"الكلمة خنجر لا يُرى"
إيميل سيوران

18 فبراير, 2012

جمعية الكتاب تعلن نتائج مسابقتها لأفضل إصدار أدبي لعام


Sat, 18 فبراير 2012
«شجرة النار» في الشعر، و«الطيور الزجاجية» في القصة، و«بن سولع» في الرواية، و«المعنى خارج النص» في النقد، و«أسرار صغيرة» في النص المفتوحأعلنت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء نتائج مسابقتها لأفضل إصدار أدبي لعام 2011.. وقد أسفرت عن فوز مجموعة «شجرة النار» للشاعر خميس قلم بجائزة أفضل إصدار شعري عماني لعام 2011، فيما نالت مجموعة «الطيور الزجاجية» للقاص يحيى المنذري جائزة أفضل اصدار قصصي، وفازت رواية «بن سولع» للروائي علي المعمري بجائزة أفضل اصدار روائي، فيما حصل كتاب «المعنى خارج النص: أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب» للدكتورة فاطمة الشيدية على جائزة أفضل اصدار نقدي، وذهبت جائزة النص المفتوح لكتاب «أسرار صغيرة» للكاتب والصحفي محمد الحضرمي.وقالت الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية رئيسة اللجنة المنظمة للجائزة خلال إعلانها عن النتائج .. ان المسابقة شهدت مشاركةً في خمسة من أفرع المسابقة الستة التي طرحتها الجمعية في اعلان نُشر في الصحف والمواقع الالكترونية، فيما تم حجب جائزة أدب الطفل لعدم توفر اصدارات من هذه النوعية في عام 2011.. وأضافت الدكتورة سعيدة إنه سيتم الاحتفال بتوزيع جوائز هذه المسابقة وتكريم لجنة تحكيمها خلال معرض مسقط الدولي للكتاب. وعبرت اللجنة المنظمة للجائزة - التي تتألف أيضا من الشاعر سماء عيسى والقاص سليمان المعمري - عن شكرها الجزيل لرئيس الجمعية الأسبق الشاعر ناصر البدري على دعمه لمسابقة هذا العام من خلال مؤسسة المؤنس للإنتاج الفني. كما عبرت عن شكرها للجنة تحكيم الجائزة المؤلفة من كل من الشاعرين العُمانيَيْن زاهر الغافري واسحاق الخنجري اللذين قاما بتحكيم فرعي الشعر والنص المفتوح، والناقِديْن التونسي محمد زروق والمغربي عبد المجيد بنجلالي اللذين حكّما فرع الرواية، والناقدين العراقي غالب المطلبي والمصري محمد الشحات اللذين قاما بتحكيم فرعي النقد والقصة القصيرة.
حيثيات الفوز
وقد عزت لجنة التحكيم فوز مجموعة «شجرة النار» للشاعر خميس قلم إلى توافر مجموعة من الأبعاد الدلالية والفنية التي أهلتها لهذا الفوز، منها «الاشتغال على عمق الدلالة المركزية للنص، أي أن النص يتنامى من بؤرة واحدة، متصاعدة لعوالم متسقة في مبناها، ثم تنوع إيقاع النصوص وفق المعنى وصراع الذات الشاعرة؛ فتارة نجده خافتا ينبئ عن حالة من الصمت والهمس، وأخرى عاصفا مشتعلا بالدلالات الثائرة. وهذا يقودنا إلى منحى مهم في النص، وهو مدى تناغم أصواته بحيث تعطي نوعا من التراوح الموسيقي فضلا عن اندماج الصورة الشعرية بين المعنى الواقعي والرؤيوي وذلك من خلال تقديم صور متزنة، تخدم حركة النص وفضاءاته، بالإضافة إلى البعد الدلالي للنصوص الذي ينطلق من تجربة واضحة، ذات جذر درامي حركي متفاعل بين الضمير الأحادي والجمعي، بين الأنا والآخر، بين صراعات متنوعة في النصوص، نص يواجه الموت ونص يعري الحب وآخر يشاغب الغياب، انها مرايا مختلة من التشظي منفصلة في حدوثها متصلة في الجرح والتصدع والألم».أما مجموعة «الطيور الزجاجية» فقد رأت لجنة التحكيم استحقاقها للفوز بجائزة أفضل اصدار قصصي عماني لعام 2011 لأن «قصصها كشفت على نحو أكثر وضوحا عن وعي كاتبها بتقنيات فن القصة القصيرة الذي هو فن التكثيف السردي في المقام الأول، وعن تمكنه من خط نهج خاص به في المعالجة السردية، فضلا عن أن قصص المجموعة تكشف لنا عن جملة من الثيمات الانسانية والجمالية التي يجدر بفن القص تأملها وتدبّر ما يتصل بها، من قبيل تصوير البراءة التي يبدأ الطفل في فقدانها وهو يقترب من عالم الكبار تصويراً مقنعا، وتصوير نمو مفهومي الخير والشر في داخل الطفل تصويرا سرديا مقبولا، والقدرة على التقاط زاوية رؤية جيدة يبدأ منها المشهد السردي في التدفق، وتعرية أساليب القمع والقهر الاجتماعي الذي يعانيه البسطاء والمهمشون بمهارة سردية، اضافة إلى تطويع اللغة والأسلوب لخدمة المشهد القصصي ورسم الشخصية وملامح المكان وحدود الفضاء النصي».أما فوز رواية «بن سولع» للروائي علي المعمري بجائزة أفضل رواية عمانية لعام 2011 فقد عزتْه لجنة التحكيم إلى «تنوّع أنماط السرد ومظاهره فيها، ونضج الأحداث وتوضّح معالم السرد وقدرة الكاتب على تصريف اللّغة السرديّة قولا وحالا وفعلا، وتمكّنه من الأحداث يبذرها متى أراد ويُجمّعها متى اقتضى منه الأمر ذلك»، ونظرا أيضا إلى «نجاحه في رسم فضاء سردي جامع بين وقْع الذات، ووقْع الاجتماعي والتاريخي، وإثارته لتاريخ حارق، تحوّل بقدرة الراوي سردا متخيّلا، يُحيل – ضرورةً - إلى وقائع التاريخ، ووقائع الذات، ولا يُحيل في جوهر السرد إلاّ إلى متخيَّل قصصيّ». وأضافت اللجنة أن «بن سولع» توفّرت فيها شروط الرواية من حيث بناؤها وطرافة الفكرة التي أحكم الروائي العمل عليها، ونوّع من وسائط بيانها ووسائل صياغتها.ورأت لجنة التحكيم أن كتاب «المعنى خارج النص: أثر السياق في تحديد دلالات الخطاب» للدكتورة فاطمة الشيدي يستحق جائزة أفضل اصدار نقدي لعام 2011؛ لما لمسته اللجنة فيه من جهد طيب يستحق الاعتبار وخطوة محمودة في سبيل بناء نقد أدبي منهجي جاد، فضلا عن إيجابيات أخرى منها أهمية موضوع الدراسة ومعاصرته، وجرأة الباحثة في التعامل مع مادة نقدية تحتاج إلى كثير من التأمل والتدبر، والتعبير اللغوي السليم عن الفكرة، ومحاولة إجراء جملة من التطبيقات المتصلة بهذه النظرية في الأدب العربي عامة والأدب العماني خاصة. ولم يَفُتْ اللجنة أن تشير إلى أن الكتاب تضمن شيئا من الخلط المنهجي في التعامل مع نظرية السياق.وحصل كتاب «أسرار صغيرة» على جائزة النص المفتوح لعام 2011 لتناوله في لوحات أدبية شيقة المكان العماني، بلغة تأملية شفيفة، مضفياً على المكان بعلاقاته الإنسانية وتفاصيله المنسية، بعداً ذاتياً حميماً، فهو يتناول عوالم الحارة العمانية، وأحلام الإنسان، وعالم الطفولة والظلال البعيدة، بلغة شعرية خالصة أحياناً، وبتصعيد الأحداث والمرويات بنثر يقارب الحكاية. انه تزاوج يعيد الصياغة الأسلوبية لإبراز معالم الحاضر القريب والماضي البعيد».وكانت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء قد دشنت جائزة أفضل اصدار لأول مرة عام 2008، واستمرت بعد ذلك بشكل سنوي، تشجيعا منها لحركة نشر الكتاب الأدبي العماني، والارتقاء به إلى الأفضل من خلال اذكاء روح التنافس بين الكتاب والأدباء العمانيين.



15 فبراير, 2012

فيسوافا شيمبورسكا .. بين النهاية والبداية دائما هناك أشياء أخرى


جريدة عمان ملحق شرفات
الثلثاء, 14 فبراير 2012
فاطمة الشيدي
النهاية:
في الأول من هذا الشهر فبراير 2012 رحلت عن عالمنا الشاعرة والباحثة والمترجمة البولندية فيسوافا شيمبورسكا، عن ثمان وثمانين عاما من الشعر والتأمل والجمال، رحلت هادئة في نومها، بلا ضجيج كما كانت حياتها المنغمسة في الشعر والبحث والجمال، رحلت بعد أن أعطت الحياة كل ما في روحها من شغف، وكل ما في فكرها من عصارة، وكل ما في طاقتها من عمل وبحث واجتهاد وكتابة، وكانت قد تنبأت بموتها الهادئ والبسيط والذاهب في النعاس والصمت هذا في نص لها، وها قد أثبتت الحياة والتاريخ وحتى الموت صدق نبوءات الشعراء:
الموت،
حينما تنام، يجيء.
وستحلم
بأنه لا ضرورة لكي تتنفس
وأن الصمت بلا تنفس
موسيقى مقبولة،
وأنك صغير كشرارة
وتنطفئ في المدرج الموسيقي،
الموت فقط هكذا، كثير من الألم
كان عندك وأنت تمسك الوردة باليد
وكنت تحس بذعر أكبر
وأنت ترى، بأن البتلة قد سقطت على الأرض.
رحلت فيسوافا شيمبورسكا تاركة لقرائها من جميع أرجاء المعمورة ثلاثة عشر ديوانا شعريا، وخمس كتب نثرية أغلبها مطالعات في الكتب، وكتابين في الترجمة الشعرية، وهي التي كانت تكتب حتى ماتت، وكأنها فقط قد وضعت القلم على الرف القريب من السرير على أمل أن تستيقظ في الغد لتكمل القصيدة، هكذا يجيء الموت خفيفا، مع الأرواح الخفيفة والطيبة، تذهب في النعاس أو الموت (لافرق) برفقة قصيدتها، وكأنها تتنزه في حديقة الوجود أو الأبدية، كما كانت وكما ستظل.
البداية:
ولدت فيسوافا شيمبورسكا في الثاني من يوليو لعام 1923، درست اللغة والأدب، كما درست علم الاجتماع والفلسفة، وعملت في مجلة متخصصة في النقد الأدبي كانت تسمى "الحياة الأدبية"، كتبت الكثير من الشعر الجميل، بالرغم أنها كانت مقلة في كتابة الشعر، أو لعل هذا ما وصل إلينا، بعد أن تنكرت لقصائد البدايات لغايات جمالية وفكرية بعد أن تغيرت قناعاتها، وكبرت مدركاتها وأخذت من الشعر حنانا وتحنانا، والقارئ لنصوصها المترجمة لكل لغات العالم تقريبا - كيف لا وهي شاعرة جائزة جوته1991، وجائزة نوبل 1996- يجد أنه تكثر في نصوصها التأملات الطبيعية، والبذخ اللغوي الذي يعتمد البلاغة والمجاز اللغوي، كما كانت نصوصها تعتمد النقد الاجتماعي والسياسي والموقف الفكري من الوجود والحياة، ومن يقرأ حواراتها يجد روح الشاعرة التي تتمتع بالجمال والمحبة والتواضع والعمق معا، الشاعرة التي كانت تنتظر القصيدة أن تأتيها لا أن تذهب إليها، وتحتفي بها كيفما جاءت كاملة أو ناقصة، وتعمل على كتابتها وتجويدها لاحقا، قالت في مقابلة مع الراديو البولندي ذات يوم: "إن القصيدة تجيء بهيئة فكرة فإما أن تكتبها مباشرة أو أن تكتب جزءا منها وتعود لتكمله فيما بعد، أو أنها تسجل الفكرة في دفتر. "
ولأنها مقلة فقد كانت قصيدتها هدية العالم المنتظرة، وكان شعرها موضع ترحيب ومحبة وتقدير من الجميع وقد اعترفت: "إنها لم تجد فيما كتب عنها سوى الإعجاب بشعرها".
ورغم حضورها اللافت، وقصيدتها المتألقة، إلا أنها كانت تهرب من الأضواء، وتحرص على عزلتها، وتربي روحها في عتمة الوجود، وصمت الحياة، وتنضج قصيدتها في معزل عن ضجيج العالم ولمعان حضوره، وبريق زيفه، وكانت تقول: "كل واحد يحتاج إلى العزلة، وخاصة إنسان اعتاد التفكير في تجربته، إن الوحدة ضرورية جداً لعملي ولحالة الاستلهام"، كما قالت: "لقد وصلت إلى سن معرفة الذات، ولذلك لا أعرف شيئاً آخر".*
أشياء أخرى:
1.
بين النهاية والبداية هناك الكثير من الحب، والكثير من الحياة والكثير من الألم والكثير من الفرح، بين النهاية والبداية هناك الكثير من الضحكات الطازجة المعلقة في مراجيح الروح، والكثير من العثرات والخيبات التي تتربص خطواتنا العمياء، بين البداية والنهاية الكثير من القلوب والكثير من الخناجر، الكثير من البياض والكثير من السواد، الكثير من العتمة والكثير من الضياء، الكثير من الليالي الهانئة والساكنة والتي يحرسها القمر أو يدوّنها الأرق في دفاتره البيضاء، والكثير من النهارات الضامئة للحياة، بين البداية والنهاية الكثير والكثير من الكتابة والشعر، والكثير الكثير من الكلام والصمت، والكثير من المياه والجفاف، بين النهاية والبداية تكمن الحياة تماما.
2.
لاشيء يحدث مرتين

لا شيء يحدث مرتين
ولن يحدث. لهذا السبب
ولدنا بدون مهارة
وسنموت بدون ممارسة.
حتى لو كنا التلاميذ
الأكثر بلادة في مدرسة العالم
فلنْ نُعيدَ درسَ
أيّ شتاء، ولا أيّ صيف.
ما من يوم سيُكرّر نفسَه
لا توجد ليلتان متماثلتان
ولا قبلتان متساويتان
ولا نظرتان في الأعين متطابقتان.
أمس، حينما اسمك
ردده أحدٌ على مسمعي
شعرتُ كما لو أن وردة
قُذفتْ في غرفتي من نافذة مشرعة.
اليومَ ونحن معا
أدرتُ وجهي للحائط.
الوردةُ؟ كيف تبدو الوردة؟
هل هي زهر؟ أو ربما حجر؟
لماذا أنت أيتها الساعة السيئة
تضطربين بحذر لا داعي له؟
أنت موجودة- إذن ينبغي أن تنقضي.
ستنقضين- وهذا شيء جميل.
مبتسمين, نصف متعانقين
نحاول البحث عن الوئام
رغم كوننا مختلفين عن بعضنا
كقطرتين من الماء الزلال.
(شكراااا فيسوافا، هذه القصيدة تكفي لكي أتذكرك العمر كله)
3.
كلما رحل عن عالمنا مبدع يصيبني الحزن، وكأني قد فارقت شقيقا كان يؤنس روحي، ويسند حضوري في هذا العالم، بل ويصيبني الرعب على مستقبل البشرية، كيف يرحل الفنانون والشعراء حدائق الأبدية، ومتنفس الروح، ومصابيح الوجود الذين يشعلون شموعهم لإنارة هذا العالم، في حين يبقى الظلام مشتعلا وأخاذا، ويبقى الرعب والقمع والظلم والقهر حادا وسافرا، يغيب القلم والناي والريشة ويظل السلاح متربصا بالدم والوريد معا.
4.
كلما التقيت بمبدعة (امرأة) في أي مجال من مجالات الحياة الحقيقية أو الافتراضية أو حتى البرزخية (أي التي غيبها الموت)، أشعر بالفرح الكبير، والسكينة الهانئة، أشعر أن ثمة امرأة كانت هنا تشعل العالم بضوئها وضيائها، تنجب الشعر والفن والجمال كما تنجب أخرى الأطفال الذين يهبون هذا العالم الذاهب في العنف والكذب رقته وجماله وصدقه، امرأة تكتب الشعر، وترسم الجمال، كما تحيك أخرى الكوريشيه بأناملها الطرية، امرأة سجلت بعبورها المختلف، وخطواتها الثابتة بصمتها على ظهر الكرة العجوز، امرأة صنعت ذاكرة من كلمات للتاريخ وللأجيال القادمة، كما صنعت أخرى قطعة حلوى لذيذة لأطفالها ليلة العيد، امرأة نسجت بريشتها ضحكة للزمن ستظل خالدة ومختلفة.

5.
يا وردة النعاس النيّئة الغياب
ويا شقيقة كل اللغات
بالحضور الناصع والأخير
على مسافة قصيدة من الآن أراك
تحلقين
وتضحكين
تكتبين قصيدتك الأخيرة التي لن تكتمل
وتبنين كوخا من قش ملوّن
للأطفال
والعصافير
وللأحلام التي خذلها السهاد
وفي حنجرتك الغاصة بالفراق
تغرد بضع كلمات مغسولة بالندى، وماء الذهب
ستهدينها يوما لعصفور جريج
وتستدير بين أصابعك خواتم من ضياء
فترسم في قصائدك قوس قزح
للموتى
وللغائبين
وللحزانى والمنبوذين
وثمة ما سيسقط في قلب طفل ضرير لم يعرف معنى النور يوما
وسيضيء بها
يا صديقتي الطيبة
كل شيء هنا في مدائن الأحياء الميتة
يتذكرك الآن
العواصف التي لم تأتي
والمساء المصاب بالرمد منذ قديم الزمان
والحنين المطرق أبدا
والمدى أفق العزلة البرزخي
وغصنان مختصمان عند شباك وحيد
ووجه قديم لازال يحلم بحنان نظرتك الأولى
كل شيء ظل ساهما منذ رحلت
البرد
وورود الشتاء
وحدائق الغيب
والشمس التي تغيب لتشرق
والمسافات التي لم تجمعنا
وحزن على مقربة من ضحكة شهية
يناورها لتعلو وتعلو
وفراغ يستطيل عند ناصية الفراق
وحلم يهذي بالرجوع
وبضع حنين
يا وردة النعاس النيّئة الغياب
ويا شقيقة اللغات
بالحضور الناصع والأخير
عليك السلام
عليك السلام

*النهاية والبداية وأشياء أخرى، ديوان الشاعرة فيسوافا شيمبورسكا ترجمة وتقديم هاتف الجنابي
* هاتف جنابي، جريدة المدى 11/2/2012


08 فبراير, 2012

يسألونك عن الشعر..!

