"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

السبت، 29 أغسطس، 2015

الأشرار يعيشون بيننا


فاطمة الشيدي
القدس العربي
AUGUST 29, 2015

في مكتب نظامي لتخليص معاملات معينة، تحضر باحترامك لفكرة النظام، تأخذ موعدا من آلة مخصصة لجعل الزمن هو الفيصل في الأقدمية، والنظام هو الحكم فيها، وتبدأ رحلة الانتظار الطويلة. ولكنك ستتفاجأ بأن هناك ابتسامة ستمرر مكانها قبل موعدك، وزيا رسميا بشارات عديدة سيتقدم دورك، واسطات ومحسوبيات، ومعارف وجهلا يزحف أمام انتظارك ووقتك، يزحف على أعصابك التي ليس عليها إلا أن تفلت أخيرا، فقط لتدلل على إنسانيتك، ولتحاول ببساطة قول «لا» لهذا الفساد الذي ينخر الإنسان العربي في قيمه وأخلاقه.
وحين تدخل مع الموظف في حوار غاضب قليلا عن كل هذه الفوضى، وهذا الترهل في مؤسسته، سيقول لك: «تعرف أن بلداننا لا يمكن أن يطبق فيها النظام بشكل كلي ومطلق». لماذا؟ ستصرخ في وجهه ببلاهة واستغراب، وقد استوردنا كل أسباب النظام، وعلاماته البسيطة. سيقول: لأن إنساننا لا يمكن أن يلتزم، فهناك قوى كثيرة فوق سلطة القانون كقوة المال والسلطة، فالقانون لا يسري على الجميع بنفس المنطق، وسيثرثر كثيرا حول انعدام ثقة الإنسان بالقانون والنظام. ستنظر في عينيه بقوة، وأنت تدرك أن ما يقوله صحيح، وأنه مجرد حلقة صغيرة من حلقات الفساد، وتقول له: وماذا عنك؟ ألست من هذا الإنسان؟ أليس هذا دورك في فرض النظام في هذه الدائرة الصغيرة والخاصة، لتكبر وتصبح مظهرا اجتماعيا وثقافيا عاما؟ سيصمت، وتصمت، ولا حل.
في مكان عام قرب البحر اعتدت أن تذهب إليه لتخلّي قليلا بينك وبين حمولاتك الداخلية الثقيلة جدا، تجده مخرّبا بوحشية، المراجيح، الكراسي، الطاولات، وكل أثر للجمال، وكأن يد عدو أو وحوش ضارية جاست في المكان خرابا. ستتساءل داخلك بوجع، لماذا يحدث كل هذا؟
الكثير من الأمكنة تزورها في بدايات تكونها؛ فتنشرح روحك لجمالها، وليس إلا قليلا، فلا تكاد تتعرف عليها، فالمرافق والأدوات والخدمات العامة مستباحة وعرضة للتخريب والتهشيم، ما لم تُحط بحراسة شديدة، أو مراقبة أمنية مشددة. فالحمامات تصبح مدمّرة، والهواتف العمومية منتزعة، ولا أحد ينهى عن هذا المنكر، ما عدا من يقع تحت وظيفة المراقبة المسؤولة كالشرطة، ومن في حكمهم، وكأننا بحاجة لشرطي أو رقيب خارجي يحكم ويحاكم كل تصرفاتنا البسيطة من قول أو فعل، أو وضع كل شيء ضمن فكرة الرقيب الخارجي كي يتم الحفاظ عليه. أما دون ذلك فالرقيب الداخلي معطّل تماما، فلا أحد يقول لأبنائه مثلا لا تعبثوا بالممتلكات العامة، فهي حق لكم، ولغيركم، فتعاملوا معها بمسؤولية ووعي، ولا أحد يحاكم الأشرار الذين يعيشون بيننا.
الأشرار الذين أقصدهم هنا ليسوا شخصيات مخيفة، ولا قادمة من كوكب آخر، إنهم منا وفينا، يجلسون إلينا، يحبوننا ويسامروننا، وقد يعيشون تحت جلودنا. الأشرار هنا مثقفون وطيبون، آباء وأمهات يفكرون في مصالح أطفالهم وينفقون على آبائهم العجزة. أصدقاء وزملاء، أساتذة جامعات، وأطباء، ومعلمون، لكنهم لا يتورعون عن فعل الشر أحيانا، أو لا ينهون عنه في أبسط الأحوال. لم يتربوا على الفضيلة الكامنة في الضمير الحي، خارج فكرة الرقيب، ولم يربوا أبناءهم عليها أيضا، فهي لا تدخل في القاموس النفعي الذي يعيش عليه المواطن العربي.
هؤلاء الأشرار يلبسون أقنعة رصينة جدا، وجميلة جدا، وبسيطة جدا، فقد يكون منهم زميلك الذي يبادرك بابتسامته الصباحية كل يوم، وتحيته الحارة، ولكن ما أن يوضع في موضع المسؤولية حتى يقصيك عقابا على شيء لم تفعله، خوفا منك، أو نكاية بك. وجارك الذي يعاملك بطيبة أو بنفاق ورياء في أحسن الأحوال، ولكنه في العميق منه يغار منك، من بيتك أو من عملك أو زوجتك أو أطفالك، يحقد عليك ويحسدك، ويتمنى زوال ما عندك. والعامل الذي تحضره لبيتك لإصلاح عطل ما، ولكنه لن يتورع عن إيذائك، واستغلالك، وسرقتك. شخص تعرفه وربما أسديت له معروفا ولكنه لو اقتضت الضرورة لن يكف يده ولسانه عنك، للنيل منك أو الكيد لك. وآخر لا تعرفه، ولكنه سيسعى في توريطك في مشكلة ما أو سلبك عملك بقصد أو بدون قصد، أو حتى تلويث سمعتك بسوء مع الآخرين.
هناك مثلا سائق الأجرة الذي ما أن يلمح غريبا عن المكان حتى يصبح صوته أحن وذمته أوسع، وسيحلف لك بكل الأديان أنه أحبك من أول نظرة، وسيحدّثك عن ابنه المريض، وزوجته الطيبة حتى تظن أنه إنسان حقيقي فعلا، وتتعاطف معه، وتأخذ وتعطي معه، وربما تتشكل داخلك مشاعر ودّ واحترام تجاهه، حتى يلدغك في سعر خرافي لتوصيلة عاجلة، وربما وضعك في مكان خطأ مستغلا جهلك، أو كذب عليك كذبة كبيرة عن المكان والإنسان، هذا إذا لم يفعل ما هو أكثر فحشا وظلما، كمحاولة بعضهم اصطياد النساء لسرقة متعة سريعة أو لذة عابرة بلا حق ولا أخلاق.
ويتفاوت حجم الشر بين الأفراد، بدرجة غياب القانون، ومستوى المحاسبة، وقليلا جدا حسب الوازع الديني أو المنظومة القيمية، كما يتفاوت حضوره في حياتك حسب قدرتك على فهم الأشرار، ومخالطتهم أو تجنبهم، وربما حسب الحظ غالبا. فلا علاقة له بالمكانة الاجتماعية، أو المستوى المادي، أو مستوى التعليم، فهو عميق ومتأصل وبسيط كالماء، وربما مسوّغ أيضا من قبل المجتمع. فالمال العام مباح من قبل المسؤولين والتجار وأصحاب الكراسي بحق المنصب، ومال الأغنياء في أعين الفقراء مباح لسرقة القليل منه لأن لديهم الكثير، ومال الدولة مباح للمواطنين فهي أمهم المسؤولة عنهم أو بقرتهم الحلوب. ومال السائح الغريب مباح للجميع، لسائق التاكسي، ولصاحب المحل، ونادل المطعم، والبائع المتجوّل، والشحاذ، وماسح الأحذية، والصبي الصغير الذي يتعلم فنون سلب المال قبل أن يتعلم القراءة والكتابة أو حتى القرآن الكريم. فكل هؤلاء من سحنتك وصوتك يقدرون حجم النصب الذي يمكن به أن يسلبوك المال، باسم الفقر، وباسم الله أحيانا كثيرة. وهم في قرارة أنفسهم لا يعتبرون هذا شرا، فهذه التصرفات لا تعكس قلب الفرد الطيب في داخله والذي يتمنى الخير للجميع، ولكنه مضطر أن يفعل ذلك ليعيش، مضطر أن ينصب قليلا، ويغش قليلا، ليحيا، وهذا لن يؤثر على الآخرين، فلن يموت أحد مثلا من تسخين طعام بائت في مطعم فقير، ولن تتأثر ميزانية سائح من مئة دولار لتوصيلة، ولن يحدث زلزال في الكون من كذبة ما.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا، هل ولد الأشرار هكذا؟ أم هم من صنيع المجتمع، ونتيجة للظلم والقهر الذي يعانيه الإنسان؟ والإجابة بالطبع لا تحتاج إلى ذكاء، إنها بدهية جدا، لقد صنع المجتمع العربي أشراره بيديه، وقدّم لهم كل المسوغات الإنسانية والمادية ليتمكنوا من الحياة في غابات الشر، وحكومات الفساد والقهر والظلم، حتى ضاعت القيم الإنسانية الناصعة جدا، والواضحة بحيث لا تقبل اللبس، ولا تحتمل الوسطية، فلا مسافة وسطى بين الكذب والصدق، وبين الأمانة والغش. هذا ناهيك عن قيم النبل والكرم وغيرها من مصادر الرفعة الأخلاقية الإنسانية، ولكن للأسف أصبح لدينا معايير أخرى، وقيم وسطية ووسيطة كثيرة، وأخلاق متفاوتة جدا، وضمير غائب غالبا خارج الرقيب، ولذا انعدمت الثقة في الإنسان وفي الحكومات وفي القانون أيضا.
نعم، في كل مكان من هذه البسيطة المترامية ثمة أشرار ومجرمون وقتلة، لكنهم واضحون أو يذهبون في اتجاه اجرامي فقط، يمكن للشرطة أو أي جهة قانونية محاسبتهم وتوقيفهم. ولكن في بلداننا، الأشرار يعيشون بسلام ومحبة بيننا، والشر كامن ومتخف، ويلبس أقنعة لامعة وطيبة، وهو جاهز للمثول بين يديك في أي لحظة، أو تحت أي ظرف أو موقف، ولا أمل في تفاديه فهو متوزع في الجميع تقريبا، أو الغالبية من باب العدل والإنصاف. ولا أمل في تلاشيه في غياب النظام، وتراخي القانون أو تفاوت حضوره بين شخص وآخر، وغياب المسؤولية الأخلاقية، وتردي الأحوال الاجتماعية، وتأرجح القيم. ولذا سيظل الأشرار يعيشون بيننا، وربما يعيشون داخلنا أيضا، ابنك أو أخوك، تلميذك أو أستاذك قد يكونون من الأشرار، وربما أنت نفسك منهم مع الآخر أو حتى مع نفسك.
كاتبة عُمانية

