الأحد، 24 يوليو، 2016

سلطان

فاطمة الشيدي
24-7-2016


الحب العميق والمغيّر، والدافع للأمام والذي يجب البحث عنه بصدق، والدفاع عنه باستماتة ما أن نجده. هو روح السينما الهندية ورسالتها الكبيرة، الحب الذي يعادل الإيمان، ويساوي الحياة تماما في كل معانيها الرفيعة والسامية. الحب الذي يهب القوة لمحاربة كل ضعف وشر، فيغنيك به، ويفتح أمامك مغاليق الحياة التي تحلو به، وتتسع مهما كانت ضيقة، الحب الذي يمثل الانعتاق من سطوة الضجر، ومن إغماءات اليأس المتكررة، ويشعل جذوة القلب أبدا بالجمال والسلام والمحبة لكل شيء.
وسلمان خان تحديدا من أجمل من يجسد هذه القيمة، بكل معانيها الخاصة والعامة، وفي فيلمه الجديد سلطان كان الحب هو البطل، بطل الحياة والحكاية معا.  سلطان الفتى الهندي القروي الطيّب البسيط الذي عشق فتاة قوية ومتعلّمة، فرفضت حبه، واحتقرته لأنه لا يحمل حلما، ولا يسعى لتحقيق هدف ما، بينما هي تعمل على تحقيق حلمها الكبير في نيل الميدالية الذهبية الأولمبية في المصارعة بجد وإخلاص، فيحوّل احتقارها له لدافع كبير فيربي جسده الوهن عبر رياضة شاقة، ليفوز بميدالية الولاية ويتحدى من يفوقه وزنا، حتى يفوز بقلب حبيبته ويتزوجا.
ولكن ما أن يصل لسلم المجد والشهرة والظهور حتى يصيبه الغرور، ويعتد بذاته، ويترفّع على الجميع، بل وحتى على حبيبته دون أن يشعر، فيتركها وهي تلد بطفله الأوّل، ويسافر ليحقق حلمه في الشهرة، بعد أن تخلت هي عن حلمها لتصنع لهما حلما مشتركا بالحب، ولا يستجيب لرجائها أن لا يذهب.  فيموت الطفل الذي يحمل فصيلة دم أبيه النادرة وهو بعيد عنهما، فتطلب منه أن يبتعد عنها، فقد أقام رحيل طفلها بينهما سدا منيعا.
تذهب هي في الحزن على صغيرها وتستمر في التدريب، بينما يسقط هو في آخر دركات اليأس والألم بعد أن فقد حبيبته وطفله، ويتخلى عن المصارعة، ويسعى لتأسيس بنك دم باسم ولده المغادر على عجل، ولكن الأمر ليس سهلا مع مماطلة الحكومة، وعدم اهتمامها.
حتى يأتي له مستثمر ليشجعه على العودة للمصارعة ليحقق ذاته، ويحصل على ما يكفي من المال لبناء بنك الدم. فينظر له الجميع بازدراء كشخص فقد أهليته الجسدية للمصارعة، ولكنه يدرك أن المصارعة التي فتحت له طريقا لقلب حبيبته، هي التي ستعيدها له، فيصارع ذاتها ليهزم غروره الذي أفقده إياها، فيتحدى الجميع ويفوز بعد إخفاقات قليلة قابلها بالإصرار ورباطة الجأش، وفي غمرة ظهوره يحكي عن زوجته للجميع والإعلام ليسترضي قلبها ويستجدى حبها.
فتعود إليه بعد سقط في آخر جولة، وتحثه على إحراز البطولة رغم إصاباته الخطيرة، فينتصر بحبها على نفسه، وعلى كل شيء، ويعودان معا لينجبا طفلة رائعة ويدللان على قيمة الحب كجوهر وأساس للحياة.

في مديح النساء


أظن أن المرأة في العالم أجمع تنضج بسرعة ووعي أكثر من الرجل، لأن المرأة هادئة وعميقة في تعاملها ورؤيتها للحياة، صادقة عادلة، تحركها العاطفة لكل الوجود ولذا لا تميل للعنف، ويحركها الجمال فتسعى إليه، في جسدها، وبيتها وأطفالها وكل ما حولها ولكنه الجمال الداخلي والخارجي معا تنظر لجمال الرجل كما تنظر لجمال شجرة أو طفل فلا تنظر للجسد منفصلا عن الروح، ولا الخارج منفصلا عن الداخل، ولا تحركها الرغبة فقط؛ فتسعى خلفها متنقلة وهائمة، حتى تفقد البوصلة إلا من الجسد. بل قد ترجّح كفة الجمال الداخلي مع مايراه الآخر قبحا خارجيا إن كانت في حالة تخيير، تحب الاستقرار والأمان، ولا تميل للقلق والاضطراب، وتهتم بالتفاصيل حتى تؤرقها.
البعد الإنساني  والحس الجمالي لدى المرأة أقرب للطبيعة، للماء والشجر والكائنات الحية في عمق بساطتها،  ولذا هي مندمغة في ذلك الحال كثيرا.  وإن أقبح امرأة وأكثرهن شرا، لا تصل للقليل مما فعله الرجال،  وتبرهن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم على ذلك، فهن ينشرن الجمال بعيدا عن أي أذية، بل ويتحملن حماقات الرجال بهدوء وتجاهل، كما برهنت الحياة على ذلك طويلا .
المجد للمرأة !

الجمعة، 22 يوليو، 2016

إلى ميونيخ

ميونيخ الجميلة التي فارقناها قبل ساعات فقط .. ميونيخ التي تموج بالعرب من مواطنين وسياح (بالجمال والقبح الخاص بنا معا) كأنك في أحد بلدانهم إلا ما يتعلق بالقوانين والحرية والنظام، ميونيخ التي تثبّت في كثير من مواقعها لافتات بالعربية، لمطاعم ومحلات ومتاجر عربية، كأنها تلاطف قلبك المتعب من اللافهم للغتها ببعضك وبحروف من شغافك.
ميونيخ البشوشة كطفلة طيّبة، أو أم حنون، التي يقف إنسانها ليسألك (هل أساعدك؟ لمجرد أن يراك محتارا في شيء) وما أنا تبادره بالسؤال حتى يشرح لك بانفعال كل ما ...تريد وأكثر بصدق ومحبة، ثم يقول  Thank you ..  good bye..كأنه يرقيك ويحفظك.
ميونيخ ياصديقتي التي أكلنا من خبزها، وتبعثرت خطانا في شوارعها، وتماهت روحانا مع جمالها وفنها، وانفعلنا مع مغنيّيها وعازفيها في الشوارع والزوايا، وركضنا خلف دقائق قطاراتها، والتي حزنّا ونحن نفارقها ووّدعناها قبل قليل وقت، باحتضان دافئ وأمل في لقاء قريب.
كلنا حزن الآن لأجلك ياعزيزتي.. وكلنا خوف عليك كأننا هناك تماما .. أما إذا كان مروعو أمنك وناسك منا; فإنّا ننحني خجلا أمام دمعك، وأمام جمالك المغدور، وإمام إنسانك المخذول بعد كل ما قدمه للعرب وللمسلمين.. فهم ليسوا منا، نحن الذين ننتمي للحرية والإنسان فيك، وفي كل مكان. ونتبرأ أمام الله وأمام رعشة قلبك الخائف الآن منهم .. فإن كانوا منا فتقبلي اعتذارنا، (اعتذار العربي والمسلم الإنسان من الماء إلى الماء)، وأما إن كانوا من غيرنا من المعاتيه والجبناء ممن يلتذون بالدم، ويقتاتون على شهوة الظهور، وهم كثر في هذا العالم المريض، فنشدُّ على يديك ونهدي لقلبك العزاء، ونبعث لروحك السلام فكلنا اليوم أبناء الخوف.

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

الرجال أيضا يكتبون أدبا نسويا

جريدة العرب
20-7-2016
حاورتها حنان عقيل

- أسألك عن البدايات.. ما الذي جعلك تتجهين صوب الكتابة الإبداعية والأدبية؟
تحدث البدايات بلا وعي ولا تخطيط غالبا، هكذا كحكة في الأصابع، كلام مزدرد في الحنجرة، رغبة في البوح، محاكاة لكتابة ما، رغبة في قول شيء ما بطريقة مختلفة، كل شيء يجعلك تذهب في اتجاه الكتابة رويدا رويدا حتى تصبح يوما ما كأنها الأهم والأكثر قابلية للتشبث بها والتعبير عن ذاتك فيها. ثم تتدرج في الانغماس الكلي حتى تصبح لاحقا هي الحقيقة الأكثر جدوى، والواقع الأكثر جمالا وبهاء.

- ما سبب تعدد اهتماماتك الفنية والأدبية؟ وفي أي حقل تجدين نفسك أكثر تميزا؟
لا أظنني متعددة جدا، أنا فقط كاتبة تراوح منطقة النص بكل ممكناته الفنية وتصاعداته الموضوعية أو ما يمكن أن يسمى بالتعددية الشكلانية، ولأنني لا أنتمي للأشكال سلفا، بكل معطياتها الجمعية الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية وأسعى جاهدة لتجاوزها أو الخروج عليها، فهذا ما يحدث في النص. ولذا طرقت الكثير منها لأبني عبرها أو عبر ما يناسبني منها ما أريد قوله بطريقة معنائية، بلا تحديد مسبق لشكل البناء، المعنى هو المهم بالنسبة لي، والقبض على الفكرة في تجسيداتها الجوانية وليست البرانية هو الأكثر مصداقية وفنية، ولا أظن أن ثمة شرطية حرفية للتعاطي مع الشكلانية النصية ضمن شكل موحد أو محدد، بل علينا الاهتمام بالروح النصية وفق مع يناسبها من الأشكال.
كما أنني قارئة قبل الكتابة، وبعدها، وبين مفاصلها الجوهرية، أنا قارئة أولا وأخيرا، وأهتم أن أظل كذلك ولذا أقدم أحيانا المقروء النصي عبر نص جديد لأفسره أو أنتخبه لقارئ قادم، أو حتى أعترض عليه بصيغة فنية ما قراءة أو نقدا، فهل هذا ما يسمى التعددية؟ فهو بالنسبة لي فقط أنني أكتب وأقرأ، بلا تمايز ولا تميز ولا سعي واع لذلك.

- برأيك.. إلى أي مدى نجحت القصيدة العربية الجديدة في التطوير من نفسها والانطلاق نحو أفق أكثر رحابة؟
لقد فعلت القصيدة العربية ذلك بقوة، وخرجت على كل الأطر الجاهزة ثقافيا وتاريخيا، القصيدة العربية الجديدة عميقة جدا وجارحة وإنسانية واستفادت من التاريخ والآخر والثقافة التي تنتمي إليها والثقافات الجديدة، استفادت من كل المعطيات الدينية والحضارية  والميثلوجية والعصرية بما ذلك الوجع الإنساني، والظلم والقهر وكل التفاصيل، والحالة الرقمية أيضا. هذه القصيدة هي التي تستلذها الذائقة الراقية، ويستعذبها المتلقي، شاعرا وناقدا ومتذوقا، وهي بالطبع ليست كل ما يكتب، أو حتى كل ما ينشر، ولكن هذا يحدث دائما في كل عصر وفي كل الثقافات، إنها الخلاصة الصافية، إنها القليلة الممتلئة وليس الكثيرة الشائعة، ولكنها ناجحة وعميقة.

- كتبتِ الشعر والرواية.. برأيك ما الذي يمنحه الشعر للكتابة السردية؟ هل الكتابات الشعرية تسهم في ترسيخ التجربة السردية بشكل أفضل؟
الشعر فعل ساحر، فعل الجمال والتغيير، وما وجد الشعر في عمل أو إنسان إلا وجعله جميلا وخاصا ونبيلا، وبالتالي فنعم يؤثر الشعر في الرواية، فيمنحها الخلود، ويمنحها الجمال، يمنحها الشغف واللذة يمنحها الفارق الجوهري بين تراتيبية الحكاية وشعريتها، بين سيرها المثقل البطء بالحكي والاحداث، وبين تحليقها العذب، وخفتها الرشيقة، وتناغم سيرها الراقص، وبالتالي يحيلها من سرد طويل ممل إلى عذوبة حقيقية، وهكذا يضيف الشعر عمقا للسرد، ومتعة للمتلقي، وخلودا للعمل.

- كتبت رواية واحدة وعدتِ بعدها إلى كتابة الشعر.. ما الذي دفعك نحو كتابة الرواية؟ وهل تخليتِ عن كتابة الرواية أم أنك ستكتبينها لاحقًا؟
أنا نسبيا متأنية في النشر على الأقل فيما مضى، كما أن كتابة الرواية ليس بالأمر بالهين بالنسبة لي، ويستدعي الكثير من الوقت والكتابة الجادة، والبحث والاشتغال على روح النص ومفرداته وتفاصيله، عكس الشعر الذاتي، أو النص السردي القصير والذي يمكن تشكيله بعد الدفقة الأولى بسهولة ويسر.
 كتبت الرواية ذات يوم لأنه كانت لدي حكاية عميقة في رأسي، أوسع من النص والشعر وبها شخوص وحبكة وتفاصيل لن يستوعبها أي شكل آخر غير الرواية، وماتزال لدي حكايات في رأسي أظنها تريد أن تتشكل روايات يوما ما، لا أعرف متي، ولذا أنا لم أتخل عن كتابة الرواية، ولكنني لا أدري متى سترى روايتي الجديدة الضوء.

