الجمعة، 27 مايو، 2016


فاطمة الشيدي
20-4-2016

يهبونك الآن أجنحة
ترتفع كثيرا ..كثيرا
كما لا يدركون
أنت الأعلى الآن
الأجدر بالسخرية...
الأكثر سطوعا
كنجم عظيم
فسهيل تراجع
والميزان رجّح كفتك
فلا طرفين متوازيين يا صديقي
إلا في قضيتك!
فوحدك فكرة العدل التي يناوشها الجمع
ووحدك أغنية الحرية التي رددها السجناء
والمنبوذون والمتشردون
والسود والعبيد
والجواري والحريم
والفلاسفة والكتّاب
والشعراء والصعاليك
في كل العصور
فهناك على جانبك الأيسر كان "لوركا"
يناجي حبيبته بيأس (كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ )
وبينكما يسكن الآن "أشرف فياض" يحاور أبجديات اللغة
ويعيد ترتيب الكلام ليعجب الزراع
ويشرق بالضحك طرفة بن العبد على مبعدة
والكثير من الجمر يهطل الآن في شتاءات جزيرة الموت
والجمع بلا مظلات ولا أردية
بينما يشرح طفل سوري على باب القيامة تفاصيل اللعنة السافرة

السبت، 9 أبريل، 2016

السينما العربية بين الرؤية والرواية



فاطمة الشيدي
القدس العربي
أعدّ نفسي من عشاق السينما إضافة إلى الكتب والموسيقى وبقية الفنون الأخرى، كغيري ممن اختاروا عالم الجمال والفن والطبيعة كعوالم بديلة أو موازية لعالم الإنسان الذي كثيراً ما يضج بالقبح والشر، ولذا ففي كل أسبوع أشاهد فيلماً أو اثنين على أقل تقدير.
تبهرني السينما فعلاً، الفيلم الذي يجعل الصورة فكرة، أو الفكرة صورة، هذا الفن الذي يشحذ المخيلة، وينمّي الوعي، ويقدم رسائله العميقة والبسيطة في آن، لجمهور الشاشة الكبيرة بمختلف أعمارهم، وأفكارهم ومشاربهم، وأحلامهم ومستوياتهم المعرفية، فهو ليس حكراً على أحد، أو على طبقة ثقافية ما.
هذا فن يستطيع أن يقدّم كل شيء في الكون والمجتمع وعبر التاريخ أو الجغرافيا بجمالية الصورة المتحركة، ودهشة الحكاية والصنعة الفنية، كما يستطيع أن يجسّد حضور الإنسان في الحياة في كل حالاته من ضعف وقوة، وجمال وقبح، وصحة ومرض، بل في حضوره وغيابه، حيث أن المخيلة الإنسانية الجبارة لم تقف عند حد ما، فصورت السينما ما بعد الموت، وما وراء الزمن أو في حالة توقفه، كما في الكثير من الأفلام الخيالية أو العلمية أو أفلام الرعب والـ»أكشن» وغيرها.
وتشهد الصناعة السينمائية العالمية اليوم تقدماً فنياً على المستويات كافة، من حيث الرؤية التي تتناول الكون وما وراءه، والتقنية، والموضوعات التي يتم تقديمها عبر المادة، «النص»، حيث تسعى السينما العالمية لحفر مكنونات الفكر الإنساني، لتقديم أعظم الروايات العالمية للمشاهد المعاصر ليتعرّف على هذه الروائع، ويتذوق جمالها النصي عبر اللغة الصورية، إضافة إلى تقديم حياة أهم الشخصيات التي عبرت هذا الكون وأثّرت فيه من علماء وفنانين ومخترعين وكتاب وبسطاء ومناضلين.
فدور السينما هو الارتقاء بالإنسان وبذوقه ومعرفته وإنسانيته عبر تقديم الروائع الفنية والأدبية والإنسانية بصورة قريبة ومتاحة، لتصل إلى عمق وجدانه، وتسهم في تغيير أفكاره وأحلامه وممارساته المعيشية والارتقاء بها. إنها ببساطة محاكاة للحياة عبر تقديم نماذج إنسانية (في الخير أو الشر) وأفكار خلاقة، تجعل للحياة معنى، وللفن دوراً في صناعة الإنسان وبناء فكره ووعيه وذوقه، ولذا لم يعد مستغرباً، بل أصبحت شبه «موضة سينمائية جارفة» أن تجد عبارة «الفيلم عن رواية كذا»، أو «هذا الفيلم عن قصة واقعية».
وليست السينما الغربية (بتنوع بيئاتها وإنسانها الأوروبي والأمريكي، والأسود والأبيض والملون) وبتنوع أفكارها وقضاياها، هي التي تأخذنا مباشرة للحديث عنها أو الإشادة بها فقط، أو اتخاذها نموذجاً وإن كانت الأكثر حضوراً وتميزاً وعناية بهذا الفن، والأكثر وصولاً للمشاهد العربي للأسف. إلا أن العالم كله أصبح يدرك أن صناعة السينما هي صناعة ثقافية من الدرجة الأولى، وهي صناعة الإنسان أولاً وأخيراً، فالسينما الإيرانية مثلاً تمثل حالة سينمائية إنسانية رائعة بكل المستويات الفنية والنصية، والسينما الهندية تذهب كل يوم بكل طاقتها لصناعة فنية راقية، وبالطبع هذا ينطبق على سينما كل العالم.
ولكن ما يهمنا هنا هو الحديث عن السينما العربية التي ندرك جميعاً أنها تعاني الكثير من المعوقات أمام صناعة سينما حقيقية، ليس آخرها المال الذي تحتاجه هذه الصناعة، وليس أهمها عدم وجود معاهد مستقلة لتأهيل صناع السينما وغيرها من المعوقات. كما أن الحديث هنا ليس نقداً سينمائياً متخصصاً، بقدر ما هو نقد ثقافي وإنساني لفن ينمو ويسهم في صناعة الإنسان في كل أنحاء العالم، والإنسان العربي يحتاجه اليوم بقوة أكثر من أي وقت مضى.
فالسينما العربية تحاول جاهدة، ومنذ عقود طويلة الوصول إلى صناعة سينمائية محترفة حقيقية وجادة، إلا أنها للأسف ما تزال تراوح مكانها، بل لعلها تراجعت كثيراً في بعض المجالات والتقنيات في زمننا هذا. فالفيلم العربي ما زال بعيداً عن التقدم العالمي في هذا الميدان، وإن حضر كان بحياء أو بعدم احترافية وفي المهرجانات السينمائية. كما أنه (غالباً) لا يسعى لتلمّس روح الإنسان الحقيقي بكل تشكلاته وتمظهراته الداخلية والخارجية، والتعبير عن قلقه الوجودي، وأوجاعه الإنسانية. فهو بعيد عن هموم الإنسان اليومية، ومكابدات الحضور الفعلي في حياة ليس عادلة أبداً، ويحتاج الإنسان إلى يد الفنون لتأخذ بروحه الحائرة، وإلى بوصلة الجمال الذي يمكن للسينما أن تلعب فيه دوراً كبيراً ومؤثراً. فما تزال السينما العربية من حيث المعالجة تركز على إثارة الشهوات عبر حكايات ساذجة تُدَس عبرها مشاهد جنسية مفبركة، ليصبح «الجنس» هو الشكل الأساسي أو المبتغى من العلاقة الإنسانية، مشوِّهة بذلك الكثير من قيم الحب والإنسان معاً؛ ومتجاهلة (غالباً) كل أشكال العلاقات الإنسانية الأخرى كالأخوة والأبوة والحب العظيم والعجزة والمعاقين والأطفال أو ربما تناولتها بشكل خجل أو مشوّه وبسيط.
وللأسف إنحازت السينما العربية مؤخراً إلى نشرات الأخبار، والعنف المؤدلج، والسياسي، في تناولها لحكايات الإنسان، فجاءت الأفلام الجديدة صوراً فنية لمشاهد توثيقية للعنف العربي الذي نعيشه من الماء للماء، وفي الحقيقة نحن بحاجة إلى الذهاب بعيداً عنه، ومحاربته بكل الممكنات الجمالية، أكثر من توثيقه وتأصيله في الفن.
فهل علينا أن نواجه هذا القبح والتوحش بتعريته أكثر؟ أم بتقديم نماذج جمالية مضادة تمثل حالة اقتداء واحتماء للوعي المجروح والأرواح المتشظية؟ وكم نحتاج من الوقت لصناعة نماذج جمالية فنية وفكرية تأخذ بيد الإنسان العربي نحو السواء، وتجعله يطمئن إلى أن القبح والشر هما مجرد حالات شاذة في السواء الإنساني الأعم؟
أين نحن اليوم من الفنون التي هي جوهر وجودنا على هذه الأرض؟ أين الثقافة العربية من السينما كفعل تغييري وتنويري، وأين تقف صناعتنا السينمائية من الفن السابع الذي يتقدم اليوم في العالم أجمع بقوة ليصبح الفن الأول، فن الرؤية العظيمة، والتأويلات البعيدة، ليأخذ من الشعر والموسيقا والمسرح مباهجها، ومن الروايات الخالدة أكثر جمالا وعمقا وحساسية ويتقمّصها ويصنعها؟ فأين نحن من ذلك كله، بل أين الفنون البصرية المتداخلة في السينما العربية؟ أين السينما الشعرية؟
أين روح الحكاية العربية، الشعبية والأسطورية التي برعنا فيها طويلاً وكثيراً؟ أين أساطيرنا وتاريخنا وتراثنا الشفهي والسردي العربي؟ أين أبو زيد الهلالي وعنترة بلا عنتريات؟ لِمَ لم ننزل بجماليات سردياتنا العظيمة من صهوة التاريخ إلى حاضر السينما؟ أين ليلى والمجنون وكثير وعزة ؟ لِمَ اتسع السرير، وضاق التفكير؟
وأين الروايات العربية الخالدة، والعالم يحوّل روائع القرن العشرين إلى أفلام، في حين أننا نتجاهل انتاجنا الروائي الكبير والضخم على مر قرون طويلة، ونتركه يتلمس كالأعمى الجوائز الساذجة للحصول على شرعية حضور؟
ولماذا اكتفى صناع السينما العربية باللهاث والتهافت وراء المهرجانات السينمائية العالمية سعياً وراء البريق والشهرة والجوائز؟ لماذا يُتجاهَل الإنسان الذي لا يستطيع حضور المهرجانات، ولكنه يستطيع أن يوفر ثمن شراء فيلم من أقرب بقالة لبيته؟ أو يؤجره من أقرب محل؟ وهو بالتالي لا يريد أن يشاهد بريق المهرجانات الكاذب، والسجادة الحمراء، والأجساد المدهونة بالعسل والمربى، بل يريد أن يرى قصة إنسانية تجلي همومه اليومية، وتسعف أحلامه الصغيرة متجسدة في فيلم، يريد صوت أمه وهي تغني في الحقل والدكان والمطبخ، ورائحة الخبز والشاي تغمر الأرجاء بشعرية عالية، في أقرب دار سينما من بيته أو حتى في البلدة المجاورة نهاية الأسبوع.
وكلنا نريد ذلك، نريد تجسيد واقعنا وحيواتنا عبر الفن أجمل وأصدق معاً، نريد صور الحرب التي تقول لا للحرب، نريد حلولاً تتصاعد بالخيال نحو الجمال، نريد صور الحب الحقيقي، في الحارة والشارع والجامعة، وليس الحب الجاهز أو المصنوع بين ابن الباشا والفتاة الفقيرة، أو بين الفتى العبقري والساذجة الغنية. هذا يكفي، لقد مللنا هذه الترهات، كما مللنا أدوار الموت والخراب وعجرفة العسكر، نريد أن ننتصر في الحكاية.
نريد فتى وسيماً يسحق العسكري المتعجرف ببزته تحت حذائه، ويموت ليحررنا بموته، وينتصر حذاء رجل الشارع على حذاء العسكر، نريد الفتى الاشتراكي يضع عمامة رجل الدين المنافق تحت قدمه وهو يقرأ قصيدة لمحمد الماغوط بعد أن يفحمه بالحجج والبراهين، فنضحك لخجل الثاني، وهو يركض متلبساً بالخزي نحو بيته خائفا وخجلا وبائسا، فنتحرر في الفيلم من عمامة الزيف، وننتصر للشعر. نريد أن يرقص الجميع في آخر الفيلم، بدل أن يموتوا. نريد أن تغني الأمهات مع رائحة القهوة والخبز كلمات محمود درويش بصوت مارسيل خليفة: «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي». نريد أن ننحاز إلى الجمال في عالمنا، بعيداً عن عقدة الذنب، وتعقيدات الحب، وبعيداً جداً عن تشدد السياسة والدين، والكذب والنفاق اللذين خلفاهما. نريد أن نبكي ونضحك لا حزناً ولا فرحاً، كما قالت فيروز ، كلما شاهدنا فيلماً عربياً يحكينا ويحاكينا. نريد أن نلتحم ببشريتنا، ونصدّر للعالم حقيقتنا التي لم تشوهها السياسة والدين.
فهل يتحقق لنا ذلك عبر الفن السابع؟



