الاثنين، 10 سبتمبر 2018

على الطريق أن تضمن لنا حق العودة


فاطمة الشيدي
10/9/2018
رؤى ثقافية

الحلم هو محرك الإنسان للنجاح وتحقيق الذات، فهو الذي يدفعه في الزمن داخليا وخارجيا ليصنع معجزاته الشخصية والتي ليس عليها أن تكون كبيرة وخاصة كما ليس عليها أن تكون بطولية أكثر مما يحتمل ويطيق.
الجمال في الحلم أن يكون خاصا وحميما لكل كائن. إنه كالسعادة تماما لكل منا سعادته وحلمه بلا تنميط ولا تعميم.
ولكن ماذا يحدث حين نسعى خلف حلم أكبر منا ونمضي له بكلنا بلا ممكنات وبلا إمكانيات؟! يصبح الأمر جنونا وانتحارا مسبقا سيما إذا كان هذا الحلم زائدا عن الحياة والحب، ولا يحتاجه الإنسان ليكون سعيدا، فهو سعيد أصلا وبدونه، وبالتالي فهو مكمل للسعادة وليس أساسا لها،  ومع هذا فالكثير يفعلون ذلك دون أن تتاح لهم فرصة لاحقة حتى للندم.
الكثير من البشر يلهثون وراء مالا يطيقون، وإن كان البعض يجبن عن ملاحقة حلم قد يكون معادلا شرطيا للحياة، فهناك من يلاحق السراب، ويمضي خلف الوهم بلا غاية سوى إرضاء ذاته الواهمة والتنعم في جنون العدم.
إدراك جمالية الحلم وأهميته وقدرتنا على تحقيقه وموازنة الحياة معه هو ما يجعل الحياة أجمل والسعادة أكمل.
ولكن للأسف بطل فيلم The Mercy لم يفعل ذلك بل ذهب في مغامرة مجنونة حول وهم عدمي تماما وبقارب شراعي غير جاهز تماما وبدون خبرة في الإبحار قرر أن يخوض مغامرة تحدي للإبحار حول العالم في ستة أشهر فقط، بالطبع لم يسعفه المركب ولا الحال ولذا كان الانتحار هو الحل بعد أن فقد قدرته على التركيز، فاقدا بذلك حياته وقبلها أسرته وعمله وقد كانت كافية ليحيا بسعادة لولا وهم التفوق الذي سيطر عليه كما يسيطر على الكثير من البشر فيذهبون في طريق لا رجعة منها ولا قدرة لهم على تحمل نتائج المضي فيها.
الفيلم يجعلك تخرج من القاعة حزينا خاصة وأنت تعرف أنه عن قصة حقيقية. كما يجعلك تدرك فكرة أن الطريق التي لا توفر لك خيارات العودة منها لا ينبغي لك المضي فيها.

قلق القارئ وظيفة المبدع

فاطمة الشيدي
5- 9 - 2018
رؤى ثقافية




تعاني الثقافة العربية اليوم من أزمة قراءة الشعر والفلسفة في مقابل مقروئية الرواية. ولو تأملنا الفكرة عن كثب نجد  القارئ المعاصر يخسر الكثير في عدوله عن قراءة الشعر والفلسفة والسيرة الذاتية التي هي جميعا رحلة داخلية روحية وفكرية  تهب القارئ الكثير من الجمال والحكمة، وتفتح أمامه آفاقا أرحب من المعرفة لأنها مخاضات روحية وتأملات فكرية حادة وجادة.
بينما الرواية رحلة خارجية في المجتمع وانعكاس للواقع الذي يعيشه بكل تفاصيله. فما الحاجة لتتبع حكاية منه! وربما عليه أن يدع ذلك لأبناء الزمن القادم ليعرفوا شيئا عن المكان والإنسان كتاريخ.
أو ربما من الأجدى حين يقرر قراءة الرواية  أن ينتخب لوعيه روايات بعيدة في الجغرافيا أو التاريخ ليعرف ويتعلم عبرها.
ومن الروايات التاريخية التي يقف لها القارئ إجلالا رواية "ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور" الرواية التاريخية المتسائلة والتي لاتقدم محاكمات بقدر ماتقدم قلقا وجوديا وأسئلة غير جاهزة. الرواية التي تحاكي الشعر في الروح والفلسفة، في الإرباك الرواية التي تأتي من مناطق زمنية وجغرافية  بعيدة جدا عن روايات النقل الاجتماعي والتباكي العاطفي فتحفزك على قراءتها برغبة وذهاب مطلق خلفها.
ثلاثية غرناطة تحفر الوعي وتربك القناعات والمسلمات وتضع بصمتها في الذاكرة للأبد عبر ثلاثة أجيال تشهد سقوط غرناطة والبيازين، وتحكّم "القشتاليين" في المكان وتمسيحه بفرض ديانتهم بكل عنف وقسوة وفي الإنسان في سلبه حريته العقدية والفكرية.
فمن أبي جعفر الذي ينسخ الكتب ويجلدها وزوجته وزوجة ابنه المتوفى أم حسن وسليمة تبدأ رحلة سقوط غرناطة وتفشي الظلم حتى يموت حسرة بعد حرق المصاحف والكتب وتهجير الناس وتحويلهم عن دينهم جبرا، ثم يأتي جيل حسن وزوجته مريمه و سليمة التي أغرمت بالكتب وتعلمت الطب ثم تزوجت سعدا الشاب الذي آواه أبو جعفر وجعله يعمل مع في دكانه، وتستمر حالة الموت والتهجير فينظم سعد للمقاتلين بينما تحرق سليمة لاتهامها بالسحر ويموت حسن في صمت، وتظل سليمة وحفيدها الأصغر علي وهو الجيل الثالث فتموت على يديه وهي مهجّرة من بيتها، فيهاجر علي للجبال بعد أن قتل جنديا وسرق حصانه وبعد رحلة من الخذلان والتشريد يقرر المحتل ترحيلهم للمغرب، ولكن علي في آخر لحظة يقرر العودة لغرناطة ليموت فيها هو أيضا وقد صار شيخا.
تقدم الرواية الكثير من الأسئلة حول الرب والدين والكثير من الحقائق التاريخية حول القهر والظلم للإنسان وتعري الكذب التاريخي للإنسان في كل زمان ومكان. ولذا ستخرج منها بأسئلة أكثر من الإجابات وهذه هي قيمة العمل الأدب الرصين.