-في زمن أطلق عليه "زمن الرواية".. ما هي مكانة الشعر في الوقت الراهن؟ ولم شهد تراجعًا برأيك في مواجهة الرواية؟
الشعر منذ البدء فن نخبوي، متعال ورفيع، وليس للعامة، وليس على الجميع فهمه وتذوقه، بل هو لتلك الأرواح الشاعرة، وللمتذوقين لرهافته، والمستشعرين للذته وجماله، وهنا أقصد النص العميق غير المنبري ولا الإعلامي الذي يريد توصيل فكرة ما، فحتى في العصور التي كان فيها الشعر "ديوان العرب"، كان هناك شعر للتأمل والالتذاذ والرقي الفكري خاص بالقلة المتذوقة، وهو الشعر الخالد، وبالطبع كان هناك أيضا شعر مدائحي للتكسب، وشعر إعلامي عام يقوم مقام أجهزة الإعلام اليوم، وهو الأكثر انتشارا والأقل قيمة، وهناك شعر غنائي للتسلية والترنم والترويح عن النفس في الخلوة في السفر وعلى ظهور الدواب.
 أما اليوم وقد وُجدت أجهزة الإعلام فالشعر تخلى عن فكرة الإبلاغ نحو روح البلاغة المحضة، كما أن المدائحية أضحت عارا معيبا على الشاعر الحقيقي، مع وجودها طبعا، والغناء أصبح فنا مستقلا له شعراؤه كلماته التي غالبا تأتي من الشعر الشعبي، أو من النصوص السهلة المكتوبة أصلا للغناء، فبالتالي فالشعري الراهن لم يعد يحتمل صفاقة الإبلاغ، وفكرة البث، ولم يعد يحفل بالتكسب، وناء بعيدا عن بساطة الغناء والترنم فأصبح بلاغيا فقط، ولكن المتلقي العام  لم يستلذ هذا النوع من الشعر الرفيع، ولم يستوعبه أو يتذوقه، ولذا ظل يبحث عن السهل والممكن من الكلام.
 إذن لم تتغير مكانة الشعر، ولكن دوره تغير من الإبلاغ إلى البلاغة، وبالتالي فلم يتراجع ولم يفقد مكانته، ولكنه فقد قاعدته الجماهيرية التي تخلت هي عنه، بعد أن تخلى هو عن تجسيد أحلامها وأفكارها ومعطياتها الهشة والجاهزة والمنبرية بالدفاع عن بعض أفكارها، أو ترديد أحلامها كأغنيات جمعية، فالتراجع كان للمتلقي وليس للشعر، وعاد الشعر ليكون نخبويا كما هي حقيقته وكما يليق به،
ولا ينبغي مقارنته بالحكاية، التي كانت منذ القدم ابنة الجماهير العامة باختلاف ألسنتهم وتجمعاتهم وظروفهم المعيشية، فهي قصص حيواتهم المحكية، ووسيلة تعليمهم، وترفيههم، ومسامراتهم، فهي تنبثق من حيواتهم، وتقوم على تفاصيلهم، وحكاياتهم. فهي تجسد الواقع مطعّما ببعض الكذب والمبالغة والخيال، فلا عجب لمكانتها الحالية التي ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الإنسان والطبيعة والفكرة والخوف والأساطير . لا ينبغي المقارنة بينهما لأن لكل منهما مجال وقراء وعشاق.

-ما رأيك في تصنيفات الأدب ومنها الأدب النسوي والاتهامات التي قد تلحق بالكثيرات من جراء كتابتهن عن عوالم المرأة؟
أولا: الكتابة في انبثاقها الجوهري والحقيقي تنطلق من الذات، وتعبر عن مشاكلها وقضاياها وإحساسها بما ومن حولها، ولذا فلا ضير ولا ضرر أن تكتب المرأة عن قضاياها، لأنها الأكثر إحساسا بها، واستشعارا لقهر المجتمع لها، فهذه لغتها وتلك حياتها. ولكن ليس علينا التعميم بحيث يكون كل ما تكتبه المرأة يدرج ضمن فكرة الأدب النسوي، بل هناك روايات كثيرة كتبتها نساء وأبطالها رجال، وفكرتها بعيدا تماما عن قضايا المرأة، فهذه لا تدخل من باب الأدب النسوي.
ثانيا :هناك تصنيفات عديدة للرواية أو العمل الأدبي؛ فهناك الرواية التاريخية، وهناك الرواية السياسية، والبوليسية، وغيرها من التصنيفات، فلم لا يكون هناك الرواية النسوية، إنها ليست وصمة بل هي تصنيف فكري حسب الموضوع الذي تطرحه الرواية، لذا نعم يمكننا أن نطلق فكرة الرواية النسوية على الروايات التي تهتم بقضية المرأة، وبمحاولة كشف الظلم أو القهر الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا أو في أي مجتمع آخر، أو حتى تكون بطلة الرواية امرأة لها فكر نسوي، تريد بثه لتحريك قضية المرأة باتجاه ما انطلاقا من مظلوميتها الاجتماعية والثقافية والإنسانية القديمة والتاريخية ربما، ولكن بالطبع التعميم هو مشكلة في عالمنا العربي، فليس كل ما تكتبه المرأة أدبا نسويا، بل أحيانا بعض مما يكتبه الرجل يمكن أن يدخل في تصنيف الأدب النسوي، وهكذا فالتقسيم ينبغي أن يكون للفكرة المعالجة، وليست لكاتب النص.

- ما الهواجس التي تحرك قلمك؟ وماذا تنتظرين من الكتابة؟ وما هو الدور الذي يتعين على الكتابة أن تقوم به؟
هذه ثلاثة اسئلة قوية، كل شيء يحرك قلمي، أعصاب الكاتب الحقيقي هو مثل سلك كهربائي سافر جاهز للاشتعال مع أي شرارة، ولذا فكل قضية إنسانية، وكل وجع داخلي، وكل هزيمة وجودية أو قومية، وكل قهر ووجع ودمع يحرك قلمي.
أما ما أنتظره فهو أن يكون لدينا قرّاء، قراء من كل طبقات المجتمع من سياسيين وإعلاميين وعلميين وفنانيين وكتاب، أنتظر أن يكون الكتاب أداة تغيير في مجتمعاتنا النائية عن الثقافة اللاهثة وراء المادة بشكل مخجل، أنتظر أن نرقي ونتغير ونتحرك للحقاق بركب العالم المتحضر الذي أصبح بيننا وبينه بون شاسع جدا بفعل القراءة.
ولذا على الكتابة أن تكون حقيقية وناقدة وعميقة، وليس بروازا أو تشريفا أو مجدا زائفا يسعى إليه البعض، أن تكون هي السلطة الأولى في تغيير الوعي، وفي محاكمة السلطات وفي تغيير الوضع الجمعي. فهذا دور الكتابة، وهذه مهمة الكاتب.

-هل لك طقوس معينة للكتابة تتطلب منك تقمص حالات وجدانية ما لتخرجينها على الورق؟
طقوس كلمة بروتوكولية نوعا ما، وبها هالة من الرسمنة الخارجية، يمكنني أن أقول أن لدي إملاءات داخلية أكثر منها طقوس، فلا يمكنني أن أكتب إلا حين تريد الكلمات أن تسقط على الورقة، وأن تتشكل عبر الكتابة لنص علي الامتثال التام لحضوره ولتدوينه في تلك اللحظة، وإلا غادر وظللت في تعب وإرهاق، خاصة في الشعر والنص.
وفي الحقيقية أنا لا أذهب إلى الكتابة بل هي التي تأتي إلي، تأمرني فأنصاع، لأتحصل على فرح داخلي، وخلاص حقيقي من كل شيء، الكتابة تحررني مني ومن اليومي البليد، ومن الداخل والخارج ومن كل شيء .بالطبع أن أفكر  كثيرا في الكتابة، فالكاتب مشغول أبدا بهواجسه وأحلامه وموضوعاته التي يريد أن يخطها الآن أو يوما ما، ولكن مع تلك الإملاءات الغيبية قد أكتب شيئا آخر تماما ما أن تحين لحظة التدوين، الكتابة ليس ترفا وليس شرفا، إنها معاناة حقيقية وإن كانت معاناة لذيذة ومدهشة، ولكنها تظل معاناة وحالة تحكّم قصوى وجذرية للتكون النصي حتى يتخلق بعد مخاض عسير.

-لك عدد من الكتابات النقدية.. ما الذي أضافته دراستك للنقد لتجربتك الإبداعية؟
لدي إصدار نقدي، وعدد من الدراسات والمقالات النقدية والفكرية، وهذا مجال دراستي وعملي ووعي، أما ما أضافته لي الكتابات النقدية فهو كثير، كالضبط والموضوعية والوعي الفني، ومحاكمة النص عبر أدوات فنية عميقة ومتجددة، فتتكوّن لديك القدرة على تقييم النصوص، والاستمتاع بتحليلها، وكشف مخبوءاتها، وبيان مفاصل جمالياتها وضعفها، وكل هذا يعمق لديك تجربة القراءة والوعي بالمقروء. ودقة الملاحظة، وعمق الرؤية، كما يجعلك دائما في حالة حرص على متابعة الجديد نصا ونقدا.
وكل هذا يصب في تجربتك الخاصة فيجعلك أكثر حرصا على نصك، وأكثر شجاعة في الحذف، ورصانة في التشكيل، ويسهم في التخلّص التدريجي من تحليقات الكاتب وتهويمات الكتابة، والحلمية المفرطة التي هي ميزة ولكنها سلاح ذو حدين. فالنقد يضيف الحكمة والاتزان للمشتغل به، عبر قراءة نتاجات الآخر العميقة ورؤيته السابرة، ومحاورته للنص، وبالتالي تتلافى لاحقا الكثير من الهنات والضعف فيما تكتبه، بحيث يكون لنصك تقييم ذاتي أكثر رصانة وموضوعية وقسوة أحيانا.

- وما تقييمك للمشهد النقدي في عمان؟
المشهد الإبداعي في عمان عريق وجزل، ومتنوع الإبداعات، ومتعدد المشارب والتوجهات، وهو حاليا مندفع بقوة الدماء الجديدة، والمحاولات المستمرة من أجيال متلاحقة تكتب جميعها في مشهد واحد، ولكن المشهد النقدي حديث وناشئ خاصة فيما يتعلق بالناقد العماني، ولذا ربما ما يزال أسير البدايات الجديدة بحكم التكوّن المتأخر، وقلة الأقلام المتخصصة، فهو يتحرك ببطء وخجل. ولذا ورغم تعاضد بعض الحراك الداخلي والخارجي لصناعة مشهد نقدي ما، ورغم بروز بعض الأصوات النقدية الشابة إلا أنه مازال يحتاج زمنا من المحاولات والدراسات والاشتغالات الجادة للنهوض والتبلور والتحقق، ليستطيع تقديم صورة نقدية فعلية توازي بشكل ما المشهد الإبداعي أو تستطيع اللحاق به لتقديمه وتقييمه.

-أخيرًا.. ما هي مشاريعك القادمة؟
المشاريع كثيرة، والكاتب مشغول أبدا بفكرة ما، أو مشروع ما، ولذا فلدي الكثير من المشاريع الناقصة، والكتابات غير المكتملة، والكتب شبه الجاهزة التي تطالبني بوضعها بين غلافين، شعرا وسردا ونقدا، ولدي القليل من الوقت، والكثير من المشاغل، والكثير من التريث، والكثير الكثير من الأفكار حول لا جدوى النشر، ولذا أتحرك أبدا بارتباك وثقل بين إغواء النشر، واللاجدوى منه، وسأذهب حتما مع إحداهما ذات لحظة جنون أو يأس.


الجمعة، 15 يوليو، 2016

انقلاب وانبلاج

الانقلاب الفاشل في تركيا الذي حدث ليلة15- 7-2016 والذي انتهى بعد ثلاث ساعات فقط، حيث وجه أردوغان رسالة عاجلة للشعب فخرج للشارع كان صفعة تركية حقيقية للعرب الذين ما فتئوا يعلّقون خيباتهم وأمراضهم على الشعوب الواعية.
صفعة للمتأسلمين، وللعسكر على حد سواء، لمصدري الإرهاب، وللمستعبدين. فلقد انتصرت الديمقراطية الحقيقية التي اختارها الشعب خيارا حقيقيا للحياة، وقال الشعب كلمته، أولا عبر صناديق الاقتراع ذات يوم، وها هو يؤكد عليها وعلى خياره الديمقراطي، بلا خضوع ولا رهبة ولا استسلام.
تركيا ليست العرب بإسلامها وجيشها وشعبها والانتصار الذي حدث في تركيا لم يكن للإسلام، ولا لأردوغان بل للديمقراطية، للشعب وللإنسان، للحرية والكرامة التي يختارها الشعب ويعي أسبابها تماما، والهزيمة ليست للجيش، بل للاستبداد والاستعباد أينما وجد وكيفما كان، للانقلابات الفئوية، والعنف تحت كل المسميات وبكل الأشكال ..  فمتى يفهم العرب هذا؟؟
متى يفهمون أن الإسلام ليس ضد التطور الطبيعي للأمم والقوانين والمؤسسات بل أسس لها، ولكن وللأسف الحالة الإسلاموية العربية بعيدة كل البعد عن هذا، لقد شوهنا الإسلام واحتجزناه في الموت والجزئيات الصغيرة والاختلافات الطائفية، وابتعدنا عن جوهره العظيم ورسالته الكبرى.. لقد أصبحنا أمة شعارات وشكليات. وهنا علينا أن نتذكر (وتلك الهتافات والتكبيرات الساذجة التي صدحت من حناجر العرب في كل مكان) أن أردوغان وحزب العدالة وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع وليس عبر خطب المساجد. وشرعيته جاءت من الشعب واستمراره عائد إليه، وأنه حاكم عصري وليس حاكم شرعي. وأن الشعوب الواعية هي من تقرر بوعي ومسئولية وحرية مهما كان المنتخب، وتتحمل نتيجة ذلك، لأنها تدرك أن من يأتي عن طريق الصناديق ما يلبث أن يغادر.  وعي الشعوب وحريتها هما سبيل الخلاص من الاستعباد والإرهاب معا، ونحن نفتقدهما للأسف.
فالمجد للشعوب الواعية، وللحرية التي ليس لها دين أو عرق أو لون. أما نحن فلنتفرج ونمصمص شفاهنا كل حدث إرهابي، ولننقسم بين من يقول (هذا لا يمثل الإسلام)! وبين من يقول (كفار يستحقون الموت)! قبل أن يعد لنا التاريخ متحفا كبيرا أو حتى حاوية فارغة، أو يأخذ الله بيدنا بمعجزة من عنده;  لعلها تكون بجيل جديد تماما !

