الثلاثاء، 21 مارس، 2017

21 مارس إذ الشعر أمومة العالم 

فاطمة الشيدي
جريدة عمان ملحق شرفات
من ملف يوم الشعر العالمي
الثلاثاء 21 مارس 2017

أيها الشعر أنا لولاك يتيم
حمزاتوف


الشعر صديقنا الحميم، وعدونا الحميم أيضا، أجلسنا منذ الأبد على ناصية قلبه، أسمعنا نبضه المدوي، وأمرنا أن نرهف السمع له، مذ جئنا ونحن مرهقون من حمله الثقيل على أكتافنا الهشة، مذ جئنا ونحن مأخوذون بالفتنة والعشق، نذهب في الأشياء حتى مداها الموغل، نقترف غوايات الوجع، ونحفر في مسام البعيد، يغرينا بضحكته الباسلة فنذهب حفاة وراء صداها المتقطع النشيج، نتقاطع مع السراب، ونفند الأمل حفنة حفنة، نزرعه على جفون الغيب، وبين مفارق الغياب، ونحضره تميمة للماء.
مجانين نرقص على حواف الأبدية، بعبث نقلع عيون الضوء ونتمطى بلذة على سرر الحكمة الحالكة، ننادم الليالي وننشغل بأشياء بسيطة، كضحكة غافلة ملقاة بإهمال على رصيف ما، أو نظرة حائرة، أو دمعة تجلس بثبات في عين فقير عشي، نكتحل بالرماد، ونغني للفوضى، ونشق جيوب التجلد فنسقط من علياء التحصّن، ولكننا نقوم مجددا، لأنه يمد لنا يدا مليئة بكل ثمار العزيمة والبهاء.
نعانق فيه ذرى الحرية، ونذهب معه إلى روابي الجمال مبهوتين مشفقين على الكون، نطرّز الكون بخيوط الخير، وتتمدد جلودنا لتحتمل أكثر من كائن ومن روح ومن كون.
نرتقي معه، نتصاعد فيه، بالحرقة والألم، ننتبه للتفاصيل بعين صقر، ندون ملامح الموتى في دفاتر الأطفال المدرسية، ونرسم دعاء الأمهات على مداخل الكينونة لنجعلها آمنة، نحيا خلف جدر العزلة الآثمة كنباتات الظل التي تخشى الشمس، نقدم المحبة بأيدٍ مصبوغة بالحنين والقلق، نتمنى ونحلم فهذا أقصى ما نستطيع، وحين ينقضي العمر، نكتشف أن سلالنا خاوية، وأننا نقبض على الماء، ومع هذا نبتسم فلا طريق كان يمكن أن يحتوى كل ذلك الجنون والقلق إلا الشعر.
**
أيها الشعر لا تذهب بعيدا
أرجوك
فأنا ولدتُ برئة واحدة
وصدري موبوء بالربو والكلمات
حررني من الكلام العالق بالمريء
وذلك الذي يحزّني في الحنجرة
حررني من براثن الرؤيا
وصرخات الرفض المكبوتة
من شوكةٍ في الفؤاد
وجمرة مستعرة كالجوي
تحرّق كبدي
ولا تستطيب إلا رائحة الورق والاحتراق
امسح على جرحي القديم بقصائدَ عنترة
وأرتق ثقوبي بلامية «الشنفرى»
وأحزان الشعراء المنفيين
بانقسامات الرؤية والوعي
وأوجاع الغرباء
كقروح الملك الضليل
وعزلة «المعري»
وتشظيات «السيّاب»
خذني إليك بكل بيت جميل ذاهب في التصاعد والارتقاء
**
الضجر ليس مبررا عميقا وجارحا
لكتابة الشعر
أنيابه النخرة لا تصلح للتمرئي في لجج الشعر العذبة
وملابسه الرثة لا يصح أن نعلّقها على مشجب الشعر الأنيق
والحزن أيضا ليس كافيا
فله نظرة قاتمة تخيف الأطفال والمجانين
أبناء الشعر الشرعيين
والحب كذلك؛
فتلك الطعنة الغائرة متوهجة أبدا، بحيث تقتل الكلام قبل أن يولد
والفرح، والوحدة، غير كافيين
فمن أين نأتي بالشعر؟!
ربما مما يدور في ذهن عصفور في الأفق
قبل أن يركنَ للشجرة
وربما من عيون الموتى التي تبرق في الذاكرة
أو من ضحكاتِ الأمهاتِ المرتبكةِ في الصباحات الباكرة
وربما من حدس الربابنة بالعاصفة قبل الإقلاع
أو من الهواء المولع بالعبث في جسد الوقت
وشعر الحقول
أو من الأقدام التي نسيت خطواتِها على أرصفةِ الفقد المتسخة
أو من حزنِ مالكِ الحزين قبيل الغروب
أو من صرخة مكتومةٍ في جوف كائن لن يسمعها أحدٌ أبدا
وربما …
وربما …
لكن الشعر المراوغَ غالبا
يأتي بخفةٍ متناهيةٍ، وغير مدركةٍ للأسباب والنتائج
كالموت تماما!
**
نحن الشاعرات المولودات بأصابعَ طويلةٍ
وأرجلٍ قصيرةٍ لا تساعد كثيرا على المشي
لا نحاولُ كثيرا الاعتناء بمظهرنا
نرتدي حضورنّا المباغتَ في القصيدةِ على عجل
نتعطر دائما بالخزامى والياسمين
كي تكونَ القصيدةُ عطرةً حين يلامسها الحب
لا ننظرُ كثيرا في المرآة
كي لا تفضحَ شوق رجلِنا المختبئِ بين شقوق الكلام
الرجل الذي لا يشبهُ الرجال في التفاصيلِ الصغيرة
الرجل الذي لا نختاره غالبا
فهو ينزلُ مع المطرِ كما علمتنا الأمهات
ونحن نصدقُ الأطفالَ والأمهاتِ فقط
*
نحن الشاعراتُ المرتبكات أمام تراتبية الأشياء حولِنا
لا يهمُنا كثيرا ترتيب الأواني في المطبخ
لا تهمنا ألوانُ الأثاث في الصالة
فقط تهمنا الحديقةُ الخلفيةُ للمنزلِ والحياة
هناك حيث نتنزهُ بعري أرواحِنا الموجعِ
وصريرِ أحلامِنا المزعج وأرقنا الدائم
هناك نبني خياما لهياكِلنا النحيلةِ لنحميها من الألم
ونعمّد أصابعَنا الطويلةَ بالضوءِ والحبِ كلَ يومٍ
ونغني للرجل الذي يسكن تحت إهاب الكلماتِ بلا حذر
«تعا، ولا تجي واكذب علي ،، الكذبة مش خطية»
*
نحن الشاعراتُ المترنحاتُ في المدى
ننام على ركبةِ وردةٍ عقيمةٍ
أو زهرةِ عباد الشمس غدرَها الضوء ذات غروبٍ
فانحنت للغياب
أو قرنفلةٍ خدّرها اليأسُ عن التطاولِ في البياضِ والحسن
ونتشفّع في ذاكرةِ الترابِ والندي
وحمى الليلِ لمن عبر هذا الوجود بظهره
ليصدَّ النصال عن قلبٍ مرهقٍ وأغنيةٍ يتيمة
نتحدُ مع الجوعِ والبردِ
ونكتبُ على عنقِ الأمل قصيدةً عاشقةً
كي يخرج للناس فاردا جناحيهِ كرخٍ عتيقٍ
يوزّع الحلمَ
ويرتجلَ الأمنيات
*
نحن الشاعراتُ المالحاتُ كالفستقِ
لا نستوردُ ملابسَنا ودبابيسِ شعرِنا
نحن نصنعُ كل شيءٍ من لهفتِنا الصباحيةِ
وقلقِنا المسائي
كلُ شيءٍ نخيطهُ بالتفاصيلِ عبر الوقتِ
نرتقُ ثقوبَ أحلامِنا بإبر الولهِ
ونغني للحظِ كي ينامَ قليلا بين أحضانِنا
كطفلٍ متوحدٍ
وقد يفعلُ طويلا لأنه يستلذُ عبثنا بشعره
قبل أن ينتبه
ونبتسم له لأننا سرقنا -الكثير من الحب- غايتَنا القليلة
في غفلته حتى حين
**
في يوم الشعر سأفرُّ كحمامةٍ من شرك المعنى
وسأراقصُ الكلماتِ كطفلةٍ تنتعلُ حذاءَ أمِها
كي يرفعَها الشوقُ للأعلى قليلا
سأقرأُ شعرا كثيرا لـ «لوركا»، و«السياب»، و«أدغار ألن بو»، و«المتنبي»
ولكلِ الشاعراتِ: المراهقات، والمجيدات، والجارحات، والعابرات بخفةِ فراشةٍ
سأقرأُ لـ«الخنساء»، و«ولادة»، و«فدوى طوقان»
وكثيرا جدا سأقرأ لـ«نازكِ الملائكةِ»، و«فروغ فرخزاد»
وسأقفزُ في قلبِ عزلة «إيميلي ديكنسون» لأكسر شرنقتي فيها
وسأعانق «سلفيا بلاث» عناقَ أختٍ بعيدةٍ أو على سفر
ثم سأمشي بمحاذاةِ قصيدةٍ غجريّةٍ لشاعرٍ مغمورٍ
سأتوّحدُ معها
وأهرّبُ لها العشقَ من عيونِ النساءِ المحزوناتِ، والرجالِ الخائنين والخائبين في الحب
ولاحقا سأجلسُ على مصطبةِ التاريخِ
سأنتحبُ كثيرا باسم كلِ الأمهاتِ اللائي رحلن على عجل، والأبناءِ الذين لم يأتوا
والشعراءِ الموتى
والقصائدَ التي لم تكتب
ثم سأضحكُ لكل الشعراءِ الخارجينَ على فتنةِ القبيلةِ والمالِ والسلطةِ
سأصافحُ «الشنفرى» وأغمزُ لـ«تأبط شرا»
وأشدُّ على يدِ عنترةَ، وأنا أبتسمُ له (لقد أجدت الحبَ والشعرَ يا صديقي الأسمراني)
وهذه هي الفروسيةُ الحقّةُ
ثم سأكتبُ شعري على صدرِ الليلِ
وفى قلبِ امرأةٍ عجوزٍ خانها الحظُ والأبناءُ
وعلى جبينِ حبيبي كي لا ينسى أنه قصيدتي الأجمل
وأخيرا سأتبرأ من كلِ ما كتبت
وأبكي على صدر أمي خفيفةً خفيفةً
كطائرةٍ ورقيةٍ في يدِ طفلةٍ بضفيرتين حالكتين
وفرحٍ أقصر من حذائِها الذي لا مقاس له إلا في الحلم