السبت، 1 سبتمبر 2018

تشظيات في قاعة السينما




فاطمة الشيدي
2018/9/5
رؤى ثقافية

 يقول: آرنيستو ساباتو
"أعتقد أنني أنتمي إلى سلالةٍ تتلاشى
أؤمن بالمقاهي
أؤمن بالفن
أؤمن بكرامة الفرد، أؤمن بالحرية"
وأظنني مثله، أؤمن بقيم الجمال ويوجعني كل شيء؛ الحب والكذب والأرواح الباهتة، يوجعني السلام الذي تتوق له الروح ولكنه أبعد من قاماتنا وقياماتنا المؤقتة، ففي هذا الجزء من العالم الذي نعيش فيه شبه أموات إما أن تتملق أو تحيا متذمرا في حيواتك الخاصة. إما أن تكذب أو تهرب. إما أن تدخل منظومة البؤس أو تصبح غريبا! فلا مناطق وسطى ولاحقيقية صالحة للحياة لتمنحك حضورك الحي والحقيقي وتمنحك السلام الداخلي والتصالح الخارجي.
حتى العزلة لا نملك خياراتها كاملة، فالعزلة في هذه المجتمعات خيار باهظ الثمن فيها، والحصار أكبر من العزلة، فهو يمتد من أصابعك حتى مخيلتك، مما تأكل حتى ما تلبس، من أسرتك حتى عملك، والخيارات تضيييق كل يوم!
ومع هذا تظل المحاولات شرفنا الوحيد لهدفنا الكبير بمجتمعات عميقة تقبل التعددية، وتحترم الاختلاف، وتعلي شأن الفردانية، خارج حالة القطيع الجمعي. المحاولات التي تتمثل في القراءة والسفر ومشاهدة الأفلام وغيرها من الخيارات الوجودية المتاحة أحيانا، والتي قد تزيد أوجاعك غالبا خاصة عندما تستشعر تفاهة العالم وانحدار الإنسانية.
فلذا إذا كنت ممن يحب الكتب والسفر والقهوة السينما، عليك أن تخصص وقتا محددا لكل منها، لتحظى بكتاب/ فيلم كل أسبوع. ومع هذا سيحدث أن تصدم مثلي، فأفلام هذا الشهر للأسف كانت كالملح الذي أشعلت الجراح.
The Catcher Was a Spy ففيلم  كان يقول بفجاجة كيف يقتل الإنسان بالتجارب، بالمفاعلات النووية، وبالأسلحة، وبكل ما يمكن أن يسمى بالعلم دون أدنى اعتبار لروحه وكينونته،  كما يقتل بالسياسة بقرار أهوج لأحدهم بالحرب بأي لون وشكل.
هذه الفكرة التي تمثل رخص الإنسان،   وتعلي قيمة الكذب المتلوّن في كل الأشكال، والأحجام عبر التاريخ والعصور، لتستعاد عبر فيلم يمثل صفحة من تاريخ الحرب العالمية حيث دمار العالم وموت الإنسان، فتستحضر كل ذلك الموت المجاني وقبح  الإنسان وغطرسته للوصول للنصر بكل الطرق والممكنات المتاحة بما فيها قتل الإنسان.
يركز الفيلم على الصراع على صناعة القنبلة الذرية بين الألمان والأمريكان ومحاولة قتل العالم الألماني (اليهودي) الذي يمكن أن يسهم في صناعة تلك القنبلة وهو العالم          عبر جاسوس ذي قدرات عالية جدا. تخرج من الفيلم وأنت أشد يقينا بقذارة السياسة التي لا تستثني أحدا، فهي الشر الأكبر عبر التاريخ.
أما فيلم  2 Equalizer   فلن يقول لك فقط عن رخص الإنسان، وعن الشر المتأصل في الكون والبشر، بل سيأخذك لفكرة أشد رعبا، فلم يعد الأشرار هم أولئك الذين يقطر الدم من أنيابهم الطويلة والذين يسيرون بثياب غريبة وأظافر طويلة متخفين عن الناس. بل أصبحوا  يسيرون بيننا بملابس أنيقة وغالية وربطات عنق وأحذية لامعة وروائح عطور باذخة. وقد يكونون في مواقع تقدم خدمات للبشر وهدفها حمايتهم والدفاع عنهم، وربما كانوا أقرب لنا مما نتوقع أصدقاء أو زملاء ولأسباب يتحولون لأشرار بمبررات بليغة فلا أحد يعدم التبريرات.  ولكن ستخرج بفكرة موازية وهي أنه بالرغم أنه لايمكن أن يختفي الشر من العالم فالأشرار في كل مكان وبكل لون وبمبررات جيدة أحيانا فالخير موجود  والأخيار أيضا وعلينا أن نؤمن بذلك بل علينا أن نحاول موازنة كفة العالم بكل إمكانياتنا كي لا ينتصر الشر .ممثلي المفضل denzel washington كان يقول هذا وأكثر قليلا بلغة القوة التي يفهمها العالم فقط. وأحيانا يستعذبها المشاهد أيضا في فيلمه الجديد ضمن سلسلة الموازن كما يبدو .
أما فيلم   CRAZY RICH ASIANS فهو يرسخ القرف أيضا عبر العقدة القديمة الفتى الثري والمحبوبة الفقيرة حيث لا يكفي الحب ولا الجمال ولا المكانة العلمية المرموقة لتقنع الأم المتسلطة _والتي تكون أحيانا أكثر ذكورية وأكثر امتثالا لشروط المجتمع الذكوري من الذكور _  كزوجة لأبنها الوسيم والمدلل. ولكن الحب ينتصر في الأفلام والروايات بينما لا يحدث ذلك في الواقع. هذا ناهيك عن تجسيد الثراء الباذخ الذي يوازيه بالضرورة فقر مدقع في مكان ما.
أما فيلم REPRISAL   فقد كان الأكثر قرفا حيث البطولة الزائفة لرجل يعمل في بنك يعيش مع أسرته بسلام ولكن هجوما مسلحا على المصرف الذي يعمل فيه يكاد يودي بعمله فيقرر تعقب اللص الذي ينتقم من العالم (العين بالعين والسن بالسن) اللص شديد الذكاء الناقم على المجتمع والوطن الذي لم نعرف سبب نقمته وغضبه، والذي يقتل في نهاية الفيلم وينتصر الخير بسذاجة.
إن ما نعيشه اليوم من تهافت الجميع على الانتاج يقلل الجودة ويضعف الخيارات الجمالية ويوسع دائرة الرداءة في جميع مجالات الإبداع من الكتب حتى الأفلام. كما يجعلنا نسعى خلف القليل الجيد من كل شيء.



