"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

وردة : قلبي سعيد وياك ياحياتي

أغنية في رأسي، تنام معي، تستيقظ قبلي، تهزني بعنف «هيا قومي لنغني ما»، تدرك أني لا أحب الصباحات الباكرة، لكنها كطفلة عنيدة تجبرني على النهوض، على الانصياع لجنونها المطلق، أهب روحي للمسافة تنهبها، للصمت وللقليل من الحذر، تقشّر خوفي، تتمكن من قلبي تماما، تستحوذ على ممكنات الفرح، تدغدغ الجراح الغافية على أجنحة الوقت، فتتحرك بخفة، كنورس يجس نبض الماء باحتراف، أو كشجرة طيبة تذهب في السماء الشاهقة بحنان مجيد للأرض، تتحرك في مسارات الدهشة، أغنية بيضاء كزنبقة، خضراء كقلب أشفق من مهاترات الكون وحروبه التافهة، فتعطر بالمحبة ونام.
أغنية «قلبي سعيد وياك ياحياتي» بصوت وردة التي تزرع في شغاف الروح حقل ورد بلدي، وتستقرئ فرح الروح بشفافية مطلقة، وتمنحها أجنحة لتحلق في سماوات زرقاء بعيدة.
أفكر أنه ينبغي أن يعلق هذا الصوت في أقدام حمامة زاجلة بيضاء، أو يوضع في زجاجة يحكم إغلاقها وتلقى في بحر عمان؛ كرسالة طويلة جدا وأبدية، ثم يقرأ عليها كل تعاويذ السحرة والمغايبة في جبال الحجر لتصل لكل العاشقين والمجانين والطيبين فترأف بهم، وتنعش أرواحهم الهائمة وقلوبهم القلقة بفعل المحبة العظيم.

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

نثارات الفرح

 

جريدة  عمان - ملحق شرفات
الثلاثاء 19 - 8- 2014
فاطمة الشيدي
1.
المرأة والرجل الأكثر خفة من قطين مشردين
تبادلا النظرة الطويلة الساهمة عبر رصيفين متقابلين ذات سغب للحب
أو طائرين غريبين التقيا صدفة في جزيرة مجهولة
فأرخى كل منهما جناحيه المتعبين لفكرة الوطن
الرجل والمرأة اللذان جاءا لهذه الحياة من طريق معتم وبعيد
وعاشا في زاوية خلفية للمشهد الكبير على ضوء شمعة وألم
كانا يكبران في الظل
رافضين حدود الترسيم الباهت للسائد
أو فجاجة الغفلة الناعمة
مؤمنين بالجوهري والمعتم والأصيل من الجراح
والموغل والعميق من الجذور
صامتين عبر الحياة حتى اليباس
ضامئين في خدور الغيم حتى العطش
متوارين في العتمة المورقة
يكنزان الأحلام ويربيان الوجد
ويشفّعان الكتب والأغنيات في لسعات الحنين والوجد
ويهربان قلبيهما المتعبين في رواية أو فيلم
ويقفزان فوق النتوءات
يختبران الأشواك والعواصف
ويرتقان ثقوب الشراع من الصدمات، واللهفة العابرة
الرجل والمرأة (المذكوران أعلاه)
أصبحا يتورطان كل يوم أكثر في شراك التفاصيل الصغيرة
التي تقيدهما لبعضهما وللحياة بشكل مربك
فأصبحا يضحكان بلا سبب مقنع تماما كلما التقيا
ويصمتان حيث ينبغي الكلام
ويثرثران في مناطق هشة ودافئة ربما تعاليا عليها زمنا
بل لقد نفخ كل منهما منطاده القديم عائدا
ملوحا للغيم (على الأرض ما يستحق الحياة)!
2.
أيها الفرح المستأنف صلاته عند ما تبقى من حنين المشارق والجهات
الذاهب -ما حلا للهفة- في تراتيل البهجة والأمل
وفي شهوة التفاصيل الصغيرة والكثيرة
وفي ارتدادات الصدى بين الخيبة والرجاء
وفي المدى
ها أترك لك باب العمر مفتوحا
ادخل على أطراف أصابعك
كلص محترف سيسرق براعم الأحلام الصغيرة
ويخبئها في حدائق قلبه ليورق بالروح والريحان
وبالندى
لا تحدث الكثير من الضجيج كي لا توقظ أحلام الموتى الغافية عند مدخل العمر
ولا تجمع الأصداف اللامعة في الممر الضيق
فهي تستحضر رائحة البحر لتضيء لقلبينا عتمة الاقتراب
ولا تتلفت كثيرا
سترشدك الموسيقى لما يجب أن تحمله معك بخفة
وستغمز لك اللوحة الجدارية الضاجة بالحياة
عما خلفته الحياة من ندوب في القلب الذي تسعى إليه
امسح عليها كما يفعل نبي أو قديس على رأس يتيم
وابتسم كساحر يخرج من أكمامه سحابات الفرح ومن قبعته أرانب الدهشة
لا تتمسح في الزوايا
فالتقديس لا يليق بالمجانين ولا بنساء المرايا والوهم
فقط استبح المزامير والزبر وغنِ
واحمل ألواحك للبحر
وأكتب بملحه ما يحلو لك على وجه السماء
وابحث في زرقته عن تلك اليد الوحيدة
ستجدها ممدودة على اتساع الشغف
وعلى مد الجنون
خذها إليك بحنان جدة تعطي الحب بلا مقابل
وحينها ستفتح هي لك المزاليج المغلقة
وتدلك على كنزها المخبوء
هناك ستعثر على أمشاط شهرزاد وعلى بقايا الحكايات على فمها
وعلى تفاصيل لم يذكرها الرواة في المتون المدهشة
وعلى ما تسرب من غناءات الجواري في المدى الممتد بين شفتين وقبلة
وعلى رائحة العطر المعتق في قوارير اللهفة
وعلى خمر العشق و(طيب العناق على الهوى)
ضم كنزك لقلبك وارفُ شقوقه الكثيرة
ليعود أبيض أبيض
سعيدا لم يمسسه سوء
 