فاطمة الشيدي

الجمعة، 28 أغسطس، 2015

 
أفكر في الأرواح المعذبة، الأرواح الحائرة والمتعبة التي تهيم في سماوات الوجود بحثا عن الحقيقة، الحقيقة التي لا يعرفها أحد، الحقيقة التي لعل الله هو أحد تجلياتها، الحقيقة المطلقة كالروح، والخير والشر والوهم والجمال والقبح وغير ذلك مما يستعصي على التجلي ويمتنع من التشكل.
تلك الأرواح القلقة التي تعبر العالم المادي إلى اللامادي، بنية الكشف والفهم بحثا بكلها الذي يتناهشه السؤال، والبحث، عن مالا تدرك إلا فكرة وعذابا أصيلا ودائما في روحها، لتسجل بين عذاب وعذاب إشراقة ما تنطلق منها ...في بحث أكبر، تلك الأرواح الجائعة أبدا للمس شيء ما، سيتلاشى لاحقا أمام ضآلة المكتشف في زمن لاحق سيكون فيه الوعي جارحا وحادا كالفكرة المطلقة، وتظل ذاهبة في مداها المتصل غير المحدد الوجهة، ضالة في الهيام، هائمة في الظلال، مشغولة بالسؤال موجوعة بالحقيقة.
تلك الأرواح الرهيفة التي تمضي إلى الوجود بشفافيتها المطلقة، كجرح مفتوح، أو عصب مكشوف، كل شيء يثير حساسيتها، ويوسع تصدعاتها، ويشعل حرقتها، كل شيء يوجعها حتى العظم، هي التي لا تجيد المناطق الوسطى أو الحلول الوسطى، أو المشاعر الوسطى، الحادة في الفرح والوجع، والتي تتعامل بأقصى ما لديها من شعور، ويوجعها السطحي والكاذب، يوجعها العام، وتطمح لسبر أغوار الروح والوجود بمسبار خارق، أو مثقاب حاد لتتحصل على أعمق درجات المعنى، والشعور. تلك التي تتأمل كل شيء حتى تفسد حياتها أحيانا، "فالتأمل في الحياة يزيد من أوجاعها" .
الأرواح التي تحتاج للطمأنينة حاجتها للماء، وترفضها سعيا وراء حكة السؤال، وحرقة المطلق الذي لا يتبدى بسهولة، ولا يتجلى كليا، كالروح تماما، الروح الطيبة والخبيثة، البيضاء والسوداء، التي تهب العقل حكمته أو خفته، وتهب للإنسان جماله أو قبحه، وتهب للحياة إمكانياتها أو استحالتها.
أرواح الشعراء، والفلاسفة (كتبوا أو لم يكتبوا) والدراويش والهائمين، والعارفين، والباحثين والمحزونين، والمجانين كأجمل تلك الأرواح وأصدقها.
فالمجد للأرواح المعذبة، التي تغيب لتحضر، وتتعذب لتتجلى، وتبحث لتركن، وتهفو لتعشق، وتسأل لتكشف، وتمضي في عذاباتها أبدا في رحلة سرمدية من الصفر للصفر، المجد لها في خفتها بثقلها، في سعادتها بشقائها، وفي طمأنينتها بقلقها، المجد لها في عذابها الأبدي، وبحثها المؤبد.

الخميس، 27 أغسطس، 2015


في عبوري الخاطف للمكان، ومن بعيد كنت أسمع لحنا شجيا بصوت رخيم، لم أفهم اللغة التي كانت الأغنية تحرك ذرات الهواء بها، وتبعث نسمة باردة ترطب الروح عبرها، اعتقدت أن تباعد المكان هو السبب، كنت أقترب ويعلو الصوت بعذوبة مدهشة، وتسري بهدوء قشعريرة الجمال في جسدي وروحي، ولكني لا أفهم المعنى، هذا لا يهم للموسيقا سحرها الخاص ولغتها الكونية، قلت لنفسي، وحثثت الخطى، لأجد العامل الأسيوي في لباسه البرتقالي يواجه الحر والتهميش والتعب والحياة والبشر بأغنية تنساب من روحه تماما، لتسري في مفاصل الوجود، فينحسر الحر خجلا، وتتمايل الأشجار دلا وطربا، وتبتسم السماء وهي تنظر للأرض بغبطة، فالبشر الطيبون أجمل من الملائكة.
ابتسمت له وقلت في داخلي (عنِ  يا صديقي وأطرب الحياة، فحيث توجد الموسيقا لا يوجد الأشرار)

الأربعاء، 26 أغسطس، 2015

في أقسى صيف من حيث ارتفاع درجات الحرارة، حيث درجة الحرارة ماتزال تراوح مكانها بين 40 و 50 ، ومكيفات المدارس في أحسن الأحوال تحتاج صيانة، وفي أسوئها معطلة تماما، والمقاصف مغلقة والله أعلم متى تحل المشكلة، سيما إذا كانت مع الشركات المحتكرة للماء والهواء.
يرزح الأطفال -باسم التعليم- تحت وطأة الحر والجوع (والثانية للفقراء في المال أو الوعي، الذين لن يزودوا أطفالهم بوجبة تعينهم على يوم طويل، وهم كثر).
والمسؤولون (القادمون من كوكب آخر ،والذين يعيشون كما يبدو في وطن آخر) يصدرون قرار...اتهم الفوقية -من مكاتبهم الوثيرة والمكيفة، أو من مصايفهم الباردة- بتقديم العام الدراسي لصالح العملية التربوية التي لا تعنيهم أصلا فلن يكون ضمنها أطفالهم يوما، ويشنفون آذان المجتمع بالخطب الرنانة عن العلم، والاحتفاءات المبهرجة بالعام الدراسي الجديد، ويغيبون لاحقا عن التفاصيل، حيث الشيطان، والمشاكل وحيث يقف الإنسان البسيط مذهولا، وعاجزا أمام كل شيء!

الأربعاء، 19 أغسطس، 2015

سميح القاسم : كمثل الشعر أو أجمل

سميح القاسم .. في ذكرى الرحيل
شرفات 25 - 8 - 2015

 منذ بدايات الكتابة واسم سميح القاسم أحد دروس اللغة والفكرة معا، القصيدة التي تجسد الوعي والحلم معا، صوته الذي يهدر في دم اللغة بكبرياء ممتزج الرعشة بين الألم والجمال، كانت قصائده تشعرنا بالأمل، الأمل الذي لا نعرف حتى الآن ماهو!، وماذا يمكن أن يكون أكثر من كذبة بيضاء على أطفال يموتون على يد المحتل، كآخرين يقضون غرقا في البحر، أو جوعا ومرضا في بلدان أخرى من بلدان الماء والدم العربي المباح.
وكانت قصيدة «منتصب القامة أمشي» المغناة بصوت مارسيل خليفة، أسطورتي التي علمتها لطفل ولد من رحم أم واحدة، وحضن أكثر من أم، كنا نتسابق على تدليله بما نعشق، أو نلبسه أوهامنا المجيدة، فكان يخطو خطواته الأولى عليها، توالت الأيام والأحوال، وصار دائما هناك أطفال» تتباين أعمارهم» أعلمهم إياها نصا وأغنية، كانت ترياق الكرامة، وزاد العزة، وطريق الحياة الذي أهبهم ضوءه ليسيروا به في حياة حالكة إلا من ضوء الحب والحلم والجمال، وكان كل طفل (ـة) يذهب لاحقا بعيدا عني، وعن الأغنية، وربما ينساها، أو يغنيها لأطفاله كحلم أخزّنه في أرواحهم.
ظلت الأغنية عالقة في روحي وفي وعيي، حتى جاء سميح بذاته يوما، ووقف بين أيدينا شامخا كجبل عملاق، يهدر بجمال الحب والثورة والأرض والوطن، وحتى جاء من يعزفها لي شخصيا لأتشبث في لحنها على يديه، برهافة الجمال والحب معا، وحتى سمعتها بصوت مارسيل في مسقط، كما سمعتها منه في أماكن كثيرة سابقا.
وحين غاب سميح القاسم، ألمّ بي ذلك الوجع الذي يطعن الروح تماما حين يغيب من نحب من الشعراء قبل أن نشفى من نصه ولغته وفيوض جماله الكوني الخاص، ونحن لن نشفى أبدا من الجمال فنحن ننتظر منه الجديد منهم دائما، ولكن الذاكرة أسعفتني بسطوة حضوره في مسقط، بجماله وأناقته السبعينية في القصيدة وخارجها، وكان عزاء أرواحنا أنه ذهب مبتسما كما أعتقد، ساخرا من الموت، هازئا منه، متعاليا عليه، لأنه أقل من أن ينال من مكانته في الذاكرة واللغة والتاريخ. ذهب سميح القاسم وظلت  قصائده تستثير أرواحنا ببهجة الحياة ووعورة الفقد أبدا، وستظل تفعل ذلك كل ذكرى، وكلما عانقنا قصائده الرائعة:
من دُمى الأطفال.. من ضحكاتهم
من دموع طهّرتها روحُ رَبِّ
من زنود نسّقَتْ فردوسها
دعوةً فضلى على أنقاض حرب
من قلوب شعشعت أشواقها
شُعلاً تعبرُ من رحب لرحب
من عيون سمّمت أحداقها
فوهةُ البركان في نظره رعب
من جراحاتٍ يضرّي حقدَهـا
ما ابتلى شعبٌ على أنقاض شعب
من دمي.. من ألمي.. من ثورتي
من رؤاي الخضرِ.. من روعة حبّي
من حياتي أنتِ.. من أغوارها
يا أغانيَّ ! فرودي كل درب


مجلة نزوى
العدد السادس والستون ابريل 2011
فاطمة الشيدي


أشدُّ من الماء حزناً

تغربت في دهشة الموت عن هذه اليابسة
أشدُّ من الماء حزناً
وأعتى من الريح توقاً إلى لحظة ناعسة
وحيداً. ومزدحما بالملايين،
خلف شبابيكها الدامسة
ولدت ومهدك أرض الديانات،
مهد الديانات أرضك،
مهدك. لحدك.
لكن ستمكث في الأرض. تلفحك الريح طلعا
علي شجر الله. روحك يسكن طيرا
يهاجر صيفا ليرجع قبل الشتاء بموتي.. جديدي
وتعطيك قنبلة الغاز إيقاع رقصتك القادمة
لتنهض في اللحظة الحاسمة
أشد من الماء حزنا
وأقوى من الخاتمة
(س .القاسم)

