الخميس، 19 يناير، 2017

طه حسين المعلم الكبير



لن يمسك المرء بتلابيب المعرفة مالم يحط ببعض الكتاب إحاطة تامة، ويطلع على كل ما تركوا اطلاعا تاما، ومن هؤلاء الكبار طه حسين الذي مهما قرأنا له لن نحيط بكل ما ترك ولن نستوعب فكره التقدمي، ووعيه المشاكس، وخروجه المبكر على مؤسسة الدين ونقده الصارم والصادم لكل ما قرأ .
فبعد رحلة طويلة تربو على الشهرين مع هذا المبصر الضرير أحاول أن استوعب كل آثاره استيعابا تاما مشوبا بالإعجاب كما يستحقه ويجدر به.
كما ...أحاول أن أهتدي عبر بصيرته المتوقدة ولغته المتجذرة في الثابت من القديم، الذاهبة في المحدث من كل جديد.
هذا المفكر الناقد الذي لا يأتي على نص حتى يشبعه بحثا ونقدا عميقا، ولا يكتب عن موقف أو شخصية حتى يصورها أبدع تصوير.
إنه ذلك التمكن من الأدوات والتأسيس الراسخ بدءا، والانطلاق في التأمل والبحث لاحقا، فما أجمل قوة الحقيقة ونزاهة الحكم وعمق الوعي التي تتجلى لك ما أن تهرع لكتبه وتمثل بين يديه عبر روائعه الخالدة.



الأربعاء، 18 يناير، 2017

اتبع شغفك لتحقق حلمك





في كل فيلم وكتاب أقيم حوارا، ثمة أفكار كانت تسكنني قبل الكتاب، وقبل الفيلم (الذي ما هو إلا تجسيد لكتاب أيضا) تنتشي، وتبعث من مكمنها بين يدي الفيلم أو الكتاب، وثمة أفكار ناقصة، وأفكار بلا ملامح وهناك تكتمل وتتشكل.
اتبع شغفك، وكن حلمك، هكذا قالها هذا الفيلم بوضوح وحِدّة عبر الموسيقا التي رافقت كل مشاهده، عبر الجسد المتحرر من ربقة الصمت الذي يعيشه الأغلبية، ناهيك عنّا نحن أبناء الأجساد الصامتة والأحلام المتحشرجة حتى الموت. الموسيقا التي حررت الجسد من صمته وأخذته للرقص معادل الحرية، معادل الحياة.
اتبع حلمك وكن شغفك قالها الفيلم بقوة، عبر ذهاب كل من البطلين وراءه حلمه، وتحقيقه بعيدا عن الآخر (هذا لا يهم ما دام كل منهما قد حقق حلمه). الآخر مساند للحلم غالبا، وشفيع له، ولكنه ليس الحلم أبدا، نحن نحلم لنعيش، كما نفكر لنستمر خارج الصمت، داخل الحوار الأبدي مع الحياة ومع الأفكار ومع الكائنات.
الحلم الذي قد لا نعرف ماهو، ولكننا نعرف إنه دافع البقاء، وحين يتمكن الحلم منا لا نستطيع أن نعيش خارجه، نحن نعيشه ونستمر به، هو محركنا ونحن مبعثه.
ولذا ولكي نحيا على كل واحد منا أن يتبع حلمه حتى النهاية، التي قد تكون الموت في شكل آخر. لا يهم أن تتوقف أسباب الحياة كالمال والشباب وغيرها، المهم أن لا يتوقف الحلم، وأن يكون لدينا دائما ما نحلم به، ما يدفعنا للحياة عبر الذهاب خلفه. قد يكون الحلم هو الحب أو المال أو الصحة أو الشهرة أو التحقق في الفن أو الكتابة، المهم أن يدرك الإنسان شغفه الأهم وحلمه الأكبر. ليتحد معه ويعيش له ثم يموت معه.

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

الرواية النسوية بين نموذجين

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
17- 1-2017

الرواية النسوية هي الرواية التي تعالج حالة أو فكرة نسوية بطريقة جادة وعميقة، لتضع فيها اليد على مكمن الجرح، كي يشعر القارئ بما يقع على المرأة في كل زمان ومكان من ضيم وقهر وعنف أحيانا. والأدب النسوي الذي ظهر وقوي في فترة من الفترات في كل أنحاء العالم بدأ يتراجع مع تقدم وعي المرأة، وتشكّل مجتمعات مدنية وحضارية تنظر للمرأة بعين المساواة والعدالة بتباين تلك النظرة وتلك المجتمعات في الحالة المدنية، إلا أنه رغم كل هذا لا تزال القضية قائمة، والظلم حادثا في كل مكان، ولكن لعل الصورة أكثر حلكة في مجتمعاتنا العربية، التي تحاول فيها المرأة جاهدة الحصول على حياة كريمة وسط مجتمع ماضوي متعلق ومتعالق بجذوره الذكورية، ووعيه غير المنصف في حق المرأة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الأدب النسوي أدب يتعلق بالكتابة عن قضية المرأة، وليس كتابة المرأة بشكل مطلق، فالمرأة قد تكتب أدبا نسويا، أو غير نسوي، فيمكن للمرأة الكاتبة أن تعالج التاريخ والوعي وقضايا المجتمع وإنسانية الإنسان في كل مكان. كما يمكن للرجل أن يكتب أدبا نسويا يتخيّر فيه قضية ما، ويعالجها بوعي خارجي ومحايد، وينظر إليها نظرة إنسانية بحتة.
وهنا نعرض لروايتين؛ الأولى تمثل الأدب النسوي تمثيلا عميقا، وهي رواية جنى فواز الحسن (أنا ..هي والأخريات) حيث تناولت الكاتبة القضية النسوية وما يشملها من عنف وكبت اجتماعي يذهب بالمرأة نحو الرضوخ والتسليم والبحث عن أي وسيلة للحياة ضمن الإطار الاجتماعي وهو الزواج مهما كانت عواقبه، ففي قصة (سحر) الفتاة التي ولدت في مجتمع ذكوري يمجد قيم الذكورة والأسرة والمجتمع ولا يحفل بالإنسان ودواخله، وفردانيته، سحر الطفلة التي تذهب للبعيد الداخلي هربا من برودة أمها وغياب والدها، فتوجد لها عالما من الأوهام وتعيش فيه، ثم تفكر أن الزواج هو الحل لكل مشاكلها، ولذا تستجيب لأول شاب يقترب منها وهو سامي، سامي المتدين الذي يحولها لشيء من ممتلكاته الخاصة، عبر احتجازها في ظل رغباته، وعبر الضرب بدون سبب، فتهرب منه لحضن عشيق انتقاما لروحها وجسدها، ثم تلجأ للانتحار.
هكذا أرادت جنى فواز الحسن أن تقدم قراءة نفسية عميقة بلسان الأنا عن واقع المرأة العربية، حيث انطلقت الراوية في كتابة سردية سرية بصوت الساردة/ ‏‏‏البطلة (سحر) من طفولتها بين أب شيوعي منكسر، وأم لم تكن تريد من الحياة أكثر من رجل، وغيابها الداخلي عبر الذات والحياة، فاستيهاماتها الجنسية الأولى التي كانت الحل للهروب من واقع لا تريده، حتى زواجها بأول رجل غازل أنوثتها لتهرب من جحيم التجاهل الأسري، الرجل الذي تحول مع الوقت لجلاد حقيقي ومعنف لزوجته بلا قدرة منها على مواجهته، فخروجها للعمل الذي وفّر لها مساحة من الحرية لتتخذ صديقة تسرّي معها عن بعض ما يعتمل في نفسها وعشيقا تعاقب به زوجها، وتحقق به ذاتها. لتنتهي منتحرة يتم انتشالها في آخر لحظة.
إنها حكاية بسيطة ومتكررة وتشبه الكثير من النساء في مجتمعاتنا العربية -التي مهما تقدمت وتطورت تظل ذكورية، وتظل المرأة فيها محاصرة بالسلطة الاجتماعية، ولكن الفارق أن جنى فواز الحسن ترسم بعمق ووعي نفسي أكثر منه اجتماعي كل الشخوص التي تضعهم في مسارات السرد، وخاصة النساء، فهي تقدم صورة داخلية للأم والأب والعمة سامية وجارتها فدوى، وهالة الصديقة التي غيرتها وأمدتها بالقيمة الإنسانية للتغيير. إضافة لثلاث بورتريهات ذكورية معمّقة هي: والدها الشيوعي المحبط وزوجها سامي العربي، وعشيقها ربيع. محاولة عبر تلك الشخوص رسم حدود الواقع الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء، متوغلة ضمنه إلى الداخل النفسي لفهم بعض ما يعتمل في نفوس هذه الشخصيات من أفكار وأوهام تحركها كمنطلقات نفسية في اللاوعي لتصدر عن تلك التصرفات.
لم تسرف الكاتبة في السخط على المجتمع وظلمه للمرأة، رغم ما هو حادث فعلا عبر أحكام المجتمع الجاهزة والجائرة ولكنها كانت تقدمها كأحكام عامة للجميع. وفقط حمّلت المرأة كثيرا هذا الألم بشكل كبير ودورها في مواجهته، وإن كانت قدمت أمها كصورة سلبية للمرأة قدمت عمتها سامية كصورة للمرأة الحرة التي تدفع ثمن كرامتها والتي وصفتها بأنها العدو للأول للإنسان.
وبلغة عذبة، وسرد واضح ومتتابع، ورسم دقيق للشخوص طرحت الكاتبة القضية النسوية، القضية التي عرضتها بهدوء ووعي وبلا ضجيج أو سخط مفتعل، وثم بانفراج العقدة الكبيرة وهي (انتحار سحر)، وجهت للحل الضمني لهذه القضية، والذي يتمثل في مواجهة المرأة للظلم بقوة وشجاعة، وعدم الاستسلام للضعف والوهن، وصناعة الفرح بكل المسببات مهما كانت بسيطة، في حين مررت بعض القضايا الجانبية كالفهم الخاطئ للدين، والتغيرات التي طرأت على المجتمع العربي، وظلم السجان، والقضية الفلسطينية التي فقدت عمقها، وغيرها من القضايا العميقة التي تناولتها عبر تأثيرها في شخوص الرواية فقط، بل محاولة جادة للتعرض المباشر لها، وكانت النهاية رائعة جدا، فالأمل الغامض الذي بثته البطلة؛ يمثل فكرة الخلاص الذاتي الذي ينبع من الداخل، والذي على المرأة التمسك به، فلا تبحث عن شيء من أي كائن لآخر.
في حين أن رواية «أحببتك أكثر مما ينبغي» للكاتبة أثير عبدالله النشمي، كانت تروم القضية النسوية أيضا، ولكنها للأسف لم تقدم سوى حكاية مضطربة يمكن أن نعتبرها نموذجا للمراهقة اللغوية الفكرية أكثر مما قد تمثل اتجاها نسويا، أو سردا عميقا وجادا، فالرواية التي تدور أحداثها في المغترب العلمي، حول علاقة بين فتاة عشرينية بسيطة ونقية بشاب ثلاثيني لعوب يتعشق النساء ويذهب في علاقاته النسوية ما شاء له المكان والطيش؛ تمثل سردا مملا لتلك العلاقة المترددة أبدا بين شد وجذب، ولذا فلا يمكنك أن تقبض على عنصر من عناصر الرواية الرصينة، فالشخصيات التي تتمركز حولها الرواية (الأشبه بتسجيل يوميات ورسائل) محدودة الحضور والتفاعل إلا من البطلة التي تحرك مجرى السرد ضمن الحالة العاطفية عشقا وألما، في حين تختفي تصاعدات السرد نحو الحبكة الروائية التي يمكن أن نعتبرها اعتباطا «زواج البطل من أخرى»، كما أن الرواية كتبت بلغة هشة وبسيطة لا يمكننا أن نعتبرها شعرية وإنما تداعيات نفسية وعاطفية فقط، أما المكان الأوروبي فلم يأخذ حظه من الوصف، فالساردة كانت تعبر كل شيء بسرعة، وتقفز فوق كل عناصر السرد؛ لتخبر القارئ فقط عن علاقتها بعبد العزيز، تلك العلاقة التي تصعد وتهبط وتذهب وتجيء حتى النهاية التي تركت الباب مواربا فيها.
ورغم أن فكرة الرواية يمكن أن تمثّل جانبا مهما وعميقا من القضية النسوية، فالكثير من الفتيات في هذا العمر سيما تلك اللواتي خرجن من مجتمعات وأسر ضاغطة وعشن حياة الكبت والحرمان العاطفي ثم انفتحت بهن السبل لاحقا نحو مجتمعات منفتحة؛ يقعن فعلا في شرك الرجل الأول عاطفيا، ويتعرضن للابتزاز العاطفي من الرجل اللعوب، ويذهبن في فخ العاطفة المفقودة غير مذهب، إلا أن الرواية للأسف لم تقل أكثر من خيالات مراهقة، ولا يعوّل عليها في تحليل القضية، أو تقديم وعي نسوي متقدم، أو تقديم نموذج إنساني أو حتى حلول يمكن أن تتمثلها الأخرى، بل على العكس تماما فهي تربي العاطفة الساذجة، وتدفع للالتذاذ بها في غير وعي وانتباه.

