جريدة عمان ملحق شرفاتالثلثاء, 17 يناير 2012
فاطمة الشيدي
1.
البنت الشقية (من الشقاوة) المتمردة والمشاكسة، والمختلفة عن المجتمع ومعه، والباحثة عن الحقيقة بنفسها لأنها لا ترتضي الجاهز منها، والتي تسعى لكشف مستورها وبعيدها مهما كلفها ذلك من عناء وتعب، وحزن واختلاف، هي صورة متكررة في المخيلة السردية منذ ليلى والذئب وغيرها من الروايات التي تعالج صورة المرأة وتبحث في تفاصيل حياتها، لأنها المقارن الموضوعي للنوع الآخر من الروايات التي تعكس الرضوخ النسوي، والألم المرتبط بسيرورة حياة المرأة وضعفها وانتظار من يخلصها من براثن الظلم من الخارج كقوة غيبية أو خلاص خارجي، كسندرلا وبائعة الورد و غيرها من الحكايات التي يأتي الخلاص فيها من خارج إطار المرأة ذاتها.
وسميحة خريس اختارت أن تنحاز في روايتها "نارة" لهذه الفئة، أي للقوة الذاتية، والتمرد النفسي على المجتمع المشبّع بالظلم والقهر للإنسان البسيط والعادي بجنسيه، وبمختلف أطيافه الاجتماعية والمادية والنفسية، التمرد الذي لا يعني الرفض بقدر ما يعني الانتماء، والكشف الذي يشبه الوصول لحقيقة مدركة سلفا، ومجاهدة الذات قبل الآخر في العبور اليومي والذي لا ينتظر الكثير من هذه الحياة .
لذا علقت الكاتبة صوتها العالي، ووجعها ورفضها للكثير من أمراض المجتمع العربي الثقافية والاجتماعية والسياسية على مشجب صحفية ناشئة، قررت أن تعاند هذه الحياة التي تعاندها بأن تعيشها كما تريد هي، وترسمها من الداخل بقلم محايد تماما. نارة الطفلة التي ذاقت اليتم مع أول صرخة للميلاد، وعاشت حياة عادية وبسيطة، قررت أن تتمرد على هذه الحياة بأن تكتبها وتصدرها للقارئ رواية تحمل اسمها، وتفاصيل حياتها التي يشاركها فيها الكثيرون.
2.
الحكاية التي ترويها لنا "سميحة خريس" على لسان نارة تتلخص في أن بنتا صحفية مهمشة وعادية جدا وتعمل في صحيفة "يكاد لا يقرأها إلا أصحابها "، اعتقدت أن لديها حكاية مهمة، وأن حكاياتها هذه صالحة للكتابة، لذا قررت أن تبحث عن كاتب مهم ومشهور يقوم بهذه المهمة الصعبة، وبدأت تبحث عن أسماء كبيرة، تصلح لهذا الدور الكبير لكتابة قصة هامشية، مثل " خيري منصور" ومؤنس الرزاز"، و"إبراهيم نصر الله"، ولكنهم رفضوا كتابة حكايتها، ثم واصلت البحث حتى وصلت عند سميحة خريس التي رفضت الأمر في البداية ولكنها ألحت "كقرادة لاصقة على بدنها" ص18، فقبلت الكاتبة أن تصغي لهذه الفتاة التي نقلت إليها صورة كريكاتورية للمجتمع الذي تعيش فيه مضخّمة حجم مساوئه التي قد لا تراها العين المجردة والعابرة في هذه الحياة، ولكن "نارة" الساخطة والمجنونة والساخرة تنقل كل التفاصيل بشكل مبالغ فيه حتى تعري هذا المجتمع وتظهر عوراته الكثيرة.