الأحد، 19 مارس، 2017

مسابقة إبداعات شبابية في الشعر الفصيح



مسقط ـ “الوطن” :
اختتمت مؤخرا التصفيات النهائية على مستوى السلطنة لمسابقة الشعر الفصيح والشعر الشعبي والإلقاء ضمن فعاليات مسابقة الأندية للإبداع الشبابي 2016/2017م وذلك على مسرح كلية عمان الطبية وسط منافسة قوية ومهارات ومواهب قدمت من المتأهلين للمرحلة الثالثة من المسابقة، حيث صدح المشاركون بحناجرهم الذهبية وألقوا قصائدهم المختلفة أمام لجنة التحكيم والحضور، وكان في لجنة التحكيم للشعر الفصيح الدكتور سالم العريمي والدكتورة فاطمة بنت علي الشيدية وخميس بن قلم الهنائي، أما في مسابقة الإلقاء والشعر الشعبي فتكونت لجنة التحكيم من علي بن سالم الحارثي وراشد بن سعيد الشامسي وأحمد بن محمد السعدي.
وقد أوضح الدكتور سالم العريمي أحد أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة الشعر الفصيح بأنه برغم تفاوت المستويات الشعرية لدى الشعراء المشاركين وتباين مستواهم إلا أنهم يسلكون الطرائق الشعرية المختلفة بثقة واقتدار ويحاولون أن يرتقوا بتجاربهم وفق المعطيات الشعرية التي أمامهم سواء أكانت قديمة أو حديثة وأظنهم يسيرون في المسلك الصحيح الذي حتما سيرتفع بالمستوى الشعرى لديهم ولو بعد حين. ولدينا مواهب شابة حقيقية تبشر بجيل شعري متميز، وأضاف العريمي: تمثل هذا المسابقة ساحة شعرية جميلة وملتقى يجمع المواهب ويصقل القدرات ويكتشف الإمكانات الشعرية الجديدة وهي فرصة لتثاقف الشعراء وامتزاج الأفكار وبث روح التنافس الإيجابي لديهم وهي فرصة لمنحهم منصة شعرية يبدعون فيها قصائدهم ويشاركون المتلقّي نتاجهم الشعري لتكوين حلقة متصلة مع القارئ والمستمع وليمتد صوتهم إلى مناطق أوسع ومساحات شعرية أرحب، وتابع العريمي حديثه بشكره للشعراء على هذا النتاج الشعري المميز وعلى إيجابيتهم المتمثلة في المشاركة في المسابقة والمسلك الشعري الجاد يحتاج قراءة مكثفة وواعية ومتابعة للجديد الشعري عند الآخرين والمساهمة في الملتقيات الشعرية لأجل كسب الخبرات والاطلاع على التجارب الجادة مع الاهتمام بالجانب النقدي سواء من قبل النقاد أم من قبل الشاعر ذاته فالنقد يقوّم التجربة ويضيف إليها ويدفعها إلى الأمام بقوة وتقانة مع تمانيتنا للجميع بالتوفيق.
أما الدكتورة فاطمة الشيدية فقد أشارت بأن المتسابقين يمثلون الجيل الجديد بما يمتلك من أدوات شعرية وفنية ومن تكوين معرفي جديد ولذا فلا عجب أن يكون منهم من يمتلك مكمنات الإبداع وطاقاته الخلاقة ومنهم من يسير على هذا الدرب مؤكدة بأنه رغم تفاوت مستويات النصوص وهو أمر طبيعي جدا إلا أن الجميع يمتلك مقومات الإبداع اللغوي والفني ولذا فهم يمضون على الطريق السليم، وأضافت الشيدية بأن المسابقة تمثل قيمة إبداعية وأساسا منهجيا رائعا في بناء الجيل القادم في كافة المجالات الفنية والثقافية وهي بما توفره من مناخ ثقافي وفني صحي ومن تشجيع مستمر ماديا ومعنويا تمثل محفزا على العطاء، وهو دور مهم وعظيم في صناعة الأجيال ومسابقة الشعر مثل غيرها من فروع المسابقة ضوء يدفع للسير قدما في هذا المجال وسيثمر إبداعا وعطاء بإذن الله، واختتمت الدكتورة فاطمة الشيدية حديثها قائلة كل الأمنيات للشعراء الجدد والدعوة المستمرة للتزود من معين الإبداع والقراءة أبدا والعمل على تجويد الكتابة خارج المسابقات لأن المسابقة قد تظهر شاعرا ولكنها لا تضمن بقاءه ولذا من المهم الاتصال مع ذات الشاعر ومع محيط الثقافة الواسع والاغتراف منه ابدا دون قيد وشرط ولهم كل الأمنيات والدعم في هذا الدرب المشرع على الحياة والجمال والإنسان أبدا.
فيما أوضح علي الحارثي حكم مسابقة إلقاء الشعر بأن المتسابقين يمتلكون زمام المهارات الأساسية للإلقاء بنسب متفاوتة إلا أنه اتضح من خلال المشاركين بأن هناك استخداما جيدا لمهارات الصوت ولغة الجسد وتعابير الوجه مع وجود بعض الأخطاء المتمثلة في الإشتغال المسرحي أكثر من الصوتي والحركة الزائدة غير الضرورية أثناء الإلقاء مما افقد البعض الكاريزما المنبرية الضرورية الخاصة بإلقاء الشعر، وأضاف الحارثي بأن المسابقة بعثت الحياة من جديد في جسد الأندية وجعلتها نقطة تجمع أشمل وأوسع للشباب ونأمل أن تكون الحاضنة الأساسية الأولى لتبني المواهب وإطلاقها للنور كما نرى أن إبداعات شبابية تسير بخطى واثقة نحو ذلك لما لمسناه فعلاً من القائمين عليها من اهتمام في تطوير وتلمس لنقاط القوة لتعزيزها ونقاط الضعف لتصحيحها، مضيفا بأنه يحتاج من المشاركين التمييز بين إلقاء الشعر كفن شفهي خالص والإلقاء الدرامي المرتبط بالمسرح لفن شفهي بصري مع التشرب الكامل لمعاني القصيدة وفكرتها قبل اعتلاء المنبر لإلقائها.


الاثنين، 6 مارس، 2017

الأفق اباتريك موديانو






إذ  تذهب مع صاحب نوبل 2014 باتريك موديانو في روايته (الأفق) فعليك أن لا تكتفي بقراءة واحدة لتجمع مع بوسمان قصاصات حياته الغامضة والطويلة في باريس أثناء الحرب العالمية، والتي تنتهي في برلين متتبعا أثر حبيبته فرنسية الأم والتي ولدت في برلين لأب ألماني، موبسان الذي كان يعمل في مكتبة، ويهرب من أمه وأبيه اللذان يتابعانه ليأخذا منه المال،  وصدفة التقى مارغريت التي تعمل في مهن حرة ومتعددة؛ منها الرقن على الآلة الكاتبة والترجمة للألمانية وجليسة أطفال- فأصبحا صديقين ثم فقدها لظروف الحرب والتوجس،  بعد أن عاشت فترة في باريس خائفة ومرتبكة.
ولسوء الطالع أيضا فقد ترك هو العمل في المكتبة التي اتفقا على اتصالها به فيها للتواصل بينهما.
وبعد أربعين عاما شاهد المرأة التي كانت تعمل مارغريت لديها مربية لطفلها، وتم القبض عليها هي وزوجها الطبيب، ومن ثم اختفت مارغريت بعد أن استدعيت للاستجواب بدورها.  وقد أصبحت -أي المرأة-  عجوزا، فاستدعى الموقف ذكرى حبيبته في نفسه وذهب للبحث عنها في برلين وبدأ بمحرك البحث عبر النت،  فوجد عنوانها بسهولة وعرف أنها تعمل في مكتبة وتوصل لعنوان تلك المكتبة، وهناك قرر الذهاب إليها مع أنه يدرك أنها لن تعرفه بسهولة بعد هذا الزمن الطويل، في مدينة (برلين) التي تمثلهما وقد استعادت حياتها بالكامل بعد دمار الحرب، هذا ناهيك أن مدة علاقتهما كانت قصيرة أصلا، ولكنه شعر بالأمان والسكينة التي افتقدها منذ غابت عنه.
العمق الإنساني لرسم الشخصيات في الرواية، حيث إبراز مشاعر  الخوف والحب والحيرة التي تمثل ملامح تلك الشخصيات بقوة هو أبرز ما يميز الرواية، إضافة لرسم معاناة الإنسان في الحرب بين التشرد والفقر بمواربة بعيدة، وبلا وضوح ناصع بل عبر رسم انعكاساتها على ما رغريت تحديدا، ولغة الرواية العميقة والداخلية/النفسية إلى حد كبير، وحركة الأحداث بين التصاعد والارتداد في خطين زمنين متباعدين قبل وبعد أربعين عاما من علاقتهما، وعبر أمكنة كثيرة وعلاقات متداخلة مع الشخصية الرئيسة،  والتأملات النفسية الجارحة، والبعد عن الحبكات الحكائية الجاهزة او السائدة أو حتى الواقعة ضمن المتوقع الإنساني القريب؛  كل هذا شكّل خصوصية فكرية ولغوية ونفسية للرواية وأظهر تعقّد مضمونها بشكل إيجابي، وأضفى عليها هالة من الغموض الفني العميق والرؤية البعيدة التي تليق بسارد متمكن ومبدع عالمي.

الجمعة، 3 مارس، 2017

صلاة



فاطمة الشيدي
1-3-2017



لم يا الله أبدا كنا هناك
في كفّة الحزن
في كفّة الصمت
نتحسس جرح الأزل
ونصطنع ما يرجّح الكفة الخاسرة...
نفتش بأظافر محمومة عما يشبه طعم الضياع
ليرخي قليلا قبضة الأسئله الكبرى
عن عنق اللذة العاثرة
كدعابات الموتى
أو حنين الأصفياء للعزلة العازلة
أو صداع الحنين
لطيْف شقي وماضٍ مريض بتلويحة الريب
شيء يشبه قلوبا تخترع الحب كي تداوي قروح العدم
وتبتذر الأمال
كي تحيا يوما جديدا
وحيدا
دون دموع
ودون انقسامات
ودون ألم
شيءيشبه اغترابات المسافر في غياهب الوعي واللاوعي
غارقا في سديم البعيد
يمضي قلقا مما لا يجيء
فلا تسعفه الكتب
إلا كما تسعف وصفات الطبيب المحتضر
لماذا؟
قسمتنا من الفرح تقلُّ كلما أوغلنا في الشائك من دروب القطيعة
كقسمة الماء والعدل
ولماذا يصرّ الحب تحت أحذية الذاكرة
وينام وحيدا في عراء أرواحنا التي مزقها الألم؟
لماذا حكمت أن الأمان والطمأنينة زاد البسطاء والعاثرين
وأن الحب والفرح زاد الصغار
أليست تلك قسمة ضيزى يارب القلق

السبت، 25 فبراير، 2017

معرض مسقط للكتاب



احتفاء بالشاعر ضيف شرف جناح بيت الزبير نطلق فعالية: شجرٌ في القلب، وطن في الروح



الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

رحلة مع طه حسين

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - شرفات
الثلاثاء 21 فبراير 2017