استطلاع حسام الجابري - مجلة صراح الأدبية
فِي بَحْـثِهِ المُسْـتَـمِـرِّ عَـن جَوْهـرِ الأشيَـاء، يبتعـدُ الـشـاعرُ عن وَصفِ ما يتأثر به حواليه موغـلاً في الـكـينـونَـات، ومُـفـتشًـا عنْ تـفسـيرٍ للـواقعِ في خـطِّ سـيرٍ مُـوازٍ لـعـالـمِـهِ الـداخليّ الـمفكّـر والـسّـاعي لإيجادِ الحلولِ، فـنجدُ تلك المقاربَـة بين الواقع وذاته الإنسانيَّـة إلى الحـدّ الذي يتم بهِ تعريَـة الـحـقـيـقَـة وتجريدها من التفـاصِـيل المؤدّيـة إليهـا، ممّـا يجعـلُ نظرهُ محصورًا إلى داخلـهِ – حـيث تتـكَـشّـفُ لهُ مـا لا يـكْـشفُـهُ الـواقع الحقـيـقيّ له। بيْـدَ أنّ هـذا الابتـعــادَ ينحى بالشّعـرِ منحَىً يخْلقُ بيْنهُ وَبَـيْنَ الـواقعِ فَـجْـوَةً – لغَـةً وَفِـكْـرًا - بالـنَّـظَـرِ إلَـى مَـا يتطلّـعُ إلـيْـهِ الـشّـاعـر، الأمْـر الـذي وظّـف الـشّـعر توظـيفًـا فـنيًـا يُـحِـيلُ الشّـاعرَ من باحـثٍ عمَّـا يسدّ بهِ قلقـهُ إزاءَ مَـا يُحِـيطُ بهِ॥ إلَـى فـنَّـانٍ حـريٌّ بهِ أنْ يُـتـقنَ صَـنعـته। بـيْنَ الإنسَـانِ الـحسَّـاسِ تجَاهَ الـظّـواهِـرِ والوَقَـائِعِ حدَّ تفسيرهَا بِإنسانـيَّـتِـهِ الخالِصَـةِ المتفاعِلَـةِ مَع الوُجُـودِ بِأسْـرهِ॥ وبيْـنَ مَـا يَـنتـظـرُهُ الـفـنّ الحـقِـيـقـيّ منَ الـشّـعـر॥ الـفـنّ المتجرّد مِنْ أيِّ غَـرَضٍ وَهَـدَفٍ سِـوَاهُ، أَيْـنَ يقِـفُ الـشّـاعِـرُ الـعَـربيُّ الحَـديث الـيَـومَ؟ وأيّ المفَـاهـيمِ تلكَ الّـتِي يُـؤمنُ بِهَـا حَـوْلَ فـنِّـيَّـة الـشّـعـر؟
فاطمة الشيدي
هل الشعر للشعر بعذوبته وتحليقاته وغياباته وشروده، بأوهامه المستقاة من الوجع والألم والغياب والجزع الذاتي؟ أم الشعر للحياة بكل تجلياتها وصلف حضورها، بمشكلاتها اليومية، ووقائعها المؤلمة، وحذافيرها المتشظية، وقضاياها العالقة في يد الساسة، وحذلقة المتثاقفين والمتفيقهين؟
هذا سؤال عتيق، عتّقه الزمن، واربكته التجربة، فحين كان الشعر وسيلة الإعلام والإخبار، كان الشعر سيد الموقف الحياتي والإنساني والواقعي، وبالتالي كان ابن المنبر الكلامي، ولكنه تجمّد حتى جف فانكسر، والشعر شعور، وعود أخضر ولحن طروب تتثنى على مسمعه الأبدان والأذهان والأرواح.
ثم لاحقا حين غابت القضايا وحلّق الشعر بأجنحة الفراشات والعصافير والأوهام، ووقف حزينا عند الأخوار الجافة والأرواح اليتيمة والمتيّمة كمالك الحزين، وزقزق كعصفور هجر الغابة، وضاع في الضياع، كان الشعر وحيدا، وكان بعيدا وكانت الحياة تكبر بعيدا عنه، وظل هو طفلا ساذجا يحتاج إلى جانب براءته ولثغته الطروب للقليل من الحنكة والتأمل والحضور في عصب الوجود ومشكلات البشرية، التي تستيقظ في مستنقعات الوجع والقمع والقهر والجوع والحروب كل يوم، وتسقط في مغبات الألم والأنين كل لحظة، لذا كان يحتاج أن يغتسل بدمعة أم فقدت وليدها، وأن يسكن في قلب طفل يتيم، وأن يصبح عكازا لرجل أعجزه المرض، أو أكلت الحرب ساقه، ويحتاج أن يغنّي للحيارى والحزانى والمقهورين والمسجونين، يحتاج أن يبكي ليغتسل من استعلائه، وأن يسكن في قلب الألم لترفرف جناحاه لاحقا بحرية.
ولذا يمكننا أن نقول خارج هذا السؤال العتيق أن الشعر الحقيقي هو الإنسان، هو تلك الصرخة الرافضة للقهر والظلم والوجع، هو نداءات الحرية والعدالة والمساواة ولكنها صرخة مغموسة في أنهار البلاغة، متجمّلة بحلو العبارة، ورقة الكلمة، ووهج العاطفة والإحساس، متبرجة بالتأمل في القصي والعميق من الروح والوجود، متبهرجة بالألم والأمل معا.
ولذا فهو لا ينظّر له، ولا يخطط له، ولا يُعلّم، إنه يحضر كالإلهام والوحي مكتملا جميلا، صادقا وفنيا، محلّقا وإنسانيا، إنه يأتي هكذا بعفوية الفرح والحزن شعرا، كما يولد الكائن الشاعر شاعرا، وكم من مدعٍ له وليس فيه، وكم من متطاولٍ به وهو منه براء، الكلمة روح، وروح الكلمة الشاعرة تلمس الكون والناس فيقال "الله هذا هو الشعر "، الشعر كالروح لاندرك ماهيته لكنه يهب لنا الحياة، هكذا ॥ وهكذا فقط هو الشعر।



05 فبراير, 2012

حول الرواية العمانية

استطلاع : رحمة الصوافي

- هل هنالك إنتاج روائي عٌماني حقيقي أم هي محاولات سردية لا يمكن تصنيفها إلى روايات؟؟
نعم هناك نتاجات روائية جيدة، وهي في سبيلها لتشكل تراكما معقولا مقارنة بالبدايات والوضع الثقافي في عمان، الرواية ليست قصة ولا قصيدة تكتب في ساعة أو يوم، إنها تحتاج للوقت الحقيقي لكتابة التاريخ والأحداث السياسية والاجتماعية، تحتاج لتصوير معاناة الإنسان الصادقة، تحتاج لأن يلتحم كاتبها بالأرض والإنسان، الرواية تكتب من الداخل حيث الوجع تماما لا من الخارج اللامع أو الهش والسطحي هذه لا تشكل أحداثا روائية، كما يحتاج الروائي للوقت والتراكم والهدوء والتريث لسبر أغوار الوجود والحياة والمزاوجة بين كل المعطيات الكونية، الخارجية والداخلية، ولهذا يحتاج للزمن والفكرة والفراغ ليكتب بحضور مكثف وعميق، وربما الوقت ليس متاحا للكثير من الكتاب إذا لم يكن غير متاح لهم جميعا

- يقال بأن الإنتاج العُماني في هذا المجال هو إنتاج بسيط في عدده، ضعيف في بنيته السردية والكثير من الكتاب العُمانين حاولوا سبر أغوار الرواية وما لبثوا أن توقفوا بعدها .. ماهي الأسباب في نظركم؟؟ وماهي العواقب التي ستؤثر حتما على المشهد الأدبي العماني؟؟
أنا لا أوافق على ما قيل، لأفترض الأسباب، أظن أن المسألة برمتها مسألة وقت، وأن زمن الرواية الذي يمتد من الغرب للشرق هو أيضا زمن الرواية في عُمان، ولكن هذا لا ينفي طبعا أن هناك معوقات كثيرة للكتابة بشكل عام في عمان، لأن كل المحاولات فردية وبسيطة ومحفوفة بالصعوبات والضيق، من وقت الكتابة حتى النشر حتى موضوعات الكتابة ذاتها التي قد تزعج الرقيب، ولا يد تمتد للكاتب الحقيقي لتشجعه، هذا إذا لم تمتد لتقصيه أو تخنقه، والرواية تحتاج الكثير، إنها اللعبة السردية الأخطر، تحتاج المتنفس الأكبر، والوقت الكثير، والتشجيع المؤسسي المفقود، وهي أيضا تحتاج مؤازرة اجتماعية كبيرة بقراءة ما يكتب وتشجيعه، والاحتفاء به، تحتاج أقلام النقاد للكتابة عما كتب، إننا نحتاج صناعة مشهد ثقافي حقيقي ومتزن، خارج فكرة رسمنة الثقافة، وسد فراغ الفعاليات يوما بيوم وحالة بحالة، نحتاج مشهد نقي وحقيقي، لا يعتمد الإقصاء، ولا يقوم على صناعة نجوم ورقية فقط، نحتاج أن يشعر الكاتب أنه ينتمي لمجتمعه ولوسطه الثقافي الصحيح والعميق، نحتاج أن نكسر المنصات والرسميات لنجلس على حواف العالم والحياة والفكرة، لنستشعر جماليات الأشياء الحقيقية بقرب، فحين نستشعر قرب الحياة والصدق نستشعر عظمة الكتابة وقيمتها، نحتاج أن نسهم جميعا في صناعة المشهد الثقافي وكتابة التاريخ، والرواية।

- أين تصنفون الرواية العمانية من الأدب العربي؟
فكرة التصنيف والتحديد فكرة لا تليق بالأدب عموما، ومع هذا فالرواية العمانية ذاهبة لهذا الحضور المعلن عن نفسه بقوة وصدق وحقيقية ولكن ربما ببطء، وهدوء، وحذر أحيانا، الكاتب العماني لا يزال وليد الصدفة، ووليد الحظ والاجتهادات الذاتية، ولا يزال منحازا للكثير من الخيارات البسيطة، لأنه لا يملك الكثير منها على كل حال، ولكن الأمر في القرية الكونية لن يستمر هكذا، فالعالم الذي يضيق يتسع أيضا، والكاتب أصبح يجد متنفسه في الضوء والحضور الافتراضي، ولذا هناك روايات وقعت على الحضور بالكثير من التميز، والبدايات المتعثرة ليس بالضرورة أن تفرز نهايات كسيحة، بل قد تفرز الكثير من العمق والتحليق، وهذا ما أتمناه للرواية العمانية।

- ماهو المطلوب من الكاتب العماني ومن القارئ العماني لدعم الرواية العمانية لتصبح ناضجة فنيا؟؟
لاشيء، فقط ليقرأ المجتمع والإنسان، وليقرأ داخله المشع بالجمال والخير، وليكتب من تلك المناطق المأهولة بالحيرة والقلق والوجع والفقر والوهن والضعف والألم، عليه أن يتأمل الداخلي والجوهري والعميق من الإنسان خارج كل شيء، خارج زيف البريق، والأصوات العالية، خارج إطار الصورة المعلن، ليكتب من التاريخ إن شاء، ومن المجتمع إن شاء، وعلى القراء والكتاب مؤازرة بعضهم بمحبة، لنكسر الأطر والمنصات والتهميشات، لنقترب من الدهشة فقط، من الكتابة الحقيقية القائمة على التأمل والقراءة والوعي خارج رسمنة الفعل التي تعمل على صناعة سلالم ودرجات وهمية وإقصاء البعض، وتقليص المساحات الخاصة والفردية العميقة، يجب على الكتّاب والقراء إعلاء قيمة الكتابة والثقافة في داخلهم حتى يقنعوا الجميع بأنها هي التي تصنع التاريخ المجيد للأمم والحضارات।

- كيف تنظرون إلى مستقبل الرواية العمانية وهل هي في خطر حقيقي؟؟
إنها تسير نحو المستقبل بهدوء، المستقبل الذي هو للتدوين وللتاريخ وللحياة وللإنسان، الرواية هي عصب التاريخ في هذا العصر، لأنها التدوين المجتمعي والإنساني الذي لا يجب أن تغفله الكتابة والرواية تحديدا، فالإنسان والمكان والزمان هم أبطال الرواية، والرواية العمانية لديها الكثير لتكتبه، لا يزال الطريق طويلا، ولا تزال الجهات التي تقع بعد الرابعة بعيدة عن التناول بل وقد تكون مجهولة ومحظورة أيضا، لا يزال هناك الكثير من المعوقات ولكننا "محكومون بالأمل".