الأحد، 26 أغسطس 2018

في معنى أن نكتب الكارثة

فاطمة الشيدي
26\ 8\2018
جريدة الموجز العربي



نكتب للزمن، للذين سيعبرون نصوصنا  بدهشة الغرباء،  لأولئك الذين سيأتون بعدنا وربما عرفوا معنى أن تكتب الكارثة وأنت تحياها، وقد يتفهمون معنى أن تكتب عن الموت من داخله وعن الحياة من خارجها وعن الإنسان وأنت تحاول أن تستأنس حيونته.
أولئك الجدد المختلفون ربما تفهموا ملح الجراح البعيدة وكآبة الماضي الذي هو نحن. ربما استوعبوا أن يكتب جيل القلم والرصاص على شاشات زلقة أحلامهم النزقة ورغائبهم الميتة وأفكارهم الشوهاء. فتتبخر في أروقة الضوء كقصاصات من عدم.
ربما وقفوا قليلا عند حروفنا المريضة بالكآبات المقيمة والسلام الطارئ فاستعانوا على فهمنا بكتب التاريخ والمخطوطات العتيقة.
واستعاذوا بالحب من كراهيتنا، وبالخير من شرور الوقت الذي وجدنا فيه.
نكتب للزمن لأقلام ستنظر لنا من بعيد، وستتحسس وهجنا المنطفئ واشتعالاتنا الميتة بالقليل من الإكبار الذي يليق بالموتى. 
نكتب للزمن. لزمن لن نعرف كيف سيكون، وكم ستتغير فيه الأبجديات والأصوات. فلربما نظروا إلينا كديناصورات منقرضة يحملون لها وفاء النهايات المتربصة والحنين القديم والخوف من الابتلاء.
نكتب لزمن آخر أخضر من أزمنتنا القاحلة زمن تمطر فيه السماء شعرا أخضر. زمن تكون فيه عيون القراء زرقاء وشاشات الهواتف زرقاء وأصابع الأطفال زرقاء. وحدها كتب الشعر خضراء إذ ينبت العشب على حوافها كقلوب الأمهات تماما. ولذا فسيكون ثمة قراء للشعر، ودور نشر وثمة أصدقاء لأحزان الشعراء.
نكتب لزمن آخر يكون فيه الإنسان تجاوز ترهات الخرافات وأحلام الموتى واعتنى بواقعه  وبأحلامه هو.
نكتب لزمن يكون الجمال فيه معيارا واضحا لا يختلف عليه ولا يحتاج أصابع معقوفة تدلل القبح ليحاذي الجمال، ولا تنبح أصوات فيظن البعض أنها تغني، ولا يقبض الصغار على مفاصل الأبواب كي يمررون زيفا رخيصا فيصفق لهم من هم أصغر منهم فيصبح التصفيق موضة والتقدير عليلا. 
نكتب لزمن الموت حيث جلال الغياب ولغة الصمت القاطعة.

