السبت، 3 ديسمبر، 2016

ماتزال الهند تتحفنا بالكثير من الغرائب والعجائب، والسينما هي شاشة العالم الكبير اليوم، نشاهد عبرها غرائبية الواقع وجنونه، أكثر مما قد تتفتق عنه عبقرية المخيلة الإنسانية مهما أوتيت من عمق التصور  وبعد التخيّل.
هذا الفيلم موجع، مربك، يخرج الإنسان منه ثقيلا موجوعا، ممتلئا بالدموع والألم، 80مليون طفل ضائع في الهند سنويا، وهم عرضة لأبشع الجرائم،  ولا يستطيع  أحد مساعدتهم، حتى القانون ورجاله، بل وحتى ملاجئ الأيتام قد تكون ضمن هذه اللجرائم.
طفل صغير يعيش مع أمه التي تعمل في حمل الجارة، وأخيه الأكبر، وشقيقته الطفلة الرضيعة، ولكنه ذات يوم يضيع عن أخيه في القطار ، فتحاول عصابات خطف الأطفال الإمساك به فيهرب ويركض بقوة ، ثم تعثر عليه امرأة وتحاول تسليمه لرجل ما لبيعه فيركض، ويعيش أبشع اللحظات، بل حتى الملجأ الذي وصل إليه أخيرا عن طريق الشرطة، تفوح منه رائحة العفونة والاستغلال. حتى تتبناه عائلة استرالية، فيكبر معها طيبا متفوقا، لكن الذاكرة كانت تعذبه، الذاكرة شرك الإنسان، ومحركه الأول، صوت أمه ونداءات أخيه، كانت ذاكرته الطفله تحتفظ بكل شيء الطعام والممرات، والبحر وأصوات عائلته، لا يغيب عنه شيء من تلك التفاصيل التي تمنعه من الحياة لمدة خمس وعشرين سنة، يقرر بعدها العودة للبحث عن أسرته، بعد يعرف اسم البلدة عبر برنامج جوجل إيرث.
فيرجع لأمه الحقيقية ولبلدته ولعائلته ولكنه يعرف أن أخيه قد مات تلك الليلة التي ضاع هو فيها، لأن قطارا صدمه.
يطرح الفيلم الكثير من المشكلات للأطفال والفقر والاستغلال، والانجاب مع كل هذه المشكلات في الشرق، في حين أن الأم الغربية قالت (قررت عدم الانجاب لأن العالم به الكثير من الأشخاص الذين ينبغي مساعدتهم).
استطاع الغرب التصالح مع إنسانيته، وفهم رسالته في هذا الكون، والاتحاد مع كينونته في حين ما يزال الشرق ينظر للأشياء نظرة خارجية مرائية من جهة، أو قاصرة ونفعية من جهة أخرى وعززت الأديان فكرة الثواب والعقاب البعدين، فأهمل القريب لصالح الغيبي، في حين أن الغرب يقدم يد المساعدة لما يستيطع بلا هدف سوى الواجب الإنساني.
#فيلم الأسبوع
#يستحق المشاهدة

السبت، 19 نوفمبر، 2016

التمييز الثقافي

فاطمة الشيدي

القدس العربي

Nov 19, 2016
 
هل انتهى التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي، وهل بات ينظر للمرأة عملا ووعيا وفكرا بشكل مساوٍ للرجل؟ وهل أصبحت المرأة العربية حرة في تفكيرها وفيما تقوم به من أعمال فلا تشعر بالاضطهاد أو العنف أو التميز في مكان ما، وبالتالي لم تعد بحاجة للكتابة عن همومها وشجونها؟
شخصيا لا أظن ذلك، ولا أظنه يحدث قريبا، فلا تزال الكثير من النساء ترزح تحت وطأة الظلم والقهر، ويعانين الويلات والآلام في حيواتهن الاجتماعية، في بيت والد أو زوج، وفي العمل من زملاء ذكور محملين بعقد المجتمع، وفي الشارع من متحرش جبان. إنها الحياة العربية التي تدركها المرأة جيدا، والتي لا تمنحها الكثير من الحرية أو الحقوق، كما يدركها الرجل الواعي أيضا، فقد ناله منها ما ناله ولعل كل ما يقع على المرأة من الرجل أحيانا أو غالبا، ما هو إلا تعويض نفسي عن القهر الجمعي أو الظلم المجتمعي الذي تعرض، أو ما زال يتعرض له.
ولكنها، أي المرأة العربية، حاولت عبر الزمن وماتزال تحاول بكل طاقتها وجهدها، ومن كل مواقعها العلمية والثقافية والاجتماعية كسر ذلك التمييز، وتغيير نظرة المجتمع لها، واستعادة بعض حقوقها الإنسانية التي وهبها لها الرب، فكان أن تحقق لها القليل من النتائج بعد كل ما قدمته من مكابدة ومثابرة لإثبات حقها في حياة عادلة، ولا أقول متساوية، وبل ما تحقق كان للبعض منهن فقط.
ومع انفتاح الكونية على ذاتها عبر الشبكة العنكبوتية تحديدا، وكثرة مواقعها، وما أتاحته من حرية الكتابة، وجمالية التدوين، وما وهبته للإنسان من مساحات ضوئية للتنفيس عن ذاته المكبوتة في مجتمع عربي ربى الكثير من الكبت لعقود طويلة للجميع رجالا ونساء، مع هذه الطفرة المعرفية والتكنولوجية خرجت الكثير من النساء عن صمتهن الذي امتد زمنا طويلا، وبدأن يستخرجن مسوداتهن من تحت الوسائد والشراشف، فأصبح الفضاء الرقمي صوتها في مقابل صوتها الحقيقي المتحشرج بالخوف، وأصابعها الحرة في مقابل تلك المشلولة بالقيد، ووجهها المتخفي خلف الضوء هذه المرة بدلا من البراقع الحاجبة. ولذا بدأنا نقرأ الكثير من المدونات والكتابات النسوية في غير موضع ومنتدى وفضاء رقمي، تلك المدونات والكتابات التي لم نكن لنقرأها من قبل.
وبالطبع ستكون الخطوة اللاحقة هي النشر لكتب تحكي هذه التجارب، وتؤرخ لتاريخ من الكبت الطويل، وتنتصر للحرية وللمرأة الجديدة، وللفضاء الشاسع الذي انطلقت فيه خطواتها نحو الحياة والبوح، وبالطبع ستتفاوت هذه الكتابات والتدوينات سواء منها المنشورة عبر وسيط رقمي أو عبر وسيط ورقي كالكتب أو الجرائد والمجلات بين كاتبة وأخرى وفق استعدادها وملكاتها وتمكنها من أدوات اللغة، ووفق المحيط الذي تعيش فيه والبيئة التي عاشت فيها، ووفق اشتغالاتها على ثقافتها ووعيها قراءة ودرسا وتأملا وتجاوزا للسائد.
فكان أن تلقّى الجمع هذه الكتابات، وكان التفاوت في التلقي أيضا، إما بالحفاوة المطلقة، والمنطلقة من دافع ما، من المؤسف أنه كان غريزيا في كثير من الأحيان، فلم تخلو من التملق والمدائحية، أو بالنقد الجارح الذي حطّ بشكل كلي من قيمة هذه التجارب التي قد تكون ممهدة لتجارب أخرى، ومؤرخة لزمن التحليق خارج شرانق الصمت. وهذا أمر يحتاجه علماء الاجتماع وعلماء النفس أكثر من الناقد الأدبي والثقافي، وفي كلا الأمرين تمييز ثقافي وجنسي واضح.
واستمر الفعل الكتابي للمرأة بشكل حقيقي ومشرّف كما وكيفا، وتجاوزت الكثير منهن ربكة البدايات واشتغلن بالعميق والحقيقي من الكتابة، والبحث في الداخل حيث تدوين الذات الذي لا يمكن أن يكون إلا من صاحبها، وفي الخارج القريب الذي هي جزء منه كالرجل تماما، بل قد تفهمه أكثر لاهتمامها بالتفاصيل واقترابها من عوالمها اقترابا حسيا جارحا، كما ولدت أجيال جديدة حرة وحية خارج مناطق الكبت والقهر فدونت تجاربها أيضا، واقترفت فعل الكتابة كحالة إنسانية فقط. هذا ناهيك عن ظهور  الكثير من الباحثات والناقدات والفنانات والمبدعات المتميزات في شتى المجالات.
غير أن التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي المتخم بكل أنواع العقد ما يزال مستمرا وفي كل مناحي الحياة ومجالاتها تقريبا، ولذا كان التمييز الثقافي أو اللغوي أحد أشكال هذا التمييز، ويمكننا أن نحدد هذا التمييز أو نعرّفه بما يظهر بين الفينة والأخرى في كتابات بعض الكتاب والنقاد والصحافيين، من إطلاق أحكام عامة حول كتابة المرأة، واتهامها بالضعف أو الجنسانية أو مهاجمة الرجل، مع تحقير مما تكتبه، والموازنة غير العادلة مع كتابات الرجل لصالح الأخير طبعا. فعبر إطلاق أحكام عامة وكلية، وخارج أي تحليل، أو بيان لمواضع الضعف، أو تعيين الخلل أو الوهن، أو التمثيل والاستشهاد ببعض النصوص لإضفاء العلمية والدقة، يقدمون رؤية ناقصة لكتابات المرأة ويضعونها بشكل سلبي تحت ما يسمى بالأدب النسوي، وهو فخ وظّف عربيا ليضع كل كتابات المرأة في سلة واحدة، دون تفنيد للمصطلح أو المفهوم أو حتى للنص.
وبالطبع لا يمكننا أن ننكر أن هناك كتابات نسائية تافهة وساذجة، وما هي إلا مزيج من الثرثرة والسخف، ولكن ألا توجد كتابات رجالية ذكورية تافهة أيضا؟ وألا توجد كتابات نسائية عميقة وجادة؟ فالتباين سنة الحياة والعلم والوعي والثقافة والمعرفة.
إذن نعم هناك كتابات نسائية ساذجة ومراهقة وجنسانية أحيانا، وتتخذ من مظلومية المرأة سلما هشا للكتابة، وتتمحور حول صورة وحيدة للرجل وهي صورة الظالم والقاهر، والكاسر لقلب المرأة، وصورة وحيدة للمرأة وهي تلك الضعيفة والمظلومة. ولكن وضع البيض في سلة واحدة، وإطلاق أحكام مطلقة على كل كتابة للمرأة؛ هو أيضا نوع من السذاجة، إضافة إلى كونه نوعا من التمييز والعنصرية الثقافية والعلمية والمعرفية المقيتة، والتحيّز الأعمى اللامنهجي واللاموضوعي ضد كل كتابات المرأة.
إن إصدار حكم عام بالضعف أو النسوية على كل كتابات المرأة، عبر قراءة بعض ما أنتجته فقط، يعد نوعا من التمييز الجنسي الثقافي ضد المرأة، فتلك القراءات مهما اتسعت وتعددت، ومهما عظم قارئها واتسعت ثقافته، تبقى جزئية ومحدودة وناقصة لتقديم حكم شامل، أو صورة كلية، كما أن مقارنة ما تنتجه بما ينتجه الرجل هو نوع من الإجحاف للطرفين. وهو إبراز للتمييز الذي يتصدّر عالمنا العربي في كل المجالات؛ للون أو العرق أو الدين أو المذهب والذي ربما اخترع شيئا جديدا، إن لم يجد ما يتحيز به ضد الآخر، وكأنه سمة عربية لا يحدها ولا يمنعها أن يذهب الشخص في اتجاهات رفيعة كالعلم والثقافة والمعرفة.
فمن المؤكد والراجح أن هناك الكثير من الكاتبات الرائعات والحقيقيات البعيدات عن تدوين التفاهة والجنسانية والمظلومية، وغيرها من مخلفات الفهم الخاطئ للنسوية، وقد أنتجن من الأعمال ما يستحق الاحترام والخلود معا، تماما ـ وكي لا نضع هنا أيضا البيض في سلة واحدة ـ كما أن هناك الكثير من النقاد الذين أمسكوا بمشرط الجراح بعدل ومعرفة ووعي، وأمعنوا في نصوص المرأة قراءة وعمقا وتحليلا، وأعطوها حقها من التقديم والتحليل والنقد، وبالتالي وضعوا الأمور في نصابها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة، والكتابات التمييزية، والنقد العنصري. كما كان هناك الكثير من الرجال الذين وقفوا مع المرأة في عبورها لهذه الحياة، وساندوها للخروج من شرنقة الجهل المجتمعي، ومن مظلومية التاريخ الطويل والقهر الممتد. وهذا ما يجب أن نؤمن به، ونتحيز له فقط.
كاتبة عمانية

الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2016

كنت في البدء شجرة


كنت في البدء شجرة .دار الانتشار العربي .بيروت. 2016

جريدة عمان
ملحق شرفات
1- 11-2016


كنت في البدء شجرة

في حياةٍ أخرى ماكنت أنا
كنت نخلةً سامقةً نبتت عنوةً في صحراءٍ على مشارفِ الصمت
ووزّعت ظلَّها على حباتِ الرمال
أو لعلني كنت سمرةً طيبةً توقظ الحنينَ في ليل السمّار
وتشغل الغرباء بالغناء
أو كنت سدرةً تغتسل بعشقِها النساء
أو غافةً تحرس الأفق
لعلني كنت زهرةَ ليلكٍ نبتت سهوا عند ناصيةِ شارع ما
وحرست أسرار العشاق الذين يترصدون الزوايا لاستراق قبلة عابرة
المهم أنني كنتُ في البدء شجرة
أعرف هذا الآن من رائحة جسدي ليلا
حين يضوّع عطرا يشبه حقل رياحين أو نعنع بري
ومن تفتّح حواسي على اخضرار الحياة
ومن الماء الذي يتغلغل في روحي تماما
حين ينزل المطر