الاثنين، 18 أغسطس، 2014

في تاي لاند .. بين مدينتين


أ.
في السفر والغياب؛ ثمة فرح ظاهر، وشجن خفي، وبينهما مسافة موغلة من الصمت الذي لا يريد أن يقول شيئا، ورائحة بلا ملامح توحد بين الأمكنة والوجوه في دائرة الحنين لما لا نعرف، وثمة انغماس كلي في كل شيء بلا نية كاملة لأي شيء، وكأن ثمة تواطؤ ضمني وحميم على الالتذاذ بالمجهول كيفما اتفق.
ب.
في تايلند وفي الصباح الذي ليس باكرا تماما دعوت المدينة على فنجان قهوة في بهو الفندق -الذي أسكنه مع شريك العمر، وصديق الروح في رحلة حلم داخلية أكثر مما هي في المكان- على أن نتمشى قليلا بعدها لتخبرني عن تفاصيلها الدقيقة، وجنونها المغري وهيئتها التي تبدو مدهشة بتمازج فوضاها الخارجية ونظامها الداخلي؛ حين التقينا كانت تبدو شبه ناعسة، تتثاءب بدلال امرأة، تنسل من الفراش بهدوء ثم تبدأ يومها على عجل، تمشي في الشوارع وتسكن الأكواخ وتحيا بين الناس، لا يقلقها الصخب المحيط بها، ولا حركة السياح الكثر الذين تركوا بلادهم الحارة سعيا وراء كل هذا التنوع الثري في الحياة والبشر والطبيعة. كنا هي، وقلبي الـ(سعيد) وأنا، نتمشى معا تحت رذاذ المطر في شوارع «بانكوك» حيث الحياة تبدو أقرب للأرض، وللإنسان، وللكائنات، ولله معا، هي تخبرنا عنها، ونحن نصغي باهتمام يليق بها وبنا.
ج.
في (بوكيت) مدينة الغرق والعشق؛ لأربعة أيام استثنائية بين (بوتنج بيتش) وجزيرة (جيمس بوند) ومصنع اللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة، ومزارع الكاجو، والشطآن الممتدة من القلب للقلب. كانت أرواحنا تطفو في محراب الدهشة والجمال الطبيعي والإنساني،ثم تجثو أمام عقل الإنسان الذي هيأ كل السبل لصناعة الحياة وتهيئة المكان؛ لتكون السياحة مصدر الرزق الأهم، مستعينا بكل الممكنات من جمال الطبيعة وخيراتها، واستثمار سعي الإنسان للبقاء بكل طاقته ووده ولطفه وبكل الكائنات اﻷخرى، وتعمد لبث الجمال في كل خلاياك، وسلبك ما تستطيع من مال لصالح حالتها السياحية وأنت تبتسم بفرح، وتراها وهي تعمد لتوزيع الأدوار والتعاون العميق والنظام الدقيق المقر سلفا بعرف اجتماعي واقتصادي غير معلن بين أبنائها بلا احتكار ولا جشع ولا قوة بطش.
بوكيت المدينة التي يدللها الماء (البحر والمطر) فتمد يدها لتدلل غرق السياح الهاربين من العتمة والضوء ومن الضجيج والهدوء معا .
بوكيت التي لوحت لنا بابتسامة ودودة وزخات مطر كثيفة كأجمل ما يكون اللقاء والوداع معا.

الثلاثاء، 12 أغسطس، 2014

غزة شوكة في القلب.. توجعنا ..ونعبدها

 
جريدة عمان -  ملحق شرفات
الثلاثاء 12- 8 -1014
فاطمة الشيدي
 
1.
غَزَّ غَزَزْتُ ، يَغُزّ ، اغْزُزْ / غُزَّ ، غَزًّا ، فهو غازّ ، والمفعول مَغْزوز:
• غزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها وخَزه وَخْزًا « غزَّ يدَ صديقِه بالإبرة (الوسيط)
- غزَّ سيفًا في عدوِّه «  أي طعنه (معجم اللغة العربية المعاصر) .
وهل «غزة» اليوم إلا طعنة في القلب العربي، والضمير الإنساني ؟!
2.
غزة دائما ومع كل انتفاضة تعيدنا إلينا، لقضيتنا، لإسلامنا وعروبتنا، لتاريخنا وجذورنا، وهي تفعل ذلك الآن بقوة -وسط هذه المعمعة من اللافهم والاختلاف حتى على ما كان لا يجب الاختلاف عليه وهو الله والإنسان والوطن.
لقد جعلت قلوبنا -من الماء للماء- تخفق معها بل تغلي وتحترق، وتتحفز وتتابع وتدعو لها بالنصرة كأضعف الإيمان الذي يستطيعه الفرد العربي المسلم، لقد أيقظت الإيمان الحقيقي المغروس في قلوبنا بقيمة الوطن الكبير، وجددت إيماننا بقضية الحق والعدل الواضحة تماما بلا خلاف ولا اختلاف حولها وبلا رتباكات و تعدد زوايا الرؤية.
بل لقد جددت قيمة صيامنا هذا العام، وجعلتنا نشعر بروح الإيمان الحقيقي التي تجمعنا في رمضان بعد أن كنا نمارس الأشياء برتابة لا عمق فيها، وصرنا مع كل قطرة دم ومع كل صرخة ومع كل خفقة قلب نشعر بأننا منها وفيها ولها، فتلهج أرواحنا مع البشر والحجر هناك «الله أكبر» .
3.
ياغزة :
دمعة واحدة نغرق فيها جميعا من المحيط للخليج
سكين واحدة تذبحنا جميعا من الوريد للوريد
صرخة واحدة تشق أرواحنا ونشفق منها معا
ولكن لا عزاء لك أو لنا
4.
حين يقتل أخوتنا في غزة باسم دين آخر، وبتفويض دموي قاتل من عقيدة أخرى لشعب يرى نفسه «شعب الله المختار» بعد أن احتلوا أرضهم وسرقوا أمانهم ومستقبلهم؛ علينا أن نكون مسلمين وفقط .
وأي حديث عن أي مراجعات للفكري الديني وما أنتجته الحالة الإسلامية «خارج المنهج الإسلامي الصحيح» من تخلف وبشاعة، وكل ما يدور من لغط وربما جنون لا يقبله أي عقل أو وعي، «يأتي فيما بعد»، وخارج غزة وفلسطين تماما؛ لأن غزة هي «المقاومة» لشعب محتل يقتل كل يوم بتعدد الأساليب بين حصار وتهجير وهدم منازل وغيرها، وأبسط أنواع المؤازرة بالقلب والمشاركة باستشعار حالهم، أما الحديث عن الإسلام السياسي وفظائعه التي لا ينكرها ذو عقل فلا ينبغي الزج به وغزة تقتل من عدو محتل. فالأمر بساطة أن فلسطين محتلة والمقاومة فيها من كل الفصائل فعل حياة واستمرار.
5.
ياغزة
خذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح أطفالك
ملحا للتاريخ الأسود
كفنا من ماء
صرخة في وجه الصمت العربي
ذاكرة من دم وتراب
حدثينا أحاديثك الراعفة بالعزة
وقصي علينا بعض القصص عما يستعصي على الفهم الآن
اجمعينا ضوءا بين رموشك
حزنا للزعتر والزيتون
صلاة للبرتقال وللبحر
قصائد من عصبية رعناء
وجهل غض أمرد
اجعلينا كلمات بلا معنى
تقول بعض الأشياء عن العروبة والدين
أضيفي لنا ما تجاسر من المعاني على القواميس كالكرامة والشرف
رددي علينا بعض الحماقات عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد
دعينا ننام في حضنك الدامي لنحلم بالحرية
قدمي لنا دروسا حية عن القومية والعدل
اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصة واليأس خرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبورا لشهدائك
كورينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزا أسمر يأكله الشهداء على عجل
حررينا من العجز الذي يكبلنا
ادرئي ولو قليلا هذا الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون
نحن أبناء التاريخ السذج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللغة الخضراء
نحن العزل إلا من قلوبنا ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق وبالإنسان
6.
لو كان المسلمون يدا واحدة وقلبا واحد بالمال والعتاد والمواقف السياسية والوطنية مع فلسطين الجريحة؛ لكانت هذه الهبة الباسلة من غزة كفيلة بتحرير الأقصى وطرد بني صهيون الجبناء حتى آخر جندي من اﻷرض الطاهرة.
فقد اجتمعت لها كل مسببات النصر من رمضان شهر الصيام والرحمات حتى تلاقي خفقات قلوب المسلمين في كل مكان ووعي الشباب بالعدو الأول، ووقوف العالم كله اليوم معها فقد أصبح يعرف أصحاب الأرض ويدين هذا العدوان الغاشم متحررا من طنين كذب الساسة والملمعين وأصحاب رؤوس اﻷموال.
ولكن الطريق إلى غزة محاصر بعجزنا وضعفنا، وموصولا بداعش وأشباهها من المدعين الذين يعيثون في الأرض والعباد فسادا وظلما ويتجاهلون فلسطين التي تعري انحرافهم عن الدين وبعدهم عن الله والوطن.
7.
ليست غزة أجمل المدن
ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض
وليست غزة أغنى المدن
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن، ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء، وفقرا وبؤسا وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.
…………………….
محمود درويش .. الذي تأتي ذكرى رحيله هذا العام (9/8) وغزة كما كتب عنها وأكثر، وشعره روح كل انتفاضه، وقوة كل صرخة، ومصدر كل تحدي ومقاومة.
 