الأحد، 5 أغسطس 2018

في بلاد تشارلز ديكينز

فاطمة الشيدي
 يوليو ٢٠١٨
رؤى ثقافية

(١) ليدز 5- 7
في ليدز أولى محطاتنا في انجلترا نوزع خطواتنا في الدروب علها تزهر وردا أو شيئا من الذكريات. البلاد الباردة التي لا ينتبه لك أهلها كثيرا وأنت تذرع شوارعها المرصوفة بأيد متشققة من فقراء العالم الثالث، الشوارع الواسعة والمطلة على مبان شاهقة وجمال أخّاذ والتي تأخذك عبرها لساحات واسعة  تنفث روحك فيها اختناقات عالمك الضيق الذي يخشى الاتساع والتجمعات والساحات.  ثم تمضي فيها نحو جامعة ليدز العريقة بمبانيها الضخمة والكثيرة، وتصل لحديقة "هايد بارك ليدز" لتجد البشر يعيشون على حقيقتهم يأكلون ويشربون ويلعبون وينامون ويحبون  ببساطة نفتقدها نحن أبناء المجتمعات المعقدة بفعل العيب والحرام والرياء الجارح، ثم تذهب معها نحو مول المدينة الكبير لتجد العالم كله هناك.  
البلاد المتنوعة في سحنات قاطنيها بقدر ما استعمرت وأذلت من البشر. البلاد التي يعيش إنسانها الجديد بلا ذاكرة بل يركض خلف قوت يومه عاريا إلا من الخوف من حبال الرأسمالية، في حين تبتسم لك عجوز تتحرك ببطء قاتل وهي تحمل أكياسها لليلة قد تموت فيها بلا يد تمسّد جسدها المتغضن قبل أن تصعد روحها للسماء.
كما يتبادل عشيقان قبلة نيئة على زاوية رصيف مكتظ ولا يلتفت لهما سوى رجل على كرسي متحرك وهو يتحسس رجولته الآفلة. بينما يتناثر المتشردون والمتسولون على نواصي الشوارع ونواصي الطرقات  يطلبون مساعدات بلا إلحاح أو أذى، أولئك الذين أكلت المدنيّة عقولهم وقلوبهم وأسلمتهم للوحدة والشراب ومغيبات العقل.  الحالة التي لم يخطر ببالك أن تجدها في بلاد الحريات والإنسانية، ولكنك تدرك أنها تجل من تجليات الإنسان في العلانية أو في الخفاء. 
الحرية هي ما تحسدهم عليه إضافة للجو الجميل الذي هربت إليه من الجحيم المستعر، الحرية التي تخلق التعددية والاختلاف في كل شيء تقريبا من اللباس حتى السحنات واللغات والأشكال والأحجام. الحرية التي تجعلك تتحرر من ربقة الآخر  (حكومة/مجتمع/دين) ولكن ضمن سلطة القانون وصرامته. الحرية التي تهبك إنسانيتك كاملة، وخياراتك الوجودية غير منقوصة. فقط أنت من تقرر كل ما يتعلق بك بوعيك وجسدك وروحك.
لا ترف في  الحياة في الغرب بل قد تكون قاسية أكثر مما نحتمل نحن أبناء الحكومات الراعية. ولا مثالية كما ندعي نحن سدنة الرب بل كثيرا ما تطحن الرأسمالية الإنسان تحت عجلاتها وتفرغه من مضمونه الروحي والإنساني، ولكنها الخيارات الإنسانية وفروض الحرية واعتيادات المكان المتشكّل وفق الديمقراطية والبرغماتية معا.
المرأة بحريتها الجسدية والروحية تستحق الغيرة، وحضور كبار السن الواهن في صلب الحياة يثير التقدير والاحترام. والنظام والوعي وتجليات الجمال العمراني والإنساني تجعلك تتأمل ..وتتأمل .. وتصمت.

(2) 9_7
نسافر لمدينة البحر (اسكاربره) بالقطار، وللقطارات في دمي حنين لا ينضب  -لا أعرف مصدره أنا ابنة الصحراء التي تمدنت بصمت وبلا أزيز محركات القطارات- ولذا فكل رحلة عبر القطارات هي استدعاء ضمنى لمزيج من المشاعر المختلطة داخلي بين الفرح والحزن والخوف والألم. 
نمضي في الرحلة حيث يذرع القطار السهوب والسهول والمخيلة، ويذرع اللوحات الخضراء بحقولها وأبقارها وشياهها وطواحين دون كيشوت، وتذرع معه الوجوه المتغضنة والنضرة غبار المسافة نحو وطن أو غياب، نحو بيت أو عمل. 
العجائز بشعورهن المصففة بعناية يحتضن المسافة، ويلقين تحت عجلات القطار ركام السنوات، والعشاق يغتنمون شهوة الوقت وحنين السفر لقبل تنبت تلقائيا كالعشب أو تنهمر كالمطر. والأطفال بإزعاجاتهم اللذيذة وضجيجهم العذب الذي يتطاير كالفراش في المكان المتحرك والزمن السائل. والكلاب أصدقاء الرحلة المجهولة، بينما الغرباء يدارون غربتهم في حقائبهم الكبيرة وهواتفهم الغالية. 
هكذا كانت الرحلة إلى سكاربرا، الذهاب إلى البحر إلى (مطرح)  بريطانيا كما وجدتها، ذات الجبال الشاهقة والحاضنة للمكان، النوارس التي تحوم حولنا تحرس أفراحنا وترقي المكان من عبورنا الطارئ والمؤقت. البحر العظيم الذي يرعى المكان بعنفوان الكبير ويحنو على ضيوفه بحناناته الوافرة، يوزع الازرقاق والبهاء والبرد في صيف المكان كما يفعل في شتاءاتنا القارصة. 
تسلمنا الرحلة للأرصفة التي تتقاسم ضفتيها اليابسة حيث المحلات التجارية والسياحية، والبحر حيث الشواطئ التي تعج بصخب الأطفال ولهفة الكبار المتجددة وكأنهم يستعيدون الزمن من مغالقه البعيدة، والتجمعات الأسرية التي تبعد قليلا فكرة تشظى العلاقات الأسرية في الغرب المادي وإن كانت تجليات الفردية أكثر وضوحا، والكلاب التي تشارك الإنسان حيثياته الحياتية بكل مفرداتها الصغيرة والكبيرة وتضاحك الحمامات والنوارس وكأنها نسيت غريزة الافتراس مع الزمن. 
الأكشاك (المحلات الصغيرة) المبعثرة على الشاطئ تقدم وجباتها السريعة والمشروبات الباردة والمثلجات لينعم الإنسان بلذائذ المكان وجمالياته الأخّاذه.
كل شيء في اسكاربره برعاية البحر والسماء لذا فهو أزرق ويهب الأرواح أجنحة فيصبح لزاما عليها أن تحلّق.