السبت، 2 يوليو، 2016

رسل الأمل

القدس العربي

فاطمة الشيدي




في البدء قد يتساءل البعض هل من الجائز لنا الحديث عن الأمل، أو عمّن يصنع الأمل، في هذا الوقت بالذات؟ زمن انعدام الثقة في الفكر والثقافة، والحكومات والإنسان، زمن الموت المجاني، والإعلام الرديء، والقبح المنتشر، والعنجهية المرضيّة، زمن صناعة العنف من كل حدب وصوب؛ من البيت حيث يتخذ بعض الآباء العنف وسيلة للتربية، وقد بتنا نسمع اليوم عن قتل بعض الآباء لأطفالهم، وفي المدرسة حيث الكثير من المربين للأسف يحتاجون لدروس في التربية سلفا؟ حتى المسجد الذي يعلو فيه صوت رجال الدين بالويل والثبور وقليلا ما يذكرون الرحمة والمغفرة، فوسائل الإعلام التقليدية والرقمية التي باتت تنعق بالخراب والموت في كل لحظة، فتنقل لنا أبشع الجرائم بدم بارد، ولذا فلا عجب أن تتكاثر جرائم القتل والاعتداء في كل مكان، لأن البشر اعتادوا العنف والقتل والموت، وأصبح مألوفا ولكأنه الحال الطبيعي، حتى ليتساءل المرء برعب وحرقة عن الغد، وعن مستقبل الأطفال بعد ذاكرة البشاعة الموت التي عاشوا فيها في هذا العصر.
هل يحق لنا الحديث عن الأمل الذي أصبح غصة في الروح، وحرقة في النفس، وأصبح الحديث عنه بابا من الهرطقة أو المجاز؟ الأمل الذي يساوي الوعي الحقيقي بالوجود وبالإنسان. وهذا مما ليس جوهريا في محيط الإنسان العربي المشغول بالمظاهر والقشور في كل شيء من الدين حتى السياسة وبينهما الحياة التي يعيشها الإنسان خارج أدنى مستويات التفكير؟ وليس أدل على ذلك من تعاطي معظم الناس مع شهر رمضان المبارك، ومفهومهم الناقص حول العبادة، ففي بداية الشهر كتبت في صفحتي على فيسبوك أن القراءة حياة، خاصة في رمضان مع الوقت الفائض، ولفتني تعليق أحدهم «طبعا قراءة القرآن». كنت أريد أن أقول له، بل وقراءة الكتب أيضا، كل الكتب المتاحة، فرمضان شهر العبادة، والعبادة هي الإحسان، الإحسان للذات بمنحها اتساعا رؤيويا، ووعيا إنسانيا، باستغلال الوقت فيما يفيدها، وللإنسان بمبادرات آخرها الطعام، الذي لن تجد مبادرات للخير في رمضان خارجه، كالخيم الرمضانية المنتشرة في كل مكان. فرمضان بالنسبة للكثيرين شهر طعام تفيض به البيوت، وحاويات القمامة لاحقا، في مخالفة تامة لهدف الصيام، وفي تناسٍ تام للجياع حول العالم ممن تطحنهم الحروب أو المجاعات. كنت أريد أن أقول له، أن المبادرات النافعة الأولى في رمضان هي ندوات القراءة، ومسابقات الرياضة، والتوعية في كل مجالات الحياة لاستغلال أوقات رمضان الفائضة بالمفيد والممتع معا والمتقبل من الله، الله الذي في كل وقت، وفي كل مكان، الله الذي حصروا التقرب إليه بالأدعية والابتهالات التي تصبح «موضة» وسائل التواصل كل رمضان. كنت أريد أن أقول له كما قال كزنتزاكيس: «لا يجدي البحث عن الله في بيوت العبادة، وقد أضعناه في قلوبنا». ولكني صمتّ، لأن الكثير من الحوارات مع وعي مغلق باتجاه فكرة جاهزة ليست أكثر من جدل عقيم.
ولكن مع كل هذا نعم، يمكننا الحديث عن الأمل، بل يجب الحديث عنه، لأنه الرصيد الوحيد المتبقي لنا، والضوء البعيد في آخر النفق، الذي علينا أن نؤمن به ونتبعه، فصناعة الأمل في عالمنا العربي تمثل اليوم التحدي الحقيقي للإنسان على المستوى الفردي قبل الجمعي لصناعة التغيير الممكن، إنه الانتصار للخير على الشر، وللجمال على القبح، وللين على العنف، وللحب على الكراهية، وللتواضع على الكبر، وللعطاء على المنع، وللإنسان على كل شيء.
الأمل الذي يمدنا بالطاقة على الاستمرار، وبالثقة في أن هناك دائما من يصنع الأمل في كل زمان ومكان، أولئك الذين يبذرون الخير بصمت وهدوء، ومثابرة، كالأمهات والآباء الذين يجعلون أعمارهم شموعا لأطفالهم لخلق جيل جديد أجمل، والمربين المؤمنين بالتغيير عبر طلابهم، والمثقف الذي لا يكل ولا يمل من الدعوة للتغيير مهما كان الثمن غاليا، والشعراء الذي يدفئون حياتنا بحطب القصائد المفعمة بالحب والأمل، والمفكرين الذين يفككون الفكرة ويحاورونها بمنطق لندرك قيمتها سلبا أو إيجابا، والكتاب والإعلاميين المؤمنين بقيمة الكلمة في التغيير، والعمال الذين يجمّلون حياتنا بما يؤثثون به تفاصيلنا اليومية في الظل بلا رغبة في الظهور. كل واحد من هؤلاء هو رسول للأمل، وسيجد المؤمنين برسالته يوما ما، وسيكثرون ويتكاثرون ليكون التغيير الجوهري الذي ننتظره هو الحصاد، وليصبح كل فرد منا رسولا للأمل في محيطه بطريقته وأدواته وقدراته.
وإذ كان هناك من شاهد حقيقي، ومثال لرسل الأمل، فهو أحمد الشقيري، الشاب الذي قرر أن يحمل رسالة الأمل، ويبلغها بكل مصداقية وإصرار للعالم العربي أجمع بلا تفرقة أو تمييز، ليقول لنا ببساطة أنه يمكنك البدء من أي نقطة في الزمان والمكان والعمر والقوة، وبأية إمكانات متاحة مهما كانت بساطتها لتذهب نحو صناعة التغيير وخدمة الكون والإنسان.
إنه ليس خارقا ولا سياسيا، ولا ثريا، ولا ثوريا، هو فقط مؤمن بالأمل، لم يضع يده في جيبه ليتفرج، أو يدفن رأسه في التراب، أو يتذمر في مكانه مثل أغلبنا، بل انطلق بخفة طائر نحو التغيير، محمّلا بإيمان راسخ برب الإحسان والبر والخير والجمال، وبالإنسان الذي مهما كثر تخريبه في الكون إلا أنه هو خليفة الله الذي عمّر الأرض، ولذا ما فتئ يقدّم الحلول، ويخترع أسباب التغيير، ويفعّل دور الشباب بثبات وبمسؤولية إنسانية، بل وبعصرنة رائعة تناسب سرعة العصر وسرعة إنسانه وكائناته الرقمية الجديدة التي لم يعد يناسبها الوعظ والتلقين، والهتاف والصراخ من المنابر. وعبر سنوات طويلة وبلا كلل ولا ملل يأتي الشقيري (المسلم الحقيقي) كل رمضان ليقدّم لنا صورة ناصعة للإسلام ولحقيقته العميقة وليست الشكلانية القشرية التي تتشبث بها الأغلبية مهملين الجوهري والراسخ منه، وصورة للمسلم الحقيقي بقيمه ووعيه ونبله، يأتي عبر برنامج توعوي رفيع الهدف والغاية ليطرق كل موضوعات حياتنا وتعقيداتها، بوسائل جديدة ومبتكرة كل عام، لتنشيط إنسانيتنا، وتنبيه غفلتنا، وتذكير نسياننا بدورنا في هذه الحياة، بالتغيير الواجب علينا عبر الخير والإحسان وبأقل ما يمكننا من جهد لنليق بإنسانيتنا، وبغاية وجودنا على هذه الأرض. وهو بذلك يعيد القليل من الهدوء والثبات لاهتزاز العالم حولنا، ويعدّل قليلا الصورة المتداعية أمامنا، ويرتق الشرخ الذي يكبر داخلنا كل يوم بالقليل من الصبر والأمل.
أما الوسيلة الأبلغ والأنجع والأوسع لتبليغ رسائل الأمل (في مجتمع لا يقرأ، بل وتعد الأمية أكبر داء يحد من حركته ونهوضه) فهي الإعلام الهادف، إذ يشكل هذا الإعلام القيمة الأكثر إلحاحا وضرورة للإنسان العربي أمام التحديات الكونية الداخلية والخارجية، فهو يضع إصبعه على الجرح، ويستشعر الألم، ويحلّل الجاهز، ويخلخل الجامد، ويغير السائد، ويجدد الآسن، ويفسّر الداء، ويقترح الدواء. وبذلك يحدث التغيير عبر أحدث الوسائل العصرية السهلة والجاذبة والصادقة. وبذلك يربي ويعلّم بهدوء ويسر بعيدا عن الثغاء والنهيق المنتشر، والاستعراضات البهلوانية، والجعجعة التي لا تخلف طحنا.
إن برامج مثل «قمرة»، و«مدارك»، و«الصدمة» هي ما نحتاج إليه، إنها تمثل الإعلام الرصين الذي يحفّز الهمم، ويبحث عن القدرات الكامنة فيستنهضها، وعن الطاقات الخاملة فيشجعها، وعن المشكل من المسائل فيحللها ويحلحلها. إنه الذي نحتاج إليه، ويجب صناعته وتقديمه بكل الوسائل الممكنة والقنوات المتاحة سواء التقليدية أو الرقمية، فهو الإعلام الذي يربّي الأمل.
أخيرا..»ألست طوباويا لتقول: لابد للشر أن يرضخ في الأخير إلى قوة الخير المطلقة والبطيئة والأكيدة؟ لو لم يكن هذا القانون الغريب هو الذي يقود مصير الانسانية لانهزمت الروح أمام المادة واختنقت الحرية والسلام بالخوف الأكبر».. هكذا قال كزنتزاكيس، في مناجيات الكاتبة العراقية لطفيّة الدليمي له، التي هو وهي من رسل الأمل.
كاتبة عُمانية

الخميس، 23 يونيو، 2016

سيدة الحلوى

فاطمة الشيدي
23-6-2016

المرأة الماهرة في الطبخ، التي تصنع كل أنواع الحلويات بشكل أفضل من كل المخابز، ومحلات الحلويات في البلد، وتتفنن في الألوان والأشكال والروائح.
حلويات بنية، وحلويات بيضاء ووردية، وحلويات زرقاء وحمراء، حلويات كبيرة ومتوسطة وصغيرة. حلويات مستديرة، وحلويات مربعة ومستطيلة، حلويات بالشكولاتة، وحلويات بالمكسرات أو بالقشطة والجبن.
حلويات غربيّة وأخرى شرقية، حلويات عربية وحلويات محلية، حلويات لذيذة ولذيذة ولذيذة.
كل من تذوق حلوياتها يأخذه الطعم نحو أعالى المتعة، يشهق يالله! لا أحلى و...لا ألذ. كل من ذاق الطعم أغراه بالتكرار، بل والمجازفة مرات ومرات، إذ كانت كل محاولة تعمّق الطعم، وتكثف طراوة اللذة، وتكشف عمق الإبداع الذي لا يتكرر في تلك الأصابع المدهشة الصنعة.
ولذا يظل الجميع يطلب المزيد والمزيد خاصة في رمضان شهر الحلويات، الجميع يقبل عليها، ويزور مائدتها، وينتظر طبق الحلوى الذي يطرق الأبواب قبل الأذان كل يوم كموعد لا يخلفه، وكصدقة دائمة ومرغوبة من الأغنياء قبل الفقراء، ومن الأهل قبل الجيران، ومن المقيمين قبل العابربن.
وكم تمنى الجميع أن تفتح محلا خاصا بها كي يتجنبوا حرج اللامقابل الذي يأتيهم به الحلوى غالبا، هي التي رفضت كل العروض المغرية لصناعة الحلوى لبعض المخابز المعروفة، والفنادق المشهورة بمقابل مجزٍ، وهي تردد : "لالا ..أنا فقط أصنع الحلوى لمن أحب، وخاصة في شهر الخير، وأستمتع بكل قطعة أصنعها، ولذا أريد أن أشعر بهم وهم يتذوقوه. إنها هدايا للأحباب والأصحاب فقط.
الجميع يستمتع بالحلوى النادرة التي تعدها ببراعة خاصة من الأقرباء والغرباء، والصغار والكبار، والجيران والأبناء، ويطلب المزيد بشراهة ولذة. أما هي فتتأكد جيدا أنها أخذت إبرة الأنسولين قبل أن تتذوق طعم الخلطة بطرف سبابتها فقط قبل أن تدخلها الفرن.

الاثنين، 20 يونيو، 2016

سور الحنين



فاطمة الشيدي
20-6 -2016
15 رمضان

تغير كل شيء فيها تقريبا،  ألوان  الثياب،  وشحوب الوجوه، وبحة الأصوات، وضحكات المارة، وهمسات العشاق، وخشخشة وريقات الشجر تحت الأقدام، وضجيج الشوارع، ونداءات الصيادين، وباعة الفجل وليلام الملابس القادم من مدن أكثر مدنية، ورنين الأساور في أيد يرهقها الصمت وتلتذ بالحنّاء والذهب،  ورائحة (النخي والفراخ وقرن السبال:  الحمص والفشار والفول السوداني)  الذي يوزع في (الطوق طوق:  القرنقشوه) بعد صلاة العشاء.
تغيرت تعرجات الدروب، ورائحة البهارات المنبعثة من دكان (الحاج حمد)  ومداخل القلوب، ومخارج الأحلام، وسحنات الأطفال الذين كانوا يتعثرون في الأثواب الطويلة والحكايات المالحة، ويكركرون خلف الجدران المتقشّرة بفعل الملوحة، ويذرعون الشوارع المتربة رفقة الفرح والعبث والجهل النبيل.
كل شيء تغير في البلدة العجوز الدافئة بحاراتها الضيقة، ومداخلها المستديرة على نفسها كأم أرهقها حملها المتكرر، فكانت تحوقل كلما باغتها طفل شقي من خلفها، أو تذكرت ما ينقص بيتها من شئون، أو وكز صبي عابر بخفته صيادا عجوزا أرهقته حسابات ديون أهل البلدة الذين لا يملكون ثمن السمك الطازج الذي يأتي من البحر مباشرة، أو لوّح لها تاجر لئيم بدين قديم، أو ودّعت مسافر قد لا يعود.
كل شيء تغير في البلدة التي كانت تفتقد كل شيء، إلا الحب والفرح، فقد كانت تحب أهلها، وتصنع الأفراح بشقاوة طفلة ولهفة عائد مشتاق، كانت تحتفل كثيرا في (عق المناخل، والقرنقشوه والعيود والأعراس والختان ودخول محرم ) وغيرها من مناسبات تتناسل كل يوم عبر تعدد الثقافات الدينية بمذاهب ثلاثة متداخلة،  والعرقية، ومناسبات عديدة بلا مناسبة  يختلقها البشر ليحيون بفرح وحب.
تغيرت كثيرا، تغيرت البيوت فصارت أكبر، وتغير البشر  فصارت القلوب أضيق، ذهب من ذهب، وغادر من غادر، كبر الصغار، وصاروا أكثر بهاء ونضرة ، ومات الكبار أو أقعدهم المرض، وصاروا أكثر خفوتا وعبرة.  أصبح  كل شيء مصنوعا، ومتكلّفا، وقد كان بسيطا وهشا ومرحا وعذبا وطازجا من الطعام حتى الضحكات والدموع والأحلام، كل شيء تغيّر في البلدة العجوز إلا أنها مازالت تحب أهلها من مختلف الطوائف والمذاهب والثقافات والأعراق، ومازالت تحتفظ بضحكة عجوز ترن في قلب طفلة كلما غازلها البحر،  ومازالت تحب الفرح وتقدّم لأطفالها الهدايا كل مناسبة. وتزدحم شوارعها بالمرح والضحكات في القرنقشوه وسائر المناسبات والأعياد.