* "العنوان تنويع على مدخل قصيدة: عاشق من فلسطين ـ لمحمود درويش
"عيونِك شوكةٌ في القلب
توجعني… وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع… أغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ...

ويجعل حاضري غدُها"
 

الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

تراتيل سيدة الحزن والجراح في مجموعة «على الماء أكتب» لفاطمة الشيدي

 

هاشم الشامسي
لا يمكن أن نفصل حالة الحزن التي تغمر الإنسان عن حالة الوجود والكون الذي يعيشه، مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة، والحزن الذي يحمله الإنسان ناتج عن حالة التشظي التي يمر بها منذ الولادة وحتى الموت مهما اختلفت الحالة المسببة له، وأن حالة الفقد والفجيعة التي تحملها الروح هي أساس هذا الألم الدفين والجرح البعيد الذي يرافق الإنسان. ذلك أن الواقع الذي يتشظى كل يوم يغرس حالة من الصمت والفقد في الروح، ويرسم جانباً كبيراً من سلوك الإنسان وتفكيره.
إن الجرح الذي يرتسم في ذاكرة الشاعرة يحمل دلالة مأساوية غائرة في قلبها الحزين، وأن علاقة الشاعرة في البحث عن الحرية والعدالة المفقودة تعمل على تحديد نمط حياتها ووعيها وتفكيرها السياسي والاجتماعي، فكل شيء يتماهى في هذا الغياب.
هكذا تأخذنا الشاعرة فاطمة الشيدية في مجموعتها الشعرية (على الماء أكتب) الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت عام 2014م.
المجموعة تقع في ثلاثة أبواب، الباب الأول (نفاف القلب) ويحمل عدد ثماني قصائد، أما الباب الثاني (مسوَّدات الغرق) فحمل عدد ستة قصائد، أما الباب الأخير «من الماء إلى الماء) فحمل إحدى عشرة قصيدة.
إن ثيمات مثل الحزن والجرح والتمرد تكتسي بها مجمل قصائد المجموعة الشعرية وإن توزعت أدوارها في الأبواب الثلاثة المذكورة، ذلك أن الحزن الذي تحمله الشاعرة والجرح الدفين ما هو إلا انعكاس للحرية المكلومة في صدرها، وتحمله تراتيل أحرفها المتمردة والمضمخة بالجراح والدم والدموع الحمراء وهي تتكئ على حواف الحزن كي يغتسل القلب من إثم الكلام.
تحمل الشاعرة حزناً لا تحده مسافة أو زمن، فهي تقول (كلما تحسسنا قلوبنا اشتعل الحزن؟) ص 23. الحزن كامن في قلب الشاعرة وذاكرتها، وكما تقول (وسأدفنُ القلب في دمعة كبيرة كي يغفو وحيداً) ص 16.
الدمع، اليتم، النزف، الدم، القبر، الغياب، الحنين، الفقد، العتمة، الموت، وغيرها من المفردات الدالة على الحزن والجراح، هي كامنة في روح وجسد الشاعرة، وترشح في دمها فتقول (ومن يسوي بيني وبين كل هذا الحزن الذي يرشح في دمي) ص 24.
إنه الوجع الرهيف الخطى الذي تحاول الشاعرة أن تجد له خيوطاً من الغيم تصعد به سلماً كي تجد سماءً أخرى أو فرح آخر تغتسل به بعيداً عن رائحة الخيانات والفقد، فهي تحمل نداءً مغسولاً بالدمع والحنين، ترتل أغنيات برائحة السلام، لعلها تفوز بقليل من البهجة، أو بحميمية الروح.
في قصيدة تعويذة حمراء تتصاعد نبرة الاستياء والحزن، فهي كما تراه (في الدمع المولع بالجمر والنار المستعرة في الصدر) ص 37، أو (في رائحة الدم والندم) ص 38، (في الصمت الحاد، والنشيج المكتوم) ص 38، وفي (العين المغرورقة بالماء والشجن) ص 40.
في الباب الثاني (مسودات الغرق) تتصاعد نبرة التمرد، فهي لا تأمن حتى من الضوء الذي يرعبُ رأسها، وكل الضجيج الذي يدق طبولَ العواء في داخلها تستقيظ كائناتُ الفجيعة في دمها، تبحث عن هواء لصدرها.
(أصرخ لألملم صوتي المزدرد في حباله لأطلقه بحجم صرخة تغرقُ الكون في ضجيج لا يفنى) ص 60.
لكنها تبقى أسيرة لحزنها وجراحها، ترتل صلوات اليتم والوله والتهجد،
(وحزني الذي أطمئنّ إليه كوجه حبيب بعيد أو أيقونة للصلاة) ص 70.
إنها تحمل ذاكرة مليئة بالوحدة الداخلية والمرايا المعتمة بالدموع، ودم مليء بعواء الليل والوهن ووحشة مكتنزة بالحنين والصمت، أنوثة تبحث عن فجر يغسل القلب كي يسكنه وطن، تبحث عن شراع تعبر به عند اكتمال القمر، عن رائحة اللبان الصاعد من شرفات الحروف وعن آخر يلوح عند بحر عُمان بنص آخر.
تحاول الشاعرة في قصيدة تفاصيل العطش ص 75، أن تتمرد على قيد السجَّان الذي فرضه على الأنثى طوال آلاف السنوات حيث ظلت حبيسة أسواره ورغباته ومحرماته، تحاول أن تخلع قلادات الأسر التي كانت تمثل لها ذاكرة التبعية والنقص، تحاول أن تقول إنها ولدت حرة من رحم أمها، وأنها ملك نفسها وجسدها وضحكتها وعقلها وحبها، فهي كلها لها، رقصتها، نايها، وحتى الهواء الذي يغازل ستائرها، كل التفاصيل لها، تتأبط حريتها حين تهمّ بالخروج. إنها صرخة تطلقها لتعم الكون، لترفع صوتها بالغناء وتعانق البحر وتلتحف الصمت.