3. يورك 12-7
يأخذنا القطار هذه المرة للمدينة العتيقة يورك التي بناها غجر أوروبا ثم الرومان فأصبحت بمبانيها القديمة وشوارعها الضيقة قبلة للسياح الباحثين عن متعة القديم وتاريخية المكان.
سور المدينة وقلعتها شاهدا مكان على روح الإنسان وتجليات عبوره، بينما النهر يحرس المدينة ويغنّي لها أغنيات الماء والعشق، ويهدي العابرين قصائد الفرح الرطب.
الكنائس بأجراسها تصلي لرب الإنسان وتغمر روحه بالسكينة، بينما تفتح الحدائق الصغيرة بأشجارها السامقة وعشبها الطري قلبها للأطفال والقرّاء وعشاق الطبيعة وتأخذهم في أحضانها تماما كما تفعل الشوارع والمقاهي والمطاعم والحوانيت القديمة والمحلات الحديثة التي تلوح بمناديلها المعطرة وشالاتها المزركشة للعابرين لتغريهم بالدلوف لجمالها المجيد. فتمشي وتمشي وتخزن روائح المكان وسحنته في روحك .

(4)
في الريف الإنجليزي  16-7
Ilkley  المدينة/الريف التي تذهب بك الخطوات فيها لعناق اللون الأخضر، فما أن تترك العمران قليلا بعد جلسة على مقهى المحطة مع قهوتك الحنون، حتى تسلمك لأرصفة المكان العتيق حيث البشر يعبرون المكان في روتينهم اليومي ذهابا وإيابا وتسوقا وأكلا وشربا، والأمهات يجرجرن عربات الصغار بشغف، بينما يقتعد كبار السن الزوايا ويجلسون (إذ يتعبون)  على الكراسي المهيأة لذلك.
ثم يفتح لك الريف أحضانه، يصبح كل شيء في وداعة الاخضرار، الزهور التي تقدم شهادة إبداع الصانع المصمم القدير، بينما تقيم الأشجار حوارات دافئة وعميقة مع الغيوم، وتتراقص النوارس بين يدي ماء النهر الذي يحتضنها بأبوية كونية.
المكان (المنتزه)  الذي يأخذ بألباب البشر ويجدون عبر المماشي المهيأة فرصة للمشي والتريض والترويح عن النفس مع العائلة أو الأصدقاء.
تنفتح روحك على مصراعيها في الريف فيتسرب الفرح والجمال إلى أبعد نقطة منها، وتشعر بالسلام والمحبة للكون فتطلق من صدرك زفيرا يطرد كل عوادم الكون من روحك تتبعه بشهيق يسحب نفسا نقيا ممتلئا بالجمال تخزنه للمسافات والزمن والقحط.
وتظل تخزن كل شيء في روحك التي تتسع كأنها الكون، فتتشكل داخلك حدائق خضراء مثمرة عنبا وتفاحا، وتسيل داخلك أنهار عذبة بنوارس ويمامات وبجعات واوزّات بيضاء، وتنتشر فوق رأسك غيوم البهاء فتشرق روحك بالضحك حتى يبللك المطر، لتجد نفسك تركض مع قلبك الأزرق وبمضغة  روحك نحو المحطة مجددا وقد امتلأت تماما باللون الأخضر من شعرك حتى أظافر قدميك.
فتعود مساء لتجد أن روحك أصبحت خضراء،  وذاكرتك خضراء وكل مافيها أخضر ابتسامات النساء، لمعات عيون الأطفال، وتشعر أن ثمة ضحكات خضراء تتبعك وتمشي معك تحت المطر الذي لوّحت به المدينة، وتخرج من عين سائق القطار، ترى الأرصفة خضراء، والمناظر من نوافذ القطار خضراء، وقلبك أخضر أخضر أخضر.

(5) نوتنغهام 19/21_7
نوتنغهام مدينة الناس، مدينة الحياة، لاتشعر أنك ضيف عليها، فهي  تدعوك مباشرة للمشي على أرصفتها الحقيقية وشاطئها المصنوع للعناية بالإنسان التي يساوي صوتا انتخابيا وضريبة تسهم في الدخل، وبالتالي فهو قيمة يجب الاعتناء به.  ومهما كانت هذه النظرة النفعية ولكنها تعود بالنفع عليه.
شوارع المدينة التي تعج بالسيارات والبشر والترامات تدفعك للسرعة أكثر من التأمل، الجامعة التي تقع في قلب المدينة تسهم في خلق تنوع إنساني في السحنات والأشكال.
البهجة التي أشاعتها الساحة التي حولت لمنتزه يعج بالحركة والناس لوجود بعض الألعاب والنافورات تسربت للنفوس فأصبح السرور باديا على الوجوه.
مول المدينة أيضا يعج بالبشر والحديقة الكبيرة والكثير من الفنادق المتناثره على جسد المدينة العجوز ولكنها ماتزال في عنفوان حيويتها وقوتها لتحوّل تاريخها لحالة جذب أكثر.
السيّاح الذين يعبرون المدينة  بخفة يستمتعون بحيوية الحالة ولهفة الحياة. الحياة التي تتجدد هناك بينما تبقى آسنة في أماكن أخرى.