السبت، 2 أبريل، 2016

شهر الحب والكذب


إبريل/ نيسان شهر المجانين والشعراء، شهر الحب والفرح، شهر البهجة والصخب، إنه الشهر الذي يقف بحيرة لذيذة ومغرية عند مفترق الفصول، وقلوب العشاق، روحه الحافلة بالتناقضات الكثيرة، تشبه روح طفلة تقف عند مفترق الكون ترسم خطوطا وتخطيطات لما تبقى من خطوات العام، تنثر قصاصات وبالونات ملونة تبعث على الحب والفرح والجمال.
تحمل في يديها الصغيرتين دفترا زهريا ترتب فيه مواعيد الحب واللهفة، ومواعيد الفراق والأحزان، وببطء حميم تربك خطوات الكون بجمال الربيع القا...دم بسرعة وجنون، وتفتح ذراعيها الصغيرة لتكون جسرا يكسر ظهر العام بجهنم القادمة ببعض المسرات، والسفر وخسارة الوزن، والدعة والسكينة بعد عناء عام طويل.
نيسان شهر مجنون، مختلط ومرتبك، ولذا تجد به كل الفصول معا، وكل اﻷلوان مجتمعة، وربما في يوم واحد إذ تتفتح وردة، وتسقط ورقة، وتضحك غيمة في السماء، وتغمز الشمس للجباه التي تزينها حبات العرق. وتأذن للقلوب المشتاقة باللقيا، وللقلوب العاشقة بالفراق. إنه الجنون الكوني، والصخب الكوني الذي يشبه قصيدة ممتزجة النكهة، أو لوحة سوريالية، أو كونشيرتو عبقري، أو كل ذلك معا، وفي أعلى حالاته، وأكثرها تصاعدا وخفة ورشاقة وعفوية وبساطة.
في نيسان نفتح نوافذ أرواحنا للحب والحياة كشرفة قريبة من البحر تحلم بالملح ورائحة اليود التي تطهر الجراح، ونميل على ذاكرتنا نهدهدها لتأسى وتنسى وتسقط بعض أوهامها في سلة النسيان، فمن منا لم يعشق في نيسان، ومن منا لم يودع حبيبا ويهجر حلما في نيسان، ومن منا لم يذهب للنسيان في نيسان شغفا بهذا الجناس الجميل بينهما، وقد يستطيع، وقد يستعيد وهج شغفه في زمن آخر .
في نيسان نفقد العادات ونتخلص من رتابتها، ونتمرد على ثقل الشتاء وملابسه الثقيلة ومشروباته الساخنة، ونقف على مبعدة قريبة من جحيم الصيف، نميل للوداعة في الحياة، وللبهيج في الملبس، وللتأملات القصية والحنونة في كل شيء.
إنه شهر يفرض أعاصير جنونه داخلنا، ويجعلنا نتشرب حبه للحياة، وتمرده على قانون الطبيعة في كل شيء؛ ولذا لا عجب أن يدلف للعالم بمزاج عالٍ، وقهقهة مدوية كشاعر أو فنان متصعلك يلقي كذبة كبيرة يضحك بها على العالم، ويضحكه بها، أو مزحة ثقيلة لايهتم ﻵثارها الجانبية التي قد تكون وخيمة أحيانا.
ولأنه كل هذا فهو شهر اﻹبداع والحب والجنون فلنلوّن جدرانه بالكتابات واﻷلوان والضحكات والمحبات، ولنصنع المقالب الخفيفة والثقيلة لنحتفي بقدومه الجميل على كوننا الطيب. وكرتنا العجوز، لنشعرن الحالة الإنسانية به كثيرا، ونتخفف من ثقل الأفكار الجاهزة والميتة عن الصدق والكذب, لنضحك ونحن نحتفي يقدومه المختلف بكذبات بيضاء صغيرة تشبه زهور الربيع المتفتحة للتو أو راقصات الباليه في رقصة البجع الخالدة، ولنرفع أصواتنا بالغناء ؛ نيسان ياشهر الربيع والحب .. ياشهر المواسم والغناء .. "كذبك حلو" !








الجمعة، 1 أبريل، 2016

(مسقط ) السفر الأول

 طلب لي أن أكتب عن السفر الأول، فابتسمت لأني قرأت في أسفار الغيب أن سفري الأول كان وأنا في بطن أمي جنينا حرونا، ذهبت متعلقة بأمشاجها، لهناك، الذي أصبح الهنا الآن، كانت بلدتنا الوادعة في أحضان البحر،  مغرقة في بدائيتها وفطرتها وعفويتها، والجمال المتوزع بين النخيل والملح لم يكن ليحمي الأم من هلاك محتوم؛ وهي تأتي لهذا العالم بجسد صغير وروح جديدة، لا تعرف بعد هل ستكون طيبة لتستحق كل ذلك العناء، وربما قد تفقد معها الحياة ، ولذا قرر والدي أن يأخذ أمي لمسقط، لمستشفى الرحمة (المستشفى الوحيد آنذاك) بتوجهه الإرسالي التبشيري، ومع هذا لم يفكر أحد من العمانيين في مقاطعته لأنه كذلك، بل سعوا إليه لأنه يد الله البيضاء التي انتشلتهم من الموت والأسقام.
ذهبت وأنا متشبثة  بمشيمة أمي، أتدحرج في رحمها، وهي تتحرك بصعوبة صعودا ونزولا في مسقط المحفوفة بالجبال، وظللت أطول وقت ممكن لجنين مشاكس منذ ما قبل الحضور الفعلي للحياة، حيث ظللت أكثر من أسبوعين في مناورة وربما رفض للحضور لهذه الحياة، وعدت من هناك لحما طريا متشبثة بمشيمة مسقط ، التي كبرت داخلي يوما بعد يوم، وما زالت، لاتخذها وطنا منذ عام 1990، حيث سافرت سفرتي الجديدة الطويلة هذه المرة إليها -  بعد سفرات قليلة ومتباعدة للجارة الأقرب-  بل لعلي هاجرت هجرتي الأبدية لها، عبر أهداف أخرى هذه المرة أهمها التعليم الجامعي في الجامعة الوحيدة التي تقع فيها، ومنذ ذلك الحين ومسقط مدينة صرختي الأولى؛ هي وطني الحقيقي وربما الوحيد.
اليوم أستطيع أن أقول أن مسقط أمي ومدينتي، وأنني أعرفها جيدا، وهي كذلك تعرفني معرفة أم لطفلتها الغريبة، التي تتوه في الزحام، وتشكل عليها الأمكنة، وتحب الأزقة ورائح المدن المعتقة بالتاريخ والعشق أكثر من المدن المتمدّنة بتفاهة مصطنعة، فمسقط مدينة خاصة،  هي ليست ثرثارة كالكثير من المدن، وليست وقحة كبعضها، وليست متصنعة كأخريات، وليست شعبية مجنونة أيضا، مسقط مدينة صامتة ولكنها ليست خرساء، هي متحدثة لبقة بجمال، هي متعددة وكثيرة، ولكن لابد من حوار طويل ودافئ معها لتكشف لك عمق روحها ومعطياتها ومكنوناتها الدفينة.
مسقط مدينة دافئة في كل فصول السنة، يمر البرد على قلبها خفيفا فلا يصيب شغفها بالجمال، ولا يجرح عشقها المالح للحياة إلا بقدر الدفء الذي ينبع من تفاصيلها العنيدة واختلافاتها الرؤوم، بين بحر حنون وجبل شامخ واخضرار متقد بالمحبة والجمال أبدا.
تلك التعرجات البعيدة والكثيرة والتي تشبه جروح التاريخ على جسدها الشامخ، ذلك التعالي والشموخ، والتصاعدات الحية والحيية في أروقة الجغرافيا واكتنازات التاريخ.
مسقط مدينة متزنة وثابتة وواثقة تقف باعتداد في منتصف كل شيء ؛ العمر والجمال والحنان، مأخوذة بماضيها التليد وتاريخها العريق، ومشغولة بجغرافيتها المنمنمة بدقة، والمشغولة بعناية يد إلهية أعطتها فأفاضت، وعمران متناسق، استلهمت الماضي وفتحت قلبها للحاضر، فلم تصنع على عجل، ولم تتملص من إرثها الروحي، ورائحة ماضيها الواخزة باتجاهات جديدة وسريعة.
مسقط مدينة الغرباء والعشاق والحزانى والسهارى والمجانين، ترتق شروخهم في روحها الصامتة، وتدثر حزنهم في مساماتها الدافئة، ولكنها لا تفضح جنونهم، ولا تشي بهم في طرقاتها الواضحة، فهي لا تسمح للعابرين أن يشمتوا في عشاقها ومجانينها، تسندهم بيد خفية، وتحميهم بعين راضية، وتهبهم صدرها متكأ ليبكوا على شرفاتها البعيدة، وشوارعها الخلفية، وبيوتها الحجرية الضيقة.
مسقط ليست مدينة السياح، فهي تنفر من عريهم المتبجح، وأضواء كاميراتهم الغريبة المعجبة برفعتها، تهبهم وجها عابسا ، لكنها تبتسم بدفء أم رؤوم للأشقاء وللأصدقاء وللشعراء والغرباء والباحثين عن وطن، تفتح لهم قلبها، وتحتضن جراحهم، تشعرهم بالأمان حتي يستشعروا طعم الوطن والدفء والحنان.
مسقط مدينة الروح، حيث ولدت ذات بدء بعيد، لأذهب عنها مولعة بها لأعود إليها ممسوسة، فتفتح ذراعيها، مسقط سفري الأول وبيتي الأخير، مسقط مديني وأمي.