الاثنين، 16 يناير، 2017

من ديوان كنت في البدء شجرة، دار الانتشار العربي - بيروت  2016

متواليات الهشاشة

1.


أيها الشعر لا تذهب بعيدا

أرجوك
فأنا ولدتُ برئة واحدة
وصدري موبوء بالربو والكلمات
حررني من الكلام العالق بالمريء
وذلك الذي يحزّني في الحنجرة
حررني من براثن الرؤيا
وصرخات الرفض المكبوتة
من شوكةٍ في الفؤاد
وجمرة مستعرة كالجوي
تحرّق كبدي
ولا تستطيب إلا رائحة الورق والاحتراق
امسح على جرحي القديم بقصائدَ عنترة
وأرتق ثقوبي بلامية "الشنفرى"
وأحزان الشعراء المنفيين
بانقسامات الرؤية والوعي
وأوجاع الغرباء
كقروح الملك الضليل
وعزلة "المعري"
وتشظيات "السيّاب"
خذني إليك بكل بيت جميل ذاهب في التصاعد والارتقاء



2.

أيها الحب اقترب أكثر
فأنا مذ كنتُ محاصرة بالخوف والرعب والظلام
وثمة عنكبوت أسود ينسج حكاياتِه وبيوتِاته الواهية في كل مكان من جسدي وروحي
حرّرني مني
من عقدة الذنب
والأماكن المغلقة
من الصمت المطبق على صدري ككابوسٍ يتكرر كل ليلة
ساعدني كي أصرخ
كي أدلل أحزاني بقصائدَ العشق الباهتة
وأسكر بالبوح
وزّعني في أغنيات الماء والتيه
وألحان المسافات والمدى
كي أردد أناشيد اللذّة بحرية وجنون
اجعل أظافري أزاميلَ المجاز الطري
كي أرسمَ لوحاتِ اللوعةِ المرهفة على ظهرك
وأنقش منمنماتِ الرغبة الحارقةِ بألوان قوس قزح
وأحفر مدنا من سحاب وندى
بمتاهات كثيرة متشابكةِ المداخل والمخارج
أختبئ فيها كلما داهمني الخوف والحزن



3.

أيها البحر أغرقني في زبدِك الرهيف
كي أدلل هشاشة قلبي
وأعرني الكثيرَ من ملحك الحنون
كي لا تفسدَ ذاكرة أحلامي المريضة
اقبلني حوريةً خرقاء بنصف جسد
ونصف قلب
غنِّ لي نصفَ أغنيةٍ على وهجِ نصفِ قمر
وموجةٍ رعناء تنكسر بلذة
ثم تعاود ارتجال الفرح
وتضحك حين تلمس أقدام الشاطئ في الظلام
وتغريه بالسعي خلفَها
ضريرا متولّها
قبلني نصفَ قبلةٍ
وعمّدني بنصفِ أمنية
فأنا ألتذّ بالنقص
وترعبني الأشياءُ الكاملة



4.

أيها الليلُ اشملني بالحلكة اليابسة
والحكمةِ الضارية
كي أنادم شجيراتِ السمرِ التي تنام في الوادي وحيدة
تحتضن الظلامَ
أقرضني عينيكَ المسمولتين كي أتتبع عوراتِ العالم الموجعة
للأمهات والأطفال
وللصعاليك والشعراء
وخذ ما تبقي من حلمي القديم
وزّعه على القططِ والكلابِ الحائمة في جوفك
أو على السكارى والمتشردين
فله رائحة الخبزِ
ودفء الأجنة
وإشراقة قلبين غضّين عند التحام الهوى
سيكفيهم مؤونة الشتاء
وسيكفيني عبء انكسار الظَهر
فالأحلام ثقيلة يا صاحبي



5.

أيها الحلم العاقد تعويذته عند أقدام الرب
بسمت نبي تتبتل له المعجزات
أو ساحر ينفخُ في كمه
فتنْهد أجساد الحقول تحت وقع يديه
ويطير منها الفراش
تنحَ قليلا عن متاريس البهجةِ المغلقة
انزل من عليائِك بخفةِ ملاك حنون
صافح جثثَ الأطفالِ
وترقرق في دموع الأمهاتِ والعجزة
وابتسم للجياع
وتعلم فنونَ البكاء








السبت، 14 يناير، 2017

وقفة للعام الجديد

فاطمة الشيدي

القدس العربي
Jan 14, 2017


كل عام وفي البرزخ الزمني بين عامين نقف، نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة، كأم على فراش الموت توصي صغيرتها، وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء، تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها بخشونة وألم، عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا، وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة فأشعلت لحظاتها بالفرح، وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر. تحدّثها عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم، والكثير من الحب الذي أضاء قلوب خدّرها الوجع، عن صرخات أقلقتها ونظرات أربكتها ودموع أرهفت لها السمع، عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير، وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب بصعوبة وحشرجة.
تقصّ السنة الذاهبة حكايتها الطويلة، لطفلتها القادمة ربما على سبيل العبرة والعظة، وحين تنفلت يد من يد نتمرأى ـ نحن الكائنات الخائفة من الزمن أبدا ـ صورنا في مرآة منكسرة بينهما، نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام، ونصلّي ليكون القادم أجمل، قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث.
في نهاية كل عام نقف وقفة تأمل، مع الذات والآخر والحياة، نعيد تقييم مسيرتنا الذاتية والإنسانية، ننظر نظرة طويلة للوراء، ماذا فعلنا؟ وماذا كان ينبغي أن نفعل؟ هل نحن راضون عما حققنا من منجزات تخصنا وتهمنا دون غيرنا؟ عن سعادة نبحث عنها؟ هل كنا أبطأ مما يجب؟ أو أقل اجتهادا مما يجب؟ أو أكثر حماسا ونزقا؟ أين الخطأ في النقص الذي تحصّلنا عليه؟ ولماذا الكثير من الآلام لاتزال تنحر الروح؟
نتساءل قبل كل هذا ماذا كنا نريد؟ وهل حصلنا على كل ما نريد؟ هل وضعنا نصب أعيننا أهدافا لتحقيقها؟ وهل حققناها أو حققنا بعضها؟ هل كنا واعين في التعامل مع صحتنا وأجسادنا من خلال الاهتمام بالغذاء والرياضة؟ هل كنا منصفين في التعامل مع أرواحنا بالتأمل والصلاة؟ هل قرأنا ما يجب من الكتب؟ وهل كتبنا ما نشتهي من النصوص؟ هل ترجمنا تلك الأحاسيس التي توخزنا كالإبر أو الشوك فرحا وحزنا ووجعا وندما لنصوص حقيقية عميقة، كانت بمستوى شعورنا الجارح بالحياة، أم أننا هربنا من الكتابة كي لا نتمرأى جروحنا في مرايا النص، لأننا تعبنا من أن نجسد خيباتنا نصوصا شهية يتلمظ فيها القارئ بأوجاعنا!
هل كنا في مستوى النص والفكرة والكتابة والحياة والإنسانية في مواقفنا؟ أم كانت مواقفنا باهتة وشحيحة الضوء كأعشى يراوح مكانه وهو يظن أنه يقطع المسافات؟ هل انتصرنا للإنسان في أعماقنا بكلمة؟ أم خدّرنا أوجاعنا بالجاهز من الكلام والسطحي من المواساة؟ هل حلمنا ما يكفي من الأحلام
هل صرخنا ما يليق بنا من الصرخات في وجه الحياة الفجة، والقلوب السوداء، والضمائر النائمة، واللسن المسنونة، والقيد المتحفز؟
هل قلنا «لا» بشكل نقي يشبه البلور ويشبه إيماناتنا العميقة بالخير والحق والعدالة، للوهن الرابض فينا، وللعادات الوقحة التي تحد من تحررنا، وللماضي الرتيب الذي يحتجزنا في خانته؟ وللفوضى والعبث اللذين يجرانا نحوهما، وللعصابات الكثيرة التي تنتشر حولنا؟ للزيف والكذب والنفاق والخوف الذي يسكن الكثير من النفوس؟
هل نفضنا عنا الكثير من الغبار والشر والحقد والبريق والسعي وراء السطحي من الأشياء، لنصبح أكثر رقيا ونبلا في عبورنا الخاص؟ هل آمنا بالله كما يجب؟ وبأنفسنا كما يجب؟ وبالكتابة كما يجب؟ وبالحياة كما يجب؟ وبالإنسان كما يجب؟
هل لوّحنا للعام المنصرم بخفة ورشاقة لأننا لم نؤجل الكثير من المشاريع الي تكلست على ظهره، وسنحمل القليل منه ومن أحلامنا ومشاريعنا للعام القادم وبنية صادقة لتحقيقها؟ هل غفرنا لأنفسنا وتصالحنا معها؟ هل غيّرنا طريقنا الذي كان يمكن أن يتقاطع مع آخرين، لنشعر بالأمان والهدوء والسكينة بعيدا عنهم، وتركنا لهم بكل أنفة واحترام مساحاتهم الباهتة والقابلة للسقوط والتثني والانحناء كأي عصا رخيصة، أو التلون كأي حرباء كاذبة، أو الظهور كنيزك سيسقط حتما؟
هل تعلمنا كيف نتقبل الآخر كما هو، ونحترمه كما هو؟ وكيف نزرع زهورا صغيرة على شرفات أرواحنا للقادم ستنمو خيرا ومحبة وجمالا؟ هل تشربنا موسيقى العالم لتتخلل عظامنا وترهف أرواحنا وتعيننا على الطيران بدعة وسكينة؟ هل قرأنا الحياة كلوحة متجزأة ومتعددة ومتداخلة الألوان، فيها الكثير من الجمال من الشروق حتى الغروب حتى حنانات صوت عصفور وحيد، وارتباكة نملة أمام يد طفل تقبض عليها؟
هل تعلمنا كيف نقرأ أبجديات الرضا، وكيف نعانق أفق الحياة الممتد، وكيف نتسامى على الألم والقبح والزيف؟ وكيف نستشعر جمال الأمل، وكيف نتذوق على مهل رضاب السماء، ونغني أغنياتها الطيبة، وكيف نحتجز الوجع خلف ابتسامة خضراء، ونقايض كل شيء بكلمة حسناء؟
هل ضحكنا كما ينبغي لكل فرح دغدغ قلب العالم كميلاد طفل، أو تحرر شعب، أو أمل فتح كوة في قلب العالم للحرية والعدل والمساواة؟ وهل بكينا بما يكفي لكل الموت والخراب الذي عمّ العالم؟ هل تعلمنا كيف نعمّد الروح بالحلم كي تستفيض في البهاء؟ وكيف نذرع مسافة الفرح على ضحكة طفل يتيم؟ وكيف نقيم على حدود الأشياء، وهوامش الكون لننتشي بالغربة واحتمالية الغياب؟ وكيف نتدرب على النيئ من الفرح، والهش من الدمع، والطازج من الحنان؟ وكيف نحيا الحياة كقصيدة لن تكتمل؟ هل قرأنا ما يكفي من الكتب، وهل شاهدنا الكثير من الأفلام التي تعد تقييمنا لنا وللحياة والإنسان؟
هكذا نقيّم حضورنا في عام فائت. ثم نشعل شمعة لعام جديد وأحلام كبيرة وكثيرة، نأمل أن نحققها فيه، ونضع أهدافا واضحة ونسعى لتحقيقها بجدية ووعي. ولعل أهم هذه الأهداف؛ التقليل من العالم الافتراضي السارق للوقت، والمغري بفتنة ليست ناضجة ولا جارحة في حقيقتها بما يكفي وإن بدت كذلك، والاقتراب من العالم الأرضي في المكان والإنسان بما يسعف العمق الوجداني والحياة الحقيقية، وزيادة القراءة العميقة، والاستماع للموسيقى الجارحة، ومشاهدة الأكثر من الأفلام والمعارض، والجمال والطبيعة، والكتابة الجادة وتنقيح المخطوطات المتراكمة في الأجهزة قبل الغياب الذي لا ميعاد له.
كما علينا الاعتناء برفع منسوب المحبة للأحباء والأقرباء والأصدقاء بقضاء الوقت بينهم وشفاعة الزمن في أرواحهم الصادقة، وزيادة الاهتمام أكثر بالتفاصيل التي تشعل الروح، وتشغل العقل، وتنفع الجسد؛ كالتأمل والصلاة الروحية، والرياضة والصحة والسفر والعمل الجاد والتحصّل على علم أو معرفة جديدة، أو اكتساب مهارة جديدة دائما. والبعد ما أمكننا عن كل القبح والعاهات والأورام والأوهام التي تمشي على قدمين، والتخلص من كل الأحقاد والتفاهات والصغائر اللاإنسانية، والانحياز التام للجمال والخير، والاتساع الضمني، والتعددية الفكرية والروحية، وتربية الضمير الكوني والإنساني الحي. هذا هو أهم ما على المرء التأكيد عليه كل عام، ومن ثم جدولة الزمن الذي يتسرب من بين أيدينا (كقابض على الماء خانته فروج الأصابع) لتحقيق هذه الأهداف والأمنيات، ولكي نليق بإنسانيتنا ووعينا.
كاتبة عُمانية