يشعر المرء أنه لن يمسك بتلابيب المعرفة ما لم يحط ببعض الكتّاب إحاطة تامة، ويطّلع على كل ما تركوا اطلاعا جادا، وهذا ما شعرت به طويلا، ومضيت في تحقيقه أخيرا، سيما اليوم والمعرفة تسّهل طرقها لكل طالب علم، وراغب في المعرفة الشاملة، حتى لتصبح متاحة ووافرة، مجانية في كثير من الأحايين كالماء والهواء – كما أراد طه حسين للعلم يوما أن يكون- بل وتتخذ لنفسها طرقا وأشكالا أكثر إغراء وجاذبية وسهولة مما كنا ننتظر، حتى ليشعر المرء بحتمية أن يذهب مع هذه الفرصة العظيمة كل مذهب، ويستغل كل ما هو متاح، فيقرأ ويستمع ويشاهد كل ما يمكنه من معرفة، و يتحصّل على كل ما يرغب به من علم وجمال وفن خاصة لأهم أستاذة الشغف والعلم والمعرفة.
ومن هؤلاء الكبار طه حسين، المبدع والناقد الذي مهما قرأنا له لن نحيط بكل ما ترك من نتاجات فكرية مائزة، ولن نستوعب تماما كل ما اجترح فكره التقدمي، ووعيه المشاكس من إبداعات نقدية وسردية فريدة، عبر خروجه المبكر على مؤسسة الدين ونقده الصارم والصادم لكل ما قرأ من تاريخ وفكر وأدب ونقد.
فلقد مضيت معه في رحلة طويلة امتدت لأشهر، كنت فيها أمضي برفقة هذا المبصر الضرير محاولة أن استوعب كل آثاره استيعابا تاما مشوبا بالإعجاب كما يستحق ويجدر به. وأن أهتدي إلى بعض حكمته عبر تأمل بصيرته المتوقدة ولغته المتجذرة في الثابت من القديم، والذاهبة في المحدث من كل جديد.
هذا المفكر الناقد الذي لا يأتي على نص حتى يشبعه بحثا ونقدا، ولا يكتب عن موقف أو شخصية حتى يصوّرها أبدع تصوير؛ لأنه ذلك المتمكّن من الأدوات والتأسيس اللغوي والفكري الراسخ بدءا، والمنطلق في التأمل والبحث عبر الجديد المستمر لاحقا، المثقف الذي يمضي منتضيا قوة الحقيقة ونزاهة الحكم وعمق الوعي التي تتجلى لك ما أن تهرع لكتبه، وتمثل بين يدي روائعه الخالدة، بدءا من عمله الإشكالي الذي أثار الكثير من المعارك، وحرّك ضده المؤسسة الدينية والاجتماعية والسياسية، وعلى أثرها تحرك ضده الشارع ممن قرأ له أو لم يقرأ، ألا وهو كتابه النقدي الجدلي في (الشعر الجاهلي) أو (في الأدب الجاهلي) كما سمي لاحقا بعد أن أضاف إليه وغير فيه، والذي اتّبع فيه الشك الديكارتي منهجا، وأسبغ على بحثه من المعرفة بالتاريخ والأنساب والقبائل واللغات والاجتماع الكثير مما يثير الإعجاب ويوجب الإيمان بثقافته وسعة اطلاعه، وطبعا وقبل كل شيء معرفته الدقيقة باللغات العربية والشعر، الأصيل منه والمنتحل أو المكتوب في أزمنة لاحقة لأغراض العصبية القبلية أو السياسة أو الدين أو الشعوبية أو غيرها من الأسباب الوجيهة التي يسوقها ويفنّد عبرها وجهة نظره تفنيدا علميا دقيقا. ولذا فلا عجب أن تقتنع – كثيرا أو قليلا – بما كتب فيه، وتمضي مشدوها بسحر حججه، وعمق تفنيداته واتساع معرفته وقوة ثقافته.
كما تجد النقد في كتابه (حديث الأربعاء) حيث يستل سيف قلمه ويجرده لمعارك حقيقية أسبوعية يقرأ فيها قراءة ناقد واع، ويقدّم فيها تقديم مثقف خبير ومطلع على كل جديد في الثقافة المصرية، وهي مقالات نقدية سبق ونشرها في الصحف وأثارت ما أثارت من جدل وخصومات لم يأبه بها يوما، فقد كان فيها يكتب مبتعدا كل البعد عن المجاملة والرياء وعن النفاق والشللية، فيضفي صفة الجمال بتجرد وموضوعية على كل جميل ويذكر محاسنه مهما تضاءل حجم كاتبه وقلّ ذكره وخفي حضوره، ويعدد مثالب العمل مهما عظمت مكانة صاحبه وارتفع شأنه، وكثر ذكره بين الناس.
ومنها أيضا (جنة الشوك) وهي محاورة جادة وعميقة في الفكر والفلسفة والثقافة والحياة بين طالب نجيب ومعلم أريب، يتبادلان المعرفة عبر صيغة السؤال والجواب، و(حديث الشعر والنثر) بين من يطلق عليه صفة المثقف ولكنه يعمّد لتفنيد تلك الصفة، وتجريده منها عبر زعزعة ثقته بثوابته التراثية الهشة، وثقافته الضحلة وهو المأخوذ بنفسه، فيقرأ عليه نصوصا شعرية عميقة من الشعر القديم موصلا بينها وبين الجديد العالمي، و(مستقبل الثقافة في مصر)، و(في مرآة الصحفي)، وهي تسير في ذات المنهج الفكري النقدي التحليلي للظواهر الثقافية والأدبية في المجتمع المصري في ذلك الوقت.
إضافة لدراسته الشعرية والفكرية العميقة والممتدة في الزمن طويلا وعميقا لزميل الوعي والبصيرة وفقدان البصر (أبو العلاء المعري) عبر مؤلفيه (مع أبي العلاء في سجنه)، و(في تجديد ذكرى أبي العلاء). حيث تناول فيهما حياة وفكر أبي العلاء بوعي مشوب بالإعجاب الضمني والاقتداء الجاد لهذا المبصر العظيم، والعالم الجليل، والشاعر الفذ والفيلسوف المفكر، والناقد الحانق على الوجود والإنسان معا، وإن كان يختلف معه في تلك النظرة التشاؤمية للحياة والبشر الذي صبغت حياة وفكر أبي العلاء، وقلّت وربما انعدمت عند طه حسين المتفائل المقبل على الحياة، التي وهبته أكثر مما وهبت صاحبه من الفرص، وأهدته من الحب والهدوء والسفر أكثر مما أعطت حكيم المعرة.
وهناك سردياته العظيمة والكثيرة وأوّلها سيرته الرائعة (الأيام) التي سرد فيها حياته الشخصية كطفل أصيب بالعمى نتيجة للجهل والمرض، وحمل على عاتقه لاحقا نشر العلم وجعل التعليم كالماء والهواء، وكل ما يتعالق مع تلك السيرة من سيرة المكان كالقرى التي عاشت فيها أسرته، والقاهرة حيث تعلم في الأزهر، وسيرة أسرته وقريته وإخوته وأصدقائه، محررا كل موقف وشارحا كل شخصية حتى لكأنك تراها رأي العين، بل ويمتد لداخلها حيث يعمد لمحاولة تحليل نفسية عبر الزمان والمكان والعادات. و(المعذبون في الأرض) وهي بورتريهات قصصية يسرد فيها حكايات شخصيات من الريف المصري أرهقهم الفقر وأتعبهم العوز والحاجة حتى لأن بعضهم يفقد حياته لهذا الفقر، وللعادات والتقاليد التي تقيّد الفقير غالبا، وكلها حكايات حقيقية استقاها من ذاكرة المكان والإنسان الذي يسقي الأرض بدمعه ودمعه ككل البسطاء على هذه الأرض.
وهناك السرديات الطويلة الأقرب للرواية أو الحكاية أو السيرة الغيرية مثل (شجرة البؤس) التي تحكي قصة صديقين تاجرين قررا تزويج ولد الأول الجميل، من بنت الثاني القبيحة حفظا للمال والعلاقات والأواصر الاجتماعية وبدافع من الشيخ الذي أشار عليهما بذلك، فكان أن ذاقت كلا العائلتين ثمرة تلك الشجرة حتى آخرها، وهي رواية ممتدة في الزمن والأجيال ذهب فيها طه حسين في سرد قيمة الدين في حياة إنسان القرية المصرية مهما عظم شأنه ومكانته وماله، وأثر شيخ الدين (سيدنا) في توجيه مصائر البشر وربما رسمها، كل هذا بمحبة وتقبل وامتنان من الإنسان البسيط الذي يعتمد على بركة هذا الشيخ في كل شيء في حياته من تزويجه وحتى تسمية أبنائه ورزقه وعمله ومرضه وشفائه. ومن تلك السرديات الحكائية أيضا (دعاء الكروان)، و(الحب الضائع).
وهناك السيرة الغيرية مثل قصة (أديب) التي تحكي قصة كاتب مصري صقل وعيه بالقراءة والفكر وبات مختلفا عن جيله وصحبه، متمردا على المجتمع وعاداته وأفكاره، وكان يرغب بقوة في السفر لباريس حتى أنه طلق زوجته ليحصل على شروط البعثة. وذهب هناك كل مذهب في المتعة واللذة والابتذال الأخلاقي حتى انتهى به الحال للجنون.
إنها تلك السرديات العظيمة التي نقلت لنا بإسهاب وعمق ودقة واقع الحياة المصرية بين الريف والمدينة في صورة دقيقة للمجتمع المصري في بدايات ومنتصف القرن العشرين، فشكّلت بذلك مادة سردية خصبة نهلت منها السينما المصرية كثيرا وتجسدت منها الكثير من الأعمال السينمائية الجميلة التي رسخت في الذاكرة الشعبية المصرية والعربية على حد سواء.
طبعا هذا إضافة لإسلامياته الشهيرة والمعروفة والتي تناول فيها بالتحليل والتعليل والتفنيد الكثير من الشخصيات الإسلامية والتاريخ الإسلامي والتي يقع كل كتاب منها في عدة أجزاء غالبا، وهي (الفتنة الكبرى عثمان، والفتنة الكبرى علي وبنوه، وعلى هامش السيرة، ومرآة الإسلام، والشيخان، والوعد الحق).
وهكذا وما أن تعود من رحلتك الطويلة مع هذا المعلم الكبير حتى تشعر بالامتلاء به وبأعماله وأفكاره ونتاجاته المتنوعة والثرية والكثيرة، فتتحقق لديك حالة من الاستناد لذاكرة ووعي أستاذ كبير، أستاذ للشغف بالعلم والمعرفة والحقيقة والحياة، أستاذ لا يمكن ولا ينبغي لك ولأي كاتب أو باحث أو قارئ يرى في نفسه شغف المعرفة والرغبة في المضي على طريقها تخطي آثاره الراسخة، أو تجاهلها، بل عليه أن يمكث طويلا في خيمته الكونية وبين يديه في حلقة الدرس الأبدي التي لا تنتهي بل تستمر ما استمرت الحياة والعلم والمعرفة، وما استمر القارئ باحثا عن الحقيقية مولعا بها. فتحية تقدير وامتنان لهذه القامة الكبيرة ولهذا الأستاذ العظيم لأنه عبر هذه الأرض وترك لنا من دمه وفكره ووعيه ومكابداته الإنسانية والمعرفية بعض ما يشفي غليل المعرفة ويمنح لنا أسباب الحياة للسير على خطاه.

السبت، 11 فبراير، 2017

نسوة الظل

فاطمة الشيدي
 القدس العربي



1.
أتذكرها الآن (بلا سبب) واللاسبب هو أكثر الأسباب منطقية. كانت جميلة، بيضاء كمعظم نساء ذلك المكان، مربوعة القامة، تتمتع بالحيوية والنشاط وهي في مرحلة الأطروحة للحصول على درجة الدكتوراه. كانت تعد لنا أنا وهي (المعمول) لنتسلى به في المحاضرة المسائية، وكنا نمشي كل يوم ساعة تقريبا لنشتري الكستناء الدافئ والقهوة الحارة من البائع المتجول لنكايد البرد، ثم نعود لنذرع ربوع الجامعة حفرا في الذاكرة وذهابا في الغد الذي لا ندرك هل سيأتي، في شتاء كهذا الشتاء في الوقت ولكنه أشد في الحضور والتحقق.
حدثتني كثيرا بأمل عن الدورات التي تحضرها في البرمجة اللغوية العصبية وعلم الطاقة لتستمد القوة من الداخل، كنزنا المخبوء المتوهج بالجمال، فالخارج مجرد انعكاس لذلك العمق، كما قالت. هي التي تعيش على هامش الصدفة، خارج الزمن، بلا هاتف نقال، ولا تعرف عن هذا العالم إلا بمقدار ما يعرف هو عنها من اغتراب ووحدة.
كانت تحب السمك المشوي، والمشي في الهواء الطلق، والثرثرة مع الغرباء وكبار السن والأطفال؛ لتبرهن على وجودها الحقيقي في حياة عابرة. قالت: «سأعزمك على مشوي سمك من إيدي ذات يوم». ثم فتحت قلبها المتوجع أكثر للغريبة التي لا تعرفها إلا في مساحات الابتسامة والمصافحة وزمالة الدرس المؤقتة، الغريبة التي كانت وما تزال تحث الغرباء على البوح بالإصغاء والتوحد مع السارد والمسرود.
حدثَتْها عن ليل طويل، ووحدة جارفة، ثم أسرفت هي في وصف عنف الرجال، ومصلحية العلاقات، والدم الذي يستحيل ماء، والقرب الذي يستحيل اغترابا، ولاحقا تداعت ألما ووهنا وهي تتحدث عن غطرسة العالم في وجه الضعفاء، وعن شراسة المرض الخبيث في جسد امرأة جميلة تجابهه بكل الممكنات والمستحيلات ولكنه يستطيل بلا هوادة، ويكبل العزم على الاستمرار، فلا تملك سوى الاستسلام للوهن، وينحسر الأمل لصالح الألم، وتسري قوانين الجسد الخائر على الروح المتقدة عزما، والنفس العالية.
لم تحدث عزومة السمك، ولم نمش لاحقا في المساء الذي نحب معا، ولا أعرف أيهما انتصر على الآخر هي أم السرطان، وها أنا أتذكرها الآن كما يتذكر الغريب الغريب، حين ينحت الشتاء في الذاكرة والبرد في الأجساد، وأبكي; لأنني لم أحتضنها يومها وأبكي كما كان يجب أو كما كان ينبغي أن أفعل، بل اكتفيت بالبكاء داخلي حتى شعرت بالدموع تخرج من مسامي كجمرات حمى أشعر بها الآن عرقا ووهنا على مسافة زمنين ومكانين ووجعين وذاكرة.
2
المرأة الماهرة في الطبخ، التي تصنع كل أنواع الحلويات بشكل أفضل من كل المخابز، ومحلات الحلويات في البلد، وتتفنن في الألوان والأشكال والروائح. حلويات بنية، وحلويات بيضاء ووردية، وحلويات زرقاء وحمراء، حلويات كبيرة ومتوسطة وصغيرة. حلويات مستديرة، وحلويات مربعة ومستطيلة، حلويات بالشكولاتة، وحلويات بالمكسرات أو بالقشطة والجبن. حلويات غربيّة وأخرى شرقية، حلويات عربية وحلويات محلية، حلويات لذيذة ولذيذة ولذيذة.
كل من تذوق حلوياتها يأخذه الطعم نحو أعالي المتعة، يشهق يا الله! لا أحلى ولا ألذ. كل من ذاق الطعم أغراه بالتكرار، بل والمجازفة مرات ومرات، إذ كانت كل محاولة تعمّق الطعم، وتكثف طراوة اللذة، وتكشف عمق الإبداع الذي لا يتكرر في تلك الأصابع المدهشة الصنعة.
ولذا يظل الجميع يطلب المزيد والمزيد خاصة في رمضان شهر الحلويات، الجميع يقبل عليها، ويزور مائدتها، وينتظر طبق الحلوى الذي يطرق الأبواب قبل الأذان كل يوم كموعد لا يخلفه، وكصدقة دائمة ومرغوبة من الأغنياء قبل الفقراء، ومن الأهل قبل الجيران، ومن المقيمين قبل العابربن.
وكم تمنى الجميع أن تفتح محلا خاصا بها كي يتجنبوا حرج (اللامقابل) الذي تأتيهم به الحلوى غالبا، هي التي رفضت كل العروض المغرية لصناعة الحلوى لبعض المخابز المعروفة، والفنادق المشهورة بمقابل مجزٍ، وهي تردد: «لا لا.. أنا فقط أصنع الحلوى لمن أحب، وخاصة في شهر الخير، وأستمتع بكل قطعة أصنعها، ولذا أريد أن أشعر بهم وهم يتذوقونه، إنها هدايا للأحباب والأصحاب فقط».
الجميع يستمتع بالحلوى النادرة التي تعدها ببراعة خاصة من الأقرباء والغرباء، والصغار والكبار، والجيران والأبناء، ويطلب المزيد بشراهة ولذة. أما هي فتتأكد جيدا أنها أخذت إبرة الأنسولين قبل أن تتذوق طعم الخلطة بطرف سبابتها فقط قبل أن تدخلها الفرن.
3
الصديقة التي ذهبت باتجاه الليل، التي تركت قلبي للبرد، أتذكر صوتها وروحها الآن، أتذكر جمالها أيضا، جمالها الداخلي والخارجي، فالجسد مرآة الروح، أتذكر ضحكتها التي كانت ترن كأغنية يتيمة لا يجود بها الدهر كثيرا، وهي تلعن الجميع، الرجال والعادات والتقاليد والنساء التافهات كعلكة رخيصة حسب تشبيهاتها الدقيقة، أتذكرها وهي تحكي لي بدقة تفاصيل رواية جيدة قرأتها مؤخرا وهي كانت قارئة رائعة تثير حسدي وغيرتي بالتهامها الكتب، الأجمل من ذلك كله أنني أتذكرها وهي تخبرني عن أغنية جديدة لمطربة قد لا أعرفها، أنا المنكفئة خلف متاريسي الجمالية الخاصة، وهي تلح: «أرجوك بس سمعيها، وبعدين حكمي». كنت غالبا أحب ذائقتها في اتجاه ما؛ الصوت أو اللحن أو حتى الصورة، لكنها كانت تنتصر في النهاية وأسمع الأغنية وأظل أرددها طويلا، أتذكرها الآن في كل هذا البرد، الشتاء كان فصلنا الأثير، وكنا نزهر معا كزهور الطرقات التي لا تنتظر من يعتني بها في الشتاء، نتورد كزهرتين نادرتين أو كطائرين مهاجرين غريبين يعرفان ذلك، ويتذمران قليلا قبل أن يهاجرا لبلد آخر.
في البرد فقط كنا نحرص على أن نمشي حافيتين على شاطئ البحر، ونرفع صوت الأغنيات في الشارع، ونغازل نادل القهوة الأسمر النحيل وهو يقدم لنا القهوة من نافذة السيارة، ويتباطأ ليخزن عطرنا في رئتيه، ونوزع قهقهاتنا على دروب الحارات الضيقة، ونخزن رائحة شجرة الليل في أرواحنا لحزن ما، ونتبارى في نفخ العلكة لأكبر بالونة ممكنة، ونثرثر عن أكثر فيلم شاهدناه منفردتين، وننتخب حبيبا لليلة الأكثر بردا في ذلك الشتاء.
في البرد كنا نبكي بصمت ونحن نحتضن بعضنا كل لقاء أو فراق وكأننا ندرك أن الأيدي ستفترق مهما طال تشبثها في دفء اللحظة، وحرارة الصدق الذي كان أكثر وأكبر من حياة كاذبة تأكل كالغرغرينا أطراف الصدق النابت في دفء العمر الفائت.
أتذكرها الآن وأنا أسمع أغنية صباح «يانا ..يانا»، تتحرك في مدارات الزمن الشتائي بين يدي، على أوتار عوده، هي الشقية كروح صباح والعذبة كعذوبة الأغنية.. فعليها السلام والبرد أينما كانت.
4
لم تنتظر الشارع بكل مدنيته وسياراته الفارهة والبسيطة أن يقف إجلالا لشحوبها، وتقديرا لعمقها الإنساني وكائناتها الطيبة، بل قطعته بكل قوة وعمق لتجبر المدنيّة أن تنحني تقديرا للطبيعة وحضورها الأول، وتشكيلها البدئي السابق لكل هذا التبهرج الميت. كانت تسوق أغنامها أمامها بكل انسجام وتناغم، وكأن حوارا ممتدا يدور هناك، ويسوقها قدرها الذي رفضته إلى التيه، خارج غابات الإسمنت بكل حيوية وجمال.
كانت خطواتها الواثقة تجعل حديدنا المركّب يقف ـ متخذا علامة الحذر بأربع إشارات ضوئية تنبض كقلب فاجأه العشق دفعة واحدة ـ مشدوها أمام جبروت عبورها وسعة يقينها، ونبذها حياة الأطر الجاهزة للأفق الأوسع، مؤاخية السمر والنحل والجبال.
الراعية التي اعترضت الزمن هذا الصباح، لم تخرج من الحكايات والكتب الصفراء، بل كانت تعبر شارع (الخوض) في مسقط العامرة بيقين ساحرة تغير مجرى الحبكات الكونية التافهة، لنهاية أكثر دهشة مما يعتقد أبناء القرن الحادي والعشرين.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