من منّا لا يعرف سميح القاسم، الشاعر والأرض والقضية؟ من ممن يظنون أنفسهم يكتبون الشعر أو يكتبهم؟ وممن يقرأون الشعر أو يقرأهم ؟ الشاعر الذي كان نبضه صرخة في وجه المحتل، ودمه نارا وحماسة، وثورة وتمردا، وأشعارا وقصائد، الشاعر الذي رُبط بينه وبين أرضه وقضيته، حتى أصبح صوته الثوري والحماسي مرادفا لها، وأصبح شعره مقصورا عليها، واسمها منحوتا في ردهات قصيدته الثائرة. نعم كلنا يعرف «سميح القاسم» الاسم والشهرة والقصيدة والثورة والوطن، وكم منا حلم أن يكون في حظوته وحضرته وحضوره ليعرف سميح القاسم الإنسان؟ عني لم أحلم يوما بذلك، ولكن قداسة الشعر، وجمالية الصدفة أو القدرية تجعل أحيانا كل شيء ممكنا وحقيقيا وحادثا، فقد كان أن عرفت أن سميح القاسم سيكون معنا(2)، وبيننا، ونحن نحتفي بتأسيس ملامح القصيدة العمانية القادمة، والذاهبة نحو التجديد والمغايرة، القصيدة التي لا تروم الشكل والنظم فقط، القصيدة الحقيقية التي تستطيع المضي كخنجر في القلوب والضمائر، التي تستل بعمق وشجن ولا إرادية مطلقة كلمة (الله!) أو (نعم هذا هو الشعر)، القصيدة التي تنبع من روح شاعر حقيقي عظيم وجميل، هش ودافئ، صادق ومتواضع، ومؤمن بأن الكلمة روح والروح عطاء وتجدد، والشعر حالة إنسانية راقية، وليست ضربا من الهراء والتقليد والغرور والنرجسية، كما هي ليس تقليدا، إنها المجازفة بالجديد، والسعي نحوه، إنها الحياكة المتأنية على منوال العشق والألم والأرض والإنسان، وإلا فلتنسحب نحو الصمت، ونحو مساحات أقل، وأكثر تواضعا وخيبة من كلمة شعر.
نعم، كان «سميح القاسم» بيننا ومعنا في مسقط، وتحت أمطار الشعر الدافئة لأربعة أيام متوالية، وبلا مظلات واقية من كل ذلك الفرح والعشق والجنون والجمال، في مكان واحد تجمع الشعراء وعشاق الشعر ومريدوه وأهله وذووه وبنوه والمتطفلون عليه في بعض الأحيان!
كان الشعر سعيدا، كنت ألمح ذلك من قهقهاته الكثيرة التي تنطلق بين الفينة والأخرى، ومن بريق نواجذه غالبا، ومن صدى تصفيقه حين تعجبه قصيدة ما، أو صورة شعرية جميلة وجديدة وباذخة الرؤى.
نعم كنا وكان هو بيننا، وما كنت أصدق أن هذا العملاق سيكون بيننا، حتى فاجأني بمعنى الكبير والشاعر معا، إذ بدأ منذ أول لحظة يقول لنا إن الشعر هو الإنسان، وإن شاعرا بلا قيم ولا إنسانية ولا نبل ولا عظمة روح وجسارة خلق، ورفعة كائن لا يستحق هذا المعنى العظيم، وإن شاعرا بلا مبادئ ولا قضية ولا روح نبيلة تبحث عن الحب والمحبة، والجمال والسلام، ليس جديرا بهذا المعنى، نعم هكذا قدّم لنا هذه الدروس الصغيرة والعظيمة حين تواضع أمام زميله الشاعر الأصغر سنا وتجربة «حسن المطروشي» فقام إليه محييا وخالعا عليه كوفيته الفلسطينية ليجعله شريكا في الشعرية والقضية، ثم توالت شعريته خارج النص، حيث كان يجلس لأصغر شعراء المهرجان عمرا، يحدثهم ويشاركهم تجاربهم وأحلامهم وأفكارهم ودخان سجائرهم، وصحبة قصائدهم، وأحاديثهم الطرية عن كل شيء.
كانت أمسية سميح القاسم في الليلة الأولى للمهرجان، وكانت تعويضية بمعنى أنها لم تكن في وقتها المعلن عنه سابقا، حتى أن الكثير من الشعراء في البعيد من المكان تحسروا على ضياع هذه الفرصة للمثول بين يدي شاعر بقامة القاسم، وليست الصديقة «شميسة النعماني» التي أرسلت لي «مسجا» متألما وقد تهيأت كي تسمعه مباشرة، إلا مثالا للغياب وأمنيات الحضور، ومع هذا التغيير لموعد الأمسية، وعدم الإعلان عنها، فقد كانت القاعة الفندقية الكبيرة تضج بمن فيها، وتزدحم بالعشاق والشعراء والمتذوقة من الجمهور.
اعتلى شاعر العروبة والأصالة والأرض والقضية منصة الشعر فكان العطر والشجن والضوء يسّاقط من بين يديه ومن أمامه، وكان الجمهور متحدا معه اتحادا كليا، جمهور مختلف الجنسيات والأعمار والأرواح، ولكنه استطاع أن يجمعهم في وطن واحد، وجغرافية واحدة وتاريخ واحد، وكانت مشاعر العروبة والأرض والقضية متجسّدة في شخص واحد وقصيدة واحدة لسبعة عقود من الزمن، تاريخ شعري مجيد يسمى «سميح القاسم» .
بدأ يتلو قصائده بصوته المتهدج المتراخية أحباله بفعل الزمن والعذاب في سجون المحتل، وبفعل عناق سيجارته التي لا يخون، بدأ يشدو عن الظلم والقهر والاحتلال، وعن الصمود والتحدي والاعتزاز ، كان يفيض بالشجى والشجن والحنين والحلم، وكانت قصيدته عذبة وصادقة وقريبة كدمعة لا تغادر العين إلا للقلب، وحزينة كزفرة روح تتسلل بدفء للأرواح الأخرى، وعذبة كطفولة لم تغادره وهو على مشارف السبعين، وبين يدي الشعر والجمهور المتحد والمتوحد معه، كان صوته يعلو في نشيد متصل النشيج فتزهر في القلوب أغنيات الشجن، يعلو حتى يتعب، فيتناقص حتى يضيع، وكنا معه نذهب إلى حيث يريد، أو إلى حيث يريد الشعر، وكانت الدموع تقف على مسافة فرح من المحجر، تعانق كل هذا الشجن والجمال والبهاء بعزة وخفر.
وعلى مدى ثلاثة أيام بلياليها كان يغيب فيها من يغيب ويحضر من يحضر، يتغير السمار والجلاس، ويتغير الشعراء والمريدون والمتطفلون أيضا، كان سميح القاسم حاضرا، وشامخا كجبل، وهادئا كطفل، وصامدا كمعجزة، كان يستمع للقصائد – التي ليس عليه أن يستمع لها- بحنان الوالد، وعظمة الشاعر، وقوة القصيدة المتأسسة والمؤسسة لأجيال كثر.
كان أول من يحضر لافتتاح الجلسات، وآخر من يذهب منها، الجلسات الشعرية الفصيحة والشعبية منها، وقد كان يمكننا أن نتلمس له العذر في الثانية لاختلاف اللهجة، وبعدها عن مجال كتاباته الفصيحة والرزينة والرصينة، لكنه أبى إلا أن يحضر ويصفق بحرارة لكل قصيدة يصعد شاعرها للمنصة، ويقرأ نصه أيا كان مستوى ذلك النص وفنياته وجمالياته الشعرية. لقد كان بعظمة الإنسان، وجمالية الشاعر يقدم لنا دروسا في الالتزام والتواضع والنبل، وله الله في ذلك!
وحين قرأت قصيدتي «زنبق الماء إثم اليباس» في رثاء الماغوط، أوقفني ليقول «لقد غرت من الماغوط ميتا» ، فتأثرت حتى خفت أن أبكي أمامه، وأنا أدعو الله أن يحفظه للشعر وللعروبة.
نعم هذا الشاعر الحقيقي، الشاعر الجاد بلا هزل، والعظيم بلا غرور، والواثق بلا نرجسية، إنه القصيدة الإنسان، والإنسان القصيدة.
وطن بأجنحة
وقصيدة بقدمين
تجلس الشمس على كتفه كهدهد ينتظر الرسالة
ويجلس الشعر عند قدميه كنمر مروّض لا يثور إلا إليه
يمشي محفوفا بالقصائد وبهالة من سمو
كملك قديم
ينفر الحب من تحت ثيابه
كارتعاشة عاشق خانته المواعيد
وأسعفته الصدف
ويرتعش صوته إذ تغزله المسافات بالرؤى
وتغازله الأطلال بالحنين لما لا يجيء!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تنويعا على محمود درويش «كزهر اللوز أو أقرب»
2 - في مهرجان الشعر العماني السابع (مسقط) 18- 21 / 12/ 2010.