الجمعة، 23 ديسمبر، 2016

انتبه للجمال الجانبي



(انتبه للجمال الجانبي) هذه الفكرة العظيمة التي ينبثق منها عنوان هذا الفيلم والتي حاول تجسيدها (ولم ينجح كثيرا). الفكرة الإيمانية بالجمال الضمني، والبعيد المبثوث في الكون.
الجمال الجانبي الذي لا ننتبه له غالبا، ولا نأبه به في سعينا الحثيث لبلوغ هدف أو غاية ما، ولكنه القيمة الحقيقية ضمن فكرة (الرحلة أهم من الوصول).
الجمال الذي يمثل فكرة الإيمان (ما أخذ منك إلا ليعطيك) أي ليعوضك بخير مما أعطاك، أو ...رحمك من أمر خفي عليك، إنها (الخيرة) التي يسعى المؤمن ليفسر بها كل جوانب الحياة ليشعر بالاطمئنان والراحة، وتسعى علوم التنمية الذاتية لتقديم وعي نفسي وفكري بها عبر فكرة الرضى والقناعة ومحاولة تجاوز الأزمات النفسية بالانفتاح على المشكلة وفهمها لتجاوزها .
هذه الفكرة التي علينا التفكر والتمعّن فيها بوعي هي روح هذا الفيلم الذي يقوم على حكاية فقد رجل ناجح في مؤسسته الإعلامية لطفلته ذات الست سنوات، فيهجر بيته وزوجته وعمله وأصدقاءه، ويذهب في الحزن والتشظي، فيكتب رسائل للموت والزمن والحب في محاولة لفهم هذا الفقد الذي أربكه وزعزع علاقته مع الوجود ومع نفسه، محاولا فهم الزمن والموت والحب، وعبر هذه الأفكار الفلسفية الكبرى الثلاثة يحاول أصدقاؤه إرجاعه للحياة . حيث يستأجرون فريق من الممثلين لتجسيد الزمن والموت والحب.
هذه الثلاثية التي قام عليها هذا الفيلم والتي لم تكن مقنعة جدا (تمثيل ضمن التمثيل) إلا أن الأهم هو طرح فكرة محاورة هذه القضايا الثلاث التي هي محور تفكير الإنسان الوجودي منذ وجد على هذه الأرض بل لعلها مصدر كل معرفة وفلسفة ووعي، ولا ندري أيها الأكثر اجتراحا وأهمية في الذاكرة الإنسانية.
.

السبت، 17 ديسمبر، 2016

جدلية اللغة والإنسان

 

فاطمة الشيدي

القدس العربي
Dec 17, 2016

 
يتفاعل الكثير من الكتّاب مع القضايا الساخنة التي ما أن تظهر على الساحة السياسية أو الاجتماعية، العربية منها أو الدولية، حتى يهرعوا لتدبيج المقالات السريعة للتعبير عن مواقفهم – الواضحة أو المترددة – منها، لإظهار حالة من التفاعل الثقافية والإنسانية التي ينبغي أن يكون عليها الكاتب المتابع كما يعتقدون. سواء كانت تلك الكتابات عبر الصحف الورقية والرقمية أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وحين تنظر إلى هذه الكتابات التي تنثال بين قضية وأخرى نظرة تأمل وتحليل وتدقيق، تجد أن هناك جدلية قديمة بين اللغة والإنسان لم تحسم بعد، وقد لا تحسم يوما، فهناك هوة معرفية واسعة بين الكاتب والنص، وفجوة عميقة بين الكلمة والضمير. فالكثير من هؤلاء الكتاب تحرّكهم للكتابة غايات بعيدة أو قريبة؛ كالمال والشهرة والمنصب أو المجاملة والتزلف، أو النيل من فئة أو من شخص أو من فكرة، أو حتى عقدة نفسية محكمة القبض على الوعي أو اللاوعي، ومنهم من يكتب من أجل لقمة العيش، وبالتالي يعبّر عن فكر مؤسسة أو مسؤول أو دولة يعيش فيها، فلا منهج خاصا له فيما يكتب، والقليل منهم فقط يكتب من وحي الضمير والوعي وحب المعرفة، أو لواجب الكتابة وشرفها. ولذا تجد كاتبا باسم العدل يدين الإنسان ويمتدح الديكتاتور في حين أن الحقيقة واضحة إلا لمن يرغب أن يخفي الشمس بالغربال، وهناك كاتب يتحدث عن النسوية وهو ذكوري حتى النخاع، وهناك كاتب يحتمي باسمه الكبير ليدس لنا الكثير من الترّهات أو التشوهات الأخلاقية والفكرية، وهناك كاتب يبني اسمه متسلقا على كل ما يتيح له الوصول من الجدران والأكتاف والسيقان.
وبالتالي تتجلى تلك الجدلية العميقة والجارحة بين الإنسان واللغة، أو بين الكاتب والنص فلا يمكنك أن تحكم على مستوى النص من عمق الكاتب وفكره وإنسانيته الخاصة التي تعرفها أو سمعت عنها فقط، كما لا يمكنك الحكم على عمق الكاتب وموضوعيته وفكره ووعيه والتزامه من نصوصه وكتاباته مهما قرأت له وتتبعت ما يكتب وربما حفظته.
بل وكثيرا ما نصدم من كاتب أحببنا نصوصه وآمنا بها زمنا، بعد معرفته الشخصية أو بعد موقف من مواقفه الصادمة لوضاعتها، كأن يقف منحازا لسلطة ما بعيدا عن إنسانه طمعا ورغبة، أو خوفا وتحرّزا، وقد نردد في دواخلنا (أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، كما أنه يحدث كثيرا أن نعود إلى نصوص كاتب ما بعد أول تماس حقيقي بيننا، أو بعد موقف إنساني رفيع له، فنبحث عن كتبه، ونقتني منها ما يزيدنا احتراما وتقديرا لإنسانيته ووعيه.
ومن هنا ظهرت مسميات المثقف وأشكاله كالمثقف الملتزم، والمثقف الاجتماعي، والمثقف العضوي الذي لعله حالة نادرة جدا في ثقافتنا العربية، خاصة ذلك المتمتع بالوعي الراسخ والعمق المتين، والذي يركز على نقد جميع السلطات بوعي ومسؤولية وعشق للأرض والإنسان، وهو يدرك أن دوره في الحياة هو النقد والمماحكة، وعدم التسليم بالمطلق من الأشياء، فالنقد هو بداية الإصلاح، والخطوة الأساسية للتعديل والتطوير والمضي للأمام.
ولأن هذه الجدلية العميقة بين اللغة والإنسان، والكلمة والضمير قائمة، وربما تظل قائمة إلى الأبد؛ لانعدام القدرة على تفكيكها، أو وضع معايير واضحة ودقيقة للحكم بها، أو بيانها وتفنيدها بتوضيح قوة الحقيقة في النص، أو قوة الضمير في النص؛ فما علينا إلا أن نعتمد التفريق بين النص وكاتبه، فلا نؤخذ بالأسماء والألقاب بل نحتكم إلى عمق النص وقيمته الذي يعكس جوهر الإنسان ووعيه، مهما كان حضور الكاتب وثقله وكتبه، فهوية النص هي تلك الروح الإنسانية السامقة التي يقدمها الكاتب بين يدي المتلقي حتى في كتابته الذاتية، تلك اللغة المأخوذة بالهموم الكبرى، عبر تجليات الإنسان البسيطة والعميقة، الداخلية الخارجية.
الإنسان/الكاتب المشغول في داخله، في أحزانه الخاصة، وفي أوجاعه الذاتية بمطلق الإنسانية وهمومها الكبرى كالفقر والجوع والخراب والحروب، ومجابهة الظلم والعنصرية، فتلك هي الهموم التي ينبغي أن تشكّل قضيّة الكاتب وهمه، وهوية نصه، وأن يقدمها متسلحا بالمحبة والتسامح والنبل غير المصنوع، والرفق وكل ما يتعلق بالإنسان من الخير والجمال والسلام. وبذلك يأتي النص ذاتيا ولا ذاتيا، ليعبر عن إنسانية منسوجة من لحم الكائن المهزوم، ومن لُحمة الإنسانية المسفوحة الدم في كل زمان ومكان، والتي تنسجنا بلغتها الأمومية من الصرخة وحتى الشهقة؛ حتى نصبح في كل تيهنا لا نبحث سوى عن حليبها الأزلي لنتكون بحزنها ورائحتها كائنات حقيقية متصلة الأواصر ومتحدة الأطر، وإن حدث وتبرأنا من أمومتها نصبح بلا رائحة ولا حقيقة ولا ثقافة ولا لغة.
هوية النص وروحه أن يأتي ممتزجا بين الداخل والخارج، وأن يكون فيه الضمير والكلمة وجهان لعملة واحدة، فيقدم حزن الإنسان الذي يتجاوز الذات للجمع وفرحه وعشقه وأمسه ويومه وغده، والأمنية الغاصة في روحه مع كل توحش وجبروت، ومع كل ظلم وقهر، ومع كل إبادة وموت، النص الضمير هو الذي يستحضر هزيمة الذات/الإنسان، ومعاناته، فتصبح ذات الكاتب ذاتا جمعية إنسانية، ينطلق عبرها في نصه من عجز الكائن وضعفه الإنساني أمام المد الحضاري المادي، ويفضح هزيمته أمام الآلة، وأمام الآخر، وأمام وحوش العصر بكل الأشكال والألوان، فيجسّد ويلات الحروب، ويعري قبح الدكتاتور، وظلم القوي، وضعف المستضعفين في الأرض، فبذلك فقط يكون النص إنسانا، ويكون نصا كونيا، وذا هوية.
وبالطبع ليس على الكاتب أن يتحوّل إلى نشرة أخبار أو كالة أنباء، وأن يجاري كل ما يحدث، فالكاتب ليس ما يكتب فقط، بل قد يكون ما يسكت عنه أحيانا، حين يكون الظلم أقوى من اللغة، وتكون اللغة أضعف وأوهن من التعبير عن البشاعة أو حتى عن الجمال، فتكون أبعاد الكاتب الإنسانية ووعيه وثقافته الراسخة – وقد خذلته (الأداة) اللغة في توصيل حقيقة جوهره الضمني – أكبر مما يكتب. وهناك تحضر إنسانيته بشكل أشد وضوحا عبر التزامه وواجبه الأخلاقي فنا أو نقلا أو صمتا وحزنا أو جسدا يتهاوى عبر الموت دفاعا عن شرف اللغة والإنسان معا، هناك حيث يتحد النص بالكاتب ولا تستطيع الأداة (اللغة أو غيرها من الأدوات) أن تكون أكثر بلاغة في تقديم الإنسان بصورته الحقيقية المكتملة والناضجة عبر الرسوخ في المعرفة والقيمة في الوعي، وهناك يكون التقدير المستحق – ألا وهو الخلود – نصيب النص والكاتب معا.