شيء كأنه الذكرى

فاطمة الشيدي
20-6-2016


ليس على الزمن أن يتوقف، بل عليه أن يسير بخفة لتعبر السنوات المرحة على ظهره المحدودب بخطواتها الراقصة في متواليات الدهشة والحب، وكأن لاشيء يحدث أبدا، أو لكأن كل شئ يحدث دائما، أو يحدث مرة واحدة، منذ الزمن البعيد وحتى الأبد، لأن ما حدث كان لابد أن يحدث في مكانه وزمانه.
وليس على الأمكنة أن تغير خرائطها الراعفة في القلب بل عليها أن تترك على جذع غافة قديمة حرفين متجاورين، وقلب يخترقه سهم ساذج، كتعب...ير بسيط وصادق عن الحب الذي يحدث عبر كل الزمان والمكان، وكل الوعي بتلك البساطة ذاتها، بلا تنظيرات ولا أساطير ولا كيوبيد ولا أغنيات ولا أفلام بل(قلب وسهم وجذع شجرة طيبة).
وليس على الحلم أن يتكوّر خارج رحم الشغف ليتخذ أشكالا أخرى، أو مسميات شتى، مستنجدا بالكلمات وربها وأربابها، بل عليه أن يتجلى بعفوية ورعونة وعبث للقلوب الطيبة والصادقة والتي تبحث عن وطن كالسماء لتتصير له نجمة أو فراشة أو زهرة، وحينها وفي كل ذكرى تصبح الكلمات حامضة أو عاجزة بلا معنى، بينما يتجلى الحب في أبسط صوره كضحكة من القلب، أو وردة تبذل نفسها في العشق تماما ( ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،, في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ) ويظل الشغف نيئا أبدا .
20-6
وردة: قلبي سعيد ♪♪️💙💙
https://youtu.be/h5RhhHVzSSg



السبت، 4 يونيو، 2016

ذاكرة المحو

فاطمة الشيدي
القدس العربي
4-6-201


لم يكن الخلل الذي أصاب حاسوبي إلا بداية الرعب الذي داخلني حول فكرة غياب كل ما كتبت دفعة واحدة، وبداية التفكير في فكرة المحو المتعددة الأوجه، وتداعياتها الكثيرة التي يعيشها الكائن في هذا العصر عبر الحياة الطبيعية أو الكونية الرقمية التي يعيش الجميع تقريبا ضمنها بوعي أو لا وعي، حيث ينفتح العالم بين أيدينا، وتنفجر المعلومات في وجوهنا حتى لا نكاد نستطيع اللحاق بها، أو السيطرة عليها، بل وقد تسيطر علينا هي بكامل إرادتنا.
إنها الكونية الرقمية القائمة على المحو سلفا، والتي أصبح الكائن الهش يعيش عبرها الحياة كل لحظة دون أن ينتبه لذلك أو حتى يحفل به. غياب الوعي المخدّر من جهات عدة، غياب الوقت الذي لم يعد يحسب له حسابا أمام تداعيات الحالة، وشغف مواقع التواصل الاجتماعي الذي تمكّن من الكثيرين منا، غياب القيم الكبرى تدريجيا، غياب الحس الجمالي بالتذوق الرفيع للنص والفن والموسيقى، غياب الخصوصية حيث يكتب الأغلبية تقريبا على الملأ مباشرة. وغياب الحرية حيث يكتب البعض نصه تحت وصاية الرقيب تماما، الرقيب الداخلي الذي تربى بقسوة وخوف ضمن معطيات ضمنية كثيرة، أو الرقيب الخارجي الذي يحضر كتابة النص والكاتب يدرك أو لا يدرك سلطة وجوده، بل وقد يضع تحت كلمةٍ ما (قد لا يقصد الكاتب المضمون الذي ذهب إليه) خطا أحمر، فـهو أي الرقيب معه وبين يديه، يقرأ ما يكتبه ليكتب عنه لاحقا، ليضعه ضمن فكرة المحو والغياب في أي لحظة.
لقد  أغرت الكونية الرقمية الجميع، وأفرزت حالات كثيرة بين سلبية وإيجابية، وكلها غالبا مؤقتة، وحاضرة ضمن فكرة الغياب، ما لم تتأصل بوعي ومسؤولية، ومنهم الحالمون بفكرة التغيير الطوباوية، الذين ما فتئوا يرفعون أصواتهم عاليا في وجه الفساد والظلم والقهر، حَمَلة شعلة التنوير الذين نالهم من المحو والخطر الكثير في مقابل فكرة التغيير المحدودة التي ينادون بها أمام جماهير نفعية غالبا أو مسيّسة أو مندفعة بقوة الجهل والتعتيم، فتأتي الثمرة دون التغيير المنشود، ليقول لهم لسان حال الكونية بفصاحة «على من تقرأ زبورك يا داؤود». فتظل فكرة التغيير حائرة بين المثقف المؤمن بالفكرة، والآخر في عتمته التي يدافع عنها بشراسة.
كما أفرزت الكائنات، المتربصة بصفة شخصية أو بصفة وظيفية، ذلك الذي يقبع في صفحتك في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب تنفسك، وأصابعك، وحزنك وغضبك، ملتحفا بأقنعة شتى كهدهد ينتظر أن يأتي إلى سليمانه بخبر يقين، سواء كان هذا السليمان ينتظر هذا الخبر أو لا، وبنظير مادي أو بفخر مكتشف جبان، ليحمّلك وزر الكلمة أكثر مما تطيق، أو تطيق أنت، ليضعك في قيد أوسع من سأم، وأضيق من ضمير الكلمة، في حين تمهد له أنت هذه الطريق، وتهب له صوتك وصورك ويومياتك بسذاجة إنسان يلتذ بالمقابل البسيط، وهو فكرة الصداقة الكونية وعربونها «اللايك» أو «التعليق» الذي يرضي غرور الكائن الاجتماعي بطبعه كما يرى ابن خلدون. الهدهد الذي قد يكون صديقك أو زميلك أو طالبا من طلابك، أو مثقفا كبيرا، أو كاتبا يثير الحنق وهو يتلوّن كحرباء قديمة، ويقفز فوق المعطيات ليحقق لذاته مجدا زائفا، ومكتسبات بالية بلغة مهترئة ووعي زائف.
كما أغرت الكثير من البشر بالصفات والأسماء، فهذا شاعر الشعراء، وهذا حكيم عصره، وهذا المثقف الجهبذ، وكلها مما يبعث القرف، ويثير الغثيان أمام كشف عورات المجتمعات العربية التي لم تعد كل شجر التوت قادرة على إخفائها. كما يضعها على المحك الواضح ضمن فكرة الغياب والمحو الحادث يوما لا محالة، والتي عليك أن تختارها بين محو علني وحضور ضمني جارح وحقيقي وعميق. فالحقيقة أسطع من كل هذه الظواهر النيئة، ومن كل هذه الأضواء المؤقتة، فللحقيقة جذورها الممتدة، وللوعي جباله الراسخة التي تقنع التاريخ وغرباله العتيد بالمكوث في الأرض، ونفي الزبد. ولذا فكل الراسخ من القول والعمل والأسماء في سجلاته الخالدة كان لأصحاب المواقف وللمؤمنين بالأفكار والمنافحين عنها، في حين كان السقوط والإهمال للمتصيدين وللصائدين في المياه العكرة.
لقد أرهقنا هذا المحو الكوني الحاصل اليوم بلا مبرر، وهذه الحيوات المحمّلة بالضجيج والرعب، حتى كدنا ننسى كل شيء، وقد كنا حتى الأمس القريب في براءة الحضور، وجمال الأمل، وروعة السكون الذي يأتي مشفوعا بالتأني، والوقت الفائض، والبطء النبيل، والحس الجمالي، والرؤية المتعمّقة، والخصوصية الفكرية، والحرية الذاتية حيث نكتب أفكارنا وننقحها، قبل أن نطلقها للنشر. كنا نهتم بالتدوين والحفظ، والآن يعتني بنا المحو، كانت صورنا قليلة ومضمّنة ألبومات مرتبة، ونصوصنا نادرة وثمينة وبعيدة عن الأعين حتى تصلح للنشر، ووعينا رصين وحكمنا متأن. أما اليوم فليس للبعض منا الوقت الكافي حتى ليصحح الأخطاء الإملائية أو النحوية أحيانا، فالجميع يكتب مباشرة، يكتب كثيرا، يكتب كل ما يخطر على باله، يكتب كما يتكلم، وكما يفكر أحيانا، بل وقد يجمع البعض هذه الترهات لاحقا لتصبح كتبا.
إننا بحاجة اليوم لإعادة النظر في قيمة الحيوات الرقمية؛ مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، وفي طريقة تعاملنا معها بهدوء وروية ووعي ومسؤولية، لننتج عبرها وعيا جوهريا، وتغييرا جذريا يجلي قيمة الحياة والثقافة والإنسان. فثقافة الإنسان هي بوصلة التغيير الحقيقي الناضج والمسؤول، وعليها أن تكون واضحة ودقيقة، فالثقافة لا تعني التعليم بالضرورة، فنحن ندرك اليوم أن هناك الكثير من المدارس والمعاهد والجامعات التي تخرج أفواجا من حملة الشهادات، ولكننا نعرف جيدا أيضا أن هذا لا يعني خلق مثقف واحد، بل ولا يسهم في صناعة وعي جاد، أو بلورة ثقافة مستنيرة. فالثقافة هي ما يرقى بروح الكائن عبر القراءة والفن العميق والجارح، وعبر النقد الدقيق والواعي للفكرة والحياة والإنسان، النقد غير المتعالي أو الوقح. فهناك الكثير من الانتفاخات في مجتمعاتنا المريضة، والتي لم تسهم سوى في توسيع الفجوة بين المثقف ورجل الشارع، الأخير الذي قد يكون سبق الأول في مضمار الحياة الحقيقية، وفي قيمة العمل الذي يقدمه، في حين ظل (المثقف؟) يدبّج لنا معلقاته على مواقع التواصل التي لن تسهم في تقدّم المجتمعات إلا بمقدار ما يتم عبرها من تغيير وهذا نادر الحدوث للأسف، خاصة ما يتعلق بالنضج الكافي والوعي الجمعي، ولذلك عليه تغيير أدواته دائما، وقراءة معطيات الوعي الجمعي لإحداث التغيير المطلوب، بلا عنتريات وبلا أبراج عاجية.
إننا اليوم بحاجة لتعميق قيمة العمل، ونشر ثقافة الإخلاص كلٌّ في مجاله، ودور المثقف دائما هو ترسيخ مثل هذه القيم والأفكار التي ترقى بالمجتمعات والإنسان عبر الكتابة الجادة، وعبر إضاءة مناطق العتمة بالجمال والوعي وتشجيع القراءة، وإعادة قراءة التاريخ وتحليل الحاضر لصناعة الفرد الناضج أولا، الفرد الذي هو أساس المجتمعات المتحضّرة والذاهبة في التغيير. علينا أن نعمل بهدوء وروية لنحاصر المحو الذي يحكم حلقاته على حيواتنا، ولنصنع الذاكرة الجديدة، الذاكرة العصية على المحو بمقتنياتها الأصيلة، وجوهرها النبيل، التي هي نتاجات المرحلة الدقيقة التي يمر بها وجودنا الإنساني في الزمان والمكان بكل ارتباكاتها وأحلامها.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 31 مايو، 2016

أفلام مايو 2016


فاطمة الشيدي

31- 5 -2016


 GO WITH ME
31- 5

الفيلم الذي يعالج قصة بسيطة  وهي وصول فتاة (ليليان :  جوليا ستايلز  ) لبلدة كانت تعيش فيها مع والدتها، لتعيش في بيتها القديم بعد أن ماتت أمها، وخسرت هي حبيبها الذي أخذ منها كل مدخراتها، لتقرر السكن والعمل في بلدتها الأولى، ولكن رجلا شريرا يعترضها ويحاول الاعتداء عليها بكل السبل، فتقرر أن تشكيه للشرطة (الشريف) الذي يخبرها أن القانون غير قادر على حمايتها منه، وأن عليها الرحيل عن البلدة أو اللجوء  لشخص آخر ليحميها منه، لتدرك أن الرجل الشرير (بلاك واي ) هذا أكبر مما تظن فهو يتحكم في البلدة بشروره وبيعه للمخدرات والدعارة وقهر البشر بلا مانع من قانون أو قوة أخرى، بعد أن كان مساعدا للشريف ذات يوم.
يقرر الرجل العجوز (ليستر : أنتوني هوبكنز) الذي فقد ابنته منتحرة، وهجرته امرأته مع طبيب أسنان، بمرافقة شاب معاق (نايت)  مساعدة الفتاة للتخلص من ذلك المجرم، وتخليص البلدة من شروره التي لم يسلم منها أحد، ويتم لهم ذلك، بعد مغامرة طويلة للبحث عنه، وتقصي أمكنته المشبوهة، وأنشطته الخارجة على كل القوانين.  وبعد صراع مرير معه.
رسالة الفيلم الضمنية تقول أن لكل قوة نهاية مهما استفحلت في الشر والظلم والقهر، بل لعلها تكون على يد أقل وأضعف الكائنات  (امرأة، ومعاق ومسن)، وكما ذكر هوبكنز ، الحياة مليئة بالشر والموت والقهر والظلم ويمكن للإنسان أن يخفض رأسه ويعبرها، ولكنه في بعض الأحيان يجد القوة ليرفع رأسه  ويغير الوضع ببسالة وقوة.
الفيلم من إخراج دانيال ألفريدسون.

2.