على مشارف الربع الخالي

أخلعُ ظلّي كـ»عوانةٍ» طويلةٍ
تخافُ النظرَ للأسفل كي لا تنكسر
أتوسدُ الهواءَ وظلَ فكرةٍ عابرةٍ
أضاحكُ النجماتِ في آخر الليلِ وهنَّ يحزمن حقائبَهن الخفيفةَ لسفرٍ مؤقت
وأبتسمُ لغيمةٍ حبلى تمرُّ متهاديةً على مقربةٍ من رأسي الثقيلِ باللذةِ والأغنيات
وأعرفُ نهايةَ القصةِ سلفا
كأمٍ أزمُّ أغصاني كل شتاءٍ كي أمنحهَا الدفءَ
وأفردُها كلَ ربيعٍ كي تشرقُ بالفرحِ أو تحبلُ بالثمرِ
أراقبُ من علٍ العالمَ في عبورهِ اللاهث
وألحظُ تلك القيودَ المكبِلةَ للخطواتِ
وتلكَ العيونَ المنحشرةَ في الزوايا
يرعبني عواءُ الكلابِ الوحيدةِ بالليلِ
وأفرحُ لمرأى قطةٍ تلعقُ صغارَها عندَ الفجرِ
لا أعقد صداقةً إلا مع الأرضِ والزمنِ
فللأبديةِ خلخالٌ بأجراسٍ تشبه صوتَ أفعى
وللأشجار الأخرى ظلالٌ تداعبُها عند الظهيرةِ
ولي الهواءُ يردد أغنيتي الوحيدةَ كلما كان بمزاجٍ رائقٍ
ونظرةُ العابرين للأعلى
للتفكرِ في قدرةِ الرب، أو الثمرِ المستحيل



قصيدة مستحيلة

في دمي قصيدةٌ لن تكتب
قصيدةٌ سائلةٌ جدا
حارقةٌ أحيانا
وباردةٌ أحيانا أخرى
قصيدةٌ لها حموضةُ شجرةِ الليمون في سهلِنا الممتد
ومرارةُ قطعةِ (الشيكولا) حين ينتشي الحزنُ تحت جلدي
فيعبث داخلي بريشتهِ الباهرةِ كفنانٍ عظيمٍ
أو عازفٍ يأكله الشغفُ، فيشمخُ وجه الأوتارِ بارتعاشةٍ حرى
قصيدةٌ تشخب أبدا، كجرحٍ لا يبرأُ ولا يتخثر
قصيدةٌ أشدُ ملوحةً من بحر عمان (الحدري)
الذي يستضيف العشاقَ والعارفين على مقاهي صدرهِ الغافي كل مساءٍ
يتبادلون الضحكَ والنكاتِ السمجةَ والكثيرَ من القبلات والآهات
إنها لك أيها الطائرُ الجبلي الذي حطَّ في دمي أخيرا
أيها الطائرُ الغريبُ الذي وقفَ على غصنِ قلبي بين فصلين وجرحين وذاكرة
ثم استطابَ المكوث
فاردا أجنحتَه للريح والمسافةِ بيننا
واضعا حبةَ كرزٍ – تحمل تعويذةَ أجدادِنا السحرةِ – في فمي بمنقارهِ
فأغلقتُ عينيَّ لأتذوَّقها بلذةٍ
فلها طعمٌ مختلفٌ لا يوصف ولا يستبان
كنت أتلمظُها على مهلٍ، حين ذهبتَ أنت في الغناء
فأخذتني الغفوةُ والحب!


تحذير

أيتها الكلماتُ اليابسةُ كوريقاتِ الخريف
أقاربُك بحذرٍ
أخشى عليك أن تتكسري بين يدي
يدي الخشنةُ كيدِ حفارِ قبورٍ قديم
أو صانع فخارٍ عتيق
يدي التي تتحايلُ على الكلماتِ كي ترممَ شقوقَها في ضوءِ عينيها
وكي تتشكلَ أكثر جمالا في اللغةِ
يدي التي تسرّحُ شعرَ الأشعارِ في الكتب
كما تفعل النساءُ في المرايا
وتكتحلُ بالوهمِ كما يفعلُ العشاقُ غالبا
ثم تغني وحيدةً على ضفافِ المجهولِ
كما يفعل التائهون والعائدون من الحرب
يدي التي تنسجُ الحروفَ إلى بعضها بصبرٍ؛ كأم تخيطُ كنزاتِ الشتاءِ لأطفالِ السماء
يدي العامرةُ بالدعاء الذي يرتدُ في أصابِعها لتعيدَ كتابته في نص أرضي
يدي التي تعشقُ أن تحرثَ التراب
وتزرعَ الشجيرات الحامضة
وتروي الشتلاتِ الحزينةَ على الشرفةِ
أكثرَ من دغدغةِ المعنى كي ينجبكِ أكثرَ طراوةً ولينا
ولكن ما يحدثُ غير ما نريد غالبا
لذا تعالي بين يدي قليلا؛ لأصففَ شعركَ المبعثرَ في نصٍ قصيرٍ


صداقة

قصيدتي المترددةُ
صديقتي أيضا
نتحاور أنا وهي كلَ ليلةٍ
عن الحياةِ والحبِ وما بينهما
نختلف كثيرا؛ فأنا أعبرُ الحياة بتجاهلٍ مقصود
وهي تحتجزُ خطواتِها الظلية للزوايا
وتشمُّ ككلبِ حراسةٍ متمرس تفاصيلَ الشك والحيرةِ في القلوب
وتتتبّع الثقوبَ بدرايةِ نحاتٍ أكلت أصابعَه الغرغينيا
وببساطةِ حفارِ قبورٍ جاهل
وتلتقطُ الانكساراتِ بهدوءِ امرأةٍ دميمةٍ
تستيقظُ كلَ ليلةٍ في الواحدةِ صباحا؛ كي تدربَ الحظَ على لعبةِ الطيران
وتمشي خلفَ الخيباتِ على رؤوسِ أصابعِها لتأخذَ لها صورا قريبةً
تقضي وقتَها نائمة
وتجاهرُني برغبتِها في الرقص أو الغناء
في أكثرِ الأمكنةِ ازدحاما
نتبادلُ أنا وهي أدوارَنا في الحياةِ وفي الكتابةِ أحيانا
أرتدي جنونَها وترتدي قلبي
تبكي بالنيابةِ عني
حين أتحرَّج أن أفعلَ ذلك، أو حين لا تسعفُني الدموع
وأضحكُ بالنيابةِ عنها
لأن الضحكَ لا يليقُ بقصيدةٍ
تُقصي نهاراتي بحضورِها المتشنّجِ والمباغتِ
وتدخل للمساءاتِ برغبةِ عاشقةٍ في حبيبها البعيد
أسبقُها للنومِ، فتأتي بشقاوةِ طفلةٍ فتهمسُ في روحي سرَها الأعلى
وتدسُّ فضيحتَها في عروقي
تنام هي، وأظلُ أنا أهدهدُ الأرق


لأنه الشعر

الضجر ليس مبررا عميقا وجارحا
لكتابة الشعر
أنيابه النخرة لا تصلح للتمرئي في لجج الشعر العذبة
وملابسه الرثة لا يصح أن نعلّقها على مشجب الشعر الأنيق
والحزن أيضا ليس كافيا
فله نظرة قاتمة تخيف الأطفال والمجانين
أبناء الشعر الشرعيون
والحب كذلك؛
فتلك الطعنة الغائرة متوهجة أبدا، بحيث تقتل الكلام قبل أن يولد
والفرح، والوحدة، غير كافيين
فمن أين نأتي بالشعر ؟!
ربما مما يدور في ذهن عصفور في الأفق
قبل أن يركنَ للشجرة
وربما من عيون الموتى التي تبرق في الذاكرة
أو من ضحكاتِ الأمهاتِ المرتبكةِ في الصباحات الباكرة
وربما من حدس الربابنة بالعاصفة قبل الإقلاع
أو من الهواء المولع بالعبث في جسد الوقت
وشعر الحقول
أو من الأقدام التي نسيت خطواتِها على أرصفةِ الفقد المتسخة
أو من حزنِ مالكِ الحزين قبيل الغروب
أو من صرخة  مكتومةٍ في جوف كائن  لن يسمعها أحدٌ أبدا
وربما …
وربما …
لكن الشعر المراوغَ غالبا
يأتي بخفةٍ متناهيةٍ، وغير مدركةٍ للأسباب والنتائج
كالموت تماما!

حلم

يبدو أن أظافرَ البشرِ تستطيلُ كلما ذهبوا في العمرِ والتجربةِ
كيف سأقول ذلك لأمي؟
من أي سوقٍ مركزي سأشتري معالجاتٍ للجروح التي سيحدثها العمر
كيف سأتمكن من السهرِ مع الليل كل ليلة بصمتٍ كي لا أجرحَه
وكيف سأروّض النهاراتِ كي لا تجرحَني
كيف سأبث حديثا للمسافة كي لا تصيبَني بالدوار
وللحلم كي يظلَ عالقا بأهدابي؟
سأقول له مثلا أنا لا أكبر لا تخف
فهل سيصدّق كذبتي البيضاء؟
وكيف سأعبر النسيمَ المرافقَ بلا هالةٍ لائقةٍ
ودون أن أكونَ عالةً على الشعرِ؟
ماذا سأفعلُ حين ألمحُ أظفارَهم؟
هل سأختبئ في الحكاياتِ القديمة؟
أم سأتركُ لهم مقاعدَ الضوءِ كي يحتفلوا بغيابي
هل أمسدُ ظهورَ اللغاتِ كي لا تستفيقَ على حدِ لعنةٍ جاثمةٍ
أم سأبترُ أقدامي كي لا تسيرَ بينهم
هل سأقفلُ عائدةً من زقاقِ الدراويشِ
أحمل خبزَ «سيوران» فوق رأسي
وأسكن غرفةَ «فرجينا وولف» كبيتِ سلحفاةٍ عتيقةٍ من رأسِ الحدِ
وأتكئُ على حزنِ «لوركا» ونزقِ «نيتشه»
خفيفةً سأمرُّ، لن أضاحكَ «سلفيا بلاث» حتى نصل
ولن يسمع «كافكا» نشيجي قبل الفراق
وسأحتضنُ «فروغ فرخزاد» عند الزاويةِ بشدّة، ثم سألوّح للقصيدةِ في يدها
سلاما للصديقة والصديقة
وحين أعودُ سأخبئُ القصائدَ تحت وسادتي وأغيبُ
كي لا تمتدَ الأصابعُ والحناجرُ لمرآة قلبي

شبه

يشبهُني ذلك المغني الأعرج
الذي يقِفُ على قدمٍ واحدةٍ
كأوزّة مغناج
بينما يرفعُ الأخرى على الرصيف
ليبدو أكثر اتزانا في اللحن
وهو يبثُهُ باتساعِ الهواءِ
ليسري في مفترقِ الدروبِ
وفي مفارقِ النساء
وفي ضحكةِ العاشقيْن القريبين، وهما لا ينظران له كما ينبغي
وفي لثغةِ الطفلةِ المنغوليةِ التي تشاكسهُ كل صباحٍ
وقد تعضُّ بعض نقودِه القليلة، وتغسلُها بلعابِها
فيضحكُ لها، وهي تضعُ خبزتَها للحمامِ المتجمعِ حولهما


السبت، 29 أكتوبر، 2016

INFERNO

فاطمة الشيدي
27-10-2016

في هذا الفيلم الذي يقوم على عبقرية النص الروائي الحاذق لدان براون، النص الذي يجمع بين الواقع والفن والتاريخ ويعيد قراءة جحيم دانتي في سرد غرائبي تجريبي فنتازي يأخذك نحو البعيد في الزمن، والمكان المتعدد (فلورنسا، وفينيسيا واسطنبول وجنيف)، منطلقا من حكاية واقعية لشاب عبقري مضطرب نفسيا يخشى انهيار العالم لفرط زيادة عدد السكان، فيقرر أن يخترع فيروسا يقضي على نصف سكان البسيطة، وتحاول منظمة الصحة العالمية الحيلولة دون تفشي هذا الفيروس وبالتالي تقوم بالتعاون مع (روبرت لانغدون) العالم في الفن والآثار والتاريخ ليحل الشيفرة التي تركها الشاب عن مكان الفيروس بعد أن انتحر هربا من بعض من كان يحاول الحصول على هذا الفيروس لبيعه، ولكن أيضا يتم اختطاف البروفيسور( tom hanks)، فتتم مساعدته من قبل طبيبة يتضح أنها صديقة العبقري المهووس وتريد أن تعرف مكان الفيروس لتحقق غايته، وتفجر الكيس الذي يحتويه، بعد أن عرفت منه الموقع (آيا صوفيا) فتذهب لهناك وتحاول جاهدة تحقيق حلم صديقها الشاعر كما تصفه. وتدور الأحداث في محاولة الجميع العثور على هذا الفيروس كل لغايته، الفيلم بفنيته العالية، يتحرك بين أفلام الرعب والجريمة، وأفلام الواقعية. ولكن البعد الإنساني الذي مثلته العلاقة القديمة بين البروفيسور ورئيسة منظمة الصحة العالمية التي انتهت جديدا كما في السابق لاهتمام كل منهما بعمله، ودفاعهما حتى التضحية بالنفس عن حق الإنسان في الحياة، والبعد الفني التاريخي المعقد والمرتبط بجحيم دانتي (وهو الجزء الأول من قصيدة الكوميديا الإلهية) لحل اللغز شكلا قيمة العمل الحقيقية في رؤيته السردية، ورؤيويته السينمائية.