في الباب الثالث (من الماء إلى الماء) تأخذنا فاطمة الشيدية إلى أغنية الماء الحزينة، تفتش عن أصوات لها رنين الطفولة، تزهر أشجاراً في قلبها، لعل ثمرها مذاقاً لحبيب قادم، تفتش عن أوطان تسكن الشمس حرة، تحلم بضحكات لا تهرم وحب لا يفنى، تحاول أن تسمو وتجمل جراحها وذاكرتها وغربتها بحنين أكثر بهجة وألقاً.
تمضي الشاعرة وهي ترسم لها أصالة أكثر جمالاً وبعداً، تشق طريقاً مغايراً كي تصنع حلماً يلامس سماء العزة والكرامة، بصمت الوجع والحزن، امرأة تمقت مجتمع النقص والقصور وذاكرة القبيلة والمرأة المطيعة الزاهدة أنثى الببغاوات.
(كل شيء في حياة أنثى الشرق يؤثثُ الروح بالخراب).
ومتى نفيق من هذا الرقاد الطويل؟ ص 108.
إنها امرأة الأسئلة العصية، امرأة الماء، تكتب على دموع أحزانها وجراحها والغيوم المتجمعة عند مدخل قلبها، وهي تهطل بحروف الدمع الغاصة بالحنين، تحمل بوصلة الفقد بذاكرة ملبّدة بالهزائم والأحلام المستباحة. امرأة الصمت المنسل من مكابدات الأزمنة، الموارب خلف بوابات العجز والدموع والبكاءات المغلّفة بصمت يدق بمطرقته الطويلة رؤوس الصباحات والمساءات، الصمت المطوَّق للخيانات والانكسارات والعثرات.
(في صميم كل هذا الصمت
يتعثّرُ الوقت
يشتعلُ الموت
يبتسمُ المدى
وتتكاثرُ الأسئلة!) ص 116.
يبقى الحزن هو ثغرةُ الكلام والنداء إلى الحياة التي نقع في براثن غيابها وفقدها وأسفارها المرتعشة بالحنين، الحياة التي تغادرنا بقلوب غاصة بالنحيب والبوح المبلل بماء الحزن. الحزن هو أغنية لنداء الأم التي تمنحنا قيثارة الأخيلة ونايات العشق والمساءات الممطرة، الحزن الذي يصعد بنا نحو السماء بغيوم كحدقات عيون الأطفال، كرعشات الماء المملوء بكؤوس العاشقين، بالجراح المشتعلة ببراثن الغياب. إنها هذا النداء:
(يا قرابين الرؤيا العمياء
يا حدقات الغيم الواسعة كدهشة الأطفال أمام الجوع
يا رائحة الانكسارات المتسامق كنخلةٍ في الصحراء
يا شهيق الليل المدلهم
المتألهِ بالرهبة والشعر
حتى القصيدة وحتى البوح) ص 122.
تحمل الشاعرة شموعاً دامعة، إنها فنتازيا الدماء المضمخة بالمجازر والمقابر والملاحم، هكذا تلوح بنواح الحتف لشهداء الربيع العربي المبلل بالعرق والضحك والبكاء، إنه كما تقول:
(وسياط الليل تجلد اللحم النيئ
ورائحة العفن تكنس روائح الياسمين
في البلدة الخضراء) ص 132.
إنها تراتيل عشق الماء الصاعدة من خفقة القلب إلى حدود المسافات لتوقظ المصابيح من غفلتها، إنها صرخة طفل منكسرة في وجه العدالة الناقصة، عن لعنة الحدب من تائه في رحاب البسيطة، عن صلوات تسأل الرب عن رغيف من منجل يدمي وجه الشمس.
هكذا تحمل الشاعرة تراتيل أحزانها بعيون مفتوحة، وحناجر ملؤها الصراخ نحو الحرية، وكلما تعددت الطرق ضاقت المسافات بالعتمة، لم يتبق غير نهار كالح محبط بالهزائم والخيبات والحرية المغسولة بالدم وخراطيم مياه الخوذات.
هذه النظرة السوداوية التي تحملها الشاعرة عن واقع مأساوي دموي، وحلم كارثي تنهشه وحوش الغدر والخيانات كما تعبر عن ذلك فتقول:
(الزواحف تجلس قرب نوافير الدم
تشرب بلا ظمأ فالدم وفير
وحيوانات تعدوا في الأزقة والطرقات
بمخالبها تنبشُ القبور وتأكل الموتى
كي لايرووا الحكايات الصادقة) ص 144.
تمضي الشاعرة وهي توقد حروفها، فهي سندها، تتكئ عليها في كل خطواتها، فهي الأرض التي تمضي عليها، هي الروح التي تصعد بها نحو الحرية والصفاء، هي الخنجر التي تغرسها في وجه الغدر والخيانة، وهي نافذة الحب والجمال المفعمة بالوهج والعطاء، هي الماء العذب الذي تبلل بها ذاكرتها، تعانق بها من حفروا في ذاكرتها دفء الحميمية والكرامة والعزة، إلى جدها والد الماء والدم فتقول:
(أيها الماء العذب
المتدفق برفقٍ من تغضّنات العينين
تستعيدُ الرؤيا كلما ادلهَمَ الغسق
ومن انزمام الشفتين
تبثَّ حديثاً قديماً
ومن تجاعيدِ اليدين ترعى السواقي) ص 151.
تبقى الشاعرة دائماً رفيقة وشقيقة من روت مياه أفئدتهم وعطروا بعبق أرواحهم تراب هذا الوطن، ورووه بمياههم الدافقة، كي ينبتوا الزهر في القلوب، ويعيدوا للنخل شموخه وللصرخة الممزوجة برجفة الوطن عزته، تعزف أغنيات الخلود على الأرواح الطاهرة، للأمهات الراجفات بعيون الانتظار، للمياه الراعشة برضاب العشق، والدروب الراعفة بخطى الأحزان، تحمل دموعها المغسولة برائحة شجر السدر والسّمُر، وخطوات تستنفر مزامير الحلم باتجاه بوصلة القلب المضمخة بروح التمرد والقابضة على جمر الرغبات، لعلها تفوز بلغة لها رجفة الحُب والبهجة، أو تشد بحميمية على يد صديق له رائحة غابة.
يونيو 9, 2014