الثلاثاء، 18 أغسطس، 2015

عروة الزمان الباهي» حين يكتب عبد الرحمن منيف سيرة الآخر

       
413926



فاطمة الشيدي
جريدة عُمان - ملحق شرفات
18 - 8-  2015

لا أعرف ما يفتننا في كتاب ما، في سرد ما، هل هي اللغة التي تنساب كنهر عذب بين الأسطر التي تلتهمها عيناك بشغف ولذة، أم هي الأفكار المختلفة والبعيدة التي تفتق في ذهنك الكثير من المناطق المظلمة، أم هو ذلك الشعور الحميم والجميل والصادق الذي يكتب به الكاتب حتى تشعر بتلك العواطف نفسها بل وبالانتماء لتلك الشخصية التي كتب عنها.
وكان كل هذا معا ما فتنني في كتاب «عروة الزمن الباهي» لعبد الرحمن منيف. وبالطبع ليس هذا غريبا مع منيف السارد العجيب، والكاتب الفذ والروائي الحاذق، ولكن العجيب أن هذا الكتاب ليس رواية، بل يتم تصنيفه كدراسة أدبية، وماهو إلا «سيرة غيرية» سيرة الآخر في أجمل تجلياته، من خلال قلب محب، ولغة سامقة،  فلا يستطيع أن يكتب الإنسان عن آخر بمثل هذا الجمال سوى العاشق والمؤمن أو كلاهما معا، وقد تبدى لي منيف هكذا، معجبا مغرما بالباهي حتى لينعته بعروة الزمان، استحضارا للصعلكة العربية القديمة في أعلى وأوفر معانيها الراقية التي مثّلها عروة بن الورد الكريم عن غير ضعف، المتمرد عن حكمة ووعي، المنشق عن حرية أصيلة في تكوينه وجوهره.
كما سيقارب بينه وبين زوربا اليوناني، المجنون الجميل الذي جعل الرقص وسيلة الخلاص الكبير والحميم للخروج من مآزق الحياة أو للتمتع بجمالها.
في 120 صفحة، رسم منيف صورة كبيرة وشامخة لرجل مختلف وخاص، محمد فال أباه الذي ولد في 1930 في خيمة في موريتانيا، ليصبح لاحقا الباهي المناضل والصحفي الذي وجد في أكثر الأزمنة العربية اشتعالا ومورا ، بين دمشق والقاهرة وبيروت، وحتى المغرب العربي، فباريس التي شكلت محطة مهمة في تكوين الباهي والكثير من مناضلي حقبة الاستعمار تلك.
صورة لرجل عاش الحياة عبر الهامشي والبعيد منها أكثر من الخارجي والظاهر، بل وعبر كائناتها الأخرى كالنمل والسمك، والحيوانات كالقرود والكلاب والجمال وغيرها التي تشكل منظومة كونية موازية لحياة الإنسان، وربما تفوقه في الكثير من الميزات والأخلاقيات الفطرية  والعلاقات الجمعية لحفظ النوع، وحمايته، عكس الإنسان الذي لا يقيم وزنا للآخر. إنه الشاعر الذي يعتني بكل مظاهر الطبيعة ويهتم لأمرها كصوفي متعلق بالكون وهائم في ملكوته، والمتأمل للطبيعة بحركاتها وسكناتها كالأشجار والنباتات بكل أنواعها، والقمر وصولا للصحراء بذراتها وتيهها وعمقها الفذ، حتى البراكين والفيضانات والزلازل وغيرها من مظاهر الطبيعة في هدوئها وغضبها.
«فإذا افترضنا أن الإنسان أنبل مخلوقات الله من حيث العقل، فإنه بنفس الوقت أسوأ هذه المخلوقات من حيث التصرف والسلوك» يقول ذلك بنوع من الحسرة ثم يضيف « إذا كان العقل زينة الإنسان، والصفة التي يدعي أنها تميزه عن المخلوقات الأخرى، وإذا استطاع الإنسان أن يروض الحيوان ويخضع الطبيعة ويسخرها لمنافعه، فلماذا تحول إلى عدو لنفسه، لبني جنسه؟ لماذا يصر على الانتحار، أو على قتل الآخرين مجانا؟ كيف يستطيع أن يكون قاسيا وأنانيا هكذا؟ ولماذا يأبى إلا أن يبقى صغيرا هكذا؟ وهل هو يتمتع بالقدرة على المحاكمة والوصول إلى أفضل الحلول لنفسه، لنوعه، فعلا؟ (ص51)
لقد جعل منيف الباهي رمزا للروح العربية الأصيلة المنفلتة من عقال الحياة العربية القائمة على ظلم وقهر الإنسان، رمزا لجيل التحديات الذي واجه أصعب المراحل التاريخية المفصلية بين مواجهة المحتل من جهة، ثم مواجهة الإنسان الذي خلّفه المحتل والأنظمة مرتبكا مريضا، بلا حكمة ولا وعي، متهافتا على المناصب والمال، لا يتعفف عن سلب، ولا يترفع عن فتنة، ولا يتحرج من أبشع الجرائم وهي قتل أخيه للوصول لغايته.
وإن كان منيف قد أراد بذلك تقديم نموذج لجيله، ووصف الحالة العربية المعتلة القيم، الضيقة الأفق في الفترة التي عاشها (الخمسينات والستينيات)، وكان يحلم بتجاوزها، فهو لا يدرك أنها ما تزال قائمة بعللها وازدواجيتها، وعفنها، بل وتتأزم يوما بعد يوم بدخول أطراف جديدة للنزاع، كل منهم يريد فرض وصايته على أرواح الآخرين، وتكميم أصواتهم، وخنق حرياتهم.
ولكن منيف لا يذكر ذلك إلا عرضا، فهو كان يريد من كتابه كهدف أول وضع قصيدة غزلية طويلة وممتدة عن رجل مختلف في كل شيء تقاطعت حياته معه، شاعر لم يكتب الشعر، ولكنه كان يحفظه عن ظهر قلب، وسارد لم يكتب الرواية، ولكنه كان يحلم بذلك، وصعلوك مارس صعلكته في أرقى مدن العالم وهي باريس، وعاشق هام في هوى الأوطان،  وسياسي خاض أكبر معارك السياسة بفكره، وصحفي كتب أروع المقالات بقلمه.
إنه المزيج الجميل والعجيب والمتناقض، والمتآلف من كل شيء.  من الرفض والمحبة والصدق والسكر والجنون والعربدة، البدوي الذي خرج من موريتانيا ليستقر في باريس، ومن هناك يخدم القضية العربية بفكره وقلمه وعلاقاته، ويتحرك منها للشرق حيث تمور الصراعات وتتفرع القضايا.
لقد قدم منيف لوحة فنية راقية عن شاهد عصر أحب الحياة بكل ما فيها، بكونها أرضا وسماء، بحرا وصحراء، عشبا وشجرا، وهام بكائناتها التي ليس الإنسان إلا جزءا منها، محبة تقتضي المعرفة، ومعرفة محكومة بالمحبة، وهذا كان ديدنه مع كل شيء، من الإنسان، حتى أصغر ذرة في الكون. كما أحب العمل والنضال والكفاح والكتابة والقراءة والوعي والطعام والشراب.
وحين مات الباهي الذي ظن كل من يعرفه أنه عصي على الموت، وأن الحب والجمال الذي في صدره أوسع من يحتكره الموت في اتجاه الغياب، كان له الخلود كما أراد منيف، ليكون شامخا فيه كما كان شامخا في الحياة التي أحب، وفي المكان الذي عاش فيه (باريس) والأمكنة التي عاشت داخله كالصحراء، والوطن العربي بكل قضاياه وأحلامه وخساراته وهزائمه، وفي اللغة التي كان يتمنى أن يمكث فيها ويتجلى عبرها في الرواية والسيرة الذاتية والسياسية وهو الأمر الذي لم يتحقق، فكان لهذا السبب تحديدا خالدا في كتاب.
وهذا تماما ما يلمسه بعمق كل من يقرأ هذا الكتاب، ليجد الفتى الصعلوك الذي يمثل امتدادا للصعلكة العربية الثائرة والنبيلة، الصعلوك الجديد، والمثقف النبيل، والقارئ النهم، والعاشق للأرض، والكون، والمشّاء اقتداء بالفلاسفة المشائين، القريب ممن يحب، البعيد عن البشر، الصديق الصادق، الذي يبحث عن أصدقائه ويراسلهم، ويتحدث معهم عبر الهاتف طويلا، ويقرضهم ويسندهم رغم كل الخيبات والانكسارات المتتابعة.
هذه هي الصورة العميقة التي أراد عبد الرحمن منيف رسمها من داخله أولا، ثم من داخل الباهي ومن خارجه لاحقا، في عمل إنساني رفيع، يقدم للمكتبة الإنسانية نموذجا خالدا لشخصية استثنائية صالحة للخلود في اللغة، وفي الوعي الجمعي، بحضورها الخاص والمختلف نبلا وجنونا ممتزجا، هي شخصية الباهي الكاتب والمناضل والإنسان، عبر صورة سردية واقعية تقول للمتلقي أن هذه الشخصية حقيقية لا تتعالق مع الخيال، ولكن عليها أن تعلق فيه، وبلغة فذة قادرة على توليد الأفكار وتجسيد العاطفة وإحكام السرد كما هي لغة عبد الرحمن منيف التي يعرفها القارئ ويعرف فتنتها وشراكها الآسرة.
 

الجمعة، 14 أغسطس، 2015

يا وطن الماء؛ من الماء للماء  ♡♡
يا وطن التاريخ والحضارة والإنسان، يا عراق، يا لبنان، يا سوريا ، يا يمن، يا وطن الروح الثائرة،  والذاكرة المغدورة
لتغسل قيامتك العالية كل الدم والقبح والغباء الذي لحق بروحك الطيبة، وأرضك الخالدة، وإنسانك الجميل ردحا من الزمن.
ولتنتفض عنقاؤك انتفاضة الوعي والجمال والحب، ولتنهض إنسانا حقيقيا، صادقا متعددا، واسعا متسعا، رافضا لكل الضيم والقبح بكل المسميات والأشكال....
لقد أرهقك وأرهقنا القبح والقيد، والجهل والفقر، والظلم والجلاد، والدين المرتهن للوسائط والوسطاء، ونحتاج فرحا في مكان ما من حزننا المقيم، ونورا في حكلتنا الدامسة يضيء الله في أعماقنا بلا وسيط ولا شفيع، نحتاج يدا كبيرة تأخذ بأيدي هزائمنا، وشمسا ساطعة تشرق في أرواحنا؛ باسم الله العدل والحب فقط؛ علنا نسترجع شيئا من زمننا الغائب، ونورنا الغارب.
وعلنا نستطيع أن نمشي خطوة واحدة للأمام، فنحن نتراجع منذ زمن بعيد؛ حتى كدنا ننزلق للهاوية.
فلتكن هنا بداية البداية..وليكن نورك شعلة الهداية.
الله وقلوبنا معك ♡♡

الأحد، 9 أغسطس، 2015

محمود درويش .. في حضرة الغياب





3.
ملحق شرفات
جريدة عمان .. 9 أغسطس 2015
محمود درويش
في 6 أغسطس من هذا العام كنت في مقهى جفرا بالعاصمة الأردنية عّمان، ذهبت لهناك لأجدد ذكرى المكان في روحي ودمي، وأجدد استشعاري بفجيعة الفقد لغياب محمود درويش، فقبل بضع سنوات، وفي ليلة 9 أغسطس كنا هناك مجتمعين، أصدقاء يجمعنا حلم اللغة والفن والمحبة، نأكل «مناقيش الزعتر» ونحتفي بتوقيع كتاب، ونستمع لعزف مباشر على العود، ونضحك ملئ أرواحنا لأمل قادم في مقهى من أجمل المقاهي الثقافية، وأكثرها قربا من الروح والإنسان، ولكن ماهي إلا لحظات حتى جاء كابوس الفقد، ليعلن في المكان ذاته وفي  اللحظة ذاتها نبأ رحيل الشاعر، توزع الموت في أوصالنا ولغتنا، وصار كل شيء فينا يبكي الشعر والحلم والمكان، يبكي درويش ويرتجف لأنه مجددا لن يقرأ قصيدة جديدة للشاعر العظيم، ولن يسمعه مجددا في مكان ما يصدح بذلك الصوت الهادر والثقة العالية.
قبلها بسنوات، وكنت بعد أتلمس الخطى الأولى للشعر وأحفظ قصائد درويش عن ظهر قلب، بل وأكتب له بوصفه رب الشعر والحب معا، وأتوق لرؤيته أو الكلام معه، حتى ظننت أنني سأحتضنه فور ما أراه في مكان ما، ولكنني تيبست كشجرة صغيرة تنظر للسماء بعشق وهيام، ولا تستطيع أن تخطو خطوة واحدة نحوها حين لمحته في «معرض فرانكفورت الدولي» بيننا، كان تيّاها كحلم في رأس فتاة صغيرة، ويمشي بعنفوان شاعر قادم للتو من الحلم وسيغيب فيه عما قليل.
لم أجرأ يومها على أن أذهب لمجرد السلام عليه، أو تحنيط لحظة ما في سجل الأيام وألبومات الذكرى، وربما خيرا فعلت، فقط ظل درويش الشعر، وليس الشاعر أو الإنسان في مخيلتي وسيظل.
ذهب درويش الذي صاحب الموت، وغنى في حضرة الغياب، وظلّت القصيدة خالدة في ضلوعنا ومخيلاتنا:
أسبق الموت إلى قلبي
قليلا
فتكونين السفر
و تكونين الهواء
أين أنت الآن
من أيّ مطر
تستردين السماء؟

ذهب درويش الذي علمنا كيف يمتزج الحب والغضب لتكون القصيدة، الذي علمنا عشق الشعر والأرض معا:
الزنبقات السود في قلبي
و في شفتي … اللهب
من أي غاب جئتي
يا كل صلبان الغضب ؟
بايعت أحزاني ..
و صافحت التشرد و السغب
غضب يدي ..
غضب فمي ..
و دماء أوردتي عصير من غضب !
يا قارئي !
لا ترج مني الهمس !
لا ترج الطرب

 
2.