كاتبة عُمانية
 

 

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

مهرجان الشعر العماني العاشر بـ«العفية»

جريدة عمان
6-12-2016
وسط احتفاء أدبي شعري وحضور ثقافي متنوع، تتواصل لليوم الثالث على التوالي فعاليات مهرجان الشعر العماني العاشر بولاية صور «العفية» ليفتح نوافذ القصائد ضمن كرنفال أدبي متنوع بمركز فتح الخير الثقافي، ففي صباح اليوم وضمن البرنامج الثقافي للمهرجان تقيم اللجنة المنظمة جلسة صباحية مفتوحة حول مهرجان الشعر العماني، يديرها الإعلامي والشاعر بدر بن علي الشيباني ويشارك في الجلسة الحوارية أعضاء لجنة الاختيار في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي وهم الدكتورة الشاعرة فاطمة بنت علي الشيدية والدكتور سالم بن سعيد العريمي، والدكتور محمد بن عبد الكريم الشحي، والشاعر محفوظ بن محمد الفارسي والشاعر علي بن سالم الحارثي، والشاعر أحمد الجحفلي وذلك لمناقشة لجنة التقييم والاختيار بشأن اختيار القصائد ومعايير التقييم للاستفادة من تجربتهم في المهرجانات القادمة.
وتقيم اللجنة المنظمة للمهرجان هذا الحوار إيمانا بما قام به أعضاء لجنة الاختيار والتقييم من جهد كبير، وإخلاص ملموس في انتقاء القصائد المشاركة بكل شفافية، انطلاقا من مهنيتهم العالية وخبراتهم المتراكمة في المجال الشعري التي كان لها الأثر البارز في الوصول الى ما تم اختياره من قصائد شعرية لمهرجان الشعر العماني العاشر.
الليلة الشعرية الثانية
في مساء اليوم تقام الليلة الشعرية الثانية ويشارك فيها 14 شاعرا في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي،تحت رعاية سعادة الشيخ سعود بن بدر البرواني والي الكامل والوافــي، ويشارك في هذه الليلة في الشعر الفصيح كل من: الشاعر سالم بن محمد الرحبي بقصيدة «لاجئ» ويشارك الشاعر محمد بن سيف العبري «خبز البقاء» أما الشاعر محمد بن علي العوفي بقصيدة «عراف اليـأس» وكذلك الشاعر منتظـر بن شـرف الموسـوي فسيشارك بقصيدة «مشهد آخر لسيناريو الفلك».
ويشارك الشاعر ناصر بن سعيد الغساني بقصيدة «رهين الجدب» أما الشاعر الوليـد بن خلفان الصوافـي فيشارك بقصيدة «عن العشاق» ويشارك الشاعر يوسـف بن خميس الحارثـي بقصيدة «شهقة في غياب الضوء»، وفي الشعر الشعبي يشارك كل من: الشاعر خميـس بن خلفان الوشاحي بقصيدة «تواقيع» ويشارك ناظـم بن مبـارك البريدعـي بقصيدة «منـفى» فيما يشارك الشاعر نبهــان بن مسعود الصلتـي بقصيدة «طارب الحـي» ويشارك الشاعر محمـود بن خميـس الجنيبي بقصيدة «تجـلّي» كما يشارك الشاعر عبدالعزيـز بن حمد العميــري بقصيدة «الساعة أربعين» ويشارك الشاعر علــي بن حميد العلوي بقصيدة «من سيرة طفلة» كما يشارك الشاعر علـي بن عبــدالله الراسبي بقصيدة «ميسم الكي» ويستضيف المهرجان مساء اليوم عددا من الشعراء وهم جمال بن عبدالله الملا وطلال بن سلطان الشامسي ومنذر بن محمد الفطيسي وعبدالله بن سعود الحكماني.
الجلسة القرائية
انطلقت صباح أمس الجلسة القرائية في فكر الشعراء العمانيين المكرمين، فقد قدم الدكتور محمود بن سليمان الريامي شهادة أدبية في فكر الشاعر الراحل السيد هلال بن بدر البوسعيدي، وفي شهادته شعر الشاعر الأديب السيد هلال بن بدر البوسعيدي من خلال الحديث عن حياته التي امتدت منذ سنة 1314هـ وحتى 1385هـ، وأثر المناصب التي تولاها في توجهه الشعري فقد تقلد مناصب مهمة في عهد السلطان سعيد بن تيمور وكان مشغولا بالهم النهضوي في المجتمع العماني ومتفاعلا مع الأحداث الإقليمية تفاعلا إيجابيا. كما ذهبت شهادة الريامي لتسلط الضوء على أهم الدراسات البحثية التي انجزت حول شعر السيد هلال منذ صدور ديوانه سنة 1985م وحتى اليوم لتضع قاعدة نقدية تفتح المجال للباحثين لمعرفة المنجز البحثي حول شعره، وتحدث الريامي في شهادته عن موقف السيد هلال بن بدر من الآخر وتجليات هذه المواقف في شعره، وعند السمة الخطابية التي غلبت على شعره عموما وعلى الشعر العربي في تلك المرحلة.
أما الشاعر والكاتب خالد بن علي المعمري فقد قدم شهادة في شعر وفكر الشاعر العماني حسن بن عبيد المطروشي واتجهت شهادة المعمري في جانبين اثنين: الجانب الأول: التجربة الشعرية لدى حسن المطروشي والجانب الثاني: الدور الثقافي الذي لعبه المطروشي في الساحة الثقافية العمانية أما على صعيد الجانب الأول يمكن قراءة تجربته الشعرية من خلال مجموعاته: (فاطمة 1996) و(قسم 1997) و(وحيدا كقبر أبي 2003) و(على السفح إياه 2008) و(لدي ما أنسى 2013) و(مكتفيا بالليل 2016).وهنا يمكن القول أن عند الحديث عن تجربة حسن المطروشي الشعرية فإننا نودُّ الإشارة إلى أنها من التجارب المهمة في الشعر العماني، لا سيما في السنوات الأخيرة.
فحسن المطروشي يقدم تجربة شعرية راقية يرفع بها من اسمه في سماء الشعر العماني، أما الجانب الثاني: يمكن القول أيضا إن حسن المطروشي رغم معرفتنا به كشاعر له إسهاماته في الساحة الشعرية العمانية إلا أنه أيضا كاتب ومهتم بالثقافة العمانية وله حراك كبير في هذا الجانب يظهر من خلال نشاطه الصحفي في جريد الوطن ورئاسته للقسم الثقافي وإشرافه على ملحق أشرعة بالجريدة جعل منه شخصية ملمة بالساحة الثقافية العمانية طيلة فترة عمله بالجريدة، وإدارته للنادي الثقافي وقربه من المثقفين بصورة أكبر جعل هذا الحراك يتسع اتساعا يخدم من خلاله الثقافة العمانية، وانتقاله إلى مؤسسة ثقافية أخرى متمثلة في بيت الغشام وعمله في طاقم تحرير مجلة التكوين، ومشاركاته في تحكيم المسابقات الأدبية والشعرية واللجان المختلفة كمهرجانات الشعر والملتقيات الأدبية.
وقدم الدكتور خالد بن حمد الغيلاني شهادة في فكر الشاعر والأديب عبدالقادر الجيلاني وهنا اقترب الغيلاني من حياة الشاعر والأديب الجيلاني في الكثير من التفاصيل مرروا بتجربته في الشعر الفصيح والشعبي وحضوره الأبوي مع الكثير من الشعراء، إضافة إلى علاقاته الإنسانية الشعرية وتواصله المستمر مع الساحة الأدبية العمانية، فقد كان ضمن الشعراء القلة الذي تبنوا أسماء شعرية عمانية وأوجدوا لها مساحة ملموسة في الواقع الشعري العماني.
كما لامست شهادة الغيلاني الجانب الإنساني للشاعر عبدالقادر الجيلاني وحرصه الدائم على تفعيل الدور الثقافي والفني في ولاية صور على سبيل المثال، إضافة إلى محاولته التقرب من المشهد الأدبي بتفاصيله المتعددة، إضافة إلى علاقته بالمناسبات الوطنية التي دائما ما يكون حاضرا فيها بفكره وعطائه الأدبي الملموس. الشاعر العماني راشد بن سعيد الشامسي فقد كانت شهادته في فكر الشاعر الشيخ علي بن أحمد الشامسي وانطلق في شهادته حيث الجذور الأولى لحياة الشامسي فأشار إلى أن الشاعر علي هو ابن حماسة بولاية البريمي، مهد صباه وبداية تكوين أحلامه وشاعريته، ضرب بإيمانه وفكره في أرض راسخة معطاءة وامتدت مخيلته للتطاول النجوم و الضياء، كتب الشعر فتيا، أخلص للشعر، كان نهما في التعلم و التعامل معه، ولا يزال كذلك كما عهده، أعطى الشعر وقته وإخلاصه وتفانيه فأعطاه الجزالة وحب الناس، استعذب الترحال أو تعذّب به، انصبغ شعره بامتداد الأفق نحو المنظور وما خلفه وما يستنبطه وقرأ المحسوس واللا محسوس فصاغهن أبيات جزلة تحاكي سمو نفسه في التعامل مع الآخرين، واستنبط منهن الحكمة والروية اللتين تلازمانه في سائر حياته المهنية والاجتماعية والأدبية.

السبت، 3 ديسمبر، 2016

الأطفال المشردون

ماتزال الهند تتحفنا بالكثير من الغرائب والعجائب، والسينما هي شاشة العالم الكبير اليوم، نشاهد عبرها غرائبية الواقع وجنونه، أكثر مما قد تتفتق عنه عبقرية المخيلة الإنسانية مهما أوتيت من عمق التصور  وبعد التخيّل.
هذا الفيلم موجع، مربك، يخرج الإنسان منه ثقيلا موجوعا، ممتلئا بالدموع والألم، 80مليون طفل ضائع في الهند سنويا، وهم عرضة لأبشع الجرائم،  ولا يستطيع  أحد مساعدتهم، حتى القانون ورجاله، بل وحتى ملاجئ الأيتام قد تكون ضمن هذه اللجرائم.
طفل صغير يعيش مع أمه التي تعمل في حمل الجارة، وأخيه الأكبر، وشقيقته الطفلة الرضيعة، ولكنه ذات يوم يضيع عن أخيه في القطار ، فتحاول عصابات خطف الأطفال الإمساك به فيهرب ويركض بقوة ، ثم تعثر عليه امرأة وتحاول تسليمه لرجل ما لبيعه فيركض، ويعيش أبشع اللحظات، بل حتى الملجأ الذي وصل إليه أخيرا عن طريق الشرطة، تفوح منه رائحة العفونة والاستغلال. حتى تتبناه عائلة استرالية، فيكبر معها طيبا متفوقا، لكن الذاكرة كانت تعذبه، الذاكرة شرك الإنسان، ومحركه الأول، صوت أمه ونداءات أخيه، كانت ذاكرته الطفله تحتفظ بكل شيء الطعام والممرات، والبحر وأصوات عائلته، لا يغيب عنه شيء من تلك التفاصيل التي تمنعه من الحياة لمدة خمس وعشرين سنة، يقرر بعدها العودة للبحث عن أسرته، بعد يعرف اسم البلدة عبر برنامج جوجل إيرث.
فيرجع لأمه الحقيقية ولبلدته ولعائلته ولكنه يعرف أن أخيه قد مات تلك الليلة التي ضاع هو فيها، لأن قطارا صدمه.
يطرح الفيلم الكثير من المشكلات للأطفال والفقر والاستغلال، والانجاب مع كل هذه المشكلات في الشرق، في حين أن الأم الغربية قالت (قررت عدم الانجاب لأن العالم به الكثير من الأشخاص الذين ينبغي مساعدتهم).
استطاع الغرب التصالح مع إنسانيته، وفهم رسالته في هذا الكون، والاتحاد مع كينونته في حين ما يزال الشرق ينظر للأشياء نظرة خارجية مرائية من جهة، أو قاصرة ونفعية من جهة أخرى وعززت الأديان فكرة الثواب والعقاب البعدين، فأهمل القريب لصالح الغيبي، في حين أن الغرب يقدم يد المساعدة لما يستيطع بلا هدف سوى الواجب الإنساني.
#فيلم الأسبوع
#يستحق المشاهدة

الجمعة، 25 نوفمبر، 2016

الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2016

الكاتب الحقيقي

الكاتب الحقيقي أصيل الإبداع ، حقيقي كالألم، ناصع كالبياض، فائق الرعونة كالكتابة،  يشبه المبدعين من الفنانين والكتّاب العظماء عبر التاريخ، عميق كروحهم، جارحة كأوجاعهم، والكثير منهم. 
من حزب الألم والحب والجمال،  يجعل القارئ يؤمن به في كل ما تكتب حتى الخربشات النقية على جدار الفيس بوك، وحتى إن لم تقرأ له الكثير، وحتى إن لم تصدر كتابا بعد ، أو كان في البداية، فالبداية هي خارطة الطريق الطويل وبوصلته الهادية نعرف ذلك جيدا.  
يسكن تلك المسافة الوسطى، المتأرجحة بين النصر والهزيمة، بين التقدم والتأخر، بين البعيد والقريب. وتليق به،  لا يليق به الفرح المطلق  (فالفرح ليس مهنتي كما يقول الماغوط)، كما لا تليق بك الخسارة، فالخسارة هي خسارة الوعي والجمال فقط ، ولديه من ذلك ما يجعل الكوكب أكثر بهاء وإشراقا .