الأحد، 23 أكتوبر، 2016

العالم الرقمي والخراب الكوني

فاطمة الشيدي
القدس العربي
23-10-2016


أسرفنا في الامتثال للضوء، والاهتداء إليه، أسرفنا في تتبع ينابيعه الرقمية، كرعاة يذهبون وراء صوت بعيد يحلمون أن يوصلهم للمراعي وحين يصلون لا يجدون شيئا، أو كحطابي فرح يهرعون خلفه بلذة السعي وراء المجهول.
 أصبحنا أو كدنا نتحول إلى أرقام ومفاتيح، ننحسر داخل أجهزة صغيرة كموجة لا تقوى على الامتداد في المدّ، وننحصر في ذواتنا بعيدا عن الوجود الحقيقي إلا من عوالم بلا حياة. أصبحنا لا نسمع صوتا يشج الروح بحناناته، ولا نصافح يدا لنتقاسم معها خبز الحياة، ولا نشم عطر الأرواح عبر حوارات حقيقية.
ابتعدنا عن تأمل الوجوه، صرنا منكسي الرؤوس في الأجهزة التي بين أيدينا، لا نترك لصدورنا أن تتعبأ بزرقة البحر وملوحته، أو بهواء التيه، ولا تتشرب أعيننا اخضرار المسافات، صرنا نتقلص على أنفسنا كأجنة في رحم الضوء. نعرف عن طريق رسائله، وأمكنته التي أصبحت تتكاثر كالفطر السام، من يموت ومن يولد، ومن يفرح ومن يحزن، ونرسل بالتالي رسالة باردة بكلمات جافة أو وجها الكترونيا جامدا، للتهنئة أو التعزية لا فرق أبدا.
أصبحنا كائنات إلكترونية قليلة الكلام إلا المكتوب منه، قليلة الفعل أيضا، تجمدت أجسادنا خلف أجهزة ميتة، وكأنها مربوطة بأسلاك معدنية وكهربائية لهذه الأجهزة. قلّ المشي، وقلّت الحوارات الجادة والعميقة، وقلّت القراءة الحقيقية، أصبحنا نتحاور كتابة على عجل في هامش ضوئي ضيق، ونقرأ همهمات وتهويمات وشذرات تكتب على عجل أو كيفما اتفق بدافع الوقت والضوء. فكل شيء في هذه العوالم يُسلق على عجل، ويُمرر بسرعة كالوجبات السريعة، جاهزة ومعلّبة، وصالحة للقليل من الوقت. صرنا نحب ونتكلم ونعيش، ونذرف الدموع، ونكتب، على عجل، ونقرأ لنضع «لايك» على عجل، مجاملة لصديق، أو امتثالا لقانون الضوء وعوالمه الباهتة.
لم نعد نعيش ونمارس ونستمتع بالحياة بكل ممكناتها وطاقاتها كما ينبغي، لقد أربكنا الضوء كثيرا، أتعب أعيننا بشاشاته، وسرق عمق أفكارنا بسطحيته، وقلل اتساع رؤانا بضيق عوالمه، وأربك ثبات خطواتنا بسرعته، لقد تعلّقنا بعوالمه الرقمية أكثر مما يجب، وأصبح لزاما علينا أن ننتبه قليلا لهذا!
لقد أرهقنا بخفته وجاهزيته في سلبنا حقنا في التجلي الحقيقي، المفعم بالحضور الكلي، كما أرهقتنا الغابة الكونية التي نتتبعها عبره، تلك التي تقدم لنا هداياها عبر نشرات إخبارية متواصلة تتلمظ فيها مذيعة مغناج بنطق قرى ومناطق سوريا أو العراق أو اليمن التي حفظها المستمع العربي بعد أن لم يكن ليفعل يوما، أو ينطقها بحيادية قاتلة مذيع يتعمد نطق الكلام من منطقة بعيدة في حلقه وصدره ليأتي الصوت فخما وإعلاميا مدهشا، لتشاهد ذلك الصراع الدنيء بين كل قوى العالم والذي يدفع الإنسان والمكان ثمنه باهظا، والتي تجعلك فورا تستحضر «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل وتبتلع نفَسك بصعوبة وأن تتلمظ عجزك، وربما تحتقر ذاتك وأنت تكتب كلمات تافهة على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي داخلك صلاة لربك الذي تؤمن بقدرته، اللهم أسعف عجزهم وارفق بعجزنا. أصبح الضوء كغراب ينعق بالموت، كيف لا وهو مجرد انعكاس لهستيريا كونية تتمدد في الخارج، من جرائم داعش المخزية أو من يحذو حذوهم، ويفعل فعلهم باسم الله والإسلام، وحتى الجهل الممتد من الماء للماء والذي يبيح القتل والسلب والتكفير، ويسوّغ القبح والحقد والكراهية بكل مسمياتها الدينية والفكرية والاجتماعية ويمنع التفكير والاجتهاد، ويرفض العلم والمعرفة، مرورا بالظلم والفساد الذي ينخر مجتمعاتنا ويكبل إنسانا ويتعالى فوق القانون، لأن له اليد الطولى والقوة الراجحة الكفة، وليس نهاية بالجوع الذي يثقب أمعاء البشر في العديد من بقاع هذه البسيطة، في حين يلقي العالم كل يوم أطنانا من الطعام في سلة المهملات، وهم يرددون الأدعية بالرحمة والمغفرة أمام شاشات التلفاز العريضة التي تتفنن بدورها في بث أطنان من التفاهة والقليل من التسلية والعمق.
حالة مخزية ومقرفة لا يشفع لها شيء، كما لا يشفع لتلك العوالم الرقمية الجماليات المبثوثة بين أركانها بين فينة وأخرى، كالتأملات والنصوص الشعرية واللوحات وغيرها من إبداع الإنسان المناضل بالجمال ضد القبح.
تلك العوالم الرقمية التي نعيش فيها، ونحن ندرك جيدا أنها ليست هي الحياة، ولا تشبه الحياة في شيء، فالحياة هي دبيب خطوك على الأرض، ضحكتك إذ تشق الغبار، لقاء عينين غريبتين غرر بهما الحلم ومع ذلك تبتسمان لرؤية عابر على الطريق، أم تدعو لأبنائها العاقين، وامرأة يخونها زوجها كل ليلة، ومع ذلك تستأنف صباحا العمل بلا نية للتقهقر، ورجل سبعيني يذهب أبدا للحياة التي عاشها يوما ليجعل الماضي يمكث زمنا أطول لأنه لا يحب حاضره، ويخاف مستقبله الذي لا يعني سوى القبر. صغار يذهبون إلى الحياة بشغف غير مبرر، وكبار يفكرون في العودة من قطارها السريع بصمت غير مبرر أيضا.
الحياة حكمة مرة مخلوطة بالقليل من الصبر والعسل، لهاث متقطع الأنفاس أبدا بين صحو ونوم وتفاصيل لا تهدأ، ملل وتعب، وأمل ورجاء في قصعة واحدة، كل شيء في الحياة جنوني وعبثي أكثر مما يُحتمل، بينما تحضّر العوالم الرقمية وجباتها السريعة على عجل كمقهى على ناصية الكونية يسعف المتعبين من الحياة، وتكتب نصوصها الكثيرة ضمن ذاكرة المحو، وتخلق أبطالها الدونكيشوتيين بحرفة واقتدار مخرج مجنون يتفنن في تغيير الحبكة كل مرة، ومع هذا يصدّقها المشاهد المحمّل بالخدر والنعاس بلا تمحيص أو وعي كل مرة أيضا.
كل شيء يبدو باردا ومملا وبلاستيكيا في العالم الرقمي، فالفرح والوجع فيه كاذبان، لأنهما أبسط من الحياة أو أقل منها شأنا. ومع هذ سنظل نقف في طابوره الطويل يوميا، ربما لنقول شيئا بصوت عالٍ لا تسعفه حناجرنا المزدردة بالخوف والصمت، أو لنعرف بعض الأشياء التي يحاول العالم القذر كتمانها ليحرك الدمى وفق مخططات مرعبة بعيدا عن الإنسان الذي ليس لديه القدرة على إيقافها أو تغييرها، أو لنبكي في صمت وعجز على مهازل الغابة الكونية التي تفضحها الشاشات الناصعة.
فنحن غالبا لا نملك أن نشيح بوجوهنا عنها طويلا، فهي الملاذ الأكثر دفئا أمام تصحر الكون، ويباس الكائنات، وهي الحقيقة الأكثر نصاعة أمام هذا المد من البشاعة الذي يكبل المكان والزمان معا، ويحاول الجميع تشويهه، وإخفاء الجزء الخاص به بعمليات تجميل تقبحه أكثر مما تجمّله. ربما لأن المعرفة هي سلاح الكائن الوحيد للاستمرار، ووسيلته الأخيرة لتجرع مرارة الخراب بهدوء.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2016

علي الشحري الباحث والإنسان

فاطمة الشيدي
12- 10-2016

نعبر كثيرا في هذه الحياة، نلتقي أشخاصا كثر، الكثير منهم يعبروننا كالهواء، ولا نتذكر من عبوره المؤقت سوى القليل لو فعلنا، ولكن ثمة من ينغرز في روحك كمسمار، ويذهب في وعيك بعمق وهو يقدّم لك درسا راقيا في الإنسانية والأصالة والنبل.
ومن الفئة الثانية الأستاذ الباحث علي الشحري، ولعل القليل منا في عمان يعرفون علي الشحري الباحث، والقلة جدا من يعرفون عمقه الإنساني.
فهذا الباحث اللغوي وعالم الآثار يشتغل منذ أكثر من عشرين عاما بدأب وإصرار  منقطع النظير على تدوين ودراسة اللغة الشحرية وفق نظريات علمية، واجتهاد معرفي حقيقي وجاد عبر مؤتمرات علمية، ودراسات ميدانية، ولقاءات بعلماء لغة من الشرق والغرب .
فهو يذهب في نظريته أنها أصل كل اللغات وهي لغة عربية صرفة.
يتتبع علي الشحري ويصوّر ويدرس كل النقوش والحفريات من كل كهف وزاوية في ظفار، ومن ثم يجمعها في مكتب أقرب للمتحف ثم يحللها في مدونات تزيد عن العشر معاجم في اللغة والأمثال والأشعار والفنون، وغيرها. ويمثل مقصد للكثير من الباحثين والعلماء من الشرق والغرب يأتون إليه وينهلون من معرفته العلمية والنظرية.
أما الإنسان فهو المتفائل أبدا رغم أنه قضى سبع من السنوات العجاف في السجن، النبيل الذي لا يريد من هذه الحياة سوى الخير والسلام للإنسانية جمعاء، البعيد عن النفاق الجمعي، والحسد المجتمعي، والقبح الذي يغمر العالم فهذا يجعلك تقترب منه اقتراب الأرواح التي إذا ائتلفت اتفقت.

مثقفون عمانيون في حفل تكريم المبدعين الخليجيين

11-10-2016


الرياض في 11 أكتوبر/ شاركت السلطنة ممثلة في وزارة التراث والثقافة في حفل تكريم المبدعين الثقافيين الخليجيين بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الممكلة العربية السعودية بالرياض، تزامنا مع الإجتماع الثاني والعشرين لأصحاب السمو والمعالي الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي تم خلاله تكريم عدد من المثقفين والمبدعين الخليجين ممن لهم اسهامات في المجالات الثقافية، وذلك في إطار سعي وزارة التراث والثقافة إلى تكريم المبدعين العُمانيين داخليا وخارجيا في شتى مجالات المعرفة الفكرية والأدبية والفنية، وتقديمهم كنماذج مشرفة للعطاء الثقافي إلى الأجيال القادمة، وسعيا منها إلى تشجيع وتحفيز الحركة الفكرية والأدبية والفنية، ودعم النتاجات الإبداعية لأبناء هذا الوطن.
كرمت السلطنة في هذا الحفل ثلاثة من المبدعيين العُمانيين، وهم: الشاعر سالم بن علي الكلباني في مجال الفنون الأدبية “الشعر”، وهو أحد المؤثرين في المشهد الثقافي العُماني، ومن الأسماء البارزة والحاضرة في الكثير من الفعاليات والمناشط الثقافية داخل السلطنة وخارجها، كما تم تكريم الباحث الأستاذ علي بن أحمد الشحري في مجال الدراسات والإنتاج الفكري “الدراسات اللغوية”، لجهوده البارزة في الدراسات اللغوية بالسلطنة، وإسهاماته للتعريف بتراث المنطقة القديم، بالاضافة الى تكريم الكاتبة والشاعرة الدكتور فاطمة بنت علي الشيدية في مجال الفنون الأدبية “الرواية”، حيث صدر لها أربعة كتب شعرية، وثلاثة كتب سردية، وكتاب نقدي، ولها العديد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات والكتب المشتركة، و ترجمت بعض نصوصها للغات أخرى مثل: الإنجليزية، الألمانية، والرومانية، والملاوية، والهندية، والفرنسية، والفارسية.
الجدير بالذكر، أن حفل تكريم المبدعين الثقافيين الخليجين يأتي ضمن تنفيذ الاستراتيجية الثقافية الخليجية التي أُقرت خلال القمة التاسعة والعشرون لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون-حفظهم الله –، والتي عُقدت أعمالها في مسقط 2008م، حيث تضمنت إقامة العديد من الفعاليات الثقافية الخليجية المشتركة، التي من شأنها تسهم في الإرتقاء بالعمل الخليجي المشترك وتقوية الروابط والاستفادة من الخبرات بين أبناء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.


الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2016

تداخل الاجتماعي بالأسطوري في رواية «موشكا» لمحمد الشحري



فاطمة الشيدي
جريدة عمان
ملحق شرفات
27- 9-2016


تشكّل رواية «موشكا» مزيجا عميقا وفاتنا من النسج الحكائي الفني عبر تداخل عوالم سردية متعددة المصادر والينابيع، فعبر تداخل القريب المكاني بالتاريخي البعيد، والحياتي الحي النابض بالأسطوري الميثولوجي، يقدّم «محمد الشحري» نصا سرديا متفردا، بنكهة تاريخية حاضرة، وبواقعية أسطورية ممتزجة. حيث يستجلب أساطير المكان من تاريخ طويل، ويصهرها في الآني المكاني، ليقدّم بذلك الزمن الحاضر مربوطا أو مستندا بعمق لأسطورية مدهشة، وتاريخية عميقة. مستوفيا شروط ذلك الاستحضار الفني للأسطورة التاريخية، والتاريخ الأسطوري، ثم يسكنهما معا في نص واقعي حاضر، وبإمكانيات لغوية شعرية مدهشة.
فالسرد في رواية موشكا يسير عبر ثلاثة خطوط سردية متوازية، تمثّل ثلاثة أبعاد فنية وهي: البعد الواقعي الحاضر، والبعد التاريخي المكاني، والبعد الأسطوري الميثولوجي، لتقدّم الرواية عبر هذه الأبعاد الثلاثة التي تلتقي وتتداخل حول «موشكا» أو شجرة اللبان، وما يتعلق بها ويتعالق معها في الزمان والمكان سردا عميقا وجارحا للمكان والشجرة والإنسان معا.
لقد عمد الكاتب الى توطين البعد الأسطوري في البعد الاجتماعي، ثم ربطه بالتاريخ المكاني العميق والبعيد. ناسجا حكايته الأساسية للنص عبر البعد الأول (البعد الاجتماعي الواقعي الحاضر) حيث قدم صورة حقيقية لليومي المعاش من حكاية الإنسان البسيط في كده وكدحه للحصول على مصدر رزقه، وهي صورة المعاونين أو جامعي اللبان، الذين يمثّلون واقعا اجتماعيا وثقافيا جنوبيا محضا، ثم انطلق منها لترسيخ البعد الثاني وهو «البعد التاريخي»، عبر شجرة اللبان ودورها في ربط المكان بالحضارات القديمة، كما أقام عبر البعدين الأول والثاني (الحاضر والتاريخ) ترسيخا للمثيولوجيا باستحضار أساطير المكان الخالدة، والتي تعمّق قيمة السرد المكاني، والمكان السردي في الحكاية.
ففي البعد الأول وهو البعد الواقعي تقدّم الرواية حكاية واقعية جدا، صالحة لإقناع القارئ من جهة، ولتجسير العلاقة السردية مع الأبعاد الأخرى من جهة ثانية، وهي حكاية «الدعن» التاجر الذي وضع ماله كله في تجارة خسرها بعد أن غرق المركب الذاهب لساحل المليبار، وزوجته الطيبة «حلوت» التي أصرّت على تعويض خسارتهم بجمع اللبان وبيعه، كما قدّمت حكايات كثيرة موازية عن المعاونين (جامعي اللبان) الذين يعيشون حياة صعبة في هذه المناطق، للتدليل على أهمية هذا المورد الاقتصادي في حياة الجنوبي كمورد أساسي، خاصة إذا وقع في محنة مادية، كخسارة أو دين، أو رغبة في الزواج من حبيبة، أو عند تعسّر وشح الحالة الاقتصادية أحيانا، مما يدفع البعض للانتقال لمناطق جمع اللبان والتفرّغ لهذا العمل لعدة أشهر ليخرج من ضائقته، والعودة للحياة الطبيعية بعد ذلك، أو الحصول على رأس مال مناسب لمواصلة الحياة في مجال آخر، مقدمة صورا دقيقة لهذا الموسم المرهق والشاق الذي لا يتحمله إلا المرتهن لحالة مادية صعبة وبرغبة جادة في تجاوزها. وكيف كان القدر للجميع بالمرصاد، حيث أغرقت الأمطار اللبان وقضت على الأحلام.
كما قدمت الرواية رسما دقيقا لكل ما يتعلق بالمكان من خصوصية ثقافية، كالرعي، وقيمة الإبل، وتجفيف السردين، وغيرها من تفاصيل تأخذك إليه مباشرة، وتجعلك تعرفه وتعيشه عبر صور دقيقة ينقلها لك الكاتب.
أما البعد الأسطوري فتمثّل في أسطورة وجود شجرة اللبان «موشكا» حيث يورد الكاتب حكاية غرائبية أسطورية عن فتاة من عالم الخفاء تسمى موشكا، موضحا هذا العالم البعيد وعلاقته بالبشر، «نحن بشر من أبناء آدم وحواء، كنا وأنتم أخوة لا يفرق بيننا شيء ولا نختلف عنكم إلا في الطباع والمعاملة والسلوك، نحن نصدق وأنتم تكذبون، نحن نوفي وأنتم تحنثون، نحن نخلص، وأنتم تغدرون، نحن نعدل وأنتم تجورون، وبعد حادثة الإبل افترقنا عنكم، وتضرعنا للسماء أن نختفي عن زيفكم ونفاقكم وخستكم، واستجيب لدعائنا، حيث توارينا عن أعمالكم الدنيئة، وطباعكم المنتنة، وعشنا في عالم الخفاء، العالم الذي وجدنا فيه ما وعدنا به، وما طلبناه، أما أنتم فما زلتم على عاداتكم تورثونها خلفا بعد سلف» ص55، ولقد أحبت موشكا رجلا إنسيا يدعى «أنشرون» في السفينة التي حملت الكائنات في الطوفان، فوثقت به وطارحته الغرام، ولكنه في الأخير تخلى عنها، ولم يحفل بها، وتركها تختار عقوبتها وقد اختارت التحوّل لشجرة اللبان التي تتعرض للكشط والتجريح في كل لحظة فتفوح عطرا خاصا يعطّر الكون ويذهل الحواس. «اضربوني بمديكم وحرابكم أيها الأعوان، وسأهبكم من جسدي ما يعينكم على البقاء» إضافة إلى أساطير تتعلق ببعض آلهة الحضارات القديمة.
أما البعد التاريخي الحضاري فقد تمثّل في علاقة المكان بالحضارات الأخرى، تلك العلاقة التي لا تخلو من تداخل وتمازج مع البعد الأسطوري أيضا، مثل عثور الراعي «بارح» على شجرة اللبان عبر أغنامه التي كشطت لحاء الشجرة، فسال سائل أبيض برائحة عطرة، وكيفية إنقاذ أيوب عليه السلام الذي كان صديقه بهذه المادة المكتشفة، الرجل الذي أصبح بعد ذلك ملكا، و«لاهيا» الرجل الذي كان يبحث عن أيوب ليساعده، فعرف قصة اللبان، وعاد ليعمل مع بارح في جمعه، ثم أخذ اللبان ليغفر له الملك الكنعاني، وحكاية الملكة حتشبسوت، وتقربها للإله (رع) باللبان الذي أحضرته من أرض بونت، وقصة الساحرة روري، والكثير من الأساطير التي وظّفت في العمل لجعله نسيجا حكائيا متداخلا بين هذه الأبعاد الثلاثة في حضورها الممتزج بموشكا، والقائم عليها.
وهكذا فعلا كان العنوان هو «عتبة النص» في هذه الرواية، حيث أفصح بقوة وعمق دلاليين عن قيمة «موشكا» في تشكيل حبكة النص، ورسم الشخصيات والحكايات الجانبية، وتقدّم البناء السردي، وصناعة الحدث، والذهاب في تصاعداته وتفرعاته الواعية في الاتجاهات الثلاثة (الواقع، والأسطورة والتاريخ).
في حين نُسجت الرواية بلغة شعرية رهيفة عززت العنصر الأسطوري البعيد في الرواية، بل كثيرا ما شكّلت هذه الشعرية ثقلا روائيا قد يعتبره البعض سلبيا للعمل السردي. لكنه قد لا يكون كذلك لقارئ يلتذ باللغة، أما الزمان والمكان فالقارئ لرواية موشكا يجد ذلك التداخل السردي السرّي أو الضمني العميق بين مختلف الأبعاد الزمكانية (الواقعية والتاريخية والأسطورية) عبر حكايات تذهب من الحاضر إلى الماضي، وتعود إليه بلا انقطاع وبلا غفلة من الكاتب عن عمق تأصيل تلك العلاقة، وتبريرها بمنطق سردي وتاريخي في الوقت ذاته. بل وكثيرا ما يراوح الكاتب الذهاب بالمتلقي بين الماضي البعيد، والحاضر القريب. فهي -أي الحكاية- منتبهة تماما للتداخل الزمني بين أكثر من زمن، (زمن الراوي، وزمن الحكاية، والزمن الماضي ) وللتداخل المكاني بين أكثر من مكان أيضا في ظفار وخارجها.
ورغم وفرة الحكايات الجانبية «التاريخية والأسطورية» وبعدها بالرواية عن الآني الواقعي للولوج في عوالم موازية وبعيدة عن حكاية «الدعن وحلوت» التي تعتبر الحكاية الأساس وعصب الرواية، والحبكة الأساسية الأولى للأحداث التي تنطلق منها، إلا أن النهاية التي جاءت لتعود بالمتلقي لذات الحكاية، وتغلق العمل بفرح كبير للدعن وحلوت وللناس بشكل عام، بل حتى للأم التي انتظرت صغيرها ونذرت النذور لعودته، والتي لفظت أنفاسها بين يديه. نهاية جعلت المتلقي يستعيد واقعية الرواية وعمقها، ويلتذ بالجوانب الأخرى التذاذ المتحصّل على إضافات جانبية أسطورية وتاريخية وإنسانية لعمل مكتمل، بل لعمل روائي سردي ليس سهلا وليس جاهزا أو سريعا وإنشائيا، بل عمل كتب بوعي فني، ومسؤولية إبداعية قائمة على البحث والقراءة وتتبع حضور المكان في التاريخ، وعلاقاته الحضارية بالحضارات الأخرى عبر اتصالها معه، وإسناد كل تلك الصلات لأهمية شجرة اللبان ودورها في تعزيز الدور الحضاري للمنطقة. «هجر العمال منازل اللبان وتركوا موشكا وحيدة كعادتها في البيداء والأرض الخالية من أنفاس البشر وأعمالهم، في انتظار مجيئهم في موسم آخر من (التوقيع) و(السعف) والتجريح، على أن تحرق دموع موشكا في المجامر ذات الزوايا المحددة للاتجاهات الأربعة، وعناصر الحياة الأربعة، على تمتمات الجدات حين يحرقن فصوص اللبان في الصباحات والأماسي قبيل المغيب: يالبان يالبان يا صاعد إلى الكواكب والأزمان، يا طالع السموات والأرض والأكوان، كف عنا كيد العداء والجان، وحسد الأهل والجيران» ص184.
ـــــــــــــــــ
• محمد الشحري، موشكا ، دار سؤال .بيروت .. 2015

الأحد، 25 سبتمبر، 2016

الأوصياء والمجتمعات القاصرة

فاطمة الشيدي
القدس العربي
25- 9 -2016


يتكاثر الأوصياء حولنا، أوصياء السياسة، وأوصياء الدين، وأوصياء الأخلاق، وأوصياء المجتمع بعاداته وتقاليده، وأوصياء المعرفة، وأوصياء الثقافة والفنون، في حين تغيب الفردانية الإنسانية العربية يوما بعد يوم، ويقل المختلفون، وتتكاثر المجتمعات القاصرة التي تحتاج للوصاية الأبوية من إحدى تلك الجهات أو كلها. وتظل علاقة الإنسان العادي البسيط بالوعي والمساءلة غائبة أو مقيدة بحتمية المراقبة من كل ما حوله كالأسرة والشارع والمدرسة والمجتمع، دون أن يمنح أبسط حقوق الاختلاف والمغايرة، فيتربى الضمير العربي تربية النقص والقصور، فالجميع قاصر وناقص ويحتاج للرعاية والتدخلات الأبوية المتعددة لتحديد مساراته نحو الوجهة الصحيحة، وضبط سلوكه الفردي كي لا يحيد عن بوصلة الجمع.
مجتمعاتنا التي تهب الجميع من الخارج صورة مثالية عن كل شيء، عن أخلاقها، ووعيها وحريتها وثقافتها وقوانينها ومؤسساتها عبر إعلام مسيّس، وحقائق مخفية، وما أن يرفع البعض صوته جهرا لنقص ما، أو سبابته اعتراضا في اتجاه خلل أو قصور ما، حتى يحاصر ويوضع في قفص التربية الشاملة، التربية الجبرية (الأمنية أو الجمعية) التي تعيده لجادة الطريق، وتقبض على صوته ويده حتى لا يعاود الكرة مرة أخرى، وحتى يكون عبرة لمن يعتبر.
ينطبق الأمر على الإنسان العادي البسيط الذي يحاول الخروج على حصار الذات والمكان والضيق باختراع مساحات خاصة له ليمارس فيها حريته الفردانية، ببساطة وخفة، تماما كما ينطبق على  المثقف وعلاقة الارتياب المزمن منه، ووضعه أبدا في موضع المراقبة والمساءلة والتربّص، والمحاسبة الصارمة إن لزم الأمر، حتى يعود للنسق الجمعي (المقدّس أو القطيعي)، في التعاطي والتفكير والتمجيد، أو يصمت للأبد عن مناطق التابوهات المحرّمة في أعراف مجتمعات تتكاثر تابوهاتها بتكاثر أخطائها، في تجاهل لدور النقد في بناء المجتمعات وتقويمها، وصناعة الإنسان وتربيته، وفي غفلة أو تغافل عن أهمية حرية الفرد في التعبير عن ذاته، ودورها في تحقيق السلام الداخلي والتعايش الطبيعي مع الآخر والمكان، وأن ذلك يمثل أبسط ضرورات الحياة كالتنفس تماما، وأن ما يكتبه ويفعله الإنسان في حيواته الخاصة أو على مساحات الضوء التي باتت المتنفس الوحيد في عتمة الصمت وكثرة الحواجز والممنوعات. هو حرية شخصية وحالة ذاتية تماما بدءا وخاتمة، يحتاجها الإنسان ليستمر في هذه الحياة، كي لا ينهيها بخيار وجودي أصعب إذا كثر القهر واشتدت القبضة، ولعل الجميع يدرك تماما أن الموتى أكثر من الأحياء في مجتمعاتنا القطيعية هذه، وأن الموت البطيء هو أكثر وربما أجمل أشكال الحياة التي يعيشها أغلبنا.
إن الاختلاف هو بداية صحة الوعي، وسلامة العقول، وعلى الجميع إدراك أن أي رأي ليس مقياسا لفكرة ما، كما أن رأي أحدنا مهما كانت مصادره وصدقه وقوته، ليس مسوغا لنفي الآخر، أو حتى تبرير اعتقاله، مهما اختلفنا معه. فالحرية حق شرعي مكفول بالقانون الذي يضبط علاقة المواطنة خارج كل وصاية للسياسة أو الدين أو المجتمع، وبالتالي فالدفاع ينبغي أن يكون عن الفكرة وليس عن الأشخاص، فما ينبغي الدفاع عنه دائما هو حرية الرأي الذي يمكن أن نختلف معه أو نتفق، ولكن يجب أن نقوله، وأن نضمن للآخر حق قوله، لنضمن التعددية الفكرية. فالمجتمع الحقيقي هو من يدرك أن حرية التعبير حق أصيل لكل إنسان فيه، شأن كل الحقوق المدنية، وليس هبة، تُمنح أحيانا وتُمنع أحيانا أخرى، أو تعطى بدرجات متفاوتة حسب الظروف والحالات، ومع كل ذلك يجب الشكر عليها والاعتراف بفضل مانحها.
 إن حرية التعبير هي برهان المجتمعات المتقدمة، والحكومات العادلة. وأن ما يحدث من قمع لحرية التعبير، باستدعاء كل من يختلف مع السلطة أو مع المجتمع «القاصر» من وجهة نظرها، والذي تجب حمايته كي لا يفسده كل من يكتب تغريده على مواقع التواصل الاجتماعي، وإيداعهم السجون لأي فكرة جديدة يكتبونها، وتجييش العامة عليهم، من باب أنهم حملة الفكر التخريبي، وهدّام الأمن القومي، وغيرها من الأطروحات الساذجة التي تلجأ إليها لإثبات فوقيتها الأبوية، وقصور المجتمع، وتشويه صورة المثقف، وتقديم دروس مجانية لكل من تسول له نفسه طرح فكرة مختلفة نوعا ما، أو تقديم نقد لظاهرة  فكرية أو سياسية أو دينية بأنهم له بالمرصاد؛ فما كل هذا إلا تجهيل للشعوب بشكل آخر، وحجز مستويات وعيها في الخوف والتردد، لأنها بذلك تصنع مجتمعات قاصرة تبحث عن الحماية الأبوية من ظل كلمة أو جدل بسيط، ليقف أفراد هذه المجتمعات بشراسة في مواجهة الحرية التي هم أولى بالدفاع عنها، مدعين بذلك التحرّز من الفتن، أو حماية الوطن.
إن المجتمعات الحقيقية تدافع بضراوة واستحقاق عن كل ذي مظلومية، وعن كل إنسان اعتُقل بسبب فكرة ما، ليخرجوه من هناك أولا، ثم يرفعوا سباباتهم في وجهه، ويحاكموه هم، ليناقشهم ويوضّح فكرته بحرية، ليؤكدوا على حقه في الاختلاف، وحقهم في النقد والمساءلة. فهذا قانون الوعي، فمن الطبيعي جدا أن نختلف، وأن يرفض كل منا رأي الآخر، ولكن على المجتمع بالضرورة أن يمنحه الحق التام في القول، دون محاربته بأساليب رخيصة، بل الدفاع عنه بقوة وحزم. هذا لكي لا نتحول إلى مجتمعات مريضة بالكلية والاطلاق الجمعي، تفصّل البشر على مقاسات محددة، وتخلق نسخا ببغاوية تردد  كل شيء بلسان (آمين)، مجتمعات تخاف من الكلمة، ويرعبها الرأي، وتنتظر (حراس القيم) حتى يوفروا لهم الحماية.
فها نحن في القرن الحادي والعشرين وما زلنا بعيدين جدا عن طريق الحرية الحقيقي، والتفكير الناضج، والوعي الإنساني العميق بمسلماته البدهية، كمحاورة المختلف وتقبل الرأي الآخر، وأبعد ما نكون عن المجتمعات الصحيّة بتباين مكوناتها الفكرية والدينية والسياسية القائمة على الجدل والمماحكة والنقاش، فمازلنا نحتاج إلى الوصاية والحماية من فكرة أو أخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي ذلك لا يختلف ـ للأسف الكبير ـ العوام عن أشباه المثقفين. ولذا فلا عجب أننا مازلنا نراوح مكاننا في كل شيء، لأننا لم نمنح حق المقارعة والمماحكة في شيء يوما ما، فكل شيء يأتينا جاهزا، وكأننا أصغر وأقل من الاختــيار أو التمــحيص والجدل. فلم نتعلم يوما محاورة البعيد والغريب من الأفكار، ولم يمتحن إنساننا ومجتمعاتنا قدرتها على الحوار بوعي ومسئولية واحترام!
فكيف لنا أن ننضج، ونتجاوز النقص والقصور لنناقش فكرة المواطنة وقيمة الاختلاف!
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