يا درويش أنت الآن "كزهر اللوز أو أبعد
9 أغسطس 2012

محمود درويش الغائب، المقيم، الراحل، الخالد، الذاهب، الطالع من كل نص ومن كل قصيدة ببهاء منقطع النظير، مغتسلا في بحورها، ومتصاعدا في ممراتها السرية، هكذا وبالجمال الفادح الذي يحمله النص (المستحيل) الذي كتبه، النص الذي لا يتكرر ولن يتكرر، هكذا تتجدد الذكرى الدرويشية في الروح والقلب، الذكرى التي تغافلنا عنها عاما كاملا، وكأننا لم نكن نريد أن نصدق أن هذا قد حدث فعلا، وأن درويش قد غاب عن أرضنا فعلا، وفقدته خارطة الشعر العربي للأبد، فعلا فعلا ..
ومع الذكرى الأولى لرحيله يتجدد الشجن، ويتعاظم الإحساس بحجم الفقد البيْن، وتتجدد حالة استحضار شعر محمود درويش، والرغبة في الكتابة عنه!
ويحق لنا اليوم إذ نعيش هذه الذكرى، أن نتذكر كل كلمة كتبها، وكل نص أبدعه، يحق لنا أن نتلذذ بنصوصه كما تتلذذ أم بلثم، وشم رائحة ملابس طفلها الغائب، وأن نتتبع أثره كما يتتبع عاشق عيس محبوبه الساري في حلكة الليل على غفلة، وأن نقرأ نصوصه كأنا ما فعلنا ذلك قط، وهو بيننا، ونحن نطمع منه في صورة أخرى، ومعنى آخر أكثر عذوبة وأمضى دهشة، يحق لنا اليوم أن نتألم بصدق لأنه مضى عام وقلب الشاعر صامت وهادئ في خلوده وذراه، مضى عام وسجائره، وأحزانه لم تشعل ذلك القلب لينجب حريقا جديدا، يحق لنا أن نحزن لأنه مضى عام وقصيدة درويشية جديدة لم تكتب، ولن تكتب بعد الآن!


1.

كتبت هذه المادة  يوم رحيل الشاعر في الأردن، ونشرت في جريدة القبس الكويتية، والزمن العمانية
 
قفا نبكِ! قلب محمود درويش ..هكذا أظنها تقول القصيدة الآن!

من ذا الذي يستطيع التصدي للكتابة عن محمود درويش؟! أو الشهادة عنه أو عن شعره؟! أو حتى عن تأثير ذلك النص في حياته ونصه؟! ومتى؟! إذا يغيب، ملوّحا بابتسامته الجارحة، ويغادر صامتا كقصيدة لم تكتب بعد..!!
ربما وحدها القصيدة من تملك حق الشهادة له، وحق رثائه!! وأظنها الآن ستقول: قفا نبكِ! قلب محمود درويش..
لن تقول لنبكِ الشعر الذي ارتقى أسمى مراتب الصنعة الشعرية على يديه، ولن تقول لنبك الأرض التي جعلها عشيقة خاصة، وأمّا حنونا، وصدرا يحتفي بالجراح ولا يداويها، وصدّر رائحة الزيتون والصنوبر والقهوة في مسام حروفه ليعشقها كل من يقرأه، وعلّق جراحها ودموع أمهاتها، وجزع أطفالها على شجر النص لتورق ألما بين يدي قراءه، وثورة في أرواحهم.
ولن تقول لنبك القضية التي كرّس حياته ثمنا لها، وأوقف شعره زمنا عليها، ترياقا لنزف شعبه، وصرخة مدوّية ضد المحتل يردد صداها المنفلت من حنجرته كسيل رصاص كل من يعرف معنى تلك القضية، ومن لا يعرفها ربما، إذ جعلها جرحا لا يشاغله سواه، ولن تقول لنبك الإنسان ذاكرة النص الدرويشي الذي كتبه نصا خاصا، ووجعا خاصا، محتفيا بضعفه، وقوته، ونبله وهزائمه ..
لكنها .. ستقول لنبك قلب محمود درويش ..ويحق لها..
يحق لها أن تبكي القلب الذي خان الموت منذ زمن بعيد، عشقا وولها وتعلقا بكل ذرة تراب، ونسي أن الموت لا ينسى..
يحق لها أن تبكي قلب الشاعر!!
فكم كان على ذلك القلب أن يحتمل! الشعر الكارثة الأبهى، أم الوطن الحلم المسروق من عين الشمس، العصي على الاكتحال والتمرغ في مساحاته الحميمية، أم الغدر، أم الوجع الوجودي النبيل..؟؟!!
كم كان على ذلك القلب أن يناضل ليُسمع العالم دقاته في عنفوان قصيدة حرة، وليشم رائحة دمائه المتدفقة بين كل ثورة وأخرى، وبين كل نص ونص.
ذلك القلب المتوحد مع الأرض ومع الوطن، القلب الذي استنبت جناحيه من قلب العاصفة، ومن صوت الرعد، ومن عنفوان الجرح، القلب الذي كان يفرد أجنحته كرخ خرافي بين الشعرية والقضية، القلب الذي كان يقوم كفينيق لا يموت بين كل موت وموت، وبين كل خيانة وأخرى، وبين كل هزيمة وهزيمة، القلب الذي اشتهي الجرح لينزف، واشتهي الموت ليبقى، وقبّل المُدى بلهفة عاشق يعرف أن الطعنات ذاكرة للجرح، وشفاعات للقصيدة الأجمل.
يحق الآن للقصيدة إذ تفقد أروع عشاقها، وأبهى من ألبسها قلبه وطنا، وزيّنها بكل مفاتن المجاز، وحلي الصورة، واستعار من أزمنة الشعر واللغة، ومن غياهب الفكرة والاستعارة، ومن ذرى الأساطير والرمز ما جعلها "قصيدة درويش" أي قصيدة هذا العصر دون منازع، وقبلة للشعراء والأدباء الذين لا يكاد يكون منهم من لم يتأثر بها، وكانت للكثيرين بوصلة الشعر، والأنموذج المحتذى، والنص الأكثر تأثيرا حتى التناص أو التماهي.
"قصيدة درويش" أي أعلى درجات الشعرية، ومعيار الحكم على النص الشعري المعاصر بكل حضوره ولغته..
يحق للقصيدة أن تبكي..!!
ويحق للحزن أن يحزن، وأن يتربع بهيا على ظلال الذاكرة السكرى بالشعر، وبالوطن وبالأرض، بالعجز المفتنّ، وبالأغنيات الحارقة ويردد كما قال درويش يوما " قل للغياب نقصتني، وأنا حضرت لأكملك"
 

الخميس، 6 أغسطس، 2015


 فاطمة الشيدي جريدة عمان
ملحق شرفات (25 -8-2015)


6-8-2015

كانت فجيعة رحيل الشاعر حمد الخروصي فجيعة حادة جدا على أرواح كل من عرفه، وربما حتى من لم يعرفه، كأننا فجأة استيقظنا على فكرة سهولة الغياب، نحن الذين نؤجل التفكير فيه، ونرجئه لما لا نعرف من وقت ومن زمن، انتبهنا بوجع مباغت لرحيل حمد لأننا كنا نعتقد أن حمد عصي على الموت، وشاعرية حمد عصية على الموت، حضوره اللافت، وتقدمه الجريء حتى أصبح لساننا جميعا، وصوتنا الصادح بالحرية والعدالة، قوة الحق، وجسارة الوعي، وثقافة الخطاب، وإنسانية النزعة الفردية والجمعية معا، كل هذا كان ولا يزال فعلا عصيا على الموت.
استيقظنا على الفقد الذي يخلف الفراغ الكبير، ذلك الفراغ الذي يحدث داخلنا ما أن يغادرنا أحدهم، عزيز نستند على فكرة وجوده فقط، على حلم يعيشه هو، وقد لا يعنينا كثيرا، على ضحكته، ولغته، ومادته التي تسد الفراغ في حياة مليئة بالفراغ سلفا، فراغ يتصدر كل شيء: الكلام، الفكرة، الصمت، فراغ بطعم الألم وبرائحة الشتاء، وبملمس خشن يحاصرنا ولكنا لا نستطيع الإمساك به.
الفراغ الذي يجعلك تنتمي له، لعدم انتمائه للسائد، لقوته في الدفاع عن ذلك اللانتماء، والذي من خلاله تستحضر كل اللامنتمين في العالم، كما تستحضر منظّره «كولن ويلسون» في كتابة اللامنتمي، تستحضر كل الغُياب الذي تركوا في ذاكرتك شرارة الحياة، وفي روحك مرارة الفقد.
يا الله كيف يذهب الأجمل؟ ولكنك تدرك أن هذا الوجع يحدث فقط لأنهم الأجمل، يغيب كثر كل يوم، ولكن ثمة من يغيب فيحضر، يذهب فيبقى، يموت فيحيا، فلا تملك سوى أن تستحضر لغته الخضراء اليانعة، والباسقة كنخلة تقف بقوة على مرمى من القيظ والجفاف والحيف ولكنها تظل مثمرة، وتظلل العابرين تحتها بوفرة الحب والخصب،  تذهب لتقرأ قصائده وتتأملها:
في صحتي أشرب نخب خوفي
ليلة سعيدة والجروح أحباب
ما دام باقيبي غدر بوفي
ما به خيانة يا ظهر لا تهاب
أنا الذي في عتمة صروفي
أشعلت شمعي واحترقت كتاب
بيني وبينك طول وقوفي
بيني وبيني وش بعد أغتاب
ليلة سعيدة ويا سنة طوفي
كل عام وحنا يا وطن أغراب
تتأمل ما كتب، ويبهرك العمق الذي كتب به عن الإنسان والحياة والمجتمع، وكيف كتب عن الحياة والموت بنفس الحيوية والوعي، وعن الحب والسياسة بذات الشعرية العالية.
شبيهك يالــــــــــوطن هذي الـــوجوه النابته بالسُمر
شبيهك يالــوطن هذي القصــائد قهـــــــــــوة الغـربه
شبيهك يالــــــــــوطن أمي العــزيزه واخـوتي والفقر
شبيهك بيتنــا المركــون والـحـــــــــــاره على دربــه
كتبنا والــوجع طين الضلــوع اللي حَنَــــــــــاها الحبر
رضعنا والألم ثدي الجـــــروح ومـــــــــــــاتت الــرغبه
هنا والمـــوت أحلام وصبـايـا واغتصـــــــــاب الشعر
هنا والــموت تفــاحة صلاة وجـــوع أشعـــــــــر به
فتشهق روحك في لهفة ووجع :
يا حمد
لماذا اخترت الرحلة الأخيرة باكرا هكذا
وحجزت تذكرة للذهاب فقط؟
وتركتنا نتخبط في كل هذا الغياب
هل انفرد بك الموت وحيدا في الغربة؟!
لأنه يعلم أننا سنقف صفا واحدا دونك في الوطن
أم خططت لهذا الموت الخفيف كنكتة سمجة
لأنك لا تحب الوداع
فذهبت بلا تلويحة ولا كلمات
هل وهبت الموت ضحكاتك العذبة ليجعل رحلتك مزدوجة الوجهة
أم تلوْت عليه إحدى قصائدك اللعينة
فاستعذبها وأخذك لتنادمه في غياهب الجب
يا حمد
كان باكرا جدا هذا الغياب
وموجعا كالسم في شرايين المحبين
هذا الفقد المبين
وهزليا ككل المراثي العظام
وساخرا كما ينبغي لبطل حقيقي
يعيش مهزلة الوجود
وعاليا كقصائدك التي تتدلى في أكف حواري الجنان .. الآن
ومرا كطعم الموت في فم أطفال شاعر
كان هنا، وصار هناك
كثير جدا أثم هذا الغياب
علي الشعر والأصدقاء
فكيف نرثيك؟
وكيف نبكي أو نلوّن ظلك الضاحك
بظلنا القاتم المحزون
ماذا نقول؟!
وقد يبست الكلمات على شفاهنا
وأعجزنا الدمع عن كل صنوف الكلام
ماذا نقول عمن أرهق كل المعاجم
وأخجل كل اللغات
فلا شفيع اليوم للحروف اليتامى
ولا للقصائد المترملات
ولا عزاء للأصدقاء
المكلومين بحادثة الفقد
المشدوهين من هول الفناء
و(الموت الذي لا يوجع الموتى، ولكن يوجع الأحياء)
لا عزاء لنا فيك
لا عزاء