تجليات المكان في الرواية المعاصرة


1. «حمرة الغياب».. سردية المكان والإنسان


فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
7-2-2017



تمثل رواية «حمرة الغياب» للكاتب سالم ربيع الغيلاني، سردا عمانيا مغايرا، وربما تأسيسيا لنضج التجربة الروائية العمانية بعد الكثير من التجارب المحاوِلة لصناعة الرؤية السردية العميقة والجادة حول المكان والإنسان والذاكرة، حيث تفترع هذه الرواية ذاكرة سردية عميقة للمكان والإنسان باتجاهين زمنيين؛ زمن متخيل وآخر واقعي ومكان واحد وهو مدينة صور. وتتقدم الرواية في زمنيها (القديم والآني) بشكل متواز سرديا، بحيث يمضي القارئ في حكايتين متوازيتين تماما؛ ليكتشف في نهاية الرواية أن الزمن الثاني (الحاضر) ما هو إلا امتداد زمني للأول الماضي، عبر حكاية تحاول رصد حضور المكان (صور) وتشكّله في الزمن.
ففي الحكاية الأولى يخبرنا «خميس الراوي» -بصفته الراوي العليم- حكاية الجد الأكبر «الغالي» عبر اقتناصات سردية قصيرة كتبت بلغة تقريرية تقريبا، تسبق كل فصل من فصول الرواية، حيث يحكي لنا كيف وصل الغالي الذي كان قادما من العراق ليذهب للهند للاستقرار هناك بعد زمن طويل من الترحال والسفر، ولكن الريح تشتدّ به وتحطّم مركبه، وتشتت بحارته وترمي به في أرض فضاء تحيط بها الجبال والبحر من كل جانب، ولكنه بعد أن استعاد وعيه شعر بالسكينة تجتاح روحه وقرر أن يتخذ من تلك البقعة وطنا، تلك البقعة التي عرف لاحقا أن الجن يسكنون فيها، وهناك خرجت له جنية جميلة «قالت له لا يمكن أن يسكن هذا الخلاء بشري ما لم يكن له نسب مع سكانه من الجن. انتفض ولوّح بعمته في السماء. نظرت إليه وتبسمت، فسرت بين ضلوعه رجفة، وشعر بخدر لذيذ يجتاح جسده.
قالت له: لا تلوّح بعصاك، فأنت ونحن موعودون بهذا المكان منذ الأزل .. نعم أنا وأنت من سيشكل هذا التحالف، وعلى أحدنا أن يترك جانبه؛ ليعيش في الجانب الآخر حتى يتم هذا العهد.. ولأجلك سأترك عالم الجن، وأذوب في عالمك. سأنجب لك الأطفال، وستولد مع كل طفل منهم أسطورته. سيرثون منك القوة، ومني الجمال ومن كلينا الشقاء.»
ولكن الرجل فيه يدفعه يوما للزواج بأخرى، وهنا تحذره الجنية، وحين لم يصغ لها، تركت له الأولاد وهجرته للأبد، وحاول كثيرا بعد ذلك استرضاءها ولكنه لم يفلح، وهكذا أصبحت نقطة ضعف أبناء الغالي هي قلوبهم التي تجرّ عليهم المتاعب، وتذهب بهم في اللوعة والعشق والفناء.
وفي مقابل هذه الحكاية القديمة فإننا نشهد مع السارد المتجدد الحكاية الأكبر التي تتفرع وتنمو عبر فيها الأحداث في المكان الحاضر، حيث نشهد تبلور شخوصها التي تتقدم في بناء الحدث الدرامي، ونعيش معهم حكاياتهم التي تتفرع وتتلاحم وتبني الحكاية الأكبر. فعبر ثلاث عائلات كبيرة تتداخل فيما بينها في المكان والنسب والدم (وهي ولاد الغالي والخبابيط وولاد الصفار أو الميادير) تتفرع الحكاية لحكايات كثيرة، ولكنها تدور غالبا حول عائلة الغالي التي قررت الجن أن كل نسله يرزأون في قلوبهم وحول قوانين المكان الاجتماعية التي تحكم الإنسان وتشرع له حياته وقد تحددها أيضا.
إن أبرز ما يضفي قيمة فنية خاصة على هذه الرواية هو رسم الكاتب لشخوصه الكثيرة بدقة من الخارج للداخل، ثم رسم دورها العميق في صنع الحدث والذهاب في الحكاية نحو أفقها المكاني الخصب الذي يموج بالحركة والشخوص والأحداث، فكل شخصية في الرواية متحدثة أو صامتة، فاعلة بشكل كبير في بناء الحدث السردي أو توضيح دلالة روح المكان وثقافته بكثافة ووضوح. ومن تلك الشخصيات «الجدة رحمة بقوتها وحناناتها، والتي يهابها الجميع ويحبها أيضا من البنيان حتى سادة القوم، والتي بدأت معها الحكاية وانتهت بموتها.» جاءت تجرّ نفسها إلى حيث مصدر الصوت وعندما رأت حفيدتها مسجّاة بثياب عرسها على الأرض؛ أطلقت أنّة مكتومة وأخذت تردد: لقد قتلنا البنت.. لقد قتلنا البنت .. قبل أن تسقط مغشيا عليها» ، وحمود الصفار ابن خالتها التاجر القوي الذي كان يحبها لولا أن أعراف القبيلة حرمته منها، فتزوجت بابن عمها (محمد) الذي اختارته والذي كان يصغرها بسنتين، ثم مات في البحر بعد زمن قليل، فرفضت كل زواج بعده حتى من حمود الذي تعلّم السحر، ليحصل عليها، وربما كان له دور في موت زوجها. وأولادها بشير بهدوئه وقوته، وزيد بجنونه وعبثه ومجونه، ومهرة الدلاس الطفلة العذبة الذي خطبها زيد وتزوجها من المصنعة بعيدا عن أهله، وماتت بعد زمن قصير لأنه أهملها ومضى في عبثه مع النساء مخلّفة حسرة وألما في نفسه، وفقدا في العائلة جميعا حتى في نفس شقيقه بشير، بعد أن أنجبت له ثلاثة أطفال منهم شمسه الطفلة أغرمت بابن عمها الذي كان يصغرها فاهتمت به وتعلقت به أيما تعلق ثم ماتت حين زفّت لغيره «أدركت شمسة خلال مرض أحمد إلى أي حد هي متعلقة به، وهو متعلق بها، رأت ذلك في عينيه اللتين تنكسر حدتهما، وتشرق فيهما كواكب ونجوم عندما تلتقيان بعينيها، الخدر والسكون اللذان يحلان عليه عندما تمسح عناقيد العرق من على وجهه ورقبته.. رفضه الطعام إلا من يديها، المتعة التي تشعر بها وهي تقضي ساعات الليل الطويلة ساهرة بقربه. السعادة التي تملكتها عندما بدأت العافية تدب في جسده الهزيل. الرعب الذي يمزقها إن مرّ خاطر فقدانه في ذهنها. كل ذلك جعلها تدرك أن أحمد حياتها.» ، وبشارة زوجة بشير، وسعادة الدهانة التي حوّلتها الظروف لمومس، وابنتها راية التي أغرم بها ناصر الغالي وما كان لبنت مومس في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد أن تجد السعادة إلا عبر طريق لا يمت للستر بصلة، ولكنها رفضت أن تعيش قدر والدتها فهربت مع سعدون العبد الذي أحب ابنة حمود الصفار فضربه وقيده بالسلاسل حتى أصيب بالجنون بعد أن زوجها لابن أخوالها ونفاها بعيدا عنه «قبل بزوغ الفجر حملت الصندوق الذي ورثته عن أمها وتسللت من غرفة الجدة رحمة إلى المخزن الذي أصبح مسكنا لسعدون، وجدته متكوّما على نفسه، هزته برفق ففتح عينيه، قالت: «هي نهض، وتبعها دون أن يبدي أي اعتراض، اخترقا الأزقة وغاصا في ظلام الغياب.» ، وسبيت الخانب الابن غير الشرعي لعبدالله الصفار شقيق حمود، و(معرس ينيه) الذي عشق جنية فأصابته لوثة بين الجنون والسحر، وسعيدة الدّاه، التي كانت تمضغ التنباك وطلقت زوجها كدلالة على قوة المرأة في المجتمع إن رغبت في التنكر لأعرافه.
هذه الشخصيات وغيرها تمثل نماذج إنسانية متعددة ومكررة للمكان (صور) الذي هو محور هذا العمل السردي بكل ما رسمه الكاتب من عادات وملامح وفنون ولهجة خاصة. فهذه الرواية تجعلك تعرف المكان كأنك عشت فيه، المكان الذي يمثل نقطة تفرد الكاتب ومحليته التي تصبغه بالتميز والعالمية، وهذا ما فعله سالم الغيلاني الذي رسم لنا بوضوح طبيعة المكان وخصائصه وثقافته ووعي وإنسانه وملامحه. المكان الذي استمد كل شيء من علاقته بالبحر والتصاقه به. «صور مدينة تعشق الفرح، وتحترف التعبير عنه. تعلمت من البحر أن لا شيء دائم، فالهدوء يعقبه صخب، والسكون يمكن أن يتحول إلى هيجان. فهذا الأزرق الذي أجج لدى أهالي المدينة الرغبة في الاكتشاف، وأطلق ألسنتهم بقول الشعر، فتغنوا على هدير أمواجه بالهولو واليامال، وفجرت تقلبات مزاجه في دواخلهم الخوف والشك وتوقع كل شيء. هذا الأزرق هو سرهم ومن أراد أن يعرفهم فعليه أن يعرفه أولا.
لقد وضع البحر لهم دستور حياتهم، ومنحهم الفرح، وجلب إليهم الفواجع ينظرون إلى زرقته تارة فيرون الحياة وازدهار الآمال، وينظرون إليه تارة أخرى فيرون الفواجع وفقدان الأحباب. علمهم بحنو أمواجه، وهدير عصفه أن اللحظة التي يعيشونها هي الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن يؤمنوا بها، وأن هدر الوقت في اجترار الأحزان حماقة كبيرة، وخطأ لا يغتفر، لذلك فإنهم يقدسون لحظات الفرح، ويجلّون طقوسها، فالرزحة عنوانه، وأفضل وسائل التعبير عنه»
إن حمرة الغياب رواية ناضجة بكل المعايير الفنية للكتابة الروائية (من عمق المضمون، وجماليات السرد، ورسم الشخصيات وتطور بنائها، وتعدد الحبكات، والنهاية الصادمة للقارئ)، وإن كان عليها ألا تسلم من المآخذ كأي عمل إنساني فهو ذلك الانشطار بين حكايتين، الذي لن يدرك القارئ فكرته إلا حين ينهي النص، إضافة إلى كثرة تضمين اللهجة التي قد تقف عائقا للقارئ من خارج المكان.

السبت، 4 فبراير، 2017




جازف لتحيا حياة حقيقية.. جازف بكل شيء بمالك، بروحك، هذا هو الحل الوحيد، فليس لديك إلا حياة واحدة، فعشها كما ينبغي لك، وكما ترغب، وكما تتوق لذلك. اتبع حلمك البعيد والغريب والمجنون والعبثي.. اتبع قلبك وثق بمن يثق بهم من حبيب ومن صديق فهم وحدهم سيبقون أوفياء لك، وسيسندون عثرتك الكبيرة والعالم كله يتخلى عنك ويشهّر بك ويشمت فيك، فلن تندم على تلك الثقة إن أحسنت اختيار من تثق به.
هذا ما يقوله هذا الفيلم الرائع.. عبر بطله الذي كانت شركته المختصة بالتعدين على وشك الإفلاس، فيسافر للبحث عن الذهب في أندونيسيا، وهناك يقابل الباحث المتعمق في البحث عن الذهب، ومعا يبحثان عن الذهب الذي كان هو الإنسان في الحقيقة؛ الحبيبة الصادقة، والصديق المخلص لعهده، والإنسان البسيط الذي وفّر له الماء النقي. عبر رمزية عالية ورفيعة للفيلم .
أما الذهب فقد كان مصيدة للشركات الكبرى لجنى الأرباح من جيوبها التي تمتص دم الإنسان البسيط بلا مبرر.