(6) لندن 23\26_7
لا تغريني العواصم كثيرا لتعاليها على روح الإنسان ولكثرة البشر فيها وتحولهم لآلات أو مد زاحف. وهذا كان حالي مع لندن الذي زاد نهارها الحار الطين بلة. رغم أنها فعليا مبهرة بفخامتها وعنفوان وضخامة جمالها التاريخي والحديث. 
كان سكننا في قلب المدينة على التيمز قريبا من جسر ويست منستر ومن ساعة بج بن وعين لندن وهي أشهر معالم لندن العريقة التي انهمر السياح كالمطر عليها مثيرا ولكنه أجمل الرحلة واختصرها كثيرا. فقررت أن أهرب بروحي للنهر الذي احتضنني بمائه الذي لم يغير جماله حجم الحشود المتكدسة على ضفتي قلبه. بينما عانقت الأماكن السياحية بسرعة من باب دفع العتب لنفسي التواقة للجديد.
ثم أخذتنا الجسور للسماء، والشوارع للناس الذين غابوا في وجوه السواح وهم يغيرون على كل شيء، وتلتهم أضواء كاميراتهم المكان بخوف من الزمن ورغبة في تحنيط اللحظة.
شارع اوكسفورد، وشارع ادجوير أو شاعر العرب كما يسميه العرب، وهو الشارع الذي يقدم أبشع صورة للعرب فعليا وهي الصخب والفوضى وحب الطعام والتهافت على الجنس عبر المطاعم ومقاهي الشيشة المنتشرة والمواخير التي تنادي الراغبين بينما يعبره أب عربي يمسك يد أطفاله، وأم تجر عربة طفلها الرضيع دون أن تسهم في تغيير الصورة الكلية للشارع.
عبرنا متجر هارودز بخفة وسرعة خوفا من أن تصيبنا عدوى الترف والبذخ الذي يصبغ الوجوه التي تتهافت عليه بين فرجة وشراء.
ثم توسدت خطواتنا الساحات وهدأت في اتساعها المحبب مثل  بيكاديللي،   وليستر سكوير، وتايمز سكوير ، وترفالاغر سكوير أو الطرف الأغر كما يسميه العرب أيضا، كما عبرنا نحو صديقنا ومضيفنا تشارلزديكنز وفي بيته الذي تحول لمتحف يحكي قصة عبوره لهذه الدنيا كنا نتعلم فن العبور الجارح وقيمة الكاتب في ضمير الأمم التي تقدر الثقافة وتعي قيمة الإنسان.
ثم انطلقنا للمحطة حيث ودعنا لندن ونححن لم نتعلق بها، ولم نشبع منها بسبب الصيف الحار وكثرة السيّاح الذين يهربون للمدينة العتيقة طلبا للجمال الفخم، والجمالية التي تتحد فيها العراقة والحداثة.

(7) بلاكبول 30_7
مدينة البحر والسياحة، وهي ثاني مدينة سياحية في انجلترا ولذا تجدها توفر للسائح كل الممكنات التي يذهب بحثا عنها في العالم رغبة في امتاع الجسد فقط، محلات الألعاب والمقاهي والحانات  فتشعر بروحك التي جاءت للبحر غريبة في كل ذلك الصخب والخارج البعيد.
ومع هذا يضحك لك البحر ويحضن حضورك باتجاهاته الزرقاء، وعذوبته المالحة، وتسر لك المدينة بأسرارها الكثيرة عن الغرباء الذين يعبرون قلبها وصمتها ويتروكون آثار عبورهم على أرصفتها ومقاهيها وحاناتها وزقاقها الحجرية، وربما سقطت منهم دمعة ذكرى أو فرحة خفية في مكان ما منها وشكلت غيمة تحرس جمالها القديم.
ودعنا بلاك بول بشواطئها المتجددة بحداثة فنية تليق بمكانتها السياحية وسواحها الكثر ليأخذنا القطار نحو لديز مدينة الهدوء والحدائق والمطر التي سكنت فيها أجسادنا وأرواحنا لنودعها هي الأخرى ونلملم أيامنا المتبقية قبل أن نسلم الخطا للإياب في رحلة طويلة عبر القطار للمطار وعبر المطار للديار. 