فاطمة الشيدي الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي: أنا ابنة الماء.. والحداثة وعي عميق بالداخل والخارج، التفاعل المستمر مع الوجود والموجودات







حاورها من القاهرة السيد حسين
جريدة الجريدة

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي: أنا ابنة الماء... و«الذكورية» وضعت المرأة في الهامش الشعري


    • 13-09-2016



     
    فاطمة الشيدي .. حاورها: السيد حسين

    * كيف تري الحالة الأدبية والوضع الثقافي العماني حاليا؟

    مع أن شهادتي عن الحالة الأدبية في عمان مجروحة؛ لأنني ضمن مشهدها الثقافي، إلا أنني أستطيع القول أنها حالة ثقافية متنوعة وغنية جدا، بمختلف المدارس والأجيال والأطياف والأشكال والأجناس الأدبية والفنية،  كما أنها تتسم بخصوصية الروح المنبعثة من تعدد المكان العماني وتراميه (السهل، والجبل،  والبحر، والصحراء) من جهة، وعمق الإرث الحضاري والثقافي المتأصل في الذاكرة والوعي، والذي يسبغ تفرده اللغوي والفكري على الثقافة العمانية ويسمها بالتفرد، ويقيم جسرا حيا بين القديم والجديد، متحد الأواصر وعميق الترابط بين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والحداثة .

    *ماذا عن ديوانك الشعري " علي الماء أكتب" حديثنا عنها؟ والذي يعد به تأثر كبير بالحياة والبيئة في عمان ؟

    مجموعة "على الماء أكتب" هي صدى للمكاني العميق في وجدان الشاعر، فأنا ابنة الماء العذب والمالح معا، ولدت وعشت بين ساقية وبحر، ولذا كتبت عن المكان بانعكاس شخوصه وأحداثه وتوهجاته في الروح واللغة، وهو أيضا محاولة للتخلص من تشابكات الآني بالقادم، وارتباك فكرة الخلود النرجسية في الوجدان الإنساني، ففكرة الكتابة على الماء هي تجسيد لصورة المحو والذهاب لكل ما نكتب بدءا، وهي قد تمثل صورة نرسيس، تلك الصورة المترائية له، والمستدعية عجزه عن القبض عليها  والمجسدة لوهم ثباتها في الزمن.

    الكثير من التأويلات يمكن أن يطرحها العنوان، أما النصوص التي بين دفتي الكتاب، فهي نصوص متفاوتة بين الذاتية والإنسانية، وبين الروح المتداعية مع الداخل، والوعي المتعالق مع الخارج، بكل الرفض والتمرد اللائق بالإنسان والشاعر معا، فالشعر هو تشظي الوعي الحاد في الوجود على نصل المحاكمة أو المساءلة، وترائي الوجود في ترسبات الروح وترائياتها الضمنية والحلمية، ولا انفصام أو انفكاك بينهما.

    *صدر لك العديد من الأعمال الأخري مهنا علي سبيل المثال لا الحصر ديوان" مراود الحلكة"، ودم  دم دمات " نصوص، و" حفلة الموت" ، وديوان "هذا الموت اكثر إخضرارا" وغيرها من الأعمال ..حديثنا عنها؟

    الكتابة بالنسبة لي محاورة للذات عبر الزمان والمكان والأنوات الأخرى، وهي محاولة تجريب عميقة وجارحة في الشكل والمضمون، ولذا عبر الكتابة حاولت الكثير من الأشكال شعرا وسردا، كتبت النص الشعري في أربع مجموعات، ولدي نصوص أكثر مما نشرت، وكتبت الرواية، والنص المفتوح، والمقال النقدي والفكري، وكانت كتبي " الثمانية" حصيلة هذه الحالة من المحاولة والمحاورة للجواني والبراني من الذات والأشياء.

    وأظن أن كل كتاب من هذه الكتب يعكس تجربة مغايرة، وينحو نحو الاختلاف عما سبقه، وهكذا أريد لفعل الكتابة دائما أن يكسر  كل الجوامد في الرؤى، وكل الثوابت في الوعي، ويهشم انعكاس صورتي في مرايا الآخر،  وصورته في مراياي العميقة، وهكذا سأستمر في تفعيل فعلي الفناء والخلق، خارج تأطير الحالة، فالكتابة لا تحتمل المياه الآسنة، ولا تريد الركون أو الركوس في القعر، أو الطفو فوق السطحي منها، إنها كاندفاع الماء وثورته المستمرة في تشييد الجديد بدقة ورقة وقوة معا،  أو كإزميل نحات محترف عليه أن يحفر بدقة ووعي ليحدد ملامح متجددة بين عمل وآخر، إنها الجنون المتجاوز للمتوقع، والمتعالي على سقف الحكمة، أو  لامع الحال، وحين سأجد نفسي متشابهة معي في شكل أو مضمون أسبق سأتوقف كما أعتقد.

    *والآن دكتورة فاطمة باعتقادك هل تغير الكثير في تجربتك اذا وضعت مقارنة بين الامس واليوم وكيف تجدين مراحل التكوين الشعري لديك؟

     نحن نتغير  حتما بشكل أفقي وعمودي، متعدد وذاتي، كل كتابة هي نتاج وعي، وكل وعي هو حصيلة تجربة داخلية أو خارجية، وكل زمن يمر عليك يجرح ذاتك فلا تعود كما أنت قبله، وكل مكان يرسم حدود جغرافيته في روحك يذهب بك بعيدا، حتى لا تعود إلا وأنت مختلف عنه وعنك، الاختلاف والمغايرة حالة حتمية وجبرية في ذات الإنسان، والأشياء، بل الكون كله خاضع لفعل التغيير ، وحين قال هيرقليطس" لايمكنك أن تعبر نفس النهر مرتين" كان مصيبا لأبعد درجة، وهذا أمر في غاية الحيوية والأهمية، فالذي لا يتغير  ينتهي، ويتكلس ويتحجر ، ويغدو غير قادر على التواصل مع الكون، ومع فعل الكتابة المتجدد، في ذاته وموضوعاته وأشكاله ووسائله، ولذا أميل دائما للجديد والحديث من الوسائل والأفكار .

    ولكن بالتأكيد رغم هذه الفكرة الواسعة، إلا أن الثبات هو جزء منها أيضا، فيظل النهر نهرا، ويظل العابر عابرا، وهكذا تظل الثوابت والنظرة الأصيلة والعميقة للأشياء مكوّن أصيل في الموغل من الروح والوعي الحقيقي للكاتب.

    إذن نعم تجربتي تتغير وتنمو وأنا أقطع مراحل الحياة، وأضيف لوعي الشعري والإنساني لبنات جديدة كل يوم، ولكن أظنني أتمتع بقدر ما من الثبات الجارح والموغل والمتأصل التكوين، وفي النظرة الكلية للخير والجمال والإنسان، هذه النظرة التي تهبني التزاما واضحا (بالنسبة لي في الأقل) ضمن حضوري المؤقت على هذه الأرض، بالعميق والأصيل من قضايا الإنسان والجمال والعدل والحب.

    *تقولين أن قصيدة النثر حجر يحرك المياه المتوحشة فمارأيك بقصيدة النثر وهناك من يعتبرها مجرد خواطر شخصية؟ وماذا قدمت قصيدة النثر للشعر العربي؟

    لست بصدد مناقشة آراء شخصية، أو توجهات سطحية من البعض، أو حتى تلك الأحكام غير الموضوعية، والتي صدرت من منطلق قراءة عابرة، أو الاطلاع على كتابات بعض المتطفلين على قصيدة النثر، والعابرين للكتابة بأسهل الطرق وأقل الوعي والثقافة، فقصيدة النثر اليوم تقترب بهدوء من قرن من الحضور المتميز، والمتكاثر بوعي وعمق؛ حتى لتحتل أكثر الأشكال الشعرية حضورا،  ويكتبها أكبر الأسماء تحققا، وتحظى باعتراف أعمق الأصوات الشعرية ممن لم يكتبها أو كتبها، ولكنني أؤكد  أنها من  أصعب الأشكال الفنية، وأكثرها اشكالية وعمقا، وأقدرها على إظهار الشعرية أو عدمها، وأنها قدمت للثقافة العربية الكثير من الرؤى الفنية الجديدة والتي صدمت هذه الثقافة بقوة، وأدهشتها بعمق، وغيرت الكثير من أطرها، وخلخلت الكثير من ثوابتها، كما فتحت لها شرفات واسعة، ونوافذ مضيئة على الجمال المغاير، والكتابة المختلفة في الزوايا والرؤى،  وأقامت لها جسورا إبداعية وثقافية عريضة مع الآخر .

     * المرأة في الشعر الفصيح ضعيفة وهناك تجارب خجولة  ولا توجد شاعرة بارزة علي هذا الصعيد حتي الآن مارأيك ؟

    لا أوافق اطلاقا على هذا الكلام، وأشم به رائحة حكم ذكوري متحيز ومطلق، ومصادر للآخر (المرأة)، وغير قارئ بعمق للمشهد الثقافي، فأولا عدم ظهور وحضور الأقلام النسائية لا يعني عدم تميزها وتفردها شعرا، بل قد يعني وجود الكثير من الحواجز الذكورية -في مجتمع ذكوري بعمق- تمنعها من ذلك ، وتضعها في هامش المشهد فقط لأنها أنثى، وكلنا يدرك كم هذه الأطر كثير ة وواسعة ومتشابكة في تعتيم صورة المرأة، ومنع صوتها من الوصول لأذن المتلقي وروحه.

    وثانيا هناك الكثير من الشاعرات المبدعات اللواتي كتبن الشعر  من أعماقهن بكل وعي وجمال وثقافة وإنسانية، ولست بصدد الدفاع عن المرأة وشعريتها وإبداعها، بقدر ما يزعجني هذا الرأي، وهذه النظرة المتخلفة والمتأصلة في الثقافة العربية، والتي لا تزال تحيلك لمنطقة في الحوار والفكر أنت تجاوزتها منذ زمن، وتظن أن الثقافة العربية تجاوزتها أيضا، ولكن بين الفينة والأخرى يصدمك حضور الفكرة مجددا، وإلحاحها على التقليل من شأن المرأة في أي مجال، بعد أن فشلت في حجبها ومنعها من الحضور والتعاطي مع الإبداع، بوصفه هبة إلهية لم يفرق الخالق فيها بين رجل وامرأة، تماما كما لم يفرق في العقل والوعي والحواس وجميع الملكات والاستعدادات النفسية والجسدية والفكرية.

    *ماهي الأسماء التي تأثرتي بها أدبيا وأثرت في كتاباتك؟

    تأثرت بكل من كتب نصا جميلا من العصر الجاهلي حتى اليوم، ومازلت أتأثر، وتأسرني كل كتابة مدهشة، وتربكني حد القلق كل لغة جارحة،  وكل صورة فنية، وكل أسلوب مائز ، وأتوقف بفرح عند كل اقتناصة شعرية مذهلة في أي نص، وهذا مايجعلني متصلة مع الكتابة في كل صورها، ومستمرة في فعلها العظيم كقارئة أولا وأخيرا، وككاتبة دائما.

      *النقد في عمان، هل يرسم للمبدع الوجهة الصحيحة، أم يشتت العمل الإبداعي؟

    النقد في كل مكان من عالمنا العربي متأخر أو متخلف كثيرا عن الحالة الإبداعية، وهو غالبا يخرج من رحم المؤسسة سواء كانت تلك المؤسسة مؤسسة أكاديمية أو ثقافية، ولذا يظل بعيدا ومؤطرا بالمناسبات والندوات والحالات الرسمية، وهو عكس الإبداع  لا يدخل في معترك اليومي، ولا يتماس مع الهامشي، بل يظل فوقيا عاجيا يحوم حول الإبداع وينتظر تأطيره ليكتب عنه، وهو يعتقد في نفسه العلو؛ ليمنح المبدع شهادة الحضور أو التقييم لعمله، في حين قد لا يكون هذا رأي المبدع الحقيقي، الذي يرى فيه تطفلا على الإبداع، ويهرب منه قدر ما يستطيع، وقد يرى نفسه أعلى منه مكانة، وأكثر جمالا بدونه.