MONYY MONSTER
26- 5
الرأسمالية "الحقيرة" تمد أذرعها الأخطبوطية لأحلام البسطاء لتقضي عليهم تماما، يالله كم مسكين "كايل" الذي خسر كل ماله في البورصة بعد أن باع بيت والدته ليقامر بـ 60 ألف دولار دفعة واحدة، هي كل ما لديه، ليعيش مع حبيبته وطفله القادم كما يحلم، ولكن الأحلام محرمة على البسطاء في دنيا القذارة الإنسانية التي لها حسابات لا يدخل فيها البعد الإنساني أو الأخلاقي. والتي تديرها ماكينة الإعلام الأحقر القائمة على مبدأ الربح مقابل كل شيء، فهي لا تعترف بأحلام البسطاء، وأوجاعهم والعمر الذي يبعثره الفقر هباء منثورا، ولاحقا يقضي السفلة على فكرة الحلم قبل أن تتحقق، ويقوضون الأمل حتى لا يبقى سوى اليأس.  الذي دفع الشاب البسيط لاختراق مبنى القناة التي روّجت لتلك الشركة المالية الكبيرة، وأقنع المذيع الوسيم " جورج كلوني" البسطاء للاستثمار فيها لأنها تتصاعد في أرباحها  فلا تخسر أبدا.
الشاب الذي يقرر أن يحقق العدل الكبير بنفسه وبأدواته البسيطة عبر خدعة كبيرة حيث يدخل إلى الأستوديو ليقنع الجميع بأنه إرهابي ويحمل أحزمة ناسفة، قاصدا المذيع، ورئيس الشركة الذي هرب من المواجهة، مبررا الخسارة بأنها شائبة أصابت أجهزة الحاسوب، وهي ما كانت سوى خدعه منه، بعد أن تلاعب بالنظام للحصول على 800 مليون ليدفعها لإضراب عمال مناجمه في جنوب أفريقيا، الرأسمالي الكبير المحمي بالقانون يدرك عمق الرأسمالية وقوتها وتحكمها في مصائر الإنسان، ولذا يصر حتى آخر لحظة  أنه لم يخترق القانون ولم يرتكب خطأ، لينجو بفعلته بينما يفقد الشاب حياته على يد رجال الشرطة ممثلي القانون. رغم محاولة مخرجة البرنامج (جوليا روبرتس)  وطاقمها بما فيهم المذيع لي غيتس، مساعدته، إلا أن النهاية حتمية لمن أراد الخروج على قانون الغابة الكونية القائمة على القوة والمصلحة. 
ليقول لنا الفيلم ببساطة أننا في عالم وحوش الرأسمالية البغيضة بمخالبهم النتنة وفسادهم الكبير، أولئك الذين لا يقيمون حسابات حقيقية للإنسان إلا بوصفه مستهلكا وأداة لتعزيز أرصدتهم البنكية، وأن العدل لا معنى ولا مصداقية له في هذا العالم القائم على الطبقية والاستغلال والنهش في لحوم البسطاء، وأن القانون خلق ليحمي الأقوياء فقط، أو  ليخترق بأسماء مستعارة للقوة، وليسحق الضعفاء تحت عجلته القاتلة إن تمردوا على دورهم الاستهلاكي ومد الكبار بما يعزز قوتهم ويوسع ممتلكاتهم، ويسعف أحلامهم الجشعة التي لا تنتهي.
سيشعر كل ذي حس إنساني في هذا الفيلم بالحزن بعد أن يشعر أنه متعاطف وربما منتم، أو متوحد تماما مع هذا الشاب الذي لم يعد لديه ما يخسره، بعد أن سرقوا أحلامه دفعة واحدة، كما سرق الفقر حياته بالتقسيط قبل ذلك. وحين يسقط على الأرض ميتا تسقط معه كل قيم العدالة والإنسانية والقانون، ويعلن الفيلم الواقعي انتصار القوة، وسحق الرأسمالية المدعومة بالقانون للإنسان البسيط بأحلامه وأوهامه التي يظنها مشروعة لتصبح طريقا ممهدا لنهايته دون أن ينتبه أحد، بل يعود الجميع (كما انتهى الفيلم كسخرية قاتمة) من حيث بدأوا عبر مواصلة أعمالهم الطبيعية، وتأدية أدوارهم العادية في الحياة، فالحياة لا تنتبه للبسطاء وهم فيها أو حين يخرجون منها.


1. هيبتا
19- 5

الحب وهج الروح الذي تتجلى عبره، شرارة الخلق، حادثة الكون الأعظم، حكايات البشر، نصوص الشعراء، فلسفة الوعي واللاوعي، السعادة والشقاء معا، الآخر الذي يسكن أرواحنا، ثمرة القلب، .ووعاء العقل، معيار الوجود الإنساني. 
كان هذا هو موضوع فيلم هيبتا الفيلم المصري الذي شاهدت منشوراته على جسر 6أكتوبر، عبر الطريق من القاهرة حتى الاسكندرية والعكس، شعرت أن مصر كلها تشاهد هذا الفيلم، ذهب عقلي مباشرة نحو هيبيتيا أول فيلسوفة في التاريخ وهي العالمة الاسكندرانية، فكنت أريد أن أشاهد الفيلم بقوة . 
وحين عرض الفيلم في عُمان هرعت لمشاهدته، كان يتحدث ببساطة عن الحب وكان الاسم الفخ هو رقم سبعة، أو ايبتا باليوناني، كان البرفسور الذي يقدم محاضرة عامة يتحدث عن مراحل الحب السبعة عبر أربع قصص لأربع شخصيات، لنصل في النهاية أنها شخصية واحدة عبر أرابع مراحل عمرية، والتي لن تكون في النهاية إلا شخصيته أو حكايته هو ذاته، في مرحلة الطفولة حين أحب صديقته الصغيرة حبا رائعا ليتقاسم معها اللعب والطعام والاهتمام، ولكن موت أمه منتحرة أدخله في عالم من الحزن لم تستطع الطفلة الصغيرة مشاركته فيه ، ثم المراهقة ليحب زميلته في الثانوية، لتتركه تحت ضغط أمها،  وفي الشباب إذا أصبح رساما ووقع في غرام امرأة مخطوبة وأغرم بها ثم تزوجها وبعد موت طفلته انقطع الحب بينهما بفعل الألم، و أخيرا المرأة التي التقى بها لتأخذه إليها بجنون ما بعد النضج ، كما يحدث لكل منا حين يقع في الحب  مرات وفي كل مرة ويظن أن ذلك هو الحب، وفي كل مرحلة ينظر للحب السابق ويبتسم ويعرف أنه تجاوزه وأن الإنسان قادر على الحب أبدا، وأن الحب هو الروح ذاتها.
الفيلم سجل حضورا واسعا (لم يكن متوقعا إطلاقا) في الأوساط السينمائية العربية، حسب ما قرأت، وتحديدا في مصر، والحقيقة يعتبر الفيلم  قراءة عميقة وسابرة جدا للروح الإنسانية، لفكرة الحب أو مراحله التي تناولها ابن حزم والكثير من المتصوفة.  كما أن تلك البساطة في الطرح هي سر نجاح الفيلم،  الأستاذ (شكري مختار)  الذي وزّع حياته في أربع شخصيات  وسبع مراحل عشقية في الحقيقة ما هو إلا كل فرد منا .
الفيلم مصري تم إنتاجه في سنة 2016 وهو مأخوذ عن رواية محمد صادق ، من إخراج هادي الباجوري ومن بطولة ماجد الكدواني و ياسمين رئيس و عمرو يوسف و نيللي كريم و أحمد بدير.







الخميس، 26 مايو، 2016


فاطمة الشيدي
26-5-2016

يتصيّد عثرات اللغة
يناكف المعنى بمعنى
ويسرّح شعر الكلمات كيما تأتيني بود
يموء كي يؤنس الألفاظ في عتمتها المريعة
لا يتأفف كلما أخذتني لذة من غياب...
أو تناسيته في محيط اللهفة الضارية
بل يستلذ الانتظار
ويلعق صمتي بلسانه اللزج
ويغمز بخبث
كلما عنّت لي فكرة ماكرة
أو أخذتني رعشة غاربة
ويبتهج حين تكتمل العبارة
فأنظر في مداه القريب
أو أمد له يدا من فراغ
خالية من فيوض الحرقة التي تسيل من لوحة الكيبورد
ومن شاشة الحاسوب
ومن أصابع الرؤيا
ومن إطار النظارات المستدير
فيحنو حنان الرفيق الرفيق
ويؤنس أيامنا الغائرة

صديقي مؤنس



الثلاثاء، 24 مايو، 2016

المكان الأول : سور الدفء والحنين

أما الناقدة والكاتبة الدكتورة فاطمة الشيدية فتحدثت عن ذكرياتها بالمكان الأول قائلة :
أجمل وأوجع ماقد تفعل بك الكتابة أن تعيدك لقريتك للحظتك الأولى، وذاكرتك الأولى، لبيتك وقريتك الحنون. “السور” الدافئة بصبخاتها التي تمتد منك إليك، محتضنة الماء والملح بين القلب والرئة تماما.
المدينة الصامتة، الذاهبة في عزلتها، التي لم تغرها الكونية، الطيبة التي تضحك وتخبئ ضحكتها خلف لحافها الأزرق، إذ نشاغبها بكتبنا وكتاباتنا الحداثية التي لا تفهم منها شيئا، ولكنها تفهمنا وتحبنا.
المدينة الضجرة من كل هذه المدنيّة الرعناء، التي تتمنى الآن أن تعود لتجلس بنا تحت سدرة قديمة، كي نحفظ القرآن ويحفظنا. ونخرج في الصباح ركضا وراء الفجر لنباغت العصافير في شجر الليمون، فيفر زرافات في وجوهنا، ونأكل الموز و(الهمبا) دون أن نحفل أن نغسله ونضحك ونضحك،قبل أن نسقط في غيابت الماء.
المدينة التي تتمنى ونتمنى أن تعود لتغسل شعرها في البحر وتنفضه علينا جميعا كامرأة داهمها العشق بجنون، وتلتقط لنا المحار (الدوك وأم عوينه) وتقشّرها لنا بأصابعها الطويلة، ثم تغني لنا أغنية الياسمين والطل، وهي تلملم روائح (الشريش) وترفعه في حكايات السحرة والمغايبة، والبحارة الذين على وشك الوصول بـ(البشمك والتين).
مدينة الماء واللغة والحارات والدروب، هناك حيث تقرفص طفلة رعناء عند مدخل الذاكرة، تأخذ بيدي وتجرني على عجل وبشقاوة عذبة للبحر تماما، هناك حيث سننظر معا للموجة التي ستمنحنا التوحد، هناك حيث ستطلق ضحكتها الخضراء لصوت الغراب، وهو يلتقط الخبز المغمس في اللبن من (ملتها) وسيتبادلان اللقيمات بتنافس الأشقاء والأشقياء.
وحيث سينتظر الناس الضغوة في الصباح ليأخذ كل منهم ما يمكنه للفقر والحاجة، وسيعانق الصيادون أشعة أشعة الشمس ويكتحلون بالضوء القادم من البعيد والذاهب للبعيد، وسيغني الجميع وهو يجمعون مع (الدوك) ما تناثر من الحنين والفقد; ستكون هي والغراب هنالك أيضا!
وحين سيهجم الصيف على مزارع الليمون و”الهمبا” ستأخذها أغنية حامضة للحوض حيث تغتسل الياسمينة كامرأة باذخة الحس في ثراء اللحظة، وبهاء البياض، وستجمعه عجوز في فائض غطاء رأسها الشحيح، لتنثره ليلا على فرش الأطفال ليحلموا بأنهم يقطفون الغيوم، ويلعبون “الغميضة”مع النجوم.
وستتراقص النساء بخفة وهن يعجن التمر بأقدامهن الملساء ليصنعن(المدلوك) للشتاءات المغمورة بالحب.
وستغمز فتاة فتاها وهو يصطنع البطولة ويرقى النخلة بسرعة فائقة، ليرمي لها بتمرة نصف ناضجة كرسالة خفية بأن قلبي يتحرق لهفة للسقوط بين يديك.
في السور ليس على الليل أن يفعل بك أكثر من أن ينتقي لك صوتا عذبا ليحمّل الشتاء على أوتاره، ويرسم تقاسيم الدفء على أجنحة الكلمات، فيما يشبه فراشة تتراقص في الذاكرة على سراج باهت سينطفئ قبل الفجر بساعات طوال، في السور ثمة نقطة يجتمع فيها الزمن بلا فائض إلا في الحكايات التي أصبحت بلا وجوه وبلا أسماء، في السور تتورد الذاكرة كعروس متجلية الحسن أبدا لموعد غرب منذ البدء ولكنها تستعذب الانتظار.
في السور يسقط المستقبل من الحكاية، ويبتلع الماضي الحاضر لحظة بلحظة ليجعله يفنى فيه كعاشق قديم أو صوفي متبتل، فيتحدان كالماء والملح، ليصبح البحر هو الحكاية وهو رائحة الحنين، ولثغة الذاكرة العذبة.

السبت، 14 مايو، 2016

على الماء أكتب


البيان 13- 5- 2015
أمنية عادل

تعود فاطمة الشيدي في مجموعتها الشعرية «على الماء أكتب» إلى الشعر من جديد بعد أن غزت عالم الرواية بـ«حفلة الموت» الصادرة في 2009. وتأتي العناوين الداخلية لديوان «على الماء أكتب» متماشية مع العالم الشاعري الذي تخلقه العناوين الخارجية، وبذا جاءت القصائد مقسمة إلى ثلاث:
«نفاف القلب» و«مسودات الغرق» و«من الماء إلى الماء». وكما هو واضح، فتلك المجموعة الشعرية تقدم مفهوم الكاتبة الخاص وقراءتها عن الماء والبحر والنهر، وكما تنهل منه المياه لتشبع شغف الأرض لترتوي.
«الحنين والذاكرة»
تعتمد الكاتبة على فكرتين أساسيتين لتقوم عليهما مجموعتها: «الحنين والذاكرة»، وهو ما يتلاءم مع فكرة المياه والغموض الذي يحيط بها، رغم الشفافية الموجودة في ماهيتها، وهو ما يجذب القارئ، لا سيما بعد غرقه في المعاني المتداعية من الكلمات الشعرية. وتقدم «على الماء أكتب» كلمات متسلسلة كالمياه المتسربة من دون انقطاع..
مشيرة إلى قدرة الشاعرة على استحضار الكلمات بسلاسة، خاصة مع مباشرة الكلمات وبساطتها. وتستخدم الشاعرة لغة عالمية لا ترتبط بجنس معين، فرغم أنها أنثى إلا أنها تكتب للحظة وتصورها كما هي، من دون إسقاط شخصية معينة عليها، وهو ما يجعل الشعر منبعا للجميع، ومع هذا لا نستبعد روحها الخاصة الظاهرة في أشعارها.
صمود القصيدة
استطاعت فاطمة الشيدي من خلال المجموعة إرساء موهبتها وأدواتها الشعرية المبحرة في عذوبة الصوت وجاذبية الصور التي ترسمها الكلمات، إلى جانب تحقيق البناء المتماسك للكلمات ليصل القارئ للمعنى المراد في النهاية، وتمنح القصيدة صمودا إلى جانب الرشاقة التي تبعثها الكلمات.
فمن خلال 160 صفحة متوسطة الحجم تنقل فاطمة قارئها إلى خوالج عميقة، عن طريق 25 نصا شعريا متنوع الحجم والطول، بعناوين متنوعة. وتتجلى في القصائد الشعرية سمة التغني والقافية رغم عدم التزام شعر التفعيلة، إلا أن القصائد جاءت مرنة وغنائية، يتخللها بعض من الشعور بالشجن والصفاء الروحي وحالة من اكتشاف الذات والمحيط.
لذا؛ يمكن اعتبار المجموعة الشعرية تجليا في الرؤية للمحيط والتماهي مع الذات دون الانتزاع من الواقع الذي نجد له بعض الأصداء في المجموعة من حين إلى آخر، ممثلا في المواقع والعصافير والبحر والليل، وهي مواقع تحقق غرضها المادي وكذلك تقدم بعدا شاعريا لما تحمله من معانٍ ضمنية.