السبت، 1 أغسطس، 2015

التعايش السلمي حكاية عمانية جدا

 

 
القدس العربي
فاطمة الشيدي
 
يكثر الآن الحديث عن جماليات التعايش السلمي الاجتماعي بين العمانيين من مختلف المذاهب والطوائف والأعراق، ويحاول البعض إرجاع الحالة إلى الدين أو السياسة، والحقيقة أنها حالة إنسانية قديمة جدا، تختص بالإنسان فقط، فلم يكن أحد من العمانيين يعي معنى التعددية، وهم يعيشون في قرى صغيرة تتداخل فيها ثلاثة مذاهب بقوة وحميمية (السنة والشيعة والأباضية)، وقبائل كثيرة، (خاصة أهل السواحل). قرى تشرف على البحر، أو يشرف هو عليها بالمعنى الأجمل كأب روحي يفيض بالمحبة على الجميع، وتحضن أطرافها الأخرى مزارع كبيرة ترقد إلى جوارها مزارات وأمكنة قدّسها الناس بحكمة الجهل. قرى يجوبها كل الأطفال معا بلا أحذية مغبري الوجوه والأيدي ومنكوشي الشعر كمعظم أطفال الدنيا في مرحلة الفردوس الإنساني تلك.
وكنموذج في قريتي وفي الذاكرة البدئية (البسيطة الضوء الآن) كانت البيوت قرب البحر تماما، وكان الجميع رجالا ونساء يهرعون كل صباح ليأخذوا حصتهم من «الضغوة» ونصيبهم من خير البحر وخيراته من السمك الطازج كالـ»العومة و»اليميامة» و»الغلية» وغيرها من السمك الصغير والرخيص، لأن السمك الكبير يحافظ الصيادون عليه ليبيعوه في السوق ويعيشوا منه، أو من «الدوك» وهي نوع من الرخويات التي يفيض بها البحر، و»الجاشع» وهو سمك السردين مجففا. وأمام البحر كان الجميع أخوة لا فرق بين أحد، كل رجل هو شقيق كل امرأة ، وكلنا ينادي كل رجل «عمي»، وكل امرأة «خالتي».
وفي المرحلة الأكثر حضورا في الذاكرة كانت المزارع هي الحياة، ولذلك كان موسم «اللقاط» وهو تجميع ما تسقطه النخلة من تمور لم تستوِ بعد، و»الجداد» أو كما تنطق بتحويل الجيم لياء «اليداد» وهو حصاد ثمار النخيل بجذّ عذوقها، ومن ثم فرشها على «دعون» وهي المصنوعة من «خوص» غصون النخيل الكبيرة، ثم وضعها في «خصف» وهي أكياس تصنع أيضا من أوراق النخيل بمهارة يدوية عالية جدا.
كانت تلك المراحل المضنية يمر بها الناس جميعا ومعا، للوصول إلى «الدبس» عسل التمر الذي سيفيض خيره في مخازنه في كل بيت، المهم في الأمر أنه في كل مرحلة من تلك المراحل كان العمل جماعيا، حيث يتعارف الجميع أن اليوم العمل في مزرعة فلان، أو يتسامعون فيذهبون بلا دعوة وكأن الواحد ذاهب لبيته ومزرعته، ويشترك الجميع في العملية المرهقة التي تكون في عز مواسم الحر، لذلك تجد الثياب الخفيفة أصلا، ملتصقة بالأجساد، ولكن الجميع مستغرق في العمل بجد، رجالا ونساء وأطفالا، وهناك لا أحد يتساءل عن قبيلة أو مذهب أو لغة.
في البيت الذي كان يقع على البحر مباشرة كان كل الجيران من مذهب السنة، وفي البيت في الطرف الآخر من القرية كان كل الجيران من الشيعة، وفي كلا البيتين، كان كل جار هو عم، وكل جارة هي خالة، بلا أدنى تفكير لأن هذه عادة الجميع.
في القرب كان هناك عدة عوائل من البلوش كبار السن الذين يتكلمون البلوشية حتى ذلك الوقت، وينطقون العربية مكسّرة، وهذا كان يخلق حالة من الحميمية الرائعة خاصة مع كبار السن منهم. وكانت «أماه هـ» كما كان الجميع يحبها ويناديها أما للجميع، وكانت حين تكلّم الرجال (وهم رجال تلك المرحلة بكل عنجهية الذكورة وسلطة القبيلة) تكلمهم بصيغة نسوية مثل «انتي وينك، أنا من زمان ما شفتك، انتي ما زينة، ما تسألي عني وأنا حرمة كبيرة وأنا ربيتك ولاّ نسيتي الحين يوم كبرتي». كان الجميع يضحك، ويقبل رأسها ويستسمح منها الرجل الذي «تتشره عليه» أي تعاتبه.
في زاوية أخرى كان الشيعة يشكلون بلغتهم العربية وغير العربية مجتمعا قويا ومتداخلا مع الآخرين، بل كان الأغلبية من أبناء القرية يحتفون بمعظم المناسبات الدينية الشيعية، بكل طقوسها، بقوة المحبة التي تفرض تقاليدها، وكانت الجدات تحب أن تذهب للمأتم، وتأخذ معها أحفادها أو حفيداتها، لربطهم على جدران المآتم كحالة شيعية تماما.
وكان الجميع يحفظ تلك المناسبات خاصة في محرم، ويتلذذون بـ»الهريس» و»العيش واللحم» القادم من هناك مع كل مناسبة، الحالة السائدة كانت احترام كل مذهب وكل قبيلة وكل لغة، بل التداخل والتعايش والتزاوج بينهم.
وكان «أطفال الحارة» يذهبون عند معلم القرآن الذي قد يكون شيعيا، أو سنيا أو أباضيا، وكانوا جميعهم يحفظون القرآن ويدرسونه لهم بمحبة ولسان عربي مبين.
في المدرسة كانت الفتيات من مختلف القبائل والأعراق، وكانت الفتيات البلوشيات والشيعيات (خاصة العجم والبحارنة واللواتي) القادمات من مدن أخرى في سبعينيات القرن الفائت، يتميزن بالجمال الشديد، كطول القامة وبياض البشرة، وجمال الشعر والعيون، مما كان يُشعر بنات القرى العمانية اللواتي يتسمن بالسمار والنحافة والقصر، بالغيرة النسوية. ولكن كان هناك ما هو أهم مما يستحق الغيرة فعلا، فهناك الجرأة والقوة والجسارة والحيوية والنشاط. كانت بنت القرية تخرج من بيتها ثقيلة بكل ممنوع ومرغوب، وبكل خطأ وعيب وحرام، وكانت تصب جل اهتمامها على دروسها. نعم، كنّ الأكثر اهتماما وتفوقا، ولكن خارج حجرة الدرس في الأنشطة المدرسية كالرياضة والفنون والموسيقى والحركة الكشفية، والمسرح والإذاعة والغناء والرقص والأزياء، وحتى في دروس الرسم واللغة الإنكليزية، كانت الخبرات العمانية الأصيلة قليلة جدا إذا لم تكن معدمة، إلا للقادمات من مكان ما وعالم آخر غير القرى والولايات.
وكان ذلك التنوع بداية مرحلة جديدة من الوعي، وحالة من التحفز للخروج على كل تلك الرتابة والملل في مجتمع وليد وجديد، وبلا خبرات كثيرة، لذا شكّل المختلف عن هذا المجتمع عامل جذب للكثيرين خاصة مع كل من سافر لأمكنة أخرى خارج ذلك المحيط أو من الجاليات غير العمانية.
في المرحلة الثانوية كان التنوع أكثر وأوضح حيث وجدنا جاليات من مختلف الدول وعمانيات من مختلف الأعراق كالأصول الهندية والإيرانية، وربما كنا لم نزل نحمل في عقولنا صورة نمطية للمجتمع واللغة التي ينبغي أن نتحدث بها. ولكن كان أن هزمت الكثير من الصديقات والزميلات غير العمانيات، وغير ذوات الأصول العمانية الراسخة كما يراها العمانيون، تلك الفكرة بقوة، حيث كنا نتنافس معهن في اللغة العربية، ثم ذهبت الفكرة إلى غير رجعة حين عرفنا أن أهم من نظّر للدرس اللغوي العربي كان من أهل فارس ممن تعلموا العربية وعشقوها وخدموا جمالها.
حتى تلك المرحلة لم يكن معنى «الزنجباريين» و»السواحيلين» حاضرا بعمق وفهم، حيث كان في ساحلنا هناك قلة منهم، وكانت لدينا تصورات قليلة وناقصة عن كونهم أفارقة تعمّنوا، أو عمانيين عاشوا في أفريقيا ومن ثم رجعوا، ولكن كان لدى النساء خاصة تصوّر عن النساء السواحيليات يتعلق بنظافة الجسد والبيت، كما يتعلق بالحياة الزوجية وشغف الرجال بهن، وكان يتردد أنه إذا عرف الرجل سواحيلية لن يتركها.
في مسقط علمنا أكثر من هذا عن جمالية الانفتاح والوعي، والتدين، والقوة. عرفنا قوة المرأة الداخلية وانعكاسها على تصرفاتها وحالتها الاجتماعية والفكرية. فالمرأة العمانية (بالمعنى التقليدي) تربت على أنها ضعيفة وتحتاج من يساعدها بالضرورة، والرجل العماني تربى بروح ذكورية تجعله حارسا للقيم، ولكن لا بأس أن لا يلتزم هو بها لأنه رجل، وكأن الرجل معفي من العقاب والمحاسبة في الدنيا والآخرة. بينما تسود روح القوة والتساوي والتوازن بين الرجل والمرأة من العمانيين القادمين من بيئات أكثر انفتاحا وجرأة، كما يسود لديهم حب الحياة، والإقبال عليها، والانفتاح على كل جديد في العمران والملابس، والسفر وتربية الأطفال وغيرها من الجوانب.
إن سرّ التعايش السلمي بين الجميع، أن في بلادنا المترامية الأطراف بين شرق وغرب وشمال وجنوب، بين سهل وجبل، وصحراء وبحر، هناك الكثير من الاختلاف والتنوع والتعدد، والكثير من اللغات والكثير الكثير من اللهجات والعادات والأعراق، وبالتالي هناك الكثير من الجمال: تنوع ثقافي وعرقي ولغوي، وذلك هو ما منح العماني قوة التسامح والتعايش، وساعده على فهم الآخر وتقبله، كما ساعده على الانفتاح على ثقافات وحضارات أخرى قديمة وجديدة ومتعددة، في عالم يكبر فيصغر، ويتسع فيضيق، عالم ليس به مكان للمنغلق والمتحزب.
ومع الزمن تقلصت البيوت على أهلها، وقلت التداخلات الاجتماعية ولكن بقت الحالة قائمة على الاحترام المتبادل والمحبة العميقة والتفاهم الجميل، باسم الإنسان وليس باسم السياسة، أو الدين المقدّم عبر وسائط دنيوية، لأنهما ما دخلا في شيء إلا وأفسداه.
 