السبت، 26 مارس، 2016

لم يعد النور مريحا
فكل شيء مع الوقت يصبح باهتا بشكل مزعج
والدوائر تصبح مستديرة أكثر من ينبغي
والخطوط مستقيمة أكثر من يجدر بها وبي
والمنحنيات  تطعنني بتعرجاتها الحادة
وتشظياتها الجارحة
وأنا لم أعد أنا
لم أعد تلك الزوبعة التي تستثير الغبار لتعلن ولادة قصيدة جديدة
ولا تلك الآلهة المغرية بالحكمة في تجلياتها العلوية
ولم تعد الشوكة حادة لتحفر أخاديد اللغة والماء
بعنفوان أو بلذة
احتجزني التيه في مداراته الغائمة
وتلبستني أساطير العتمة المرعبة
إنني الآن أحتاج الكثير من الظلام
والكثير من الصمت
والكثير الكثير من العزلة

الاثنين، 21 مارس، 2016

رسالة إلى أمي( في عيد الأم)



فاطمة الشيدي
21مارس 2016

أمي:  كيف أنت؟
أما أنا فمازلت أنا، تلك الطفلة الشقية التي تحب الموالح والحوامض، وتكره الحلويات والكائنات اللزجة،  ما زالت تتعثر في المشي والكلام، ويسقط من فمها الكلام، والطعام، فلاتأبه لاتساخ الصمت بثرثراتها الرعناء، أو لاتساخ ملابسها ببقايا الطعام وبقع القهوة الداكنة.
مازالت تلك الطفلة الإنطوائية التي تسكن تحت سريرك الكبير، وتحدث المرايا بالأوهام وحكايات الأشرار ، وتغرورق عيناها بالحزن إذا رأت قطة جائعة، أو عصفورا وحيدا،  الغريبة الوحيدة وسط حشود البشر، الخائفة من شيء لا تعرفه، والحزينة على مالاتدرك.
تلك الباهتة في العتمة، والحالكة في السطوع التي يرعبها الفقد، ويدميها الغياب، ويثقلها الوهم عن مجاراة الديكة في قفزاتهم العالية، وفي خيلائهم الأجوف، تلك المنشقة عن الجموع، الذاهبة للوراء، التي لا تجد لذة في مزاحمة الأيدي في الأخذ والطلب، وفي الضجيج والجلبة.
تلك التي تضحك بلا سبب، وتبكي لأبسط الأسباب، وتحب من أعمق منطقة في روحها، وتكره لزمن قصير، وتغضب لأن شيئا جديدا ينكسر في العالم كل يوم، ولا صورة تعتدل في موازين الكينونة المائلة. لأن الغابة تكبر، والشجر يقل، والقبح يزيد والجمال ينقص، والكراهية تتعالى والحب يتقلص على نفسه.
التي تحب الله والماء أكثر من البشر والطعام.  وتنام أكثر مما تكتب، ولا تعاتب أحدا، إلا بخطوتين للوراء. تلك المرهقة أبدا من صخرة سيزيف، ومن لعنة التفاحة، ومن لدغة الأفعى.
الحالمة بأن تنبت لها أجنحة فتحلق للبعيد، وأن تعيد كتابة قصيدتها الأولى بشكل جديد كل لحظة، وأن تضحك ضحكة صادقة وحيدة قبل أن تموت.
المجنونة التي تلاحق الفراشات حتى تتشقق قدماها، وتطعم النمل حتى يلسعها، وتنظر للمجانين بشغف، وتستعذب الأحزان لأنها حقيقة الروح.
القارئة التي تمضغ الكلمات بين أسنانها، وتسوي المعاني بمهل كما يفعل نحات في صناعة تحفته، وتسترسل في الكتابة كما تمشط ذيل حصان أو شعر صغيرة عذبة.
التي عشقت لاجدوى أبي العلاء من أول نص، وهامت مع وجع سيوران من أول شذرة، وتقمصت جنون فرجينا وولف في عناقها للبحر حد الفناء، وأحبت الموتى أكثر من الأحياء، والتذت بالعدم وغنّت مع الفناء.
آه يا أم ما زالت الكتابة وجعي الطروب، والموسيقا شقائي الحنون
ومازلت أمي
وسأظل أكتب لك
وأحبك


الجمعة، 18 مارس، 2016

أفلام مارس



فاطمة الشيدي
مارس2016


1.
Solas
بين الحدس والأدلة المادية، بين العلم والدين، بين قدرة الرب، وقدرة الإنسان تدور أحداث هذا الفيلم الذي يعالج فكرة الاستشاف الوجودي التي يتمتع بها بعض الأفراد في كشف الماضي أو الحاضر، فالطبيب (Anthony Hopkins) الذي يستعين بك رجال الشرطة للكشف عن ملابسات الجرائم المتتابعة يصل لمعرفة أن القاتل هو رجل يتمتع بنفس القدرات الخارقة التي يتمتع بها، وأن كل ما يفعله هو محاولة تخفيق ألم بعض الأشخاص الذين يحتضرون أصلا، لذا كل ما يفعله هو جعل الموت أسرع وأكثر راحة، وهو الأمر ذاته الذي فعله الطبيب مع ابنته التي أصابها اللوكيميا.
ليترك الفيلم الكثير من الأسئلة المعلّقة، حول  الموت الرحيم، فهل من حق الإنسان تقرير ساعة الموت؟ أوليس ذلك تعدي على عمل الرب؟ وهل يمكن أن يختار الإنسان الموت الرحيم ؟
وغيرها من الأسئلة المفتوحة
إضافة إلى أسئلة تتعلق بفكرة الحدس، والإمكانيات الخارقة التي يتمتع بها البعض، فهل هي هبات إلهية؟ وهل معرفة القدر والمستقبل ممكنة للإنسان؟  وهل مفيدة أم مزعجة للكائن الذي يسير في طريقه، ولا يعرف أين نهاية الطريق؟
أظن أن إثارة الأسئلة هي وظيفة مهمة جدا للسينما ؟ وعليها أن تظل تطرح الأسئلة حول الوجود الظاهر والباطن!
2.
London Has Fallen
يحكي الفيلم حالة تخيلية عن تفجيرات إرهابية تصيب لندن، بعد إعلان موت رئيس الوزراء وحضور قادة الغرب جميعا للعزاء، وفي الحقيقة أنه كمين قامت به مجموعة إرهابية لقتل حكام الغرب كردة فعل على فعل إرهابي قامت فيه المخابرات الأمريكية بتفجير زعيم إرهابي في باكستان، ولكنه نجا فيحاول رد الضربة لهم، وبيان أن الموت والحرب والدمار ليس من حق الشرق حيث الغبار والفقر فقط، بل أنهم هم صانعوه الحقيقيون وعليهم تحمل نتائجه .
وهذه الحقيقة الوحيدة في مقابل فكرة الإرهاب الذي يحاول إلصاقها بالشرق وبالعرب والمسلمين تحديدا، وصورة البطل الأمريكي الذي لا يهزم ومنقذ العالم كما وضحته الأحداث عبر المعاون الشخصي للرئيس الأمريكي الذي أنقذ الرئيس من الموت، وعدل عن تقديم استقالته لإنقاذ الأطفال في جميع أنحاء العالم وتقديم العون والمساعدة في النماء والرخاء بمحاربة الإرهاب.
 الفيلم من إخراج باباك النجيفي وكتابة كريتون روثنبيرجر وكاترين بينيديكت, من بطولة جيرارد بتلر،أرون إيكهارت ومورجان فريمان مع آلون موني آبوتبول, أنغيلا باسيت, روبرت فوريستر, ميليسا ليو, رادها ميتشيل وشارلوت ريلي .

3.
Colonia
 فيلم كولونيا الذي يحكي فترة اغتيال المناضل التشيلي سلفادور الليندي،  على يد الجرنال بينوشيه، وما يقترف في حق المعارضين من بشاعات وعنف في السجون الخفية، والفيلم يعرض قصة أسر دانيال وهو مصمم ألماني، وتعريضه للسعق الكهربائي في سجن تحت الأرض ظاهره كنيسة وباطنة سجن سياسي بشع، ومحاولة حبيبته لينا مضيفة الطيران إنقاذه بالوصول للمكان كراهبة متطوعة، ثم هروبها عبر سردايب أرضية، ثم هروبها لألمانيا.
الغابة الكونية الممتدة من الغرب للشرق هو شعور كل مشاهد يشاهد هذا الفيلم، وحجم الظلم والقسوة التي توجد به، تستدعي للأذهان السجون والمعتقلات العربية التي تحدث بها هذه البشاعات.
الفيلم تم إنتاجه في فرنسا وألمانيا وصدر في سنة 2015. من بطولة إيما واتسون ودانيال برول. 

السبت، 12 مارس، 2016

في وداع أمبرتو إيكو: إعلاء قيمة الفرح

 