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

السبت، 19 نوفمبر، 2016

التمييز الثقافي

فاطمة الشيدي

القدس العربي

Nov 19, 2016
 
هل انتهى التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي، وهل بات ينظر للمرأة عملا ووعيا وفكرا بشكل مساوٍ للرجل؟ وهل أصبحت المرأة العربية حرة في تفكيرها وفيما تقوم به من أعمال فلا تشعر بالاضطهاد أو العنف أو التميز في مكان ما، وبالتالي لم تعد بحاجة للكتابة عن همومها وشجونها؟
شخصيا لا أظن ذلك، ولا أظنه يحدث قريبا، فلا تزال الكثير من النساء ترزح تحت وطأة الظلم والقهر، ويعانين الويلات والآلام في حيواتهن الاجتماعية، في بيت والد أو زوج، وفي العمل من زملاء ذكور محملين بعقد المجتمع، وفي الشارع من متحرش جبان. إنها الحياة العربية التي تدركها المرأة جيدا، والتي لا تمنحها الكثير من الحرية أو الحقوق، كما يدركها الرجل الواعي أيضا، فقد ناله منها ما ناله ولعل كل ما يقع على المرأة من الرجل أحيانا أو غالبا، ما هو إلا تعويض نفسي عن القهر الجمعي أو الظلم المجتمعي الذي تعرض، أو ما زال يتعرض له.
ولكنها، أي المرأة العربية، حاولت عبر الزمن وماتزال تحاول بكل طاقتها وجهدها، ومن كل مواقعها العلمية والثقافية والاجتماعية كسر ذلك التمييز، وتغيير نظرة المجتمع لها، واستعادة بعض حقوقها الإنسانية التي وهبها لها الرب، فكان أن تحقق لها القليل من النتائج بعد كل ما قدمته من مكابدة ومثابرة لإثبات حقها في حياة عادلة، ولا أقول متساوية، وبل ما تحقق كان للبعض منهن فقط.
ومع انفتاح الكونية على ذاتها عبر الشبكة العنكبوتية تحديدا، وكثرة مواقعها، وما أتاحته من حرية الكتابة، وجمالية التدوين، وما وهبته للإنسان من مساحات ضوئية للتنفيس عن ذاته المكبوتة في مجتمع عربي ربى الكثير من الكبت لعقود طويلة للجميع رجالا ونساء، مع هذه الطفرة المعرفية والتكنولوجية خرجت الكثير من النساء عن صمتهن الذي امتد زمنا طويلا، وبدأن يستخرجن مسوداتهن من تحت الوسائد والشراشف، فأصبح الفضاء الرقمي صوتها في مقابل صوتها الحقيقي المتحشرج بالخوف، وأصابعها الحرة في مقابل تلك المشلولة بالقيد، ووجهها المتخفي خلف الضوء هذه المرة بدلا من البراقع الحاجبة. ولذا بدأنا نقرأ الكثير من المدونات والكتابات النسوية في غير موضع ومنتدى وفضاء رقمي، تلك المدونات والكتابات التي لم نكن لنقرأها من قبل.
وبالطبع ستكون الخطوة اللاحقة هي النشر لكتب تحكي هذه التجارب، وتؤرخ لتاريخ من الكبت الطويل، وتنتصر للحرية وللمرأة الجديدة، وللفضاء الشاسع الذي انطلقت فيه خطواتها نحو الحياة والبوح، وبالطبع ستتفاوت هذه الكتابات والتدوينات سواء منها المنشورة عبر وسيط رقمي أو عبر وسيط ورقي كالكتب أو الجرائد والمجلات بين كاتبة وأخرى وفق استعدادها وملكاتها وتمكنها من أدوات اللغة، ووفق المحيط الذي تعيش فيه والبيئة التي عاشت فيها، ووفق اشتغالاتها على ثقافتها ووعيها قراءة ودرسا وتأملا وتجاوزا للسائد.
فكان أن تلقّى الجمع هذه الكتابات، وكان التفاوت في التلقي أيضا، إما بالحفاوة المطلقة، والمنطلقة من دافع ما، من المؤسف أنه كان غريزيا في كثير من الأحيان، فلم تخلو من التملق والمدائحية، أو بالنقد الجارح الذي حطّ بشكل كلي من قيمة هذه التجارب التي قد تكون ممهدة لتجارب أخرى، ومؤرخة لزمن التحليق خارج شرانق الصمت. وهذا أمر يحتاجه علماء الاجتماع وعلماء النفس أكثر من الناقد الأدبي والثقافي، وفي كلا الأمرين تمييز ثقافي وجنسي واضح.
واستمر الفعل الكتابي للمرأة بشكل حقيقي ومشرّف كما وكيفا، وتجاوزت الكثير منهن ربكة البدايات واشتغلن بالعميق والحقيقي من الكتابة، والبحث في الداخل حيث تدوين الذات الذي لا يمكن أن يكون إلا من صاحبها، وفي الخارج القريب الذي هي جزء منه كالرجل تماما، بل قد تفهمه أكثر لاهتمامها بالتفاصيل واقترابها من عوالمها اقترابا حسيا جارحا، كما ولدت أجيال جديدة حرة وحية خارج مناطق الكبت والقهر فدونت تجاربها أيضا، واقترفت فعل الكتابة كحالة إنسانية فقط. هذا ناهيك عن ظهور  الكثير من الباحثات والناقدات والفنانات والمبدعات المتميزات في شتى المجالات.
غير أن التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي المتخم بكل أنواع العقد ما يزال مستمرا وفي كل مناحي الحياة ومجالاتها تقريبا، ولذا كان التمييز الثقافي أو اللغوي أحد أشكال هذا التمييز، ويمكننا أن نحدد هذا التمييز أو نعرّفه بما يظهر بين الفينة والأخرى في كتابات بعض الكتاب والنقاد والصحافيين، من إطلاق أحكام عامة حول كتابة المرأة، واتهامها بالضعف أو الجنسانية أو مهاجمة الرجل، مع تحقير مما تكتبه، والموازنة غير العادلة مع كتابات الرجل لصالح الأخير طبعا. فعبر إطلاق أحكام عامة وكلية، وخارج أي تحليل، أو بيان لمواضع الضعف، أو تعيين الخلل أو الوهن، أو التمثيل والاستشهاد ببعض النصوص لإضفاء العلمية والدقة، يقدمون رؤية ناقصة لكتابات المرأة ويضعونها بشكل سلبي تحت ما يسمى بالأدب النسوي، وهو فخ وظّف عربيا ليضع كل كتابات المرأة في سلة واحدة، دون تفنيد للمصطلح أو المفهوم أو حتى للنص.
وبالطبع لا يمكننا أن ننكر أن هناك كتابات نسائية تافهة وساذجة، وما هي إلا مزيج من الثرثرة والسخف، ولكن ألا توجد كتابات رجالية ذكورية تافهة أيضا؟ وألا توجد كتابات نسائية عميقة وجادة؟ فالتباين سنة الحياة والعلم والوعي والثقافة والمعرفة.
إذن نعم هناك كتابات نسائية ساذجة ومراهقة وجنسانية أحيانا، وتتخذ من مظلومية المرأة سلما هشا للكتابة، وتتمحور حول صورة وحيدة للرجل وهي صورة الظالم والقاهر، والكاسر لقلب المرأة، وصورة وحيدة للمرأة وهي تلك الضعيفة والمظلومة. ولكن وضع البيض في سلة واحدة، وإطلاق أحكام مطلقة على كل كتابة للمرأة؛ هو أيضا نوع من السذاجة، إضافة إلى كونه نوعا من التمييز والعنصرية الثقافية والعلمية والمعرفية المقيتة، والتحيّز الأعمى اللامنهجي واللاموضوعي ضد كل كتابات المرأة.
إن إصدار حكم عام بالضعف أو النسوية على كل كتابات المرأة، عبر قراءة بعض ما أنتجته فقط، يعد نوعا من التمييز الجنسي الثقافي ضد المرأة، فتلك القراءات مهما اتسعت وتعددت، ومهما عظم قارئها واتسعت ثقافته، تبقى جزئية ومحدودة وناقصة لتقديم حكم شامل، أو صورة كلية، كما أن مقارنة ما تنتجه بما ينتجه الرجل هو نوع من الإجحاف للطرفين. وهو إبراز للتمييز الذي يتصدّر عالمنا العربي في كل المجالات؛ للون أو العرق أو الدين أو المذهب والذي ربما اخترع شيئا جديدا، إن لم يجد ما يتحيز به ضد الآخر، وكأنه سمة عربية لا يحدها ولا يمنعها أن يذهب الشخص في اتجاهات رفيعة كالعلم والثقافة والمعرفة.
فمن المؤكد والراجح أن هناك الكثير من الكاتبات الرائعات والحقيقيات البعيدات عن تدوين التفاهة والجنسانية والمظلومية، وغيرها من مخلفات الفهم الخاطئ للنسوية، وقد أنتجن من الأعمال ما يستحق الاحترام والخلود معا، تماما ـ وكي لا نضع هنا أيضا البيض في سلة واحدة ـ كما أن هناك الكثير من النقاد الذين أمسكوا بمشرط الجراح بعدل ومعرفة ووعي، وأمعنوا في نصوص المرأة قراءة وعمقا وتحليلا، وأعطوها حقها من التقديم والتحليل والنقد، وبالتالي وضعوا الأمور في نصابها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة، والكتابات التمييزية، والنقد العنصري. كما كان هناك الكثير من الرجال الذين وقفوا مع المرأة في عبورها لهذه الحياة، وساندوها للخروج من شرنقة الجهل المجتمعي، ومن مظلومية التاريخ الطويل والقهر الممتد. وهذا ما يجب أن نؤمن به، ونتحيز له فقط.
كاتبة عمانية

الخميس، 10 نوفمبر، 2016

الممكنات الكامنة

فاطمة. الشيدي
10-11-2016


فيلم يجعلك. تؤمن أن ممكنات الفرد الكامنة أكثر بكثير من قدراته الظاهرة، فالمتوّحد والمعاق مختلفون ولكنهم ليسوا متخلّفين بل قد يمتلكون قدرات عقلية أكبر وتركيز أشد من الإنسان العادي أو الصحيح الكامل كما يعتقد البعض، وفقط يحتاج الإنسان من يساعده على اكتشاف ممكناته الكامنة وصقلها.
كما يجعلك تراجع بعض مفاهيمك المطلقة حول تضحية الأمهات، فصورة الأم المهزوزة التي تترك عائلتها لأنها لم تستطع تحمل مسئولية طفل متوحد،  تقابلها صورة الأب العظيم الذي ربى ذلك الطفل المتوحد وشقيقه الأصغر بإيمان ووعي بضرورة صناعة ممكنات الإنسان وتفجير الضمني منها، ليصبحا متفوفين بما يمتلكا من قوة جسدية وعقلية خارقة رغم القسوة في التربية.
أما عملهما المزدوج بين الخير والشر، فهي الفكرة  التي ذهبت بالفيلم بعيدا عن الوعظ واستدرار عواطف المشاهدين، ليذهب في مدى القوة المطلقة للبطل، والبطولة السينمائية القائمة على المبالغات الفنية اللاموضوعية. والتي لا توجد في الحقيقة مطلقا.
الفيلم جعلنا نعحب بالمحاسب العبقري بل ننبهر بقوته الجسدية وذكائه الخارق،  وهو المتوحد، دون أن تخطر ببالنا لحظة إشفاق واحدة عليه، لأنه متفوق على الجميع -بما في ذلك نحن/ المشاهد -طوال الفيلم، حتى وهو يبتعد عن المرأة التي أثارت إعجابه لأنه يدرك أنه مختلف ولن يستطيع الاقتراب منها أكثر، لذا يهديها لوحة فنية أصلية.  كما جعلنا نؤمن أنه يفعل الخير (فهور رجل البر والإحسان الذي يخاطر بحياته ويقوم بعمليات تبييض أموال خطرة، ليتبرع بسخاء لمركز التوحد الذي يديره طبيب وعالم أصيبت ابنته بالتوحد فأنشأ ذلك المركز وساعده في بداياته، كما ساعد الكثير من المصابين بهذا المرض) وإن اتخذ وسيلة بشعة لتحقيق غاية عظيمة لأنه البطل في زمن بلا أبطال، لمشاهدين يحلمون بعودة البطولة.
#فيلم الأسبوع

الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2016

كنت في البدء شجرة


كنت في البدء شجرة .دار الانتشار العربي .بيروت. 2016

جريدة عمان
ملحق شرفات
1- 11-2016


كنت في البدء شجرة

في حياةٍ أخرى ماكنت أنا
كنت نخلةً سامقةً نبتت عنوةً في صحراءٍ على مشارفِ الصمت
ووزّعت ظلَّها على حباتِ الرمال
أو لعلني كنت سمرةً طيبةً توقظ الحنينَ في ليل السمّار
وتشغل الغرباء بالغناء
أو كنت سدرةً تغتسل بعشقِها النساء
أو غافةً تحرس الأفق
لعلني كنت زهرةَ ليلكٍ نبتت سهوا عند ناصيةِ شارع ما
وحرست أسرار العشاق الذين يترصدون الزوايا لاستراق قبلة عابرة
المهم أنني كنتُ في البدء شجرة
أعرف هذا الآن من رائحة جسدي ليلا
حين يضوّع عطرا يشبه حقل رياحين أو نعنع بري
ومن تفتّح حواسي على اخضرار الحياة
ومن الماء الذي يتغلغل في روحي تماما
حين ينزل المطر