30 يناير, 2012

الغثيان لسارتر


قراءة في جماليات الضجر
شرفات- الثلثاء, 31 يناير 2012
فاطمة الشيدي

1.
أن تختار عملا أدبيا لتقرأه؛ فلابد من محفزات جليلة تمنحك الإغراء الضمني للتعاطي مع هذا العمل دون غيره، الإغراء الذي سيتكفّل بالكثير من أيامك ليسمها بالمتعة والاستغراق في هذا العمل الذي يصبح صديقا ودودا، أو خصما عنيدا، وفي الحالتين أنت مطالب بالكثير من التحدي لإتمامه، وتتمثل هذه الإغراءات في عنوان الرواية أحيانا، أو اسم الكاتب وذيوع صيته وشهرة قلمه، واسم المترجم إذا كانت الرواية ليست بلغة القارئ الأصلية.
وفي رواية "الغثيان" لجان بول سارتر كانت كل هذه الإغراءات الثلاثة متوافرة وبقوة، فالعنوان يشكل قوة جاذبة للمتلقي سيما المتلقي الضجر، والذي يستشعر حالات الملل والقرف والغثيان بشكل دائم وحقيقي، ليبدأ التساؤل أي نوع من الغثيان هذا الذي يقصده المؤلف ويدشنه العمل؟ هل هو غثيان حقيقي بمعني أنه غثيان فسيولوجي برغبة عارمة في الترجيع؟ أم أنه حالة نفسية، أي حالة غثيان شديدة وقصية وعميقة من الملل والقرف والوجع من الوجود والبشر والتفاهات والغباوات، حالة غثيان من كل ما من شأنه أن يطعن الروح في مقتل، كالنفاق والكذب والتزلف والنفعية والبهيمية والفوقية والكثير الكثير من الأمراض البشرية، ومما يحدث في هذا الوجود المتناقض والذاهب في الجمود والجحود والقرف، ثم يأتي اسم سارتر 1905- 1980الفيلسوف والأديب والكاتب المسرحي والسينمائي والناقد الاجتماعي، ليشكل دافعا أخر أكثر قيمة وأكثر إغراء، فماذا سيكتب سارتر عن الغثيان؟ وكيف ستكون الرواية التي يحكيها فيلسوف ممعن في صناعة النظرية، وفي التأمل الوجودي، وفي تحليل الأفكار، وفي استنباط الأحكام، وفي معالجة الأفكار والرؤى الإنسانية؟ إنه صانع أفكار، فكيف ستأتي روايته وهل سيقدم لنا مادة نظرية جافة أم سيعالج البنى الرئيسية للرواية من الحبكة والشخوص والزمان والمكان؟ وهل سيستطيع تحميل روح السرد لبُنى الحكاية؟ وهل سينطق الشخوص بما ينبغي وفق مستوياتهم الفكرية والروحية؟ أم سيكون العمل مملا وباهتا؟ وغيرها من التساؤلات المشروعة في منطق القارئ، ثم يمتد الإغراء للمترجم الذي هو الدكتور سهيل إدريس صاحب القلم والفكر الذي عمل في هذا المجال طوال حياته باحثا وكاتبا ومترجما فذا.
وحين تجتمع هذه المغريات الثلاثة، فلا يكون حينها فكاك من هذا الشرك الجميل، ومن السقوط في فخ الغواية والذهاب بالقراءة حتى مداها الأخير.
2.
رواية الغثيان هي حكاية الرجل الوحيد السيد "انطوان روكنتان" الذي جاء إلى "بوفيل" ليؤلف كتابا عن المركيز دور رولبون، ولأن روكنتان يعيش حياة الوحدة الصعبة، والذكريات المريرة، مع مخيلة خصبة يتأمل من خلالها البشر والوجود، قرر أن يكتب يومياته، ولذا أصبح يفكر ويتأمل ويكتب كل شيء يحصل له -مهما بدا تافها- بدقة في دفتر يومياته الذي يرافق وحدته، ويحدّ منها أحيانا كثيرة، ومن تدفق الأفكار المجنونة في رأسه، "سيكون من الأفضل كتابة الأحداث يوما فيوما. تسجيل يوميات تتيح مواجهة الأمور بوضوح، وينبغي تجنب إهمال الفروق والدقائق والأمور الصغيرة حتى لو كانت تبدو لا قيمة لها، وينبغي خصوصا تصنيفها. يجب أن أقول كيف أرى هذه الطاولة، والشارع والناس، ورزمة تبغي، ما دام هذا الذي تغير. يجب تحديد مدى هذا التغير وطبيعته تحديدا دقيقا" ص5
ولكن روكنتان لا يكتب يومياته لغاية الكتابة ذاتها، فهو غير آبه بذلك، ولا بأي شيء آخر على وجه الأرض، بل يفعل ليشفى من تفكيره، وغثيانه، ولذا وفي لحظة ما حين شعر أن شفي من التفكير والغثيان قرر عدم كتابة اليوميات .. "سأنام. لقد شفيت، وإني قد عدلت عن كتابة انطباعاتي يوما فيوما، على غرار ما تفعل الفتيات الصغيرات، في دفتر جمل جديد، على أنه ربما كان ممتعا، في حالة واحدة، أن أكتب يومياتي:في حالة ما إذا.." وهكذا يتركنا روكنتان دون أن نعرف في حالة ما إذا ماذا؟ حتى آخر الرواية لنعرف إنه "في حالة ما إذا أصبحت رواية" .
ويمضي في تدوين يومياته بالفعل يوما بيوم، وقبل الشروع في تدوين اليوميات صدّر العمل بخطاطة عنونها بـ "ورقة بلا تاريخ" وهي أشبه بخطة العمل، ووضّح فيها كيف؟ وما سوف يكتب، مبينا ما يجب أن يفعله، ومالا يجب أن يفعله كاتب اليوميات الفطن "وأعتقد أن هذا هو موضع الخطر لمن يسجل اليوميات؛ إنه يبالغ في كل شيء، وهو يحرف الحقيقة بلا انقطاع" .ص5
وهكذا بدأ في كتابة يومياته في بوفيل بأوقاتها من تاريخ الاثنين 20 كانون الثاني 1932، وحتى "الأربعاء آخر يوم في بوفيل"، كما عنّون التدوينة الأخيرة. ليقدمها لنا لاحقا رواية الغثيان التي تسجل بدقة وموضوعية يومية حياة روكنتان الذي يقضي وقته في بوفيل كاتبا وباحثا وقارئا بين المتحف، والمكتبة، والمقاهي والحدائق العامة التي يجلس فيها ليتناول وجباته وليتأمل البشر، وليراجع ما كتب أحيانا، ويقرر ما سيفعل لاحقا، وما سيكتب في أحيان أخرى.. ("كان السيد دورولبون قبيحا جدا، وكان يروق الملكة انطوانيت أن تدعوه بـ"قردتها العزيزة"..........)
يمضي روكنتان فترته في بوفيل متأملا لكل ساكنة وشاردة، بدءًا من حركة يديه، حتى أي عابر للشارع، حتى كل شخص يتعامل معه، يتأمل الحياة بحركتها وسكونها بعمق وجنون، في محاولة قراءة خاصة وعميقة للأشياء، والبشر باختلاف أدمغتهم وأمزجتهم وأحوالهم الحياتية، ويكتب كل ذلك بدقة ومتعة، محاولاً أن يفسّر كل شيء، ويخضعه للمنطق الذاتي القائم على الملل والغثيان، إنه يفكر في كل شيء ليبرهن أنه لا يزال على قيد هذه الحياة الصعبة التي يعيشها.. "إنني كائن، إنني كائن، موجود أفكر، فإذا أنا موجود، إنني كائن لأنني أفكر، لماذا تراني أفكر، إنني كائن لأنني أفكر بإنني لا أريد أن أكون"ص142
ولأنه وحيد وفارغ، فهو ممتلئ بالأفكار، وبالتأملات، وأيضا بالضجر والملل الذي يصل به حتى الغثيان، وهذا مربط الفرس في الرواية، فالغثيان الذي يعبّر عنه سارتر بعمق وروية وجنون، هو حالة نفسية تتصاعد من داخل الروح، والعقل حتى يشعر بها الإنسان تتلبسه تماما بشكل ملموس وحسي وحقيقي " أما أنا فأعيش وحيدا، وحيدا كل الوحدة، إنني لا أتحدث مع أحد أبدا، لا أتلقى شيئا، ولا أعطي شيئا" ص12
ويبدأ روكنتان في شرح هذا الغثيان/الحالة التي تصيبه فجأة، وهو يأكل أو يفكّر، أو حتى يتعامل مع شخص آخر"إن الوضع سيء، إنه سيء جدا : فأنا أشعر بها، وتلك القذارة ذلك الغثيان، وهو شيء جديد هذه المرة: فقد أصابني وأنا في مقهى" ص28
ويمكننا أن نستخلص من الأحداث أن الغثيان الذي يتحرك في جسد روكنتان، ويتصاعد إلى روحه، حالة من القرف الكبير من كل شيء الذات والآخر والمكان والزمان، إنه الرغبة في إنهاء كل شيء، أو الملل العظيم الذي ينتهي عنده كل شيء فعلا، ما أن يحضر بخفته أو ثقله، "إن الغثيان ليس في : فأنا أحسه "هناك" على الجدار، على الرافعتين، حولي في كل مكان، فليس والمقهى إلا شيئا واحدا، إنما أنا الذي فيه" ص 30
ولكن روكنتان مع الوقت يتأقلم مع غثيانه، ويستوعب حالته، ولم يعد يتذمر منه، فقد أصبح الغثيان جزءا لا يتجزأ من شخصيته .." إن "الغثيان" لم يتركني، ولا أحسب أنه سيتركني بهذه السرعة، ولكني لا أكابده بعد، فهو لم يعد مرضا، ولا نوبة عارضة : إنه أنا" ص 177
وروكنتان ليس شخصا متشائما، ولا مُعرضا عن الحياة، بل هو يحاولها بصدق وجهد، فهو يحاول أن يعمل شيئا مفيدا ومجديا دائما مع بحثه، أو مع نفسه، أو حتى مع الناس، كما يحاول أن يستوعب سبب هذا الغثيان الذي يتصيده، ويحاصر أوقاته ورغبته في الحياة، ويحاول التخلص منه ولكن دون جدوى فهو يشعر دوما باللاجدوى "إن العبثية تولد الآن تحت قلمي" ص180، " فما أشق أن يتخيل المرء العدم ! أما الآن فقد كنت أعرف: إن الأشياء هي برمتها مما تبدو عليه – وخلفها .. لاشيء ". وهكذا فلا فائدة فالغثيان يحاصره، ويبدو أن هذا هو قدره من الحياة.
وهو أيضا ورغم أنه رجل وحيد مصاب بالغثيان، إلا أنه رجل عاشق، ولديه حبيبة يعيش على ذكراها، ويتذكر سعادته في الفترات التي كان معها، ويتفكر دائما في مدى سعادته لو كان بقرب حبيبته "آني"، فهو يهذي بها من بداية الرواية حتى آخرها، وينتظر موعدها معه بلهفة، كما يحكي عن ذكرياتهما العشقية معا "كانت آني ترد لي الزمن، كل ما كان يستطيعه، فحين كانت في جيبوتي وكنت أنا في عدن، وحين كنت أقصدها لأربع وعشرين ساعة، كانت تتفنن في مضاعفة سوء الفهم بيننا، حتى لا يبقى على ذهابي إلا ستون دقيقة تماما، ستون دقيقة الوقت اللازم لإشعار المرء بأن الثواني تمر واحدة واحدة " ص82
يتذكر روكنتان "آني" في كل لحظة، ويستحضرها في كل تفصيل ومفصل من حياته، ومن تدويناته ويومياته، سواء بشكل ضمني أو واضح، فتارة يتمنى لو تكون معه في الحاضر، وأخرى يتساءل عما تفعله الآن بدونه؟، ومع من تكون؟، وثالثة يتفكر كيف سيقابلها؟، وماذا سيفعل حينذاك؟ ويتذكر بألم ومرارة سبب فراقهما الحتمي، الذي جاء قاصما لحياته كلها، والذي حطّم كل أحلامه وطموحاته، وغيّر مسار حياته، فقد فقد معه كل متعة ممكنة للحياة، ولم يعد سوى رجل مصاب بالغثيان .."ثلاثة أعوام حاضرة معنا، حاضرة معا. من أجل هذا افترقنا: فإننا فقدنا القوة على تحمل ذلك العبء، ثم فجأة، حين تركتني آني، انهارت الأعوام الثلاثة مرة واحدة، ودفعة واحدة" ص91
وحين التقيا بعد زمن طويل، وانتظار كبير، وشوق عارم، ولهفة حارقة، وذكريات كثيرة ممتدة بينهما، كان الحب ثابتا في قعر الروح، ولكنهما كابرا بشدة عليه،لم يستطيعا أن يختصرا المسافة بينهما لذات النقطة، لذا كان الحوار بينهما ذابلا ولا يقول شيئا:"أنا لست حزينة على الإطلاق، وقد سبق أن دهشت لذلك مرارا، ولكني كنت على خطأ:لماذا أكون حزينة؟ كنت جديرة في الماضي بعواطف عنيفة جميلة. لقد كرهت أمي بهوس.. ثم أضافت بتحدٍّ وأنت بالذات، لقد أحببتك بهوس ....."
وهكذا افترقا مجددا، بلا نية على اللقاء أو الفراق، ذهبا في العام، في الحياة التي تبتلع كل شيء، والطريق الذي يؤدي إلى كل مكان إلا إلى حب يسكن القلب، أو وجع يسكن الروح، ذهبا؛ وظل في منطقة ما بينهما لا حدود لها ولا ظلال حنين عارم لن يزول.
ويمضي روكنتان في غثيانه الذي أوصله أخيرا بأنه لن يؤلف الكتاب الذي كان ماضيا في تأليفه .."أربعة أسطر على ورقة بيضاء، لطخة دم، إن هذا هو ما يشكل ذكرى جميلة، وينبغي أن أكتب تحتها "هذا اليوم عدلت عن تأليف كتابي عن المركيز دور رولبون" ص141، كما قرر العودة إلى باريس "انقطعت عن تأليف كتابي عن رولبون، انتهى الأمر إنني لا أستطيع بعد أن أكتبه .فما الذي سأصنعه بحياتي؟ " ص 133، ولكنه وجد في يومياته التي يدونها منذ أول لحظة جاء فيها لبوفيل حتى خروجه منها، وركوبة للقطار مشروع كتاب من نوع آخر وهي رواية "الغثيان". "رغم أنها ... أريد كتابا . رواية، وسيكون ثمة إناس يقرأون هذه الرواية ويقولون: "إن انطوان روكنتان هو الذي كتبها، لقد كان شخصا أحمر الشعر يتسكع في المقاهي" 248.
3.
إن أصعب ما يحدث عندما تضع قدمك أو روحك على عتبة عمل أدبي ما، ثم تمضي إليه وبه وفيه، أن تشعر ببعض الحنين والانتماء لهذا العمل، بل وأن تشعر لاحقا بالكثير من التوحد معه، لأن هذا الأمر سيكلفك لاحقا الكثير من التعاطف معه، أو الغضب منه أو الحزن عليه، وفي كثير من الأحيان الكثير الكثير من الانسجام العميق معه، حتى لتتخير لك موضعا، أو شخصا أو مكانا فتشعر أنك أنت هناك تماما، خاصة في الرواية، فقد تشعر أنك الكاتب أو البطل الذي حرك هذه الأحداث، وتتساءل طويلا، كيف فعل ذلك بي؟ كيف استطاع ترويض روحي بهذه الخفة، وكيف استطاع الإمساك بوعيي بهذا الشرك العظيم الذي نصبه لي بدهاء منه، واستجابة طواعية مني.
فإذا كان الحال يشبهك كثيرا فإنك ستكون مرتبكا جدا في التعامل معه، ماذا يعني أن تشعر أنك كائن من بلاد أخرى، ومن عصر آخر، ومن ثقافة أخرى، ومن توجهات فكرية وربما إنسانية أخرى أيضا، كيف تتلبس الأفكار التي لا تؤمن، أو لم تعد تؤمن بها؟ وكيف ستستطيع لاحقا التخلص من رواسبها في عقلك، كيف تتعاطف من الأخطاء التي تدرك فداحتها؟
ولكن هذا ما يحدث غالبا، حيث يصبح ذلك الملل هو مللك أنت، ذلك القرف الوجودي لك، مررت به مرارا، كل تلك الارتباكات في التعامل هي لك، كل ذلك الشرود والغياب والغباء، كل ذلك التعاطف الساذج أحيانا، وكل تلك القسوة غير المبررة أحيانا أخرى، كل ذلك الوجع من أشياء باهتة وغير ذات ثقل لتغير مزاجك، كل تلك العواطف التي تذهب في اتجاهات غير واعية وغير مستحقة، كل شيء، التيه والهذيان الطويل والمستمر والذي يمكن أن يؤلف كتبا كثيرة تحكي عن الملل والقرف، وعن بشر عبروك بزوايا مختلفة، منهم من طاول وجعك، ومنهم من اقتص من جبروت ضحكتك القصيرة، ومنهم من ضاعف وهنك، وضاعف حمّاك الباردة والحارة معا.
الغثيان الذي كتبه سارتر بعمق ودقة بكل تفاصيله المدهشة، والذي يتصاعد من الروح للجسد، بكل ذلك الحضور العميق والفاعل في الروح، في نحتها وتحليلها كسائل حمضي قادر على تحليل وتفتيت كل شيء، هو حالة إنسانية نفسية عميقة ومتكررة، وكثيرا ما تبتلع الروح وتفتت الوجدان.
أخيرا : يمكننا القول أن سارتر أبدع في الغثيان، حتى ليشعر قارئ في أقصى الشرق، بكل كلمة كتبها رجل في أقصى الغرب، وكأنه يعيشها تماما، بل وكأنه هو الذي اختبر تلك المشاعر المتضاربة، وذلك الحزن القاتل، وذلك الشرود الرهيب، وذلك الغثيان المتكرر، بعد ما يقارب قرنا كاملا، وهذا أكثر وأكبر وأجمل ما يمكن أن يصنعه عمل فني في قارئ خارج الزمان والمكان، وأكثر وأكبر وأجمل ما يبتغيه كاتب من الكتابة، وأكثر من يمكن أن يسم أي عمل أدبي بالنجاح والخلود معا.

* رواية الغثيان ، جان بول سارتر، ت: دسهيل إدريس، دار الآداب ، ط،4 2004

غياب!

كطفلة خائفة
تقف خلف ظهر الغياب
تتشبث بعباءته الحانية
كي لايراها أحد..
تختبئ
من ظلها المنكسر
ومن خطوها المحفوف بهالات القلق
ومن صوتها المرتعش كناي يتيم يبكى ما تواتر من حكايات القصب
تهرب من رائحة الياسمين في الذاكرة
ومن الحزن المعشوشب في صدرها كالدخان
ومن الوجع المتحشرج في الحنجرة كزغرودة أم الشهيد
تسوى بيدين يرجفهما الوهن
حنين الرمل للماء ولأغنيات المساء البعيد
وللحكايات القديمة
ولنشيج الحارة الحسناء
وللبحر الذي مافتئ يراود صمتها
عن هفهفة النسيم، ولثغة الأشرعة
وعن نخلة في الضلع الأقرب للخاصرة
وعن ضحكة بكر، ودمعة كاذبة
ثم تنفث على عجل ما استطال في غفلة القلب من رعاف السنين
ومن صداع المطارات والأوردة
وتشرع نوافذها للعزلة الطيبة
تغرق في صدرها
وتذوب عند المسافة التي تفصل الروح عن الرائحة
تذرف آخر ما ينبغي أن يقال
وهي تمضغ الصمت على مهل..
ثم تبدأ في سرد الحكاية ..!

27 يناير, 2012

مايشبه الوقوف على الأطلال!

ذاكرتي توجعني
قلبي يوجعني
وثمة حزن يسيل في مكان ما من الروح
وحكة ..كأنها السؤال
لمااااااااذااااا؟
لماذا تم تغييب الفعاليات الثقافية عن مهرجان مسقط هذا العام 2012؟
لماذا كل المشاريع الثقافية في بلادي تنتهي؟
لماذا هذا التغييب لدور الثقافة والمثقف ؟
ألايدركون معني" السياحة الثقافية"؟
ألا يعرفون أن المهرجانات الثقافية هي أهم وسيلة للتعريف بالبلد؟
ألا يدركون أن كتابة مقال من مثقف كبير، ينشر في صحيفة كبرى قد يكون دافعا للملايين لحضور المهرجان في عام آخر؟
الكاتب هو ثروة الوطن، وهو سفيرها للعالم؟ والثقافة هي وسيلتها للظهور والعالمية؟

وكأنني أتذكر..!
في २००३ كنت أقف مرتبكة بين أكثر من عشرين شاعرا من مختلف أرجاء الوطن العربي ومختلف التوجهات الشعرية والفكرية، هذا ناهيك عن الأمسيات الفكرية والنقدية والفكرية التي كانت زادا للروح والوعي .
في 2009كنت أشارك الشاعر اللبناني الكبير والجميل عباس بيضون منصّة الشعر، هو الذي كتب لاحقا عن جبال مسقط التي تتمشى في الأسواق في كتابة رائعة وعميقة
في 2011كنت ضمن اللجنة الثقافية لمهرجان مسقط مع سماء عيسى، وعبدالله حبيب، وجوخة الحارثي، كنا نحاول بفرح ومحبة وتقدير جلب أقصى الدهشة لمتلقٍ نعرف مسبقا أنه ينتظرنا بشغف ووعي.
في هذا العام كنت أعد نفسي بدهشة مماثلة أو أكثر تنوعا وحضورا، وكنت أمني الروح بإجازة أختص بها زخم الفعاليات الثقافية لأستطيع مجاراتها والاستمتاع بها مع دعة برد مسقط الجميل، ومهرجانها المتنوع।
إلا أن الخذلان كان نصيب هذا الهدف النبيل.
مهرجان مسقط كان شرفة مفتوحة على الفكر والحرية والدهشة!
في مهرجان مسقط فقط صافحت عيوننا وآذاننا وأرواحنا وعقولنا معظم المفكرين والشعراء والكتاب الكبار من مختلف أنحاء العالم، والذين اعتزلتهم المؤسسة الثقافية، أولئك الذين تغنوا بمسقط لاحقا !
في مهرجان مسقط فقط خرجت الثقافة من عباءة الاحتكارات والرأي والواحد، لأن اللجنة كانت تتغير كل سنة، وهناك تنوع في الأنشطة: شعر سرد، مسرح، سينما، موسيقى، وفنون تشكيلية !
كنا نعد الروح والعقل والوجدان بوجبة شهية من الفعاليات، بأسماء مختلفة، وأفكار مختلفة، ونعدها للكثير من المتعة والفائدة والجمال، ولكن هذا لن يتسنى لنا هذا العام.
غياب هذه الفعاليات يعني إغلاق الشرفة الأوسع للهواء، والكوة الأجمل للنور في الثقافة العمانية!
خسااااارة فعلا ॥خسارة بحجم غصة وحزن ..ولاتكفي !

25 يناير, 2012

حرفا علة!

الرجل الغريب والمرأة الخرساء
يمارسان عادة المشي اليومي على أرصفة الكلام
يبتاعان الحزن الطازج والدمع الحار
المرأة الباردة الحزن
والرجل الذاهب في الغيبوبة
يلتقيان كثيرا على هامش الصفحات
وعلى ناصية الحلم
وبين فكرة وضحاها
وعند مدخل الأحزان اللامعة
وعلى حدود الرؤى الذاهبة في الغياب
يتكلمان كثيرا
ولكن ليس مع بعضهما
بل مع آخرين لا يفهمون أن ثمة إشارة خفية في طرف الكلام
تومض مع منتصف الذكرى السنوية لموتهما
الرجل الغريب كثيرا ما يشير إلى ساعته ويسألها عن الساعة التي لن تأتي
والمرأة الخرساء ترفع كتفها غالبا بأنها لاتدري
الرجل الغريب والمرأة الخرساء يحضران غالبا معا
في أعراس الفقد
وفي مآتم النسيان
مع أنهما لايعرفان بعضهما أبدا
ولم يلتقيا إلا في جملة ناقصة.