كاتبة عُمانية

الجمعة، 31 يوليو، 2015






صلالة 31- 7 - 2015

اشتريت هذه الوردة من بائع متجول في شارع قصي، كان يمشي بيأس وحيرة ﻷن أحدا من العابرين لم يلتفت إليه، أو لورداته التي يخشى عليها الذبول قبل أن تؤدي رسالة الحب ويؤدي هو طقوس المعيشة الصعبة، اخترت الأصفر وتركت الأحمر لأن الأحمر أكثر استهلاكا في قوانين التعبير عن الحب، سيشتري الحمراء عاشق مرتبك لتقول مايعجز عنه، أو متمرس في الكذب لتلهمه كلمات لزجة وتعابير كاذبة ومكرورة، أو زوج فقد القدرة على الغزل مع الزمن، فأوكل الموضوع للورد.
ثم تركتها في الفندق لغريب أو وحيد، أدرك كم سيحتفي بها، ويتصاعد في أوهامه معها، وسينسج حولها الكثير من القصص عن عاشقة وهميه تضع له الورد في طريقه، وتنتظره في كل مكان.
سيغير النهاية كل مرة، وربما غير البطلة أيضا، ولكنه سيشعر بالفرح مع كل حبكه جديدة، ومع كل فكرة عن العاشقة الغريبة التي تركت لها الوردة الصفراء وهي تحترق عشقا وشوقا وغيرة، فالأوهام زاد الغرباء، وأجنحة الوحيدين، وملاذ البسطاء ♡♡

الخميس، 30 يوليو، 2015

 
 
 
 
صلالة 30 - 7- 2015
 
سهل أتين يستفيض في سرد حكاية الجمال، فيما يهمس طائر جبلي للعشب المسترخي بدلال بقصيدة عمودية عن أسرار التكوين وإبداع الصانع، وتتهند شجيرة تنظر لأقدام غضة تدغدغ نسغها بعبث، ثم تضحك بصوت يصل للجبل الذي يحرس الاخضرار، فيهز رأسه بحنكة جد الخليقة، ويمسح على رؤوس الأطفال بحنان، بينما الضباب يتلو سورة الدهشة بين يدي الغرباء، فيتعالقون مع المكان بلهفة الغياب.
 

الاثنين، 27 يوليو، 2015



27- 7 -2015
صلالة تفتح لنا أحضانها بالرذاذ والضباب والجمال السماوي الفارق، لتغسلنا برفق من صهد الطريق وحر المسافة، وكأنها الجنة التي عبرنا الجحيم لنحظى بنعيم حقيقي بين يديها ♡♡

الاثنين، 20 يوليو، 2015





فاطمة الشيدي
20 - 7 -2015

العيد والفرح ليسا توأمين ملتصقين
هما صديقان قديمان فقط
ركضا معا في ردهات الوقت
وغبار الأزمنة
وأحبا ذات المرأة، ذات مراهقة...
وكتبا لها بعض النصوص والأشعار
وأرسلا بطاقات مزينة بالقلوب المجروحة
كبرا وافترقا
الفرح أصبح غجريا يقيم عند كل ناصية
ويتكلم كل اللغات
ويرقص كل رقصات العالم
أنجب الكثير من الأوﻻد والأحفاد
كونوا قبائل من المرح والاحلام
يمارسون عمله الطيب كل لحظة
في حين أصبح العيد درويشا متنسكا
يحمل مسبحته الكبيرة ويجوب الأرض
بثيابه البيضاء
ويركن قليلا للسكون في مكان ما
بين الفينة والأخري
فيتحضر الناس لاستقباله
ثم يملون من طقوسه المتعالية على الحياة
والتي قد لا يملكون الوقت والمال لها
نسيا المرأة
ولكن ظل كل منهما يبحث عن الآخر
في وجوه المارة
وفي حديث النسوة
وفي ضحكات الأطفال
وفي كل جديد وجميل
ومازال كل منهما يشبه على الآخر أو يشتبه به
وما زال كل منهما يبكي وحيدا آخر الليل

الجمعة، 17 يوليو، 2015


 



عيدنا يمشي على مهل ..ويصل متأخرا غالبا، ومع هذا فنحن نتشبث سلفا بالفرح وننتشي بأعيادكم أصدقاء القلب والحرف. . فلتكن أيامكم البهجة الممتدة من ضحكة اﻷطفال التي ترتفع كالبالونات للسماء مهما كثرت الأزمات والمحن، تخبر الرب بلغتها المتعثرة وأيديها الصغيرة عن العيدية والحناء ليبتسم لها بفرح ووعد، حتى لهفة عاشق يرى حبيبته في ثوب العيد فينشطر ككوب دري، من رائحة الكعك والهريس في صباحات العيد حتى ابتسامة جد تشق أخاديد الزمن وتتكئ على عكاز الأمل. أعاده الله عليكم، وأنتم وأحبتكم ترفلون في الصحة والمحبة والسلام والصدق والجمال والوعي.
...
معاوية الرواحي:  هناك في بطن الحوت .. أعادك الله لقلب أمك عيدا، ولعينيها نورا.
علي الزويدي:  عيدك الرحمة بين يد رب كريم . وليس مصادفة أبدا أن يكون يوم مولدك العيد.
 

الجمعة، 10 يوليو، 2015



كان عمر الشريف بوسامته العالية، ونظرته الحانية التي تثقب الروح، وصوته المتهدج بالشجن، ناهيك عن أدواره المميزة;  فتى أحلام جيلنا، بالطبع كان هناك دائما الكثير من أبطال الشاشة الصغيرة الذين يصلحون لدور فتى الأحلام، صور نعلّق عليها مشاعرنا المضطربة، وأوهامنا الطيبة، وأحلامنا المستحيلة، وخيالاتنا المجنونة، لكن الفتى الهوليودي ظل بلا منافس، إنه في الجهة الأكثر إشراقا وجمالا من القلب والمخيلة، ظل لا يوازيه أحد، ولا يهزمه منافس بمقوماته الرجولية والإنسانية الأكثر تفردا والتي هيأته لمكانته في السينما العالمية.
وها قد ترجّل البطل عن حصان الحياة، وقد أُعلن نهاية السباق الذي أبلى فيه بلاء خاصا، وها قد أصبحت الشاشة -التي ياطالما نقلت لنا بريق عينيه الخضراوين، وانفعالاته الصادقة التي تهزنا وتحررنا وترفعنا خارج واقعنا المكبّل بالقيود، وتجبرنا على تتبع رعشة يديه التي تربكنا- باهتة وبعيدة وحزينة، ذهب للغياب تاركا ذاكرة محملة بالجمال والبهاء والحب.
وداعا عمر الشريف فتى أحلامنا الأجمل.

فاطمة الشيدي


الشيطان اليوم يحكم العالم
يجلس على كرسيه الوثير
مزهوا بمجده
وحوله حاشيه من الشياطين
يضعون أحدث القبعات لتخفي قرونها
ويلبسون أجمل الماركات لتخفي ذيولها الطويلة
وأمامه شاشه عملاقة
وبيده ريموت كنترول
يغير قنوات العالم
ويرسل رسل الخراب لكل مكان
في مكان ما يضعون صواريخ
وفي مكان آخر براميل
وفي مكان ثالث يضعون لحى
وفي مكان رابع يضعون قيودا
وبعض أعوانه يعملون بوظائف راقية في الحكومات
وبعضهم تجارا يتحكمون في بورصات العالم
ويتسببون في إفلاسه
وبعضهم موظفون في البنوك والمؤسسات الرسمية
وهو يتابع أخبار الموضه باهتمام
ويقوم بعمليات تجميلية كل عام
وربما يضع بعض النقود للتبرع للجمعيات الخيرية
وقد يؤسس مراكز طوعية لمساعدة اللاجئين والمسنين والمعاقين والأيتام
ويغرد في صفحته على تويتر والفيس بوك متضامنا مع كل قضايا العالم المستجدة، ومنددا وشاجبا ببؤس العالم وقبحه
ويسافر على متن الدرجة الأولى
لكل حاضرات العالم المتقدم
ويزور المتاحف
ويحضر عروض أولى وحصرية لبعض الأفلام
ويأكل في أغلى المطاعم وأكثرها شعبية
ويلتقط لنفسه صورة سيلفي رافعا إصبعيه السبابة والوسطى ويجعلها بروفايل
ليكايد الله والأخيار من نسل آدم بإنجازاته الجبارة

الخميس، 9 يوليو، 2015

  
artwork by Andrej Mashkovtsev
فاطمة الشيدي
لا أريد أن أقول شيئا أيتها الحياة
فليس لدي ما أقوله
أجلس على الحافة تماما
جاهزة للغياب
أصطاد أحلام الموتى
وضحكات الغُيّاب
وأكحل القصائد بالنجوم
لست حزينة
رغم القبح الذي يحتويك
والأشرار والمسوخ والسفلة
الذي يمشون على أديمك
فلدي قلوب تصلح للاتكاء
وللبكاء أحيانا
و أصابع للكتابة
ولدي عينان أقرأ بهما
وخيال يمكنه أن يصطاد القمر في الليالي الحالكة
لنلهو معا في الغابة الكونية
وربما نضحك قليلا
على هذا السيرك الكبير 
وهذا يكفي دائما


الأربعاء، 8 يوليو، 2015

العاصفة 3
………… ..
العاصفة المراهقة اللعوب
ماتزال تبدل أثوابها الصيفية من رائحة جلودنا
وتشعل حرائقها اللاهبة في دمائنا
ترقص رقصتها الصوفية عبر ممراتها اللولبية الخفية
تدور .. وتدور ..وتدور حتى تسقط
تعبث بنا كطفلة شقية
توميء للمكان بالفرح
تغمز للشجر الذي يشرع جسده بلذة للهواء
وهي تخيّب آماله العريضة
وتنثر الغبار فوق شعرها بجنون
فيتطاير في دروب الكون
العاصفة التي تتآمر مع بضع غيمات عقيمات على حجب وجه الشمس
لتوهمنا بالهواء البارد
ثم تثير زوابع القلق الساخنة بمرح ساذج
وتتلو صلواتها المعربدة على أجسادنا المرضوضة بالحر والوهن
كقربان للشر
فنشعر بدهشة الضرير أمام الصباحات الطازجة برائحة الخبز والقهوة
ونتسمر خلف الزجاج في محنة الهواء الاصطناعي
ونبتسم بحسرة لجنونها المثير، ونحن ننظر لأفنان الكون المتراقصة
وندرك سر الخديعة الكبرى
وشظف الروح أمام الغضب اللامرئي للطبيعة
لولا شغف الماء

