الأربعاء، 14 فبراير 2018

إلى الحب في عيد الحب وأعياد الكراهية


  لوحة (القُبلة) لغوستاف كليمت


فاطمة الشيدي
14- 2-2018

عم صباحا/مساء أيها الحب، أيتها الأسطورة البشرية التي خلقها هذا الكائن القلِق ليحيا ليوم آخر، تماما كما خلق الكثير من الآلهة والأحلام والكذبات الأنيقة والفنون ليروّض العدم، وليبعثر شعوره باللاجدوى، وليجعل لزمنه بين صرختين وضعفين قيمة مستحقة وأمل في بهجة ما.
ياصديقنا البعيد، أين يمكننا أن نجدك نحن اللاهثون خلفك أبدا، الساعون إليك سعى العارف والطامع والمحتاج، أنجدك في الحنان الوجودي المتمثل في دمعة أم تغسل ما ران على الروح من وهن ووجع ولمسة أب تقوم ما أعوج من أيامنا.
أم في ضحكة طفل تمسك بتلابيب الروح وتغرقها في لجة من عذوبة ونقاء فتخرج عطرة، نضرة لزمن آخر.
أم في قلب باتساع الكون يحمل عنا سخام الأيام وقلق الوجود ويهبنا يده متكئا للبعيد ونورا للقادم من الأيام.
أم في روح صديق/أخ طيب يسند العثرات ويسمع الشكوى ويقلّم أشواك الوجود كلما استطالت بيدين حانيتين.!
وهل لك شكل واحد يتمثل في قبلة أو عناق جسدي ولذة مسرفة في التوله والولع، أم أن لذائذك لاحصر لها  فهي سر السعادة الأبدية كما يتوهم الشعراء والكتاب، وكما يحدس المفكرين على مر الحقب والأزمنة. فكل تجلى في الوجود هو صورة من صورك، وكل فرح هو التفاتة منك، وكل أمل هو لمسة من يدك، وكل قوة هو نظرة من عينك. لأنك روح الرب المبثوثة في الكائنات عناية ورحمة وجمالا وشفقة.
وهل لك و وجه واحد أم وجوه متعددة، كالجمال تماما، فنجدك أحيانا فيما لا نتوقع، فتتجلى في الكراهية والصمت والكلام والوردة والقصيدة واللوحة. وفي حنانات الطبيعة بدروسها الكبيرة إذا تحنو لبوة على غزالة وكلب على فرخ صغير، وفي تلك النظرة الهابطة من الكثير للقليل ومن الكبير للصغير، وفي تعلق ميلونير أنيق بخادمته الرثة، أو شاعر مجنون بامرأة في عمر يضاعف عمره.
وهل نحتاجك فعلا، أم أننا قادرون على الحياة بدونك، ونمضي خفافا بلا حملك الثقيل ومسؤلياتك الوافرة فأنت الذل الذي يفوق المال والولد، الذل الذي يجعل العاشق يحبو على أربع لمحبوب، ويسجد بن يديه أكثر من إله.
وأنت الثمرة المحرمة التي أخرجت آدم من الجنة، وجعلت لذريته الشتات والضعف لا تقوى على مقاومته، والهلاك الذي كان درب الكثيرين، فكم من عاشق وشاعر ومجنون  هام على وجهه بسببك، وكم من عبث ارتكب باسمك وكم من خيانات وأوهام وكذبات.  وضع عليها أشرطة حمراء لتصبح هداياك.
وكم قتلت  ورملت وجئت بأيتام من لحظات شغفك.  وكم وكم ..!
ياحلمنا الأبدي ويانقصنا  الأزلي الذي نعيشه ونعيش به، ونمضي إليه، بلا اكتراث منك بنا، او اكتراث منا بالعواقب، فنظل نلهث خلفك في سبات، في يومك الذي يأتي في زمن متوحش، يستشري الشر بين جوانبه كالنار في الهشيم، ماذا يمكنك أن تقدم لنا، وهل كل دببتك وورودك وتهانيك يمكن أن تقنع طفل سوري ماتت امه تحت البراميل، او طفلة يمنية أصابت عينيها رصاصة قناص حقير.
وماذا تقدم لجائع لا يجد لقمته، ولأرقٍ يشتري النوم بكنوز أرض، ولمريض يتاهبه الألم، ولثكلى تتحرق وجعا، ولمفارق وعاجز وعاشق.
… ..؟
ياصديقنا الخرافي كل عام وأنت بحب. 

السبت، 3 فبراير 2018

حياة فائضة

فاطمة الشيدي


أقرأ وأمشي
هكذا أصرّف أيامي الفائضات
أوزع الخطوات على الدروب الشائكة
أزرع شتلات اللغات القديمة في أصص الخيال والذاكرة
وكفلاحة طيبة أترفق بي
أحيط جسدي بالشمس والماء، وروحي بالحب
أترفق بأحزاني، باللون، بقامات النخيل، بالدروب المكفهرة، بالسماوات، بالأزمنة العجاف، بالسحب والماء.
وأسحب شهيقا عميقا عبر لغات العالم، وأرسل قصيدتي نذرا للخطوات المرتبكة، وأبتسم كلما أطبق الصمت وكلما استدارت الطريق، وكلما مر أمامي جبان أو طحلب متلوّن
أصفف شعر أيامي في مرايا العدم، وأهتف بالليل تعال ببطء، وكن بردا وسلاما على قلب الثكالى والمحرومين
أناغي طفلا بقلبي، وأمتص حليب القيامات
وكلما أستطالت الطعنات في الظهر أنحنى قليلا لأبكي
ثم أنتصب بقهقهة عالية
وأعبر للقادم بحلم جديد

الخميس، 1 فبراير 2018

رسالتان

فاطمة الشيدي

1.
إلى (س) 

يا صديقي الأكثر والأقرب:
كنت دائما في قلبي، أحملك فيه من زمن الطفولة، من زمن الحب، من زمن الخسارات والأوهام.
كنت قريبا كالروح وكالدم، وكالأفكار واللغة والأحلام والذكريات التي تجمعنا وكنت بعيدا كوجه لم أصادفه، ويد لم أصافحها، ووطن لم أعرفه، وقد تهت بعيدا عنه وهو أقرب لي مما أتصور.
وحين التقينا كنا متشظيين ككوكب انقسم ذات انفجار كوني عظيم وتاه كل نصف في ملكوت بعيد، فكان كل منا يبحث عن نصفه حتى أخذتنا تعرجاتنا للالتحام فكان أكثر من الممكن والمستحيل إذا اجتمعا معا.
الآن يتبرأ الحزن منا حين نضحك معا، ويضمنا معا حين نذهب في الداخل قليلا، هناك حيث أوجعتنا المقادير وأرهقتنا المسافات والزمن.
ليس على قلبينا أن يتقنا الألم بعد الآن، فثمة زاوية للفرح في مكان ما، ثمة كوة للنور، وأغنية تذهب بعيدا باتجاهنا تماما دائما، تنغرز في تلك التراكمات المتراكبة في دواخلنا المرهقة، وعلينا أن نبحث عنها، أن نجدها، أن نفعّل دورها، وأن نفتحها على مصراعيها، أن نجد لقلبينا المثقلين بالهموم زفيرا أكثر، وحبا أكثر ، وأحلاما أكثر وأكثر ، فالأحلام يا صديقي هي ترياق الوجود، وهي سدرة الروح الخالدة وعلينا أن نتفيأ ظلالها معا.
كما علينا أن لا نضغط على الجراح بل أن نغني لها، نغطيها ببعض قلوبنا ونمضي
يا صديقي الأقرب:
منذ عرفتك لا أستيقظ في الصباح إلا على صوتك لأشعر بالأمان، فالوجود رجل عنين بوجه شائن يتربص الأصوات والأحلام والقلوب العاشقة ليقبض على بكارة الأشياء، وعلى الرسل، وأنا سليلة الأنبياء.
مذ عرفتك وحتى نذهب في طريق بعيد؛ لن أخبز خبزا ساخنا، ولن أصنع قهوة متخمرة إلا لك؛ فالعالم مرآة متشظية لا أسعى لإصلاحها. وأنت لا ترفع صوتك بالغناء بل اهمس في أذني، وسأخفض صوت المذياع لنستمع في البيت لنشرة المساء معا. ونتوجع معا للخراب المطبق.
وحين تطلق دراجتك نحو أمكنة أخرى ونحو الكتب والمسافات ضعني حرزا أبديا في وجه التاريخ كي لا تجفل الأيام التي نرتّبها في دواليب العمر فوق ضحكة يتيمة وقلبين مضرجين بالأمل لنطل عليها كل صباح، الصباح صديقك الأبدي وعدوي الأبدي
يا صديقي:
أحبك كصمت لا يقوى على الكلام، وكجرح بحجم عمري قبلك يتناثر فيه الملح
أحبك ككل المتناقضات في هذا الكون العريض، كالفرح والحزن إذا امتزجا وصار لهما لون وطعم ورائحة كالماء.