16 يناير, 2012

نارة لسميحة خريس .. حكاية البنت الشقية التي تعري المجتمع وتكشف سوءاته

جريدة عمان ملحق شرفات
الثلثاء, 17 يناير 2012
فاطمة الشيدي
1.
البنت الشقية (من الشقاوة) المتمردة والمشاكسة، والمختلفة عن المجتمع ومعه، والباحثة عن الحقيقة بنفسها لأنها لا ترتضي الجاهز منها، والتي تسعى لكشف مستورها وبعيدها مهما كلفها ذلك من عناء وتعب، وحزن واختلاف، هي صورة متكررة في المخيلة السردية منذ ليلى والذئب وغيرها من الروايات التي تعالج صورة المرأة وتبحث في تفاصيل حياتها، لأنها المقارن الموضوعي للنوع الآخر من الروايات التي تعكس الرضوخ النسوي، والألم المرتبط بسيرورة حياة المرأة وضعفها وانتظار من يخلصها من براثن الظلم من الخارج كقوة غيبية أو خلاص خارجي، كسندرلا وبائعة الورد و غيرها من الحكايات التي يأتي الخلاص فيها من خارج إطار المرأة ذاتها.
وسميحة خريس اختارت أن تنحاز في روايتها "نارة" لهذه الفئة، أي للقوة الذاتية، والتمرد النفسي على المجتمع المشبّع بالظلم والقهر للإنسان البسيط والعادي بجنسيه، وبمختلف أطيافه الاجتماعية والمادية والنفسية، التمرد الذي لا يعني الرفض بقدر ما يعني الانتماء، والكشف الذي يشبه الوصول لحقيقة مدركة سلفا، ومجاهدة الذات قبل الآخر في العبور اليومي والذي لا ينتظر الكثير من هذه الحياة .
لذا علقت الكاتبة صوتها العالي، ووجعها ورفضها للكثير من أمراض المجتمع العربي الثقافية والاجتماعية والسياسية على مشجب صحفية ناشئة، قررت أن تعاند هذه الحياة التي تعاندها بأن تعيشها كما تريد هي، وترسمها من الداخل بقلم محايد تماما. نارة الطفلة التي ذاقت اليتم مع أول صرخة للميلاد، وعاشت حياة عادية وبسيطة، قررت أن تتمرد على هذه الحياة بأن تكتبها وتصدرها للقارئ رواية تحمل اسمها، وتفاصيل حياتها التي يشاركها فيها الكثيرون.
2.
الحكاية التي ترويها لنا "سميحة خريس" على لسان نارة تتلخص في أن بنتا صحفية مهمشة وعادية جدا وتعمل في صحيفة "يكاد لا يقرأها إلا أصحابها "، اعتقدت أن لديها حكاية مهمة، وأن حكاياتها هذه صالحة للكتابة، لذا قررت أن تبحث عن كاتب مهم ومشهور يقوم بهذه المهمة الصعبة، وبدأت تبحث عن أسماء كبيرة، تصلح لهذا الدور الكبير لكتابة قصة هامشية، مثل " خيري منصور" ومؤنس الرزاز"، و"إبراهيم نصر الله"، ولكنهم رفضوا كتابة حكايتها، ثم واصلت البحث حتى وصلت عند سميحة خريس التي رفضت الأمر في البداية ولكنها ألحت "كقرادة لاصقة على بدنها" ص18، فقبلت الكاتبة أن تصغي لهذه الفتاة التي نقلت إليها صورة كريكاتورية للمجتمع الذي تعيش فيه مضخّمة حجم مساوئه التي قد لا تراها العين المجردة والعابرة في هذه الحياة، ولكن "نارة" الساخطة والمجنونة والساخرة تنقل كل التفاصيل بشكل مبالغ فيه حتى تعري هذا المجتمع وتظهر عوراته الكثيرة.
ونارة الطفلة التي ولدت يتيمة بلا أب ولا أم، فالوالد ذهب لفلسطين ومات هناك، والأم لفظت روحها بحمى النفاس بعد مخاضها بهذه الطفلة التي ستربى في بيت عمها وزوجته العقيمين وجدها الذي يعاني من زهايمر العمر الأخير وصمته. وتعيش في حي شعبي بسيط يعرف فيه الجميع بعضهم، وفي بناية بسيطة، ومع هذا تختار مهنة المصاعب لتحقق حلمها الثالث، "حلم الطفولة الأول كان تلويث فستاني بالشوكلاتة إلا أنها لم تكن مادة سهلة المنال، فإذا ما توفرت رحت أمتصها ببطء مستبقية رطوبتها وحلاوتها في لساني مانعة أي قطرة أن تسيل خارج فمي، حلم الطفولة الآخر نوع من الصعلكة البريئة إذ طالما اشتهيت دعك ركبتي بتراب الحارة وتمزيق بنطالي على الإسفلت ولكني بنت لذا بدا حلمي الثالث "الصحافة" متاحا جدا، منطقيا ومقبولا" ص 5.
3.
شخوص نارة" كثيرة ومتعددة الطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهي متنافرة، وواضحة أحيانا ومقنَّعة أحيانا أخرى كما تريد لها نارة لأسباب مهنية وسياسية ورقابية، ولا رابط بينها إلا نارة، فهي الحدث الوحيد الذي يجمعها في نرجسية بوحية حكائية، شخوص تبدأ من المجتمع حيث يسحق المسحوق مسحوقا مثله، وحيث تنتشر الأمراض الأخلاقية والنفسية كالفطر العفن، فأهل الثقافة الذين يمارسون تشويه الفكر، ويعيشون المغالطات والكذب والمبالغات، والرسميات، وصناعة نجوم المواسم الثقافية، ولعق الأحذية، حتى الساسة بحذلقتهم وفسادهم وكذبهم، ورجال الأموال والأعمال الذين ينهبون خيرات البلاد والإنسان تحت مسميات كثيرة، فأهل الإعلام حيث تلميع وتبرير هذه الخلطة الزائفة للحياة، وتصدير الكذب بمسميات أخرى، ومن شخصيات "نارة" جدها أبو عدنان، والعم رمضان، وزوجة العم فتحية سليطة اللسان العقيمة التي لا تنجب، والتي أخذت طفلا خطيئة لتربيه في بيتها، وبذلك تنقذ أمه من فضيحة كبرى بسبب خطأ ارتكبه ابن الجيران، وشعبان الطفل الذي لفظه رحم ليتلقفه حضن آخر ليس حضن أمه، "وأم صبحي"، وزملاء العمل "كعب الكباية"، و"الماحي"، و"سحلية"، و"هيد آند شولدر"، و"منذر"، و"أمرك سيدي"، في تغييب للاسم وإظهار للصفة القاسية التي تنعتهم بها الروح المجنونة نارة.
4.
لا تريد "نارة" عقدة واحدة لتحيك حولها حكايتها، فهي ذاتها عقدة بجنونها ورفضها وسخريتها من هذه الحياة، وعملها الذي تعيش منه، وترى العالم من خلاله بفساده ونفاقه وكذبه ودهاليزه الكثيرة، من السياسة حتى الثقافة، فالمجتمع، وحجم الكذب الذي ينشر كل يوم في صحف تبيعه ويشتريه بشر بأثمان يمكن أن تسد جوع آخرين، الكلام الكثير الفضفاض الذي يسيل من كل مكان، هو عقدة أكبر تحكيها وتحكي عنها (معركة، حرب كلام وعضلات وخزعبلات على المنصات الوقورة) ص 45، وأسرتها عقدة أخرى، بالجد الذاهب في الصمت والنسيان، والخالة التي ليست خالة، والعم الذي أخذ بيتها نظير تربيته، والصمت المتقن في شبكة علاقات إنسانية مزوَّرة وباهتة، والعالم كله في تناقضاته الكثيرة،وفي جوعه وفقره ولا عدالته، ورفضه للإنسان البسيط وسحقه تحت عجلاته السريعة عقدة أكبر(ما أهمية التزايد المطرد لأعداد الجائعين والشحاذين وبائعي العلكة وفارشات السجائر الرخيصة" .
5.
الزمان والمكان في "رواية نارة" حاضران بقوة فهي تعيش وتحكي وترسم مشاهد يوميه في عام 2002- 2003 مستحضرة كل ما تقع عينها عليه،وهي تجوب عمّان جيئة وذهابا "من الجامعة الأردنية إلى جبل الحسين" فهي الصحفيَّة التي بحكم عملها تكتب في كل شيء من السياسة حتى الرقص الشرقي والموضة والغناء، وبالتالي تدخل في كل سراديب الحياة ومساربها "هذه النارة وبحكم جنونها ترتاد الأماكن الغريبة، التي تصبح بمرور الوقت أليفة، أكثر من سطح البيت الذي ذرعته آلاف المرات، إبان الاستعداد لامتحانات التوجيهي"، وتصف كل شيء بسخرية لاذعة وبكل جماليات الملل الحقيقي " أما الندوات، الجثث المحنطة، مومياءات ملفوفة بالبياض فوق جلد خشن وعظم متخشب، تنطلق الكلمات الجوفاء من أبواق واسعة".
6.
الحلم معادل الخلاص، لهذا تحيلنا رواية "نارة" فالطفلة الوحيدة اليتيمة الغريبة حتى بين صديقاتها في المدرسة، والتي تظن مدرساتها أنها متوحّدة، أو غريبة الطباع وجدت لها في حوارات طفلة أخرى مع لعبتها حلا لوحدتها، فاخترعت لها حلما وحبيبا وصديقا حنونا، اخترعت لها قلبا تناجيه، فكان "حسن" الشبح الصديق والحبيب، هو الروح التي تركن إليها تبكي على صدره كأم، وتشتكي له الحياة كصديقة، وتضع رأسها الثقيل بهموم البشر على كتفه كحبيب، إنه جنّة الخيال الذي صنعته المخيلة الخصبة، في عالم متهالك ومتآكل ومكلوم من رأسه حتى أصابع قدميه، وثروة الروح الباهظة الوجع والغربة والألم.
7.
وضمن هذه الخلطة العجيبة للحياة، تحاول نارة توضيح رأيها في أبسط مواقف الحياة وأعقدها، بالرفض والصراخ تارة وبالصمت تارة أخرى، وهو حقها الطبيعي في الكفر بكل هذا الزيف، وبكل ما تسمع وتنقل وتشاهد وتكتب أحيانا، متمسكة بخيط واهن من الأمل والإنسانية والانتماء العروبي والقومي، وأخلاقيات الإنسان التي تتهاوى في زمن العولمة، ولكن لم يكن لكل هذه الغربة الثورية، والثورة الحانقة، والألم البيّن في روح "نارة" أن تشفع لها الحياة بالتكوّن والتكوّر والفرح والمتعة، ولا أن تقنع القارئ بالتسامح والانسجام معها، لذا كان لابد من التحليق والغياب، ولا بد من رفض كل شيء فيها، والذهاب باتجاه السماء العادلة، ولا بد من نار تلائم "نارة" "حارسة الماء والنار"، وهكذا في لا وضوح تام ترشدنا الكاتبة بصمت "نارة" عن الحريق الذي أعده جدها في القبو، واستسلامها للقدر المحتوم بالغياب الأخير عن حياة لم تقدم لها الكثير، "كأني لا أعلم مسبقا بأمر الموت الذي يعده جدي الناسي، وهو يشعل النار في قاع القبو، لتمتد ألسنة حارة وكاشفة ومجنونة من قلب البناء، وصولا إلى البيت موصد البواب".ص 189
تعانق نارة النار التي انفجرت في البيت كله، وهي متكوّمة في وضع جنيني، لتغادر هذه الحياة بلا ألم ولا تمسك بها، في مقاربة سردية بين اسمها والنار، وبين الوضع الذي جاءت منه، والذي تذهب إليه، وتفتح أبوابها للغياب في السماوات، تاركة القارئ في لبس بين كاتبتين وحياتين وموت لا يعرف من اقترفه تحديدا، و حيرة مقلقة تشبه كذبة صغيرة تقولها أم لتجمّل الحياة لأطفالها، أو تشبه الكتابة والحلم إذا امتزجا معا. "كيف للمدونة الكاتبة أن تعلم ما شعرت به، إن ألّفت أو زوّرت على لساني مشاعر ومواقف تزعجني، كيف أعاتبها أو أنكر؟ أصبحت كلي ملكا لها، تقتلني كما يحلو لها فأموت مبتسمة، مسترخية." ص 188.

نارة: امبراطورية ورق، سميحة خريس، دار الشروق، عمّان، 2005.

02 يناير, 2012

مضى عام .. وجاء عام آخر!.. هكذا وبكل بساطة يحدث الأمر ويتكرر كثيرا

جريدة عمان - ملحق شرفات ، الثلثاء, 03 يناير 2012
فاطمة الشيدي


1.

مضى 2011بالكثير من الخراب والعمار، والقهقهة والصراخ، والحياة والموت، والرضا والحنق، والغضب والطمأنينة، مضى بعد أن خلّف الكثير من الدماء التي أنبتت ورودا، والكثير من الفوضى التي تشكّلت أغنيات وأهازيج وزغاريد، وهاهو ينظر إلينا من بعيد ملوحا بابتسامة تليق به، كما الشهداء الذين يرفلون في أثوابهم البيضاء في عرس السماء، والخوف الذي تحوّل فأرا صغيرا في جحر الكينونة في الذاكرة العربية المسكونة بالكثير من الهوان والذل والخوف والرعب.

مضى؛ وهاهو ينظر إلينا بعد أن أنجز مهمته العظيمة قبل الرحيل المقدّس، فلقد علم اللسن الخرساء الكلام، والأصابع المعقوفة الكتابة، والرايات المنكّسة الشموخ، وأعاد سيرورة الوجود بعد انحراف طويل، والذاكرة الخالدة التي كانت حلقاتها التاريخية قد صدأت واصلت الالتحام.
مضى؛ بعد أن شحذ الحناجر كالسيوف، ورفع الهامات كالرايات، وجعل الجمع الكبير يملك الدفة والسفينة ويوجه الريح أيضا.
فوداعا أيها العام الجليل: لا بأس عليك، ارقد الآن في نعش التاريخ الخالد، فالموت أغنية الميلاد، والغياب بداية الحضور، والحضور بداية الغياب، ارقد فكل أجسادنا وأحلامنا وذاكراتنا، وأصواتنا تحرسك، وكل أمنياتنا معلّقة كتميمة خالدة عند قبرك، وكل أغنياتنا ستظل تلهج بذكرك ما شاء التاريخ والحضور والزمن.
نم بهناءة، فقد علمْتنا لذة النشيد، وقبلك كنا نتذرّع بالصمت، ونهرّب أحلامنا للفضاء، ونأكل من خبز الأمس المعدُّ للغرباء لنشبع قليلا، فأضفت إلى ذاكرتنا الكثير من الملح والذكريات، ولأحلامنا الكثير من الأمل، وللتاريخ الكثير من الصفحات والمداد، فهنيئا لك هذا الحضور العظيم، وهذا الغياب الخالد، وهنيئا لنا أننا سجلنا أعمارنا في صفحاتك البيضاء.
2.
ها قد مر عام على وجودنا في هذا الكون، على أفراحنا الصغيرة، وضحكاتنا المرهقة، على دوارنا وحنيننا، على فوضانا وعبثنا، على أحلامنا وهزائمنا، على آخر ضحكة من القلب، وآخر دمعة جرحت الروح، ها قد مر عام، انسل من أعمارنا خلسة كقطرة ماء معلّقة في سرة غيمة مرهقة، ذرفتها كدمعة أخيرة، مر العام ونحن لا نزال نمشي، ونمضي نحو الهاوية، ونعيش على قيد الأمل، نسحب جثثنا خلفنا كظل يراقب ما يحدث بعجز وصمت في الوجود العظيم الذي لسنا سوى هياكل صغيرة تحركها الأقدار بخيوطها الخفية فيه، كل شيء يمضي ونحن أيضا؛ نسير بخطىً كسيحة في هذا الوجود، نعرج في عبورنا الهش والبسيط لأنه علينا أن لا نتوقف ولأننا "محكومون بالأمل" وربما محمومون به، مضى عام .. وجاء عام آخر، هكذا وبكل بساطة يحدث الأمر، ويتكرر كثيرا!
3.
تمر السنوات ونحن نلهث وراء ما لا يأتي، وبين التفاؤل والتشاؤم هناك خيط رفيع نعيشه بحذر، أو بتناوب الحضور، نكْبِر أشياءً تصغر مع الوقت، ونحسن الظن في أشياء فيسوء مع الوقت، نرسم صورا بألوان فاقعة فتبهت مع الزمن، نشبك أصابعنا في عناق حميمي مع الفرح فتتراخى الأصابع رويدا رويدا مع الزمن وندرك أننا أصبحنا مع الغياب، تتحقق بعض الأمنيات، وتتسرب بعض الأحلام من الثقب الكبير في القلوب، تتغير ألوان الضحكات، وطعم الدموع، وطول القامات المنتصبة التي يخذلها الانحناء، ولا يحدث أكثر من ذلك.
ربما نتعلم بعض الدروس الكثيرة التي تتلوها الحياة على أرواحنا وأجسادنا بسياطها الطرية، فنمتثل للمدرسة الأم وندرك الكثير من الحكمة والمعرفة ولكن بعد مضي الوقت، أو بعد فوات الأوان، نعرف ألوان القلوب، وأحجام الضمائر، وأخلاق البشر، نعرف معاني جديدة، ونعرف معها أننا كبرنا، وأننا لم نعد نحتفظ بذلك الجهل الجميل، والهشاشة العفوية، والبياض الخصب، والجنون النبيل، فنبدأ في تطبيق الدروس الكثير عنوة، ونجبر أرواحنا الطيبة على الامتثال لحكمة الزمن، نلوي عنقها لتكون أكثر خضوعا لنا، وصرامة في التعامل مع الخارج "الجحيم"، نعاملها كشخص بعيد، نعزز فيها ما قدمت، ونحاسبها على ما قصرت، وعلى ما اقترفت من حماقات عذبة، وهزائم حنونة، وبالقليل من محاولة لملمة أشلائها، وتقدير منجزاتها، ندرك أننا أنجزنا الكثير من الأشياء الجميلة، وعرفنا القليل من الأرواح الطيبة،والقليل من الأرواح الخبيثة، وعشنا بعض السقطات المؤلمة، والخيبات الضاربة في الأعماق، وتمرأينا في مرايا طيبة فأصابنا نور بياضها، وأخرى مشوّهة هربنا من عتمتها كي لا توقظ صداع التعب، وفوضى الخسارات المجيدة، وثالثة عاكسة، فلم يرنا من تمرأينا في مرايا أرواحهم، بل كانوا يرون وجوها أخرى، وقلوبا أخرى أكثر نصاعة وقربا، لأن مراياهم عمياء وقلوبهم مشمّعة بالشمع الأحمر.
استمعنا لأكاذيب كثيرة، ولصدق قليل، عشنا أحزانا طازجة، وسخّنا أفراحا بائتة كنا قد وضعناها في الثلاجة للحظات السغب، كي نستشعر دفء الفرح حين يأكل الحزن أطراف أرواحنا. بكينا كثيرا نخب الألم الجليل، وضحكنا قليلا في صحة الروح، ومضينا كأشباح لا يرى منها إلا ظلال العبور .. ومضينا ..!
4.
مر قطار العمر تاركا محطة جديدة من محطات الوجود نحو القبر، تركها بكل خيباتها ودهشتها، الدهشة الجيدة من حجم الجمال في لحظة ما، والدهشة المستنكرة من قبح قلب في لحظة ما. ومعه غادر كل منا المحطة وفق ما هو عليه "تماما" بقبح وجمال، أو بتشظيات وانكسارات خفيفة، بأحلام سامقة أو بخيبات قاتمة.
وبين المحطتين كان كل منا يأخذ نفسا طويلا، ويمد يدا نحو دفء غيبي ما، ليكتب في الصفحة الأخيرة من "روزنامة" العام، عن شيء ما، هو أكثر ما حدث له خلال ذلك العام، عن يتم يشبه الفقد، أو حنين يشبه الوجع، أو فرح يشبه صرخة طفل غضة، ولاشيء أكثر من ذلك يحدث في تلك اللحظة الفاصلة بين عامين، لا يحدث سوى أننا نحصي أفراحنا وأتراحنا، هزائمنا وانتصاراتنا، ونضحك كثيرا على كل مرة سقطنا فيها، ننظر لها من جميع الزوايا من الأمام والخلف وعن اليمن وعن الشمال، قبل أن ننفض ملابسنا كطفل خجل، ونعاود المشي على رصيف الأمنيات المسمّى حياة، نفعل ذلك كثيرا ودائما، نفعل ذلك لأننا لا نملك غير ذلك، لا نملك خيارات الحياة، ولا حتى خيارات الموت.
5.
الحياد مجددا، الحياد الذي يأخذ أرواحنا نحو السأم، ذلك الحياد القاتل الممل، السقيم، الباهت، المريض، الذي بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة، الحياد الذي يقع في منتصف الأشياء تماما، تلك النقطة البؤرية البشعة بين المتضادات، بين الفرح والحزن، بين الصمت والكلام، بين الحياة والموت. الحياد الذي يشبه العدم، الحياد الذي تغيب فيه وصوفات الأشياء، ومقايساتها، وأحجامها وألوانها حتى الغثيان، وتلتقي فيه المتضادات بتلاحم خفي متآمر، الشر يوازي الخير، والقبح يوازي الجمال، والحنان يوازي القسوة، والحب يوازي الكره، لحظة إعدام ضمني لكل شيء داخلي وخارجي، لحظة تتوقف فيها سيرورة الوجود والذات والطبيعة والكون، لحظة تحتاج فيها أن تعلّق روحك في مشنقة خفية، لتلفظ ذلك الغثيان مع آخر نفس يخرج من جسدك!
لو كان الحزن!
لو كان الفرح!
لو كانت الحياة!
لو كان الموت!
لو أي شيء متطرف يدفع الحياة لدروب التعاسة الحقيقية، أو الفرح الطازج، لو أي شيء غير هذا الحياد.
لكن ليس إلا الحياد ونحن نستقبل العام الجديد على "الفيس بوك"، ببرودة لا تليق بعام جديد، يحمل حقيبته المكتنزة بالأحلام لعام كامل، ونهدي الآخرين ورودا إلكترونية، وقهوة باردة، ونحتفل مع الأشباح والموتى، نسترجع الأغنيات الموجعة، والقصائد الذابلة، ونجوب ممرات الذاكرة الخربة نحو الغياب، نتذكر المطر الذي انهمر في غفلة من الوقت، نتذكر الفراشات الملوّحة، والحقول الميتة، نتذكر الورود والأشواك، نتذكر الضحكات الصادقة من القلب، والأرواح الممسوسة بالهذيان، نتذكر بحياد تام لا يقوى حتى على الألم.
6.
في كل عام تغير الأقنعة مقاساتها وحسب، والوجوه التي تتشبث بالأقنعة تخفي كل شيء، الكذب المتقن على مساحات الوجوه، والكلام النيئ الذي يسيل من جوانب الفم، ومن هامش الصفحات، ومن بطون الأقلام، الكلام السهل المغمّس باللعاب والسم، الكلام الذي يخرس عند المواقف، ويتلاشى عند الصمت، ويغيب بخزي أمام فكرة رفيعة، أو مبدأ عظيم.
وفي كل عام ترتفع الأشياء العظيمة، والقلوب الصادقة البيضاء المنفتحة على الحياة والحب والصدق، القلوب التي تسيل حرية كالماء، وتُظهر مكنوناتها بفرح طفلي كأحلام البسطاء، وكالأرصفة التي تشرق عليها الشمس نقية ونظيفة، أو النوافذ التي ترسل قبلتها في الهواء للشمس كل صباح فتتمسك بظلها وظلالها ونورها وإشراقها بإيمان عميق، بينما تتساقط الأشياء المعتمة، والقلوب المظلمة، وتختبئ كالجرذان في جحورها، وتظهر منها رائحة نتنة تشعرك بضرورة الابتعاد ألف خطوة للوراء، وهكذا تعيد ترتيب أوراقك ودواليبك الداخلية، تعيد تنظيف روحك، وتنظيم حضور الآخر في دمك، ورغم أن الكثير يسقط والقليل يبقى، إلا هذا ما يجب أن يحدث كل عام .
7.
مضى عام، رحل من رحل، رحلت الأجساد، ورحلت القلوب، ورحل الأحلام، وجاء عام جديد لا يزال يضع قناعا كبيرا على جسده ليكشف لنا يوما بيوم، وساعة بساعة ولحظة بلحظة عن كل ما يخبئه من تقاسيم الفرح والحزن والحياة وربما الموت التي سيعزفها على أجسادنا وأرواحنا. عام استقبله الجميع بفرح غامر لأنه يحمل لنا في حقيبته الكثير من الهدايا والمفاجآت التي سنظل نراوده عنها عاما كاملا، والتي ليست بالضرورة أن تكون هدايا مفرحة، استقبلنا العام الجديد في بيوتنا وأحلامنا وخططنا وأهدافنا، وفي أرواحنا وأجسادنا، لأنه يسكن في تفاصيل حياتنا من الصحة حتى المرض، ومن الدمعة حتى الدهشة، نستقبله ونستحلفه بكل رجاء الحنان والأمان والصحة والفرح .. فرفقا بنا أيها العام الجديد!