الأربعاء، 14 مايو، 2014

يا أساتذة الجامعات.. أين أنتم فعلا؟!

من تحقيق صحفي في ملحق شرفات بجريدة عمان
يا أساتذة الجامعات.. أين أنتم فعلا؟!

http://main.omandaily.om/?p=108474
.........................................................

رغم عقبات المؤسسات.. ليسوا كتلة واحدة

 من جانبها تتحدث الدكتورة فاطمة الشيدي عن سؤال التحقيق، فترى أن الأكاديميين ليسوا كتلة كاملة أو حزمة يمكن التعامل معها بشكل جمعي عام، الفردانية الإنسانية هي التي عليها أن تؤخذ في الحسبان رغم ...الحالة العامة التي يمكن النظر إليها بشكل كلي، فهناك أكاديميون يشتغلون ـ رغم الانشغالات التدريسية والعقبات المؤسساتية ـ على صناعة الوعي الجمعي النوعي، وتشكيل فكر المجتمع الحر بالمشاركة الفاعلة في نشاطاته واهتماماته وأطروحاته الاجتماعية والثقافية المتجددة؛ سواء بشكل فردي من خلال كتابة المقالات، والقراءات، والمراجعات النقدية والمتابعة الواعية والحثيثة لكل ما يدور في الحقلين الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتهم من ظواهر تستحق التمحيص والتدقيق والتفكير. أو من خلال الاسهام في نشاط المؤسسات الحكومية والمدنية بين الفينة والأخرى.وتضيف الشيدية أن الأكاديميين قد يشكلون حضورا لافتا وفارقا أحايين كثيرة، وبالطبع هناك من هم بعيدون تماما عن الحضور والمشاركة والملاحظة أو حتى الاهتمام بالمجتمع وأنشطته وتوجهاته وتغيراته الإنسانية والفكرية المتجددة، لذا تجدهم يدورون في مداراتهم الخاصة، وعملهم الأكاديمي البحت (التدريس) خارج أي اهتمام أو مشاركة، وبالتالي يمكن وصفهم بأنهم يعيشون فعلا في أبراج عاجية، وربما هم محتجزون في أوهامهم وأفكارهم المتبناة نتيجة تراكمات فكرية وإنسانية معينة.لكن الدكتورة فاطمة الشيدي تعود لتقول أن الفكرة ليست ظاهرة كبيرة في مجتمعنا العربي لصغر حجم ودور الأكاديمي في صناعة التوجه الفكري للمجتمع أصلا، أو بناء الوعي أو تجديده، فغالبا السياسة والإعلام هما من يحركان المجتمع وليس الأكاديمي أو المؤسسة الأكاديمية البعيدة عن هذه الأدوار غالبا، ضمن المنظومة العامة لوعي المجتمعات بجهاتها السياسة والجمعية، وبالتالي صدقت المؤسسة الأكاديمية ذلك، ونأت بنفسها عن الاضطلاع بأدوار جبارة وفارقة في تشكيل الوعي وصناعة الإنسان.لكن مع الإصرار على أن هذه الظاهرة موجودة أو على الأقل هناك الكثيرون يشعرون بها تقول الدكتورة فاطمة: “إذا سلمنا – جدلا- بهذه الفكرة، (أي بعد الأكاديمي عن المساهمة في صناعة الوعي الجمعي والمشاركة في أنشطة المجتمع) فلا يمكن التعامل مع معطياتها الخارجية فقط، بل هناك أسباب كثيرة وكبيرة معلنة وخفية وراء بعد أو تحجيم دور الأكاديمي، ومنها السياسة التي لا تريد له أو للمؤسسة الأكاديمية دورا كبيرا أو أكثر من التدريس، والمجتمع الذي لا يهتم بهذا الدور أصلا ولا يسعى إليه، ولا يهتم بما ينتج الأكاديمي والمثقف من أفكار، ومطارحات ومناظرات للسائد من الافكار الجمعية أو حتى مواجهتها ومصادمتها بغرض زعزعتها وتغييرها أحيانا كثيرة، وبالطبع يتحمل الأكاديمي عبئا كبيرا في ذلك، فهناك الأكاديمي المأخوذ “ببرستيج” الحالة الأكاديمية، ويتحرك بخيلاء وزهو يمنعه من المشاركة والانخراط في هموم المجتمع وقضاياه، والتعاطي المباشر مع مشكلاته وحركاته ووعيه، وهناك الأكاديمي المحبط نوعا ما من كل شيء والمتقوقع على نفسه وفكره وعمله وتدريسه، وتتحمل المؤسسة الأكاديمية الكثير من العبء لتحجيم دور الأكاديمي في تشكيل وعي المجتمع، وتقليل قدرته على العطاء الاجتماعي، فقد لا تؤمن هي ذاتها بضرورة المشاركة الفاعلة للأكاديمي في المجتمع، وأثره في التغيير والتقدم، وقد لا تمنحه الكثير من الوقت أو توفر له بعض الفراغ ليذهب في المساهمة بصناعة مشروع وعي اجتماعي، أو تثقيفي أو مشاركة فاعلة في صناعة الإنسان والوعي. وبالتالي تختلف الظاهرة حسب زاوية الرؤية، والفكرة وإن كانت لا تخلو من الكثير من الصحة، إلا أن الأسباب المشكلة لها كثيرة وعميقة، وتحتاج الكثير من التفكيك والتحليل الموضوعي، تماما كالكثير من الظواهر الثقافية والاجتماعية المطروحة على الساحة”.