على مشارف الربع الخالي

أخلعُ ظلّي كـ»عوانةٍ» طويلةٍ
تخافُ النظرَ للأسفل كي لا تنكسر
أتوسدُ الهواءَ وظلَ فكرةٍ عابرةٍ
أضاحكُ النجماتِ في آخر الليلِ وهنَّ يحزمن حقائبَهن الخفيفةَ لسفرٍ مؤقت
وأبتسمُ لغيمةٍ حبلى تمرُّ متهاديةً على مقربةٍ من رأسي الثقيلِ باللذةِ والأغنيات
وأعرفُ نهايةَ القصةِ سلفا
كأمٍ أزمُّ أغصاني كل شتاءٍ كي أمنحهَا الدفءَ
وأفردُها كلَ ربيعٍ كي تشرقُ بالفرحِ أو تحبلُ بالثمرِ
أراقبُ من علٍ العالمَ في عبورهِ اللاهث
وألحظُ تلك القيودَ المكبِلةَ للخطواتِ
وتلكَ العيونَ المنحشرةَ في الزوايا
يرعبني عواءُ الكلابِ الوحيدةِ بالليلِ
وأفرحُ لمرأى قطةٍ تلعقُ صغارَها عندَ الفجرِ
لا أعقد صداقةً إلا مع الأرضِ والزمنِ
فللأبديةِ خلخالٌ بأجراسٍ تشبه صوتَ أفعى
وللأشجار الأخرى ظلالٌ تداعبُها عند الظهيرةِ
ولي الهواءُ يردد أغنيتي الوحيدةَ كلما كان بمزاجٍ رائقٍ
ونظرةُ العابرين للأعلى
للتفكرِ في قدرةِ الرب، أو الثمرِ المستحيل



قصيدة مستحيلة

في دمي قصيدةٌ لن تكتب
قصيدةٌ سائلةٌ جدا
حارقةٌ أحيانا
وباردةٌ أحيانا أخرى
قصيدةٌ لها حموضةُ شجرةِ الليمون في سهلِنا الممتد
ومرارةُ قطعةِ (الشيكولا) حين ينتشي الحزنُ تحت جلدي
فيعبث داخلي بريشتهِ الباهرةِ كفنانٍ عظيمٍ
أو عازفٍ يأكله الشغفُ، فيشمخُ وجه الأوتارِ بارتعاشةٍ حرى
قصيدةٌ تشخب أبدا، كجرحٍ لا يبرأُ ولا يتخثر
قصيدةٌ أشدُ ملوحةً من بحر عمان (الحدري)
الذي يستضيف العشاقَ والعارفين على مقاهي صدرهِ الغافي كل مساءٍ
يتبادلون الضحكَ والنكاتِ السمجةَ والكثيرَ من القبلات والآهات
إنها لك أيها الطائرُ الجبلي الذي حطَّ في دمي أخيرا
أيها الطائرُ الغريبُ الذي وقفَ على غصنِ قلبي بين فصلين وجرحين وذاكرة
ثم استطابَ المكوث
فاردا أجنحتَه للريح والمسافةِ بيننا
واضعا حبةَ كرزٍ – تحمل تعويذةَ أجدادِنا السحرةِ – في فمي بمنقارهِ
فأغلقتُ عينيَّ لأتذوَّقها بلذةٍ
فلها طعمٌ مختلفٌ لا يوصف ولا يستبان
كنت أتلمظُها على مهلٍ، حين ذهبتَ أنت في الغناء
فأخذتني الغفوةُ والحب!


تحذير

أيتها الكلماتُ اليابسةُ كوريقاتِ الخريف
أقاربُك بحذرٍ
أخشى عليك أن تتكسري بين يدي
يدي الخشنةُ كيدِ حفارِ قبورٍ قديم
أو صانع فخارٍ عتيق
يدي التي تتحايلُ على الكلماتِ كي ترممَ شقوقَها في ضوءِ عينيها
وكي تتشكلَ أكثر جمالا في اللغةِ
يدي التي تسرّحُ شعرَ الأشعارِ في الكتب
كما تفعل النساءُ في المرايا
وتكتحلُ بالوهمِ كما يفعلُ العشاقُ غالبا
ثم تغني وحيدةً على ضفافِ المجهولِ
كما يفعل التائهون والعائدون من الحرب
يدي التي تنسجُ الحروفَ إلى بعضها بصبرٍ؛ كأم تخيطُ كنزاتِ الشتاءِ لأطفالِ السماء
يدي العامرةُ بالدعاء الذي يرتدُ في أصابِعها لتعيدَ كتابته في نص أرضي
يدي التي تعشقُ أن تحرثَ التراب
وتزرعَ الشجيرات الحامضة
وتروي الشتلاتِ الحزينةَ على الشرفةِ
أكثرَ من دغدغةِ المعنى كي ينجبكِ أكثرَ طراوةً ولينا
ولكن ما يحدثُ غير ما نريد غالبا
لذا تعالي بين يدي قليلا؛ لأصففَ شعركَ المبعثرَ في نصٍ قصيرٍ


صداقة

قصيدتي المترددةُ
صديقتي أيضا
نتحاور أنا وهي كلَ ليلةٍ
عن الحياةِ والحبِ وما بينهما
نختلف كثيرا؛ فأنا أعبرُ الحياة بتجاهلٍ مقصود
وهي تحتجزُ خطواتِها الظلية للزوايا
وتشمُّ ككلبِ حراسةٍ متمرس تفاصيلَ الشك والحيرةِ في القلوب
وتتتبّع الثقوبَ بدرايةِ نحاتٍ أكلت أصابعَه الغرغينيا
وببساطةِ حفارِ قبورٍ جاهل
وتلتقطُ الانكساراتِ بهدوءِ امرأةٍ دميمةٍ
تستيقظُ كلَ ليلةٍ في الواحدةِ صباحا؛ كي تدربَ الحظَ على لعبةِ الطيران
وتمشي خلفَ الخيباتِ على رؤوسِ أصابعِها لتأخذَ لها صورا قريبةً
تقضي وقتَها نائمة
وتجاهرُني برغبتِها في الرقص أو الغناء
في أكثرِ الأمكنةِ ازدحاما
نتبادلُ أنا وهي أدوارَنا في الحياةِ وفي الكتابةِ أحيانا
أرتدي جنونَها وترتدي قلبي
تبكي بالنيابةِ عني
حين أتحرَّج أن أفعلَ ذلك، أو حين لا تسعفُني الدموع
وأضحكُ بالنيابةِ عنها
لأن الضحكَ لا يليقُ بقصيدةٍ
تُقصي نهاراتي بحضورِها المتشنّجِ والمباغتِ
وتدخل للمساءاتِ برغبةِ عاشقةٍ في حبيبها البعيد
أسبقُها للنومِ، فتأتي بشقاوةِ طفلةٍ فتهمسُ في روحي سرَها الأعلى
وتدسُّ فضيحتَها في عروقي
تنام هي، وأظلُ أنا أهدهدُ الأرق


لأنه الشعر

الضجر ليس مبررا عميقا وجارحا
لكتابة الشعر
أنيابه النخرة لا تصلح للتمرئي في لجج الشعر العذبة
وملابسه الرثة لا يصح أن نعلّقها على مشجب الشعر الأنيق
والحزن أيضا ليس كافيا
فله نظرة قاتمة تخيف الأطفال والمجانين
أبناء الشعر الشرعيون
والحب كذلك؛
فتلك الطعنة الغائرة متوهجة أبدا، بحيث تقتل الكلام قبل أن يولد
والفرح، والوحدة، غير كافيين
فمن أين نأتي بالشعر ؟!
ربما مما يدور في ذهن عصفور في الأفق
قبل أن يركنَ للشجرة
وربما من عيون الموتى التي تبرق في الذاكرة
أو من ضحكاتِ الأمهاتِ المرتبكةِ في الصباحات الباكرة
وربما من حدس الربابنة بالعاصفة قبل الإقلاع
أو من الهواء المولع بالعبث في جسد الوقت
وشعر الحقول
أو من الأقدام التي نسيت خطواتِها على أرصفةِ الفقد المتسخة
أو من حزنِ مالكِ الحزين قبيل الغروب
أو من صرخة  مكتومةٍ في جوف كائن  لن يسمعها أحدٌ أبدا
وربما …
وربما …
لكن الشعر المراوغَ غالبا
يأتي بخفةٍ متناهيةٍ، وغير مدركةٍ للأسباب والنتائج
كالموت تماما!

حلم

يبدو أن أظافرَ البشرِ تستطيلُ كلما ذهبوا في العمرِ والتجربةِ
كيف سأقول ذلك لأمي؟
من أي سوقٍ مركزي سأشتري معالجاتٍ للجروح التي سيحدثها العمر
كيف سأتمكن من السهرِ مع الليل كل ليلة بصمتٍ كي لا أجرحَه
وكيف سأروّض النهاراتِ كي لا تجرحَني
كيف سأبث حديثا للمسافة كي لا تصيبَني بالدوار
وللحلم كي يظلَ عالقا بأهدابي؟
سأقول له مثلا أنا لا أكبر لا تخف
فهل سيصدّق كذبتي البيضاء؟
وكيف سأعبر النسيمَ المرافقَ بلا هالةٍ لائقةٍ
ودون أن أكونَ عالةً على الشعرِ؟
ماذا سأفعلُ حين ألمحُ أظفارَهم؟
هل سأختبئ في الحكاياتِ القديمة؟
أم سأتركُ لهم مقاعدَ الضوءِ كي يحتفلوا بغيابي
هل أمسدُ ظهورَ اللغاتِ كي لا تستفيقَ على حدِ لعنةٍ جاثمةٍ
أم سأبترُ أقدامي كي لا تسيرَ بينهم
هل سأقفلُ عائدةً من زقاقِ الدراويشِ
أحمل خبزَ «سيوران» فوق رأسي
وأسكن غرفةَ «فرجينا وولف» كبيتِ سلحفاةٍ عتيقةٍ من رأسِ الحدِ
وأتكئُ على حزنِ «لوركا» ونزقِ «نيتشه»
خفيفةً سأمرُّ، لن أضاحكَ «سلفيا بلاث» حتى نصل
ولن يسمع «كافكا» نشيجي قبل الفراق
وسأحتضنُ «فروغ فرخزاد» عند الزاويةِ بشدّة، ثم سألوّح للقصيدةِ في يدها
سلاما للصديقة والصديقة
وحين أعودُ سأخبئُ القصائدَ تحت وسادتي وأغيبُ
كي لا تمتدَ الأصابعُ والحناجرُ لمرآة قلبي

شبه

يشبهُني ذلك المغني الأعرج
الذي يقِفُ على قدمٍ واحدةٍ
كأوزّة مغناج
بينما يرفعُ الأخرى على الرصيف
ليبدو أكثر اتزانا في اللحن
وهو يبثُهُ باتساعِ الهواءِ
ليسري في مفترقِ الدروبِ
وفي مفارقِ النساء
وفي ضحكةِ العاشقيْن القريبين، وهما لا ينظران له كما ينبغي
وفي لثغةِ الطفلةِ المنغوليةِ التي تشاكسهُ كل صباحٍ
وقد تعضُّ بعض نقودِه القليلة، وتغسلُها بلعابِها
فيضحكُ لها، وهي تضعُ خبزتَها للحمامِ المتجمعِ حولهما


السبت، 29 أكتوبر، 2016

التربية أهم من كثرة الأبناء !

فاطمة الشيدي
27-10-2016


في هذا الفيلم الذي يقوم على عبقرية النص الروائي الحاذق لدان براون، النص الذي يجمع بين الواقع والفن والتاريخ ويعيد قراءة جحيم دانتي في سرد غرائبي تجريبي فنتازي يأخذك نحو البعيد في الزمن، والمكان المتعدد (فلورنسا، وفينيسيا واسطنبول وجنيف)، منطلقا من حكاية واقعية لشاب عبقري مضطرب نفسيا يخشى انهيار العالم لفرط زيادة عدد السكان، فيقرر أن يخترع فيروسا يقضي على نصف سكان البسيطة، وتحاول منظمة الصحة العالمية الحيلولة دون تفشي هذا الفيروس وبالتالي تقوم بالتعاون مع (روبرت لانغدون) العالم في الفن والآثار والتاريخ ليحل الشيفرة التي تركها الشاب عن مكان الفيروس بعد أن انتحر هربا من بعض من كان يحاول الحصول على هذا الفيروس لبيعه، ولكن أيضا يتم اختطاف البروفيسور( tom hanks)، فتتم مساعدته من قبل طبيبة يتضح أنها صديقة العبقري المهووس وتريد أن تعرف مكان الفيروس لتحقق غايته، وتفجر الكيس الذي يحتويه، بعد أن عرفت منه الموقع (آيا صوفيا) فتذهب لهناك وتحاول جاهدة تحقيق حلم صديقها الشاعر كما تصفه. وتدور الأحداث في محاولة الجميع العثور على هذا الفيروس كل لغايته، الفيلم بفنيته العالية، يتحرك بين أفلام الرعب والجريمة، وأفلام الواقعية. ولكن البعد الإنساني الذي مثلته العلاقة القديمة بين البروفيسور ورئيسة منظمة الصحة العالمية التي انتهت جديدا كما في السابق لاهتمام كل منهما بعمله، ودفاعهما حتى التضحية بالنفس عن حق الإنسان في الحياة، والبعد الفني التاريخي المعقد والمرتبط بجحيم دانتي (وهو الجزء الأول من قصيدة الكوميديا الإلهية) لحل اللغز شكلا قيمة العمل الحقيقية في رؤيته السردية، ورؤيويته السينمائية.