31 ديسمبر, 2011

على أعتاب العام الجديد !

مجلة المسار
أعد الملف الحسن الصبحي، حسن اللواتي

مر عام 2011 بكثير من الأحداث الدرامية على مختلف المستويات سياسية واقتصادية وثقافية، فالربيع العربي اجتاح دول عربية وما تزال تلك الدول تبحث عن الطرق المناسبة لتنظيم عملها السياسي والاقتصادي للمرحلة المقبلة، والانتخابات أكدت عودة التيارات والأحزاب الإسلامية في الدول العربية التي أجريت فيها الانتخابات بعد الثورة، كما أن اقتصاد أوروبا ما يزال في أزمته وهو بحاجة إلى 200 مليار يورو للإنقاذ، بالإضافة إلى الصراع العربي والإسرائيلي، والوضع العراقي المتعثر بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية منه بشكل نهائي، أما ثقافيا فإن حرق المجمع العلمي في مصر مؤخرا هو أكبر انتكاسة مرت على الشأن العربي الثقافي خلال عام 2011م।
واليوم نطوي صفحة عام أحزن أمة وأفرح أمما أخرى، وربما الأحداث المفصلية التي اجتاحت العالم العربي ستغير من رسم الكثير من السياسات على المستوى العالمي اقتصاديا وسياسيا.. فما أبرز أحداث عام 2012م؟
المسار تفتح ملفا حول أحداث عام 2012م في ظل التغيرات التي صاحبت عام 2011م وذلك من خلال المحاور الآتية:
فاطمة الشيدي
- ما توقعاتك لمستقبل عام 2012م على المستوى السياسي؟
الزمن الآن يسير في مواجهة شاملة، السنوات والأيام ليست هي التي تحرك الحالة، الحالة هي التي تحرك الزمن، لذا سيواصل مد الحرية زحفه، وستواصل الشعوب العربية المضطهدة والمكتومة الصوت حديث الطلقة الحرة في الهواء، وسيجد الساسة أنفسهم في مواجهة حية مع الأحداث التي لم يكن يتوقعوها، لقد أخذلت الحال التوقعات، وأخرست الأحداث اللسن، الفوضى مرحلية، ولكن ثقافة الحرية والتغيير ماضية، ليس هناك مجال للتسيّد الواحد على خارطة المشهد سواء كان التسيّد الديني أو الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي، التعددية هي الخلاص، تعدد وجهات النظر، والنظر قبل كل للشعب للإنسان لكل ما يهمه، وما يفيده.
المرحلة المقبلة مرهقة قليلا للشعوب وللساسة، هم أيضا لم يعتادوا النظر في مرايا الشعوب، لم يعتادوا العدالة في الميزان، والمحاسبة، ولكن هذا ما يجب أن يحدث، حتى لو بعد مخاضات كثيرة سيدفع الكثير من الشهداء والأحرار ثمنها، كي يقنعوا الزعماء بضرورة التغيير وجدواه على الحكومات والشعوب بأجسادهم مباشرة، كي تكون هناك حالة سياسية حقيقية في المنطقة العربية، لأن ما كان قبل هذه المرحلة لم تكن حالة سياسية، كانت السياسة تابو يمنع الاقتراب منه، وكانت مصدر رعب، وخوف، في حين أن السياسة في الحقيقة منهج وفكر يدرس في الجامعات، والسياسة حالة تمتد من الخبز حتى الدواء فالكرسي الذي يفترض أنه وضع لخدمة الشعب ضمن مسؤولية جسيمة استحقها صاحبها على أساس الثقة والمسؤولية.
لا يزال الوقت مبكرا جدا للتوقع حول تبلور ووضوح السياسة العربية في ظل هذه المتغيرات والرياح العاتية التي لا تزال في بداياتها، وأتوقع 2012 سيواصل مسيرة شقيقة المنصرم في استحضار روح "الربيع العربي" الذي يجسد السعي نحو الحرية والديموقراطية التي تطلبها الشعوب العربية بعد خريف وشتاء طويلين.
- ما توقعاتك لمستقبل عام 2012م على المستوى الاقتصادي؟
سيتعثر الوضع كثيرا قبل أن يستقيم، إنها حالة طفل مريض يحاول المشي لأول مرة بعد كساح طويل، سيفعل ذلك في البداية ببطء، حتى يتسنى له الأمر، لكنه سيجري يوما بلا شك، وهذا حال الوضع الاقتصادي في الوطن العربي.
ثروات العالم العربي كانت محتكرة في أيدٍ قليلة، وموجهة ومستغلة من قبل قوى خارجية، وجاء الربيع العربي فساهم في انهيار الاقتصاد وشل حركته، ولكن مع تحقق فكرة العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإشراك الشعوب في التنمية، ووضع الإنسان المناسب في المكان الذي يستطيع من خلاله إصلاح أطر الصورة المتداعية، ومع استغلال كل ثروات البلدان المهملة أو الموجهة في غير إطارها الصحيح، سيتغير الحال.
الوطن العربي غني بالثروات لذا فالمستقبل مشرق بإذن الله حتى لو كان هذا المستقبل بعيدا، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، وحتى لو عانى في البدء من التعثر الاقتصادي الكبير كما هو الآن وكما سيستمر لفترة أخرى حتى تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران بقوة.
- ما الأولويات التي يجب أن تحرص عليها الحكومات العربية خلال عام 2012م؟
الإنسان، والحرية والإصلاح، الإنسان: من كافة جوانبه الفكرية والروحية والجسدية، التعليم والصحة والثقافة، لابد أن تركز الحكومات العربية هذه الفترة على صناعة الإنسان، ليستطيع الذهاب للمستقبل بوعي وحرية وقوة، فيكون هو أداة التغيير للعالم، ويتواصل مع أخيه الإنسان على هذا الكوكب بعد أن تأخر كثيرا.
والحرية: حيث لابد أن تشعل فتيل الحرية في الفكر والعلم والثقافة، ويكون التعبير عن الرأي والنقد هو سلاح الإصلاح لهذه الأمة التي تأخرت كثيرا عن ركب الحضارة.
والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يبدأ بمحاربة الفساد والغش والواسطة، وكل الأمراض الاجتماعية والثقافية العربية لخلق إنسان جديد، قادر على مواكبة العصر بمتغيراته وسرعته.
- هل ستتواصل رياح التغيير في عام 2012م عربيا وعالميا؟
أظن أنه لابد أن تتواصل حتى تكنس كل المخلفات والعُصابات التي كانت تغشى عيون الناس، لا يزال الطريق طويلا، ولا تزال الهمم لم تفتر في سعيها الحثيث للحرية، وعليها أن لا تفعل، لابد أن تكون رياح التغيير سلوكا في المجتمعات العربية لمحاربة الفساد والمفسدين، ولابد أن تأخذ الديمقراطية والحرية مكانهما الطبيعي والمناسب في مواقف شعوب هذه المنطقة وسياساتها ليصبح التغيير حقيقيا مع الزمن.
- كيف ستكون النظرة إلى الشباب العربي من قبل حكوماتهم بعدما استطاعوا قيادة دفة التغيير في العديد من دولهم؟
ستكون كما كان ينبغي أن تكون، وكما هي بالفعل خارج حالات التهميش والاستبداد والظلم والقهر، الشباب هم قوة التغيير وطاقة الغد الخلاّق، هم القادم، لذا لابد أن يؤخذوا بعين الاعتبار في البناء والصناعة والخطط التنموية، وفي العمل والتعليم، لابد من إعدادهم الإعداد المناسب لثقافة العصر بكل نواحيها لبناء الدول العصرية والإنسان الجديد، ولابد من الاستفادة من طاقاتهم وعدم هدرها أو تحييدها أو إهمالها لتصبح طاقة غير مستغلة، وبالتالي فهي جاهزة لتكون طاقة مضادة، فتصبح طاقة للشغب والهدم وتعطيل مسيرة الشعوب والحكومات، أو قوة ضغط مكبوتة تعاني وتنتظر الفسحة للانفجار والتدمير كما حدث في "الربيع العربي". الشباب هم عمود الأمم وأظن أن الحكومات تعي ذلك، وأصبحت الآن تعيه بشكل أفضل.

27 ديسمبر, 2011

بدر شاكر السياب: ذكرى وذاكرة

الثلثاء, 27 ديسمبر 2011
ملحق شرفات - جريدة عمان
فاطمة الشيدي

1.
في الرابع والعشرين من هذا الشهر حلت ذكرى رحيل شاعر العراق وشاعر العربية بدر شاكر السياب، الشاعر الفارق في مسيرة الشعر العربي المعاصر، ومؤسس الشعر الحديث، ليس للريادة التي لم تحسم تماما لصالحه تماما، ولكن للمستوى الشعري الذي كتب به، والذي أسس به حالة من الفرادة والتميز والمزج بين الجديد والقديم، وبين الشرق والغرب، نظرا لسعة ثقافته، وتعدد روافد معرفته، طبعا بعد روحه الشفافة القلقة، والتغيرات الجذرية في حياته والتي ساقته للحتف في ريعان شبابه.
ذهب تاركا لنا: (أزهار ذابلة 1947م - أعاصير 1948- أزهار وأساطير 1950م- فجر السلام 1951- حفار القبور 1952م. قصيدة مطولة- المومس العمياء 1954م. قصيدة مطولة- الأسلحة والأطفال 1955م. قصيدة مطولة- أسمعه يبكي- أنشودة المطر 1960.- المعبد الغريق 1962م.- منزل الأقنان 1963م- شناشيل ابنة الجلبي 1964م.0 سفر أيوب.
في المستشفى.)
2.
ولد بدر شاكر السياب في العراق عام 1926 بقرية جيكور جنوب شرق البصرة، وذاق اليتم المبكر حين فقد أمه، وتركه والده بعد أن تزوج بأخرى، يقول في ذلك "أبي.. منه جردتني النساء وأمي.. طواها الردى المعجل، ومالي من الدهر إلا رضاك فرحماك فالدهر لا يعدل".
وهناك أكمل دراسته ماقبل الجامعية، ثم انتقل لبغداد حيث دخل جامعتها دار المعلمين العليا والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته. وهناك عاش تجربة الحب الأول الذي لم يكتمل، ثم مال للسياسة فذاق مرارة السجن أكثر من مرة، وكان مهتما بقضايا الإنسان المصيرية والوجودية كالفقر والجوع والمعاناة. كما سافر لأكثر من البلد للتداوي ولحضور بعض المؤتمرات وكل ذلك خضب تجربته بالخصوصية والفرادة والعمق.
3.
عاش السياب الكثير من المفارقات الحيايتة والإنسانية من اليتم حتى تدهور مستوى العائلة المادي من الغنى للفقر، حتى الفشل في الحب الأول، فالذهاب جهة السياسة التي أودت به للفصل من الجامعة، فالسجن والشظف والكثير من التقلبات الحياتية التي ذهبت به إلى معاناة المرض الذي أخذه إلى الموت في ربيع حياته التي عاش أكثرها في معاناة وألم وشعر خاص يمثل بصمة شعرية جارحة في ذاكرة التاريخ للشعر العربي.
لذا اتسم شعره بالمراحل المتنوعة، ففي الفترة الأولى بدا متأثرا بالرومانسية والقصيد العمودي وتنويع القافية، ومنذ 1947 انساق وراء السياسة وبدأ اهتمامه بقضايا الإنسانية متأثرا بإليوت في أزهار وأساطير وظهر ذلك في ديوانه "أعاصير"، ثم ظهرت محاولاته في الشعر الحر ويرى بعض النقاد إلى أن قصيدته "هل كان حبا" هي أول نص في الشكل الجديد للشعر.
ويتميز شعر السيّاب بالأصالة في الروح، والشفافية في المعنى، والعمق في الصورة، والجزالة في الأسلوب، واستحضار المكان، والرموز الخالدة في الذاكرة العربية، فهو نص مثقف وعميق ويحتاج لقارئ متبحر وعميق للوصول لروحه ومفاصله وتفاصيله، وينطلق فيه من مكانه الخاص (العراق) ومن ذاكرته الأولى ليذهب عميقا وبعيدا في الزمان والمكان.
ويظهر الصوت الداخلي للسياب بعمق في كل قصائده حيث تجلده الذاكرة والغربة والألم في عمق الروح، فيهرع للكتابة الشعرية بوعي جارح وغياب مرير، فيصف التفاصيل الصغيرة للمشهد الثابت والمتحرك للحياة والبشر والأمكنة، مستحضرا كل ما تلتقطه عينه من زوايا خاصة به مازجا بين الطبيعة والمكان والروح التي تشتعل فيها الغربة وسط الضوضاء والضجيج، فيعلو صوته الداخلي بألم شعري جارح هو كل ما كتبه السياب في الحب والطبيعة والسياسة والمرض.
وتتميز نصوص السياب بذلك الزخم الهائل من الصور العميقة المتتابعة، والتي تشبه كاميرا سينمائية تسجل الصورة الشعرية من زوايا عديدة وبشعرية متناهية الرهافة والعمق، كما تتميز نصوصه بالعمق الموغل في اللفظ والمعنى معا.
يقول في واحدة أجمل قصائده وهي "في السوق القديم" في مقطع منها حيث يصف المشهد العابر للكثيرين، بكل دقة وحضور روحي متألم، موازيا بين المكاني والذاتي، وبين المحسوس وغير المحسوس في صور متدفقة ومتتابعة هي أكبر من إحصائها لترسم مشهد السوق بدقة وجمالية خاصة يستحضرها الإنسان :
الليل، والسوق القديم
خفتت به الأصوات،إلا غمغمات العابرين
وخطى.. الغريب
وما تبثّ الريح من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم
الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين
والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب
مثل الضباب على الطريق
من كل حانوت عتيق
بين الوجوه الشاحبات
كأنّه نغم يذوب
في ذلك السوق القديم
ويقول في قصيدته غريب على الخليج، محدثا الكثير من التمازج بين غربة الروح وغربة المكان،واصفا كل زوايا المشهد المكاني والإنساني، مؤاخيا بين الطبيعة والإنسان في حديث هامش ينفجر بصورة جزعة يشفع لها النداء لتدل على الجزع الداخلي للشاعر المسكون بعراقه:
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشّر للرحيل
زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوّابو بحار
من كل حاف نصف عاري
و على الرمال، على الخليج
جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج
و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي عراق
و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه
في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
ويقول في قصيدة "الشاهدة" وعلى لسانها، وكأنها تدعو العابر للتأمل في مصير العباد، والبكاء على من يرقد تحتها، بل ويبدو كأنه متنبئا بموته، داعيا القارئ للتواصل معه كأخ وصديق في الإنسانية والمصير والكلمة، عبر تجربته وذاق مراراتها للبكاء عليه هو أسير المرض، ثم الراحل في ربيع شبابه:
يا قارئا كتابي
ابك على شبابي
شاهدة بين القبور تبكي
تستوقف العابر يا صحابي
غضوا الخطى و لتصمتوا إن القرون تحكي
في جملة خطت على التراب
من نام في القبر ودود القبر
يسأل لا ينطق بالجواب
سيان عنده ائتلاق الفجر
و ظلمة الليل بلا ثياب
بلا طعام لا هوى لا حقد
4.
تستحثني الذاكرة لأخبرها متى كان اللقاء بالسيّاب، فيكون ذلك تماما هو زمن الالتقاء بالشعر، لا أعرف تحديدا متى حدث ذلك، ولكنه حدث ربما مع أول قطرة مطر نزلت على كف صغيرة مفتوحة لتلتقط حباته وهي تردد (مطر.. مطر.. مطر) والتي ستخذلها لاحقا فروج الأصابع فيشتعل الحزن، ولا يزال يحدث ويتجدد كلما نزل المطر فيوشوش الروح:
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع كالحبّ كالأطفالِ كالموتى – هو المطر
وكالشعر أيضا "أيها السياب" هو المطر