الجمعة، 13 مايو، 2016

فاطمة الشيدي: الرواية الخليجية قادمة بقوة

جريدة البيان
التاريخ:
حاورتها أمنية عادل


رحلتها الأدبية تمتد طوال عشرين عاما، وفيها تنقلت بين عوالم الشعر والرواية فقدمت للمكتبة العربية حتى الآن، ثمانية إصدارات متنوعة.
إنها الكاتبة العُمانية فاطمة الشيدي الحاصلة على درجة الدكتوراه في فلسفة الآداب، والتي تؤكد في حوارها مع «بيان الكتب» أن الرواية الخليجية قادمة بقوة، لا سيما بعد أن استوفت كثيرا من عناصر نجاحها وتميّزها، وموضحة أن القارئ هو المحرك الحقيقي لبوصلة الكاتب.
حققتِ حضورا قويا في مشهد الإبداع العماني الذي يمتاز بالخصوصية الشديدة.. كيف ترين حضور التراث في أدب السلطنة عامة؟
التراث يشكل جزءا مهما من الأدب في سلطنة عمان، بل لعله الجزء الأهم، فخلال سنوات قليلة شكّلت المنظومة الفكرية الفقهية والعلمية والتاريخية مدونة الذاكرة العمانية وتاريخها، كما تشكل تفاصيل حياة الإنسان جزءا من التراث الآني، فكل ماضٍ قريب يتحول مع الزمن إلى ماض..
وكل ماض يتشكل عبره تراث ثقافي ومادي، وكل تراث فكري - كالحكايات والأمثال والأساطير والمدونات الفكرية بمختلف مشاربها - يمثل مادة خصبة للباحث ومدخلا عظيما لكتابة أدب جاد واقعي أو مزيجا بين التخيلي والواقعي.
هذا إضافة الى التراث المادي الذي يشكل خلفية ثقافية يمكن للأدب أن يجعلها فضاء يتحرك عبره نحو قراءات ماضوية أو حاضرة، أو حتى يشكل مهادا لنص تاريخي ثقافي، كالرواية التاريخية التي لدينا الكثير من المواد الخام لبنائها على نحو فريد وخاص، لكن للأسف لا تزال حلما لم يتحقق، ولم يحدث البناء بأنامل كاتب عماني كما يجب.
احتكاك ومشاركة ما مصادر إبداعك؟
الإبداع حالة عميقة جدا، وبالتالي فكل ما يتأثر به الوعي واللاوعي يدخل في صميم الرؤية الإبداعية شئنا أو أبينا، وبالتالي فكل ما مر كان عنصرا هاما من عناصر التأثير، من: خبرات إنسانية وحياتية، قراءات، مشاهدات أفلام، موسيقى، عروض مسرحية. إضافة إلى التعمق المنهجي النقدي والفني عبر النهج الأكاديمي دراسة وتدريسا، وعبر الندوات والمحاضرات التي يتاح للمرء أن يكون ضمنها محاضرا أو مشاركا.
إنها الحياة الثقافية والإنسانية التي تشكل نهرا لا يمكن الاستحمام فيه مرتين، حيث الاحتكاك والمشاركة الإنسانية، والرؤية التأملية العميقة والجارحة للوجود وكائناته المتعددة والتي تقدم بدورها دروسا حقيقية في الجمال والحرية والأمل، والوعي والنقد الرافض للتحكّمات الضمنية في حرية الكائن وانطلاقاته الواعية عبر الأكثر من الممكن والمتاح.
ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في تعزيز الوعي بالوجود وجمالياته والإنسان وقضاياه.
سطوة الرواية
تتربع الرواية على عرش القرن الحالي. ما السبب.. وأي عوامل رسخت هذا؟
لا جدال في هذا الواقع الأدبي. الرواية اليوم السبيل الأهم لكتابة الإنسان من أعمق نقطة فيه متصلة بحاضره ومستقبله معا، والتعبير عن قضاياه، وتفاصيل وجوده بحالة حكائية لا تخلو من واقعية؛ إنها النقلة النوعية في الكتابة التي تتبنى تعدد صورة الإنسان والتركيز الأكبر على الهامش. أصبح كل شيء يمكن أن يدخل في الرواية، بدءا من الفكرة وحتى المكان..
وإذا كنا هنا نتحدث عن الكاتب والنص فإن القارئ في الحقيقة هو الذي يحرك بوصلة النص ويفرض ذوقه سلفا على مؤسسة الكتاب ودور نشره، والحكاية كانت ولا تزال شغف القارئ في كل مكان وزمان، منذ الحكاية الشفهية وحتى المكتوبة.
ما أكثر ما يميز الأدب العماني؟
التاريخ. ذلك الثقل الحضاري الذي يذهب مباشرة للنص عبر الشخصية والمجتمع، التاريخ الذي يحاول العماني التواصل معه عبر بعض حلقاته المفقودة غالبا، متخذا من روحه جسرا لعبور ذلك الشطر وعبر تجليات الحضور..
والتي تتخلق لاحقا عبر «نوستالجيا إنسانية» حادة تظهر عبر النص، حدثت تلك القطيعة بين الإنسان وتاريخه عبر أزمنة عديدة، ثم جاءت النقلة المدنية النوعية لتأخذ الإنسان فجأة من عالمه القروي الرحيم الشبيه بالرحم في حناناته، عالم يعرف فيه كل شيء وكل أحد، إلى عالم جديد تماما لا يعرف فيه أحدا، إنه عالم المدنيّة وغابات الأسمنت، عالم طارئ.
ومغاير لكل شيء خبِرَه وعرفه، كان هو سيده، يصنع من نخلته كل لوازم الحياة، ويزرع احتياجاته ويحصدها، ليجد الآن نفسه عبئا على المدنية الجديدة؛ يستورد كل شيء من اللقمة حتى الثوب، ويصنع له الآخر سيارته وبيته، ولا دور له إلا مراقبة الحال.
وهذا الأمر شكّل شجا كبيرا في ذاكرته، وسجنا مُحاصِّرا لوعيه وإنسانيته، فأصبح غريبا في القرية والمدينة معا، ولم يعد قادرا على صناعة ذاكرة أخرى بتلك الحميمية.
حقيقة
كيف تقيِّمين مسار الرواية الخليجية، لا سيما بعد أن كسرت نطاقها المحلي؟
ألفت أولا أنني ضد التقسيم الجغرافي المجزوء للأدب وفق إحالات خارج اللغة، فالرواية الخليجية عربية أولا وأخيرا، وليس علينا التشبث بهذه التقسيمات التعسفية أو الاستعمارية بشكل أفصح..
كما ليس علينا أن نصدق ونعيش التجزئة الفكرية المرادة لنا لتمزيقنا إربا وأشتاتا وتفريغنا من قيمتنا الكبيرة؛ بل علينا أن نتمسك بوحدة الضمير اللغوي والتاريخي والجغرافي العربي، لنحاول النجاة قليلا من هذه القطيعة الفكرية والتقسيمات الجسدية والتشرذم النفسي المصنوع بوحدتنا اللغوية في الأقل.
لكن، خارج كل هذا أقول إن الرواية الخليجية في المطلق، رواية شابة جديدة وناهضة، ولذا فهي قادمة بقوة، لأنها استفادت كثيرا من التمهيد الزمني والفني لصناعة الرواية، والشوط الكبير الذي قطعته الرواية العالمية والرواية العربية، إنها رواية لم تبدأ من الصفر؛ بل جاءت من حيث انتهى الآخر وتشكل الوعي السردي العام بالأنواع والأجناس والثيمات والتقنيات..
ولذا فهي جادة، محمّلة بثقل معرفي واتزان وجدية في التشكل والحضور، وأثبتت في ذلك عمقا وجاهزية حقيقية للذهاب نحو الأجمل، وأصبحت قادرة على المنافسة في القراءة وفي الجوائز، وعلى تحقيق حضورها الفعلي في الحالة الثقافة العربية والعالمية ربما، بمصداقية وثبات، وأظنها تخطو خطوات رصينة وثابتة نحو الأبعد والأجمل.
غربال مفقود
ما موقفك من النقد وانعدامه في المشهد الثقافي؟
النقد مصطلح علمي، وهو حالة طبيعية في الأوساط الثقافية الحقيقية. إنه الغربال الذي ينقّي الغثّ من السمين ويرفع الحقيقي إلى مدارات النقد والرؤية، والناقد الحقيقي مبدع كبير، لا يقف عند حدود النص، بل ربما يكتشف فيه مخبوءات وكنوزا لم يرها المبدع ذاته، الناقد المبرز هو قارئ كبير ومتذوق عظيم.
أما ظاهرة انعدام أو موت الناقد فللأسف موجودة في عالمنا العربي الذي يذهب كل شيء فيه نحو الموت والضياع. الناقد العربي الكبير غالبا ناقد فوقي يعيش في أبراجه الأكاديمية، ولا يظهر سوى في الندوات والمؤتمرات ولا ينشر سوى في المجلات العلمية المحكمة لأغراض أكاديمية...
النقد عليل ويحتاج حركة ثقافية واسعة، وعلينا ألا نسمح بموت الناقد الحقيقي؛ لأنه الأمان الحقيقي لحركة ثقافية مزلزلة ومغيرة تذهب بنا نحو المستقبل الثقافي المنشود، وكي لا يطغى أشباه النقاد وأشباه الكتاب ولا تنزل الثقافة العربية بمستواها أبعد مما هي عليه الآن.

الخميس، 12 مايو، 2016




فاطمة الشيدي- جريدة الزمن
12- 5- 2015

أذهب خلف إغواء التجريب، تتنازعني نزعة الهدم، أكثر من فكرة البناء، أقوّض الشكل لأستنجد بالمعنى.. هكذا تمضي الحال بي عبر اللغة.
اللغة الكائن الوطن، الحبيب الصديق، الذي يعيش داخلي وأعيش داخلة، لا حيز للمكان ولا للزمان ولا للذات إلا عبر اللغة.
ولا تحيّز للشكل إلا ضمن المعنى. والمعنى كائن مراوغ، يستجير بالرمضاء من النار، ومن الشعر بالسرد.
عبر المتعدد من الأشكال أكتب، لا أبحث عنها هي تستجيب لوعيي المثقل، أتجاوز التجنيس لأمضي خلف روح النص فقط فيأخذني إليه، ويستعير الشكل الذي ينا...سبه، فيتخلّق ضمن رحمه، وماعليّ سوى الانصياع لشروطه.
مالا يقال في الشعر قد يقوله السرد، وما يثقل السرد بالمواربة، يفتح الشعر له أجنحته فيحلّق به تخييلا وغموضا، وهناك النص المنفتح على الأشكال، والقراءات، والنص الموازي وغيرها، الأشكال هي تحولات جوهرية في طاقة المعنى ليس إلا هكذا أؤمن، وهكذا كتبت المعنى في أشكال عدة وسأظل أناوشه عبر العديد منها، ولن أستقيم مع الظل عبر التوحد النصي، أو عبر اللانصي، لدي كتابات قادمة، عبر السرد والحكاية تحديدا، ولكنها ليست منتهى المعنى، فالشعر هو بنية النص التي تشدّني إليها أكثر، وهو روح السرد، والسرد الذي يأتي عبر الشعري يكون قادرا أكثر للوصول لروح القارئ وملامسة شغافة.
إذن عبر الشعر أدلف لكل الأشكال وأقرأ ضمنه العالم والوجود والحياة والإنسان، الشعر هو جوهر اللغة والروح، ولذا أعيش وأكتب عبره وأناوش كل الأشكال وأنا أتشبث بيده الحانية، وأرى الكون والنص بعينه الرقراقة بالحب والجمال.


الثلاثاء، 10 مايو، 2016



فاطمة الشيدي
10مايو 2016

كلما شعرت بالسقوط في بئر الكآبة، وكلما أصبح قبح العالم لا يطاق  أبحث عن يد الله البيضاء لتمد لي حيزا من الجمال يأخذني مني إليه، أنا التي أؤمن بالله ربا للجمال أولا وأخيرا.
ولقد مضى وقت طويل وأنا وأبحث عما يصالحني مع نفسي، مع إنسانيتي يقول لي باسم الجمال (هذا أيضا سيمضي، كل هذا سيمضي يوما، المجد للحب، للجمال، للصدق، وللعطاء).
وأخير جاء هذا الفيلم، الفيلم الذي يحكي قصة شاب هندي عبقري في الرياضيات (سرينيفاسا رامانوجان) في بداية القرن العشرين، يبدأ في عرض أعماله على كل من له علاقة بالرياضيات بحثا عن عمل، وأخيرا يحصل على وظيفة في مجاله في في الهند، ولكن المسئول الهندي يدرك أنه أمام شخصية عبقرية، فيراسل أستاذ الرياضيات في جامعة كامبردج العريقة جى هاردي، ويرفق له بعض المسائل الرياضية، فيقرر عالم الرياضيات أن يستقدمه لبريطانيا، للدراسة والاستفادة منه.
يظهر نبوغ الشاب في مجال الرياضيات، ويوازيه أساتذته بنيوتن، ويجتهد أستاذه ليحصل على العضوية الملكية.
إلا أن الشاب الهندوسي الذي يتناول الطعام النباتي فقط ولا يهتم بالدفء الكافي يصاب بالسل الرئوي، بعد أن تمنع والدته رسائله عن زوجته كي لا تذهب إليه، فيصاب بالحزن والكدر إضافة لقيام الحرب العالمية، ووقوف بعض أساتذة الجامعة ضده.
ويعود بعد كل هذا المجد العلمي الذي لم يسعفه الوقت لتعميقه ليموت في بلده.
الفكرة العظيمة في هذا الفيلم هي فكرة الإيمان بالرب، الذي يجري معجزاته في عقول البعض، فرامانوجان لم يتعلم الرياضيات في الجامعة، بل كان يشعر أنها تملى عليه من الرب.
الأستاذ الملحد( هاردي) لم يكن يستطيع أن يفهم ذلك، لأنه يخضع كل شيء للقياس العلمي، والبرهان والنظرية، ولكنه يقتنع أخيرا ليقول (من نحن لنكذّب ما يقوله راما نوجان، وبالتالي لنكذّب ما يقوله الرب).