الآن أتذكره بين ثلاث مدن إذ في وفرة البياض يمضي مشفوعا بعجز اللغة عن التعبير عن ماوراء الغياب.
تعرفت عليه في (البحرين) ٢٠٠٧ ، وكنا في ضيافة ملتقى الوعد الثقافي والأصدقاء حسين الجفال وزكي الصدير وغيرهم من أشقاء الشعر والماء، وبرفقة الشاعر زهران القاسمي أزهقنا معه أيامنا القليلة بين دروب البحرين وزرقتها المتاخمة للسماء والبحر شعرا وموسيقا وفنا متعدد الأوجه والفضاءات.
ثم في (مسقط2012) في أمسية تأ...بين الراحل أحمد راشد ثاني، ( أنا التي كنت هناك أقيم حوارا افتراضيا مع روح الشاعر البعيدة)، أدركت أن علاقته بالمكان أكثر إيغالا في الزمن مما تسع الذاكرة فهو شقيق الأرواح المضرجة بالحنين والملح في كل مدنها المحفورة في القديم والمنتفضة في مرايا الجديد هشاشة وصخبا تحت مسميات جديدة محفوفة برنين الذهب الأسود، موغلا في كل ما يرفو الروح في حنينها البعيد والممتد والأبدي للحرية والجمال.
ثم في (الشارقة2013) في ملتقى السرد حيث نحن أبناء البحر واللغة لا نحتاج لشفاعات الصداقة إذ نلتقي .
فعرفت اشتغالاته التراثية الجارحة في ذاكرة المكان والإنسان وتشبثه بالأرواح المضرجة بالمختلف والسابر من الوعي والمحبات.
ولكن حين جاءني اتصاله الذي لم أتوقعه يوما وهو يفيض بالمحبة الأخوية الصادقة التي ترشح كغيمة مطرا إنسانيا فائضا بالنبل، ويدعوني وشريك النص الحياتي الكبير لنقضي بعض الوقت معه ومع زوجته.
كان ذلك إيذانا بالرسوخ حتى الغياب في الروح والذاكرة معا.
لقد تأخرنا في اللحاق بكرمك أيها الجليل، وقد سبقتنا لكل جمال
فالرحمة والسلام لروحك الطيبة الرفيعة العالية التي تمضي للبياض وتتركنا نلهث خلف حلكتنا الآسرة هنا الآن ودائما.





السينما  متنفس جيد لسكان مدن الملح مع الكتب والمقاهي والمتع الصغيرة غير السائدة في مجتمعات الموت ..
هذا الأسبوع شاهدت هذين الفيلمين: - الأول يتحدث عن الرأسمالية الحقيرة التي لا تأبه بشيء من روح الإنسان، حتى فساد المجتمعات، وصراعها مع الدين،  وتسليط الضوء على جماعة ( كو كلوكس كلان) داعش المسيحية،  الفيلم الذي لن تعجب سوى ببعض الجوانب الإنسانية فيه كالعلاقات الأسرية والحب (حب الله وحب الأبناء وحب المرأة)
الحب  الذي يتملّك على الإنسان نفسه، ويحرّك  ذاته ويحكم قراراته مهما بدت خاطئة للآخرين.
أما الفيلم الثاني فهو فيلم "الصمت" لمارتن سكورسيزي والذي قضى ربع قرن لإعداد وبلورته، وهو عبارة عن ملحمةٍ دينية مرهقة، تعرض لفكرة صمت الرب أمام عذابات المؤمنين به وهو يتعرّضون لأبشع أنواع التعذيب، بل حتى الرهبان الذين يسيرون على نوره ويحملون رسالته لا يتدخل لنجدتهم.
وهو فيلم عميق في أطروحته البعيدة حول صمت الرب عمّا يتعرض له الإنسان في هذه الحياة، ويتناول فكرة التبشير المسيحي في اليابان،  والقهر والقتل الذي تعرّض له الإنسان المسيحي والرهبان هناك في القرن السابع عشر تحديدا، وفشل هذه المهمة(التبشير) تماما هناك.  بل وارتداد رهبانين عن دينهما حفاظا على حياتهما. بسبب عدم تقبل المجتمع للدين المسيحي إضافة لمحاربة السلطة القاهر له، ورغم كل هذا ظل الرب صامتا.
هذا الفيلم يبدو ظاهريا مسيحيا بامتياز ، وربما يقف ذلك بينك وبين الإعجاب به، إلا أن للفكرة الكبرى التي يحملها وهي صمت الرب عن كل ما يتعرض له المؤمنون به من قهر وظلم في سبيل ذلك الإيمان، حيث تجد حيرة الإنسان أمام صمت الرب كل هذا الوقت أمام كل القهر الذي يستشري في العالم.
كما يعرض لحاجة البسطاء للتشبث بحبائل الرب والإيمان المطلق بخلاصه القادم لا محالة دون أي صدى أو تساؤلات تتعلق بضعفه وشكه إلا من رجل واحد يطلب الاعتراف بعد كل خطأ يقوم به في حق الرب فهذا هو الإنسان الحقيقي خائف ومرتبك وجبان أحيانا ولكنه يحمل الله في قلبه غالبا.  أما مرتكز الفيلم فهو صمت الرب فيما مقابل الإيمان والتضحية في سبيله (الموت أو الرجوع عن الدين) هو  للمسيح وللعمل على تحقيق مشيئته والاقتداء به. طبعا ناهيك عن روعة الإخراج.
حين تخرج منهما ستكون ممتلئا بالاسئلة حول الله والدين والتوحش الرأسمالي .. وستشعر كم  هي الأديان  متشابهه في كل شيء.  وكم تحكّم الدين في حيوات الإنسان طويلا، وكم قتل وظلم وشرد باسمه، وكم حُمّل  الله - الذي يسكن في قلب الإنسان فقط -الكثير من هذا وهو منه برئ.






الأربعاء، 1 فبراير، 2017


حالة استشعار العبث واللاجدوى من كل شيء تكبر داخلي وتتمدد مع الزمن، ولذا أجدني أتراجع عن أشياء كثيرة كنت أحبها أو أفعلها في الأقل حتى دون تفكير كبير .
ولكن الآن يكفي أن أفكر فيها لأقول لنفسي حسنا وماذا بعد؟!!!!!!
وكان آخر ما امتدت إليه حالة العبث واللاجدوى هذه حفلات توقيع الكتب، تساءلت بقوة هل يهم القارئ توقيعي فعلا؟ وهل يهمني أن يشتري القارئ كتابي فقط ليحصل على توقيع (غبي) ثم يركنه في زاوية مهملة من بيته أو مكتبته؟! هل يأبه القارئ الحقيقي لتوقيع الكاتب، وهل يأبه الكاتب لقارئ شكلاني يبحث عن بصمة حضور؟ وحين تصاعد الغثيان في روحي إذ لا إجابات قررت في كتبي الأخيرة أن لا أقيم حفلة توقيع. لقد وقّعت سلفا بدمي. فأنا أكتب به وبكل وتر مشدود من أعصابي، أنا أكتب كتبي بروحي وليس بقلمي أيها القارئ العزيز، وهكذا فأنت لديك مني نسغ الكلمات وروحها فلا حاجة بك للقشور والزيف.

*
شاهدت كلا منهما على حدة في معرض الكتاب، وزير برتبة إنسان، الأوّل كان يمشي في المعرض بتأنٍ وروية كمن يتفقد حال الجمع ويطمئن على أن كل شيء في مكانه، فهو يدرك أن هذه هي امتيازات وظيفته الحقيقية، فهي وظيفة خدمية أولا وأخيرا.
والثاني كان يمشي مع طفلته وقد اقتنيت بعض الكتب ويبدو أن حوارا شائقا حول القراءة كان يدور بينهما.
ابتسمت داخلي وتجاهلت عبورهما المشع بالجمال، فليس لي أعترض طريق الإنسان هناك. رغم معرفتي العميقة القائمة على تقدير المعرفة والإنسان بكل منهما.
المجد للإنسان الحقيقي خارج أي هالة جانبية تحت كل المسميات والأشكال والألوان بما في ذلك السلطة والثقافة أيضا.

*
عدو المرأة راغب هزمته قوة إحداهن، وعدّوة الرجل حالمة خانها الحظ . وهي حالات فردية، على الفرد فيها تمحيص حالته في ظل السواء الإنساني واختيار الحل المناسب، والواقع المريح له خارج التعميمات والندب والغضب.
في حين هناك قضية اجتماعية حقيقية لا ينبغي القفز فوقها في مجتمعاتنا الذكورية تشمل المهمّشات من النساء والمعنّفات والمحتاجات لمصدر دخل. المقيدات بالعوز والحاجة أو الخاضعات لقهر الرجال، قضية يجب النظر إليها بوعي سياسي وفكري واجتماعي وليس بالشفقة أو الصدقة كما في الخطاب الديني،... ولا بالعنف والمكابرة كما في الخطاب الذكوري ولا بالضعف والاستسلام والبحث المريض عن ظل رجل كحلم أخير كما في الخطابات المجتمعية الرجعية العربية، بل عبر تجديد الخطاب النسوي بما يناسب العصر وانفتاح الأفق الإنساني، وتمكين المرأة من التمتع بالقوة الذاتية التي تمكنها من اقتحام هذا العالم وحيدة أو مع الآخر لا فرق المهم أن تجد ذاتها وتتحد مع مكامن قوتها، وذلك عبر تمكينها بقوة القانون من حقوقها الإنسانية كالتعليم والعمل مما يجعلها ندا للرجل في القرار الذي تتخذه لحياتها أو الطريق الذي تسلكه فيها، مع الرجل أو بدونه.


الثلاثاء، 31 يناير، 2017

كيف يصنع الإرهاب؟




يمكننا القول أن الإرهاب صناعة اجتماعية وسياسية، فما هو غالبا إلا نتيجة لتربية العنف في نفس الإنسان من الأسرة -إن وجدت- فالشارع والمجتمع والحكومات، العنف الذي يشمل الروح والجسد والوعي. والذي ينتج عن حالة من اليأس والخذلان واللاأمان النفسي، ويحدث شرخا كبيرا وزعزعة عميقة في النفس تنتج عنها عدم رغبة في الحياة وعدم ثقة في جميع البشر فتصبح الحياة مرفوضة ورخيصة بل مجرد وسيلة للانتقال لحياة منتظرة. وهي -أي الحياة الأخرى-وإن كانت غيبية فهي أجمل وأكثر عدلا وأمانا....
الإرهاب فكرة تزرع في النفوس الضعيفة والمخذولة والخصبة بالكراهية للحياة وللبشر ، عبر انعدام أسباب الحياة مع قلة الوعي، ثم تسقى بماء الحلم البعيد الذي يدغدغ الروح بمهل وهدوء، حتى تغدو عميقة ومتجذرة بالحقد فتؤتي ثمارها السامة بالقتل واقتلاع الخير والجمال من الكون وإزهاق الأرواح البريئة.
وما يجب أن يواجه به الإرهاب في كل مكان هو الحب ؛ حب الحياة بطبيعتها وجمالها وعدلها، وحب الإنسان، (كالرفيق والصديق والأخ والزوجة والطفل) كي لا يتحولوا لمشاريع للموت، وربما قرابين لفكرة ما أو لثأر ما. وكي لا يعيشوا الحياة بكل معانيها ومفرداتها على عجل في رغبة عارمة لحياة أخرى موعودة. في فهم ناقص لكل شيء.
الحب الذي يبدأ من الأمان والثقة بالحياة وبتوفير متطلباتها الأساسية، الحب الذي هو عدو الجهل والفقر، فهو بيئة حاضنة للجمال طاردة للشر، بينما هما -أي الجهل الفقر - البيئة الصالحة للضغينة والحقد فالإرهاب.