فدوى طوقان : ذكرى .. وذاكرة

الثلثاء, 27 ديسمبر 2011
جريدة عمان ملحق شرفات
فاطمة الشيدي

1.
في الثاني عشر من ديسمبر حلّت ذكرى رحيل الشاعرة فدوى طوقان عن هذا العالم الفاني، بعد رحلة قضتها في النضال ضد المحتل والكتابة والشعر، والرفض للمجتمع التقليدي ونظرته للمرأة، ومحاورة الحرية الداخلية للإنسان، والخارجية ضد المحتل، جاعلة حياتها قلما، وروحها وردة جبلية، أو ضوءا يخترق العتمة، ويهدي الذاهبين في مسارات الوجود الخاص والهش، ذهبت تاركة ثمانية دواوين وذاكرة خصبة من الشعر والعشق للأرض والكون والإنسان. فيكتب على قبرها قصيدتها المشهورة:
كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشباً على أرضها
وأبعث زهرة إليها
2.
ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وتلقت تعليمها الابتدائي، ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت لأسباب تتعلق بانغلاق المجتمع ونظرته الضيقة للمرأة، وشكّل حرمان فدوى طوقان من التعليم جرحا كبيرا في ذاكرتها وروحها، حيث كان هذا الحرمان حرمانا من الحب والتعليم مرة واحدة، وفي كتابها "رحلة جبلية، رحلة صعبة" تستفيض في الحديث عن ذلك بأسى وحزن ووجع لكل ذلك الظلم الذي حدث بقوة ومرة واحدة، تقول: " كان غلاماً في السادسة عشرة من العمر. ولم تتعد الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وإيابي. فما كان لمثلي أن تزوغ يميناً أو شمالاً. كانت الطاعة من ابرز صفاتي. وكنت مسكونة دائماً بالخوف من أهلي. كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فل ركض إلي بها ذات يوم صبي صغير في (حارة العقبة) وأنا في طريقي إلى بيت خالتي. ثم حلّت اللعنة التي تضع النهاية لكل الأشياء الجميلة.
كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة: (قولي الصدق)..وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.
أصدر حكمه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي، كما هددني بالقتل إذا أنا تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.
قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلة، لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم"
إلا أن عودة أخيها إبراهيم طوقان بعد أن أكمل دراسته كان الفرج الإلهي ويد القدر التي رسمت لها حدودا أوسع مما تتخيل لتصبح من أشهر شاعرات العربية، حيث كان الأخ الأحب إليها، وكان يحنو عليها منذ الصغر وفتح لها بابا للمعرفة والشعر، وكانت تحبه لجرأته وانفتاحه وطيبته، لذا أصبح أستاذها ووهب لها بابا جديدا للولوج للحياة، فقد بدأت في تعلّم الشعر ونظمه على يديه، ثم إلقائه في ملتقيات ثقافية، ومن ذلك الباب عادت لها الحياة مرة أخرى تقول " ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ. ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة. وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء. خط التلميذة في الثالثة عشر من العمر الاسم- فدوى طوقان الصف - شطبت الكلمة وكتبت بدلاً مكنها "المعلم" : ابراهيم طوقان"
توفيت فدوى طوقان عام 2003 تاركة ذكرى عبورها وخلودها على هذه الأرض شعرا وأوسمة وكتبا منها المجموعات الشعرية: ( أنا وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة 1952م - أعطني حبا ً- أمام الباب المغلق- الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م- على قمة الدنيا وحيدا ً- تموز والشيء الآخر- اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م)
وكتبا نثرية هي: (أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م- رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م- الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمّان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.)
3.
تميز شعر فدوى طوقان بأنه كان صرخة قوية ضد المحتل، وقصيدة خالدة للإنسان والروح
ولذا فإن أبرز اتجاهين في شعر فدوى طوقان هي:
- صرخة رفض ضد المحتل: فقد تأثرت فدوى طوقان باحتلال فلسطين بعد نكبة 1948، وخاصة بعد احتلال مدينتها نابلس خلال حرب،1967 فذاقت طعم الاحتلال والقهر وانعدام الحرية، وشاهدت الظلم جليا في الكون، وسمعت روحها ثم قصيدتها فيما بعد أنين المظلومين، وقهر المشردين، وموت الشهداء وجسدته في كلمات ثائرة وحرة وغاضبة.
- صرخة المرأة ضد المجتمع: هي التي ولدت ونشأت في مجتمع تقليدي تحكمه التقاليد والعادات البالية، حيث المرأة بلا حرية ولا حقوق يتحكم المجتمع، والأسرة في تعليمها وزواجها، وحقها في المشاركة في الحياة العامة، لذا كانت قصائدها ثورة ضد الظلم والتمييز الاجتماعي ضد المرأة، تدعو فيها إلى تحرر المرأة وإعطائها حقوقها واحترام حقها في الحياة والحضور والعطاء في كافة الميادين الثقافية والإجتماعية والإنسانية والعلمية.
وتميز أسلوبها بالبساطة في اللفظ والعمق في المعنى، والتعبئة الروحية والنفسية للألفاظ بكل المشاعر والأحاسيس التي تتدفق في الروح، فهي صاحبة رسالة إنسانية تريد أن تصل للإنسان فيستوعبها ويستشعر صداها في روحه.
تقول في مواجهة المختل في رسالة مباشرة وجريئة:
أتغصب أرضي؟
أيسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة
أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

وتقول في قصيدة "لن أبكي" موضحة رفض الإنسان الفلسطيني لهذا الظلم والوقوف ضده بكل عزيمة وقوة، ودون خذلان وتخاذل أو هزيمة وانكسار:
على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور
بين الردمِ والشوكِ
وقفتُ وقلتُ للعينين :
قفا نبكِ
على أطلال من رحلوا وفاتوها
تنادي من بناها الدار
وتنعى من بناها الدار
وأنّ القلبُ منسحقاً
وقال القلب : ما فعلتْ
بكِ الأيام يا دارُ ؟
وأين القاطنون هنا
وهل جاءتك بعد النأي، هل
جاءتك أخبارُ ؟
هنا كانوا
هنا حلموا
هنا رسموا
مشاريع الغدِ الآتي
فأين الحلم والآتي؟ وأين همو ؟
موضحة الظلم الذي عاشه الإنسان البسيط على أرضه، بأن ينتزع منها انتزاعا ويخلف مكانه للصدى والذكريات.
ورغم كل هذا البعد النضالي والقضية التي شغلت فدوى طوقان، إلا أن روح المرأة العاشقة والمتألمة والمغرقة في الحلم والألم معا، كان حاضرا وبقوة في قصائدها، فنجد الحبيبة العاشقة، ونجد المرأة المغدورة المتألمة، والمرأة الحائرة بكل نجواها وحنينها:
تقول في رسم صورة للغياب والفقد للمشاعر:
لقيتك أمس، ولكن عينيّ
أنكرتاك، فلم تعرفاك
ورحت أسائل قلبيَ عنك
وهل مرّ حقاً عليه هواك
تلمّست جدرانه علّ فيها
بقايا غرام بقابا صور
فما نبضت من غرامك ذكرى
هناك، ولا لاح منه أثر
وحين مددت يدك إليّ
تصافحني، كنت أي غريب
ورحت أمدّ إليك أصابع
مات الشعور بها واللهيب
وحين تعثّر اسمك في –
شفتيّ وأرسلته في صعوبة
بدا باهتا لا جمال
يلوّنه، لا صدىً، لا عذوبة
أحقاً حببتك يوماً؟ وكيف ؟
4.
لا تزال الذاكرة مشتعلة بفدوى طوقان كامرأة شاعرة، وكشاعرة قضية، وهي ذاكرة قديمة مؤرخة بإحدى المراحل الدراسية، حيث كانت قصيدة "حمزة" مقررة في منهاج اللغة العربية وهي لا تزال على قيد الذاكرة:
"كان حمزه
واحدا من بلدتي كالآخرين
طيبا يأكل خبزه
بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبين
قال لي حين التقينا ذات يوم
و أنا أخبط في تيه الهزيمة
اصمدي لا تضعفي يا ابنة عمي
هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمة
والتي تنكمش اليوم بحزن وسكوت
هذه الأرض سيبقى
قلبها المغدور حيا لا يموت
هذه الأرض امرأه
في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد
قوة السر التي تنبت نخلا وسنابل
تنبت الشعب المقاتل"
تلك كانت البداية الأولى لتعرفي على فدوى طوقان، إحدى الشاعرات اللواتي تركن بصمة في الروح والذاكرة معا، وفي عام 1999 كنت يومها أظنني كبرت، لأنني كنت أعد بحث الماجستير وعلى وشك أن أناقشه أيضا، ولي إصدار شعري وهن، حين سمعت أن فدوى طوقان في عمان، سأراها إذن، سأرى صاحية الكلمات دما ولحما، تقلّص جسدي حتى عدت تلك الطفلة التي كانت هناك تفتح عيونها وفاهها دهشة، وهي تتأمل تلك الصورة المدهشة والمؤلمة لحمزة، طفلة بضفيرتين فاحمتين وخجل كثير يمنعها من طلب صورة مع امرأة تسكن قلبها وذاكرتها عمرا طويلا، طفلة تحايلت على خجلها ومدت يدها مصافحة لها بكل محبة وإكبار (وهي التي كانت تتمنى أن تعانقها عناق أمومي وربما تبكي في أحضانها بحرقة تشبه الشعر والحلم والانكسار والثورة معا) موضحة لها أنها تشكر الرب أن أتاح لها هذه الفرصة لتسكن صداع الحنين لهذه الروح، وأنها تسكن روحها وذاكرتها كما تسكن ذاكرة الشعر العربي.
وحين ماتت فدوى طوقان شعرت فعلا باليتم، لذا كان نصي يومها مرتبكا، وهشا لكنه قال قليلا مما سقط في غفلة الروح من الدمع والحزن

20 ديسمبر, 2011

الشيخ .. والطريقة!

عن نجيب محفوظ في مئويته
الثلثاء, 20 ديسمبر 2011
فاطمة الشيدي:-
1.
- لو لم نصل للمعنى العام لا جدوى لكتاباتنا.
- علاقتي بالنص تنتهي لحظة أن أسلًمه إلى المطبعة.
- العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها.
- المرأة أهم رابطة تربطنا بالحياة.
- الحرية ذلك التاج الذي يضعه الإنسان على رأسه ليصبح جديرا بإنسانيته.

"نجيب محفوظ"
2.
يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى المئوية لنجيب محفوظ الكاتب، والروائي العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل، حيث يسلّط العالم أضواءه على الكاتب الكبير في احتفاء مستحق لتجربة خالدة في الوجدان البشري، والعربي خاصة مع توالي مخاضات الربيع العربي في المحروسة التي يحاول أبناؤها الحفاظ على ملامح ثورتهم.
ونجيب محفوظ الذي ولد في 1911، ورحل في 2006، عاش حياة حافلة بكل شيء من البساطة والمحبة والهدوء، والبعد عن الأضواء، فالتجاهل والإهمال والفقر، والعمل في أكثر من وظيفة حتى الكره والحقد والتنكر الإنساني والأخوي له، فمحاولة الاغتيال الحاقدة باسم الدين والدفاع عن الأخلاق والقيم، فالتكريم العالمي الذي توّج بجائزة نوبل، كما ترك إرثا ثقافيا وحضاريا كبيرا يستحق معه سمة الخالدين.
فمن يقرأ حياة نجيب محفوظ لا يجد سرا، ولا نبوغا ولا تفوقا ولا تميزا عن أي إنسان عادي إلا فيما يخص عشقه للكتابة وإخلاصه لها، فلقد عاش في حي من أحياء القاهرة، ينتمي لأسرة متوسطة ويعيش حياة بسيطة تبدأ من كونه أصغر أخوته، حتى إكمال دراسته الجامعية، ومساندة أهله والتكفّل بمساعدتهم في ظروفهم المعيشية التي لم تكن ميسورة بطبيعة الحال.
ولعل هذا تماما هو سر تلك الخلطة الفنية في كتاباته، وذلك الاقتراب من الإنسان بشكله البسيط واليومي والهامشي، ذلك التماس الحقيقي والتعالق الطبيعي والمباشرمع الشارع والإنسان، هو الذي مكّنه من خلق عوالمه النصية الروائية بذهابها في لحم وعظم المجتمع، بتفاصيلها المغرقة في الإسهاب والإطناب، والموغلة في التفاصيل بدقة وتأنٍ وحنكة.
كان نجيب محفوظ يكتب في المقهى، بل كان يعيش فيه، ويرسم فيه تفاصيل وأحداث وشخصيات رواياته وقصصه، إن هذا القرب والتمازج الإنساني مع روح المكان وروح الإنسان، مع همومه ومشاكله وتفاصيله وملامحه كان هو سر نجيب محفوظ، إنه يكتب من ذات النقطة تماما حيث الأرض والإنسان، لا من نقطة أعلى قليلا، وكأنه يحمل في مخيلته وقلمه عدسة تصوير جبارة تجعله يلتقط التفاصيل بدقة، ويدونها بحرفة حكّاء شهي يجيد السرد ورسم الملامح والوقفات والصمت.
لم يكن يكتب بقدر ما كان يحكي، ولم يكن يبدع بقدر ما كان يرسم ويصور، ثم يعيد تشكيل كل تلك الصورة الرهيبة الواضحة بأحزانها وأوجاعها، بجبروتها وآلامها في تشكيل لغوي آخر مختلف، بسيط، وقريب، كامل وناقص، باهت وواضح، كل شيء تجده في صفحاته وكتاباته، لذا لا عجب أن يحبه الجميع، ويقرأه الجميع، رجل الشارع قبل المثقف، والمرأة قبل الرجل، إنه يكتب عنا، يكتب ما يشبهنا، ما يعنينا ويربكنا، عن خفقة القلب الأولى، عن تعلق الأم المرَضي بطفلها، عن جبروت الرجل الشرقي وضعفه في نفس الوقت، عن تلك الثنائيات والفصامات الحادة والموجعة في مجتمعاتنا المتجمّلة والمنافقة، ولكنه يملك السكين التي تصل للعظم فيكشفها، يكتب عن السياسة كما يكتب عن الحب، ويكتب عن المرأة كما يكتب الرجل .. إنه ببساطة يكتب الحياة كما هي دون رتوش ودون تلميع.
3.
كانت كتابات نجيب محفوظ بمثابة الدرس السردي الأول للكثيرين منا، أو متعة القراءة الأولى حيث لم ينج أحد في بداياته من الاشتباك مع حكاياته وقصصه، كما لم ينج من الإعجاب بأحد قصصه الواقعية ورسوخها في الذهن، ولاشك أن القارئ لنجيب محفوظ يخرج بثلاث ملاحظات:
أ. رهافة الحس، وعدم تعمد البلاغة:
فالشيخ الذي شغل العالم بحكاياته وقصصه لم يكن يميل لتجميل اللغة، ولا صناعتها، كان يكتب برهافة وردة تعانق الصباح على مرأى من الكون، بلا تجمل ولا خفاء، يكتب عن الأرواح والأجساد، عن الحب والخطيئة، والسياسة والفقر في ذات الوقت، يقول كل شيء بلا مبالغات ولا بلاغات، يكتب وهو يشعر بكل كلمة يقولها لذا تنتقل روح الكتابة لكل من يقرأها بكلها، يكتب بلا تعقيدات لغوية جاهزة، وبلا مزايدات على البلاغة والصورة والتقنيات الفنية التي يعمد إليها البعض .. يكتب كما يريد وكما يجيد فلكل شيخ طريقة، وهذه هي طريقته.
ب. الواقعية الاجتماعية:
كان المجتمع والشارع والحياة هي أمهات بنات أفكار نجيب محفوظ، لم يكن يبحث عن طاقات ذهنية، ولا حالات فلسفية تولد لديه قصصا وحكايات وشخوصا وحبكات، إنه يتأمل ما يحدث في الحياة والشارع فتأتي لها الفكرة طواعية، فيأخذها إليها، يطوّع جمالها لصالح قصته، ويشذب رعونتها لتجلس على ناصية حكاياته ولغته، كل شيء خرج من هناك، ولذا كل شيء كان يصل بسلاسة وصدق.
ج. البعد النفسي:
كانت بعض قصصه ورواياته تميل لسبر أغوار النفس وتقصّي ارتباكاتها، وفضح عقدها، في محاولة تحليل قصصية للجوانب المظلمة في الأعماق السحيقة للذات، ضمن الحبكة الواقعية، وهي ليست كثيرة على كل حال.
4.
ولعل ما يعبر عن فكر نجيب محفوظ، عن حبه للإنسان، واقترابه منه، عن تلك العظمة الروحية التي تجعله ينتمي لأرضه وعالمه البائس الفقير، انتماء المحب الناقد في ذات الوقت، انتماء يصدّر معه في أكبر محفل ثقافي في حفل تكريم جائزة نوبل أفكاره وأحلامه وأحزانه وثمرة تجربته عن العالم العربي، وأوجاعه وآلامه والقيود التي يرزح تحتها، ليوجه أنظار العالم إليه، ولطلب مساعدته، والخروج به من نفق الظلام، إنها روح المنتمي للأرض وللإنسان وللثقافة العربية بكل أحلامها وإحباطاتها وبكامل أرضها الحرة والمغتصبة، كوحدة إنسانية وفكرية وثقافية واحدة، تحمل أوجاع بشر ينتمون لذاكرتهم وثقافتهم ولغتهم كما ينتمون لأرضهم، يقول:
"لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجــد من فـراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون في أفريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة ـ رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ـ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين فى السلام الشامل العادل أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فأنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره وفى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعل المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى"
كان نجيب محفوظ متفائلا في حياته وكتاباته وفكره وسيرورته في حياته كلها رغم كل الاحباطات، كان متفائلا في تغيير مصير العالم والإنسان كل بطريقته، وبقدرته وبوعيه، التغيير الذي يبدأ من الكلمة كفعل حقيقي وقادر على إعادة رسم الكون بشكل أجمل، والإنسان بوعي أكثر. وكان مؤمنا بالإنسان كمحرك لهذا الكون، والمثقف كفاعل في التصدي للأمراض الأخلاقية في المجتمعات، لأنه أدى هذا الدور كثيرا ودفع ثمنه من روحه وحياته .. عاش مؤمنابه .. ومات مؤمنا به.. وخلد مؤمنا به.
5.
ذهب نجيب محفوظ تاركا لنا إرثا ثقافيا كبيرا، وكتابات لا يمكن للثقافة العربية سوى الاحتفاء بها؛ منها فقط :" مصر القديمة- همس الجنون- عبث الأقدار- رادوبيس- كفاح طيبة- القاهرة الجديدة- خان الخليلي- زقاق المدق- السراب- بداية ونهاية- بين القصرين- قصر الشوق- السكرية- اللص والكلاب- السمان والخريف- دنيا الله- الطريق- الشحاذ- بيت سيئ السمعة- ثرثرة فوق النيل- أولاد حارتنا- ميرامار- تحت المظلة- خمارة القط الأسود- حكاية بلا بداية ونهاية- شهر العسل- المرايا- الحب تحت المطر- الجريمة- الكرنك- حكايات حارتنا- قلب الليل- حضرة المحترم- ملحمة الحرافيش- الشيطان يعظ- قشتمر"
تاركا لنا فكره عن تمجيد الإنسان والمحبة والكتابة، كدرس خالد ومستعاد لكل من يريد السير على نهج الشيخ وطريقته.