    والنقد لكونه ابن المؤسسة -غالبا- ، ولأنه ومهما افترض العدل والموضوعية يظل ذاتيا ومحكوما برؤية الناقد وتقديره الخاص، النابع من توجهاته وأفكاره ومعاييره، ونظرته الجمالية التي هي محصلة كل ما سبق،  فقد لا يكون صادقا دائما، أو عادلا في رسم خريطة المشهد الثقافي، أو في تقديم المبدعين، فقد يقدم من لا يستحق، ويهمل من يستحق، ولكن بالطبع هذا لا يقلل من قيمته وأهميته في تحديد طريق المبدع، ورسم إطار المشهد الثقافي بشكل عميق ومتزن في أي مشهد ثقافي بما في ذلك عُمان.

    *هل حققت لك الكتابة كل ما تحلمين به ؟

    لم أكن يوما أريد من الكتابة شيئا، مذ جئت إليها وأنا أكتب لأتنفس عبرها فقط، إنها تلك الصرخة التي ينفثها الكائن ليستمر بخفة أكثر ، إنها الشهقة التي من خلالها أستطيع أن أقول (لا) لكل القبح المنتشر في الكون، لكل الموت والحرب والقيد والدمار، لكل الظلم والجوع والقهر والقتل، (لا) لكل من يريد تعتيم الصورة الكونية والإنسانية التي خلقها الله جميلة ورائعة، و(لا) لمن يريد تسطيح العقل، وبث الفتنة، وظلم البشر .  وهي ذاتها نعم لكل الجمال والحب والسلام والصداقة والخير والعدل والمساواة الذي يستحق الإنسان أن يحظى بها، ويعيش ضمنها.

    لم أكن أريد من الكتابة شيئا، ومع هذا فهي أعطتني الكثير من المتعة المعرفية، والسلام الداخلي، والصداقات، والحب، والسفر، والقرّاء، والكثير الكثير من الفرح كلما كتبت نصا جديدا، أو نشرت كتابا جديدا، أو حظيت بقارئ جديد.

    * كيف ترين الأدب العربى علي الخارطة الأدبية عالميا ؟

    الأدب العربي كنتاجات ثقافية كثيرة ورائعة وجديرة بالاحتفاء، فلدينا كتاب ومفكرون، وحالمون وشعراء، وفنانون وموسيقيون؛ أنتجوا الكثير من الأعمال الإبداعية الراقية، والتي تستحق الوصول للآخر للإطلاع عليها، والاحتفاء بها،  لدينا الكثير والجميل من كل شيء شعرا ونثرا، ولكن حالتنا الثقافية (العامة) المريضة بالكثير من الأوبئة والعلل، لا تسمح بتصدير جمالنا للآخر، وهي أقبح من أن  تحرّض الآخر  للبحث عن جمالياتنا وسط كل هذا الخراب والموت والجهل والعنصرية.

    ومه هذا فهناك من استطاع تجاوز عقبات الزمن والمكان والصورة المقيتة، ووصل للآخر فعلا، ولكن تظل تلط نماذج قليلة، وربما اجتهادات فردية، ويظل الأدب العربي على هامش خارطة الإبداع العالمي.

    *برأيك ما هي أهم المشكلات التي تواجة الثقافة العربية ؟

    لدينا الكثير من المشكلات في  البنية العميقة  للثقافة العربية  بمفهومها الكبير، وهي أكثر من أن تحصى، وهي مشكلات يغذّيها الجهل والفقر والعنصرية بكل أنواعها الجنسية والدينية والطائفية والعرقية واللونية وغيرها أشكال العنصرية،  وحين تتغير ثقافة المجتمع العربي وتذهب نحو  الانفتاح، واحترام حرية الإنسان، وخصوصيته، وتقبل الآخر، والتعددية، واتساق الوعي الفردي مع الوعي الجمعي -وهذا يحتاج الكثير من الوقت والمال و الاشتغال الصادق والواعي من المؤسسة الثقافية والسياسية ومن المجتمع بوصفه أفرادا قبل كل شيء- حينها فقط يمكننا أو يجب أن نكف عن أن نتحدث عن الثقافة بوصفها جماعة تشتغل بالأدب والكتابة، بل ننظر إليها، أو ننظّر لها كحالة اجتماعية عامة، وثقافة حقيقة، تعكس فكر وتطلعات الإنسان كفرد وكجماعة في ذات الآن.

    *ما هو جديدك في الفترة القادمة ؟

    أنا أكتب، وسأظل أكتب، ولذا فدائما هناك جديد، سواء سكن بين دفتي كتاب، أم بقى عائما هائما في الفضاء الصحفي والإلكتروني، ينتظر  لحظة ولادة ورقية مرتقبة.

    الأحد، 28 أغسطس، 2016

    شعرية الموت ودعائية الألم

     فاطمة الشيدي
    القدس العربي


    لم يكن عمران ـ الطفل السوري المنتشل من تحت الأنقاض والمصاب بجروح في وجهه قد تشفى، وأخرى في قلبه لا يعلم إلا الله وحده هل يمكن أن تشفى يوما ما أم لا ـ إلا حالة من حالات شعرنة الموت، ودعائية الألم والترويج الإنساني، التي تفرغنا لها أخيرا. فالطفل الذي عرضته الشاشات بتلذذ، وتاجر بصدمته البليغة، ودهشته الأكبر مما يحتمل قلبه الغض كل من استطاع ومن رغب أن يلصق بنفسه بعض النبل الزائف والإنسانية الجاهزة؛ كان عاجزا عن الفهم وعن الكلام وعن الصراخ في وجه هذا العالم الوقح، «اصمتوا أرجوكم، فقط اصمتوا. ودعوا لنا القليل من رهبة الحزن، وصدق الألم». وقبل عمران كان إيلان، الطفل الذي غرق في البحر، ووجدت جثته الصغيرة قرب الشاطئ، فتاجر الجميع بموته، وبحذائه الذي أشهره في وجه العالم انتقاصا وسخرية، فكُتبت له القصائد، ورُسمت له اللوحات.
    وقبلهما وبعدهما الكثير من الأرواح التي تسلب وتزهق، وتنفى وتشرد في بقاع العالم الباردة كل يوم أو كل لحظة، بينما يقابل المجتمع العربي والإنساني الذي أصبح يعيش خلف شاشاته المتعالية والآمنة كل ذلك ببروده المعتاد، ودور المتفرج البعيد، فيحلل الموت، ويؤرشفه، ويؤرخه، وعبر وسيط اللغة والفن يحوّل الموت إلى قصائد هشة، والوجع إلى نصوص جاهزة، والألم إلى لوحات فنية أو أغنيات تشجي النفوس، وتطرب الآذان، فيحنّطه ليعيد إنتاجه مرة بعد مرة؛ ليكتب له الخلود. وهكذا يؤنسن الموت، وتعاد صناعته، وبرمجته بأشكال أخرى جديدة، أكثر عصرية وأكثر فنية وأكثر قابلية للتداول أو الخلود على حد سواء.
    بل ربما أصبحنا نستفيد من الموت والألم، فنستنجد بهما لنكتب ونرسم ونعيش، فالموت أصبح قصيدة عميقة وجارحة، والأجساد الممزقة مادة فنية جاهزة للوحة عظيمة سيتناقلها الجمع بسرعة وبلا أدنى إحساس، فقد أصبحت شكلا فنيا، ومادة مستساغة للتداول. ولذا أصبح خبر موت آلاف البشر في قصف واحد بقذيفة غادرة ـ الخبر الذي كان بالأمس يروّعنا ويقضُّ مضاجعنا ـ خبرا اعتياديا، فليس أكثر من خبر عاجل مبثوث في قناة ما، أو شريط إخباري، نتشاركه على صفحات مواقع التواصل، لنخفف بعض أحزاننا عبر ذلك التشارك. وقد يشكّل مادة إلهام إبداعية لشاعر مغمور، أو فنان يعيد نسج ألوانه ليمنح نفسه قيمة ما على شاشات هذا العالم غير الآبه بشيء أو بأحد، والذي يتنافس الجميع لهاثا وركضا وراءه ليحققوا قيمة ما مهما كانت زائفة أو غير حقيقية للهروب من الموت قليلا. لأننا أبدا نظن أننا غير جاهزين له، ولسنا مستعدين بعد.
    وهكذا أصبح الموت نصا جاهزا وقابلا للتحليل والقراءة بعمق وموضوعية وبأدوات فنية وتاريخية كما تقرأ قفلة لقصيدة، أو تتمة لقصة طويلة ومملة، أو نهاية مفتوحة وغير واضحة لفيلم سينمائي يحتمل التأويل. فتدرس الاحتمالات بكافة أوجهها، لمتلق خبير، أو مثقف ناقد في مكان ما، أو يقدم كفلسفة لحركة التاريخ «الذي يكرر نفسه» كما يقول ماركس، أو كعبرة آدمية للمؤمنين سيُكتب عنها لاحقا، وتتناقلها الكتب والتدوينات.
    أما علي، فإنه يشاركك غربتك في بلاد من ذلك العالم الجديد الذي لا يشبهنا في شيء، ويسبقنا في كل شيء تقريبا، بلاد الحياة في مقابل حيوات الموت التي نحن منها، إذ كنت تجرجر خلفك ثقل هزائمك المكانية والتاريخية، وتسقط في فخ المقارنة والأسى الذي يدعوك له كل شيء تقريبا، كما تحاول أن تكتب نصك الخاص عن الموت والألم لتستمتع بإنسانيتك الكاذبة كالجميع تماما. ينتشلك هو بسحنة عربية طفلة وبلغة (تحتاج لترجمان) كما قال المتنبي الغريب الكبير، ليسألك: (ماذا تأكل؟)، فتعرفه خارج اللغة والمكان، وتبتسم له: (أنت عربي؟) وكنت تريد أن تسترسل من بلاد الوجع والقهر، (نعم، أنا سوري) . فتترقرق دمعة في عينيك وقلبك، سيلتقطها هو بحنان ويبتسم. لسيستمر الحوار بينكما ضمنيا أكثر من المنطوق، وكعراقيين سيحدثنا، لقربها (أي العراق) من لهجتنا، وقربها من جرحه. علي، الذي يعمل نادلا في مطعم تركي، يدّخر وجعه في قلبه المثقوب من كل زاوية، كي لا يهبه مجانا للغرباء ليأكلوا منه، أو كي يلمّعوا به شاشاتهم الرخيصة، أو ينسجوا به كتاباتهم الهشة، فيخبأه لحضن أم بعيدة، أو حبيبة قادمة، أو لقصيدة سيكتبها بدمه في زمن آخر.
    خارج النص كنت أقول بحسرة: يا علي، ماذا تفعل هنا؟ لماذا تركت مقعدك الدراسي؟ وأصحاب المدرسة والحي والشارع؟ لماذا جئت إلى الغربة لتأكلك ببطء؟ ولتعقد المقارنات القاتلة ألف مرة كل يوم؟
    كان علي حيا هذه المرة خارج الموت، ويمشي على قدمين خارج النصوص واللوحات والشاشات، خفيفا كطائر بحري، ما أن ينفض جناحيه من زبون، حتى يهرع لزبون آخر يدوّن الطلبات ثم يحضرها، فكانت وجبة الفلافل هي الأجمل من كل وجبات العالم المتقدم وطعامه لأنها مصنوعة بحب ووجع، وربما مغمّسة بعرق علي. وكانت ابتسامة علي وحركته أجمل من كل نصوص الدنيا الميتة السطحية والجارحة، ومن كل لوحات العالم القاتمة والمرحة، ومن كل شعاراته وشعرائه، ومن منظماته ونشطائه، ومن الكلام الفارغ الذي يغطي الشاشات بالكذب، ويطلق صفارات الإنذار والقلق فقط في مواجهة الموت.
    علي، الشاب الصغير الذي قرر أن يعيش خارج كل نصوص الدنيا الباهتة، فلم يتحول إلى حكاية أو قصيدة تزيّن الشاشات، وتهب العزاء للنفوس العاجزة، ولم ينتظر معاش اللاجئ ليقتات به كالكثيرين، ولم يمدّ يده على أحد الأرصفة كما يفعل الكثيرون أيضا، الذين يتخذون وضعية السجود للمارة أو للقرش أو للألم والغربة.
    اختار علي الوقوف خارج النص حيا، والعمل والسعي الحثيث ليقاوم أوجاعه بقوة، ويرمم أحلامه المنكسرة بدأب وتؤدة، ويهزأ بفكرة الاغتراب المقيت الذي يعرّش على الروح كنبات طفيلي يمتصها رويدا حتى تذوب منها حرارة الدفء والحب، وتخلف استسلاما ووجعا لا يبرأ، اختار أن يعمل كي لا ينتظر الموت، ولا ينتظر الوطن، وكي لا يتحول إلى شماعة لنص كوني يكتبه الخاسرون والمنتصرون على حدٍ سواء، بمهل زائف وحسرة كاذبة.
    يتفرّع علي يوميا في الكونية خارج الشاشات، ويتكاثر خارج النص، ويتناسل في الحياة، يصبح وجوها تسبقك إلى المترو، وتركب معك القطار، وتجلس في المقاهي، وتسير بخطى هادئة في أمكنة قريبة منك، في بلاد البرد الخارجي والدفء الداخلي، وفي بعض بلاد البرد الداخلي والاحتراق الخارجي التي منعتهم أغلبها من المثول بين يديها. ستجد المهاجر واللاجئ يحاول التشبه بالمكان، في حركته ولبسه، ويخونه انكسار عينيه، ووجع كالقيد يثقل خطوته، وذاكرة ملتبسة ممتلئة لم تنظف بعد من طحالب العالم المريض الذي جاء منه. لذا فقد يبصق بعضهم في أي مكان، أو يسحق عقب سيجارته بعادية، فينظر إليه أهل المكان وبعض الزوار باستغراب، وستجد بعضهم يمتهنون ما يدرُّ المال كتجارة الجسد من طعام وجنس، فهذا ما خرجوا به من ثقافة القمع والعيب والحرام. ستعرفهم أحيانا من أصواتهم العالية، وضحكاتهم الفاجرة، وأشياء تعرفها جيدا، فهي ثقافة راسخة تحتاج الكثير من الوقت لتستبدل بثقافة أخرى. ستجدهم يترصدون أولئك الذين يحومون في الشوارع بملابس الرجال القصيرة، والخيمات النسائية المحكمة، والصخب الطفلي أحيانا، ينصبون شراكهم لأبناء المكان الذي خرجوا منه، والذين يحومون حول الجثث والطعام ببطونهم المنتفخة، وغرائزهم المسعورة والمشرّعة، ولذا يصبح كل مكان هو لذة مستبقة، ستنقضي لاحقا في مكان رخيص ليس آمنا بالحب.
    ستجدهم في أي مكان، وفي كل مكان، أحياء يأكلون ويشربون وينامون. يبيعون ويشترون، يعيشون بأوجاع المنافي وأخطاء البشر، يحاولون الحضور في الحياة خارج النص، وخارج الشاشات، خارج التحسّر الكاذب، والزيف المصنوع، والمتاجرة الكونية بأوجاعهم التي تكبر كل يوم.
    كاتبة عُمانية