الثلاثاء، 13 مايو، 2014

الاثنين، 10 مارس، 2014

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ... تكتب على الماء

 
                                                   
 
راسم المدهون
جريدة الحياة
10 مارس 2014
 
 
في مجموعتها الشعرية الجديدة «على الماء أكتب» (دار الانتشار العربي – بيروت – 2014 ) تختار الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ضمير المتكلم سياقاً لعصفها الشعري الناعم والمشبع برذاذ الماء كي تبوح قصائدها التي تشاء منذ البداية أن تضعها تحت عناوين ثلاثة «نفاف القلب»، «مسوَدات الغرق» و «من الماء إلى الماء». فاطمة الشيدي في قصائد هذه المجموعة الجديدة تنحني على أقنومين رئيسين لتنهل من ينابيعهما معاً: الحنين والذاكرة وتمزجهما بمشاهد الراهن وما فيه من موجودات تبدأ بالطبيعة ولا تنتهي بمفردات الأسى والحب والعيش.
قصائد تنتمي في صورة صافية لما يمكن أن أسميه هنا «صوفية معاصرة»، فالشاعرة إذ تحتفل بالحياة تفعل ذلك على طريقتها الخاصة التي تقارب أناشيد بالغة الذاتية تمتزج خلالها اللغة الإنشادية بأفق «واقعي» يجد معادله الفني في استقراء الصورة الشعرية ومنحها مكانتها الأعلى والأهم في البنائية الشعرية كلها. فاطمة الشيدي إذ تبوح وتسرد تلتصق بكل ما هو داخلي حميم لا يغيب إلا لكي يحقق وجوده في جماليات فنية تنتمي لشاعرية البساطة التي لا تفتعل ولا تتكلَف في تعبيريتها المباشرة ولكن المنسوجة من رؤى شفيفة:
«سأستفيض فيك وفيَ
في ظلام اليأس
وفي عافية الموت
سأطرز ثوب الحقيقة بمنمنمات الغياب
ولن أبكي حين يغرغر الطائر من لهفته»
أكاد أقول هي قصائد مائية بمعنى ما فالشاعرة تكتب سطورها بكلمات من رذاذ حيث يستدعي الشعر لغة مختلفة تنتبه لما في البوح الأنثوي من وشائج مع الحياة الطافحة بغزارة حدثها، والتي تثقل على الشعر إن لم تتداركه المخيلة الجامحة واللغة البسيطة، المكثفة والنابضة بحياة لها شكلها الفني المختلف. فاطمة الشيدي في كتابها الشعري «على الماء أكتب» تختار الصعب حين تنحاز الى تعبيرية جمالية تمزج السردية الشعرية بأفق العاطفة المباشرة والتأمُل، وتأمُلها لا يبتغي «حكمة» ما، أو «خلاصات قول» قدر رغبتها في استقصاء المديات البعيدة للألم. هي تكتب من هناك بالذات، من مساحات الألم الفردي في مسارات الحلم والواقع معاً، وقصيدتها لا تكتمل تماماً بل هي ترسم للقارىء باباً يفضي للمخيلة يحتاج أن يدخله القارىء بذائقته ووعيه معاً:
«كأنها ليست أنا
تسرق كل التفاصيل من سرَة الليل
تسردها لعميان الرواة
وتشرح الأسرار حين تفيض
وحتى المنتهى...».
ليست القصيدة في كتاب فاطمة الشيدي الشعري الجديد سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.
فاطمة الشيدي في هذه التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

السبت، 8 فبراير، 2014





فاطمة الشيدي

ماذا نفعل؟
نكتب
نخيط العدم، ونرتق ثقب المستحيل الكبير
نداري سوءة الحظ ونكتم أنين الدموع
ماذا نفعل؟
نغني لشهوة الحكايات النيئة، نبارك قيامات المقابر في الصفحات...
نحنط التفاصيل في لجج الفراغ
ونصطنع الخطوات المباركة للشلل النبيل
ماذا نفعل؟
نمشي على قفا خطوات الموتى،
على جمر النهايات والنكايات والعبث
وننتعل حرقة الصحاري القائظة
نشتم على بعد رحيق الجراح، نعتقها في جرار اللغات
أو نخبئها في مزارات أرواحنا الميتة
نتعفف عن الحياة بجملة من سراب النحيب
ونلهث، ونلهث خلف طقوس العواء
ماذا نفعل؟
نغني للخيبات قليلا كي تنام
ونسند انكسارات الشجر الميت في أعماقنا بنصب الكلام
وببعض الشجن
ندجج حرفة الشوق في شقوق الأصابع
وننتظر الماء خفيفا مريضا في مقل العيون
ماذا نفعل؟
نتهافت مع المتهافتين على لذة الفقد
ونتشرب عنفوان الرواء من قصعة الليل
ثم نشرئب في ابتهاج الغياب
ننسج حنينا في المدى الذي لا يطال
ونهرف بما لانعرف على صدور الهوامش والحواشي والبعيد
نردد خلف جوقة المجهول أناشيد الفتنة الغاربة
ونكبل أصابعنا بخواتم اللعنة في ردهات الشاشات والصفحات والغي
ونكتب نكتب
عما ليس هنا، وعما لا يجيء
نخبئ أفراحنا في صرة ونحكم الربط
ونصطنع دهشة كاذبة، وضحكة عابسة ،ونمضي بخفة مع الركب
نغني للقافلة كي تكمل رحلتها في السراب
ونستأنس بنحيب الكلاب
ونكتب .. نكتب
لننشر كل عام كتابا