2.
إلى (أبي)

صباح الخير يا أبي مني هنا إليك هناك
لم تزل الحياة ثقيلة بالنسبة لي، فأنا كما جئت من صلبك حزينة كأغنية تتحشرج في صدر ميت
كصرخة جافة
كوردة نبتت قرب بحر أو بين ثنيات جدار لا تشعر أبدا بالانسجام
أعيش الحياة بحماس يشبه الموت تماما، حماس قطعي ونهائي لكل شيء حقيقي، كل قضية هي لي، وكل وجع هو داخلي، وهو أمل يرفعني، وكل حزن يجرحني.
وما زلت أكتب لأردم هوة الثقب العدمي الكبير الذي ولدت به في القلب، وأنظر للعالم من خلف نظارات القراءة فلا شيء يستحق.
وما زلت مكتفية بالصمت يا أبي، مكتفية من ذلك العالم الراقص فوق الحبال وأنا أعبر
وغالبا أتراجع للبعيد لأرى العالم بعينين مفتوحتين على الآخر، وبقلب متيقن من دهشة الحقيقة وصدق العبور.
ودائما أعيد ترتيب اوراقي، فأنا امرأة بلا أعياد سطحية، وبلا مناسبات واهية
هجرني الفرح من زمن لا أتذكره، واستعاض عني بالذكريات العريقة فظللت أحاوله بلا جدوى
وما زلت يا أبي أفتعل ضجيجا ثم أندم عليه، وأصطنع جلبة لا تسعف انكسار الظل في قلبي
وحين يشفى مني الحزن يتركني باردة.
وهكذا سأمضي كما أظن أبدا
ومع هذا كله لا تخف علي، أنا بخير، أحلامي بخير، وأوهامي بخير أيضا
ويمكنني بضحكة كاذبة وحماس أخرق لأم كل التشظيات، وكنس كل الخيبات
فما زلت أردد كل صباح حين يباغتني وجع في الجسد أو وجع في الروح "هذا سيمضي أيضا" وأمضي ليوم جديد أدرك أنه سينتهي كوجع ضرس العقل، ولكنني أسكنه بالمهدئات حتى يعاود الكرة بين الفينة والأخرى.
عنادي كعنادك، ومازال الحب هو الشغف الذي أتبعه، ومازال الأمل ذاكرة مجروحة بالفراغات التي أدس يدي في جيبها لأسرق شيئا يجعلني أستمر ليوم أجمل، ومازال الجنون طريقي والكتاب صديقي وما زلت أحلم، هذا هو ما تعلمته منك، وأهم ما ينبغي على المرء فعله أكثر من أي شيء آخر، حتى لو مات في منتصف الطريق.
أحبك ولروحك الرحمة والسلام

الأربعاء، 31 يناير 2018

يناير 2018

فاطمة الشيدي

30 يناير 

"لا تخش كونك مختلفاً، عليك أن تخشي من أن تكون مشابهاً للآخرين"
Backtrack 2015 فيلم

28  يناير
في هذا اليوم تلبسني حزن كبير بعد أنهيت رواية "راوية الأفلام " للتشيلي إرينان ريبيرا لتيلير، ترجمة صالح علماني، حزن لكل أطفال العالم الذين يجيئون بلا اختيار، يعذبهم آبائهم وأمهاتهم بقسوتهم أو  يتخلون عنهم، وهم يتركونهم لمجتمع الوحوش يجوعون، ويغتصبون، ويظلمون. 
والرواية تسلط الضوء على مجتمع صغير وخاص، لتقدم صورة شرائحية لكل ما يدور في ذلك المجتمع بواقعية سحرية وتسجيل فني غاية في البساطة السردية. وتدور حول ماريا مارجريتا الطفلة الخامسة في عائلة "الميم" التي تهجر أمها والدها بعد تعرضه لحادث أدى لفقد نصفه الأسفل، وتتخلى عنهم جميعا، ويقرر والدها أن ينتخب أحدهم للذهاب للسينما ليعود فيحكي له الأفلام التي تعرض هناك؛ لصعوبة وصوله لصالة العرض، فتجيد هي هذا الدور بمهارة وتصبح رواية الأفلام للعائلة ثم للبلدة بعد تميزها في تقديم الحوارات وتقمص الشخصيات
ثم يموت والدها ويتفرق أخوتها وتشنق والدتها نفسها فتنتهي وحيدة تماما في حياة بشعة تلتهم طفولتها وجسدها. وقد تسعى بلا وعي منها لتقليد والدتها الجميلة ولكنها ترفض مقابلتها حين تأتي إليها.

27 يناير 
في هذا اليوم شاهدنا فيلم   THE DEATH OF STALINوهو فيلم إنجليزي ردئ، يحاول بعنصرية فجة وطافحة تصوير حقبة ستالين من وجهة نظر غربية إنجليزية تحديدا، عبر تشويه كل مالا يخصهم، وتلميع تاريخهم المليء  بالخراب والدم والبشاعة الإنسانية للعالم. يا لقبح العالم الذي تحكمه شرذمة من التافهين! 

25
 يناير
أنهيت اليوم رواية كوخ العم توم لمؤلفتها هارييت ستاو ، تلك الرواية التي أسهمت في إلغاء العبودية في أمريكا، والتي سلطت الضوء على معاناة البشر الأرقاء، متخذة من العم توم الرجل الأكثر إيمانا وأخلاقا وصبرا محورا للنص، متناولة الكثير من قصص الرق المؤلمة، عارضة لأكثر من صورة للسيد الأبيض في تعامله مع العبيد، فبين من يعاملهم كبشر ويحترمهم، ومن يعاملهم بطريقة أبشع من الحيوانات وأكثر وحشية وقسوة من ذلك.
تعرض الرواية تنقّل توم بين ثلاث بيوت لثلاثة أسياد كان الأول والثاني منهما في منتهى النبل والإنسانية، ثم عبر سوق النخاسة البشع يذهب لسيد قاسٍ وبشع يسوم عبيده سوء العذاب وسوء المعاملة، وهناك كانت نهايته بالموت بعد أن رفض التخلي عن أخلاقه والوشاية بالمرأتين الهاربتين من بيت ذلك السيد البشع، فكلفه ذلك الجلد حتى الموت كانت النهاية الموجعة جدا مفتوحة على فكرة الحرية بوصول الفتى جورج -الذي كان توم قد رباه وكان هو يحبه ويحترمه كثيرا- ليدفنه ويأخذ على عاتقه تحرير العبيد ليصبح مبشرا بالعهد الجديد لنهاية العبودية.

 23 يناير
" الأرض لا تحتاج لمن يزرعها فقط، الأرض تحتاج لمن يحبها أيضا" تلبسني حزن مر وقاتم بعد أن أنهيت رواية "صلاة تشرنوبل" للبيلا روسية سفيتلانا أليكسيفيتش  الحاصلة على جائزة نوبل 2015 وهي رواية توثيقية لشهادات ضحايا من مدنيين وجنود وأطباء وعاملين عن أكبر حادثة تكنلوجية في القرن العشرين وهي انفجار محطة تشرنوبل النووية في أوكرانيا 1986، وتسببت في دمار المكان والتنكيل بمليوني مواطن مع الكثير من الكوارث اللاحقة بالإنسان كالأمراض الخبيثة والنفسية والجينية.
وقد جعلتها سفيتيلانا صلوات لروح الإنسان المقهور وللتاريخ الذي عليه أن يكون شاهدا على الماضي ودرسا للمستقبل. التاريخ الذي لا يمكن كتابته دائما بصدق إلا من خارج المكان، أو من علٍ كاذب كما يحدث دائما.
فكذب التاريخ  والسجن الذي بلا قضبان، والكذب الدعائي والإعلامي المؤسسي الأنيق الذي يحزّ الروح حتى التشظي؛ من أشكال الرؤية التي تتسع حتى تضيق بها العبارة. 

 21  يناير 
في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم   THE POST وهو فيلم رائع يعالج الكثير من القضايا الكبرى أهمها قضية حرية الصحافة، ودورها في محاسبة الجميع بما في ذلك الحكومة والانحياز لقضايا الإنسان المصيرية مهما كانت التحديات التي تتربص بها ومن أعلى مؤسسة في الدولة
فعبر دراسة تكشف عن تورط البيت الأبيض في الحرب الفيتنامية، وتصل لصحيفة واشنطن بوست، تتصاعد الأحداث وتتعقد حول إمكانية نشرها مع ما يتهدد الصحيفة من مخاطر إغلاقها.
وأخيرا تقرر مالكة الصحيفة المجازفة بنشرها منحازة للحق والعدالة وواعية بأهمية دور الصحافة المناط بها. المرأة التي كانت مقتنعة بدورها الأنثوي تجاوزت ذلك الدور لتحقق ذاتها الإنسانية بعيدا عن دورها الاجتماعي السابق المحجّم في أطر ثابتة كالأمومة ورعاية البيت والأطفال
يظهر الفيلم بقوة استقلال القضاء ونزاهته، وعدالة القانون وتطبيقه على الجميع. وحرية الشعب في تقرير المصير . فالفيلم الذي يقدم لك صورة واضحة عن الصحافة الحقيقية ووظيفتها ومهنيّتها، ويعالج ثيمة الحرية من زواياها المتعددة للشعوب والصحافة والقضاء؛ يجعلك تدرك كثيرا الفرق بين الشرق والغرب وتذهب في حسرة الصمت فقط.