الأحد، 23 أكتوبر، 2016

العالم الرقمي والخراب الكوني

فاطمة الشيدي
القدس العربي
23-10-2016


أسرفنا في الامتثال للضوء، والاهتداء إليه، أسرفنا في تتبع ينابيعه الرقمية، كرعاة يذهبون وراء صوت بعيد يحلمون أن يوصلهم للمراعي وحين يصلون لا يجدون شيئا، أو كحطابي فرح يهرعون خلفه بلذة السعي وراء المجهول.
 أصبحنا أو كدنا نتحول إلى أرقام ومفاتيح، ننحسر داخل أجهزة صغيرة كموجة لا تقوى على الامتداد في المدّ، وننحصر في ذواتنا بعيدا عن الوجود الحقيقي إلا من عوالم بلا حياة. أصبحنا لا نسمع صوتا يشج الروح بحناناته، ولا نصافح يدا لنتقاسم معها خبز الحياة، ولا نشم عطر الأرواح عبر حوارات حقيقية.
ابتعدنا عن تأمل الوجوه، صرنا منكسي الرؤوس في الأجهزة التي بين أيدينا، لا نترك لصدورنا أن تتعبأ بزرقة البحر وملوحته، أو بهواء التيه، ولا تتشرب أعيننا اخضرار المسافات، صرنا نتقلص على أنفسنا كأجنة في رحم الضوء. نعرف عن طريق رسائله، وأمكنته التي أصبحت تتكاثر كالفطر السام، من يموت ومن يولد، ومن يفرح ومن يحزن، ونرسل بالتالي رسالة باردة بكلمات جافة أو وجها الكترونيا جامدا، للتهنئة أو التعزية لا فرق أبدا.
أصبحنا كائنات إلكترونية قليلة الكلام إلا المكتوب منه، قليلة الفعل أيضا، تجمدت أجسادنا خلف أجهزة ميتة، وكأنها مربوطة بأسلاك معدنية وكهربائية لهذه الأجهزة. قلّ المشي، وقلّت الحوارات الجادة والعميقة، وقلّت القراءة الحقيقية، أصبحنا نتحاور كتابة على عجل في هامش ضوئي ضيق، ونقرأ همهمات وتهويمات وشذرات تكتب على عجل أو كيفما اتفق بدافع الوقت والضوء. فكل شيء في هذه العوالم يُسلق على عجل، ويُمرر بسرعة كالوجبات السريعة، جاهزة ومعلّبة، وصالحة للقليل من الوقت. صرنا نحب ونتكلم ونعيش، ونذرف الدموع، ونكتب، على عجل، ونقرأ لنضع «لايك» على عجل، مجاملة لصديق، أو امتثالا لقانون الضوء وعوالمه الباهتة.
لم نعد نعيش ونمارس ونستمتع بالحياة بكل ممكناتها وطاقاتها كما ينبغي، لقد أربكنا الضوء كثيرا، أتعب أعيننا بشاشاته، وسرق عمق أفكارنا بسطحيته، وقلل اتساع رؤانا بضيق عوالمه، وأربك ثبات خطواتنا بسرعته، لقد تعلّقنا بعوالمه الرقمية أكثر مما يجب، وأصبح لزاما علينا أن ننتبه قليلا لهذا!
لقد أرهقنا بخفته وجاهزيته في سلبنا حقنا في التجلي الحقيقي، المفعم بالحضور الكلي، كما أرهقتنا الغابة الكونية التي نتتبعها عبره، تلك التي تقدم لنا هداياها عبر نشرات إخبارية متواصلة تتلمظ فيها مذيعة مغناج بنطق قرى ومناطق سوريا أو العراق أو اليمن التي حفظها المستمع العربي بعد أن لم يكن ليفعل يوما، أو ينطقها بحيادية قاتلة مذيع يتعمد نطق الكلام من منطقة بعيدة في حلقه وصدره ليأتي الصوت فخما وإعلاميا مدهشا، لتشاهد ذلك الصراع الدنيء بين كل قوى العالم والذي يدفع الإنسان والمكان ثمنه باهظا، والتي تجعلك فورا تستحضر «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل وتبتلع نفَسك بصعوبة وأن تتلمظ عجزك، وربما تحتقر ذاتك وأنت تكتب كلمات تافهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي داخلك صلاة لربك الذي تؤمن بقدرته، اللهم أسعف عجزهم وارفق بعجزنا. أصبح الضوء كغراب ينعق بالموت، كيف لا وهو مجرد انعكاس لهستيريا كونية تتمدد في الخارج، من جرائم داعش المخزية أو من يحذو حذوهم، ويفعل فعلهم باسم الله والإسلام، وحتى الجهل الممتد من الماء للماء والذي يبيح القتل والسلب والتكفير، ويسوّغ القبح والحقد والكراهية بكل مسمياتها الدينية والفكرية والاجتماعية ويمنع التفكير والاجتهاد، ويرفض العلم والمعرفة، مرورا بالظلم والفساد الذي ينخر مجتمعاتنا ويكبل إنسانا ويتعالى فوق القانون، لأن له اليد الطولى والقوة الراجحة الكفة، وليس نهاية بالجوع الذي يثقب أمعاء البشر في العديد من بقاع هذه البسيطة، في حين يلقي العالم كل يوم أطنانا من الطعام في سلة المهملات، وهم يرددون الأدعية بالرحمة والمغفرة أمام شاشات التلفاز العريضة التي تتفنن بدورها في بث أطنان من التفاهة والقليل من التسلية والعمق.
حالة مخزية ومقرفة لا يشفع لها شيء، كما لا يشفع لتلك العوالم الرقمية الجماليات المبثوثة بين أركانها بين فينة وأخرى، كالتأملات والنصوص الشعرية واللوحات وغيرها من إبداع الإنسان المناضل بالجمال ضد القبح.
تلك العوالم الرقمية التي نعيش فيها، ونحن ندرك جيدا أنها ليست هي الحياة، ولا تشبه الحياة في شيء، فالحياة هي دبيب خطوك على الأرض، ضحكتك إذ تشق الغبار، لقاء عينين غريبتين غرر بهما الحلم ومع ذلك تبتسمان لرؤية عابر على الطريق، أم تدعو لأبنائها العاقين، وامرأة يخونها زوجها كل ليلة، ومع ذلك تستأنف صباحا العمل بلا نية للتقهقر، ورجل سبعيني يذهب أبدا للحياة التي عاشها يوما ليجعل الماضي يمكث زمنا أطول لأنه لا يحب حاضره، ويخاف مستقبله الذي لا يعني سوى القبر. صغار يذهبون إلى الحياة بشغف غير مبرر، وكبار يفكرون في العودة من قطارها السريع بصمت غير مبرر أيضا.
الحياة حكمة مرة مخلوطة بالقليل من الصبر والعسل، لهاث متقطع الأنفاس أبدا بين صحو ونوم وتفاصيل لا تهدأ، ملل وتعب، وأمل ورجاء في قصعة واحدة، كل شيء في الحياة جنوني وعبثي أكثر مما يُحتمل، بينما تحضّر العوالم الرقمية وجباتها السريعة على عجل كمقهى على ناصية الكونية يسعف المتعبين من الحياة، وتكتب نصوصها الكثيرة ضمن ذاكرة المحو، وتخلق أبطالها الدونكيشوتيين بحرفة واقتدار مخرج مجنون يتفنن في تغيير الحبكة كل مرة، ومع هذا يصدّقها المشاهد المحمّل بالخدر والنعاس بلا تمحيص أو وعي كل مرة أيضا.
كل شيء يبدو باردا ومملا وبلاستيكيا في العالم الرقمي، فالفرح والوجع فيه كاذبان، لأنهما أبسط من الحياة أو أقل منها شأنا. ومع هذ سنظل نقف في طابوره الطويل يوميا، ربما لنقول شيئا بصوت عالٍ لا تسعفه حناجرنا المزدردة بالخوف والصمت، أو لنعرف بعض الأشياء التي يحاول العالم القذر كتمانها ليحرك الدمى وفق مخططات مرعبة بعيدا عن الإنسان الذي ليس لديه القدرة على إيقافها أو تغييرها، أو لنبكي في صمت وعجز على مهازل الغابة الكونية التي تفضحها الشاشات الناصعة.
فنحن غالبا لا نملك أن نشيح بوجوهنا عنها طويلا، فهي الملاذ الأكثر دفئا أمام تصحر الكون، ويباس الكائنات، وهي الحقيقة الأكثر نصاعة أمام هذا المد من البشاعة الذي يكبل المكان والزمان معا، ويحاول الجميع تشويهه، وإخفاء الجزء الخاص به بعمليات تجميل تقبحه أكثر مما تجمّله. ربما لأن المعرفة هي سلاح الكائن الوحيد للاستمرار، ووسيلته الأخيرة لتجرع مرارة الخراب بهدوء.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

علي الشحري الباحث والإنسان

فاطمة الشيدي
12- 10-2016

نعبر كثيرا في هذه الحياة، نلتقي أشخاصا كثر، الكثير منهم يعبروننا كالهواء، ولا نتذكر من عبوره المؤقت سوى القليل لو فعلنا، ولكن ثمة من ينغرز في روحك كمسمار، ويذهب في وعيك بعمق وهو يقدّم لك درسا راقيا في الإنسانية والأصالة والنبل.
ومن الفئة الثانية الأستاذ الباحث علي الشحري، ولعل القليل منا في عمان يعرفون علي الشحري الباحث، والقلة جدا من يعرفون عمقه الإنساني.
فهذا الباحث اللغوي وعالم الآثار يشتغل منذ أكثر من عشرين عاما بدأب وإصرار  منقطع النظير على تدوين ودراسة اللغة الشحرية وفق نظريات علمية، واجتهاد معرفي حقيقي وجاد عبر مؤتمرات علمية، ودراسات ميدانية، ولقاءات بعلماء لغة من الشرق والغرب .
فهو يذهب في نظريته أنها أصل كل اللغات وهي لغة عربية صرفة.
يتتبع علي الشحري ويصوّر ويدرس كل النقوش والحفريات من كل كهف وزاوية في ظفار، ومن ثم يجمعها في مكتب أقرب للمتحف ثم يحللها في مدونات تزيد عن العشر معاجم في اللغة والأمثال والأشعار والفنون، وغيرها. ويمثل مقصد للكثير من الباحثين والعلماء من الشرق والغرب يأتون إليه وينهلون من معرفته العلمية والنظرية.
أما الإنسان فهو المتفائل أبدا رغم أنه قضى سبع من السنوات العجاف في السجن، النبيل الذي لا يريد من هذه الحياة سوى الخير والسلام للإنسانية جمعاء، البعيد عن النفاق الجمعي، والحسد المجتمعي، والقبح الذي يغمر العالم فهذا يجعلك تقترب منه اقتراب الأرواح التي إذا ائتلفت اتفقت.