الخميس، 6 فبراير، 2014

فاطمة الشيدي تكتب على الماء



جريدة الخليج - الخليج الثقافي
                        
تاريخ النشر: 06/02/2014

   
صدر حديثاً عن دار الانتشار العربي المجموعة الرابعة للشاعرة العمانية فاطمة الشيدي بعنوان "على الماء أكتب"، تقع المجموعة في 160 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم ثلاثة أجزاء: "نفاف القلب" ويضم ثمانية نصوص، و"مسوَّدات الغرق" ويضم ستة نصوص، و"من الماء للماء" ويضم أحد عشر نصاً .
تقول الشاعرة في أحد نصوص المجموعة:
تشبث القشة بالماء
كانت السماء غباراً
ولم أنتبه
وقلبك الذي أيقظ الأغنيات أخيراً
لم أنتبه
خانتني سجدة للخرافة
خانني وهم العبور
خانني موتاي
وخنت قواي التي نبهتْ نبعي
الجفاف . . الجفاف
***
كل ما كنت أفعله
أنني كنت أبحث لصدري عن هواء
أصرخ لألملم صوتي المزدرد في حباله
لأطلقه بحجم صرخة تغرق الكون في ضجيج لا يفنى
أقسّم الفراغ بيني وبيني بالتساوي
أفتح في صدري درباً للدهشة وللعصافير
ولا متسع
فكل الوجوه خارج الأقنعة عراء
وليس إلا غبار يشتهي قلب جرار الفتنة على عسل لا يجود
وقوس أخضر عند سرّة المنتهى
 
 
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/74dab155-aa3e-41d1-8fdc-2b9a8466885d#sthash.TeyM8ssx.dpuf

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

كدمعة في محيط العدم





فاطمة الشيدي

إذ ينخرنا القلق بشهية الدود
-قبل موعد القبر بما لا نعلم-
نرتبك ونحن نلمح تلك الانقسامات النيئة
والتشظيات العميقة في الروح
تلك الأخاديد المحفورة بأزاميل الموت في الأعمق منا
نتململ في عبورنا المحاذي للعدم
نبحث  في المطلق عن المطلق
نستند للأعلى من الأشياء
كفكرة أو إيمان
الله يعلم ذلك جيدا
ولذلك لا يبخل علينا أحيانا ببعض العظام
نبحث عن أرواح هائمة يخترقها الضوء
قد تمشي على قدمين
ولكنها من زجاج ردئ
قابل للكسر والاحتكاك
ومن ماء كثير يصلح للبكاء
نتبرأ في حينها من الأحياء
ومن الأفكار الكبرى التي غيرت مسارات عبورنا
ومن الكتب الرديئة التي أفسدتناَ
من نيتشه، وماركس، وسيوران اللعين
ومن كل الشعراء الكاذبين
نشتهي ضحكة مجنونة ترتطم بجدران الروح
وترتد للسماء بمجون
لتكايد الله في بهجته الخرافية على كل هذا الشقاء
نشتهي أعواد ثقاب ناضجة  الاشتعال
لندفنها في قلوب وعيون من نعشق
لنحرّقهم، ونثأر لكل هذا الموت
ولكل ذلك الخراب، وللوجع البين
الرابض في داخلنا
ككلب أجرب لا يفتأ يحرك ذيله، ويرتعش وهو يصدر صوت نحنحة وتهديد
نشتهي أن نفعل في العالم أكثر مما فعل نيرون بروما
وفجأة يخفت كل شيء عندما نلمح ابتسامة منسية على أحد أرصفة الكون
لعجوز وحيد، أو يتيم يستجدي العالم لمسة حنان أو خبزة حافة
أو فقيرة تجمع علب المشروبات الغازية؛ لتبيعها ثمنا لوجبة وحيدة ليوم طويل
حينها تتساقط ألوية الحقد، وتستطيل أجنحة الخيبة واليأس
يخفت القلق، ويشتعل الحزن
اللعنة، أي تناوب لعين بين هذين الشقيقين الشقيين
وبين هذا البؤس في الداخل والخارج !
 

الأحد، 2 فبراير، 2014

يوميات الشاشة



 
 
  فاطمة الشيدي

بين السينما والتلفاز والوعي علاقة كبيرة ومباشرة من حيث اختيار ما يناسب اهتماماتك الصغيرة والكبيرة، أو ما يعمق رؤيتك للعالم، ويجعلك تسير فيه بلا اهتمام وافر بالصغائر والأشواك المنتصبة في الطريق، والدبابيس التي تتوغل عميقا في الروح، لأنك تدرك أن هذه  هي الحياة، وثمة تعويضات جمالية وإنسانية أخرى تستحق أن نعيش لأجلها، وأن نغض البصر قليلا عن المنغصات والتفاهات.
لست من مدمني التلفاز، ولست من مهووسي السينما، لكنني بالتأكيد لست من أعدائهما إن لم أكن من عشاقهما، فلا بد من فيلم بين الفينة والأخرى،  ولا ضير من مسلسل (رغب تعب المواصلة والترقب للنهاية) بين الحين والآخر، و حتّام برنامج يثقف العقل، ويلهم الروح طاقة للاستمرار دائما وكثيرا.
من مشاهداتي الأخيرة :

أ.