فاطمة الشيدي
القدس العربي

ودع العالم ‏الفيلسوف والروائي والباحث في القرون الوسطى الإيطالي أمبرتو إيكو، الذي عرف بكتبه النقدية الجادة، ومقالاته الرائعة، ولكنه اشتهر بروايته العظيمة «اسم الوردة»، والتي كانت تقوم على فكرة محاربة الضحك من قبل السلطة الدينية المتمثلة في الكنيسة، وتحديدا في شخصية يورغ، الكاهن المتزمت والمستعد لعمل أي شيء ـ بما في ذلك قتل الجميع ـ دفاعا عن عدم ظهور كتاب «الكوميديا» لأرسطو. لأنه من وجهة نظره المتشددة «الضحك هو الضعف، هو الانحلال، ومسخ طبيعتنا الإنسانية، هو اللهو»، ويدلل على ذلك بأن السيد المسيح لم يتخفف في حياته أبدا، ولم يضحك ولم يحك هزليات، بل كانت حياته جادة وصارمة، وبالتالي فهو يحرم كل الأشكال المرتبطة بالضحك من فرح ومرح وهزل ولعب. فالضحك يدفع إلى الابتعاد عن قيم الدين الرفيعة، كما يدفع للريبة والشك في اليقينيات الدينية، ويشجع على الانحلال والتفسخ، وسقوط القيم العالية. ولكن المحقق وليام يبين له أن الضحك حياة، وحاجة إنسانية، وأن الإنسان يحتاج للضحك ليحيا وينسى، وأن الضحك حالة تحرر من ربقة المادة والخوف.
إن هذه الفكرة التي أراد إيكو تصديرها للقارئ المعاصر، وهي الفهم المغلوط والقاصر من قبل بعض المتدينين المتشددين بأن الدين ضد الحياة، وأن الالتزام به ضد مظاهر الفرح والمرح، أولئك المغالون في تقديم الدين وتطبيقه، وكأنه أوكلت لهم مهمة حمايته وتنقيته من الفاسدين حتى بالموت، هذه الفكرة ليست بعيدة إطلاقا عن عصرنا الذي تذهب به المدنية والعلمية نحو الانفتاح على العالم وتنقيح كل الأفكار وتمحيصها. فهؤلاء يعيشون بيننا، متوهمين أحقيتهم في حماية الدين، وتغيير سلوك الأفراد باسم الرب، والقضاء على كل ما يخرج عن مفاهيمهم المتشدّدة، ورؤيتهم القاصرة للدين. لقد وضعوا أنفسهم في مواضع الفتوى، وتشيخوا على الدين قبل الناس، فقاموا بتحريم الكثير من مظاهر الفرح، وتقديم الكثير منها على أنه بدعة، حتى أصبحت كل مواضع الفرح فتنة محرمة، كالموسيقى والغناء، والتجمعات الإنسانية، وارتداء الألوان، وزيارة الموتى، وبعض الطقوس الاجتماعية المتوارثة (كالختان مثلاً).
لقد كان البشر يعيشون مع بعضهم حياة طبيعية رجالا ونساء، صبيانا وبنات، وكانت البيوت مفتوحة، والأعمال مشتركة، والمناسبات جامعة، والحياة طبيعية، وألوان ملابس النساء ربيعا مزهرا. وكانت الاحتفالات بالمناسبات الدينية والاجتماعية كالأعياد والأعراس تأخذ أبعادا إنسانية ونفسية رائعة، ممتزجة الفرح واسعة البهجة بالألوان والطعام والتجمع والمسابقات والاحتفالات والرقص والموسيقى. ولكن وباسم ما يسمى بالصحوة الدينية ظهرت ظاهرة تحريم كل هذا، والتحريض على الفصل بين الناس وحرمة الاختلاط، وأصبحت ملابس النساء قاتمة سوداء، تحث على الكآبة وتحرض على الكبت، وأصبحت كل مظاهر الفرح بدعة مرفوضة، ومحرمة.
وما تزال هذه التحريضات بالحرمة والإثم، تمتد في كل المناسبات الطبيعية والبسيطة، فعيد الحب، وعيد الأم، ويوم المرأة، وعيد العمال، كلها بدعة، وبالتالي فهي حرام، ولذا ينشط الدعاة في هذه المواسم، مستخدمين كل الآليات والوسائط الجديدة (التي من المفترض أن تكون بدعة أيضا) لمواجهة طقوس الفرح، ومحاصرة القلوب التي تبحث عن بهجة قليلة، ونافذة صغيرة للفرح.
فإذا تعلقت تلك المناسبات بالمرأة كان النشاط فيها أكبر، والتحريض أكثر، والمواجهة أشد وأعتى، فهي (أي المرأة الدرة المصونة) ليس لها من الحياة سوى البيت، والزواج وتربية الأطفال، فلا تستحق وردة في عيد الحب، ولا هدية في عيد الأم، ولا نزهة في يوم المرأة. وليس عليها أن تتجمل قليلا في أي من تلك المناسبات لتبعد تكلس الزمن عن جسدها، وترفع معنوياتها بالقليل من الفرح، وتحاصر الهم والألم والكبت والقمع والقهر الذي يتلى على روحها ليلا ونهارا، والتعب الذي يعتريها زوجة وأما ومعلمة في البيت وعاملة خارجه، لأن ذلك سيحولها شيطانا مغريا للرجل الذي يقع فريسة للإغراء بسهولة ويسر.
أما إذا كانت مناسبة كبيرة كرأس السنة، فترتفع الألسن بالقدح والنذير، وتفتح كتب التراث لاستخراج ما يدلل على حرمتها، وما ينذر بعقوبة مقترفها، وما يفترى به على النبي من أحكام لم يقلها، ومن تأويلات لم يقصدها، متجاهلين أننا نحتفل بعام تشكّل تواريخه مولدنا في شهادة الميلاد، وموتنا في شهادة الوفاة، وروزنامة أيامنا، وجداول أعمالنا وإجازاتنا، وشهادات دراستنا، وشهادات أطفالنا، وكل ما يمت لحياتنا بصلة.
ثم يتساءلون لماذا ينجرف الجميع للاحتفال بأعياد العالم ومناسباته إذا ما أتيح لهم سبيل، كأعياد الهنود، والحضارات الأخرى التي تعيش بيننا، أو الأعياد الأوروبية التي يعيشها البعض خارج أوطاننا المكبوتة، بما تمثله من ألوان وبهجة وموسيقى وغناء؟
لأن الإنسان ـ أيها المتشددون ـ يحتاج الفرح ليستمر، والضحك ليحيا، ولذا نحتاج اليوم أكثر من أي زمن مضى، أن نربي ثقافة الفرح، ثقافة التفاؤل، ثقافة الجمال، ثقافة حب الحياة والسفر والاستمتاع، وزيارة الموتى الذين نحتاجهم أكثر مما يحتاجون إلينا.
ونحن ندرك بعقولنا ـ التي وهبها الله لنا لنفكر بها ـ أن الفرح ليس بدعة، بل هو الحياة، والرسول الكريم كان مبتسما، هشا بشا، يستمتع بكل جوانب الحياة، فارحموا عقولنا من جهلكم، وارفعوا أيديكم عن أرواحنا، وحرروا ديننا من قبضتكم، ودعونا نتحايل على الحياة بالتفاصيل الصغيرة، وبالفرح، وببعض الأمل.
ويا أمبرتو إيكو، يا صديقي الكبير الذي تعلمت منه الكثير، وغيرتني كتاباته جدا، أقول لك، نعم «كانت الوردة اسما ونحن لا نمسك إلا الأسماء»، وما أجمل اسم الوردة الذي اخترته، و»الكوميديا» كتاب الفرح والضحك لتخبرنا أن علينا أن نتشبث به في الحياة.
إن وردتك الضائعة يا صديقي (الفرح والضحك والمدنيّة الرفيعة)، ضائعة بيننا أيضا اليوم، وعلينا أن نبحث عنها كما علمتنا، وننتشلها من أيدي القساة، والمتشددين، والغلاة في الدين والحياة كما أردت لنا.
لقد استفدنا من وردتك؛ أن الفرح والحب والجمال هي الإنسانية الحقيقية القائمة على الصدق، والروح العالية النبيلة هي التي لا تتصنع الجدية لتبني لها حصونا واهية من الزيف أو التشدد، وتخفي البهتان الباهت، والنقص البيّن، والخراب الداخلي. وأن الصدق والحب والفرح هي الروح الأعمق للإنسان الأجمل، والحقيقة الكبرى للدين الأكمل، وهي حقيقة الله في أرواحنا، كرب للإنسان والوجود.
وداعا يا صديقي، لقد أديت رسالتك النبيلة، ووضّحت فكرتك عن الدين والإنسان، وعلمتنا أن الضحك قوة المعرفة، وأداة الحقيقة، وها أنا حزينة جدا لغيابك، ولكنني أعدك أنني سأقترب منك الآن أكثر، وسأتشرب كتاباتك أكثر وأكثر، وسأفنّد أفكارك الكبيرة. فالغياب والحضور يتبادلان الأدوار مع البعض وأنت منهم، وداعا يا اسم وردة الفرح، يا روح السرد العظيمة، ويا صاحب الأثر المفتوح على الزمن والخلود.
كاتبة عُمانية

الجمعة، 11 مارس، 2016

تراودني فكرة الألم المرتبطة عميقا بالإنسان والزمن، ماذا يحدث؟ وكيف يحدث؟
ماذا يعني الألم؟ وماذا يعني الزمن؟ هذا المعنى المراوغ، والمتفاوت، المتسرب عميقا وجارحا في شكلين هلاميين متداخلين، تشعر بأحدهما، حادا ويسري الآخر في كيانك باردا، بطيئا حتى يتمكّن من خلاياك ويسكنها فيكنسها.
الألم الذي لا يحدد ذاته، وقد لا تحدد مصدره، والزمن الذي لا تدرك ذاته، ولا تعرف مصدره.
نأتي عبرهما، ونكبر متحدين بهما، لا زمن للألم، ولا ألم للزمن، وعبرهما يحدث ذلك الشرخ في الروح، والتهاوي للجسد.
يخترق الألم الزمن، ويُحدث الزمن الألم، بينهما حدوث وعي، ووعي حدوث، ولاعلم يقين أو حدوث بهما، ولا مزامنة.
لا تفكيك بيّن للعلاقة بينهما، ولا تلازم تام، ولكنهما متناسبان في الحدوث والغياب. بحيث أن كلا منهما عامل في الآخر ومؤثر فيه.
وهذا الكائن مصدوم بهما، صدمة الحضور والغياب وما بينهما. وكأنه مقاوم لهما أو لأحدهما عبر الآخر. ينتقص كلاهما من أحلامه، ويغير خططه، ويحرك بوصلته في اتجاهاته فقط، ويختلف فعل المقاومة حسب العقل، والقدرة.  جسديا وماديا وروحيا( إيمانيا).
ويظل  الآخر (الفرد المحكوم بهما أيضا)ينظر لفعل كل منهما في سواه بلا قدرة، وينتظر دوره في دورة الألم  أو الزمن أو لهما متحدين في الفعل.
ويظل الآخر المحرك لفعل المقاومة الأكثر من فردية (المسئول في بلداننا) متجاهلا أن عليه أن يفعل شيئا لدورتي الزمن والألم في الجسد الجمعي، لأنه أولا جزء منه، له ماله وعليه ماعليه، من فعلهما الحتمي، وثانيا هو يد القدرة التي عليها أن تحرّك الشئون وتغير الحادثات، وتهوّن فعليهما قليلا في أجساد بلا قدرة.  
أفكر في هذا وأنا أرى الخدمات الصحية في بلادنا مشلولة بالضعف والروتين وسوء الأداء والتخطيط، حتى ليفكر المريض من أين يبدأ دورة الشفاء من الألم الطارئ أو الزمني، وأين ينتهي؟! وكل باب محكوم ببطء أو فشل الاستشفاء الحكومي، أو جشع وبشاعة الاستشفاء الخاص.
ولا أحد يأبه (ممن يملك اليد الطولى والقرارات العليا) أن الزمن يخلّف أجسادا تحتاج تمريضا ملازما للزمن، (خارج بشاعة فكرة ملاجئ المسنين، وسذاجة رومانسية الدفء العائلي الذي يحتاجه الكائن في ذروة ضعفه، والمتبقي من زمنه) إنها تحتاج رعاية طبية دائمة كي لا يباغتها الألم، ولا قدرة لها على المقاومة بالجسد أو بالمال، وتظل الروح بإيمانها حائرة وهنة في مآل محكوم بالزمن والألم والقدرة، ولها من الإثنين حظ كبير، والثالث قد جاوز في الشح الحظ والإيمان.

الخميس، 10 مارس، 2016

وردة القلب

فاطمة الشيدي
10-3-2016

الصغيرة التي قال الطبيب لحظة ولادتها أنها قد لا تنجو، وأن على الأب اختيار أحداهن (الأم أو البنت)، فاختار الأم طبعا، ومع هذا حضرت هي أيضا بابتسامها البريئة، وحناناتها الكثيرة والممتدة في الزمان والمكان، فكانت مقاومة منذ لحظتها الأولى، وما تزال تقاوم الغباء والرعونة، والكذب والنفاق، وتنحاز للجمال والصدق والمحبة.
الصغيرة التي فصلت بيني بينها سنوات كثيرة طوال وعجاف، كانت كافية لأن تزرع بيننا ست أجساد طرية، (شقيق وخمس شقيقات)، والكثير من البحار والوديان والزروع والمروج، والنخيل ...والأصيل، والأحراش والأمواج، والكلام والصمت، والليالي والنهارات.
زمن طويل يصلح لأن تتشقق الأرض أخاديد بيننا، وتورق أشجارا وثمارا، وفروقات وأغنيات. وليصطدم طينها اللين بصلابة الأيام التي عبرتني، وهواء صدرها المرح بجدران عزلتي، وضحكها العفوي بصمتي، وأغنياتها الهشة بموتاي وموتي. ولنعيش معا على جانبي نهر المحبة تبتسم كل منا للأخرى، ونحب بعضنا كأنه الحب كله، ونسكت عن فروقات الزمن كي لا تصبح شروخا، وعن اختلافات الوعي كي لا تتصير موجة غضب، وعن تباين الأجيال كي لا تصير تشظيات، وتحاذر كل منا أن تسقط في فخ الأخرى كي لا تتماهى معها، أو تصطدم بها.
الطفلة الصغيرة (آخر العنقود) الذاهبة نحو الحياة بعنفوان البدايات، ولذة المغامرة والتجريب، التي تحب الهرج والمرج، والفرح والمرح، والأفلام المصرية والهندية، والأغنيات السريعة والوجبات السريعة، والقراءات السريعة. وتحب أمها وأباها أكثر من الدنيا ومافيها.
الطفلة التي وهبتها الحياة آخر موجة من بحر السور، وأول قطرة من سواقي مزارع الهمبا والبيذام، وأجمل ابتسامة، وأحلى معشر وحضور . تلك الصغيرة الجميلة ولدت هذا اليوم قبل بضع سنوات، امتدت الآن، وكنا نظنها لن تمتد، وكبرت وكنا نظنها لن تكبر، لتظل صغيرتنا المدللة، ولكنها استطالت كشجرة نادرة فدرست وعملت، وأشعلت الكون محبة وجمالا وغبطة وسرورا.