السبت، 7 مايو، 2016

هموم كاتبة عربية: أشياء عن العجز واللاجدوى

فاطمة الشيدي

القدس العربي

May 07, 2016


تستيقظ بعض الأيام بمزاج غائم تماما، مزاج لا يصلح للحياة، أو للكلام أو لأي نوع من التفاعل الإيجابي، يوم مشحون بالدمع الذي لن يأتي، والحزن الذي يشبه الكتابة، حزن لا يسعفه البكاء، ولا أي شيء آخر، حزن يشبه مثقاب يوصل الوعي باللاوعي، ويخترق الجسد للروح، ويجعل الوجود عبثيا، والغثيان حتميا، والضجر غيمة تحلّق في روحك ولا تستحضر سوى قول ابي العلاء:
غيرُ مجدٍ في ملّتي واعتقادي/ نوح باكٍ ولا ترنم شاد.
تستيقظ ضائعا، لا تعرف ذاتك، ولا تجد نفسك في أي مكان، تتشابه أدوار الحياة كما يتشابه القرف منها. تطلق صرختك الكبرى، اللعنة! ماذا فعلت بنا أيتها الحياة؟ ماذا فعلت بنا أيتها الكتابة؟
وفي «مول» تتقاطر عليه الكائنات البشرية من كل حدب وصوب، يشبه الكون تماما في تمظهره المتنوع والمتنامي بمختلف الأشكال والأجناس والألوان، يزداد وجعك إذ تنظر إلى كائناته المتنوعة وأجناسه البشرية المتباينة أحرارا خفافا يعبرون. وافرو الفرح رغم ضيق ذات اليد والسعي اللاهث والمضني وراء لقمة العيش، يتأبطون أذرع زوجاتهم ويداعبون أطفالهم ويعيشون الحياة كأنهم أبسط من على البسيطة، فتستحضر عالمك الكبير من الماء للماء، الذي يتهاوى ويحترق، فتتساءل: لماذا نعبر بكل هذه الجراح والقيود في الذاكرة والوعي؟ ولماذا نعيش انكسارات التاريخ وتشظيات الحاضر كسبب أو نتيجة؟ لماذا لم نتعلم بعد كيف نعيش ببساطة كالآخرين، ونتقبل الآخر بكل اختلافاته؟ لماذا جعلنا القيم محصورة في الدين؟ فغابت القيم رغم ادعاءات التدين؟
لماذا لا نتعلم أن القيم الإنسانية والحياتية هي التي نحتاجها لنعيش بسلام وإنسانية؟ وأن شكلنا ولباسنا وجنسنا وديننا لا علاقة له بتعاملنا مع الآخر، ولا بإنجازاتنا الفكرية والعلمية التي تحرّك/ تعيق تقدمنا نحو الآخر ونحو والمستقبل؟ هل السياسة هي السبب؟ أم الدين هو السبب؟
لماذا لم نخلّي بين الكائن وربه في الدنيا والآخرة بلا إملاءات خارجية؟ لنحيا الحياة كما هي، أو كما يعيشها الآخر بقيم إنسانية، ذاتية نابعة من الضمير والوعي، وقوانين مدنية ملزمة للجميع بلا تفاوتات ولا تجاوزات؟
تريد أن تكتب، لأنك تؤمن أن هذه وظيفتك الحقيقية في الحياة، ولكن عم نكتب؟ عن عالمنا العربي الذي يتهاوى تحت سياط العنف والسادية الظلم؟ عن إنساننا المقهور من الماء إلى الماء؟ عن السياسة التي أثمرت كل هذا الخراب؟ أم عن الثقافة التي أصبحت محصورة لكاتب تحت الطلب، أو ملمّع للقبح، أو متسوّل للمال، أو مسلوب لحقه في الحرية باسم الوطن؟
عم تكتب؟ وأنت تدرك جيدا أنك محاصر بالأفكار والقيود، وتؤمن أن الثقافة ليست أن ترتاد معارض الكتب والندوات والملتقيات والمؤتمرات، ولا تتحقق في عدد الكتب التي يشتريها الشخص، أو يقرأها أو حتى يصدرها، ففعل الثقافة الجارح هو تلك العصارة المعرفية التي تتسرب إلى وعيك وروحك تماما، لتجعلك مع القراءة والتأمل منفتحا على الكون والإنسان، تجعلك حقيقيا فيما تقول وما تفعل، لا تختلق صورة، ولا ترسم حالة، ولا تتصنع موقفا، توازن خطواتك على الأرض، وتحرّك معرفتك لصالح إنسانيتك، تجعلك جوهريا أصيلا في صمتك وكلامك، في رؤيتك وتجاهلك، في مديحك ونقدك، تجعلك منفتحا على الكون والاحتمالات، تدرك كم أنت صغير مهما علوت، وقليل مهما كثرت. ذلك الرسوخ في المعرفة والامتداد في ملكوتها الشاسع كذرّة في ملكوت لا يحصى. ذلك البعد النفسي الذي يمنحك الهدوء والقلق معا، الخفة والثقل معا، تحلّق للسماء، وتركن للأرض معا.
المناسبات والملتقيات والندوات الثقافية ليست سوى مظاهر للثقافة الخارجية، ولكن تجليات حضور المثقف هي مؤشرات لعمق الحالة الثقافية في بلادنا أو سطحيتها، ولتكوين المثقف ووعيه وثقافته التي تنعكس في مرايا سلوكه. ولذا يحدث أن تبتسم بهدوء وأنت تلمح ديكة الثقافة وطواويسها، تلك السنابل المرتفعة، ترسل رسائلها العابرة مع الريح في كل مكان، كما تتلبسك النشوة الروحية العميقة وأنت تجد السنابل الثقيلة ـ البعيدة في الحضور، والكثيرة في الغياب ـ تزداد انحناء وسلاما وعمقا واتحادا مع الكون والإنسان، تتحرك وتكتب وتغيّر بدقة عاملات النحل وصبرها وعملها الخفي. ومع هذا كله تدرك أن الفئة الأولى هي الأكثر حظا وحضورا .
عم تكتب؟ وأنت بعد عمر من معاركة الحياة والكتابة والكتب، زمن من التعليم والمماحكة، تتأمل ملامح النقص في البناء التكويني للشخصية الناضجة في المجتمع العربي الذي يقتل إنسانه إنسانه، ويحقّره، ويظلمه، وتدرك جيدا أن النقص في التأسيس، وأن الحلقة الناقصة لا تحتاج كاتباً أو مثقفاً، بل صناع قرار، لإدراج مادة تعني بصناعة الشخصية، بكل أبعادها القيمية العميقة، مادة تجمع الفكر وفلسفة الأخلاق وعلم النفس، وتعنى بصناعة الإنسان بكل الأبعاد الحقيقية للشخصية الواعية، من المظهر حتى السلوك، تهتم بتقديم قيم توعوية حول صفات الإنسان الصالح المتحلي بالقيم الكونية من اتزان وثقافة وجمال وصدق وأمانة، ومعرفة؛ لأن بهذه المادة يمكن تكوين نماذج إنسانية راقية. إنها صناعة الإنسان التي ترفد صناعة الأوطان وترقى بها، وتذهب بها نحو المستقبل الزاهر، لأن التعليم اليوم هو الكيف وليس الكم، ومع هذا تعرف جيدا أن هذا بعيد جدا، وأن القُمع ما يزال جاهزا لحشو عقل الإنسان بالمعلومات القديمة وربما الفاسدة المنتهية الصلاحية. كما القَمع الذي يربي العنف، ويقتل الإنسان، ويحاصر الكلمة يذهب في تجليه وحضوره الأنيق، ويشتد عوده يوما بعد يوم.
عم تكتب؟ والثقافة العربية ما تزال ترى المرأة «ناقصة عقل ودين»، وفي مديح مواز هي «أخت الرجال» أو «امرأة بعشرة رجال»، لتمسخ وتشوه أنوثتها كي تتقدم خالية منها، أو تقعد بها في البيت، فلا يمكن أن تكون أنثى حرة وحاضرة وفاعلة، أي أن تكون ذاتها، بل عليها أن تكون كما يريدون، وليس من خيارات أمامها، فإما أن تكون ضعيفة، أو تكون مترجلة. وهي قبل كل شيء كاتبة ضعيفة، وعاملة خاملة، لأنها فقط امرأة، ومسؤولة عن كل إخفاق في بيتها وكل عيب في أبنائها، وقد تسلب حياتها لأتفه الأسباب، كأن تقع في الحب مثلا. أو تُحرم من أبنائها إذا تزوجت من غير مواطنها، وقد تصبح تكملة عدد في بيت متعدد الأسرّة، أو تُلقى في الشارع لأن زمنها انتهى، وقد.. وقد .. فقضايا المرأة العربية لا تعد ولا تحصى.
عم تكتب، والمعايير معكوسة؟ ومجتمعات الجهل تصنع أبطالها من المفسدين والقتلة، ويذهبون خلفهم في غيبوبة كلية، وهتاف جمعي، وقد يضحون بحياتهم ومستقبل أطفالهم لأجلهم؟ وكم تتغير الأدوار فلا يفطن إليها أحد، فمسؤول يفقد وظيفته فجأة لسبب ما، قد يكون أهمها أنه اختلس ملايين وكان يطمح في المزيد، يتحوّل لمدافع عن حقوق الإنسان، ولص يتحول إلى بطل شعبي، والغريب أن الكل ينتقد، والكل يبدي انزعاجه، والكل يتبرأ من المساءلة، الكل يتبرم ويتذمر، وربما يسخط أحيانا، الكل يعتقد أنه على صواب، والخطأ ليس منه، المواطن يشتكي، والمسؤول يشتكي، الكبير، والصغير، القريب من موقع السلطة والبعيد عنها.
فمن المسؤول عن كل هذا الخراب في عالمنا وفي مجتمعاتنا وفي إنساننا؟ هل السلطات هي من فعلت كل هذا الشر؟ أم أن الإنسان كان وما يزال جزءا منه، وفاعلا فيه؟ بالتأكيد كل هذا الدمار في الوعي وفي القيم ليس مرده قوى خارقة من وراء الطبيعة كالجن أو الكائنات الفضائية، وليس الشيطان أيضا، لأننا نتكلم عن وقائع، ونحتاج إلى مفوّض عنه في الأقل لنحكم عليه ونناصبه العداء ونوجه ضده أصابع الاتهام.
من الذي يمسك جهاز التحكم لتسيير كل شيء، من تكميم الأفواه، وعصب الأعين، وتدمير الوعي، واحتجاز العقول في الحاجات؟ من يمنع التقدّم، ويحارب المثقف والثقافة، ويصادر الحريات؟ من يقبض بقبضة من فولاذ على أرزاق الناس وعلى وعي المجتمع؟ ولماذا يفعل ذلك؟ ومن الذي ينفّذ كل هذا الشر؟ هل هو الإنسان/ المواطن بدعوى الحاجات، وبذرائع شتى منها الدين والفقر والخوف، وبالتالي فهو جزء من هذا المخطط التدميري؟ وهل كلنا مضطلعون في ذلك بوعي أو لاوعي، فكل تقصير هو مشاركة، وكل خنوع هو مشاركة، وكل تساهل هو مساهمة، وبالتالي علينا أن نشحذ أقلامنا لكشف المستور، وبيان المخبوء؟ فماذا عن عين الرقيب، ويده الطولى، وسجنه الواسع، وقهره التاريخي؟
أم هل نكتب عن الأمل الكاذب؟ والحياة الطيبة التي تتلو علينا وصاياها الحمقاء عن الخير والحب الكاذبين أيضا؟
هل نكتب عن الحريات لنتخيل أننا أحرار؟ أم نكتب عن العشق لنتخيل أننا عشاق؟ أم نكتب عن الكذبات التاريخية التي صدقها الناس؟ أم عن الكتب التي خرّبت عقولنا منذ زمن بالنظريات والوعود التي لا تأتي.. تلك التي تفتّق أوجاعنا؟ أم عن اللوحات التي تعري عجزنا؟ وعن الأفلام التي تفضح تأخرنا؟ أم نكتب فقط عن الموتى لنلصق خيباتنا بهم، ونعلّق أوهامنا على نقطة الصفر التي يعيشون ضمنها؟ أم نبتلع حسراتنا؟ ونحطم أقلامنا؟ ونمضي في الصمت؟
كاتبة عُمانية

الأحد، 1 مايو، 2016


فاطمة الشيدي
20-4-2016

يهبونك الآن أجنحة
ترتفع كثيرا ..كثيرا
كما لا يدركون
أنت الأعلى الآن
الأجدر بالسخرية...
الأكثر سطوعا
كنجم عظيم
فسهيل تراجع
والميزان رجّح كفتك
فلا طرفين متوازيين يا صديقي
إلا في قضيتك!
فوحدك فكرة العدل التي يناوشها الجمع
ووحدك أغنية الحرية التي رددها السجناء
والمنبوذون والمتشردون
والسود والعبيد
والجواري والحريم
والفلاسفة والكتّاب
والشعراء والصعاليك
في كل العصور
فهناك على جانبك الأيسر كان "لوركا"
يناجي حبيبته بيأس (كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟ )
وبينكما يسكن الآن "أشرف فياض" يحاور أبجديات اللغة
ويعيد ترتيب الكلام ليعجب الزراع
ويشرق بالضحك طرفة بن العبد على مبعدة
والكثير من الجمر يهطل الآن في شتاءات جزيرة الموت
والجمع بلا مظلات ولا أردية
بينما يشرح طفل سوري على باب القيامة تفاصيل اللعنة السافرة