ونارة الطفلة التي ولدت يتيمة بلا أب ولا أم، فالوالد ذهب لفلسطين ومات هناك، والأم لفظت روحها بحمى النفاس بعد مخاضها بهذه الطفلة التي ستربى في بيت عمها وزوجته العقيمين وجدها الذي يعاني من زهايمر العمر الأخير وصمته. وتعيش في حي شعبي بسيط يعرف فيه الجميع بعضهم، وفي بناية بسيطة، ومع هذا تختار مهنة المصاعب لتحقق حلمها الثالث، "حلم الطفولة الأول كان تلويث فستاني بالشوكلاتة إلا أنها لم تكن مادة سهلة المنال، فإذا ما توفرت رحت أمتصها ببطء مستبقية رطوبتها وحلاوتها في لساني مانعة أي قطرة أن تسيل خارج فمي، حلم الطفولة الآخر نوع من الصعلكة البريئة إذ طالما اشتهيت دعك ركبتي بتراب الحارة وتمزيق بنطالي على الإسفلت ولكني بنت لذا بدا حلمي الثالث "الصحافة" متاحا جدا، منطقيا ومقبولا" ص 5.
3.
شخوص نارة" كثيرة ومتعددة الطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهي متنافرة، وواضحة أحيانا ومقنَّعة أحيانا أخرى كما تريد لها نارة لأسباب مهنية وسياسية ورقابية، ولا رابط بينها إلا نارة، فهي الحدث الوحيد الذي يجمعها في نرجسية بوحية حكائية، شخوص تبدأ من المجتمع حيث يسحق المسحوق مسحوقا مثله، وحيث تنتشر الأمراض الأخلاقية والنفسية كالفطر العفن، فأهل الثقافة الذين يمارسون تشويه الفكر، ويعيشون المغالطات والكذب والمبالغات، والرسميات، وصناعة نجوم المواسم الثقافية، ولعق الأحذية، حتى الساسة بحذلقتهم وفسادهم وكذبهم، ورجال الأموال والأعمال الذين ينهبون خيرات البلاد والإنسان تحت مسميات كثيرة، فأهل الإعلام حيث تلميع وتبرير هذه الخلطة الزائفة للحياة، وتصدير الكذب بمسميات أخرى، ومن شخصيات "نارة" جدها أبو عدنان، والعم رمضان، وزوجة العم فتحية سليطة اللسان العقيمة التي لا تنجب، والتي أخذت طفلا خطيئة لتربيه في بيتها، وبذلك تنقذ أمه من فضيحة كبرى بسبب خطأ ارتكبه ابن الجيران، وشعبان الطفل الذي لفظه رحم ليتلقفه حضن آخر ليس حضن أمه، "وأم صبحي"، وزملاء العمل "كعب الكباية"، و"الماحي"، و"سحلية"، و"هيد آند شولدر"، و"منذر"، و"أمرك سيدي"، في تغييب للاسم وإظهار للصفة القاسية التي تنعتهم بها الروح المجنونة نارة.
4.
لا تريد "نارة" عقدة واحدة لتحيك حولها حكايتها، فهي ذاتها عقدة بجنونها ورفضها وسخريتها من هذه الحياة، وعملها الذي تعيش منه، وترى العالم من خلاله بفساده ونفاقه وكذبه ودهاليزه الكثيرة، من السياسة حتى الثقافة، فالمجتمع، وحجم الكذب الذي ينشر كل يوم في صحف تبيعه ويشتريه بشر بأثمان يمكن أن تسد جوع آخرين، الكلام الكثير الفضفاض الذي يسيل من كل مكان، هو عقدة أكبر تحكيها وتحكي عنها (معركة، حرب كلام وعضلات وخزعبلات على المنصات الوقورة) ص 45، وأسرتها عقدة أخرى، بالجد الذاهب في الصمت والنسيان، والخالة التي ليست خالة، والعم الذي أخذ بيتها نظير تربيته، والصمت المتقن في شبكة علاقات إنسانية مزوَّرة وباهتة، والعالم كله في تناقضاته الكثيرة،وفي جوعه وفقره ولا عدالته، ورفضه للإنسان البسيط وسحقه تحت عجلاته السريعة عقدة أكبر(ما أهمية التزايد المطرد لأعداد الجائعين والشحاذين وبائعي العلكة وفارشات السجائر الرخيصة" .
5.