 20 يناير 
في هذا اليوم كنا في  دار الأوبرا نشاهد عرض أوبرا "السائرة في نومها"؛ نتبع أمينا وهي تسير في نومها، ونتشرب لغة الحب بينها وبين حبيبها إلفينو. نكره ليزا التي ترغب بسرقته، كما نكره الكونت الذي تسبب في فراق الحبيبين.
ترفعنا الموسيقا للأعالي ثم تهبط بنا على مهل مع فخامة الصوت الاوبرالي العظيم ورقته في آن. الغناء الذي يشبه الحب والذي يخترق الروح للعظم تماما

 13 يناير
كان  DARKEST HOUR فيلم هذه الليلة وهو فيلم رائع يقول الكثير عن معنى الحرية التي تحرر الأوطان، وعن الكرامة والقوة الضرورية لمواجهة العدو. وعن أهمية رأي الشعوب في تقرير مصير الأوطان لأن الوطن هو الإنسان قبل كل شيء
ولكنه فعليا يدور حول شخصية شرشل، الإنسان البسيط والعميق والمسرف والمدمن للشراب والسجائر، العاشق لزوجته الحبيبة أبدا، والكاتب الذي عانى عقدة "اللثغة" ومرارة الاكتئاب (الكلب الأسود" الحائز على جائزة نوبل، والسياسي المحنك الذي أصاب أحيانا وأخطأ أحيانا أخرى. وكأن رحلة كل شخص على هذه الأرض رواية وجودية كاملة، وفيلم عظيم.

12  يناير
في هذا اليوم خرجنا من بيتنا في "مسقط" نحو رمال الشرقية، استقبلتنا "طيوي" استقبال محب، فتحت لنا الجبال التي تحتضن المكان أذرعها، أجلستنا على حجرها، وغنت لنا أغاني الحب والبحر والسلام، توقفنا عند "هوية نجم"، لنتأمل تلك الأسطورة التي تخبر عن عين حدثت جراء سقوط نجم للأعرض ففجر عين ماء مدهشة، يذهب الآن إليها للاستمتاع والالتذاذ بجمال الطبيعة وعبقريتها المدهشة، ثم إلى وادي "شاب"  حيث الماء والنخل والجمال تكحل عين السائح بحسن بكر وعظيم لا يجد الاهتمام الكافي ليصبح منافسا لأعظم أمكنة العالم السياحية، تماما كما شاطئ قلهات حيث تنبهر بحصيات الشاطئ المرجانية والتي تستحق قصيدة كقصيدة المتنبي في شعب بوان . رحلة تنفض عنك عناء الأيام، وحس التعب من غابات الإسمنت الباردة، ولكنها أيضا تورثك حزنا لأن حسنا بهذا القدر يهدر بلا اهتمام ولا تقدير من القائمين على السياحة في زمن تشكل السياحة أعلى مصادر الدخل في العالم.


9 يناير
THE GREATEST  SHOWMAN"  "  هذا الفيلم جعلني أغوص لداخلي  ولماضيّ معا، فيا طالما أحببت السيرك، ذلك العالم السحري الذي تعرفت عليه في الطفولة عبر رحلات المدرسة التي كانت تنتقل بنا من بيوتنا في صحم إلى العاصمة مسقط، لنشاهده فيدهش عقولنا الغضة، وتورق معه أوهامنا وأحلامنا، نطير مع الدراجة التي ترتفع للأعلى ومع السحرة الي يخرجون لنا من قفازاتهم حمامات وأرانب.
ويا طالما آمنت أننا جميعا ناقصون، أو أن حقيقتنا تكمن في النقص، ولذا أبهرني هذا الفيلم، الغنائي الرائع الذي تحدث عن مؤسس السيرك الذي تحدي كل شيء، وجعل ممن يسميهم الناس مسوخا أبطالا وجعل من السيرك فنا راقيا ينتبه إليه الجميع .

8  يناير
مباركة هي الأصواتُ التي تغني خارج السرب، تلك المتغضنة، الوحيدة، المبللة، المرتعشة، الندفيّة، العذبة، ذات الأشجار العالية، ذات الصيف العاري، ذات الربيع الخاصّ، ذات الأعين التي تَرى ما لا يُرى، ذات الرؤوس الثملة، ذات القلوب التي تحشد أغانيها في صدق ماكر، ذات الرئات التي يرتاب في شفافيتها حتّى الهواء، ذات السهر الذي لا يعرفه الآخرون، ذات الحُرَقِ والمُتَع الغريبة، ذات الجحيم والجنان الممتزجة، ذات المناحة في الأعراس، ذات الأعراس في ليلة الفقد.
صالح العامري

7  يناير 
قد تذهب الأحلام باتجاه آخر ولكنها دائما تحتاج ليد مؤمنة بك لتتحقق هذا ما يقوله فيلم    THE DISASTER ARTIST    وهو عن قصة حقيقية، وهو فيلم غريب ومضحك كالحياة تماما، وكالبطل الذي آمن بكل هذه التناقضات وعاشها وجسدها في الواقع وفي السينما. البطل الذي أراد أن يكون ممثلا وحين رُفض من جميع المخرجين والمنتجين قرر أن يصنع لنفسه فيلما خاصا به.  كان يريده تراجيديا فأصبح هزليا مضحكا ومع ذلك نجح نجاحا منقطع النظير . البطل الثري الذي لا يعرف من أين جاء وكم عمره وما مصدر ثروته حقق حلمه بطريقه خاصة به وتشبهه.

5  يناير 
"الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" منيف الذي كلما قرأته شعرت بفعل الكتابة العظيم، الكاتب الذي علمنا معنى أن تكون "الكلمة خنجرا لا يرى"، ومعنى أن تكون صرخة ضد الظلم، وقيمة تاريخية لوجود الإنسان، الكاتب المؤمن برسالة اللغة، ووهج الكلمة، وسيرورة التاريخ "الذي يكرر نفسه" إذا لم نقرأه جيدا.  الكاتب الذي رسم الخارج في انعكاس الداخل منشغلا بالفكرة والوعي وضرورة التغيير
في الآن هنا؛ يقدم أدبا مؤلما للإنسان المظلوم والشجاع في نفس الوقت، وتسجيلا عبر اللغة لكراهية الجلاد وعنفه وحقده وضعفه وهوانه أيضا. عبر طالع العريفي الذي مات لأنه حبس في المشفى، ولكنه ظل خالدا عبر الصفحات التي كتبها لنا عن السجن، وعادل الخالدي الذي لاقى أشد أنواع التعذيب في عدة سجون، ومع هذا صبر وحارب بالصمت والشجاعة أعتى الجلاوزة، ثم خرج لبراغ، ومنها لباريس؛ يدرك القارئ ضعف السجان وهوانه، ومعنى قوة الشكيمة، والإيمان برسالة الكلمة وخلودها.

2 يناير 
 Leon the" Professional"
،  الفيلم الذي شاهدناه في شاشتنا الصغيرة، كان يدور حول ليون القاتل المحترف المتوحد الذي يقتل لينظّف المكان من الأشرار، مع قاعدة صارمة (لا نساء لا أطفال). ليون المتوحد مع حياته في شقته ونبتته الطيبة يشرب الحليب ويمارس عمله الشرير بعبقرية وإتقان؛ حتى يجد نفسه فجأة مضطرا للعناية بطفلة والدفاع عنها بعد أن قتلت الشرطة/المجرمون عائلتها. بعيدا عن غايات الفيلم رسم (نمط الشخصية المتوحدة) والذي يشبه بطل رواية لاعب الشطرنج العبقري للكاتب النمساوي ستيفان زفايغ  العبقري في اتجاه والمتخلف في اتجاهات كثر.

الجمعة، 5 يناير 2018

فاطمة الشيدي 

لم أعد أستطيع أن أكتب شعرا جيدا
فكل ماحولي شعراء بشكل يخجلني
الشجيرات التي تغني للريح بأجسادها المجوّفة
القطة المجنونة التي تتسلق الفراغ فتعيد تشيكله
المرأة التي بلمسة سحرية تجعل الأمكنة أكثر اتساعا والوجود أكثر نصاعة
الأجهزة التي تخبرني أسرار الجمع على رنة عصافير
الأرجوحة التي تدغدغ الحزن فيضحك كلما جئت إليها
شقائق النعمان اللواتي يقلمن أظافر الوقت كي لا يجرح الأمل
الملائكة الذين يجبّرون قلبي بعناق دافئ كلما انكسر
وكثيرا
كثيرا جدا
الرجل الذي يحوّل يومياته لألحان شجية ويغريني بيده كلما تعرّقت أصابعي
ويرسم فيها قلب ينبض حتى حين أنام
فكيف أكتب أجمل من هذا .. وهل ثمة ما هو أجمل وأكثر شعرية من ذلك ?!