مثقفون عمانيون في حفل تكريم المبدعين الخليجيين

11-10-2016


الرياض في 11 أكتوبر/ شاركت السلطنة ممثلة في وزارة التراث والثقافة في حفل تكريم المبدعين الثقافيين الخليجيين بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الممكلة العربية السعودية بالرياض، تزامنا مع الإجتماع الثاني والعشرين لأصحاب السمو والمعالي الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي تم خلاله تكريم عدد من المثقفين والمبدعين الخليجين ممن لهم اسهامات في المجالات الثقافية، وذلك في إطار سعي وزارة التراث والثقافة إلى تكريم المبدعين العُمانيين داخليا وخارجيا في شتى مجالات المعرفة الفكرية والأدبية والفنية، وتقديمهم كنماذج مشرفة للعطاء الثقافي إلى الأجيال القادمة، وسعيا منها إلى تشجيع وتحفيز الحركة الفكرية والأدبية والفنية، ودعم النتاجات الإبداعية لأبناء هذا الوطن.
كرمت السلطنة في هذا الحفل ثلاثة من المبدعيين العُمانيين، وهم: الشاعر سالم بن علي الكلباني في مجال الفنون الأدبية “الشعر”، وهو أحد المؤثرين في المشهد الثقافي العُماني، ومن الأسماء البارزة والحاضرة في الكثير من الفعاليات والمناشط الثقافية داخل السلطنة وخارجها، كما تم تكريم الباحث الأستاذ علي بن أحمد الشحري في مجال الدراسات والإنتاج الفكري “الدراسات اللغوية”، لجهوده البارزة في الدراسات اللغوية بالسلطنة، وإسهاماته للتعريف بتراث المنطقة القديم، بالاضافة الى تكريم الكاتبة والشاعرة الدكتور فاطمة بنت علي الشيدية في مجال الفنون الأدبية “الرواية”، حيث صدر لها أربعة كتب شعرية، وثلاثة كتب سردية، وكتاب نقدي، ولها العديد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات والكتب المشتركة، و ترجمت بعض نصوصها للغات أخرى مثل: الإنجليزية، الألمانية، والرومانية، والملاوية، والهندية، والفرنسية، والفارسية.
الجدير بالذكر، أن حفل تكريم المبدعين الثقافيين الخليجين يأتي ضمن تنفيذ الاستراتيجية الثقافية الخليجية التي أُقرت خلال القمة التاسعة والعشرون لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون-حفظهم الله –، والتي عُقدت أعمالها في مسقط 2008م، حيث تضمنت إقامة العديد من الفعاليات الثقافية الخليجية المشتركة، التي من شأنها تسهم في الإرتقاء بالعمل الخليجي المشترك وتقوية الروابط والاستفادة من الخبرات بين أبناء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.


الاثنين، 3 أكتوبر، 2016

الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2016

تداخل الاجتماعي بالأسطوري في رواية «موشكا» لمحمد الشحري



فاطمة الشيدي
جريدة عمان
ملحق شرفات
27- 9-2016


تشكّل رواية «موشكا» مزيجا عميقا وفاتنا من النسج الحكائي الفني عبر تداخل عوالم سردية متعددة المصادر والينابيع، فعبر تداخل القريب المكاني بالتاريخي البعيد، والحياتي الحي النابض بالأسطوري الميثولوجي، يقدّم «محمد الشحري» نصا سرديا متفردا، بنكهة تاريخية حاضرة، وبواقعية أسطورية ممتزجة. حيث يستجلب أساطير المكان من تاريخ طويل، ويصهرها في الآني المكاني، ليقدّم بذلك الزمن الحاضر مربوطا أو مستندا بعمق لأسطورية مدهشة، وتاريخية عميقة. مستوفيا شروط ذلك الاستحضار الفني للأسطورة التاريخية، والتاريخ الأسطوري، ثم يسكنهما معا في نص واقعي حاضر، وبإمكانيات لغوية شعرية مدهشة.
فالسرد في رواية موشكا يسير عبر ثلاثة خطوط سردية متوازية، تمثّل ثلاثة أبعاد فنية وهي: البعد الواقعي الحاضر، والبعد التاريخي المكاني، والبعد الأسطوري الميثولوجي، لتقدّم الرواية عبر هذه الأبعاد الثلاثة التي تلتقي وتتداخل حول «موشكا» أو شجرة اللبان، وما يتعلق بها ويتعالق معها في الزمان والمكان سردا عميقا وجارحا للمكان والشجرة والإنسان معا.
لقد عمد الكاتب الى توطين البعد الأسطوري في البعد الاجتماعي، ثم ربطه بالتاريخ المكاني العميق والبعيد. ناسجا حكايته الأساسية للنص عبر البعد الأول (البعد الاجتماعي الواقعي الحاضر) حيث قدم صورة حقيقية لليومي المعاش من حكاية الإنسان البسيط في كده وكدحه للحصول على مصدر رزقه، وهي صورة المعاونين أو جامعي اللبان، الذين يمثّلون واقعا اجتماعيا وثقافيا جنوبيا محضا، ثم انطلق منها لترسيخ البعد الثاني وهو «البعد التاريخي»، عبر شجرة اللبان ودورها في ربط المكان بالحضارات القديمة، كما أقام عبر البعدين الأول والثاني (الحاضر والتاريخ) ترسيخا للمثيولوجيا باستحضار أساطير المكان الخالدة، والتي تعمّق قيمة السرد المكاني، والمكان السردي في الحكاية.
ففي البعد الأول وهو البعد الواقعي تقدّم الرواية حكاية واقعية جدا، صالحة لإقناع القارئ من جهة، ولتجسير العلاقة السردية مع الأبعاد الأخرى من جهة ثانية، وهي حكاية «الدعن» التاجر الذي وضع ماله كله في تجارة خسرها بعد أن غرق المركب الذاهب لساحل المليبار، وزوجته الطيبة «حلوت» التي أصرّت على تعويض خسارتهم بجمع اللبان وبيعه، كما قدّمت حكايات كثيرة موازية عن المعاونين (جامعي اللبان) الذين يعيشون حياة صعبة في هذه المناطق، للتدليل على أهمية هذا المورد الاقتصادي في حياة الجنوبي كمورد أساسي، خاصة إذا وقع في محنة مادية، كخسارة أو دين، أو رغبة في الزواج من حبيبة، أو عند تعسّر وشح الحالة الاقتصادية أحيانا، مما يدفع البعض للانتقال لمناطق جمع اللبان والتفرّغ لهذا العمل لعدة أشهر ليخرج من ضائقته، والعودة للحياة الطبيعية بعد ذلك، أو الحصول على رأس مال مناسب لمواصلة الحياة في مجال آخر، مقدمة صورا دقيقة لهذا الموسم المرهق والشاق الذي لا يتحمله إلا المرتهن لحالة مادية صعبة وبرغبة جادة في تجاوزها. وكيف كان القدر للجميع بالمرصاد، حيث أغرقت الأمطار اللبان وقضت على الأحلام.
كما قدمت الرواية رسما دقيقا لكل ما يتعلق بالمكان من خصوصية ثقافية، كالرعي، وقيمة الإبل، وتجفيف السردين، وغيرها من تفاصيل تأخذك إليه مباشرة، وتجعلك تعرفه وتعيشه عبر صور دقيقة ينقلها لك الكاتب.
أما البعد الأسطوري فتمثّل في أسطورة وجود شجرة اللبان «موشكا» حيث يورد الكاتب حكاية غرائبية أسطورية عن فتاة من عالم الخفاء تسمى موشكا، موضحا هذا العالم البعيد وعلاقته بالبشر، «نحن بشر من أبناء آدم وحواء، كنا وأنتم أخوة لا يفرق بيننا شيء ولا نختلف عنكم إلا في الطباع والمعاملة والسلوك، نحن نصدق وأنتم تكذبون، نحن نوفي وأنتم تحنثون، نحن نخلص، وأنتم تغدرون، نحن نعدل وأنتم تجورون، وبعد حادثة الإبل افترقنا عنكم، وتضرعنا للسماء أن نختفي عن زيفكم ونفاقكم وخستكم، واستجيب لدعائنا، حيث توارينا عن أعمالكم الدنيئة، وطباعكم المنتنة، وعشنا في عالم الخفاء، العالم الذي وجدنا فيه ما وعدنا به، وما طلبناه، أما أنتم فما زلتم على عاداتكم تورثونها خلفا بعد سلف» ص55، ولقد أحبت موشكا رجلا إنسيا يدعى «أنشرون» في السفينة التي حملت الكائنات في الطوفان، فوثقت به وطارحته الغرام، ولكنه في الأخير تخلى عنها، ولم يحفل بها، وتركها تختار عقوبتها وقد اختارت التحوّل لشجرة اللبان التي تتعرض للكشط والتجريح في كل لحظة فتفوح عطرا خاصا يعطّر الكون ويذهل الحواس. «اضربوني بمديكم وحرابكم أيها الأعوان، وسأهبكم من جسدي ما يعينكم على البقاء» إضافة إلى أساطير تتعلق ببعض آلهة الحضارات القديمة.
أما البعد التاريخي الحضاري فقد تمثّل في علاقة المكان بالحضارات الأخرى، تلك العلاقة التي لا تخلو من تداخل وتمازج مع البعد الأسطوري أيضا، مثل عثور الراعي «بارح» على شجرة اللبان عبر أغنامه التي كشطت لحاء الشجرة، فسال سائل أبيض برائحة عطرة، وكيفية إنقاذ أيوب عليه السلام الذي كان صديقه بهذه المادة المكتشفة، الرجل الذي أصبح بعد ذلك ملكا، و«لاهيا» الرجل الذي كان يبحث عن أيوب ليساعده، فعرف قصة اللبان، وعاد ليعمل مع بارح في جمعه، ثم أخذ اللبان ليغفر له الملك الكنعاني، وحكاية الملكة حتشبسوت، وتقربها للإله (رع) باللبان الذي أحضرته من أرض بونت، وقصة الساحرة روري، والكثير من الأساطير التي وظّفت في العمل لجعله نسيجا حكائيا متداخلا بين هذه الأبعاد الثلاثة في حضورها الممتزج بموشكا، والقائم عليها.
وهكذا فعلا كان العنوان هو «عتبة النص» في هذه الرواية، حيث أفصح بقوة وعمق دلاليين عن قيمة «موشكا» في تشكيل حبكة النص، ورسم الشخصيات والحكايات الجانبية، وتقدّم البناء السردي، وصناعة الحدث، والذهاب في تصاعداته وتفرعاته الواعية في الاتجاهات الثلاثة (الواقع، والأسطورة والتاريخ).
في حين نُسجت الرواية بلغة شعرية رهيفة عززت العنصر الأسطوري البعيد في الرواية، بل كثيرا ما شكّلت هذه الشعرية ثقلا روائيا قد يعتبره البعض سلبيا للعمل السردي. لكنه قد لا يكون كذلك لقارئ يلتذ باللغة، أما الزمان والمكان فالقارئ لرواية موشكا يجد ذلك التداخل السردي السرّي أو الضمني العميق بين مختلف الأبعاد الزمكانية (الواقعية والتاريخية والأسطورية) عبر حكايات تذهب من الحاضر إلى الماضي، وتعود إليه بلا انقطاع وبلا غفلة من الكاتب عن عمق تأصيل تلك العلاقة، وتبريرها بمنطق سردي وتاريخي في الوقت ذاته. بل وكثيرا ما يراوح الكاتب الذهاب بالمتلقي بين الماضي البعيد، والحاضر القريب. فهي -أي الحكاية- منتبهة تماما للتداخل الزمني بين أكثر من زمن، (زمن الراوي، وزمن الحكاية، والزمن الماضي ) وللتداخل المكاني بين أكثر من مكان أيضا في ظفار وخارجها.
ورغم وفرة الحكايات الجانبية «التاريخية والأسطورية» وبعدها بالرواية عن الآني الواقعي للولوج في عوالم موازية وبعيدة عن حكاية «الدعن وحلوت» التي تعتبر الحكاية الأساس وعصب الرواية، والحبكة الأساسية الأولى للأحداث التي تنطلق منها، إلا أن النهاية التي جاءت لتعود بالمتلقي لذات الحكاية، وتغلق العمل بفرح كبير للدعن وحلوت وللناس بشكل عام، بل حتى للأم التي انتظرت صغيرها ونذرت النذور لعودته، والتي لفظت أنفاسها بين يديه. نهاية جعلت المتلقي يستعيد واقعية الرواية وعمقها، ويلتذ بالجوانب الأخرى التذاذ المتحصّل على إضافات جانبية أسطورية وتاريخية وإنسانية لعمل مكتمل، بل لعمل روائي سردي ليس سهلا وليس جاهزا أو سريعا وإنشائيا، بل عمل كتب بوعي فني، ومسؤولية إبداعية قائمة على البحث والقراءة وتتبع حضور المكان في التاريخ، وعلاقاته الحضارية بالحضارات الأخرى عبر اتصالها معه، وإسناد كل تلك الصلات لأهمية شجرة اللبان ودورها في تعزيز الدور الحضاري للمنطقة. «هجر العمال منازل اللبان وتركوا موشكا وحيدة كعادتها في البيداء والأرض الخالية من أنفاس البشر وأعمالهم، في انتظار مجيئهم في موسم آخر من (التوقيع) و(السعف) والتجريح، على أن تحرق دموع موشكا في المجامر ذات الزوايا المحددة للاتجاهات الأربعة، وعناصر الحياة الأربعة، على تمتمات الجدات حين يحرقن فصوص اللبان في الصباحات والأماسي قبيل المغيب: يالبان يالبان يا صاعد إلى الكواكب والأزمان، يا طالع السموات والأرض والأكوان، كف عنا كيد العداء والجان، وحسد الأهل والجيران» ص184.
ـــــــــــــــــ
• محمد الشحري، موشكا ، دار سؤال .بيروت .. 2015