    الثلاثاء، 23 أغسطس، 2016

    جريدة عمان
    25-8-2016

    في أول أيام الملتقى.. قراءات في تجربة الحداثة العربية والشعر يعطي للمساء حضور سحريا

                   

    اليوم اختتام فعاليات ملتقى الشعر الخليجي بصلالة –
    يختتم اليوم ملتقى الشعر الخليجي بمدينة صلالة بمحافظة ظفار فعالياته والتي استمرت يومين حيث انطلقت فعالياته صباح أمس على مسرح أوبار بمركز التراث و الثقافة بصلالة برعاية معالي الشيخ سالم بن مستهيل المعشني المستشار بديوان البلاط السلطاني وبحضور عدد من أصحاب السعادة ومديري العموم والمثقفين والوفود المشاركة.
    وقد بدأ برنامج فعاليات اليوم الافتتاحي للملتقى بكلمة وزارة التراث والثقافة الترحيبية التي ألقاها أحمد بن سالم شامس الحجري المدير العام للمديرية العامة للتراث و الثقافة بمحافظة ظفار استهلها بالترحيب براعي المناسبة والوفود المشاركة والحضور وكما نقل للمشاركين تحيات صاحب السمو اليد هيثم بن طارق وزير التراث والثقافة، وتحيات سعادة الشيخ حمد بن هلال بن علي المعمري – وكيل الوزارة للشؤون الثقافية وتمنياتهم لهذا الملتقى الشعري الخليجي التوفيق والنجاح.
    وكما تقدم أحمد الحجري بكل الشكر والتقدير للأمانة العامة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية متمثلة في الإدارة الثقافية على حسن التنسيق والتعاون الدائم لإنجاح فعاليات هذه الملتقى وكل الفعاليات الخليجية المشتركة.
    وأضاف الحجري في كلمته قائلاً: يطيب لنا في هذا اليوم البهيج أن نرحب بأشقائنا الأعزاء من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك من ووطننا العربي العزيز في بلدهم الثاني سلطنة عمان، ويسعدنا في وزارة التراث والثقافة استضافة ملتقى الشعر الخليجي 2016م بمشاركة كافة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في هذه التظاهرة الشعرية الثقافية، كما سيصاحب هذا الملتقى إقامة ندوة فكرية مختصة بعنوان: (تجربة الحداثة الشعرية في الخليج العربي) يقدمها نخبة من الباحثين والمختصين في هذا المجال.
    ويأتي إقامة هذا الملتقى الثقافي الهام تعزيزا للعمل الثقافي الخليجي المشترك، وتعزيز التواصل بين أبناء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في المجالات الشعرية، وإدراكا لمكانة الشعر في الوجدان العربي باعتباره ديوان العرب، وإعلاء لما تضمنه التراث الشعري من قيم أخلاقية وجمالية في الثقافة العربية والخليجية، وإلى أهمية اللغة العربية الفصحى في المنطقة وتعميق الشعور بمكانة ودور الشعر في الثقافة الوطنية.
    كلمة الأمانة العامة للمجلس
    وكما ألقى سعادة خالد بن سالم الغساني الأمين العام المساعد للشؤون الثقافية و الإعلامية بالأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي كلمة بهذه المناسبة قال فيها: يطيب لي وأنا أشارككم في الدورة الحادية عشر لملتقى الشعر الخليجي أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى سلطنة عمان وعلى رأسها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- على دعمه لكل ما من شأنه تعزيز العمل المشترك في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى جانب إخوانه قادة دول مجلس التعاون -حفظهم الله ورعاهم- والشكر موصول إلى وزارة التراث والثقافة وعلى رأسها صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد، على استضافة هذه الفعالية على أرض السلطنة الزاهرة والزاخرة بالشعر والشعراء وعلى رعايتهم الكريمة لهذه الفعالية الثقافية.
    وكما يسرني أن أنقل لكم تحيات معالي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي معالي الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني وتمنياته لكم ولهذه الفعالية بالنجاح والتوفيق.
    وأضاف الغساني قائلاً: إن العمل المشترك في كل جوانب العمل الثقافي نحسبه واحد من الجوانب المهمة والمشرقة للتعاون في مختلف مساراته، والتواصل فيما يخدم أبناء دول المجلس.
    وبما أن الفعالية هي للمفردة الشعرية الفصيحة فقد ألقى الشاعر محمد قراطاس المهري قصيدة رحب من خلالها بأصحاب المفردة الشعرية وأهل القصيدة وروادها الذين سوف ينثرون من فيض مشاعرهم نصوصا شعرية تحلق في فضاءات الشعر الفصيح.
    لوحات من الفنون التقليدية
    وكان للثقافة التقليدية وقفة في برنامج افتتاح الملتقى الشعري الخليجي حيث قدم شبان من أبناء محافظة ظفار لوحة فن البرعة وهي أحد الفنون التقليدية الأشهر بمحافظة ظفار والتي تعد إحدى المفردات الثقافية المرتبطة بالمناسبات السعيدة بالمحافظة وكذلك تم تقديم لوحة فن الشرح والتي يتقارب إيقاعاتها بدرجة كبيرة مع بعض الفنون الخليجية وهذا دلالة على عمق التمازج والترابط الثقافي بين شعوب المنطقة.
    تجربة شعر الحداثة في الخليج
    وضمن فعاليات الملتقى أقيمت ندوة بعنوان (تجربة الحداثة الشعرية في الخليج العربي ) أدار الندوة الإعلامي سعود الخالدي وشارك فيها كل من الدكتورة فاطمة بنت علي الشيدية وهي شاعرة وكاتبة وناقدة تعمل أستاذة بقسم اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس صدر لها العديد من المؤلفات وحصلت على العديد من الجوائز الأدبية.
    وكما شاركها في الندوة الباحث مبارك الجابري يحمل درجة الماجستير في النقد الأدبي له العديد من المقالات في النقد والفلسفة وقدم العديد من الأوراق العلمية في النقد الأدبي والسرديات والنصوص الشعرية.
    وقد قدمت الدكتور فاطمة الشيدي ورقة عمل حول الحداثة في النص الشعري العماني، استعرضت خلالها نشأة شعر الحداثة في السلطنة وحركة تطوره والأسباب التي ساهمت في تشكيل شعر الحداثة العماني ورواد هذا النوع من الشعر. أوضحت من خلالها على أن الوقوف على معنى واحد وواضح لمعنى الحداثة ليس بالأمر الهين أو اليسير لما يكتنف المعنى من غموض أولي بحكم اتساع مفهوم المعنى وشموليته ولما يعتريه من تحولات مستمرة بفعل الحراك الزمني والنحت المعرفي المستمر للبنى والمفاهيم المتجددة وارتباطه المتجذر بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية وبكل مظاهر الحياة على حد سواء.
    وأضافت أن الحداثة الفنية والأدبية هي الأصعب كما يقول بودليير «الجميل مشكل من عنصر خالد لا يتغير» ويصعب جداً تحديد كميته.
    وقد تحدث مبارك الجابري عن مفهوم الحداثة وظهوره عند الغرب و بداية الحداثة في المنطقة العربية وعلاقة الخليج بالحداثة العربية، ويرى الجابري بأن ليس هناك قوانين للحداثة وإنما يوجد هناك معالم للحداثة وليست هناك نظرية للحداثة وإنما يوجد منطق وأيدلوجيا للحداثة.
    وأشار الجابري إلى أن الحداثة الغربية قامت أساساً لتظافر 3 أشياء في المجتمعات الغربية وهي وجود الدولة الحديثة الديمقراطية لأمة لها نظامها الدستوري، وتقدم العلوم والتقنيات وتقسيم العمل الصناعي عقلانياً وتفكك العادات والثقافة التقليدية، والنمو الديموغرافي وما يصاحبه من نمو حضاري.
    وقد قسم الحداثة العربية إلى 3 أنماط: فكرية و أدبية و شعبية، ويرى أن الحداثة الخليجية نشأت بسبب وجود ثلاثة مفاصل أساسية ساهمت في نشوء الحداثة الخليجية أولها الوجود التاريخي البريطاني في منطقة الخليج و ما استلزمه من وجود حركات تحررية و ما أتت به من أفكار مدلجة بشكل ما، وثانياً ظهور النفط وما شكله من رفاه مالي وتشكيل فئات مجتمعية مختلفة و متمايزة فيما بينها على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي وثالثاً التغيير الديموغرافي نتيجة الهجرات العربية و الأجنبية لمنطقة الخليج ونتيجة ذلك تكون في الخليج العربي تيار ما يعرف بـ (الحداثة )، وأشار أن المجتمعات العربية الأخرى انتقلت إليها الحداثة نتيجة اطلاع معرفي وتلاقح ثقافي بين الثقافة العربية و الغربية بعكس الحالة الخليجية.
    وعقب انتهاء الندوة تم فتح باب النقاش حول ما تم استعراضه من خلال ندوة تجربة الحداثة الشعرية في الخليج العربي وقد شارك الحضور في مداخلات واستفسارات أجاب عليها المتحدثين في الندوة.
    القراءات الشعرية
    بدأت القراءات الشعرية للمشاركين في الملتقى الشعري الخليجي في الفترة المسائية على مسرح اوبار المحتضن لفعاليات الملتقى وقد شارك في الأمسية الشعرية الشاعر الدكتور طلال بن سعيد الجنيبي من دولة الإمارات العربية المتحدة و الشاعر إبراهيم بن عبدالله سيف بوهندي من مملكة البحرين و الشاعر زياد بن عبدالعزيز الشيخ من المملكة العربية السعودية ومن السلطنة الشاعر عمر بن محروس الصيعري والشاعرة حصة خليل السويدي من دول قطر والشاعر سعد ثقل العجمي من دولة الكويت.