الاثنين، 1 يناير 2018

أمنية العام الجديد


فاطمة الشيدي

أشتهي صديقة أقشّر معها الكلام
أفكك أزرار النميمة على مهل
وأحفر بئرا لروحي داخلها
امرأة من قشطة وعسل، كما كان أبي يحب للصباحات والمساءات الباردة
أرهقتني كذبات الشاشة الميتة
كلنا طيبون هناك، وكلنا نضحك للكاميرات
كلنا متعبون
كلنا متعبون
يأكل القلق أيامنا
ويغسل الحزن يديه على موائدنا الجاهزة
وتعبر السنوات ثقالا بلا أدمع صادقات وبلا شهقة نافرة
ونكذب نكذب
نرسم صورا للكلام
ووجوها نضرة أمام وجوهنا الباهتة
ونكذب نكذب
نصافح أيدي مقطوعة في السراب
ونرسل تنهيدة للفقد لا نشعر بها
يا للأسى !!
أريد حوارا طويلا بين عاشقين لا يناما إلا على أمل الاستيقاظ لاستيفائه
أريد لثغة طفل تعمّر الأرض بالضحكات
أريد صراخا يقضم عرى الشاشات الواهيات
والحكومات البائسات
والبشر الكاذبين
أريد بشرا من حنانات الرؤى ولذائذ الأغنيات
من الكادحين والعابثين اليمشون لا يتلفّتون
ولا يضحكون  لصورة عاجلة
لا أريد سبات
وشاشة تشرّح أحلامنا للملأ
وترفل في كذب الممكنات 

الأحد، 31 ديسمبر 2017

ديسمبر 2017

فاطمة الشيدي

31 ديسمبر 

إذن ها هو عام آخر يذهب وأنا هنا، يمر الليل كالنهار مكتنزا بالصمت والفراغ والملل أشفق على أحلام الموتى وأبتهج بالعدم النبيل، يمكنني أنه أقول أنه كان عاما طيبا بعض الشيء فقد انتقلت فيه للبيت، كمطلق، البيت بعد بيت السور العظيم، البيت الذي كجلدي أسكنه الآن، كفردوس قريب بعيد ربما.
يمكنني أن أقول أنه كان عاما كئيبا أيضا فقد رحل فيه أبي، علاقتي بأبي مرتبكة، عميقة في المعنى متباعدة في الحضور، لذا لم أصدق إنه مات، أحيانا أسمع صوته البعيد وأحيانا أشعر به يضحك قريبا مني لشيء عابر، كأنه لم يمت، فقط سافر هو هذه المرة لمكان آخر كما فعلت كثيرا عنه، أو عاش في بيت آخر كما فعل في آخر أيام حياته.
سافرت هذا العام لأسبانيا، المكان الذي طالما حلمت أن أسافر إليه، تجولت في خمس مدن منها، ولم أكتب عنها شيئا، كنت أهرب إليها لأصمت، فلم انتبه لحكاياتها القديمة والجديدة وذلك البون الصارخ بينهما.
ما زلت أمتهن التدريس، لعلّي خلقت لهذا، ترهقني هذه المهنة  أحيانا، ولكن علاقتي بطلابي هي العلاقة الأكثر أهمية بالنسبة لي أنا التي تلتفت كثيرا غالبا.
ما زلت أبحث عن دهشة الجديد عبر الكتب والأفلام والأرصفة والطبيعة لأجْلِي روحي الصدئة أبدا، وبعيدا عن ذلك يصبح الكون آدميا باردا. وأتمنى أن أظل
روضت حنقي كثيرا فلم أعد أقدر إلا على خطوتين للوراء، وحجمت رغباتي فضحكة طفل ولمعة حزن في عين فقير أو مسن تهبني رعشة القصيدة والحب تماما، ولمعت روحي كثيرا بالحب والإيمان فهما زادي في أيام الموت والظلام.
هذا عام يأفل، وعام يقبل ونحن هنا .. عاما جديدا مجيدا أيها العالم بلا أمنيات كثيرة سوى الحب والسلام

30 ديسمبر 
أنهيت هذا العام مع كتاب "رحلتي الفكرية" للمفكر وعالم الاجتماع عبد الوهاب المسيري، الرحلة الممتدة من دمنهور إلى الولايات المتحدة، رحلة فكرية في الفلسفة والأدب، تقويض للمسلمات ومواجهة للبدهيات، وإيمان بالعلم والمنطق والإنسان في كل مكان. ومواجهة جادة باسلحة الوعي.

ومن أجمل ماقال الكتاب 
"المعرفة الإنسانية أساسا هي معرفة مقارنة"
"اكتشفت في سنوات عملي في التدريس ان ضرب الأمثلة ورواية القصص ينقلان للمتلقي الأفكار المجردة والصعبة بسهولة ويسر"
"لا يمكن فهم حياة أي إنسان او أي ظاهرة إنسانية او طبيعية إلا بمعرفة العلاقة بين الواحد والآخر"
"الإنسان مجموعة من الصفات التي تحولت إلى صورة متماسكة تكونت من خلال عمليات الرصد المباشر والقراءات المتكررة واختبارات مقدرتها المتميزة على محك الواقع ثم تترسخ هذه الصورة تدريجيا في ذهن الإنسان ووجدانه ووعيه، ولا وعيه يحيث لا يمكن أن يرى الواقع إلا من خلالها"
"الاشتغال بالتاريخ يعني أن لا ينظر الإنسان إلى واقعه بشكل مباشر، ولا يستجيب له بجهازه العصبي أو بصفحة عقله البيضاء، ولا يرى اللحظة الراهنة بحسبانها البداية والنهاية، وإنما بحسبانها النقطة التي يلتقي فيها الماضي يالمستقبل ولا يتصور أنه عالم بسيط يمكن اختزاله في قانون أو قوانين، وإنما يراه من خلال عدسات وبور وذكريات وتقاليد ورموز، أي الإنسان يواجه العالم من خلال إنسانيته، لا من خلال ماديته، وانه كفرد ليس هو البداية والنهاية وإنما هو امتداد للماضي في الحاضر ثم في المستقبل"

"الإدراك الواعي ليس هو السبيل الوحيد الذي يتشكل من خلاله وجدان الإنسان"


29 ديسمبر 

HOSTILES الذي شاهدناه في هذا اليوم من تلك الأفلام التي تقول الكثير من الفلسفة عن الحياة والموت والإنسان. وهو يدور حول الصراع بين سكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) والسكان الجدد (البيض). الصراع الذي لم يوفر أحدا، وبذل فيه الطرفان الكثير من الشر وحظيا بالكثير من الفقد.
"بفضل المعرفة تمتلئ غرفة الحكيم بالأشياء الثمينة.. أريد المزيد منها"
"لا تصاحب الأشرار مهما كان فهم يجلبون الشر"
"كل يد يحتمل أن تكون مجرمة"
"كلنا مذنبون بشيء ما"



28
أمس في أمسية المقاومة روزان 
بعض الافكار 
1. اجيال المثقفين المتتابعة 
2. نساء من كانوا في الخزان
3.سهى والقضية الفلسطينية مبكرا 
امرأة من نخالة القمع ومن رايحة الزيتون ومن صدى رعشات الغضب 
كنا في العاشرة حين التقينا، هي فلسطينية الانتماء وأنا عدنانية الروح 
على كنبة من خشب متوهج وعتيق جلسنا 
صعدت في روحي، لامست غضبي الدفين وحزني العميق فأضبحت صديقتي 
حدثتني عن الزيتون والسنابل التي تشبه شعرها الأشقر، وحدثتها عن أمنا النخلة عنم جذعها 
كتبنا معا شعرا عن الحب والمقاومة والعروبة 
وارتفعنا معا في نشيج الكمنجات على ص

27 ديسمبر 
(أنا لا أخاف) رواية عذبة. كتبها الإيطالي نيكولو أمانيتي بوعي طفل وإنسانيته وصدقه. (مكيلي) الصغير في عائلته الجميلة الأم والأب وأخته ماريا. يمضي في لعبه اليومي مع الأصدقاء وعلى الدراجة، وبين حقول القمح وهضبات المكان، ثم يتحول لبطل بلا تخطيط منه، ويقضي حياته الصغيرة في محاولة لإنقاذ الطفل المختطف فيليبو .
سيدهشك الكاتب بإمكانية تلبس روح الطفل، وبعمق وصف المكان وروعة التفاصيل.
الرواية تحولت لفيلم وترجمت للغات عديدة

24 ديسمبر 
المرأة التي أراها كثيرا، التي تعيش في دورات المياه أكثر من نصف يومها، لتنظف قاذوراتنا العابرة للمكان، وتبادرنا بالتحية والابتسام كلما عبرناها بغطرسة تكتسي ثوب التواضع والطيبة أحيانا كثيرة.
كانت اليوم تبتسم حين سألتها عن حالها .
قالت: (خلاص) سأرحل قريبا، فقد انهيت هذا العام بناء بيتي، وتخرج أطفالي من الجامعة.
انحيت أمامها بتقدير عظيم وأنا أنصرف، وقد رأيت الله يباركها، والملائكة يكنسون تحت قدميها مع أنها ليست مسلمة .