السبت، 9 أبريل، 2016

السينما العربية بين الرؤية والرواية



فاطمة الشيدي
القدس العربي
أعدّ نفسي من عشاق السينما إضافة إلى الكتب والموسيقى وبقية الفنون الأخرى، كغيري ممن اختاروا عالم الجمال والفن والطبيعة كعوالم بديلة أو موازية لعالم الإنسان الذي كثيراً ما يضج بالقبح والشر، ولذا ففي كل أسبوع أشاهد فيلماً أو اثنين على أقل تقدير.
تبهرني السينما فعلاً، الفيلم الذي يجعل الصورة فكرة، أو الفكرة صورة، هذا الفن الذي يشحذ المخيلة، وينمّي الوعي، ويقدم رسائله العميقة والبسيطة في آن، لجمهور الشاشة الكبيرة بمختلف أعمارهم، وأفكارهم ومشاربهم، وأحلامهم ومستوياتهم المعرفية، فهو ليس حكراً على أحد، أو على طبقة ثقافية ما.
هذا فن يستطيع أن يقدّم كل شيء في الكون والمجتمع وعبر التاريخ أو الجغرافيا بجمالية الصورة المتحركة، ودهشة الحكاية والصنعة الفنية، كما يستطيع أن يجسّد حضور الإنسان في الحياة في كل حالاته من ضعف وقوة، وجمال وقبح، وصحة ومرض، بل في حضوره وغيابه، حيث أن المخيلة الإنسانية الجبارة لم تقف عند حد ما، فصورت السينما ما بعد الموت، وما وراء الزمن أو في حالة توقفه، كما في الكثير من الأفلام الخيالية أو العلمية أو أفلام الرعب والـ»أكشن» وغيرها.
وتشهد الصناعة السينمائية العالمية اليوم تقدماً فنياً على المستويات كافة، من حيث الرؤية التي تتناول الكون وما وراءه، والتقنية، والموضوعات التي يتم تقديمها عبر المادة، «النص»، حيث تسعى السينما العالمية لحفر مكنونات الفكر الإنساني، لتقديم أعظم الروايات العالمية للمشاهد المعاصر ليتعرّف على هذه الروائع، ويتذوق جمالها النصي عبر اللغة الصورية، إضافة إلى تقديم حياة أهم الشخصيات التي عبرت هذا الكون وأثّرت فيه من علماء وفنانين ومخترعين وكتاب وبسطاء ومناضلين.
فدور السينما هو الارتقاء بالإنسان وبذوقه ومعرفته وإنسانيته عبر تقديم الروائع الفنية والأدبية والإنسانية بصورة قريبة ومتاحة، لتصل إلى عمق وجدانه، وتسهم في تغيير أفكاره وأحلامه وممارساته المعيشية والارتقاء بها. إنها ببساطة محاكاة للحياة عبر تقديم نماذج إنسانية (في الخير أو الشر) وأفكار خلاقة، تجعل للحياة معنى، وللفن دوراً في صناعة الإنسان وبناء فكره ووعيه وذوقه، ولذا لم يعد مستغرباً، بل أصبحت شبه «موضة سينمائية جارفة» أن تجد عبارة «الفيلم عن رواية كذا»، أو «هذا الفيلم عن قصة واقعية».
وليست السينما الغربية (بتنوع بيئاتها وإنسانها الأوروبي والأمريكي، والأسود والأبيض والملون) وبتنوع أفكارها وقضاياها، هي التي تأخذنا مباشرة للحديث عنها أو الإشادة بها فقط، أو اتخاذها نموذجاً وإن كانت الأكثر حضوراً وتميزاً وعناية بهذا الفن، والأكثر وصولاً للمشاهد العربي للأسف. إلا أن العالم كله أصبح يدرك أن صناعة السينما هي صناعة ثقافية من الدرجة الأولى، وهي صناعة الإنسان أولاً وأخيراً، فالسينما الإيرانية مثلاً تمثل حالة سينمائية إنسانية رائعة بكل المستويات الفنية والنصية، والسينما الهندية تذهب كل يوم بكل طاقتها لصناعة فنية راقية، وبالطبع هذا ينطبق على سينما كل العالم.
ولكن ما يهمنا هنا هو الحديث عن السينما العربية التي ندرك جميعاً أنها تعاني الكثير من المعوقات أمام صناعة سينما حقيقية، ليس آخرها المال الذي تحتاجه هذه الصناعة، وليس أهمها عدم وجود معاهد مستقلة لتأهيل صناع السينما وغيرها من المعوقات. كما أن الحديث هنا ليس نقداً سينمائياً متخصصاً، بقدر ما هو نقد ثقافي وإنساني لفن ينمو ويسهم في صناعة الإنسان في كل أنحاء العالم، والإنسان العربي يحتاجه اليوم بقوة أكثر من أي وقت مضى.
فالسينما العربية تحاول جاهدة، ومنذ عقود طويلة الوصول إلى صناعة سينمائية محترفة حقيقية وجادة، إلا أنها للأسف ما تزال تراوح مكانها، بل لعلها تراجعت كثيراً في بعض المجالات والتقنيات في زمننا هذا. فالفيلم العربي ما زال بعيداً عن التقدم العالمي في هذا الميدان، وإن حضر كان بحياء أو بعدم احترافية وفي المهرجانات السينمائية. كما أنه (غالباً) لا يسعى لتلمّس روح الإنسان الحقيقي بكل تشكلاته وتمظهراته الداخلية والخارجية، والتعبير عن قلقه الوجودي، وأوجاعه الإنسانية. فهو بعيد عن هموم الإنسان اليومية، ومكابدات الحضور الفعلي في حياة ليس عادلة أبداً، ويحتاج الإنسان إلى يد الفنون لتأخذ بروحه الحائرة، وإلى بوصلة الجمال الذي يمكن للسينما أن تلعب فيه دوراً كبيراً ومؤثراً. فما تزال السينما العربية من حيث المعالجة تركز على إثارة الشهوات عبر حكايات ساذجة تُدَس عبرها مشاهد جنسية مفبركة، ليصبح «الجنس» هو الشكل الأساسي أو المبتغى من العلاقة الإنسانية، مشوِّهة بذلك الكثير من قيم الحب والإنسان معاً؛ ومتجاهلة (غالباً) كل أشكال العلاقات الإنسانية الأخرى كالأخوة والأبوة والحب العظيم والعجزة والمعاقين والأطفال أو ربما تناولتها بشكل خجل أو مشوّه وبسيط.
وللأسف إنحازت السينما العربية مؤخراً إلى نشرات الأخبار، والعنف المؤدلج، والسياسي، في تناولها لحكايات الإنسان، فجاءت الأفلام الجديدة صوراً فنية لمشاهد توثيقية للعنف العربي الذي نعيشه من الماء للماء، وفي الحقيقة نحن بحاجة إلى الذهاب بعيداً عنه، ومحاربته بكل الممكنات الجمالية، أكثر من توثيقه وتأصيله في الفن.
فهل علينا أن نواجه هذا القبح والتوحش بتعريته أكثر؟ أم بتقديم نماذج جمالية مضادة تمثل حالة اقتداء واحتماء للوعي المجروح والأرواح المتشظية؟ وكم نحتاج من الوقت لصناعة نماذج جمالية فنية وفكرية تأخذ بيد الإنسان العربي نحو السواء، وتجعله يطمئن إلى أن القبح والشر هما مجرد حالات شاذة في السواء الإنساني الأعم؟
أين نحن اليوم من الفنون التي هي جوهر وجودنا على هذه الأرض؟ أين الثقافة العربية من السينما كفعل تغييري وتنويري، وأين تقف صناعتنا السينمائية من الفن السابع الذي يتقدم اليوم في العالم أجمع بقوة ليصبح الفن الأول، فن الرؤية العظيمة، والتأويلات البعيدة، ليأخذ من الشعر والموسيقا والمسرح مباهجها، ومن الروايات الخالدة أكثر جمالا وعمقا وحساسية ويتقمّصها ويصنعها؟ فأين نحن من ذلك كله، بل أين الفنون البصرية المتداخلة في السينما العربية؟ أين السينما الشعرية؟
أين روح الحكاية العربية، الشعبية والأسطورية التي برعنا فيها طويلاً وكثيراً؟ أين أساطيرنا وتاريخنا وتراثنا الشفهي والسردي العربي؟ أين أبو زيد الهلالي وعنترة بلا عنتريات؟ لِمَ لم ننزل بجماليات سردياتنا العظيمة من صهوة التاريخ إلى حاضر السينما؟ أين ليلى والمجنون وكثير وعزة ؟ لِمَ اتسع السرير، وضاق التفكير؟
وأين الروايات العربية الخالدة، والعالم يحوّل روائع القرن العشرين إلى أفلام، في حين أننا نتجاهل انتاجنا الروائي الكبير والضخم على مر قرون طويلة، ونتركه يتلمس كالأعمى الجوائز الساذجة للحصول على شرعية حضور؟
ولماذا اكتفى صناع السينما العربية باللهاث والتهافت وراء المهرجانات السينمائية العالمية سعياً وراء البريق والشهرة والجوائز؟ لماذا يُتجاهَل الإنسان الذي لا يستطيع حضور المهرجانات، ولكنه يستطيع أن يوفر ثمن شراء فيلم من أقرب بقالة لبيته؟ أو يؤجره من أقرب محل؟ وهو بالتالي لا يريد أن يشاهد بريق المهرجانات الكاذب، والسجادة الحمراء، والأجساد المدهونة بالعسل والمربى، بل يريد أن يرى قصة إنسانية تجلي همومه اليومية، وتسعف أحلامه الصغيرة متجسدة في فيلم، يريد صوت أمه وهي تغني في الحقل والدكان والمطبخ، ورائحة الخبز والشاي تغمر الأرجاء بشعرية عالية، في أقرب دار سينما من بيته أو حتى في البلدة المجاورة نهاية الأسبوع.
وكلنا نريد ذلك، نريد تجسيد واقعنا وحيواتنا عبر الفن أجمل وأصدق معاً، نريد صور الحرب التي تقول لا للحرب، نريد حلولاً تتصاعد بالخيال نحو الجمال، نريد صور الحب الحقيقي، في الحارة والشارع والجامعة، وليس الحب الجاهز أو المصنوع بين ابن الباشا والفتاة الفقيرة، أو بين الفتى العبقري والساذجة الغنية. هذا يكفي، لقد مللنا هذه الترهات، كما مللنا أدوار الموت والخراب وعجرفة العسكر، نريد أن ننتصر في الحكاية.
نريد فتى وسيماً يسحق العسكري المتعجرف ببزته تحت حذائه، ويموت ليحررنا بموته، وينتصر حذاء رجل الشارع على حذاء العسكر، نريد الفتى الاشتراكي يضع عمامة رجل الدين المنافق تحت قدمه وهو يقرأ قصيدة لمحمد الماغوط بعد أن يفحمه بالحجج والبراهين، فنضحك لخجل الثاني، وهو يركض متلبساً بالخزي نحو بيته خائفا وخجلا وبائسا، فنتحرر في الفيلم من عمامة الزيف، وننتصر للشعر. نريد أن يرقص الجميع في آخر الفيلم، بدل أن يموتوا. نريد أن تغني الأمهات مع رائحة القهوة والخبز كلمات محمود درويش بصوت مارسيل خليفة: «أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي». نريد أن ننحاز إلى الجمال في عالمنا، بعيداً عن عقدة الذنب، وتعقيدات الحب، وبعيداً جداً عن تشدد السياسة والدين، والكذب والنفاق اللذين خلفاهما. نريد أن نبكي ونضحك لا حزناً ولا فرحاً، كما قالت فيروز ، كلما شاهدنا فيلماً عربياً يحكينا ويحاكينا. نريد أن نلتحم ببشريتنا، ونصدّر للعالم حقيقتنا التي لم تشوهها السياسة والدين.
فهل يتحقق لنا ذلك عبر الفن السابع؟



السبت، 2 أبريل، 2016

شهر الحب والكذب


إبريل/ نيسان شهر المجانين والشعراء، شهر الحب والفرح، شهر البهجة والصخب، إنه الشهر الذي يقف بحيرة لذيذة ومغرية عند مفترق الفصول، وقلوب العشاق، روحه الحافلة بالتناقضات الكثيرة، تشبه روح طفلة تقف عند مفترق الكون ترسم خطوطا وتخطيطات لما تبقى من خطوات العام، تنثر قصاصات وبالونات ملونة تبعث على الحب والفرح والجمال.
تحمل في يديها الصغيرتين دفترا زهريا ترتب فيه مواعيد الحب واللهفة، ومواعيد الفراق والأحزان، وببطء حميم تربك خطوات الكون بجمال الربيع القا...دم بسرعة وجنون، وتفتح ذراعيها الصغيرة لتكون جسرا يكسر ظهر العام بجهنم القادمة ببعض المسرات، والسفر وخسارة الوزن، والدعة والسكينة بعد عناء عام طويل.
نيسان شهر مجنون، مختلط ومرتبك، ولذا تجد به كل الفصول معا، وكل اﻷلوان مجتمعة، وربما في يوم واحد إذ تتفتح وردة، وتسقط ورقة، وتضحك غيمة في السماء، وتغمز الشمس للجباه التي تزينها حبات العرق. وتأذن للقلوب المشتاقة باللقيا، وللقلوب العاشقة بالفراق. إنه الجنون الكوني، والصخب الكوني الذي يشبه قصيدة ممتزجة النكهة، أو لوحة سوريالية، أو كونشيرتو عبقري، أو كل ذلك معا، وفي أعلى حالاته، وأكثرها تصاعدا وخفة ورشاقة وعفوية وبساطة.
في نيسان نفتح نوافذ أرواحنا للحب والحياة كشرفة قريبة من البحر تحلم بالملح ورائحة اليود التي تطهر الجراح، ونميل على ذاكرتنا نهدهدها لتأسى وتنسى وتسقط بعض أوهامها في سلة النسيان، فمن منا لم يعشق في نيسان، ومن منا لم يودع حبيبا ويهجر حلما في نيسان، ومن منا لم يذهب للنسيان في نيسان شغفا بهذا الجناس الجميل بينهما، وقد يستطيع، وقد يستعيد وهج شغفه في زمن آخر .
في نيسان نفقد العادات ونتخلص من رتابتها، ونتمرد على ثقل الشتاء وملابسه الثقيلة ومشروباته الساخنة، ونقف على مبعدة قريبة من جحيم الصيف، نميل للوداعة في الحياة، وللبهيج في الملبس، وللتأملات القصية والحنونة في كل شيء.
إنه شهر يفرض أعاصير جنونه داخلنا، ويجعلنا نتشرب حبه للحياة، وتمرده على قانون الطبيعة في كل شيء؛ ولذا لا عجب أن يدلف للعالم بمزاج عالٍ، وقهقهة مدوية كشاعر أو فنان متصعلك يلقي كذبة كبيرة يضحك بها على العالم، ويضحكه بها، أو مزحة ثقيلة لايهتم ﻵثارها الجانبية التي قد تكون وخيمة أحيانا.
ولأنه كل هذا فهو شهر اﻹبداع والحب والجنون فلنلوّن جدرانه بالكتابات واﻷلوان والضحكات والمحبات، ولنصنع المقالب الخفيفة والثقيلة لنحتفي بقدومه الجميل على كوننا الطيب. وكرتنا العجوز، لنشعرن الحالة الإنسانية به كثيرا، ونتخفف من ثقل الأفكار الجاهزة والميتة عن الصدق والكذب, لنضحك ونحن نحتفي يقدومه المختلف بكذبات بيضاء صغيرة تشبه زهور الربيع المتفتحة للتو أو راقصات الباليه في رقصة البجع الخالدة، ولنرفع أصواتنا بالغناء ؛ نيسان ياشهر الربيع والحب .. ياشهر المواسم والغناء .. "كذبك حلو" !