13 ديسمبر, 2011

شجون «القص» بجامعة السلطان قابوس

جريدة عمان- الثلثاء, 13 ديسمبر 2011

دخول العامية وخصوصية المكان أشياء تُقلق جماعة الخليل للأدب
فاطمة الشيدية: القصة متعددة الاتجاهات لكونها وليدة الذاكرة الذاتية والمكانية والجمعية
كتبت - هدى حمد
انطلقت مساء أمس الأول بجامعة السلطان قابوس فعاليات الملتقى الخامس للقصة القصيرة الذي تنظمه جماعة الخليل للأدب ضمن خطة أنشطتها لهذا العام الجامعي، وذلك تحت رعاية الدكتور بدر بن هلال العلوي عميد شؤون الطلاب.
اشتملت الجلسة الافتتاحية على ورقة نقدية، قدّمتها الدكتورة فاطمة الشيدية حملت عنوان (القصة العمانية اتجاهات وملامح وأساليب)،أشارت بادئ الأمر إلى رائد القصة العمانية عبدالله الطائي، الذي بدأ الكتابة منذ أربعينات القرن الفائت، إلا أنه لم يُنشر إلا متأخرا..تبعه في الستينات والسبعينات من ذات القرن محمود الخصيبي وأحمد بلال، وسعود المظفر وغيرهم..ثم أكدت فاطمة الشيدية على أنّ "حقبة الثمانينات كانت هي بداية القصة القصيرة الموثقة في عمان حيث تعد مجموعة "سور المنايا" لأحمد بلال المجموعة الأولى التي تم نشرها 1981". بعدها عمدت إلى تقسيم القصة في عُمان إلى ثلاثة أجيال من الناحية الزمنية والفنية، بدأت بتتبع جيل الثمانينات، فوجدت المجموعات القصصية فيه تميل إلى الذاتية في الكتابة وتتراوح اللغة بين لغة المحكي الاجتماعي العام، والكتابة القائمة على السرد المباشر، وتقل فيها التقنيات الفنية، ويحضر الزمن بشكل موارب بينما يظهر المكان بوضوح، وتميل أيضا لتوظيف الموروث، وذكرت عدّة أمثلة من كُتاب هذه المرحلة منهم:أحمد بلال، محمود الخصيبي، أحمد الزبيدي، وغيرهم. ثم انتقلت للحديث عن جيل التسعينات، ورأت الشيدية أنّ مرحلة التسعينات هي مرحلة التكوّن القصصي الأكثر امتثالا لشروط السردية، بلغتها، وشخوصها وحبكتها والأكثر قربا من المذهب الواقعي الاجتماعي، وقد ربطت ذلك بظهور بعض التعقيدات في المجتمع الانتقالي من المرحلة القروية إلى مرحلة المدينة، تخلصت في هذه المرحلة اللغة من مباشرتها واستحدثت تقنيات أكثر في فنية الحوار والوصف والحبكات،وذكرت الشيدية الكثير من الأمثلة على هذه المرحلة من مثل: حمد رشيد، محمد علي البلوشي، يونس الأخزمي، يحيى سلام المنذري،سالم آل توية وغيرهم. ثم تحدثت فاطمة الشيدية عن جيل ما بعد الألفية الثانية،حيث شهدت القصة العمانية نضجا فنيا وأسلوبيا، كما شهدت إقبالا شديدا، وحضورا بارزا لكتابها في المشهد الثقافي الداخلي والخارجي،ربطت ذلك بأن المجتمع العماني أصبح أكثر وضوحا في تياراته الثقافية، "قلّت الكتابة الذاتية المصدّرة لفعل الألم والصدمة إلا فيما يخدم فكرة النص، كما قلّت الكتابات الإنشائية التي لا تربطها فكرة، ولا تخدم غاية السرد"، ومن مجموعات هذه الفترة "حد الشوف" لسالم آل توية، "ربما لأنه رجل مهزوم" لسليمان المعمري، "أغشية الرمل" لـ محمد الرحبي، "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل" لجوخة الحارثية، وغيرها الكثير.

ملامح القصة العمانية
انتقلت الشيدية لاحقا للحديث عن ملامح القصة العمانية قائلة:"القصة العمانية متعددة الاتجاهات والملامح والأساليب، ومن هذه الاتجاهات: شعرية القص: بين الفكرة والأسلوب، مشيرة إلى الاتجاه الذاتي أو الرومانسي، وذكرت على ذلك مثالا.. قصة "ربما لأنه.. لأنه ربما" لـ سليمان المعمري، حيث حالة من حالات القلق الإبداعي والحياتي الذي يعيشه المبدع،"النص يُقدم حالة تذمر إنسان من سلسلة الأفعال اليومية المملة حتى في يوم إجازته من الوظيفة، والنص نفسه سياق نفسي للمرسل والرسالة والمتلقي". وأيضا ذكرت أمثلة أخرى على هذا، وهي مجموعة الخطاب المزروعي "لعنة الأمكنة"، و"لا يفل الحنين إلا الحنين"
لـ عبدالعزيز الفارسي...وغيرها من المجموعات.
بعدها تناولت الرمز والأسطورة في القص العماني، شرحت الرمزية لنا بقولها: "إظهار غير المرئي أو المعني عن طريق ما هو مرئي". والرمز هو قوة المخيلة في صناعة عوالم سردية وشعرية أكثر خصوبة وجمالا أمام التابوهات الكثيرة (الجنس والدين والسياسة) في العالم العربي تحديدا، وذكرت على ذلك مثال نص خديجة لـ محمد اليحيائي من مجموعته "يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها"، فالنص يمثل قصة أكل الذئب لامرأة بدوية ذهبت تبحث عن نعجتها التي تأخرت على العودة إلى البيت، لكن لا يمكن للمتلقي أن يقف عند حدود هذا المعنى المباشر، وإنما يذهب باتجاه المعنى الأكثر توغلا وبعدا.

المجتمع مصنع القصة
أخذتنا الشيدية لحديث شائق عن القصة الواقعية، التي تتناول حقيقة من الواقع لا حقيقة مطلقة، بل جزءا من الحقيقة وقعت للناس في المجتمع, ولكنها تتخذ لها شكلا جديدا في اختيار الواقع بدون تفصيلات مملة، ومن أمثلة ذلك قصة "رسائل" من مجموعة "لا يفل الحنين إلا الحنين" لعبد العزيز الفارسي، حيث يُطلق الرجل زوجته برسائل نصية قصيرة، وهو أمر اجتماعي أصبح شائعا للأسف، وهو هنا ينتقد الفعل بصورة غير مباشرة، وكذلك قصة "الرجل الجاني نائم" حيث يسرد لنا حمود الشكيلي قصة الرجل الذي قتل عامل مزرعته برصاصة لأنه رآه يتسلل لإحدى غرف بيته، ولكنه لم يدافع عن نفسه سوى بكلمة "يستاهل".. وأيضا يدخل التاريخ والسياسة ضمن لعبة القص-كما تقول الشيدية- حيث يبسط التاريخ، ويقدمه بحبكة فنية، ويدون أحداثا سياسية كبيرة وعظيمة ولكن دون أن يقدمها بشكل جاف،ومن ذلك مجموعة أحمد الزبيدي" انتحار عبيد العماني".
باب النقاش
عندما فتح باب المداخلات والنقاشات..تساءل عميد شؤون الطلاب الدكتور بدر بن هلال العلوي، "هل استفاد الدارس العماني من الحكايات الشفهية أو تلك التي ترويها الجدات؟"، فأجابت فاطمة الشيدية: "القصة فن غربي، وعلينا أن نفرق بين القصة والحكاية، وفي عُمان توجد الكثير من الحكايات الشفهية الشعبية التي لم تنل حظها من التدوين إلى الآن، ولكن هنالك من فعل ذلك، وضمن الحكاية في نص قصصي جديد، أيضا روايتي "حفلة الموت" تقوم على حكاية "المغايبة" التي سمع بها أغلبنا.. المسألة لا تقف عند غياب تدوين الحكاية، فكم من الشعر الشعبي الذي يرويه من لا يقرأ ولا يكتب غائب عن التدوين أيضا،ويمكنه أن يذهب بغمضة عين من أيدينا بمجرد موت هذا الشيخ العجوز، أو المرأة العجوز..أتفق معك أن مشروع التدوين مشروع في غاية الأهمية، حتى وإن بدأ الآن بالتسجيل الرقمي على الأقل من أجل حفظه". حمود الراشدي تساءل عن عدم ظهور روح المكان في مجموعة "الذاكرة ممتلئة تقريبا" لمازن حبيب،فأغلب النصوص تدور أحداثها في الخارج.أجابت الشيدية قائلة:"قصدت المكان بمعنى أي مكان وليس المكان العماني". وتساءل أحمد الراشدي عن الأسباب التي تقف وراء تجاوز القضايا النسوية في القصة العمانية..هل لأنّ الكاتبة ابنة مسقط، ولديها وظيفة وحياة مستقلة، بينما هنالك نساء أخريات يعشن المعاناة؟ أكدت الشيدية أن من إحدى مهام الكاتب نقد المجتمع، والمرأة إلى اليوم بحاجة إلى من يعبر عنها وعن اضطهادها. عاود أحمد الراشدي التساؤل حول انقطاع أجيال كانت تكتب منذ أيام السبعينيات، والثمانينات؟ فقالت فاطمة"أنا أيضا أبحث عن إجابة لهذا السؤال، ربما هي الإحباطات التي تختلف عن إحباطات جيلنا، وربما البعض لم يكن يتعامل مع الكتابة على أنها مشروع حياة كامل". الطالبة هالة الريامية تساءلت: "نشأتُ في المدينة، ولا أعرف الكثير عن الحياة في القرى، لا أعرف الكثير عن عاداتهم وتقاليدهم.. هل يعني هذا أنّ قصصي ستفتقد لروح المكان؟" قالت الشيدية:"المكان ليس هو القرية وحسب، قد يكون الشارع...الجامعة...البيت.. ما نعيشه الآن سيتحول إلى تراث بعد عشرات السنين، وهكذا هي الحياة". ليلى النبهانية تساءلت: أيهما أفضل أن اكتب بالفصحى أم بالعامية؟ أجابت الشيدية:"هذا موضوع كبير وضخم.. موضوع الفصحى والعامية، وقد اختلفت الآراء بين من يتطرف بضرورة ذلك، أو يتطرف بالرفض، وثمة طرف ثالث يقع في المنتصف يؤيد الحوار بالعامية متى ما كان توظيف ذلك في مكانه الصحيح". تساءلت طالبة عن غياب أنسنة الجماد من القصة العمانية، فقالت فاطمة ذلك يتطلب اشتغالا خاصا، لا يستطيعه أي شخص، وذكرت قصة مفتاح سليمان المعمري كدليل على الأنسنة. عائشة المعمرية تساءلت عن غياب الوعظ من القصة العمانية؟ فقالت فاطمة: "الوعظ شيء، وأخذ العبرة من القصة شيء آخر.. فالقصة والشعر لم يعودا يحتملان الوعظ"، وتابع القاص سليمان المعمري الرد على نفس السؤال:"طغت القصة الوعظية فيما سبق لقلة الخبرة الكتابية، ونقص في الأدوات، وبرأيي الشخصي إذا دخل الوعظ من الباب خرج الفن من الشباك. وغياب الوعظ يحسب لصالح النص. .. ثم تساءل.. ما الفرق بين الرسالة وخطبة الجمعة إذن..ثم قال حتى إن دعاة اليوم انتبهوا لضرورة التخفف من الوعظ في القصة واستخدام أساليب جديدة في الخطاب". وأكدت فاطمة الشيدية على أن الوعظ ارتبط بالزمن التعليمي، أما الآن فالمدرسة تعلم والإعلام يُعلم والوسائط التكنولوجية الحديثة تُعلم أيضا، فلا حاجة للوعظ عبر القصة. وقال القاص وليد النبهاني: "القصة في عمان لم تمر بتيارات الكتابة التي عرفها الغرب"، ورأى البعض أن لا ضرورة لذلك إذا كانت القصة قد واكبت آخر مستجدات تفنياتها في العالم، فليس عليها أن تبدأ من الصفر، بل من حيث انتهى الآخر، فيما ختمت فاطمة الشيدية بقولها: "نحن لا نستحدث شيء وننتظر ما يصلنا من الآخر دائما".
ثم تلى ذلك قراءات في القصة القصيرة قدّمها كل من الكاتبة والقاصة هدى حمد والقاص وليد النبهاني، حيث تناوبا معا على قراءة قصص من أعمالهما بين المنشور منها وغير المنشور.

محاضرة وحلقة عمل ومسابقة

ومن الجدير بالذكر أنّ الدكتور إحسان صادق اللواتي قدّم محاضرة نقدية مساء الأمس في الملتقى لمن حضر من الطلاب والمهتمين،بينما تقام الليلة حلقة عمل في كتابة القصة القصيرة قدّمها كل من سليمان المعمري وهلال البادي، وقد حدثنا المعمري عن حلقة العمل قائلا في حوار سابق: "ستتناول النصوص المشاركة والفائزة، واهتمامات الطالب الجامعي المتطلع لكتابة القصة، كما ستتناول من جهة أخرى وصفا للقصة في المشتركات العامة في كتابة القصة القصيرة في الجامعة، وسيكون المجال مفتوحا لتبادل الأسئلة والإجابات حول القصة العمانية بشكل عام، والقصة القصيرة في الجامعة بشكل خاص"، وأكد هلال البادي أنّ الجلسة ستكون ارتجالية ومفتوحة من دون تحديد محاور ثابتة وجامدة، إلا أنّها ستدور في فلك:"كيف يمكن كتابة قصة قصيرة متكاملة فنيا".
كما أنّ اللجنة المنظمة إلى جوار ما سبق، حرصت أيضا على إقامة مسابقة قصصية لطلاب الجامعة،وذلك ضمن فعاليات الملتقى حيث شهدت إقبالا كبيرا للمشاركة فيها، وقد تمّ تشكيل لجنة تحكيم لتقييم النصوص المتقدمة تتكون من سليمان المعمري وبشرى خلفان، وقد أخبرنا المعمري "أنّ المنافسة قائمة الآن بين ما يربو على الأربعين نصا قصصيا من أكثر من كلية".

أسئلة صغيرة جدا:
• غياب جمهور جماعة الخليل للأدب..لماذا؟
• الطالبات أكثر من الطلاب عددا، وأكثر من يطرحن الأسئلة؟
• هل من الضروري أن تحمل الكاتبة العمانية "القضايا النسوية" على عاتق نصها؟
• ما سر اختفاء كُتاب السبعينات والثمانينات عن الساحة اليوم؟
• جمع التراث الشفهي الشعري والحكائي॥مهمة الكاتب أم المؤسسة؟


11 ديسمبر, 2011

الملتقى القصصي الخامس بجامعة السلطان قابوس


ملتقى القصة الخامس بجامعة السلطان قابوس
قراءات وحلقات عمل وأوراق نقدية ومسابقة قصصية
جريدة عمان -كتبت - هدى حمد
تنطلق مساء اليوم بجامعة السلطان قابوس فعاليات الملتقى الخامس للقصة القصيرة الذي تنظمه جماعة الخليل للأدب ضمن خطة أنشطتها لهذا العام الجامعي، وذلك تحت رعاية الدكتور بدر ابن هلال العلوي عميد شؤون الطلاب।تشتمل الجلسة الافتتاحية المقرر إقامتها مساء اليوم على قراءة نقدية تُقدمها الدكتورة فاطمة الشيدية، تحمل عنوان (القصة العمانية اتجاهات وملامح وأساليب)، قراءة في القصة العمانية وستُعرج الشيدية في ورقتها على مجموعة من المجموعات القصصية العمانية.
وستلي ذلك قراءات في القصة القصيرة يقدمها كل من الكاتبة والقاصة هدى حمد والقاص وليد النبهاني، حيث سيتناوبا معا على قراءة قصص من أعمالهما بين المنشور منها وغير المنشور، التي تُلائم الثيمة العامة للورقة।كما يشتمل الملتقى الذي سيستمر حتى مساء الثلاثاء القادم على محاضرة نقدية للدكتور إحسان بن صادق اللواتي، وحلقة عمل في كتابة القصة القصيرة يُقدمها كل من سليمان المعمري وهلال البادي، وقد حدثنا المعمري عن حلقة العمل قائلا: (ستتناول النصوص المشاركة والفائزة، واهتمامات الطالب الجامعي المتطلع لكتابة القصة، كما ستتناول من جهة أخرى وصفًا للقصة في المشتركات العامة في كتابة القصة القصيرة في الجامعة، وسيكون المجال مفتوحًا لتبادل الأسئلة والإجابات حول القصة العمانية بشكل عام، والقصة القصيرة في الجامعة بشكل خاص)।وأكد هلال البادي أنّ الجلسة ستكون ارتجالية ومفتوحة من دون تحديد محاور ثابتة وجامدة، إلا أنّها ستدور في فلك: (كيف يمكن كتابة قصة قصيرة متكاملة فنيا)।من الجدير بالذكر أنّ اللجنة المنظمة إلى جوار ما سبق، حرصت أيضا على إقامة مسابقة قصصية لطلاب الجامعة، وذلك ضمن فعاليات الملتقى حيث شهدت إقبالا كبيرا للمشاركة فيها، وقد تمّ تشكيل لجنة تحكيم لتقييم النصوص المتقدمة تتكون من سليمان المعمري وبشرى خلفان، وقد أخبرنا المعمري (أنّ المنافسة قائمة الآن بين ما يربو على الأربعين نصا قصصيا من أكثر من كلية)।