فاطمة الشيدي
7/2015

الثلاثاء، 7 يوليو، 2015

7-7 رمضانيات




كم هي واقعية حلقة اليوم من "سيلفي" التي تعكس إجحاف المجتمع العربي في حق المرأة، وربطها بفكرة الشرف والعار معا، وعدم سن القوانين الرادعة لحمايتها، وجعلها هي شماعة كل خطأ وزلل وفحش يرتكبه الرجل المسكين الذي لا يستطيع مقاومة فتنتها، بل ومعاقبتها من قبل المجتمع بكل أطيافه والتشهير بها على جرم لم ترتكبه.
المرأة الفتنة/العورة التي تتسبب في كل ما يجنيه الرجل عليها، والتي تستحق كل ما يصدر منه في حقها. كما تستحق حكم المجتمع عليها بالنفي أو اﻹعدام بعد ذلك.
*
برنامج "مخطوطات مهاجرة" فكرة تاريخية عظيمة، وجهد علمي وبحثي رصين، فالبرنامج الذي يلقي الضوء على تاريخنا العلمي والثقافي عبر المخطوطات العمانية المهاجرة لكل أصقاع الأرض، يقدم صورة تاريخية مشرقة لعمان الحضارة والعلم في أزمنتها التاريخية الحافلة بالتآليف الدينية والشعرية واﻷدبية، كما يعرج على تاريخ المكتبات المستضيفة في كل أنحاء العالم بالتعريف والتقديم للمتلقي.
رائع رغم عدم وضوح صوت الراوي بنصاعة. وكثرة الإعلانات في زمن الحلقة القصير أصلا

*
تابعت بعض حلقات مسلسل دهاليز، وأعتقد أن "الكريكاتورية" التي يقوم عليها المسلسل والتي تعنى بتضخيم العيوب، والنفخ فيها لجعلها "ظاهرة"، فكرة فنية هادفة، كما أن النهج الكوميدي المبالغ فيه (نسبيا) الذي ينتهجه مناسب لمعالجة القضايا المجتمعية الصادمة والحقيقية التي يطرحها المسلسل، وتوصيلها بخفة لكل شرائح المجتمع.
نص المسلسل وكتابة السيناريوهات يعكس جوانب كثيرة من حياتنا، ومجتمعنا ومشاكلنا،وقضايانا، وشخصيتنا بكوميديا واعية.
واداء الممثلين بمبالغاته جزء من فكرة المسلسل.
وهناك الكثي...ر من المسلسلات العربية والخليجية التي تمثل نفس الاتجاه وتعالج قضايا اجتماعية بأسلوب كوميدي ساخر مثل يوميات ونيس لمحمد صبحي، ومسلسل طفاش، ومسلسل طماشة لجابر نغموش وغيرها من المسلسلات السورية والمصرية.
فقط علينا تقبل نتاجاتنا الفنية والثقافية وعدم الحكم عليها بالفشل التام لأنها فقط محلية، واستيعاب الجهد المبذول فيها كتابة وأداء وإخراجا، ولا بأس بالنقد الموضوعي الهادف للتحسين والتطوير.

*
وأنا أتابع برنامج خواطر في موسمه الأخير كل ليلة تقريبا، أشعر بالتقدير الكبير لهذا الإنسان النبيل الذي يجوب الأرض شرقا وغربا معملا عقله ووعيه في خدمة الإنسان.
وكثير جدا ما يمكن أن يقال عن خواطر، وعن أحمد الشقيري بأخلاقه الرفيعة، واقترابه الصادق من الإنسان، وبعده عن حب المديح والتملق والظهور رغم انه إعلامي، لست بصددها، لأنها لن تضيف لهما شيء.
ولكني هنا أريد أن أتحدث عن تأثير هذا البرنامج. فبعد مشاهدة كل حلقة أشعر بقيمة العطاء، وبالامتلاء الحقيقي بالخير، وبالرغبة العارمة لعمل شيء ما للأنسانية، وفي كل حلقة أستشعر نقص وتفاهة الإنسان المستهلك والأناني فقط، والذي لا يعمل عقله في الكون، ولا ينتبه لحاجة أخيه الإنسان، وكم أتمنى وجود الكثير من هذا المبادرات في مجتمعي، والكثير من حملة شعلة الخير، وهداة الفكرة، ولكني ما أن أصحو قليلا من السكر بجمال الحلقة حتى أفكر في كل مبادرة منه، هل يمكننا في بلادنا عمل شيء من هذه المبادرات، دون الرجوع للحكومة لطلب العديد من التراخيص، والخضوع للكثير من التعقيدات والأوراق وطرق ألف باب من أبواب المسؤولين الموصدة؟
وتكون الإجابة بلا، فنحن للأسف لسنا أحرارا بما يكفي حتى لمساعدة الآخرين، فالحكومة أبخص! ، وهي فقط من تقرر من تساعد ومتى، وعلى يد من، كما تحتكر فعل الخير عبر قنواتها الرسمية التي للأسف لم يعد المواطن يثق فيها كثيرا، ولا في القيمين عليها.
وأعرف أن هناك مبادرات عظيمة في بلادنا، ولكننا نحتاج أكثر، نحتاج الكثير من المبادرات الإنسانية والمجتمعية التطوعية، فهناك الكثير من البشر يحتاجون لمد يد المساعدة والعون، كما أن العمل التطوعي ثقافة وقيمة في حد ذاته، ترفع من المسئولية الاجتماعية، وتعزز الانتماء للمكان، وتساهم في صناعة الإنسان، حيث تقدم للشخص هدفا يعيش لأجله، فالكثير منا وخاصة الشباب يعيشون فراغا روحيا نتيجة انعدام الهدف، وعدم وضوح الرؤية، والبحث عن كيفية تحقيق الذات، نعم الجميع يسير في تراتبية الحياة اليومية المملة ويتثنى في تعرجاتها الكثيرث، ويخضع لحركتها الدؤوب، ولكنه إن نظر في داخله سيجد فراغا كبيرا، وهاوية سحيقة ملأى بالأسئلة والفوضى التي تفضي للعدم الوجودي، ولا شيء يسد هذا الفراغ سوى وضوح الهدف، ونبل القيمة الوجودية عبر رسالة إنسانية ترفع مستوى الوعي بذات الإنسان وبهدفه في الحياة، وتجعله كائنا كونيا، الرسالة التي تحدد الطريق باتجاهه السليم، ولا تجعل ذلك الفراغ عرضة للاستغلال من آخرين في مسارات مظلمة، لديهم القدرة على الاقناع ووضع أهداف غير نبيلة يحقق هؤلاء الشباب من خلالها ذواتهم، ليذهبوا في طريق التطرف والإرهاب.
وفي رمضان الذي تغلق فيه أبواب الشيطان وتغلق معها كل أبواب الترفيه والتثقيف والترويح، ولا ينفتح سوى باب الملل حيث يحتار المرء ماذا يفعل؟ وأين يذهب؟ فلا فعاليات ولا مناشط يستطيع المرء من خلالها زجر الملل قليلا، وإضافة القليل لمعارفه، فلو كان لدينا مبادرات ثقافية وإنسانية، مجموعات كثيرة تتقاطع، وتدور حول الإنسان لغة ووعيا، نقاشات حول الثقافة والصحة واستثمار الوقت، والمشاكل التي تعترض الإنسان في حياته، وكل ما يهتم لمعرفته، مجموعات صغيرة تلتقي ثلاث مرات في الأسبوع او أكثر أو أقل، مجموعة أصدقاء الكتب يجتمعون على مائدة كتاب ما، ينهلون من فكرة، ويحلّقون مع لغة وجمال ووعي صاحب الكتاب، مجموعة كتاب شباب يناقشون كيفية التخطيط لكتابة رواية، مجموعة نساء يناقشن استثمار الوقت، مجموعة متقاعدين يناقشون عمل مجلة، مجموعة المشائين، مجموعة الطباخات الماهرات، مجموعة الحوامل، مجموعة منظفي الشواطئ، مجموعات أصدقاء الشجرة، مجموعات من الحياة وللحياة، مجموعات تطوعية وتثقيفية لكل ما يهم الإنسان جسدا وروحا، بشر طبيعيون يفكرون وينفذون، يشهرون روابطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويستقبلون الحضور الذي يهتم لما يفكرون فيه، مجموعات تنشأ وتتفرع وقد تندثر بلا تدخل حكومة ولا تراخيص، ولا انتظارات تكرمية ممن يمنحهم مصداقية الفعل، ورسمية التشكل والحضور. أفكر في هذا، وأنا أدرك أن كل الطرق مسدودة بعلامة (ممنوع) وأتذكر كل الصالونات والمبادرات التي تم إغلاقها، ومنعها. فقط لأن الحكومة أبخص بكل شيء. . ولا عزاء للإنسان!
 

الاثنين، 6 يوليو، 2015

 
عصفور جاء ليغازل الوردات؛ يشم الرائحة، ويتأمل الحسن ♡♡
يارب الجمال ☆☆

كتاب أعجبني



تم نشره في 05‏/07‏/2015
برنامج كتاب أعجبني
كتاب "عروة الزمان الباهي" للأديب عبدالرحمن منيف
الضيفة: د. فاطمة الشيدي
بصحبة سليمان المعمري وحمد الحبسي


*

المياه كلها بلون الغرق
تأليف: إميل سيوران
تستعرض الكتاب: د. فاطمة الشيدي
لعلنا لم نر عتمة أشد من هذه التي تحيط بالإنسانية من كل جانب في بداية هذا القرن الواحد والعشرين، ونحن بين ألفية أسكنت القبر وأخرى تنتفض كالطائر الخارج من بيضته، مدججة بكل ما ورثته عن سابقتها من وسائل تدمير الروح والعقل والجسد والقيم والوجدان… في مثل هذه العتمات نحتاج إلى كتاب مثل سيوران.
كان يعتبر نفسه من “الفلاسفة بالصدقة”، معلناً أن الكتب الوحيدة التي تستحق أن تكتب هي “تلك التي يؤلفها أصحابها دون أن يفكروا في القراء ودون أن يفكروا في أي جدوى أو مردود” مضيفاً (إن مأساة الكتاب بصفة عامة تتمثل في كونهم يملكون جمهوراً ويكتبون لهذا الجمهور، وهذا لا يمكن أن يؤدي إلا إلى عواقب وخيمة”.
كتب يقول: “ليس لي أفكار، بل وساوس… أحب الفكر الذي يحافظ على مذاق من الدم واللحم…” ذلك أن الكتابة بالنسبة إليه طريق إلى اللاكتابة. إنها نوع من التحايل على الحياة التي تتظاهر بالمعنى والحال أن لا معنى لها على الإطلاق، إن الحياة تدفع إلى الموت ولكن الموت بهذه الطريقة هو استسلام أسهل من أن يقبل به من كان مثل سيوران، لذلك فهو يكتب كي يموت على طريقته هو، باستطيقاه هو، عابثاً بالفلسفة النسقية خصوصاً، ساخراً من الفكر المحنط في صرامته البهرجية، آخذاً من الشعر والموسيقى جوهرهما المشترك: الومضة والإشراق، وكأنه يعلن أن من كان شظية مثله لا يمكن أن يكتب إلا بالشظايا، بالشذرات، بالمزق المتناثرة في كل اتجاه، وخاصة في اتجاه السقوط، وهو اتجاه الكينونة الوحيد منذ البداية. وقد اختار سيوران أن يواجه سقوطه وأن يتلمسه ويتحسسه بالكتابة الساخرة المرة اللاعبة بحكمتها المستظلة بخفتها المستنجدة بهشاشتها استنجادها بآخر ملجأ ممكن للإنسان، وهي كتابة جسدية تكاد تمارس الجنس مع الكون في وضع اغتصاب سادي مازوشي متبادل، لا يهرب من الموت لكنه يرفض الانتحار، من ثم نفهم قوله: “إن كل كتاب هو انتحار مرجأ