الثلاثاء، 31 يوليو 2018

مرايا الوعي

فاطمة الشيدي
31/7/2018

تمثل الصورة حالاتنا المتعددة في الحياة حزنا وفرحا وغضبا ودهشة إنها نحن بشكل ما في زمن ما وفي موقف ما، وعبرها نعلن عن حضورنا الحي وموقفنا الإنساني، ولذا نحن عبرها نحنّط لحظاتنا ونشاركها مع من نحب في ذات الآن، ولكن في عالمنا المريض بالخوف والجسد تمثل الصورة رعبا، خاصة بالنسبة للمرأة. المرأة العورة غالبا. ولذا فليس عجيبا أن نسمع عن حالات ابتزاز لمراهقة بصورها التي ليست خليعة أبدا ولكن لأن المجتمع أجمع على أنها في كل حالاتها مصدرا للقلق والإزعاج لها أولا ومن ثم للآخر .
الأمر الذي يقتضي المواجهة وتحريك أفق الصورة الراكدة لتصبح أكثر نضجا، فليست صورة المرأة سوى حالة من حالاتها، كالرجل تماما، وليست مصدر قوة لوحش بشري أو كائن متخلف يعيش في عصور غابرة وليست المرأة عورة لنحجبها أو نقضي على حضورها الطبيعي في الحياة.
كما لا ينبغي احترام رجل يحجب عائلته (زوجته وبناته تحديدا) في الحياة، وفي مواقع التواصل الاجتماعي ويمنعهن من المشاركة أو من وضع صورهن، خارج إرادتهن ورغبتهن في الحضور. 
وحين يتقدم هذا الرجل بوصفه مثقفا حرا يحاور هذه ويتداخل مع تلك، ويعلّق على صور صديقاته يصبح الأمر  فصاما مرضيّا تماما. أو مدعاة للسخرية. لأن على المثقف أن يكون حرا ومنسجما في داخله قبل وبعد كل شيء.
كيف يطالب مثقف بحرية الكلمة والفكرة وروحه موصودة بأغلال التحجّر، والتخلف والرجعية. كيف يطلب من امرأة أن تثق به وتحترمه وتتحاور معه،  وهو يرى فيها ما يخدش الطهرانية التي يسبغها على زوجته وهي مصونة مكنونة في سجنه الخاص.
الوعي يبدأ من دواخلنا وكذالك الحرية. والشرف هو الصدق في الحياة والتطابق بين القول والفعل وبين الداخل والخارج.لذا فهذا المثقف كاذب مع نفسه ومع الآخرين. بل ومغلول الوعي.
لذا فعليه أن يعيد حساباته مع نفسه ومع إبداعه. فكيف يمكن للقارئ أن يحترم أطروحاته ورسالته الجمالية وهو مأسور في زاوية الخوف من المجتمع وعاداته البالية وتقاليده التى لاترى في المرأة أكثر من عورة صوتا وصورة.
أي اتساق يشعر به بين وعيه ولا وعيه. 
إن الثقافة مالم تحدث أثرا في صاحبها وتذهب به نحو الحرية فهي ثقافة خارجية والوعي مالم يواجه الداخل بمشارط النقد والمساءلة فهو وعي سطحي ناقص.
والمناطق الوسطى مناطق وهمية، وأنصاف المواقف توصل لأنصاف البشر وأنصاف المثقفين. فجهنم محجوزة لأولئك الذين يقفون على الحياد. كما قال أحدهم يوما.
وبالطبع لا أعلي من شأن المرأة التي تتقدم بصورة فنانة عالمية، أو حتى بعين ووردة وفراشة، وإن كنت أتفهم موقفها خاصة إن كانت ماتزال تحت سطوة عائلة ذكورية. وسيكون لهذه الصور تبعات.
 صورنا نحن، ووجوهنا هي نوافذنا التي نتقدم عبرها رجالا ونساء، والثقافة تبدأ بالوعي، والوعي يبدأ بالتغيير  محاسبة ومساءلة.

الأربعاء، 25 يوليو 2018

مواقع للتواصل فقط

فاطمة الشيدي
٢٥/٧/٢٠١٨
رؤى ثقافية


منذ فترة أدركت أن النصوص الجيدة لا مكان لها في مواقع التواصل الاجتماعي،  فهي (أي مواقع التواصل) وسائل تعارف وإعلان وتزجية وقت لا أكثر، أو وسائل تدوين لفكرة عابرة في أحسن الأحوال، فالكل يكتب ويدّون، والكل مشغول بذاته أو بأصدقائه ولا مجال للتدقيق في نص حقيقي .
لست هنا لنقد الفكرة فقط، بل أيضا التفنيد المنطقي لهاد فغالبا الجميع يدخل هذه المواقع عبر الهاتف فلا الوقت ولا الجهاز يساعدان على قراءة مادة دسمة؛ ولذا فنحن نخاطب قارئا يمر على سيل من النصوص والأخبار على عجل، وقد يصادفه نص جيد فيقرأه وربما أرجأ القراءة حتى العودة للنص، ثم وجده غير حاضر وقد أخذه المد بعيدا . كما أن مستخدمي وسائل التواصل (الأصدقاء) ليسوا جميعا من الكتاب  بل من جميع شرائح المجتمع الثقافي والفني في أحسن الأحوال. وهنا فنحن  نخاطب قارئا متعدد الاهتمامات.
ولكن ليس الأمر شرا كله فالإعلان والتعريف بالمنتج الثقافي والمبدع البعيد في كل المجالات والفنون وبث خبر ساخن أو فكرة عاجلة  أو نشر رابط لمقال أو نص مما يحمد لوسائل التواصل للتعريف بالكثير مما نجهل ولنشر الوعي. أما الجانب السيء فهو كثير ولا يمكننا التحكم فيه إلا قليلا عبر تحديد نوعية المتلقي في الصفحة.
إن تداخل مستوى الكتابة في مواقع التواصل بين العابر والهش وذلك الذي يروم العمق والقيمة. يطرح النصوص في مكان واحد ويقدمها ضمن مستوى واحد وهذا خطأ كبير، ورغم ضرورة عدم تعالي الكاتب على القارئ أو المتلقي إلا أن الكاتب النوعي لا يجد متلقيا عميقا في هذه المواقع، فالمتلقي يعبر ويعبّر بمحبة عن محبة عابرة وصداقة خارج الزمان والمكان.
إن عزوف المتلقي عن النص الذي يروم القيمة الجمالية في تمثلاتها الواعية وحضورها النوعي، أو عبوره الزائف له.
لا يرجع للمتلقي فقط بل لطبيعة المكان وسرعة القراءة، فالمتلقي صنو العملية الإبداعية لا يجد مكانه أيضا في تلك المواقع المزدحمة بالنصوص كل لحظة والتي تجلده لغويا بلا هوادة. إن المتلقي الحقيقي هو ذلك الذي يقف على بعد مواز أو مماثل للنص، ويدرك المسافة التي عليه أن يقطعها للإحاطة بالمعنى.  أما القارئ في مواقع التواصل فهو القارئ العابر أو الملوّح للنص من بعيد، ولذا فهو خارج عملية التلقي ولا يمكنه مناظرة النص والوقوف في مستوى الكاتب ليشكل قيمة مضافة للنص.
ومهما اجتهدت في اختيار أصدقاء صفحتك في محولة لتكوين مجتمع ثقافي تماما، باختيار أصدقاء من ذوي الوعي والفن والثقافة فقط. إلا أنك تدهش كيف ييتم التفاعل مع صورة أكثر بكثير من أي نص مهما كان عميقا وثريا.
نعم الجميع قد يقرأ بعض النصوص الجميلة حين يكون الوقت مناسبا للقراءةد وأحيانا يقرر  العودة للنص وقد يفعل أو لا يفعل لا نشغالات ما أو نسيانه.
كما أن الجميع يتوق أحيانا لنشر نص ما أيضا رغبة في المشاركة التفاعلية التي تتميز بها هذه المواقع إلا أنه يدرك مع الوقت ندرة القرّاء. وقد يضع صورة تحت النص ليصل لأكبر عدد من الجمهور واللايكات.