23 ديسمبر 
في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم FATHER FIGURES، وهو فيلم يصور بقالب كوميدي بحث توأمين عن والدهما بعد مراوغات كثيرة من الوالدة لأربعين عاما وهو عمرهما في هذا الوقت، وفي كل مرة يخيب أملهما في الوالد، ولكنهما في رحلة البحث تلك يكتسبان قربا من بعضهما، ويعثر أحدهما على حب يبدأ معه حياة جديدة، وأخيرا تعترف الأم لهما أنها تبنتهما بعد موت أمهما الشابة الصغيرة وهي تنجبهما، فيقررا مواصلة الحياة بحب وتفاؤل فهذا هو ما وهبها الكون من طاقة الحياة والجمال.
وقبلها في 17 ديسمبر وكان يوما ماطر كنا نشاهد فيلم (DADDY,S 2 HOME كوميدي خفيف، يبث رسائل مباشرة عن المحبة والصدق بمناسبة يوم الميلاد وأعياد رأس السنة.
فكرت أنني منذ زمن لم أشاهد أفلاما كوميدية، وأنني فعلا أحتاج لطاقة فرح وضحك خارجية تنعش داخلي، فكرت هل ثقافتنا ضد الفرح والخفة والمرح، نعم هذا هو تماما، بل وهي تقدم لك أسوأ الصفات إن أنت اعتمدت الفرح منهجا للحياة، إذ ستصبح خفيفا وساذجا وسطحيا غالبا، هذا طبعا ناهيك عن حصارك باسم السن والمكانة العلمية والمكانة الاجتماعية، فكيف تكون كل هذا وتضحك؟ أو ترقص ، أو تلعب وتلهو؟ وعليك أن تكون رزينا وتكون قدوة لمن هم أصغر منك أو أقل مكانة علمية أو غيرها من وسائل تكبيل الفرد وتنميطه في اتجاه محدد.
الفرح واللعب واللهو والخفة حق من حقوق الانسان ووسيلة مجانية للحياة والعمر الطويل والبشاشة معيار الإنسان السوي الناضج وليس علينا أن نبتكر معايير تافهة، وقيود جديدة لأرواحنا المثقلة أصلا فلننتبه لذلك، ولنصع الفرح.. هكذا قلت لنفسي وأنا أدخل هذا الفيلم وأنا أخرج منه سعيدة.

22 ديسمبر
في سمائل هذا اليوم حيث الجبال تحتضن الماء، وتجلِس البيوت بين يديها؛ وحيث شعرت بأني أصبحت طائرا جبليا أو شجرة موز أو نتوءا في ذلك الجبل المهيب. وكأن أن ثمة حزن في مكان ما، وثمة فرح في مكان ما، يحدث أن يلتقيا وجها لوجه داخلك. شيء يشبه لذعة الحب وسكينة السلام. حينها يلتحم داخلك مع الخارج، وتتحد مع الكون كجرم صغير، وتصبح في قلب الكون الأخرس تماما. وثمة خلفية بعيدة لنشيج وضحك خفيضين يختلطان بلذة.

21 ديسمبر 
في رواية النمساوي ستيفان زفايغ "لاعب الشطرنج" يتصاعد السرد بسرعة وخفة من حكاية الفتى "كزنتوفيك" الأبله اليتيم الذي رباه قس البلدة بعد موت والده في البحر، الفتى الذي برع في لعبة الشطرنج ووصل لبطولة العالم فيه، فلا يستطيع أحد هزيمته رغم قدراته العقلية المحدودة في كل شيء تقريبا خارج تلك اللعبة.
ولكن ليس إلا قليل حتى تكتشف أن حكاية ذلك الفتى لم تكن إلا مدخلا لحكاية السيد (ب) الذي سجن في النمسا في فترة... اجتياح الحكم النازي، وكان وصوله لكتيب صغير عن لعبة الشطرنج سرقه في إحدى مرات التحقيق من معطف منتفخ هو النجاة من الوحدة والسأم . حيث دخل به مباريات كثيرة مع نفسه في هذه اللعبة حتى وصل لدرجة الهوس والجنون، ولم ينقذه سوى الطبيب النفسي الذي كتب عنه تقريرا كان فيه خلاصه ونجاته وحريته، ليجبر على الخروج من النمسا في فترة محدودة.
السيد ب الرجل المثقف المهذب سدد رؤيته الثاقبة لمجموعة من البحارين يلعبون الشطرنج على متن باخرة كان فيها تبحر من نيويورك إلى بوينس آيرس مع بطل كبير وبفضله تعادلوا في اللعبة.
ثم عاد ليلعب بناء على طلبهم، ورغبة من في اختبار قدراته بعد عشرين عاما من تلك الحادثة، فتعاوده الذكرى والتشنج قبل أن ينسحب نهائيا من اللعب.
الرواية الصغيرة (النوفيلا) ) كانت ذكية بما يكفي لتقول كل شيء باقتضاب، عن العبقرية في مجال ما، مثل (كزنتوفيك) اللاعب الأول المتوحد تقريبا، وأخبرت عن بشاعة السجن مهما كان نوعه، وعن تلك الحقبة في النمسا وما جاورها، وأثر الوحدة في تحطيم قدرات الإنسان واحتيال الفرد الذكي عليها وعلى نفسه لينجو من براثن الفناء الداخلي والفراغ القاتل الذي قد يوصل للجنون. وعن أسس لعبة الشطرنج وفن لعبها.
تخرج من الرواية وأنت تتساءل هل كزنتوفيك هو البطل في هذه الرواية، أم السيد ب، أم المؤلف الذي يحرّك الرواية من موقعه الكلي كسارد وأحد أفراد اللعبة السردية، أم أن لعبة الشطرنج ذاتها هي البطل الأساس في هذه الرواية، لينجو الكاتب بروايته من القصص المألوفة والحكايات العادية والسرد الممل فيخلق حبكة ذكية، تجذب المتلقي وتبقى راسخة في وعيه طويلا. وهذه هي قيمة الكتابة، وأهم أسس السرد الخالد.

18 ديسمبر 
اللغة العربية هوية الإنسان العربي، ذاكرة المكان، وشجرة المخيلة التي نعلّق عليها أفكارنا وأحلامنا. لغة الإنسان والمكان في المستويات التراثية والنصيّة الحديثة والاتصالية التواصلية. هذا هو البعد الذي علينا أن نستند إليه في الانتماء إليها، وليس كونها لغة دين فقط.
وبالأبعاد الحيوية (لغة علم وأدب واتصال) يجب أن تتعلق قلوبنا بها حنينا وتعالقا وانتسابا وانتماء. بعيدا عن الغيبيات والماورائيات المرتبطة بها إلا كميثولوجيات مكانية راسخة في الذاكرة الشعبية.
لتكن لغة حيّة ومرنة وقادرة على مواجهة تحديات الجديد واستيعابه بكل ممكناتها اللغوية. تعريبا ونحتا واشتقاقا. ولغة اتصال وتواصل، لنتحفِ بها لغة قديمة/حديثة، متجددة وليست لغة جامدة ولا لغة رفوف في يوم اللغة العربية.


17 ديسمبر

الثقافة الإسلامية هي الحصن المنيع الذي منع الغرب من تهميشنا وتهشيمنا رغم كل محاولاته الصارمة والمستمرة عبر قرون طويلة، وبالتالي فهي التي منعتنا من التلاشي والذوبان في الآخر أو بواسطته وتحويلنا لكيان هلامي غير منتم وغير واضح الهوية كما تمنى الآخر/العدو دوما ومازال يحلم. فهي -رغم كل نقدنا الموضوعي لتطبيقاتها الحدية الضيقة أحيانا، ورغم الكثير من قيودها السياسية والاجتماعية- هوية شعوب المنطقة ومصدر تلك الصرامة في الحفاظ على الوجود الثقافي والإنساني الخاص المختلف عن الآخر ومعه.
الشعوب التي هي مصدر القوة الفعلية للأمم والثقافات والوجود الإنساني والكيان الثقافي الخاص. وليس النخب السياسية المطيعة والراضخة للقوي غالبا، أو الثقافية المترفعة أو المغتربة كثيرا لذا فالانتماء لهذه الثقافة وترسيخها والتواصل معها والدفاع عنها، كهوية مواجهة ومقاومة ضد الإلغاء والتجيير، والانصياع لمخططات عدوانية (إرهابية دولية كبرى)، ونقدها من الداخل وليس من الخارج، وبصورة جزئية وليس كلية أو مطلقة ضرورة ثقافية واجتماعية وإنسانية وليست دينية فقط، على الجميع (شعوبا ونخبا وأفرادا) الانتباه لها وتبنيها؛ كشرط وجود. ومعادل حياة، وحضور كوني خاص، وبقاء إنساني متفرّد.
الثقافة الإسلامية التي هي بوتقة لثقافة الشرق بكل ملامحه ومعتقداته وأفكاره، في مقابل الثقافة الأمبريالية الغربية التي تريد محق كل شيء لصالحها وتحويل العالم لأتباع وعبيد جدد تمتص دمهم وتتركهم رهن الفوضى والخراب.. ولعل هذا سيتحقق يوما ما، لأنهم يذهبون لتحقيق مصالحهم بوعي وتخطيط. وليس لدينا قوة اقتصادية أو سياسية لنواجه هذا الخبث والإرهاب (الدولي) إلا الاحتماء بثقافتنا كهوية. وهاهم يخترقونها (كما أشار من الداخل)، وأصبح الكثيرون يتفاخرون بهويتهم الغربية التي يلتصقون بها، كجلد اصطناعي.
أما عن الدين السياسي فهو صناعة أمريكية أو نتيجة لها، لهزيمة الإنسان وتشويه الدين ومحق الثقافة ويستعمله الساسة حسب الضرورة.. وللأسف هي حلقة مفرغة ندور فيها.
بالطبع لا أحد عاقل ينكر ضرورة الانفتاح على الآخر والأخذ بجديد العلم، ولا أحد يريد لنا أن نقف خارج السباق المحموم للتقدم. ولكن يجب أن يحدث من داخل الهوية، ولها وبها، لأننا في وضع ضعف، وغير معترف بوجودنا حتى الآن. وببساطة لأن الآخر لا يرانا ولا يكترث لنا، بل لعله يعمل جاهدا على تأخرنا ورجعيتنا فهو لن يتيح لنا أن نصبح أمما حرة ومتقدمة ومنتجة، فهو يحرص كل الحرص على أن نظل أمما مستهلكة. والاستبداد الداخلي هو صناعة خارجية أولا وأخيرا، ويد فوق أيدي ولن تنفك تقمع الشعوب وحرياتها كي يسهل السيطرة عليها والتحكم بها.
ولا شي لدينا (كشعوب) لنواجه به الآخر بشكل يجعله يفكر فينا ويحسب لنا حسابا ما، سوى هويتنا الإسلامية، فهم يملكون كل الخيوط بأيديهم بتمكّن تام. ولكن الدين الهوية يخيفهم، تماما كما تستغله بعض الدول لضمان الولاء أو صناعة قلاقل سياسية.
أظن لو نضجت الشعوب ستنضج معها الهويات الوطنية، والإنسانية وهناك يمكننا التكلم عن الذهاب للمستقبل بوعي وحرية ومشاركة إنسانية. وهذه حالة ماتزال بعيدة جدا.
مع التأكيد على الدين كثقافة فالمعتقد كما أراه شأن شخصي بين الإنسان وربه. والحالة معقدة أكثر مما يمكن تحليلها، فهي فعلا هي دائرة مغلقة.