08 ديسمبر, 2011




لتحميل أعمال نجيب محفوظ



http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=category&id=154




07 ديسمبر, 2011

آليات السرد لأمبرتو إيكو

مقدمة:


أن يقوم كاتب بشرح وتوضيح أعماله السردية في كتاب فهذه كتابة أخرى، خاصة إذا كان هذا الكاتب عالما وباحثا سيميائيا أصلا ،لأنه لاشك سيضفي عليها لمسة نقدية أكثر جمالية وفكرا، فإذا كان هذا الكاتب أنتج أعمالا تذهب في العمق والفلسفة والصنعة والنحت كل مذهب كأسم الوردة ،فلاشك أن هذا عمل ينتظره القراء ليفهموا بعض ما استغلق، وأشكل عليهم، وينتظره كتاب السرد ليفهموا سر هذه الخلطة الروائية السردية ليحاولوها أو يحاوروها بطريقة أو بأخرى، ولعل هذا ما أراده تماما إمبرتو إيكوا كحالة تدريب للكتاب باعتبارهم قراء له ॥ "بالتأكيد ليس من حق المؤلف أن يؤول। ولكنه من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ماكتب" ص25، وهذا مانجده في كتاب آليات السرد لإمبرتو إيكو..
أولا : المقدمة :سعيد بن كراد السيميائي يترجم ويكتب بعشق ممزوج بين السرد والسيمياء عن شريك المهنة والفعل، وصديق اللغة والكتابة الكاتب والسيميائي امبرتو إيكو، إنه يقدم للكتاب بإعجاب ومحبة ولكن لا يريد أن يشرحه، أو يقدم وصوفات أو تحليلات له أو عنه، إنه فقط ، يكتب نصا على نص، يكتب عن نص صديق، يكتب بمحبة قصوى متعمّقا في كتابته عن الكاتب والكتاب، محاولا لم شمل العالم السيميائي الفيلسوف، على السارد الحالم في معاضدة ومناصرة ومؤازرة لمحاولة الكاتب نفسه لهذا الجمع يقول "في سن الخمسين وبعد رحلة طويلة قاربت الثلاثين سنة في شعاب البحث السيميائي بدأ إيكو كتابة الرواية، لم يطلّق السيميائيات، ولم يتخل عن البحث في حياة العلامات، ولكنه آثر أن يمنح "البحث" نفسا حكائيا تمثُل من خلاله المفاهيم في الذهن من خلال وضعيات إنسانية تتغذى من العوالم الممكنة باعتبارها بناء ثقافيا يستمد مضامينه من التجربة الواقعية ومما تأتي من عوالم المتخيل" ص7ثم يصف هذا الانحراف الجميل نحو السرد، والذي أنتج هذه الروائع السردية القائمة على الصنعة والوعي والكتابة المتأنية والدقيقة، والحافلة بالاستشهادات والقائمة على البحث والتأويل والتأريخ عند أيكو :"لقد جاء إلى الرواية مثخنا بجراح السيميائيات، وبجراح سنوات عمر يجري دون توقف،فكانت رواياته مزيجا من التأمل الصوفي والرؤية الحكائية الطويلة النفس والرصد الاستكشافي لحياة العلامات، كما يمكن أن تتحقق في المسارات السردية المتنوعة، وفي كل أشكال التشخيص التي تمنح الزمن وجها ومظهرا।"فالسرد في نهاية الأمر وبدايته هو احتفاء بالزمن، إنه محاولة لتلمس آثاره على الذات والأشياء।" ص7ونجده يقدم للكتاب كقارئ نخبوي يدرك حقيقة السرد من خلال ثقافته السيميائية والسردية معا، "إنه يتحدث عن السرد باعتباره تصريفا مشخصا لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال الحكي"، و"يكشف فيها إيكو عن "الصنعة" الفنية تتطلبها كتابة رواية ما لا كما يتصورها روائي فحسب بل أيضا كما يمكن أن يعيشها سيميائي حرفته البحث في ذاكرة العلامات عما لايراه الآخرون"ص9
المبحث الأول :"حاشية على اسم الوردة":


يقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :


* العنوان والمعنى: يتحدث ايكو في هذا الجزء عن الرسائل التي وصلت إليه والتي تحمل في مجملها تساؤلات عن دلالة البيت الشعري التي تختتم به الرواية، وعن كيفية انبثاق العنوان عنه؟ ويوضح أنه كان يرد أن الأمر في مجمله يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو مواليكس "حول أشياء الحياة الهشة"، وهو راهب من القرن الثاني عشر الميلادي وقد اشتقت الفكرة القائلة "إذا كانت كل الأشياء آيلة إلى الزوال، فإننا نحتفظ منها بأسماء خالصة".
* حكاية السيرورة :يقرر إيكو بقوة أن كتابة الرواية هي حالة من السيرورة، وضمن خطوات منطقية ومتتابعة آخرها الكلمات، وهو يعمل على كتابة الرواية كما يعمل باحث، يقول إيكو "إن المؤلف يكذب عندما يقول لنا إنه يشتغل تحت تأثير إلهام ما، إذ لا يشكل الإلهام سوى 20% في حين يشكل المجهود 80 في المائة"ص25، بل ويقرر أن كل كاتب أو فنان يعمل وفق قواعد السيرورة حتى لو يعرفها ، كالطفل الذي يتكلم اللغة وهو لا يعرف قواعدها، وبذلك فهو ضد فكرة العبثية والعدمية والتماهي في الكتابة، حين يقرر أنها عملية منظمة ودقيقة وقائمة على سيرورة منطقية.


*القرون الوسطى، بكل تأكيد :يوضح لنا إيكو القادم من السيميايئات والفلسفة والعلم الصارم أنه تحول للسرد بقرار نفسي صارم وجازم يقول: "لقد كتبت رواية لأنني رغبت في فعل ذلك وأعتقد أنه هذا سبب كاف لكي نخوض في سرد أحداث" بل ويوضح لنا ببساطة فكرة أكبر وأول عمل له "اسم الوردة" أنه كانت لديه فكرة بسيطة تمخض عنها هذا العمل الروائي الكبير الذي أخذ منه الكثير من الوقت والجهد، وهي الرغبة في تسميم راهب، ويعتقد أن الرواية يمكن أن تولد من فكرة كهذه، أما الباقي فهو لحم يضيفه الكاتب أثناء الكتابة، بل ويقرر أن تكون هذه الرواية في القرون الوسطى كحالة أكثر عمقا وتحفيزا وربما أكثر غرائبية للقارئ المعاصر ، يقول "تبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات: بما أن القرون الوسطى هي متخيلي اليومي، فلماذا لا أكتب رواية تجري أحداثها في القرون الوسطى، فأنا لا أعرف الحاضر إلا من خلال شاشة التلفزيون، أما القرون الوسطى فأنا أعرفها دون وسائط." ص29 وهكذا أنشب أظفار وعيه وفكره في لحمة السرد، ليقدم لنا روايات خاصة وعميقة، وتحتاج قارئا ماهرا.
* القناع:لقد كان إيكو القادم من منطقة النقد خائفا من المواجهة المباشرة مع القارئ ليقدم له حكايته، لذا وليشعر أنه محمي أعطى الكلام لأدسو، وبذلك فهو قرر أن يكون الكلام والسرد والرؤية على لسان إخباري عاش في تلك الفترة ويستطيع أن يلبسه قناعها في الكلام والأسلوب والطريقة. يقول:"لقد كنت أخجل من القيام بالسرد. لقد كانت حالتي تشبه حالة ذلك الناقد المسرحي الذي يجد نفسه فجأة تحت أضواء الخشبة أمام أعين كل هؤلاء الذين كانوا إلى عهد قريب شركاءه خارج الخشبة"31.وهنا كان أدسو يحكي وعمره ثمانون عاما بلغة وروح ابن الثامنة عشرة، فإيكو أراد أن يفعل ذلك النزاع بين الوعي والخبرة، فيحكي من يعرف كل الحقيقة بلسان من يجهلها، ليعرف أيهما يبرز أكثر في لعبة لفظية مزدوجة بين الفهم واللافهم، وبين الحجب والظهور.
*الرواية بصفتها واقعة كوسمولوجية:ويشير إيكو في هذا الفصل أن كتابة الرواية تفترض بناء عالم كثيف في أبسط جزئياته، خاصا في أساليب السرد، ثم تأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، ولهذا فقد قضى السنة الأولى في بناء هذا العالم من خلال جمع كل ما يمكن أن يفيد السرد من كتب ولوائح لأسماء وشهادات ميلاد والصور المعمارية .ولهذا قال ماركو فيريري ان الحوارات كانت في "اسم الورة" سينماتو غرافية، ويوافق إيكو على ذلك، لأنه يصمم الحوارات حسب الزمن والمسافة بين مكانين، حتى إذا وصل المتحدثان ينتهي الحوار، إنه يصنع روايته بدقة وإتقان،ويرى بوعي فلسفي ضرورة الإلتزام ضمن شروط العمل والصنعة ليصبح الكاتب أكثر تحررا ومصداقية "أنه علينا أن نقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية" .ص35
* من يتكلم – التعريض:وهو هذا الجزء يصف لنا ضرورة توافق فعل الكتابة في الرواية التاريخية مع حالتها، ومع معطياتها الزمانية والمكانية ومع أسلوب السرد، حيث يكون الحكي من أجل تنوير الناس وإخبارهم بما حدث، فالروائي لا يجب أن يتحدث بشكل مباشر، لذا عليه أن يلجأ للتعريض، أي أنه سيفعل ذلك بطريقة إخبارية على لسان أحدهم، لان ذلك ما يحدث في تلك القرون، وسيكون من يتحدث بلسانهم وعلى طريقتهم (أدسو – اسم الوردة).
*النفس:تحتوي الرواية على مقاطع تعليمية كثيرة وطويلة وقد تكون مملة لبعض القراء، ولقد أشار الناشرون عليه بحذف المائة صفحة الأولى، ولكنه كان يرى أن يرغب في دخول الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمّل هذا الإيقاع، وإذا لم يكن في استطاعته ذلك، فلن يتمكن من قراءة الكتاب كاملا، إنه يعتبره تدريبا وامتحانا واستئناسا يقول "إن الدخول إلى رواية شبيه برحلة إلى الجبل يجب اختيار نفس وإيقاع للسير" ص47، إنه يعتقد أن مستوى وإيقاع كتابته كان متناسقا مع أحداث الرواية " فالرواية العظيمة هي تلك التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف، وكيف يقدّر درجة الوقفات أو الإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت"إن السرد لدى إيكو هو "تفكير بالأصابع" حيث يمارس الكتابة السردية كمن يكتب بحثا، حيث أنه يحتفظ بالكثير من الجذاذات والقصاصات إلى جواره ثم يحولها إلى لغة محكية. تحمل أفكار وتاريخا.
*بناء القارئ:ويرى إيكو أنه يكتب بهذه الطريقة من أجل القارئ،لأننا نفكر في قارئ ما أثناء الكتابة يقول: "فماذا يعني التفكير في قارئ نموذجي قادر على تجاوز العوائق التي تخلقها المائة صفحة الأولى؟ إنه يعني كتابة مائة صفحة بهدف بناء قارئ مناسب للصفحات الي ستأتي بعد ذلك." ويقرر أن الكاتب يكتب من أجل قارئ ما بالضرورة، "هل هناك كاتب يكتب فقط من أجل المستقبل؟ لاوجود لكاتب من هذا النوع حتى وإن أكد هو ذلك" ص51، ويقرر أن مهمة الكاتب الحقيقي "أن يكشف لجمهوره ما يرغب فيه، حتى وإن كان هذا الجمهور لا يعرف ذلك، إنه يريد أن يعرّف القارئ بنفسه"
*الميتافيزيقا البوليسية:لا يمكن أن نطلق بصورة مباشرة وفجة على اسم الوردة نعت الرواية البوليسية، ولكن في المقابل لا يمكننا أن ننسى ذلك أيضا، هذا بالطبع ما يريد أن يقوله لنا إيكو، ولكنها رواية بعيدة عن الفكرة المباشرة في الطرح والتماثل مع الروايات البوليسية يقول "وليس صدفة أن يبدأ الكتاب كما تبدأ الروايات البوليسية، وليس صدفة أيضا أن تخدع الرواية القارئ الساذج حتى النهاية لدرجة أنه لا يدرك بأن الأمر يتعلق برواية بوليسية حيث لا يكتشف أي شيء ولا يصل المحقق إلى أي شيء" ص55، إنها رواية بوليسية ولكنها من طراز مختلف، ضمن حبكة وشخوص وفكر أكثر استغلاقا مما يبحث عنه عشاق الروايات البوليسية.
* مابعد الحداثة، السخرية والمحبب:يناقش إيكو في هذا الفصل المقولة الشائعة "مابعد الحداثة" ويرفض الحالة الشائعة لها والتي أصبحت تشمل كل شيء، يقول: "ولكن للأسف فإن كلمة مابعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية تصدق على كل شيء (وانظر إلى ما بعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية وليس المقولة التي جاء بها ليوطار. أعتقد أن هذه المقولة يستعملها كل حسب هواه." ص63ولكنه يستنتج رأيا مستخلصا من الكتابات السابقة يقول" إن ما يهمني في الأمر هو الخلاصات التي خرج بها منظرو هذا الاتجاه من مقدماتهم :(في تصوري لا يقلد الكاتب مابعد الحداثي أحدا، ولا يتنكر لا لآبائه في القرن العشرين، ولا لأجداده من القرن التاسع عشر...)" ص67* الرواية التاريخية:يقرر إيكو في هذا الجزء أن هناك عدة أنواع للرواية التاريخية، الرواية الرومانسية، ورواية الفروسية، أو تلك الروايات المصنوعة من أجل فهم أفضل للتاريخ، وضمن هذا النوع يدرج روايته يقول " إن كل مشاكل أوروبا تشكلت كما نحياها الآن في القرون الوسطى.......إنالقرون الوسطى هي طفولتنا التي يجب العودة إليها باستمرار لكي نحتفظ بذاكرتنا" ص70
المبحث الثاني: كيف أكتب ؟


ويقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :


*البدايات البعيدة: يسرد أيكو في هذا الفصل بداياته السردية حيث يورد أنه كان صاحب بدايات في السرد والمحكيات والروايات في سن مبكرة مابين الثامنة والخامسة عشر، وتوقف ليعاود الكتابة في الخمسين "وقبل هذا الانفجار الوقح كنت أعيش لما يقارب الثلاثين سنة حالة من الخجل المفترض" ص79ثم يتحدث في هذا الفصل عن كيفية تخطيط وهندسة النص قبل كتابته، حيث يأخذ الورقة ويكتب العنوان، ويضع اسم الناشر أسفل الورقة، ويبدأ بعد ذلك بتعبئة الأحداث لأنه يعتقد أن الكلام سيأتي بنفسه إذا تم كل شيء على مايرام .
*الناقد والسارد:لقد انتصر الناقد على السارد في إيكو لثلاثين عاما، وأقنعه بعمله الجيد والعلمي، بل كان يستخف بالشعراء "بل أعتبر باستخفاف أفلاطوني أن الشعراء أسرى أكاذيبهم، محاكين للمحاكاة وعاجزين عن الوصول إلى تلك الرؤية البالغة السمو التي كنت وفقها أنا – الفيلسوف- أمارس تجارة يومية طاهرة وهادئة" ص85ولكنه مع ذلك كان يمارس رياضات سردية من خلال رواية الحكايات لأطفاله، وكتابة اليوميات، ومن خلال التعامل مع كل محاولة نقدية تعاملا سرديا. ثم يقرر أن يعود خطوة إلى الوراء ويبدأ في الكتابة لأن الكتابة السردية لديه "أن نعود خطوة إلى الوراء"، بل شعر أن " كل بحث يجب أن يحكى" هكذا بعمق فلسفي يبرر مشروعه السردي الخاص والعميق.
* من أين ننطلق:كتب إيكو في بين السادسة والأربعين والثامنة والأربعين أولى رواياته اسم الوردة، لأنه كان لديه رغبة أن يكتب رواية، وهو يعتبر ذلك سببا كافيا كمبرر لهذا الفعل، ولكن ما يحدث بعد ذلك من فعل الكتابة هو المهم، حيث يؤكد على أهمية بناء عالم روائي أولا قبل الشروع في الكتابة، ثم الانتقال من العالم إلى الأسلوب والكتابة بالكلمات.
*الإكراهات والزمن :وهي فكرة يركز عليها إيكو في كتابه هذا فهي أساسية ومهمة مثل الوصف الدقيق للشخصيات، والحوارات المحكمة، والحبكة والإحالات، وهذه الإكراهات الخاضعة للمنطق والزمن قد تغير فكرة أو زمن الرواية، أو حركة الشخصيات أو أدوراها، وبالتالي هي التي تتحكم في الكاتب لاحقا، ولكنها ينبغي أن تأتي وأن تكون منطقية ودقيقة حتى تشبع القارئ ويتحصل الكاتب على المصداقية.ويواصل إيكو وصفه للكتابة ضمن عنوان رئيس كيف أكتب؟ حيث يركز على جمع أدواته فقط أما ما يخص الوقت والطريقة فيقول: "لا أمتلك طريقة ولا يوما ولا ساعة ولا فصلا " متحدثا عن أهمية الحاسوب الذي يقضي معه أوقات الإجازات في البيت الريفي حيث يستغل الوقت لكتابة فصول ومن ثم مراجعتها، لتصل للقارئ الذي يعده ويدربه ليعرف كيف يقرأ وإلى قارئ مستقبلي، ساخرا من أولئك الذين يدشنون فكرة الكتابة للذات فقط "فالشيء الوحيد الذي نكتبه لأنفسنا هو لائحة المشتريات"
المبحث الثالث:سخرية التناص ومستويات الكتابة:


ويركز أيكو في هذا الفصل على مستويات التناص، حيث يعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك نصا جديدا كليا، فكل نص يحمل ذاكرة نصية قديمة وممتلئة، ولذا فإن عملية القراءة ينبغي أن تكون عميقة وحاذقة للحصول على أكبر قيمة من النص دلاليا وجماليا "إن السخرية التناصية وهي تؤسس لإمكانية قراءة مزدوجة لا تدعو القراء إلى الوليمة ذاتها، إنها تنتقي وتفضل القراء الحاذقين من الناحية التناصية دون أن تقصي الأقل تسلحا"، ويحدد في هذا الفصل نوعين من القراءة "الجمالية والدلالية" والتي تختلف حسب ثقافة القارئ التناصية، فهو يعلي في هذا الجزء من شأن الاستشهادات، يقول "باعتباري مؤلف روايات تلعب كثيرا على الاستشهادات النصية كنت سعيدا بقدرة القارئ على التقاط الإحالة" ص155

آليات السرد لأمبرتو إيكو، ترجمة سعيد بن كراد، دار الحوار ،2009