الزمان والمكان في "رواية نارة" حاضران بقوة فهي تعيش وتحكي وترسم مشاهد يوميه في عام 2002- 2003 مستحضرة كل ما تقع عينها عليه،وهي تجوب عمّان جيئة وذهابا "من الجامعة الأردنية إلى جبل الحسين" فهي الصحفيَّة التي بحكم عملها تكتب في كل شيء من السياسة حتى الرقص الشرقي والموضة والغناء، وبالتالي تدخل في كل سراديب الحياة ومساربها "هذه النارة وبحكم جنونها ترتاد الأماكن الغريبة، التي تصبح بمرور الوقت أليفة، أكثر من سطح البيت الذي ذرعته آلاف المرات، إبان الاستعداد لامتحانات التوجيهي"، وتصف كل شيء بسخرية لاذعة وبكل جماليات الملل الحقيقي " أما الندوات، الجثث المحنطة، مومياءات ملفوفة بالبياض فوق جلد خشن وعظم متخشب، تنطلق الكلمات الجوفاء من أبواق واسعة".
6.
الحلم معادل الخلاص، لهذا تحيلنا رواية "نارة" فالطفلة الوحيدة اليتيمة الغريبة حتى بين صديقاتها في المدرسة، والتي تظن مدرساتها أنها متوحّدة، أو غريبة الطباع وجدت لها في حوارات طفلة أخرى مع لعبتها حلا لوحدتها، فاخترعت لها حلما وحبيبا وصديقا حنونا، اخترعت لها قلبا تناجيه، فكان "حسن" الشبح الصديق والحبيب، هو الروح التي تركن إليها تبكي على صدره كأم، وتشتكي له الحياة كصديقة، وتضع رأسها الثقيل بهموم البشر على كتفه كحبيب، إنه جنّة الخيال الذي صنعته المخيلة الخصبة، في عالم متهالك ومتآكل ومكلوم من رأسه حتى أصابع قدميه، وثروة الروح الباهظة الوجع والغربة والألم.
7.
وضمن هذه الخلطة العجيبة للحياة، تحاول نارة توضيح رأيها في أبسط مواقف الحياة وأعقدها، بالرفض والصراخ تارة وبالصمت تارة أخرى، وهو حقها الطبيعي في الكفر بكل هذا الزيف، وبكل ما تسمع وتنقل وتشاهد وتكتب أحيانا، متمسكة بخيط واهن من الأمل والإنسانية والانتماء العروبي والقومي، وأخلاقيات الإنسان التي تتهاوى في زمن العولمة، ولكن لم يكن لكل هذه الغربة الثورية، والثورة الحانقة، والألم البيّن في روح "نارة" أن تشفع لها الحياة بالتكوّن والتكوّر والفرح والمتعة، ولا أن تقنع القارئ بالتسامح والانسجام معها، لذا كان لابد من التحليق والغياب، ولا بد من رفض كل شيء فيها، والذهاب باتجاه السماء العادلة، ولا بد من نار تلائم "نارة" "حارسة الماء والنار"، وهكذا في لا وضوح تام ترشدنا الكاتبة بصمت "نارة" عن الحريق الذي أعده جدها في القبو، واستسلامها للقدر المحتوم بالغياب الأخير عن حياة لم تقدم لها الكثير، "كأني لا أعلم مسبقا بأمر الموت الذي يعده جدي الناسي، وهو يشعل النار في قاع القبو، لتمتد ألسنة حارة وكاشفة ومجنونة من قلب البناء، وصولا إلى البيت موصد البواب".ص 189
تعانق نارة النار التي انفجرت في البيت كله، وهي متكوّمة في وضع جنيني، لتغادر هذه الحياة بلا ألم ولا تمسك بها، في مقاربة سردية بين اسمها والنار، وبين الوضع الذي جاءت منه، والذي تذهب إليه، وتفتح أبوابها للغياب في السماوات، تاركة القارئ في لبس بين كاتبتين وحياتين وموت لا يعرف من اقترفه تحديدا، و حيرة مقلقة تشبه كذبة صغيرة تقولها أم لتجمّل الحياة لأطفالها، أو تشبه الكتابة والحلم إذا امتزجا معا. "كيف للمدونة الكاتبة أن تعلم ما شعرت به، إن ألّفت أو زوّرت على لساني مشاعر ومواقف تزعجني، كيف أعاتبها أو أنكر؟ أصبحت كلي ملكا لها، تقتلني كما يحلو لها فأموت مبتسمة، مسترخية." ص 188.
• نارة: امبراطورية ورق، سميحة خريس، دار الشروق، عمّان، 2005.



الثلثاء, 27 ديسمبر 2011