16 ديسمبر 

إنها تمطر وقد كان أبي يحب المطر، وأجزم أنه مازال يحبه. وأجزم أنه يضحك الآن هناك كما كان هنا، فقد كان كلما أمطرت السماء يضحك ملء قلبه وروحه حتى تبين لهاته وليس أسنانه فقط، وهو الصامت قليل الكلام، قليل الضحك.
وقد كان يهرع لتفقد الوادي بفرح الحاصل على مكافأة أو المولود له صبي.
وقد يعلن هو وصوله للبلدة فقد كان في زمان قوته حين يتصايح الناس بالوادي -إذا كان في البلدة وليس في مسقط حيث كان يعمل- يحمل فأسه ويربط (دشداشته) في وسطه، ويذهب لمجرى الوادي بسرعة مخترقا المزارع والليل، في...رده ناحية مزرعته ومزرعة أسرته الكبيرة من أشقاء وأبناء أخوة وأخوات.
كان جسده القوى وقلبه الأقوى يمكّنه وحده من ذلك، مهما كان الليل مدلهما والوادي شديدا. وبالتالي فالجميع يطمئن أن الوادي سيصل.
وحتى في أزمنة البساطة حين كانت البيوت من سعف النخيل وكانت الناس تخاف المطر لما يحدثه من أضرار في البيوت، كان يهرع لإصلاح خرابات السيل بفرح وهدوء وسكينة، وكأنه على ثقة أو عهد من هذا الزائر الجميل. فيعيد بيديه كل شيء لسابق عهده دون تذمر أو كراهية بل امتنان وعرفان له.
اللهم غيثا مغيثا وفرحا عميما على روح أبي وعلى قبر أبي.

15 ديسمبر
في هذا العام أكون قد أكملت عشرين عاما على طباعة أول مجموعة شعرية لي، قبلها بعشر سنوات في الأقل كنت أحاول الكتابة، وأحاور الفكرة. بشكل لا يحظى به ربما إلا من كان له فيض حظ مثلي، فحظى بأب يقرأ زرع في روحه بذرة المعرفة.
فبعد صوت "المعلم" يحثنا على حفظ القرآن، جاء صوت معلمة المدرسة تحثنا على القراءة، وصوت الأب خلفهما معا، هرعت للمكتبة المقفرة، التي كانت الكتب فيها أكثر سذاجة وبساطة مما كانت الروح تتوق إليه، ولكنها كانت كافية لتجعل الأنس بالكتاب أهم من الأنس بالبشر.
وهكذا مضى العمر والجسد والوعي في عنفوان البساطة وقطعية الرفض المخالف للعادات والتقاليد والزمن والمكان. كان حلم الكتابة متكورا في رحم الروح كجنين، أو كأغنية تنام في مساء قاتم وتتردد مع طلوع الضوء.
بعدها خرجت من رحم القرية إلى أفق الكتاب، هكذا مباشرة وبلا حذر قذفت بنفسي في يم العالم المعرفي بوعي قليل وتمرد عال ورفض لكل شيء، وانقطاع عن كل شيء، وتقاطع مع كل شيء له علاقة بالكتاب. مضيت في عوالم جديدة لم تعرفها الأغلبية في مجتمع يقدّس السائد، ذهبت مع الأفكار الكبرى، مع نزعات الخير والحرية والجمال، وظللت وفيّة للفكرة وللكبار الذين تعلمت على أيديهم وكلماتهم وصمتهم في كثير من الأحيان، متوزعة بين الحداثة والتراث.وعلى مقاعد الدرس الجامعي كنت أمتص رحيق المعرفة من أكباد معلمينا الذين كان أغلبهم غير مومنين بالحداثة التي تلقفتني باكرا، قبل استيعاب الفكرة والمفهوم، ومع ذلك كنت أكن لهم كل الاحترام والمحبة.
ثم وجدت نفسي بعدها وقد أصبح التعليم مهنتي، التعليم مهنة بورخس وأجداده وأحفاده من الكتّاب ومحبي اللغة. فالكاتب كما قال أحدهم يوما لا يصلح سوى للتعليم أو الكتابة، وكلاهما يحرق الكتابة ومع هذا مضيت في مهنة التعليم أبدا. ولكن بهروب دائم للأمام، فقد بدأت في وضع قدمي على أعتاب شهادة أخرى (الماجستير) وخطوة نحو الحياة والمعرفة. وفي ذلك العام 1997 وبعد ربع قرن من الزمن الذي كانت روحي ترزح تحت وطأة حزنه ووجعه، نشرت الكتاب الأول. والآن أنظر إلى تلك المجموعة رغم بساطتها فأجد فيها من الحساسية والوعي ما يسعف تلك المرحلة وربما يفوقها.
ها قد مر عشرون عاما ذلك الحدث، على عبور مرتبك وسنوات كنت أظنها ثقيلة في ذلك الوقت وأجدها الآن أخف من جناح فراشة .على الكتاب الشعري الأول البسيط والعميق كالماء، والذي كان صرخة رفض في حد ذاته على كل شيء، على الحب الذي هرب مثقلا بعاداته وتقاليده الرعناء، وعلى الأشياء الشائعة والسائدة والأحلام الكبيرة والبسيطة معا. فكان الانتصار للموت كقيمة شعرية عالية وقيمة نصيّة ترفع قدر الموت فوق الحياة كمعادل لها أو متفوق عليها، وكقيمة حياتية تتضمن فعل التجددد والاخضرار المجازي والحقيقي معا.
ها قد مر عشرون عاما وكتابي العاشر في كبد المطبعة يتلوى في رصد الحزن والحرية والموت الأخضر من الحياة مجددا.
ها قد مر عشرون عاما، وكل شيء كأنه الآن يولد حيا وطازجا، بحزنه ورفضه ورقصه وجنونه وتخبطاته وأوهامه وأمنياته وأحلامه.
كل شيء، الشغف والجنون، والرفض للرضوخ والتسليم والمهادنة، القراءة المعادل الوجودي للحياة، والطبيعة المتعالقة مع الروح كرحم أكثر انتماء من الإنسان كالبحر والشجر والقطط والكلاب، ثم الإنسان الحقيقي بطفولته الغضة البهية وكهولته النبيلة، وما بينهما من جمال وصدق وحرية وكفاح وعطاء كالآباء والأمهات. والمبدعون أخوة المصير والألم بما يقتطعون من أكبادهم لنا نحن قراء الأوجاع الكونية والآدمية من كتب وموسيقا وتشكيل وأفلام.
كل شيء على حاله بذات الارتباك الضمني في العبور الحقيقي والنصي وتوزع الخطوات بين الشعر والسرد والقراءات والمقالات. ماتزال القدم المرتابة، والأصابع المرتبكة هي ذاتها، وماتزال الفلسفة هي الداء، والبساطة هي الروح، والمحبة القصوى هي الدواء، والحزن الراسخ والاكتئاب الممتد إلى القلب والأصابع حارا وحازا هو هو، والعزلة تميمة الأبدية وحرزها الكبير. ومازال الغرور الطفلي والرفعة العالية هي كل ما أملك. والكتابة مجرد محاولات لن تنتهي حتى ينتهي العمر، وليس عليها أن تكون غير ذلك.