    ثلاثية الزمن والمكان والذاكرة

    فاطمة الشيدي
    ملحق شرفات - جريدة عمان
    23- 8- 2016


    الذاكرة هي فتيل الروح، تلك الجذوة التي تبقيك على قيد الحياة، إنها المدفأة التي تلجأ إليها حين يحاصرك البرد، والنور الذي تتّبعه حين تتغلّق المصابيح الحلمية في زمنك، ومهما حاولت التملص من الذاكرة فلا شيء يستطيع منحك الفكاك من شراكها الزمنية، كل لحظة تعيشها في زمن ما هي خيط رفيع ينسج كينونة حياتك ووعيك، ينسج روحك بمهل العشق وشفاعة الزمن، نحن لا ننسى بل ندخر كل شيء في ثقوب الزمن وتعرجات الذاكرة للحظة تذكر أو ذكرى، الرائحة تجلدنا بسياطها كلما دنونا من المكان/‏‏الذاكرة، رائحة ضحكة غافلة، ورائحة حنين قديم، ورائحة زمن يتجلى بكل مفرداته، ليأخذك من زمنك هذا لزمن آخر سيأتي، لم تظن في لحظتها أنك كنت فيه سعيدا، لكنه الآن هو الجنة المفقودة.
    وعليك أن تؤثث ذاكرتك دائما عبر الزمن بالحب والأمكنة لتحوّل لحظاتك الآنية الممتلئة بالزمن لزمن آخر أوسع من زمنك، زمن برائحة، زمن من أزمنة الذاكرة تلك التي لا يغيّبها النسيان، ولا يرعبها الغياب. هكذا يشعر عشاق السفر أبدا، وهكذا يحملون مصابيح الفرح ليقتحموا الأزمنة الموصدة بأزمنة جديدة أكثر بهجة ورائحة، أزمنة حية، وهكذا يواجهون الذاكرة ببلل الروح وأغنيات المستقبل والأمكنة الجديدة.
    كل هذا وأكثر يتداعى لروحك ما أن تصل إلى فيينا، بعد أن تتملكك أغنية أسمهان «ليالي الأنس في فيينا» فتمشي على نغم حضورها في دمك وسمعك وذاكرتك. فمنذ المطار وثمة إحساس ضمني يشعرك بالأمان، رغبة عميقة في الركض لمعانقة كل شيء، ولذا تتريث قليلا وأنت تخرج من بوابة المغادرين، فلا تريد أن تترك المطار بسرعة، المطار اللامكان بكل اتساعه وشجنة له رائحة غامرة وجاذبة في فيينا، ولذا تلجأ ورفيقك لأقرب مطعم لتحظى بإفطار بطعم المكان المختلف. أنت الذي تركت عاداتك الآسرة خلفك، بحثا عن الجديد الضمني أينما وجد.
    تتركا المكان لاحقا عبر القطار (المترو) نحو البلاد، ثم تلوذا بصخب المدينة ومقاهيها لتكون القهوة مفتتح البدايات، ومفتاح الدخول لهذا العالم الجديد. وهناك تنتظركما صدفة عربية محضة لسائق عراقي أرمني بلسان عربي مبين. يأخذكما للفندق. الفندق « wandl» البسيط لولا فخامة التاريخ الذي يخبرك أنه ولد القرن الثامن عشر، حيث كانت أوروبا تخلع شرنقة الجهل وتذهب في الجمال والعلم بسرعة. وهناك تبدأ معك رمزية الرقم ثلاثة القديمة الجديدة، ثلاثة، رقم حضورك لهذه الحياة، رقم الحظ، ورقم المكان ورقم الذاكرة غالبا، ففي كل مكان تذهب إليه تجده ينتظرك ليرمّز حياتك بعجائبية الصدفة التي لا تنتهي أبدا. إذن الغرفة في الدور الثالث، فتبتسم في سرك وتنتظر بعدها الكثير. وبعد سقوط مدوٍ في هوة النوم السحيق، تفتح أجنحتك للمدينة برفقة قلبك الذي توحد معك في سيرة المكان، ويتوحد معك عبر سرده في الضمير والمعنى وفي الزمان والمكان والذاكرة. وتخرج لتنهب خطواتك الساحات الواسعة والشوارع المتداخلة، والمباني التاريخية والحداثية في تناغمها الآسر، والوجوه التي جاءت من كل قارات العالم البيضاء والصفراء والسوداء والأجساد العارية والتي تغطيها قماشات هشة وقليلة وواسعة، وتسترها الحرية فقط وهي تهبها إمكانية الحضور كما تريد، حرية أن تلبس ما تشاء، وتعيش كما تشاء، وتحترم خيارات الآخر في أن يفعل ما يشاء أيضا.
    سيأخذك التعب في بداية اليوم التالي لتقضي بداية نهارك في الفراش، وبعدها تخرج مجددا للشارع لتأكل أجمل غداء لم تتذوق مثله في مطعم منذ زمن طويل، فينحني له ذوقك المحكوم بالصحّي والمنكّه من الطعام، وفي أول شارع من الفندق التي تسكن إليه، الصدف التي لا تنتهي وتجعلك روحك الفرح تلهج بالشكر والامتنان لرب الروح.
    تخرج بعدها للمدينة، التي تهديك صور موزارت ابن المدينة المدلل في كل زاوية من قلبها المفتون به فتنة الأم بصغيرها النابغة، فتأخذك الدهشة لكل هذا الجمال الباذخ، فالسياحة الثقافية بشكل عام والموسيقية بشكل خاص، الأكثر شيوعا وحضورا، السياحة الأكثر رقيا وعذوبة، فتذاكر الحفلات تباع في كل مكان، وفي كل زاوية، كما الحفلات التي تقام في كل مكان، ناهيك عن عازفي الشوارع الذين يعزفون على كل ناصية ومفرق. كما تنتشر المتاحف والمعارض الفنية بمختلف الأنواع متحف الأدب، متحف تاريخ الموسيقى. ومتحف تاريخ المسرح، وهناك متاحف خاصة بفنانين معينين مثل «كليمت» الطفل الثاني المحبوب لقلب المدينة، وقد يحضر معه «بيكاسو» و«مونيه» من ثقافات أخرى. وهناك التماثيل التي تستحضر التاريخ وتجلسه بين البشر يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق بل ويتربع على عرش المكان وفي واجهة الشوارع، التاريخ الذي يصنعه المنتصر، وربما يحمّله الإنسان أكثر مما يحتمل بل وقد تستغله الرأسمالية ليغدو ذاكرة مدفوعة الثمن سلفا. ومع هذا فتلك الرائحة (العطنة)، وذلك البهَتَان اللذيذ يكسب كل شيء قيمة إضافية، وولعا خاصا وعمقا خرافيا يشتهيه الباحثون عن الجمال، المتتبعون لحرفة نحت الزمن بقايا وجوده في الذاكرة ويأخذ بتلابيب روحك حتى المنتهى.
    كانت الحفلة الموسيقية التي حضرناها في قاعة بسيطة قد اختصرت لنا الكثير من تاريخ الموسيقي عبر مقطوعات كلاسيكية راقية متعددة، وأصوات أوبرالية مدهشة، ورقص باليه يجعل الروح تسمو في حضور الموسيقى والفن. في حين كانت وجبة «الفلافل» التي قدمها لنا «علي» الشاب السوري في شوارع فيينا غصة في قلوبنا، علي الذي يضحك والحزن يتحشرج في صوته ويترقرق في عينيه، بينما تبيع طفلة ورداتها بكل رقي واحترام وعدم إزعاج للسياح، ويمدّ شحات كوبَه لتضع فيه ما تجود به نفسك من عملات ترن في الكوب الذي يفرغه أولا بأول سواء استحقها أم لا.
    في اليوم الثالث تتعرفك المدينة أكثر، فتستوطن شيئا منك، وتصبح أنت منها أقرب حيث تتسرب أشياء منها داخلك، وتعلق في ذهنك بعض مفرداتها وأسماء مدنها الغريبة، وتألف رحلة «المترو» في النقاط المحددة التي تخدم تحركاتك، ثم تنهي النصف المضيء ليومك في قصر بيلفيديرBelvedere Palast حيث التاريخ يحكي سردياته المدهشة عن الحياة والموت والقوة والضعف، وحيث الفن يخلّد الحكايات والوجوه والزمن في تلازمية مدهشة، لوحات من كل العصور والحقب ويتصدر «كليمت» بلوحته التاريخية «القبلة» المكان، تستقبلك وتودعك بذات القبلة، في حين يحكي المكان عن الزمن والخلود وما بينهما من حيوات وبشر.
    وحين يخذلك جسدك المرضوض من المشي بعد حيوات أتقنت الخمول والركون للداخل، تلجأ لوجبة ليست لذيذة جدا، ولذة الفراش قليلا، قبل أن تستأنف التجوال في سكون المدينة وضجيجها عبر فنجان قهوة، وتعود لتختبر حزنك على فرق التوقيت الهائل في الحضارة والإنسانية والحرية بين مكان جئت منه ومكان أنت فيه الآن. وأنت تتأمل أناقة المكان، والبشر خاصة النساء والمقاهي المنتشرة في زاوية تفيض بالكلام والحب والغزل والحزن والشجن والحكي.
    تستأنف رحلتك الصباحية التي تبدأها بالقصر الملكي «الهوفبورغ» ومتحف سي سي زوجة الملك وترى الزمن يحتفظ بمفردات حيواتها الأنثوية والبيتية من أوان وكؤوس وتفاصيل دقيقة، في حين غيّب الموت عالمها وجسدها، ثم لمتحف (ألبرتينا) حيث يتربع الفن في المكان عبر حيوات الملك انتهاء بالفن من مختلف للمدارس كالانطباعية وما بعدها كالتكعيبية وغيرها، ليحتل «مونيه» و«بيكاسو» المكان الأهم واللائق بهما.
    بعدها تعود لمطعمك المفضل القريب من الفندق، وتستأنف رحلتك المسائية في زاويتك اليومية في مقهى تاريخي يعود لمنتصف القرن الثامن عشر، حيث تحتجز التاريخ في روحك ويحتجزك في أحلامه الوردية بفتنة الخلود.
    وبعد أن صالحتك فيينا مع شمسها الدافئة لزمن ما، عادت لتبلل قلبك بالمطر في مساء اليوم الرابع ثم تغسلك تماما في نهر الدانوب في اليوم الذي يليه، (الدانوب الأزرق) الذي ألقيت فيه أحمالك وأسرارك وأوجاع قلبك واستبدلتها بضحكة نضرة وحيّة، وزرعت في قلبه الأزرق أمنية عذبة وأنت تذرعه من (ملك) حتى (كرمس)، لتعود لفيينا الحسناء منتشيا فيكمل المطر الصيفي قصيدته بالقرب من قلبك الصحراوي الجاف تماما، وعلى مقربة من طعام الشرق الذي اخترته ليلة وداعها. وأنت تذرع الشوارع حتى تصل للقطار الذي سيحمل جسدك وأحلامك ورغبات انعتاقك لـ(براغ) هذه المرة، وسيختار القطار أن يرجع بك القهقرى في طريقه في صدفة غريبة، ليجعلك تلوّح لفيينا تلويح عاشق لا يقوى على الالتفات الكلي عن المكان حتى آخر لحظة، حيث يشعر أنه ودّعها وداع مضطر، فيهرّب لها كل حنين الروح، ويظل الشوق فراغ الذاكرة الأزلي، فتغتسل عيناك في السهول الخضراء الممتدة حتى تصل.
    نصل براغ، براغ الفرح والجمال الذي يؤنسن المكان ويشعل الحواس، والتي لم يكن استقبالها لنا بالمطر إلا بداية كل العناقات والتصاعدات التي تذهب بنا إليها تماما. أعادتني براغ إلى ذاتي إلى الفرح الذي افتقدته طويلا، إلى الحب الذي يشمل الكون والوجود والإنسان والتفاصيل، وكان نهر (فلتافا) الذي يطل عليه الفندق بداية الأخذ بها، مطر ونهر، فأي لذة كانت تعد براغ الروح بها.
    استمر الفرح حيث اكتحلت الخطوات بذلك التيه الجميل الذي يمتد من عنفوان التاريخ في مبانيها حتى مباهج الحياة العصرية، والتعددية الأوروبية التي تشمل اللباس والطعام والوجوه والأشكال، بلا تنميط ولا أنماط. ذرعنا المدينة وتناولنا العشاء في مطاعمها ومقاهيها التي تنبت على الطرقات كالزهور والعشب في كل مكان.
    وفي اليوم الثاني كنا نعانق التاريخ على جسر (تشارلز)، الجسر التاريخي الذي يقصده السياح من كل مكان، وحيث تصدح الموسيقى وتنتشر الألوان واللوحات ويحتضن المكان بحب كل المواهب، وكان المطر رفيق المكان والزمان والأرواح حتى أنه يقيّد حركتك السياحية المحدودة ويحتجزك لنفسه وحناناته الخاصة والعميقة.
    وتحت شجن المطر زرنا متحف كافكا الحزين المتوجع، كافكا الذي عاش في لغته الخاصة وأثر في أجيال كثيرة من الكتاب ومازال يفعل، كافكا صديق الروح المتوجعة، والإنسان الطفل، ثم متحف الشمع (Grevn) حيث استحضرنا روح شخوصه، وتجلى خلودها الفني في أرواحنا، المتحف الذي جسّد الكثير من شخصيات براج والشخصيات العالمية، وكان قبلة مهمة للحالة السياحية في براغ. (براها) حبيبة الجواهري، ومدينة قلبه وعشقه.
    وفي المساء اتحد الليل والنهر والموسيقى في حالة خرافية من الجمال، حيث قضينا سهرة خاصة (sweet praha) في سفينة تبحر عباب النهر لمدة 3 ساعات مع عزف مباشر على البيانو وغناء ينساب في الماء وفي قلوبنا بشجن، فحلّقت أرواحنا في جو راقٍ ورفيع من الجمال والدهشة.
    ولأنها براغ فكان لابد من زيارة (متحف الشيوعية) التي يتحدث بالصور والمنحوتات وفيلم تصويري عن تاريخ الشيوعية في براغ فتنقلت عيوننا بين تراث فكري عالمي كان ينشد العدالة والحرية بشخوصه وأفكاره وأحلامه المتهاوية مع الزمن. ثم استعذبنا التيه في شوارع براغ الخلفية، تناولنا قهوة على شرف عازف البيانو في مقهى (piano kafe) وعانقنا نهر (فلتافا) طويلا وكثيرا وغازلنا بجعاته وطيوره التي صحبتنا طوال رحلة المكان فتعلقنا بها وتعالقنا معها. وتركنا لأجسادنا وحواسنا التمادي في عناق كل شيء حتى ساعة متأخرة لوداع المكان المولع بالحب. كنا نفتتح النهارات أمام نهر فلتافا، نلوّح له فيلوّح لنا بيد مائية كبيرة وقلب عذب، وتلوّح لنا السفن التي تمخر عبابه، والسياح الذين يذرعون جسده، والأطفال والدراجات والأحلام والأحزان، كل شيء يحدث في الوداع كما في الحضور، لنحزم حقائبنا في منتصف النهار. بأمل أن نعود ذات يوم لننعم بهذا الجمال مجددا.
    لنهرع لميونيخ عبر رحلة القطار القصيرة نسبيا التي قضيناها في حديث شجن ومتوجع عن هجوم نيس الإرهابي في فرنسا، وعن الإرهاب الذي يتطاول بيده البشعة، وعنفه الأسود في العالم أجمع، وعن انقلاب تركيا القصير الذي هلل له العرب وكبروا.
    لم تستقبلنا ميونيخ بالكثير من الود، كانت جافة وباردة في أول ليلة، وكان الكثير من العبث والفوضى في الشارع الذي سكنّا فيه، وللأسف بفعل بني جلدتنا، كانت أمكنة العبث والعفن التي يبحث عنها البعض تطوّق المكان، فهربنا نحو قلب المدينة، ففتحت لنا أحضانها حين شعرت بأننا نبحث عن قيمة المكان وذاكرته التاريخية، فقررنا أن نتعرف عليها عن كثب عبر القطار السياحي الذي عرّفنا على تفاصيلها الحضارية والتاريخية الخالدة، ولذا كان لابد من زيارة تلك التفاصيل، «نهر isar»، و«الحديقة الإنجليزية»، و«متحف الفن الحديث»
    ميونيخ الجميلة التي بعد أن فارقناها بساعات فقط روّع قلبها بعملية إرهابية، وهي التي تموج بالعرب من مواطنين وسياح (بالجمال والقبح الخاص بنا معا) كأنك في أحد بلدانهم إلا ما يتعلق بالقوانين والحرية والنظام، والتي تثبّت في كثير من مواقعها لافتات بالعربية، لمطاعم ومحلات ومتاجر عربية، كأنها تلاطف قلبك المتعب من اللافهم للغتها ببعضك وبحروف من شغافك.
    ميونيخ البشوشة كطفلة طيّبة، أو أم حنون، التي يقف إنسانها ليسألك (هل أساعدك؟ لمجرد أن يراك محتارا في شيء) وما أن تبادره بالسؤال حتى يشرح لك بانفعال كل ما تريد وأكثر بصدق ومحبة، ثم يقول Thank you .. good bye..كأنه يرقيك ويحفظك.
    ميونيخ التي أكلنا من خبزها، وتبعثرت خطانا في شوارعها، وتماهت روحانا مع جمالها وفنها، وانفعلنا مع مغنيّيها وعازفيها في الشوارع والزوايا، وركضنا خلف دقائق قطاراتها، والتي حزنّا ونحن نفارقها ووّدعناها قبل قليل من وقت حادثها المريع، باحتضان دافئ وأمل في لقاء قريب. كما شعرنا بالحزن والخوف عليها كأننا هناك تماما.
    عدنا وقد توردت الذاكرة عبر الزمن من 7-22 يوليو 2016، والأمكنة الثلاثة (فيينا- براغ – ميونيخ) بالكثير والدهشة والحب، ليظل حفيف الزمن والمكان خالدا في الذاكرة.