الأربعاء، 9 مارس، 2016

لغة المطر


فاطمة الشيدي
9-3-2016


في المطر علينا أن نكتب نصوصا مختلفة
بلا حروف
لا حاجة للحروف الآن
لنكتب بأجسادنا قصائد أوسع من المعنى
قصائد تتمايل كالأشجار حين يمرّغ المطر وجهها بالهمسات والقبل...
وتضحك كالبرق إذ يشبه ضحكة جارتنا القديمة بضرسها المذهب
ولنضم بعضنا بشدة كأطفال مرعوبين حين يحمحم الرعد كوالد صارم أو قاتل مأجور
ولنرقص بجنون كالغجر - الذين خلعوا جدية المدنيّة الباهتة وصمتها المزيف لصالح فطرة النقاء- ونحن نستمع (للوادي) وهو يغني بصوته المبحوح في زحفه الهادر البطيء بلا حذر
ولنردد معه كجوقة نشاز أغنيات الماء والعبث
ولنصغ لقطرة مطر على ظهر فراشة
تخبرها عن رحلتها الطويلة في الغيم
ولهمس عصفور مهاجر لصاحبته عن وطن قديم كان أكثر حنانا وماءً
لننتبه لنورس أشكل عليه الماء في الطرقات
فأضاع بوصلة الوصول للبحر
لنغتسل بحنانات السماء الدافئة وهي ترشنا برضابها الحميم
وتشتعل رغبة كلما تصاعدت رائحة الأرض المغسولة بالسيل
لنكتبنا -خارج اللغة- بفرح يشبه كركرات المزاريب عندما تفيض بالوله
أو بوجع الريح حين تجهش بالنحيب والعواء، وهي تمشّط الطرقات بغضب; بحثا عن لثغة الطفولة التي غيّبها الجفاف والقحط، فيأخذها المطر إليه، ويضمها بحنان لتهدأ، ويذهبان معا في لذة الخدر.

السبت، 5 مارس، 2016

يوميات مارس



فاطمة الشيدي

5-3-2016
مولد وصاحبه غايب"، لا أعرف لماذا تحضرني هذه الفكرة في معرض الكتاب كل عام، حيث أشعر أن الكتاب يضيق ذرعا بالمكان الخانق والرفوف المصنوعة على عجل والبشر المدعين وصلا به ( وكل يدَّعي وصلاً بليلى .... وليلى لا تقر لهم بذاكا )، وهناك دور نشر، ودور عرض، ودور تشغل حيزا من الفراغ كالفراغ، في حين يحضر الكتّاب بشكل مكثّف ودائم، ليأكدوا انتسابهم للكتاب بالفعل أو بالقوة، وهناك من القراء أو المتنزهين في حدائق الكتاب من يتزاحمون في ممرات المعرض بأجسادهم في طواف بلا غاية، أو غاية لا تمت للك...تاب بصلة، كالفرجة، أو سفح حكايات مخبأة في صدور أصحابها منذ عام، وعليها أن تسرد مرات ومرات في ردهات المعرض، كما تحدث حوارات ولقاءات لا بد أن تحدث في المعرض فقط، ربما لأن عليها أن تقول شيئا عن أصحابها بالقرب من الكتاب، كما تؤخذ صور تذكارية مع الكتب، لتثبت أن صاحبها كان في المعرض يوما ما، وليس مهما أكثر من ذلك، هناك طبعا حفلات صاخبة، وحضور دعائي، وشِلل، وأشياء ولجان وفعاليات لا تسمع عنها سوى في معرض الكتاب، (ربما لأنه المتنفس الوحيد لحالة ثقافية حقيقية) وهناك أطفال وعربات و(فراخ) و(سوالف) وتلميع، وفعاليات باهتة، ودعايات سمجة، وبرامج لا تسمع، وأحاديث جانبية عن قيمة الكتاب بعيدا عن الكتاب، وأصداء أكبر من الصوت، كأنه الكلام عن الحاضر في غيابه، وعن الغائب في حضوره.



3-3-2016
يحدث أن ننفصل.. ونكون أكثر من كائن، هذا ليس فصاما البتة، من قال أننا واحد، نحن كثر، وفق أطر أكثر، والكاتب شخصية من تلك الشخصيات تظهر أحيانا وتختفي أحيانا أخرى لأن عليه التزامات أمام نفسه وأمام القارئ، وغالبا هو شخصية متطلبة، مزعجة، لنفسه وللآخرين، شخصية متسلطة على الوقت والمكان، والشخوص، يسخّر كل شيء في الحياة لصالح الكتابة.
تلك الأنا المتطرفة في كل شيء في الحب والفرح والألم، التي تظهر من القوة ما لا تبطن، وتهرب من الحقيقة، والبشر نحو الصمت والكتابة، سادنة الأوهام والأحلام. وكم نحتاج أن نخليها قليلا أو كثيرا لصالح أنا بسيطة وحقيقية،  خفيفة كريشة، أنانية وفضولية ككل البشر، قارئة فقط ، تحيا وتمرح وتستمع للكثير من الموسيقا، وتحتفي بأشيائها ببساطة كالمطر والشجر والبحر والعطر وكل شيء .ولا أحمل وزر الكثير من الأنا الكاتبة، علينا أن ننفصل أحيانا لنستمتع بالحياة.
 

الجمعة، 4 مارس، 2016



فاطمة الشيدي
4-3-2016


أتتبع أولئك الشعراء
المتآكلين من الداخل
المطعونين بالعدم
المتهادين كالاستدارة التي تكاد لا ترى علي صفحة الماء
إذ يعانقها الطل والندى
الذاهبين في العلوُّ كالغيم والشجر
الذابلين كالكلام في لحظة الشغف
الذاهلين في لذة الفراغ
اللذين يتلمّظون حسرة أبدية
ويبتلعون السكاكين في اللعاب والنفس
ويقصرون الخطوات إلا عن التيه
فلا يتقافزون كالديّكة
في تهافت العبور
ولا يحتجزون مسارح الضوء
في ناصية الحضور
أولئك الذين في عبورهم العرضي للحياة
تتساقط القصائد من أكمامهم الطويلة
ويسقط الحزن من ياقات قمصانهم الواسعة
واللذين إذ يغادرون
يلوّحون للبعيد بود كصديق قديم
ويتركون للظل حقيبة من الذكريات
ويحلّقون نحو حضور مقيم

الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

صورة البطل في رواية الرولة




فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات

درجت الرواية العربية على تقديم صورة البطل بشكل مثالي ورفيع، فهو غالبا الأنبل والأجمل والأحرص على المبادئ الرفيعة، وهو بشكل آخر الغريب المتأزم من مجتمعه، الرافض له والناقد لما يتحرك ضمنه من عادات وتقاليد بالية، أو من قهر وظلم وفساد، وربما يعود ذلك لأن الكاتب غالبا ما يحمّل صورته الداخلية أو الخارجية لهذا البطل، فيأتي متحدا ضمنا معه، فيجعله لسانه الذي يتحدث باسمه، فيقول عنه ما يريد قوله من أفكار ورفض، ومن تهويمات ومشاعر يفضي بها، فهو بشكل أو بآخر الراوي، وصوته ووعيه أو حتى لا وعيه.
كما درجت أغلبية هذه الروايات على تقديم بطل واحد يحرك مفاصل الرواية ويغير مواقع شخوصها، ويؤثث فضاءها النصي، ويربك السرد عبر الحكاية في حبكة تخصه وحده، ونهاية مترقبة عبر انفراج أزمته، فهو أي البطل محور العمل وغايته.
في حين شكّلت صورة البطل اللامنتم أو المهزوم من الداخل، والمقصي من الخارج غالبا صورة البطل الحقيقي، كما قدمته أكثر الروايات العالمية الخالدة، حيث يظهر لنا بعدا إنسانيا آخر أكثر جمالا ووعيا.وكثيرا ما تداخل الأبطال وتعددوا في الرواية العالمية أو تبادلوا الأدوار، تسامقا وتقلصا، وهي تقنية فنية سردية تقوم على بطولة الفكرة أو المكان خارج الشخوص أو ضمنهم.
وتأتي رواية «الرولة» لتقدم لنا هذه الرؤية المتعددة للبطل، والهامشية للإنسان في سرد طبيعي بسيط، وحقيقي صادق ينطلق من قرية طيبة وبسيطة، تشبه أو تتماثل بشخوصها وحكاياتها مع الكثير من الأمكنة في ذات الزمن. حيث تقدم الرولة -عبر حكايات قروية متعددة وبسيطة- العديد من الأبطال الذين يحركون حكاياتهم، كما يحركون حكايات الآخر المتشابكة معها، وبالتالي يتعدد أبطال رواية الرولة، حتى لا تكاد تجد بطلا تلقي عليه بهالة الحضور أو تجعله المحرك الفعلي أو الكلي للأحداث.
ويتصدر (المكان) الأبطال العديدين الذين على القارئ الانتباه لأدوارهم مجتمعة في بناء الحدث، وتحريك مجريات السرد، ومجالاته الواسعة، وهو «القرية» الساحلية البسيطة التي تعج بالحكايات والغموض، كما تعج بالفساد والظلم، القرية التي تنفتح على المدنيّة ببطء شديد، وتحاول الذهاب في الحياة الجديدة، حيث يشكل المكان البطل الأهم في الرواية، مجسدا عوالم القرية الساحرة في مرحلة ما قبل المدنيّة وهي فترة نهاية الستينيات وبداية السبعينيات التي تدور أحداث الرواية فيها، وصراع الإنسان مع الطبيعة «كان آخر مرة اجتاح فيها القرية منذ سنوات..، جرف في طريقه المنازل، وطمر الآبار إلا بئرا واحدا لم يطلها غضبه وهي بئر مراد التي يمتاحها الأهالي اليوم بالدلاء المجلودة بمعاليقها الريفية»، ومع المادة والجهل والمرض والطبقية الاجتماعية والسلطة الدينية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، وكان البشر يتعايشون معها، بل ويحيون فيها بسلام ووئام وبلا عنصريات أو مفاضلة «وبسبب بدائية الحياة والفقر السائد وضعف الموارد كان الجميع على نفس المستوى لا فوارق اجتماعية وطبقية..» حيث التشكلات الإنسانية الجمعية تحاول باتحادها مواجهة الأمرين معا.
القرية العالم المتنوع بغرائبياته، وجمالياته وقبحه، بما يحدث في نهاراتها القصيرة، حيث الناس يقضون حيواتهم في كد وعمل، وما يحدث في لياليها الطويلة تحت أستار الظلام من ظلم واعتداءات وعلاقات محرمة. حيث يدوزن الجهل والفقر الحالة العامة للحياة عبر المتاخم من الأحداث، والضاغط من العوز، والداخلي من العوالم المتوازية جمالا وقبحا، إضافة إلى محاولة التحكم السلطوي بالبشر بما يتيح الوضع بين الناس عبر السلطة الاجتماعية والسلطة الدينية، المتحدتين غالبا والمدعومتين بقوة من السلطة السياسية. وتشكل شجرة الرولة رمزا لهذه القرية، بكل المعطيات الرمزية لسلطة المكان وغرائبيته، فهي أي (شجرة الرولة) في الذاكرة الشعبية موطن الجن، ومسكنهم، وبالتالي فهي مجمع أسرار القرية، وذاكرتها الحافلة بالغريب والبعيد.
ويمثل (السارد) البطل الراوي وهو الطفل الذي يروي الحكاية بكل مجرياتها وتفرعاتها المتوازية، عبر رؤيته البسيطة والخارجية للحياة البطل/‏‏السارد، ولعله الكاتب أيضا متخف خلف صوت الحكاية، فهو يقدم بلغة العالِم بكل التفاصيل، والمقترب من كل الحيثيات صدفة، أو عن بحث وفضول، حكاية متعددة الأوجه والشخوص والأبطال، حكاية القرية بكل مكوناتها وشخوصها وأحداثها.
وهناك (موسى) البطل الزوربوي المجنون الذي يواجه كل شيء بمزاح ودعابة ومرح، ولكنه في حقيقته يحفر عميقا في اتجاهات التغيير، والرفض لكل ما من شأنه أن يقف حائلا دون تقدم القرية، كما ينتقد السلطة الدينية والاجتماعية بعنف ويظهر لها عدم الاحترام، وكثيرا ما حرّض عليها، ولكنه في الأخير لا يريد الخروج عن مجتمع القرية المتآلف والمتآخي، فهو منتم للحمته، ومتشبث بعلاقاته الإنسانية التي تكونت عبر الزمن والمكان، وعبر الأحداث التي شكلت ذاكرة إنسانه، مهما بدا غريبا أو خارجا على القرية ونظامها وسلطتها المتحكمة في أوصالها، والتي تربي الجهل، لتستفيد من سلطته على الناس. «ضحك موسى قبل أن يرد: الجمال يستدعي الحضور والإطراء، لكن المشكلة أن حرارة الصحراء ورطوبة الساحل في بلادنا مسخت وجوه النساء، وجرشت انوثتهن فأصبحن أشبه بالرجال هيئة وسلوكا» ص 148
وهناك (أحمد) والد السارد، الرجل المثقف الذي عاد من غربته الجبرية الطويلة لكسب الرزق محمّلا بالكثير من الوعي والكتب والموسيقى، عاد منفتحا على العالم والحياة والإنسان، وأصبح يعمل في مسقط، ويلاحظ الفرق، ويريد لقريته أن تذهب في المدنية، لتتخلص من سطوة الجهل، ومن تحكمات الوالي والشيخ ورجال الدين، وغيرهم لينعم الإنسان بحياة طبيعية متوفرة على أبسط الخدمات في التعليم والصحة، لذلك سعى جاهدا لفتح مدرسة ليتحصل الأطفال على مستقبل أجمل، وحياة أفضل مما عاشوه في اغتراباتهم وأوطانهم.
وهناك البطل (درويش) الولد المغتصب وهو ابن خال الراوي وصاحبه، حيث انقض عليه شاب يكبره في العمر، معتديا عليه، فلم يكن قادرا على تسوية هذه الهزيمة الداخلية، أو تجاوزها نفسيا، فما كان منه إلا أن شنق نفسه في الرولة، وخلّف حسرة كبيرة في قلبي والديه، كما خلّف حيرة في نفس أهالي القرية، وتفسيرات متعددة حول موته، لا تخلو من الجهل، والذهاب نحو تأويل السحر والخرافة.
و(جلال) الذي يمثل صورة الرجل المهووس الذي عمل في الجيش، وساهم في حفظ البلاد، ويعتقد أنه على الحكومة أن ترد له الجميل، وتساعده، ولكنه لم يتحصل على شيء، بل منعوه حتى من دفن حماره بحجة أنها بدعة، فما كان منه إلا أن ثار على سلطة القرية، وحاول الانتقام لحماره.«كان جلال قد بدأ يشعر بتهميش الوالي هو الآخر له، ولرسائله التي يود عبرها ايصال رسائله للحكومة مثلما هو موقف الشيخ منه، معتبرا ذلك انتقاصا من قدره، وتجاهلا لتاريخه وبطولاته التي خاضها على الحدود» ص6
وهكذا تعددت الحكايات عبر تعدد الأبطال وتعدد الشخوص (كالوالي والشيخ) اللذين يمثلان السلطة السياسية والاجتماعية القبلية، بقوتها، والتي تحابي في نظرتها للمجتمع وفق نظرة فوقية أو دينية، وبالتالي فهي تتحرك في مساحات القوة، و (مبارك خليفة) اللذين يمثلان السلطة الدينية المؤسسية، بعيدا عن القيمة الحقيقية للدين القائم على الإيمان العميق والوعي به ومساعدة الناس، فأحدهما رجل الدين العنين الذي يتملق السلطة، والآخر باع نفسه للشيخ وتزوج من فاطمة التي كانت حاملا من موسى، وسليمان أخوه الذي اغتصب درويش وتسبب في انتحاره.
وهناك فاطمة أم مريم التي حملت من موسى رغبة في إهانة والدها، ولاحقا تزوجت خليفة وهي حامل بطفلتها، وأم السارد التي تمثل مستوى سرديا بسيطا وطبيعيا في حياة القرية والناس.
وعبر العديد من الحبكات كـ(موت درويش)، و(غضب جلال) فسجنه، و(العمل على إنشاء مدرسة) التي كانت السلطة الدينية والقبلية ضدها في البداية لولا تدخل الحكومة.
وبلغة جميلة ترتبك أحيانا كثيرة بين العامية التي تدخل في ضمنيات السرد بلا تنصيص، يتحرك الفضاء السردي الأخاذ في الرولة التي تقع في 157 صفحة من القطع المتوسط، لتشكل رسما دقيقا لحياة القرية العُمانية البسيطة في زمن ما قبل المدنيّة المعاصرة، كما تشكل نقدا قويا للسلطات مجتمعة خاصة السلطة الدينية والقبلية الأكثر ظهورا في عوالم القرية حيث تنوب السلطة القبيلة عن السلطة السياسية، التي تخوّلها الفعل، وتحركها في مدارات المجتمع، في حين تتمحك السلطة الدينية بالسلطتين محاولة فرض صورتها عبر الأيدولوجيا النمطية لها، وتظل النهاية مفتوحة عبر التطور المرتقب للقرية التي بدأت مشوارها المدني بإنشاء مدرسة، لتقول عبر تلك النهاية أن العلم هو علاج الفقر والقهر والظلم وكل ما يقيد حرية الإنسان ويؤطر وعيه.
الرولة، يوسف الحاج، دار سؤال، بيروت. لبنان، 2015