13 ديسمبر 
"سألني بعض الأصدقاء كيف توصلت لاجتذاب هذا القدر من العداء من جانب الأمريكيين ضدك.
-لقد كانت خطيئتي الكبرى ولاتزال أني غير امتثالي فمع أني لست شيوعيا رفضت السير مع التيار عن طريق إبداء الكراهية للشيوعيين.
أما أنا فلست أكن العداء لهذه المنظمة بمعناها الحقيقي البنّاء. لكن حين يتجاوز الفيلقيون حقوقهم الشرعية ويستخدمون سلطتهم بذريعة المحبة للوطن من أجل التطاول على حياة الغير الخاصة يرتكبون عندئذ جريمة ضد البنية الأساسية للحكم الأمريكي.
إن هؤلاء الوطنيين المتطرفين يمكن أن يكو...نوا الخلايا القادرة على جعل أمريكا دولة فاشية.
وبعد مغادرتنا لأمريكا كانت حياتنا تأخذ مسارا آخر، ففي روما وفي باريس استقبلونا كأبطال ظاهرين .
دعانا الرئيس الفرنسي للغداء في الإليزيه
ودعينا أيضا للغداء في سفارة انجلترا. ثم رفعتني الحكومة الفرنسية إلى رتبة ضابط في جوقة الشرف، وفي اليوم ذاته جعلتني جمعية المؤلفين والمؤلفيين الموسيقيين الدراميين عضو شرف فيها، وتلقيت في هذا الصدد رسالة مؤثرة جدا من رئيس الجمعية هذا نصها (شكرا مستر شابلن إذا كان البعض قد دهش من الدعاوى المثارة حول حضورك فذلك لأنهم غير مطلعين على ما لدينا كلنا من أسباب لتحيتك والإعجاب بك، وحبك، لأنهم أيضا يسيئون الحكم على القيم الإنسانية، لأنهم لم يكلفوا أنفسهم مشقة إحصاء المنافع التي أغدقتها علينا على مدى أربعين عاما، وتثمين قيمة دروسك التي لا تقدر بثمن، والنوعية التي لا تضاهى التي تتميز بها الأفراح والانفعالات التي منحتنا إياها، باختصار لأنهم ناكرون كثيرا للجميل، ذلك أنك يامستر شابلن ند لأعظم شخصيات العالم، وعناوين فخرك تماثل تلك التي يمكن أن تتباهى بها الأسماء الأعظم مجدا وشهرة، لا شك أن هناك عبقريتك بادئ ذي بدء، وكلمة عبقرية هذه التي تستعمل في غير موضعها أغلب الأحيان تتخذ كامل معناها حين تطلق ليس على ممثل هزلي رائع وحسب، بل كذلك على مؤلف. لكن أيضا على مؤلف موسيقي وعلى مخرج وأفضل أيضا على رجل قلب ورجل خير. لأنك كل هذا فضلا عن بساطة تسمو بك، وتطلق بالصورة الأكثر طبيعية ذلك الحماس الذي تطلق سر إثارته وتجديده دون جهد ودون حساب عبر العفوية البسيطة التي تتحلى بها نفس كريمة تتواصل مع نفوس إناس هذا العصر التي لا تقل قلقا عن نفسك. لكن العبقرية غير كافية لاستحقاق التقدير كما أنها غير كافية لتوليد المحبة ، وإنما على المحبة يحسن الكلام حين تكون أنت موضوع الكلام.
معك إلى جانبك مؤلفو فرنسا، مولفو مسرحيات، مولفو أفلام،مؤلفو الموسيقا ، والمخرجون، كل الذين يطمحون مثلك بطريقتهم، وبالحماس نفسه وباعتزاز أيضا، ولقاء عناء قاس سبق أن خبرته أنت للتأثير في الجماهير او تسليتها وإلى أن يعالجوا لأجلها الموضوعات السامية سعادة الحياة وبؤسها فضلا عن الخوف من فقد الحب وعن الشفقة أيضا حيال المصائر الجايرة والرغبة في إصلاحها .في السلام وفي الأمل وفي الإخاء. شكرا .. شكرا مستر شابلن"
قصة حياتي
شارلي شابل

12 ديسمبر اقرأ طوال الليل والنهار، التهم الكتب تلك الحبوب المنوّمة ليس لتعرف، إنما لتنسى !
سيوران

11 ديسمبر
هذا هو يوم ميلاد الكبير نجيب محفوظ .. أحد أنبياء هذا العصر وفلاسفته الحقيقيين، وقدد قررت أنا أقرأ له مجددا بعض أعماله، فقرأت خان الخليلي، وأولاد حارتنا
"الضوضاء قوية حقا، ولكن العادة أقوى وسوف تألف الضوضاء حتى ليزعجك سكونها
ولذلك قال ابن المعتز
إن للمكروه لذعة هم.. فإذا دام على المرء هانا
فابتسم أحمد راشد ابتسامته الغامضة، وكان لا يحفظ الشعر ويحتقر الاستشهاد به.. فتساءل في رفق
-أأنت أستاذ عاكف من الذين يستشهدون بالشعر ؟
-وماذا ترى في ذلك؟
-لاشيء البتة إلا أنني أعلم أن الناس عادة لايعدلون بالشعر القديم شعرا حديثا. مما يوجب أن يكثروا استشهادهم إذا أرادوا أن يستشهدوا بشعر بالقديم، وأنا أكره النظر للماضي.
فثارت ثائرته وقال: منكرا
-وفيم إنكار عظمة الغابرين، وفيهم الأنبياء والرسل؟!
-لعصرنا رسله كذلك
وكان عاكف قرأ فلسفة أخوان الصفا الدينية فرغب أن يلخصها في كلمات لمحدثه البغيض، ليدفع عن نفسه تهمة الأخذ برأي العوام في الدين
- إن في الدين ظاهرا حسيا للعوام وجوهرا عقليا للمفكرين. فهناك حقائق لا يضيق المثقف بالإيمان بها مثل الله والناموس الإلهي، والعقل الفعّال
فهز الشاب منكبيه وقال:
-إن العلماء المعاصرين يعلمون بما في الذرة من عناصر، وبما وراء عالمنا الشمسي من ملايين العوالم.
ولبث فترة قصيرة ثم غادر القهوة عائدا إلى البيت هائج النفس ثائر الكرامة.
من رواية خان الخليلي


10 ديسمبر 
إخوتي
لنسير بجوار ثور الحرث النحيل كي نحرث تربتنا بأشعارنا
وليغمر وحل مزارع الأرز حتى ركبنا
ولنسأل جميع الأسئلة
ولنجمع كل الأشعة...
ولنقف في مدخل كل طريق
ولنصفّ من أشعارنا طريقا لكيلومترات طويلة
ولنكون أول من يتبين عدونا المقترب
ثم لنضرب بطبولنا
كي لا يبقى بلد أسير أو إنسان
ولا غيوم ذرية
ولنهب كل ما نملك من مال ومُلك وفكر وروح
ولتغدو أشعارنا طريق حريتنا الكبيرة
ناظم حكمت

9 ديسمبر 
THE MOUNTAIN BETWEEN US فيلم إنساني يخبرك عبر قصته المتكررة ربما أن الشغف هو لذة الحياة. ومتى ما وجده الإنسان عليه أن يتبعه، مهما بدا ذلك جنونا في عرف الآخر. فتلك خيارات الروح الحرة. فالرجل والمرأة اللذان لكل منهما حياة خاصة يسعى لها معترضا على تأجيل رحلة جوية بسبب العاصفة، فيختارا أن يستأجرا طائرة شراعية لتصل المرأة لحفلة زواجها ويصل الطبيب الجراح لمريضة لإساعفه، يجدان نفسيهما معا في منطقة باردة بين الجبال معزولين ووحيدين، فيجاهدا للنجاة فينجيان بمساعدة بعضهما وبالحب الذي ربط بينهما، فيختار كل منهما الآخر للقادم من الحياة التي خرجت من رحم الموت. مؤمنان بأن الشغف والحرية هما أدوات مواجهة الموت الحقيقي، أما الموت الطارئ أو موت الجسد فلا أحد ينتظره كما لا أحد في مأمن منه، فقد يأتي في أية لحظة، وتلك اللحظة نفسها قد تكون جسرا نحو حياة أخرى.

8 ديسمبر 
مع إعلان ترمب القدس عاصمة لإسرائيل تعالت الشتائم العربية العربية، وبدأ نفث السموم والتخوين في وجوه بعضهم البعض .. كنت أتساءل : من يشتمون العرب، بكل مناسبة، ومن غير مناسبة أحيانا !!
من أنتم؟ ومن هم؟
هل تتكلمون عن حكومات؟
لديكم حكومات عربية أيضا فعلت وتفعل الأفاعيل كل يوم.
هل أنتم شعوب؟
فالشعوب هي من يسكن المكان العربي وينتمي إليه من جميع الأعراق والأديان والمذاهب. وهي تشترك معكم في الهُوية والانتماء للجغرافيا والتاريخ والثقافة. وهي جميعا أرواح يطعنها الألم على كل إنسان عربي يتألم من الماء للماء، ولكنها كأنتم عاجزة بفعل القيد والخوف من حكوماتها. ويحدوها الأمل في وحدة عربية، وتحاول بقدر استطاعتها فعل شيء ما.
ولا أحد يعتد بالاستثناءات التافهة في كل مكان. وشتم الآخر لا يخرجكم من مجاله الجغرافي والتاريخي، كما أن جلد الذات لا ينبغي ان يكون في وقت الأزمات، ولا ينبغي أن يكون أكثر من فعل مراجعة للذات وتحفيز لها للتقدم والاستمرار فقط.
إن الوعي بالهوية هو ما يجب أن ننتمي إليه ونعتز به دائما وأبدا لننجو ونتقدم.
فانتبهوا لحنقكم، وارتقوا بوعيكم، وإنسايتكم، وتشبثوا بهويتكم .. فهذا ما يحتاجه العرب لتجاوز هذا الزمن الخراب.