الاثنين، 30 يناير، 2017

الأرواح المعذبة




الألم والمعاناة دائما نتيجة حتمية للذكاء المفرط والقلب الكبير.
أعتقد أن الرجال العظماء هم أصحاب الحزن العظيم على وجه الأرض.
الأخوة كرمازوف
أفكر في الأرواح المعذبة المنذورة للألم ولذة التشظي على نصال الكون الجارحة، عبر رهافة الإحساس، ودفق الوجع المنسكب من داخلها كحليب طازج أبدا، تلك التي يسكنها شيطان الحزن وتمضي معه ممعنة في التحليق نحو البعيد من كل شيء، ذهابا وراء الوهم بكل تجلياته حتى غبار الجحيم غير آبهة بالمنطقي من الفعل الوجودي التافه، كأرواح الفنانين والشعراء الحقيقيين الذين ينسجون لوحاتهم ولغاتهم بدمائهم وبماء أرواحهم تماما، هي التي تستحق التوقف في مدارات مداها ومدادها في هذا العبور الهش الحافل بالمرارات والعبث. أما دون ذلك فالمضي قدما في غبش الرؤية واللا انتباه لفوضى الحجارة المزروعة للعثرات، وللسيرك الكبير بأرواحه الكالحة أولى وأجدى.
الأرواح المعذبة، الأرواح الحائرة والمتعبة التي تهيم في سماوات الوجود بحثا عن الحقيقة، الحقيقة التي لا يعرفها أحد، الحقيقة التي لعل الله هو أحد تجلياتها، الحقيقة المطلقة كالروح، والخير والشر والوهم والجمال والقبح وغير ذلك مما يستعصي على التجلي ويمتنع من التشكل.
تلك الأرواح القلقة التي تعبر العالم المادي إلى اللامادي، بنية الكشف والفهم بحثا بكلها الذي يتناهشه السؤال، والبحث، عن مالا تدرك إلا فكرة وعذابا أصيلا ودائما في روحها، لتسجل بين عذاب وعذاب إشراقة ما تنطلق منها ...في بحث أكبر، تلك الأرواح الجائعة أبدا للمس شيء ما، سيتلاشى لاحقا أمام ضآلة المكتشف في زمن لاحق سيكون فيه الوعي جارحا وحادا كالفكرة المطلقة، وتظل ذاهبة في مداها المتصل غير المحدد الوجهة، ضالة في الهيام، هائمة في الظلال، مشغولة بالسؤال موجوعة بالحقيقة.
تلك الأرواح الرهيفة التي تمضي إلى الوجود بشفافيتها المطلقة، كجرح مفتوح، أو عصب مكشوف، كل شيء يثير حساسيتها، ويوسع تصدعاتها، ويشعل حرقتها، كل شيء يوجعها حتى العظم، هي التي لا تجيد المناطق الوسطى أو الحلول الوسطى، أو المشاعر الوسطى، الحادة في الفرح والوجع، والتي تتعامل بأقصى ما لديها من شعور، ويوجعها السطحي والكاذب، يوجعها العام، وتطمح لسبر أغوار الروح والوجود بمسبار خارق، أو مثقاب حاد لتتحصل على أعمق درجات المعنى، والشعور. تلك التي تتأمل كل شيء حتى تفسد حياتها أحيانا، "فالتأمل في الحياة يزيد من أوجاعها" .
الأرواح التي تحتاج للطمأنينة حاجتها للماء، وترفضها سعيا وراء حكة السؤال، وحرقة المطلق الذي لا يتبدى بسهولة، ولا يتجلى كليا، كالروح تماما، الروح الطيبة والخبيثة، البيضاء والسوداء، التي تهب العقل حكمته أو خفته، وتهب للإنسان جماله أو قبحه، وتهب للحياة إمكانياتها أو استحالتها.
أرواح الشعراء، والفلاسفة (كتبوا أو لم يكتبوا) والدراويش والهائمين، والعارفين، والباحثين والمحزونين، والمجانين كأجمل تلك الأرواح وأصدقها.
فالمجد للأرواح المعذبة، التي تغيب لتحضر، وتتعذب لتتجلى، وتبحث لتركن، وتهفو لتعشق، وتسأل لتكشف، وتمضي في عذاباتها أبدا في رحلة سرمدية من الصفر للصفر، المجد لها في خفتها بثقلها، في سعادتها بشقائها، وفي طمأنينتها بقلقها، المجد لها في عذابها الأبدي، وبحثها المؤبد.


الصورة من عرض أوبرا (يوجين أونيجين) عن نص بوشكين وموسيقا شايكوفسكي الاوبرا
21 يناير 2017

الأربعاء، 25 يناير، 2017

الشللية الثقافية


الكثير من الأعمال الأدبية تعري وسطنا الثقافي المريض بالشللية والانقسامات،  والتهليل والتصفيق لمن نعرف، والصمت والتجاهل لمن لا نعرف.  تضعنا أمام كذبة الموضوعية التي يدعيها الجميع وهي منهم براء، وأمام الحيادية القرائية غير الحقيقية في مقابل الانتقائية القائمة بأسبابها النفسية والاجتماعية.  حمرة الغياب مثلا تفعل ذلك؛ تلك  الرواية الرائعة بحق والتي تدور باتجاهين وتقترف سردا عمانيا مغايرا وربما تأسيسيا لنضج التجربة الروائية العمانية بعد الكثير من التجارب المحاولة لصناعة الرؤية السردية، والتي تقدم ذاكرة سردية عميقة للمكان والإنسان، بكل معايير الكتابة الروائية (من عمق المضمون، وجماليات السرد وبناء الحدث الدرامي، ورسم الشخصيات) والتي لست بصدد عرضها الآن؛ صدرت في 2015 ولم يلتفت إليها أحد،  لأنها صدرت من كاتب حقيقي اختار الظل عن الأضواء، وفردانية الفعل الإبداعي عن شللية الحضور الثقافي المتبجح بالأصدقاء. إن الظل دائما هو خيار الكتابة الحقيقية والكاتب الحقيقي ومن هنا فلا لوم على الكاتب الذي يستحق كل التقدير فيما قدم من عمل، وفيما اختار من خيارات  قائمة على جوهر الإبداع وهو الفردانية والعتمة والصمت. نعم الإبداع يتحدث عن صاحبه ولا يحتاج أجراس الاحتفاء، وطبول الأصدقاء، ولذا فصاحبه يتقدم في غنى وثبات محفوفا بقوة الفعل العظيم، ونبل الفكرة التي تستأثر بروحه وتدل عليه.  هكذا أخبرنا الزمن وأخبرنا ما وصلنا عبره من إبداعات خالدة.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

وهم التاريخ وسدنته




فاطمة الشيدي
24-1-2007

الميثلوجيا هي ابنة الخيال الآدمي الخصب، ابنة الزمن والحكايات التي تمشي على جسده المتلوّن، ابنة الوهم الطري الذي يتخذه الإنسان وسيلة للدفاع عن نفسه، أو لحمايتها من المجهول، إنها نتاج ذلك السارد العليم الذي يقبع في مكان ما بداخلنا؛ يتقرفص أبدا في زاوية حادة بأقلامه وأحباره ومخيلته ليضيف سطرا أو بضع أسطر لكل حكاية يسمعها، ولكل قصة يعيشها، ولكل حادثة تمر عليه، ثم يمضي فيها الجمع عبر الزمن حذفا وإضافة صعودا نحو اللذة الآدمية القائمة على الحكي.
بل ولعل ذلك السارد العليم (الذي يمثلنا جميعا بلا فرق وإن كان يتفوق فيه البعض لمكانة دينية أو سياسية أو لغوية) يخترع القصة الناقصة ليبث بعضا منه، ثم يدفعها للخارج ليخلّص ذاته من ثقل ما، أو من عبء المشاعر الجاثمة على صدره ذات وهن، ثم تمضي ماشاء لها الزمن وتتحول إلى تاريخ نتناقله ونمضي به وفيه، وربما اتحد البعض به في محاولة صناعة مجد، أو تبني قضية، أو مد جذور أو استئصال شوكة صغيرة تعذب صاحبها بنقص أو ضغينة أو صغار.
يأخذ الزمن الحكايات من أفواه لأفواه ويضيف عليها الرواة المتبرعون أبدا للعطاء والصناعة والبدء من حيث توقف الآخرون ليبدأوا حكاياتهم الخاصة، وليبنوا لبناتهم الطرية -التي ما تلبث أن تتصلب يوما بعد يوم - على الجدار الصلب لتتحول صرحا من حكاية صنعها الزمن وخيال الإنسان والركون للماضي والالتذاذ به.
فالماضي هو بؤرة السحر التي تجذب الروح أبدا، إنها تلك الحالة الحنينية، شفاعة النوستالجيا، ووهم الفردوس البعيد، نصاعة البدء، ولذة القديم، والكل منجذب لهناك ومشدود له بشفاعة المشيمة والنوستالجيا الأولى.
وهكذا تمضي الأساطير ويلتذ به اللاحقون عن الماضين دون أن ينتبه أحد لما في التاريخ من أساطير، بل لعله لا أحد  لا يريد أن ينتبه لذلك، لأنه يحتاج لتلك الأسطورة ولذلك الماضي الذي يسند إليه وهمه، فيربت على شقاء حاضره ويخفّف من حدة ووهن عجزه وضعفه في آنه.
التاريخ ابن الماضي الحبيب ولذا فالكل متعلّق ومتعالق معه، والجميع منجذب إليه بأساطيره الخفية ووهمه الخرافي.
ثم تأتي الحكاية/الرواية  لتستند إليه مرة أخرى وتعيد صناعته بعد أن صنعها، وتعيد نبشه وتشكيله بعد أن شكّلها ذات يوم.  تعيد نسج الأسطورة كأم ودود ولدت هذا العالم من رحم لذتها وخرابها.  تعيد نسج الماضي في ثوب جديد، وصناعة التاريخ في شكل جديد وبلورة الأسطورة في حكي جديد عبر وسيط جديد كالرواية أو السينما الشكل الحداثي الأكثر عبورا للمتلقي الجديد.
#من مقال
 (الصورة لفيلم يحكي أسطورة من أساطير سور الصين العظيم، حول كائنات خرافية تهاجم السور والمدينة عرض حديثا عبر شاشات الفن السابع)

الأحد، 22 يناير، 2017




الرياضة من أكثر من الموضوعات النسوية الشرقية التي ينبغي أن تطرح للعلن، وتناقش بقوة كأهم الموضوعات التمييزية العنصرية التي لم تتحصل فيها المرأة على المساواة الكاملة. والتي مازال المجتمع يتحكم بنظرته الناقصة للمرأة فيها نوعا وممارسة، في حين هي جزء مهم من حياة الإنسان وصحته النفسية والجسدية، ناهيك عن كونها حلما للبعض.
فرياضة المرأة في الشرق من المحظورات والممنوعات الحادة والشائكة إلا ضمن تحديد الأطر، وتوجيه السياقات التي تمارس فيها، كأن تكون رياضة نسوية تماما بجمهورها ومحكميها... وكل ما يتعلق بها.
كما يشمل الحظر الرياضة غير المقننة والتي يفترض أن تمارسها المرأة بحرية وأمان في كل مكان من مكانها الخاص كالركض والهرولة والسباحة وركوب الدراجات وغيرها.
الأمر في مجمله ينطلق من القمع والحظر التي يمارسه المجتمع على جسد المرأة، ناظرا إليه بريبة وحذر، محيطا له بالسياجات خوفا منه لا خوفا عليه.
ولذا فرياضة المرأة متأخرة أو متخلفة جدا في الشرق، ناهيك عن كونها محدودة الأنواع أصلا فليس من حق المرأة ممارسة كل أنواع الرياضة وإن كانت موهوبة فيها.
هذا الفيلم حاول خلخلة هذا الثابت الشرقي عبر دخوله منطقة ملغّمة بالحذر والخوف حيث يتناول أعنف الرياضات التي يمكن للمرأة ممارستها والتفوق فيها؛ ألا وهي (المصارعة) وبتقديم مسوّغ من رأس المؤسسة الأولى وهو الأب الذي يقرر تعليم ابنتيه المصارعة بل وتدريبهن بنفسه عليها لتحقيق الميدالية الذهبية العالمية.
الفيلم قائم على قصة واقعية، في محاولة لتوضيح أهمية الرياضة النسوية، وإعلاء قيمتها وعدم وقوف الأنوثة مانعا فيها، بل وتفوقها على الذكور أحيانا، عبر نشر نماذج حقيقية قد تجد بعض الصدى عند المجتمع، فتحرك ثوابته، وتدفع به نحو الاقتداء بها. وإلى تفهم حق المرأة في ممارستها وتحقيق كيانها وتفوقها عبرها ، فغالبا الأفلام أكثر تأثيرا ونشرا للأفكار في المجتمعات البدائية من جميع الوسائل الإعلامية.
فكم من الأفلام العربية نحتاج في هذا الموضوع!

الخميس، 19 يناير، 2017






عندما تشاهد هذا الفيلم الذي يتناول العالم السفلي للآخر، عالم الجريمة والمافيا، عالم الموت والقتل والمخدرات والعصابات- الفيلم الذي لن يعجب البعض بالتأكيد وأنا منهم -ستخرج بفكرة نفسية عميقة بعيدا عن القتل، فكرة قالها العلم وقالها الواقع ونقلتها السينما عن الإنسان، هذا الكائن المعقد المتداخل الأمزجة والمشاعر والأفكار، والذي لا تستطيع أن تحكم على فكرة الخير والشر فيه بشكل مباشر أو كلي، في ذات واحدة.
الخير والشر، والحب والكره ليست متناقضات إنسانية، ولا محصورة في فئة دون أخرى، بل ...قد تكون حالات، أو مشاعر متكاملة، متفاوتة التجلي والبعد ، والحضور والغياب حسب الوقت والظرف الذي يستدعي حضورها أو غيابها.
الحب يمكن أن يكون متأججا في الذات الشريرة، والكره قد يكون مؤقتا أو موقوتا بحال أو فرد، والشر قد يكون قناعا، والخير جوهرا والعكس محتمل إنساني كبير أيضا.
القاتل قد يكون أبا حنونا وزوجا طيبا، وعما نبيلا .بل وقد يبرر أفعاله الشريرة بدعوى الحب، أو بالحاجة أو أي مبررات أخرى أكثر نبلا ومسئولية تتعلق وتتعالق مع الأفكار الكبرى كالبقاء ومساعدة الآخرين أو حتى أن سلب القليل مما لدى الأغنياء لن يزعجهم ويؤثر عليهم.
والموت حين يقتل هو وسيلة للحياة والنجاة، ولكنه شر محض، وظلم كبير حين يُقتل ابنه مثلا، وهو قاتل مدفوع ومرغم، بينما القاتل الآخر حقير وظالم.
هل هو التبرير والتعليل لما نقوم به، أم أن المشاعر والأفكار فعلا ليست محددة بل متداخلة ولا كلية داخلنا، بل هي ظرفية ومؤقتة؟!
هذا إضافة إلى أن تعقّد الحياة والظروف والمجتمعات يزيد هذا الكائن (المعقد أصلا) تعقيدا واضطرابا وذهابا في الارتباك والفوضى الداخلية التي تنعكس على الفوضى الخارجية، فيصبح سلوكه مرضيا (سايكوباث)، ويحتاج فعلا للانسجام مع ذاته، وفهمها، وعيا ولا وعيا. الأمر الذي لا يتاح للجميع.
فكم من البشر متصالح مع نفسه، منسجم معها عبر الذاكرة والحلم والوعي واللاوعي. يتحدث إليها، ويفهم رغباتها، ويستقصي أوجاعها ولا يقصيها، كي لا تتفاقم العقد وتكبر وتتصلب، وكي لا تتصاعد المكبوتات لتصبح أمراضا نفسية !