السبت، 13 فبراير، 2016

السلطة والمثقف: التباسات وأسئلة




فاطمة الشيدي
القدس العربي

والعالم العربي يشهد هذا الارتباك النوعي العنيف في الفكر والسياسة وفي كل شيء تقريبا، يتصدر مفهوم المثقف (المرتبك أيضا) السطح عبر وسائل الإعلام والندوات والمحاضرات، وربما حتى عبر أحاديث الناس اليومية، في محاولة لتعريفه أو لبيان دوره المناط به، من تفكيك الوعي، والذهاب به أبعد من نقطة الآن العصية على التحليل والتفسير أو التجاوز.
فمن هو المثقف؟ وما هو دوره في المجتمع؟ أسئلة ما تزال عالقة في الوعي العربي المرتبك بالمفاهيم التي تنمو وتتفرع دون أن تكون هناك أرضية جيدة لمحاورتها أو تحديدها، أو تحييد المتغيرات التابعة لها، والاحترازات المنبثقة خارجها، قبل تجاوز العالم لها، وبالتالي يحدث الكثير من الالتباس والخلط، الناتج عن التراكم غير الموضوعي في الكثير من المفاهيم.
هذا ما يخرج به المتابع بعد كل ندوة ثقافية تتناول الثقافة أو المثقف  بكل تصنيفاتها، وأبعادها، وهذا ما خرجت به شخصيا من ندوة المثقف والسلطة التي أقامتها الجمعية العمانية للأدباء والكتاب بتاريخ 20 كانون الثاني/يناير 2016،  الندوة التي يحسب للجمعية إقامتها، وللسلطة السياسية السماح بها، بل تعد من حيث العنوان في الأقل مكسبا كبيرا للثقافة العمانية، وللحوار الوطني المفترض بين المثقف والسلطة، ولتحليل العلاقة بينهما، بكل أنواعهما وأقصد هنا أنواع المثقف وأنواع السلطة. ولكن للأسف لم تحقق الندوة أبعد من ذلك، أي سطوة العنوان، وقوة اسم الضيف علي حرب، حيث كان التأريخ للظواهر هو المخرج الذي اختاره أغلبية مقدمي الأوراق للهروب من مأزق تحليل الحاضر، وتشريح قضاياه، وبيان جدلية العلاقة بين السلطة والمثقف أبدا، وتأزمها في بلادنا  العربية في الوقت الراهن، وغياب دور المثقف في حلحلة هذه الأزمة، وصناعة حالة طبيعية من العلاقة بين المثقف والسلطة قائمة على النقد والمساءلة. وربما يعود ذلك كي لا يضع أحدهم الإصبع على الجرح، فيدخل في حرج مع السلطة، أو المساءلة من المجتمع والسلطة معا،  فكان البعد عن الحاضر مسوغا لحتمية عدم مساءلة السلطة السياسية.
في حين تقدمت السلطة الدينية ـ القائمة على الانطلاق من الدين في كل مساحات التفكير والاحتكام لمداراته ونصوصه كقالب يوجه عملية التفكير، ويجعلها تنطلق من اتجاه واحد وتسير فيه ـ تقدمت بقوة في مواجهة كل السلطات (عبر معظم الأوراق المقدّمة) لتؤكد الأزمة الحضارية التي يعيشها العالم العربي في العميق منه، وهي أزمة غياب التعددية الفكرية، وعدم قبول الرأي الآخر خاصة ما يتعلق بالنقد الديني وفي أي مستوى منه، كالمستوى العام مثلا بعيدا عن الذات الإلهية والنص، فالدين في ثقافة عربية إسلامية متغلغل في كل مسام الحياة، ولذا أيضا أصبح كل مثقف يتجرأ على المساءلة فيه عرضة للتكفير والتجريم من السلطة الدينية التي تحكم قبضتها على السياسة والمجتمع والمثقف في آن. ولذا ليس عجبا أبدا أن نشهد اليوم الكثير من المحاكمات بتهمة جاهزة وغير محددة أو واضحة، ألا وهي تهمة «ازدراء الأديان» والتي سقط في فخاخها الكثير من المثقفين الأحرار (أشرف فياض، وفاطمة ناعوت، وإسلام البحيري، وحسن البشام) كنماذج فقط، تماما كما كانت تهمة ازدراء «الذات الحاكمة» فخ السلطة السياسية في عالمنا الممتد من المحيط إلى الخليج. وبالتالي على المثقف في العالم العربي اليوم أن يكون حذرا، أينما وضع قلمه فهناك منطقتان ملغمتان، وتهمتان جاهزتان تماما للنيل منه، خارج غنائيات الإعلام الرسمي الذي قدم نفسه في الندوة المذكورة آنفا كإعلام جماهيري، مع أنه أصبح إعلام أقلية، غير متابع تقريبا، ومنذ زمن انتقلت الراية للإعلام البديل أو الرقمي.
لقد أظهرت تلك الندوة تراجع دور المثقف أمام السلطة التي نجحت في صناعة حالة ثقافية مدائحية، موازية للحالة الثقافية العميقة المفترضة والغائبة وربما تفوقها، لأنها أي الثانية حرمت المنابر والجمهور. ولذا كانت جميع الأوراق تدور في فلك السلطة إما تمجيدا لها، أو مهادنة وبعدا عن نقدها حتى على سبيل الذم الذي يشبه المدح، أو المدح الذي يشبه الذم، فيما كانت هناك محاولة جادة وظاهرة من معظم الأوراق لمهاجمة المثقف وتهشيمه، وتجريمه، وتهميش أدواره الفكرية التاريخية والمعاصرة، استرضاءً للسلطة السياسية التي لم تطلب ذلك أصلا. ولعلها كانت تريد أن توجد حالة متوازنة من العلاقة بين المثقف والسلطة لا تقوم على العداء والتجريح فتغاير بذلك صورة السلطة السياسية القاتمة جدا في جميع أنحاء العالم العربي بمنح المثقف مساحة للحديث في أكبر الـ»تابوهات»، وهي العلاقة بالسلطة، فتسهل عمل هذه الندوات، ولكن حدث أن تكفل مثقف السلطة بتلميع الصورة بأكثر مما تحتمل.
فهل ربّت السلطة المثقف عميقا فأضحى خائفا متربصا ولديه رقابة على ذاته وسلطة أعظم من سلطتها، فأصبح يكيل المدائح المجانية بلا طلب، وينأى عن النقد مرعوبا، حتى في أوسع المساحات وأكثرها جرأة؟ أم هناك فعلا أنواع من المثقفين أبرزهم على الساحة الثقافية اليوم وأكثرهم حضورا وسطوعا مثقف السلطة، الذي استطال وتفرع وأصبح من القوة والظهور والتلوّن بحيث يشكل على الرائي البسيط تحديده وتفنيده؟
إن مثقف السلطة أخطر على الثقافة من السلطة ذاتها، لأن السلطة معروفة وواضحة في توجهاتها ومؤسساتها، وحدودها وخطوطها الحمراء في كل مكان، أما مثقفو السلطة فهم محسوبون على الثقافة بدءا وخاتمة، وهم متنوعو المشارب والتوجهات الفكرية، ومتغيرو المواقف، حسب الغايات والمقاصد أو حسب المحركات والدوافع. فبعض هؤلاء المثقفين يتحركون بلا وعي حقيقي، وبانحياز تام للسلطة، غير قائم على مبدأ أو فكرة أو قيمة، في حين يكون بعضهم يهدف لتحقيق ذاته، وتلميع صورته الثقافية عبر مرآة السلطة، للتحصّل على أكبر المكاسب من الثقافة والسلطة معا، متى سنحت له الفرصة.
وليس على مثقف السلطة أن يكون ضحلا أو هشا أو هامشيا، بل قد يكون من أقوى العقول وأكثرها رجاحة ووعيا، ولكن آية مثقف السلطة أنه يرضي السلطة التي ينتمي إليها مطلقا، حتى لو كان يدرك تماما أن الصواب يجانبها، وأن الحق في الطرف الآخر لغاية أو مصلحة يرتئيها أو ينتظرها. كما أنه لا يمكننا أن ندخل مثقف السلطة في التنوع الفكري والتعددية التي تفرضها الثقافة أصلا، لأن مثقف السلطة يأتي غالبا من كل التيارات والأفكار، ولكن انحيازه المطلق للسلطة، ورغبته في إرضائها، وكيل المديح لها، والتحدث باسمها على حساب ذاته ووعيه وفكره، هو سمته وعلامته الأولى، وبالتالي ذلك ما يصبغه ويميزه  أكثر من أي تيار فكري ينتمي إليه.
وكنتيجة أظهرت الندوة من خلال الأوراق العمانية المقدمة في الأقل، وأغلب المداخلات والأسئلة ـ خارج الورقة الضيف، وهي ورقة على حرب، والتي كنا نعوّل عليها كثيرا، إلا أنها كانت مقتضبة، ومحاذرة أيضا، ربما لضيق الوقت أو احتراما للجهة المنظّمة، ولاحقا نشرت بعمقها الحقيقي في الملحق الثقافي لجريدة عمان ـ أظهرت مكونات الثقافة العمانية المحصورة بين سلطة الدين، وسلطة السياسة، وسلطة الإعلام الرسمي، وسلطة المجتمع، معلنة التباسا عميقا وجارحا في مفهوم الثقافة حتى عند النخبة، وبرهنت على غياب المثقف الحقيقي أو تغييبه، أو ابتعاده حرصا على مبادئه وثقافته من التشويه والمصادرة.
فمن هو المثقف؟ هل هو المبدع، أو الباحث  أو القارئ الموسوعي أم رجل الفكر التنويري؟ أم المثقف الموضوعي الرافض؟ وهل المثقف الموسوعي والتنويري يمكنه إحداث تغيير في مجتمعات لا تقرأ، ولا تؤمن بدور المثقف أصلا، وبقدرته على التغيير؟ وهل يوجد في عصرنا وفي بلداننا الجائرة تحديدا مثقف موضوعي فعلا؟ وهل هناك من هو مستعد لدفع الثمن من جسده ونفسه مقابل أفكاره ورسالته التنويرية؟
وهل هناك فرق جوهري بين المثقف الثوري؟ والمثقف الموضوعي؟ وهل ينبغي أن يتغير دور المثقف الموضوعي اليوم من المواجهة الحادة مع السلطة ـ التي قد تنتهي به أسيرا في سجونها، لن يحقق من وراء ذلك كله غير فراغ في الدور، أو مجدا ذاتيا مازوخيا زائفا، ودمارا نفسيا وعضويا لا حقا ـ إلى النحت في الوعي الجمعي بهدوء وإصرار لتفتيت حزمة الجهل، وإقناع الشارع بدوره، ويدفعه لاحقا للإيمان به، وبالتالي يستمد من المجتمع شرعية التغيير ليضغط على السلطة؟ أسئلة تنخر الساكن، وتربك السائد، وتناوش المسكوت عنه، وتظل الإجابات مفتوحة على الوعي، الوعي الذي هو سلطة المثقف الحقيقي والذي عليه أن ينطلق من الأفكار الكبرى، الأفكار المطلقة، كالحرية والعدل والمساواة، والمواطنة والديمقراطية التي هي هدف المثقف الحقيقي، وغايته البعيدة عبر سلطة قلمه المشرِّح، وصوته الناصع، غير الموارب ولا المهادن لأي سلطة ومهما كانت المغريات.
كاتبة عُمانية
فاطمة الشيدي

