتشققة لتسري في عروقك.
القارئ النهم الذي عاد من الكويت بمكتبة كبيرة ومال قليل، فحين سعى الجميع للغنى سعيت أنت للمعرفة، وعلمتنا بحسم كيف نقرأ لنكون، وكنت تختبر ما نقرأ بين يديك،  عاشق المتنبي والقهوة والعزلة الجارحة، المتندّر على تهافت النفوس وسعيها المريض وراء المظاهر والعبث الكوني.
الشاعر الذي يدبج القصائد كلما داعبت الكلمات روحه بشجن العشق  وبوهج الحرية.
العاشق الذي تولّه في حبيبته وعاد إليها من ردهات الغياب وغياهب السفر، فما لبث أن طعنه الفقد بها وبطفله في القلب تماما؛ فسقط في تداعياته وتعشّق السفر والغياب طويلا قبل أن يفترش ظله في الوطن مستسلما راضخا للقدر وشروط الحياة.
المتناقض في حياة لم تقنعه يوما، ولم يرض عنها؛ بل عبرها حافرا بأظافره ظله الراسخ بتناقض دائم، فهو الحكيم الهادئ، والمجنون المتهور، وهو الغاضب والحالم، و الساخط والباكي، والاشتراكي والقبلي، الذي تمنّى انجاب الذكور أبدا، فرزق إلى اثنين منهم ثماني بنات فركن إليهن ركون الأب الحاني والحبيب القريب.  صديق الحيوانات والبسطاء، ابن الماء وشقيقه وصديقه وظله.
المؤمن المطمئن للقدر حين فقد بصره فاستعان ببصيرته على تدبير شئون الحياة، ولم يشتكِ من قهر وظلم كان يتلمظهما كثيرا طول حياته. واختتم بهما رحلتها الطويلة في رحلة مرض قصيرة عجّلت بنهايته في دور استشفاء قذرة، أهدت جسده المتهالك بكتيريا قاتلة ثم طعنوا رئته الحبيبة الهشة بأنابيبهم القاتلة، وبأيدي أطبائهم القتلة، فتوقف القلب الذي كان مشبعا بحب الحياة ومضرجا بالأمل، ثم باسعافات مؤقتة لزمن قصير، عاد ليقلل حجم الصدمة على أطفاله الذين كانوا كذلك فعلا حتى غاب عنهم فصاروا كهولا وأيتاما.
السلام عليك يا أبي الآن، وفي كل وقت، حيا وميّتا، وحين تبعث حيا.

الجمعة، 30 يونيو، 2017

يونيو 2017

فاطمة الشيدي


17 يونيو
رحل أبي، ابتعد عن أعيننا وقلوبنا للأبد، ورسخ فيها بطعنة الحياة كما طعنة الفقد للأبد أيضا، تركناه هناك وحيدا، ولم يحدث قبل هذا أن مني بهجر بهذه القسوة اللانهائية منا في الأقل- وإن كانت الحياة قد اختبرت صلابته بهراواتها وسيوفها أبدا ، ولكنها لم تنل منه يوما إلا بتلك الجراح في روحه المرهقة- لقد كان دائما قبلة أرواحنا ومحطة أشواقنا، وكان صوته الأمان حين تتغرب بنا الخطوات.
الرجل الذي كنّا نتوكأ عليه دائما حتى بعد أن ضعف جسده، ونهشه الزمن ببطء. رحل وتركنا لوهننا المزدوج بنا وبغيا
...به.
حدث هذا اللامتوقع سريعا وقاسيا ومباغتا فلم يكن مرضه استثنائيا بل معتادا منه ومنا، ولكنه هذه المرة ذهب به للغياب الأخير.
حدث هذا في 17-6 .. ليلة 23 من رمضان ومازلت في طور اللاتصديق فلم تشفع لي صرخات أطفاله (رجالا ونساء) ولا دموع المعزين، ولا كل القلوب التي دعت له بصدق بالرحمة والمغفرة. كي أصدق هذا الفقد الذي أنشب مخالبه في روحي تماما، وجعلني أهرب حتى من السقوط في بئر الحزن الذي تستثيره وخزات أقل شأنا، أنا المتعلقة به تعلق الجزء بالكل، والمثل بالمثيل.
كم أحتاج من الزمن لأفعل؟ لا أعرف..
فيقيني أنه في مكانه ولن تمر أيام حتى أذهب إليه، أقبّل يده ورأسه ويجيبني عن سؤالي عن صحته (يوم أنتوه بخير أنا بخير).
تصديق الغياب يرعبني، وهذا الذهول الذاهل يشلني، وقد منعني طويلا من الرد أو تقديم الشكر المستحق لجميل المواساة وصادق التعازي.

9 يونيو
 لا شأن لي برعونة هذا العالم الخرِب ولا بسياساته المجنونة، ولا بالأوهام المنتفخة كجثة نتنة ملقاة على أرصفة الكون، ولا بالكذب  المتدفق من أشداقه كعسل مصفّى،  ولا بالحسابات والمصالح التي تحكم سيرورته ويجتهد الكل في تأويلها اجتهاد العارف بجهل،
فأنا شهقة الكسل الوجودي، ورقة الأحزان الناضجة بالدمع، وشقيقة الإنسان الحائر الذي يبتلعه هم اللقمة ويرعفه القلق على أحبته من جنون العربة التي يدفعها مجانين وعميان في سباق مريض للوصول الأسرع للنهاية القاتمة، وأنا ابنة هذا الرجل الذي أرخى الزمن لجامه على ناصية عمره، وهو الذي ما وهن يوما،  وها أوهى عزمه العمر والمرض، الرجل علمنا كل شيء.. الصلاة والشعر والحزم والقيم.
والذي كان صارما وهو يربي فينا الشجاعة والقوة والأصالة، وضعيفا حتى البكاء حين يمرض أحدنا.
الحازم في وجه الصَغار والضعف بعنفوان لم تنل منه الحياة بكل أهوالها وأثقالها يوما .. اللهم احفظه لنا فهذا كل ما يعنيني الآن وهو يرقد في فراش المرض.


الخميس، 8 يونيو، 2017

قميص

فاطمة الشيدي
8-6-2017

قميصك الأزرق الفاتح
الذي كلما ارتديتَه استحال قلبي بحرا
هو ذاته بأزراره الصغيرة وبذلك الزر الثالث المرتخي قليلا
وبتلك التجاعيد عند الياقة وعند الكتفين
بالخطوط الطولية الباهتة
التي طالما قلت في سري كلما رأيتها لو كانت زرقاء أكثر
قميصكَ الأزرق الذي أحب هو ذاته لمحته اليوم
يومىء لي على رجل الجدار المعلّق في أحد المحطات
الشيء الوحيد الذي كان ينقصه تلك الرائحة الخافتة التي تشبه رائحة الفجر في قريتي الصغيرة
تلك التي تجرحني في الذاكرة تماما
وتوقظ فيّ الحنين لبكاء طويل كلما رأيتك ترتديه.