إيجابية الرقمية

رغم كل مثالب مواقع التواصل في تسطيح الثقافة وتسليعها أحيانا، وفي سرقة الوقت وفي ظهور الكثير من (أبطال الوهم) إلا أنه لا يمكن التنكر لدورها الإيجابي في المشاركة وخلق وعي ثقافي عام وإعلام بديل..  مشاركة ما نقرأ، ونستمع له ، ونشاهده، من كتب وأفلام وأغنيات، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يمثل أنبل وأجمل قيمة لهذه المواقع من حيث مشاركة انطباعتنا العابرة، وأفراحنا الصغيرة، ومباهجنا الخاصة مع من يتقارب معنا في المزاج أو في الوعي، كما تمثل واجبا من حيث التعريف بها (الدعاية لها). كرسالة عميقة وجادة لنشر الوعي، وبث عدوى الجمال للعميق والجارح والحقيقي من الأشياء والأفكار والكتب والأفلام.
شخصيا أتبع الكثير من المقترحات لكتب أو أفلام أو أقلام، وغالبا لاأندم، وحتى لو لم أتح...صل على ما يدهش، فلن أتحسر لأنني أيضا أريد أن أفهم أذواق الآخر وكيف يفكر.
ولعل هذا الدور إضافة لمعرفة الأحداث المستجدة أهم من قراءة النصوص وكتابتها، لأن النصوص التي تكتب هنا غالبا نصوص سريعة وهشة وغير ناضجة، والقراءة المعمقة للمقالات أو الكتب هي الأولى.
لنكتب عما قرأنا وشاهدنا، لنضع نصوصا ونشجع على كتب وأفلام، لنتفق أو نختلف حولها .. المهم أن نبث عدوى الحلم والجمال والكتب والموسيقا والأفلام ولنحفز عليها ما استطعنا لذلك سبيلا .. فعدوى شخص واحد تمثل قيمة حقيقية وهدفا كبيرا.

ثقافة المقهى والمجتمعات




حتى وقت قريب لم تكن ثقافة المقهي (وهي التي تتيح للفرد ممارسة حريته الفردية في القراءة والكتابة والتأمل والصمت والحوار وغيرها ضمن الجمع العام، كما تربي احترام الفردانية والخصوصية من قبل الآخر) _ شائعة في المجتمع العماني إلا من مقاهي الشوارع البائسة حيث تأخذ ساندويتش أو شاي أو قهوة من نافذة سيارتك من مكان أقرب للصندوق القذر منه للمكان الحالم والمتسع الذي ينبغي أن يكون عليه المقهى (ولعل الأمر يعود لتربية الإنسان بتأثير من السلطتين السياسية والدينية)، أما اليوم فمما يبهج انتشار... ثقافة المقهى التي بدأت تتسع وتتمدد قليلا قليلا، فتجد المقاهي (القليلة مهما كثرت) تعج بالرواد من العمانيين مع غيرهم من الأجناس الأخرى، والمبهج أكثر أن تجد النساء تزاحم رواد هذه المقاهي من الذكور لتحتل مكانها الإنساني منفردة أو ضمن جماعات في أماكن حية وطبيعية بعيدا عن الظل والكبت، وهذا مما يربي الأمل في تخلخل ثقافة العيب وما يمثلها من الأطر الجاهزة نحو ثقافة الانفتاح والتحرر رويدا رويدا .

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

الرواية النسوية قراءة في الأبعاد والمضامين

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
17- 1-2017

الرواية النسوية هي الرواية التي تعالج حالة أو فكرة نسوية بطريقة جادة وعميقة، لتضع فيها اليد على مكمن الجرح، كي يشعر القارئ بما يقع على المرأة في كل زمان ومكان من ضيم وقهر وعنف أحيانا. والأدب النسوي الذي ظهر وقوي في فترة من الفترات في كل أنحاء العالم بدأ يتراجع مع تقدم وعي المرأة، وتشكّل مجتمعات مدنية وحضارية تنظر للمرأة بعين المساواة والعدالة بتباين تلك النظرة وتلك المجتمعات في الحالة المدنية، إلا أنه رغم كل هذا لا تزال القضية قائمة، والظلم حادثا في كل مكان، ولكن لعل الصورة أكثر حلكة في مجتمعاتنا العربية، التي تحاول فيها المرأة جاهدة الحصول على حياة كريمة وسط مجتمع ماضوي متعلق ومتعالق بجذوره الذكورية، ووعيه غير المنصف في حق المرأة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الأدب النسوي أدب يتعلق بالكتابة عن قضية المرأة، وليس كتابة المرأة بشكل مطلق، فالمرأة قد تكتب أدبا نسويا، أو غير نسوي، فيمكن للمرأة الكاتبة أن تعالج التاريخ والوعي وقضايا المجتمع وإنسانية الإنسان في كل مكان. كما يمكن للرجل أن يكتب أدبا نسويا يتخيّر فيه قضية ما، ويعالجها بوعي خارجي ومحايد، وينظر إليها نظرة إنسانية بحتة.
وهنا نعرض لروايتين؛ الأولى تمثل الأدب النسوي تمثيلا عميقا، وهي رواية جنى فواز الحسن (أنا ..هي والأخريات) حيث تناولت الكاتبة القضية النسوية وما يشملها من عنف وكبت اجتماعي يذهب بالمرأة نحو الرضوخ والتسليم والبحث عن أي وسيلة للحياة ضمن الإطار الاجتماعي وهو الزواج مهما كانت عواقبه، ففي قصة (سحر) الفتاة التي ولدت في مجتمع ذكوري يمجد قيم الذكورة والأسرة والمجتمع ولا يحفل بالإنسان ودواخله، وفردانيته، سحر الطفلة التي تذهب للبعيد الداخلي هربا من برودة أمها وغياب والدها، فتوجد لها عالما من الأوهام وتعيش فيه، ثم تفكر أن الزواج هو الحل لكل مشاكلها، ولذا تستجيب لأول شاب يقترب منها وهو سامي، سامي المتدين الذي يحولها لشيء من ممتلكاته الخاصة، عبر احتجازها في ظل رغباته، وعبر الضرب بدون سبب، فتهرب منه لحضن عشيق انتقاما لروحها وجسدها، ثم تلجأ للانتحار.
هكذا أرادت جنى فواز الحسن أن تقدم قراءة نفسية عميقة بلسان الأنا عن واقع المرأة العربية، حيث انطلقت الراوية في كتابة سردية سرية بصوت الساردة/ ‏‏‏البطلة (سحر) من طفولتها بين أب شيوعي منكسر، وأم لم تكن تريد من الحياة أكثر من رجل، وغيابها الداخلي عبر الذات والحياة، فاستيهاماتها الجنسية الأولى التي كانت الحل للهروب من واقع لا تريده، حتى زواجها بأول رجل غازل أنوثتها لتهرب من جحيم التجاهل الأسري، الرجل الذي تحول مع الوقت لجلاد حقيقي ومعنف لزوجته بلا قدرة منها على مواجهته، فخروجها للعمل الذي وفّر لها مساحة من الحرية لتتخذ صديقة تسرّي معها عن بعض ما يعتمل في نفسها وعشيقا تعاقب به زوجها، وتحقق به ذاتها. لتنتهي منتحرة يتم انتشالها في آخر لحظة.
إنها حكاية بسيطة ومتكررة وتشبه الكثير من النساء في مجتمعاتنا العربية -التي مهما تقدمت وتطورت تظل ذكورية، وتظل المرأة فيها محاصرة بالسلطة الاجتماعية، ولكن الفارق أن جنى فواز الحسن ترسم بعمق ووعي نفسي أكثر منه اجتماعي كل الشخوص التي تضعهم في مسارات السرد، وخاصة النساء، فهي تقدم صورة داخلية للأم والأب والعمة سامية وجارتها فدوى، وهالة الصديقة التي غيرتها وأمدتها بالقيمة الإنسانية للتغيير. إضافة لثلاث بورتريهات ذكورية معمّقة هي: والدها الشيوعي المحبط وزوجها سامي العربي، وعشيقها ربيع. محاولة عبر تلك الشخوص رسم حدود الواقع الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء، متوغلة ضمنه إلى الداخل النفسي لفهم بعض ما يعتمل في نفوس هذه الشخصيات من أفكار وأوهام تحركها كمنطلقات نفسية في اللاوعي لتصدر عن تلك التصرفات.
لم تسرف الكاتبة في السخط على المجتمع وظلمه للمرأة، رغم ما هو حادث فعلا عبر أحكام المجتمع الجاهزة والجائرة ولكنها كانت تقدمها كأحكام عامة للجميع. وفقط حمّلت المرأة كثيرا هذا الألم بشكل كبير ودورها في مواجهته، وإن كانت قدمت أمها كصورة سلبية للمرأة قدمت عمتها سامية كصورة للمرأة الحرة التي تدفع ثمن كرامتها والتي وصفتها بأنها العدو للأول للإنسان.
وبلغة عذبة، وسرد واضح ومتتابع، ورسم دقيق للشخوص طرحت الكاتبة القضية النسوية، القضية التي عرضتها بهدوء ووعي وبلا ضجيج أو سخط مفتعل، وثم بانفراج العقدة الكبيرة وهي (انتحار سحر)، وجهت للحل الضمني لهذه القضية، والذي يتمثل في مواجهة المرأة للظلم بقوة وشجاعة، وعدم الاستسلام للضعف والوهن، وصناعة الفرح بكل المسببات مهما كانت بسيطة، في حين مررت بعض القضايا الجانبية كالفهم الخاطئ للدين، والتغيرات التي طرأت على المجتمع العربي، وظلم السجان، والقضية الفلسطينية التي فقدت عمقها، وغيرها من القضايا العميقة التي تناولتها عبر تأثيرها في شخوص الرواية فقط، بل محاولة جادة للتعرض المباشر لها، وكانت النهاية رائعة جدا، فالأمل الغامض الذي بثته البطلة؛ يمثل فكرة الخلاص الذاتي الذي ينبع من الداخل، والذي على المرأة التمسك به، فلا تبحث عن شيء من أي كائن لآخر.
في حين أن رواية «أحببتك أكثر مما ينبغي» للكاتبة أثير عبدالله النشمي، كانت تروم القضية النسوية أيضا، ولكنها للأسف لم تقدم سوى حكاية مضطربة يمكن أن نعتبرها نموذجا للمراهقة اللغوية الفكرية أكثر مما قد تمثل اتجاها نسويا، أو سردا عميقا وجادا، فالرواية التي تدور أحداثها في المغترب العلمي، حول علاقة بين فتاة عشرينية بسيطة ونقية بشاب ثلاثيني لعوب يتعشق النساء ويذهب في علاقاته النسوية ما شاء له المكان والطيش؛ تمثل سردا مملا لتلك العلاقة المترددة أبدا بين شد وجذب، ولذا فلا يمكنك أن تقبض على عنصر من عناصر الرواية الرصينة، فالشخصيات التي تتمركز حولها الرواية (الأشبه بتسجيل يوميات ورسائل) محدودة الحضور والتفاعل إلا من البطلة التي تحرك مجرى السرد ضمن الحالة العاطفية عشقا وألما، في حين تختفي تصاعدات السرد نحو الحبكة الروائية التي يمكن أن نعتبرها اعتباطا «زواج البطل من أخرى»، كما أن الرواية كتبت بلغة هشة وبسيطة لا يمكننا أن نعتبرها شعرية وإنما تداعيات نفسية وعاطفية فقط، أما المكان الأوروبي فلم يأخذ حظه من الوصف، فالساردة كانت تعبر كل شيء بسرعة، وتقفز فوق كل عناصر السرد؛ لتخبر القارئ فقط عن علاقتها بعبد العزيز، تلك العلاقة التي تصعد وتهبط وتذهب وتجيء حتى النهاية التي تركت الباب مواربا فيها.
ورغم أن فكرة الرواية يمكن أن تمثّل جانبا مهما وعميقا من القضية النسوية، فالكثير من الفتيات في هذا العمر سيما تلك اللواتي خرجن من مجتمعات وأسر ضاغطة وعشن حياة الكبت والحرمان العاطفي ثم انفتحت بهن السبل لاحقا نحو مجتمعات منفتحة؛ يقعن فعلا في شرك الرجل الأول عاطفيا، ويتعرضن للابتزاز العاطفي من الرجل اللعوب، ويذهبن في فخ العاطفة المفقودة غير مذهب، إلا أن الرواية للأسف لم تقل أكثر من خيالات مراهقة، ولا يعوّل عليها في تحليل القضية، أو تقديم وعي نسوي متقدم، أو تقديم نموذج إنساني أو حتى حلول يمكن أن تتمثلها الأخرى، بل على العكس تماما فهي تربي العاطفة الساذجة، وتدفع للالتذاذ بها في غير وعي وانتباه.

الاثنين، 16 يناير، 2017

من ديوان كنت في البدء شجرة، دار الانتشار العربي - بيروت  2016

متواليات الهشاشة

1.