الأربعاء، 10 فبراير، 2016

عن الفيس بوك




فاطمة الشيدي
10- 2- 2016

الفيس بوك ليس هو  الحياة
الحياة هي دبيب خطوك على الأرض
ضحكتك إذ تشق الغبار
لقاء عينين غريبتين غرر بهما الحلم
ومع ذلك تبسمان
أم تدعو لأبنائها العاقين
امرأة يخونها زوجها كل ليلة
وتستأنف صباحا العمل بلا نية للتقهقر
رجل سبعيني يذهب للحياة التي عاشها يوما ليجعل الماضي يمكث زمنا أطول
لأنه لا يحب حاضره، ويخاف مستقبله الذي لا يعني سوى القبر
صغار يذهبون للحياة بشغف غير مبرر
وكبار يفكرون في العودة من قطارها السريع بصمت غير مبرر أيضا
حكمة مرة مخلوطة بالقليل من الصبر والعسل
لهاث متقطع الأنفاس أبدا بين صحو ونوم وتفاصيل لا تهدأ
ملل وتعب، وأمل ورجاء في قصعة واحدة
كل شيء في الحياة جنوني وعبثي أكثر مما يُحتمل
بينما يحضّر الفيس بوك وجباته السريعة على عجل كمقهى على ناصية الكونية
يسعف المتعبين من الحياة
يكتب نصوصه الكثيرة ضمن ذاكرة المحو
يخلق أبطاله الدونكيشوتيين بحرفة واقتدار مخرج مجنون
ويصدقها المشاهد المحمّل بالخدر والنعاس بلا تمحيص أو وعي
كل شيء يبدو باردا ومملا وبلاستيكيا في الفيس بوك
الفرح والوجع، أبسط من الحياة أو أقل منها شأنا
ومع هذ وأبدا
سنظل نقف  في طابوره الطويل يوميا
ربما لنقول شيئا بصوت عالٍ لا تسعفه حناجرنا
أو لنعرف بعض الأشياء التي يحاول العالم القذر كتمانها
أو لنبكي في صمت على مهازل الغابة الكونية التي تفضحها
شاشاته الناصعة .



الجمعة، 5 فبراير، 2016

القيم بين الدين والتربية


فاطمة الشيدي

بين فيلم  CONCUSSION الذي شاهدته الخميس 28 يناير 2016 والذي يحكي قصة طبيب يعمل في الطب الجنائي (التشريح)، ويتعامل مع الجثث بإنسانية عميقة ليتكشف سبب الوفاة بدقة، ليتحصّل على نتيجة مفادها أن العنف في كرة القدم الأمريكية يسبب الارتجاج في المخ، فمخ الإنسان غير محمي من الضربات وغير جاهز لهذه الارتطامات المتكررة، مما يسبب الصداع والذي يؤدي لاحقا للجنون فالموت بالانتحار غالبا وفي عمر مبكر جدا، بالطبع حورب كثيرا من مافيا كرة القدم المتمثلة في الاتحاد العام لكرة القدم، ولكنه أصر على توصيل صوته للعالم، لأن من حق الإنسان أن يعرف الضرر وراء كل ما يفعل في أقل تقدير.
الطبيب الطيّب الذي تزوج من فتاة لاجئة لأنه لمس معدنها الحقيقي، ولاحقا عرّض حياته وحياة أسرته للخطر نظير حماية حق الإنسان في المعرفة، وأهمية نشر العلم الذي تحصّل عليه  ليساهم في تشكيل لبنة معرفية في بناء المعرفة الإنساني الكبير، وليمحو القليل من الجهل عن وجه البسيطة.
وفيلم  FINEST HOURS الذي شاهدته الخميس 4فبراير 2016، والذي يحكي عن فرقة خفر السواحل التي هبت لنجدة سفينة نقل عملاقة حطمتها عاصفة هوجاء. الفرقة التي آمن قائدها بدوره وعمله وضرورة التزامه بالقوانين، رغم أنه أي قائد الفرقة كان يعيش قصة حب مع امرأة استثنائية قوة وشخصية وجمالا، ويريد لها أن تتكلل بالنجاح، إلا أنه اختار الامتثال للقوانين والنظم، وهبّ لمساعدة طاقم السفينة، وجازف بحملهم جميعا (32 فرد) على ظهر مركب إنقاذ صغير، واستطاع بإيمانه وهمته ومحبته إيصالهم للشاطئ ولبر الأمان، مخالفا في ذلك كل الأوامر والنظام الذي كان يبجله طيلة حياته.
في هذين الفيلمين كنت أتلمس من خلال رسم الشخوص وتجسيد الفكرة نصا وإخراجا ، قيمة تقديم روح الإنسان الحقيقية القائمة على الحب والنضال من أجل الآخر، ووعي الإنسان بدوره  في الوجود، خارج التنظيرات الدينية، عبر فكرة الثواب والعقاب، الحالة البراغماتية النفعية الفجة التي تشبه تجارة مستترة، وكنت أتساءل كثيرا حول القيم الإنسانية التي تربى في الغرب عبر الأسرة والمدرسة  والمجتمع والسينما وكل الأنشطة الإنسانية، بعيدا عن أي ربط أخروي أو غيبي، ولذا ففي حالة عدم  تمسك الفرد بالدين لا تتأثر تلك القيم داخله، بل يظل الإنسان إنسانا، في حين تتداعى كل قيم الفرد العربي خارج الدين لأنه لم يترب على تكوين منظومة أخلاقية حقيقية تكون بمثابة ترسانة وعي وقيم تحميه من التداعي والانحطاط خارج الدين رغبة ورهبة. 
 وهكذا كلما شاهدت فيلما جديدا تتحرك داخلي مجموعة من الأفكار والهواجس، تحفزني على عبور الفيلم للحياة والعكس، والربط الموضوعي بين ما يعتمل في داخلي وما أعيشه في الحياة وبين ما تطرحه الشاشة الكبيرة، وأظن أن هذا هو دور السينما الحقيقي للمشاهد العام، خارج كل الأطروحات النقدية لقيمة الفيلم الفنية، ولذا أظن أن مشاهدة الأفلام كقراءة الروايات، عامل مهم لبناء الوعي وتربية الحس الجمالي والنقدي، وتكوين منظومة فكرية وقيمية تنمو مع كل فيلم تشاهده وكل كتاب تقرأه.
فلنشاهد الأفلام ولنقرأ الروايات مهما كانت مستوياتها الفنية لنعيش ونحب ونتأمل ونفكّر ونذهب للمستقبل.