الجمعة، 20 يوليو 2018

المجد للفعل

فاطمة الشيدي
20- 7 -2018

علينا أن نتتبع الجمال والفرح والعمل المثمر، أن نبارك لمن يصدر كتابا جديدا، لمن يحتفون بأطفالهم، وصورهم التي تشرق بها الروح، لمن يتخرج أو يحصل على شهادة جديدة هو أو من يحب، لمن يتزوج،  أو يحتفل بأعياده وأعياد من يحب.  لمن يسافر ليعانق الحياة خارج أقفاصنا المحكمة، لمن يشاكس الوجود بفعل جارح بين فينة وأخرى، كأن يخسر وزنا، أو يدخل مغامرة أو حتى يشتري حذاء رياضيا ليبدأ المشي، لمن يحمل السلم عرضا ويضع شوكة في عين التخلف والجهل بالفعل لا بالكلام. 
أن نحتفي مع من يحتفون بأغنية، بفيلم، بكتاب، برصيف، بفكرة، أو بصرخة رفض تستبدل ثياب الثرثرة بالعمل لتقول (لا) بطريقة جديدة٠
نعم، لقد تعبنا من ثيلان الكلام، وصخب النباح، وعويل الفوضى. 
تعبنا من الادعاء علنا برفض ما نمارسه سرا، بأن نكتب عن الحريات مؤيدين علنا، ونمارس القهر والظلم سرا وعلى من نحب. وممن لا يجيدون التغيير وينتقدون الآخر، ممن لا يعتنقون مبدأ "كن أنت التغيير الذي تريده من العالم"
تعبنا ممن يتقدمون مدافعين عن الحقوق وهم أول من ينتهكونها، تعبنا من شعراء داخل النص، وكتاب خارج الحياة يحيون في أبراج عاجية أو بيوت زجاجية أو خرائب خفية تعج بالأوهام والمشتتات. أصبحنا نريد حقائق تدحض النفاق الجمعي، وصدقا يخدش جدر الكذب المحكمة، نريد دينا هو الإنسان والحب والصدق. 
نريد مجتمعات نقية من النمائم والأكاذيب والأحقاد، تقول للمخطئ أخطأت وللمصلح بوركت، مجتمعات لاتأخذها الشكوك والريبة في كل شيء وفي كل أحد حتى لم نعد نثق حتى في خيالاتنا.  
نريد أفعالا ننشرها ونعلّمها ونحتذي حذوها. 
لنقدم دروسا عملية للآخر، لنحتفِ بإنجازاتنا، بأحلامنا وبأوهامنا إن استدعى الأمر، لنحلم بالمستحيلات ولنصدق أنفسنا علنا نحققها ذات يوم، لنؤمن بالإنسان خارج اللون والجنس والعرق. 
ولنذهب في عمق وجعنا وننبش جراحنا، لنواجه أنفسنا بعجزنا وكذبنا وأوهامنا، ثم لنواجه الآخر، لنصفق وجه الكاذب بكذبه، ولنهجر المنافقين،  ولنقل للمتدين أنت حر ولكن لاتجبرني على تتبع خطواتك والإيمان بلحيتك وبثوبك القصير، دعني أؤمن بروحك القريبة من الله والمتجلّية فعلا وصدقا وعدلا، دعني أرى تعاليم الدين في سلوكك وليس في مظهرك. 
وللعلماني دعني أرى حريتك في فعلك وليس في أقوالك، في مواقفك وفيما تدفعه نظيرا لها.
لنتعلم كثيرا، كل ما نستطيع من لغات، ومهارات، ورياضات.  ولنحدد لأنفسنا أهدافا وجداول انجازات. لنعلّم أطفالنا الحب والصدق والنظام ومحبة البشر والحيوانات والأوطان، واحترام الآخرين ومساعدتهم، واحترام المكان. 
لنحتفِ بوجودنا على هذه الأرض، ولنشجع المبدعين، والمخترعين، ونكبر ونعلي كل مخترع ومكتشف ونعينه ونساعده،  ولنفعّل قيم الحب والخير والصدق والحرية، ونشيعها، ونحث عليها لنصبح مجتمعات خيرة، وحقيقية، لنبدأ من أنفسنا ومن دوائرنا الصغيرة لتكبر الدوائر وتتغير مجتمعاتنا المريضة لتدخل رويدا رويدا في دوائر الحضارات الإنسانية بأخلاقها ومنجازاتها الفعلية.