أيها الشعر لا تذهب بعيدا

أرجوك
فأنا ولدتُ برئة واحدة
وصدري موبوء بالربو والكلمات
حررني من الكلام العالق بالمريء
وذلك الذي يحزّني في الحنجرة
حررني من براثن الرؤيا
وصرخات الرفض المكبوتة
من شوكةٍ في الفؤاد
وجمرة مستعرة كالجوي
تحرّق كبدي
ولا تستطيب إلا رائحة الورق والاحتراق
امسح على جرحي القديم بقصائدَ عنترة
وأرتق ثقوبي بلامية "الشنفرى"
وأحزان الشعراء المنفيين
بانقسامات الرؤية والوعي
وأوجاع الغرباء
كقروح الملك الضليل
وعزلة "المعري"
وتشظيات "السيّاب"
خذني إليك بكل بيت جميل ذاهب في التصاعد والارتقاء



2.

أيها الحب اقترب أكثر
فأنا مذ كنتُ محاصرة بالخوف والرعب والظلام
وثمة عنكبوت أسود ينسج حكاياتِه وبيوتِاته الواهية في كل مكان من جسدي وروحي
حرّرني مني
من عقدة الذنب
والأماكن المغلقة
من الصمت المطبق على صدري ككابوسٍ يتكرر كل ليلة
ساعدني كي أصرخ
كي أدلل أحزاني بقصائدَ العشق الباهتة
وأسكر بالبوح
وزّعني في أغنيات الماء والتيه
وألحان المسافات والمدى
كي أردد أناشيد اللذّة بحرية وجنون
اجعل أظافري أزاميلَ المجاز الطري
كي أرسمَ لوحاتِ اللوعةِ المرهفة على ظهرك
وأنقش منمنماتِ الرغبة الحارقةِ بألوان قوس قزح
وأحفر مدنا من سحاب وندى
بمتاهات كثيرة متشابكةِ المداخل والمخارج
أختبئ فيها كلما داهمني الخوف والحزن



3.

أيها البحر أغرقني في زبدِك الرهيف
كي أدلل هشاشة قلبي
وأعرني الكثيرَ من ملحك الحنون
كي لا تفسدَ ذاكرة أحلامي المريضة
اقبلني حوريةً خرقاء بنصف جسد
ونصف قلب
غنِّ لي نصفَ أغنيةٍ على وهجِ نصفِ قمر
وموجةٍ رعناء تنكسر بلذة
ثم تعاود ارتجال الفرح
وتضحك حين تلمس أقدام الشاطئ في الظلام
وتغريه بالسعي خلفَها
ضريرا متولّها
قبلني نصفَ قبلةٍ
وعمّدني بنصفِ أمنية
فأنا ألتذّ بالنقص
وترعبني الأشياءُ الكاملة



4.

أيها الليلُ اشملني بالحلكة اليابسة
والحكمةِ الضارية
كي أنادم شجيراتِ السمرِ التي تنام في الوادي وحيدة
تحتضن الظلامَ
أقرضني عينيكَ المسمولتين كي أتتبع عوراتِ العالم الموجعة
للأمهات والأطفال
وللصعاليك والشعراء
وخذ ما تبقي من حلمي القديم
وزّعه على القططِ والكلابِ الحائمة في جوفك
أو على السكارى والمتشردين
فله رائحة الخبزِ
ودفء الأجنة
وإشراقة قلبين غضّين عند التحام الهوى
سيكفيهم مؤونة الشتاء
وسيكفيني عبء انكسار الظَهر
فالأحلام ثقيلة يا صاحبي



5.

أيها الحلم العاقد تعويذته عند أقدام الرب
بسمت نبي تتبتل له المعجزات
أو ساحر ينفخُ في كمه
فتنْهد أجساد الحقول تحت وقع يديه
ويطير منها الفراش
تنحَ قليلا عن متاريس البهجةِ المغلقة
انزل من عليائِك بخفةِ ملاك حنون
صافح جثثَ الأطفالِ
وترقرق في دموع الأمهاتِ والعجزة
وابتسم للجياع
وتعلم فنونَ البكاء








السبت، 14 يناير، 2017

وقفة للعام الجديد

فاطمة الشيدي

القدس العربي
Jan 14, 2017


كل عام وفي البرزخ الزمني بين عامين نقف، نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة، كأم على فراش الموت توصي صغيرتها، وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء، تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها بخشونة وألم، عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا، وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة فأشعلت لحظاتها بالفرح، وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر. تحدّثها عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم، والكثير من الحب الذي أضاء قلوب خدّرها الوجع، عن صرخات أقلقتها ونظرات أربكتها ودموع أرهفت لها السمع، عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير، وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب بصعوبة وحشرجة.
تقصّ السنة الذاهبة حكايتها الطويلة، لطفلتها القادمة ربما على سبيل العبرة والعظة، وحين تنفلت يد من يد نتمرأى ـ نحن الكائنات الخائفة من الزمن أبدا ـ صورنا في مرآة منكسرة بينهما، نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام، ونصلّي ليكون القادم أجمل، قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث.
في نهاية كل عام نقف وقفة تأمل، مع الذات والآخر والحياة، نعيد تقييم مسيرتنا الذاتية والإنسانية، ننظر نظرة طويلة للوراء، ماذا فعلنا؟ وماذا كان ينبغي أن نفعل؟ هل نحن راضون عما حققنا من منجزات تخصنا وتهمنا دون غيرنا؟ عن سعادة نبحث عنها؟ هل كنا أبطأ مما يجب؟ أو أقل اجتهادا مما يجب؟ أو أكثر حماسا ونزقا؟ أين الخطأ في النقص الذي تحصّلنا عليه؟ ولماذا الكثير من الآلام لاتزال تنحر الروح؟
نتساءل قبل كل هذا ماذا كنا نريد؟ وهل حصلنا على كل ما نريد؟ هل وضعنا نصب أعيننا أهدافا لتحقيقها؟ وهل حققناها أو حققنا بعضها؟ هل كنا واعين في التعامل مع صحتنا وأجسادنا من خلال الاهتمام بالغذاء والرياضة؟ هل كنا منصفين في التعامل مع أرواحنا بالتأمل والصلاة؟ هل قرأنا ما يجب من الكتب؟ وهل كتبنا ما نشتهي من النصوص؟ هل ترجمنا تلك الأحاسيس التي توخزنا كالإبر أو الشوك فرحا وحزنا ووجعا وندما لنصوص حقيقية عميقة، كانت بمستوى شعورنا الجارح بالحياة، أم أننا هربنا من الكتابة كي لا نتمرأى جروحنا في مرايا النص، لأننا تعبنا من أن نجسد خيباتنا نصوصا شهية يتلمظ فيها القارئ بأوجاعنا!
هل كنا في مستوى النص والفكرة والكتابة والحياة والإنسانية في مواقفنا؟ أم كانت مواقفنا باهتة وشحيحة الضوء كأعشى يراوح مكانه وهو يظن أنه يقطع المسافات؟ هل انتصرنا للإنسان في أعماقنا بكلمة؟ أم خدّرنا أوجاعنا بالجاهز من الكلام والسطحي من المواساة؟ هل حلمنا ما يكفي من الأحلام
هل صرخنا ما يليق بنا من الصرخات في وجه الحياة الفجة، والقلوب السوداء، والضمائر النائمة، واللسن المسنونة، والقيد المتحفز؟
هل قلنا «لا» بشكل نقي يشبه البلور ويشبه إيماناتنا العميقة بالخير والحق والعدالة، للوهن الرابض فينا، وللعادات الوقحة التي تحد من تحررنا، وللماضي الرتيب الذي يحتجزنا في خانته؟ وللفوضى والعبث اللذين يجرانا نحوهما، وللعصابات الكثيرة التي تنتشر حولنا؟ للزيف والكذب والنفاق والخوف الذي يسكن الكثير من النفوس؟
هل نفضنا عنا الكثير من الغبار والشر والحقد والبريق والسعي وراء السطحي من الأشياء، لنصبح أكثر رقيا ونبلا في عبورنا الخاص؟ هل آمنا بالله كما يجب؟ وبأنفسنا كما يجب؟ وبالكتابة كما يجب؟ وبالحياة كما يجب؟ وبالإنسان كما يجب؟
هل لوّحنا للعام المنصرم بخفة ورشاقة لأننا لم نؤجل الكثير من المشاريع الي تكلست على ظهره، وسنحمل القليل منه ومن أحلامنا ومشاريعنا للعام القادم وبنية صادقة لتحقيقها؟ هل غفرنا لأنفسنا وتصالحنا معها؟ هل غيّرنا طريقنا الذي كان يمكن أن يتقاطع مع آخرين، لنشعر بالأمان والهدوء والسكينة بعيدا عنهم، وتركنا لهم بكل أنفة واحترام مساحاتهم الباهتة والقابلة للسقوط والتثني والانحناء كأي عصا رخيصة، أو التلون كأي حرباء كاذبة، أو الظهور كنيزك سيسقط حتما؟
هل تعلمنا كيف نتقبل الآخر كما هو، ونحترمه كما هو؟ وكيف نزرع زهورا صغيرة على شرفات أرواحنا للقادم ستنمو خيرا ومحبة وجمالا؟ هل تشربنا موسيقى العالم لتتخلل عظامنا وترهف أرواحنا وتعيننا على الطيران بدعة وسكينة؟ هل قرأنا الحياة كلوحة متجزأة ومتعددة ومتداخلة الألوان، فيها الكثير من الجمال من الشروق حتى الغروب حتى حنانات صوت عصفور وحيد، وارتباكة نملة أمام يد طفل تقبض عليها؟
هل تعلمنا كيف نقرأ أبجديات الرضا، وكيف نعانق أفق الحياة الممتد، وكيف نتسامى على الألم والقبح والزيف؟ وكيف نستشعر جمال الأمل، وكيف نتذوق على مهل رضاب السماء، ونغني أغنياتها الطيبة، وكيف نحتجز الوجع خلف ابتسامة خضراء، ونقايض كل شيء بكلمة حسناء؟
هل ضحكنا كما ينبغي لكل فرح دغدغ قلب العالم كميلاد طفل، أو تحرر شعب، أو أمل فتح كوة في قلب العالم للحرية والعدل والمساواة؟ وهل بكينا بما يكفي لكل الموت والخراب الذي عمّ العالم؟ هل تعلمنا كيف نعمّد الروح بالحلم كي تستفيض في البهاء؟ وكيف نذرع مسافة الفرح على ضحكة طفل يتيم؟ وكيف نقيم على حدود الأشياء، وهوامش الكون لننتشي بالغربة واحتمالية الغياب؟ وكيف نتدرب على النيئ من الفرح، والهش من الدمع، والطازج من الحنان؟ وكيف نحيا الحياة كقصيدة لن تكتمل؟ هل قرأنا ما يكفي من الكتب، وهل شاهدنا الكثير من الأفلام التي تعد تقييمنا لنا وللحياة والإنسان؟
هكذا نقيّم حضورنا في عام فائت. ثم نشعل شمعة لعام جديد وأحلام كبيرة وكثيرة، نأمل أن نحققها فيه، ونضع أهدافا واضحة ونسعى لتحقيقها بجدية ووعي. ولعل أهم هذه الأهداف؛ التقليل من العالم الافتراضي السارق للوقت، والمغري بفتنة ليست ناضجة ولا جارحة في حقيقتها بما يكفي وإن بدت كذلك، والاقتراب من العالم الأرضي في المكان والإنسان بما يسعف العمق الوجداني والحياة الحقيقية، وزيادة القراءة العميقة، والاستماع للموسيقى الجارحة، ومشاهدة الأكثر من الأفلام والمعارض، والجمال والطبيعة، والكتابة الجادة وتنقيح المخطوطات المتراكمة في الأجهزة قبل الغياب الذي لا ميعاد له.
كما علينا الاعتناء برفع منسوب المحبة للأحباء والأقرباء والأصدقاء بقضاء الوقت بينهم وشفاعة الزمن في أرواحهم الصادقة، وزيادة الاهتمام أكثر بالتفاصيل التي تشعل الروح، وتشغل العقل، وتنفع الجسد؛ كالتأمل والصلاة الروحية، والرياضة والصحة والسفر والعمل الجاد والتحصّل على علم أو معرفة جديدة، أو اكتساب مهارة جديدة دائما. والبعد ما أمكننا عن كل القبح والعاهات والأورام والأوهام التي تمشي على قدمين، والتخلص من كل الأحقاد والتفاهات والصغائر اللاإنسانية، والانحياز التام للجمال والخير، والاتساع الضمني، والتعددية الفكرية والروحية، وتربية الضمير الكوني والإنساني الحي. هذا هو أهم ما على المرء التأكيد عليه كل عام، ومن ثم جدولة الزمن الذي يتسرب من بين أيدينا (كقابض على الماء خانته فروج الأصابع) لتحقيق هذه الأهداف والأمنيات، ولكي نليق بإنسانيتنا ووعينا.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 10 يناير، 2017


قبل أمسية قاسم حداد كنت حائرة هل أذهب أم لا؟
فكرت كثيرا وبجدية كبيرة أنني تقريبا قرأت كل ما كتب من كتبه، وعبر موقعه، كما يمكن متابعته عبر اليوتيوب، وربما حتى هذه الأمسية تنشر لاحقا، وقد تكون المتابعة الخاصة أكثر تركيزا وقربا.
فهل أصبحنا كائنات رقمية نكتفي بما تقدمه لنا هذه العوالم، وهو كثير وواسع ومتنوع؟ وهل حولتنا الرقمية لكائنات كسولة تتردد في الذهاب نحو المعرفة الحية، وبالتالي نحن ننحسر للداخل، فنكتب في العزلة، ونكتب لمن لا نعرف، ونقرأ عن بعد للجميع؟
وهل هذه الحالة صحية، أم أنها حالة نفسية اغترابية تذهب بنا نحو العزلة المرضيّة والتوحد المربك؟!