الأربعاء، 3 فبراير، 2016

فاطمة الشيدي
3- 2-2016


لا أوطان للحالمين يا أمي
لهم قلوب فقط
لهم ثروة العشق وبهاء الأصيل
ولهم  دندنات الماء
وأغنيات النخيل
ولهم لذة الأوهام والأمنيات
ولهم خطوات مشوبة بالقلق
مشربة بالنواح
وصرخات مبعثرة في الهواء
ولهم سلم الارتباك أينما تحركت أقدامهم
واحتباس الحلم في رئة الحياة
ولهم وجع خفي حين يذهبون في الضحك
يتداعى أبدا كجرح قديم


الثلاثاء، 2 فبراير، 2016

بين نص المرأة والكتابة النسوية – «كولاج لـ أنايس نين» نموذجا

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
2 فبراير 2016

عند قراءة أي عمل فأنت تستحضر الكثير من المحددات الفكرية والنفسية للخوض في قراءته بعيدا قليلا عن المتعة المعرفية و«اللذة النصية» بتعبير بارت، وحين تقرأ عملا لامرأة تستحضر مباشرة النظرية النسوية. وتحاول أن تستقرئ ممكنات هذا العمل داخل هذه النظرية أو خارجها، بتوظيف ملامح التجنيس النصي، والرؤية الموضوعية للكتابة والكاتبة. ولذا فما أن تقع بين يديك رواية كتبتها امرأة حتى تستحضر تلك المقاربة الموضوعية بين أدب المرأة والأدب النسوي.
ولقد أصبحت الكتابة النسوية مفهوما واسعا، ودالا متسع المدلول، وفي الحقيقة أنه ليس كل ما تكتبه المرأة يدخل ضمن هذا الحيز المفاهيمي «الأدب النسوي»، فهناك مواصفات تواضع المنهج النفسي والتحليلي على منحها ملامح هذا التشكيل الدلالي أو المفاهيمي، فليس كل ما تكتبه المرأة يدخل ضمن الأدب النسوي – ولكنها مع ذلك تقترب منه كثيرا أو قليلا خاصة في أدبنا العربي- فهناك أدب المرأة الذي يعكس صورتها الداخلية كإنسان عام، وتفاصيل حياتها التي تجري بها مجريات الكائن الطبيعي المسالم بلا رفض ولا تمرد، كالحب والحزن والوجع والفرح والذي تشترك فيه الرجل.
و في رواية «كولاج» لـ «أنايس نين» وبعد كل ذلك الكم المبهر من التفاصيل، والقفز فوق الأحداث بلا مقدمات حقيقية في رواية قصيرة أصلا، كنت مشغولة بتتبع صوت المرأة في هذه الرواية، الصوت النسوي، والأنثوي في اتحادهما أو اختلافهما عبر التفاصيل الكثيرة، والأزمنة والأمكنة التي تتحرك ضمنها «رونات» الفنانة، وكنت أبحث جادة عن ملامح النسوية في الرواية، تلك النزعة المتمردة أو الثائرة أو الرافضة لفكرة ما قد تحد من تحرك المرأة الواعي في الحياة والنص معا، وذلك الصوت العالي الذي يريد أن يقول أنا هنا بقوة، والذي يتصدر رواياتنا العربية التي كتبتها أو تكتبها المرأة غالبا، وبعض الروايات الغربية الأقدم من زمننا هذا حين كانت تحتاج لذلك، ولكنني لم أجده، فقد كان صوت رونات مختلفا جدا، ولكنه كان صوتا خافتا، هادئا وعميقا، يسحب أنفاسه بقوة ولكن بهدوء تماما، ويتحرك في المكان والزمان بخفة امرأة، وبجنون فنانة.
ففي «كولاج» تنزع «أنايس نين» نزعة حكائية مختلفة، إنها لا تسرد حكاية واحدة، ولا تعتمد سردا مباشرا، بل تستحضر حكايات كثيرة، وتسرد سردا علائقيا عبر مجموعة من الخيوط تحرص أن تبقيها متصلة لزمن ما، ثم تقطع خيطا ما لتربطه بحكاية أخرى، إنها لعبة السرد التي تشبه «لعبة العرائس» وبطلتها (رونات) الطفلة اليونانية التي استيقظت في النمسا، متشبثة بحكايات التماثيل الكثيرة التي تعتقد أنهم بشر تحت تأثير السحر وسيعودون يوما لسرد حكاياتهم، رونات الطفلة التي كانت تضحك لتخفف انزعاج والدها من كآبة أمها المزمنة، والتي تخلت عن احتراف التمثيل كي لا تسبب له الألم، والتي تعلمت في البيت (الموسيقى والفن واللغات) على يد عمها الأستاذ الجامعي الذي بلا نخاع عظمي، والذي لم يتعلم تعليما نظاميا بل درس معظم دراسته في البيت، رونات التي أحبت اللون واللوحة وقررت أن تصبح فنانة، وحين تعرفت على (بروس) أحبته فرسمته، فأخذها معه في رحلة للمكسيك ولكنه كان يعشق سيارته أكثر من الحب ومن المرأة، ولاحقا انتقلت إلى كاليفورنيا والتقت فيها أيضا ببروس الذي حاول ترميم علاقته بها، التي انقطعت لأنها عرفت من صناديقه أنه غريب الأطوار، فاستمرت في فنها ليغدو غاية حياتها وهدفها الأكبر، فتبدأ حياتها الحقيقية متحدة مع الفن وتتحرك ضمنه مع أن بروس ظل دائما كان قريبا منها.
رونات التي تحب الحيوانات ولذا عشقت رسمها، و«حين كانت طفلة شعرت بأنها ولدت لإنقاذ الحيوانات، واهتمت باسترقاق وعبودية الحيوانات، الحمار الذي يحرك الدواليب لإخراج المياه في مصر، القطعان المسافرة في القطارات، الدجاج المربوطة بأرجله معا، الأرانب التي تطلق عليها النيران في الغابة، الكلاب المقيدة برسن، والقطط المتروكة جائعة على الأرصفة، قامت بعدة محاولات لإنقاذها. قطعت الأسلاك من حول أقدام الدجاج، فانتشرت في كل أرجاء السوق. فتحت كل الأقفاص التي تمكنت من العثور عليها، وتركت الطيور تهيم طائرة . فتحت أبواب الحقول ودعت القطيع طليقا في الخارج، ولم تدرك عدم جدوى مهمتها إلا بعد بلوغها سن الرابعة عشرة، جاوزت القسوة الحدود ولم يعد بمقدورها إخمادها» فحاولت أن تعوّض عن ذلك بالرسم، حاولت أن تجعل الفن هو الحياة المثلى في التعامل مع هذه الحيوانات و«هكذا بدأت رونات في رسم صداقة النساء والحيوانات، امرأة مضيئة مستلقية بسلام بجانب نمر، امرأة ببشرة مشوبة بالزرقة، عائمة على جناح بجعة مفروش، امرأة بعيون مثل عيون قطتها السيامية، امرأة تمسك بسلحفاة بحرية» ص 41
تواصل «أنايس» روايتها عن «رونات» التي تكتبها بصوت السارد العليم، فلا يعلم القارئ هل هما واحدة، أم لا، تكتب عن أصدقائها ومن تلتقي بهم في الشارع، كالحارس الذي عمل حارس إنقاذ على أحد الشواطئ، الذي صادق الفقمات وأطلق عليها أسماء معينة وعاش بالقرب منها في كهف هاجرا بيته وأبناءه، أو رواد المقهى الذي تعمل فيه كمضيفة حين لا تبيع الكثير من اللوحات، فتسرد حكاياتهم بحيادية تامة «أنا نجم، أنا مخرج، أنا مصور، أنا متزوج، أنا عندي ولدين، أنا اكتشفت بئر نفط، أنا شيدت بيتا، أنا كتبت سيناريو فيلم، أنا ربحت أوسكار، أنا اشتريت حصانا، أنا استأجرت مزرعة، أنا بدأت موضة صيد الخنزير البري، أنا عندي معرض رسم، أنا مبحر إلى أكابولكو»
وتتحرك عبر الحكايات التي لا تعبرها خارج حكاياتها الشخصية تماما، التي تحضر بين الفينة والأخرى عرضا فقط، ولا تدخل ذاتها «الرسامة» إلا بخجل حين يسألها أحدهم، فهي تصف ملامح الرحلة والعبور والأحداث، بلا نرجسية خاصة إلا بكونها رسامة «غير أن أي منهم لم يتحل بالقوة الكاملة التي ملكتها رونات عندما قالت (أنا رسامة)، ولد رسمها من الداخل، كما لو كان ابنها تماما، عضويا كجزء من لحمها» .
وكما كانت رونات ترسم الحيوانات، كانت تحكي عن النساء في تلازم ضمني، فالمرأة هي الكائن البطل في روايتها، هي الحكّاءة المبهرة، وهي التي تحرك مجريات السرد، منذ الأم المكتئبة، حتى ليونتاين، التي تغني بمحاذاة البيانو، وابنة فاردا الفنان التجريدي، ونينا الممثلة المجنونة، وليزا التي نقلت المكسيك لبيتها عبر الصور والحيوانات، وأخيرا جوديث ساندز الروائية التي كانت مختفية عن الأنظار، فأخرجها معجب يتعشق ما تكتب ويحفظه عن ظهر قلب.
كتبت أنايس نين حكايات النساء، في مجتمعها عبر رواية ذاتية، أشبه ما تكون بمقطع عرضي مأخوذ من حياتها، كأنها تكتب سيرتها الذاتية عبر فترة زمنية ما وأمكنة متعددة، بكل تداخلاتها وتمازجها الغرائبي الذي تحفل به الحياة، والحياة كما تخبرنا عبر وقائعها أكثر غرائبية من كل الروايات والأفلام، بل الحياة هي المنبع الذي يستقي منه الفن دهشته وغرائبيته، حياة فنانة غير تقليدية، فنانة تحاور الأزمنة والأمكنة والشخوص عبر الحياة نحو اللوحة، لتشتق من جمالها وقبحها مادة للفن، وتقترب من دواخل الإنسان لتصعد به من عالمه الأرضي، إلى عالمها التشكيلي في كولاج لغوي وفني معا.
رواية لا تروم شيئا خارج الفن، كأن تتوسل حقًا، أو تنظّر لفكرة أو تبارك قضية، فكل ما تريده هو سرد الأحداث والشخوص والأمكنة كما هي تماما أو بقليل من الرتوش التي توضح جماليات التحقق ضمن النص، كما يحدث في الفن التعبيري غالبا.
وهكذا يتضح الفرق بين كتابة القضية كالنسوية -التي لها الكثير من المنظرين والمنظرات عبر السرد أو خارجه وليست من اختصاص المرأة، وبالتالي فليس كل ما تكتبه المرأة هو كتابة نسوية – أو الكتابة كفعل حميم ينطلق من وعي الكائن بالجمال والإنسان والطبيعة، وانبثاق الشعور بالأشياء والكائنات والأفكار من الداخل نحو اللغة بشكل يشبه الإنسان ذاته، رجلا كان أو امرأة بلا تحيز إلا ما تفرضه الطبيعة الجنسانية التي تنعكس عبر مكونات الروح والجسد والنظرة للذات والحياة والآخر، وتحكم الكتابة في العميق واللاواعي منها، وهي خارج الجنسانية تختلف من كاتب لآخر، ومن زمن لآخر، ومن مكان لآخر ومن مجتمع لآخر.
ـــــــــــــــ ــ ـ ـ ـ ـ ــ ـ  ـ ـ ـــ
أنايس نين، كولاج، ت : صلاح صلاح ، سورية دمشق، ورد للطباعة ولنشر والتوزيع، 2007

الجمعة، 22 يناير، 2016




فاطمة الشيدي

برائحة الحناء في يد أمي
وبطعم قصب السكر في صوت أبي
وبلون الحليب في نظرة حبيب غادر على عجل
برعشة الآه في صوت فيروز
بشغف شمعة حالمة تتعرى وتموت ببطء...
بصرير الشباك في أيدي الصيادين المتشققة كل صباح
يذهبون خلف لحن خفي
برنين الأساور في أيدي جدات جميلات رغم التجاعيد
باستدارة نهود في صدور صبايا يخلعن على مهل رداء الطفولة بلا خجل
باستفاقة عشب داهمه المطر ليلا فاستيقظ مبللا بالعشق
بصهيل مهرة جافلة من الترويض المقيت
وتهفو للمسة يد، ورائحة ذكر
بشهقة عاشق لا يرتوي
ولهفة أم ينخلع قلبها إذ يلوّح أبناؤها للبعيد
بطعم الحامض في طبق سمك مشوي
ورائحة الزنجبيل في شاي يحتسى كالنبيذ على شرفة مطلة على البحر
برقصة خصر نحيل دعاه الرقص فلبى
وبخشوع قلب هائم في الصلاة
كمثل الحياة التي بلا شروط نحياها ونفارقها
أتمنى أن أكتب نصا واحدا فارقا
وأموت بعد ذلك خفيفة بلا ندم