7 ديسمبر
في هذا اليوم أعلن ترامب (الرئيس الأمريكي ) أنه سينقل سفارة بلاده للقدس لتصبح بذلك عاصمة لإسرائيل، بلا مراعاة للقضية الفلسطينية ولقدسية القدس عند المسلمين وعند العرب كعاصمة أبدية لفلسطين، لتبدأ موجة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي/ الأمريكي.
ردود الفعل الشعبية العربية حماسية تجاه القضية، ولكن صمت الحكومات ينبئ عن تخاذل كبير، وحماية ضمنية وتنفيذ صاغر للقرار الأمريكي. ولو أنها تخلي بين الشعوب وأمريكا لأرجفت سفاراتها وعاد المسخ عن قراره. تخاذل الحكومات ليس جديدا ولكنني كنت أتساءل فقط بحرقة أين سدنة الرب، أين حراس الفضيلة أين المتدينون والمتأسلمون الداعشيون الذين قتلوا المسلمين وفجّروا الآمنين، وضيّقوا على النساء واغتصبوهن باسم الرب والشريعة، أينهم الآن وقد جد الجد، أين سيوفهم وصواريخهم التي دمروا بها الحضارات والتاريخ وأرعبوا بها البشر وأهلكوا الزرع والضرع وأفسدوا الإنسان والمكان? أينهم من أعداء الرب والدين

5 ديسمبر 
ها هو فصل جديد من فصول المأساة اليمنية التي يخطط لها الكبار، ويتجرع الشعب مراراتها، هذا الشعب الذي لم يذق طعم الراحة والسلام منذ عام 2011، ومني بأكثر الأوجاع مرارة في هذا العصر كالجوع والأوبئة والحسرات، في هذا اليوم قتل الحوثيون الرئيس اليمني السابق على عبد الله صالح بعد أن تمرد عليهم وانحاز للتحالف. ولا يدري أحد - رغم الكلام الأجوف الكثير الذي تمتلئ به الشاشات والصفحات- أين يذهب هذا البلد العظيم بحضارته الممتدة وإنسانه الطيب.
فقط نصلّي أن تخلعي كل هذا يا يمن الحضارة. وتقلبي هذه الصفحة السوداء الثقيلة. وقلوبنا معك.

4 ديسمبر
"مقتل بائع الكتب" للعراقي سعد رحيم، اشتريت هذه الرواية العراقية من الكويت وقرأتها هناك أيضا وأنهيتها في مسقط
رواية تأخذك إليها وتحفزك على المضي عبر قصة محمود المرزوق الفنان الاشتراكي المقتول غيلة، ومحاولات ماجد بغدادي (الصحفي) استجماع خيوط الحكاية التي كلفه أحدهم ودفع له ليكتبها.
المرزوق شخصية تعرفها، قرأت عنها كثيرا، تشبه أغلب أدباء الكرة الأرضية، بجنونهم ورفضهم وعنادهم ولا مبالاتهم، وعلاقاتهم.
المرزوق الشيوعي البرجوازي الذي عاش الحياة بطولها وعرضها من الحب حتى السجن، المثقف المختلف عليه، بين من يراه أكبر المثقفين، ومن يراه مجرد داعر رخيص ودعي متكلف لكل شيء.. العاشق الذي عاش الفقد كما ينبغي لحبيباته العراقية والتشيكية والفرنسية.
الرسام الذي يعرف الكتب الآثمة والمدن الآثمة والنساء الآثمات؛ يدفع حياته نتيجة خطأ ما، ويموت نيابة عن آخر ، لتكتب عنه رواية لاحقا.

3 ديسمبر
ليست الجدران من يحقق معنى السجن، إنها فقط تحدد نوع السجن، من يحدد السجن هو الصدى، وكم هو عالٍ بيننا !

2 ديسمبر
الحزن غضب صامت، والغضب حزن أعلى صوتا من الدمع!

1 ديسمبر
بدأنا هذا الشهر في الكويت، مستغلين إجازة قصيرة للهروب بأرواحنا من روتين العادي، ولنعيد صياغة النص الوجودي لأرواحنا كما نفعل بين الفينة والأخرى
المدن كالبشر تماما، ثمة من تحبه فور أن تتعرف به وتظل كذلك طوال عمرك. وثمة من تحبه في البدء ثم تتراجع بسرعة وتبتعد عنه مقصيا له من دواخلك أو مجتثا لأعشابه الضارة، وتعرف أن حدسك خانك مع البدايات. وثمة من تتورع عن محبته قليلا في البدايات خوفا أو ارتباكا ثم تقع في غرامه للأبد. وهكذا هي المدن أيضا!
المدينة كائن حي تتكون وفق ظروف خاصة (مناخ وشعوب وأقدار وحكومات) تسهم في صناعتها وتكوينها بشكل يجعلها كما هي، بثقافة ما، وروح لا تشبه سواها. وإذ ترغب بمعرفتها بصدق عليك أن تتوه في شوارعها، وأن تمشي على الأرصفة، وأن تشم روائح مطبخها الخاصة وتتلذذ بطعامها التي تعدّه بيديها، وأن تتنصت على تأوهاتها الحميمة والحزينة، وأن تسعى لفض بعض أسرارها، ومعرفة بعض ماضيها وحاضرها، وأن تقرأ وجوه سكانها، عليك أن تقترب منها اقتراب عاشق أو محب وليس كسائح متعجرف ومتعال؛ لتتلمس بعض روحها.
وهذا ما حدث في الكويت حيث قضينا ستة أيام وخمس ليال في حوار دافئ وحميم مع المكان من سوق المباركية حتى شارع الخليج العربي، فسوق شرق، والمارين، والأبراج، وهي أجمل معالم الكويت إضافة للمولات والمراكز التجارية، كنا نمشي كثيرا ونتوه في الشوارع ونتجول في المكان لنشعر به ونجعله يشعر بوجودنا.
لم نعرف الإنسان الكويتي من غيره، مما يدل على أن الكويت بلد كوني به من كل الأجناس والأعراق، وتظل السحنة العربية بكل تنوعها حاضرة جدا خاصة بلاد الشام وأهل مصر، ولعل هذا من بقايا القومية العربية التي احتضنتها الكويت وهذه ميزة عروبية راقية.
الكويت سوق كبير ومطاعم شتى هذا أكثر انطباع تخرج به منها، وهي ككل دولنا العربية متشابهة في الجمال والإهمال. والأخيرة مسئولية تتقاسمها الحكومات والشعوب، فإنساننا عليل بالكسل والإهمال وعدم الإخلاص، وقوانيننا عاجزة عن إصلاحه لأنها متفاوتة التطبيق وتحتكم للمكانة، والمال والنفوذ ولذا لا يمكن أن ينصلح الحال!
وقد قالوا (الشيطان يسكن في التفاصيل) بل الرب هو الذي يسكن في التفاصيل ويحاسب عليها، وأولها الإخلاص خارج الدين الشكلاني.
في الكويت كنت أشعر بالارتياح كما في كل مكان خارج قيد مكانك الذي تحب، فالحرية انبتات؛ فالغريب حر، والحب قيد؛ فالمحب سجين، إلا أنني شعرت بالحزن وفي متحف الكويت، كما في متحف البحرين سابقا، وفي بلادنا، وفي كل مكان من "جزيرتنا العربية" حيث يتجلى الماضي عذبا، يقول كم كنا حقيقيين، نأكل مما نزرع، ونلبس ونعيش مما نصنع. كنا نبني وننسج ونصيد ونطحن، ونخبز ونفعل كل شيء بأيدينا، كانت لنا ثقافة خاصة بألوانها ورائحتها وعبقها. حتى جاء النفط وحولنا لمسوخ حضارة، ألقينا بكل ما كان وركبنا سلم السهل، وأسلمنا حياتنا لآخرين ليديروها، ألقينا بكل شيء خلف ظهرنا، فخرجت علينا أجيال بلا هوية، أجيال أرعبها الضوء وأبهرها في ذات الوقت، فلم تج...د لها جذورا تستند إليها، ولا جذوعا تتشبث بها، فهامت في حركة البيع والشراء وقد تحولت بلداننا لمولات كبيرة، يباع فيها كل شيء من الكرامة حتى الوعي. نعيش لنأكل، ونتسوق لنقضي أوقات فراغنا الكبيرة. نتحرك بخيوط اللعبة الكبرى كالدمى، ونردد آمين لكل شيء يقال لنا.
نمضي بهوية مرتبكة وتاريخ مفتعل في الكثير منه وماض يعيش في المتاحف وبرامج التلفزيونات التراثية والمهرجانات والمسابقات، وجديد لا نستطيع اللحاق سوى بالهش والسريع منه. فما أجمل الحالم الذي يصدّق حلمه، وما أبشع الكاذب الذي يصدّق كذبه .. ونحن الثانية للأسف!
عدنا من الكويت وظلت ذاكرة حية كما كل بلد تزوره وكل كتاب تقرأه وكل فيلم تشاهده. ولهذا نسعى في عبورنا لهذه الحياة المؤقتة.