مسلسل "على مر الزمان" وهو مسلسل تركي رهيب وغريب، بل وكم صرخت في الكثير من حلقاته "الطويلة جدا" يا إلهي كثير كل هذا الشر والظلم والقهر، وأكاد أجزم أنه كثير جدا على قلب "جميلة".
جميلة الأم التي كانت محور العمل كما أرادت القصة التي أهدتها الكاتبة إلى أمها التي ظلت مبتسمة رغم كل الظروف.
جميلة  الزوجة والأم والحبيبة الملهمة والكثيرة والكبيرة؛ الزوجة التي غدرها زوجها القبطان مع حسناء تافهة أحضرها معه من إحدى رحلاته، ولم تتردد في طعنها بسكين لأنها أهانتها وجرحت كبرياءها الأنثوي.
جميلة الأم التي وقفت مع أطفالها الأربعة وربّتهم، وتفهمتهم، وساندت حياتهم وأحلامهم، واستوعبت اختلافاتهم، ومشاعرهم، وأمنياتهم .
جميلة الحبيبة التي ذهبت مع العشق حين طرق بابها رغم الزمن وكلام الناس، وساندت حبيبها وزوجها الشاعر والمثقف اليساري في محنته مع عدو الماضي اللئيم والمجرم في تعامله مع أبناء وطنه باستغلال سلطة الوطن للثأر منهم.
جميلة الأم والجدة الحنون الذي امتد حنانها ليشمل كل من حولها  من بشر وشارع وأقرباء .
ورغم تفرع الأحداث ليصبح لكل ابن حكاية، ولكل حكاية تداعياتها الخارجية، ورغم وفرة الأعداء والظلم والجهل "في تركيا السبعينيات" إلا أن جميلة ظلت محور العمل، وشجرة الحب في مسلسل أراد أن يقول هذا تماما عن دور المرأة وقيمتها في الحياة.
المسلسل يحكي روح النضال، وضرورة التغيير، ورفض الظلم، وأهمية العائلة والتشبث بقيم الخير والحق والعدالة، والانحياز للحب والإنسانية.. إنه مسلسل إنساني ينحاز للإنسان والضمير والمحبة، ورغم طوله فإن قيم الصبر والإيمان بالعدالة الإلهية هي أهم وأجمل ما يخرج به المشاهد .

ب.
منذ أن بدأت أتابع برنامج "الثامنة" مع الشريان ، وأنا  أستعيد شيئا فشيئا إيماني بأهمية العمل الإعلامي، ودوره في الكشف عن الخلل المجتمعي والمؤسساتي والحكوماتي والوظيفي لدى المجتمع العربي، بعد أن كفرت به زمنا، وقد تحول لأبواق مزعجة، وكلام زائف.
فالثامنة مع الشريان برنامج مختلف فعلا ، فهو يعري ويكشف الكثير من الأوجاع العربية "المشتركة" في الإنسان والمجتمع والمؤسسة العربية بشكل عام رغم سعودية الحالات والأمثلة، إلا أن الوجع العربي واحد، والحالة متقاربة جدا.
في الحلقة التي خصصها عن "ولاية المرأة" كشف  عن القهر الإنساني الذي يفرضه المجتمع باسم الدين على المرأة، والقيد الذي يضعه في معصمها باسم الله، فلابد من ولي لكل شيء من الزواج الذي هو حقها الشرعي، حتى تخليص أي معاملة، إنها رؤية أحادية لجعل المرأة "نصف إنسان" أو "إنسان من الدرجة الثانية" ،  "ناقصة عقل" وتحتاج من يؤطر حياتها، ويحكم تصرفاتها، وكانت المحاور التي طرحها، والضيوف والحوارات تؤكد ذلك، ولكن القرار كان أكبر من الشريان ومن ضيوفه بالطبع.
وفي حلقة "التحرش بالأطفال" وهو الوضع المسكوت عنه في معظم القوانين  والمجتمعات العربية، كان الطرح إنسانيا وراقيا، وكانت نافذة على الآباء والأمهات "أكثر بالطبع" الانتباه لها .
وكذلك في طرحه لتقصير المؤسسات الصحية والتربوية والإسكانية، إنه "برنامج" لا يروم التغيير الجذري والمباشر بالتأكيد، ولكنه يلقي حجرا في البرك العربية الآسنة، علّ هناك من تتحرك همته ونخوته وضميره، ممن يملكون القرار، ويسنون القوانين، ويقدرون على التغيير، وهذا هو دور الإعلام النزيه.

ج .
 أحب بجنون تلك الأفلام التي تسرد حياة العباقرة، والأذكياء والمضطربين، وغالبا يكون العبقري والناجح والمتفوق علميا وعمليا  مخفق في حياته الشخصية والعاطفية، ومضطرب في الحياة الاجتماعية، ولكنه طيب وإنساني ويعشق بكل أعصابه وروحه حين يفعل.
 من الأفلام التي شاهدتها مؤخرا حول هذه الفكرة :

1.Adam

وهو شخص متخصص في مجال الفضاء، والذي بعد أن فقد والده الذي كان مصدر قوته، يدخل في حالة صمت يراقب فيها النجوم فقط، ويعمل بجد وحذر، ولكنه ما يلبث أن يطرد من عمله؛ لعدم حاجتهم إليه، ليعيش في جو غائم وحزين، قبل أن  يتعرف على جارته الحسناء التي تحاول أن تدمجه في الحياة، ويدخلا  معا في اشتباكاتها الإنسانية التي كانت على وشك أن تفرق بينهما،  لولا أنه شعر أنه غير قادر على الاستغناء عنها، فيطلبها للزواج بعد أن حصل على وظيفة في محطة فضائية كبرى في نيويورك. فتوافق بعد أن عرفت أن والدها لم يخلص لأمها طيلة فترة زواجهما، وهي آمنت بروح آدم وعبقريته، وأنه لن يخونها مع امرأة أخرى، وهذا أهم ما تريده المرأة.

2.  The Lake House    
منزل البحيرة هو فيلم أمريكي رومانسي درامي, تم إنتاجه عام 2006, كتبه دايفيد أبورن, وأخرجه اليخاندرو اجريستي, بطولة كيانو ريفز وساندرا بولوك ، ويحكي الفيلم حكاية غريبة حول تبادل رجل وامرأة (مهندس معماري، وطبيبة) عاشا في نفس البيت، ولكن في زمنين مختلفين رسائل من بعضهما، ليقعا في الحب، ويستمر هذا التراسل الذي يعيق حياة كل منهما عن الحياة الطبيعية مع أشخاص آخرين، ورغم اكتشاف الطبيبة أن الرجل مات منذ عامين، إلا أنهما يلتقيان ويتبادلان القبل ليلة عيد الحب، دون أن يفهم المشاهد مدى صدق وطبيعة هذا اللقاء.
الفيلم انتصار للأرواح المختلفة، وللعشق غير الفيزيقي، انتصار للمتخيل على الواقع، للحب المجرد على الحب المعاش، انتصار لقيمة المخيلة، والبعد العميق في الحياة خارج التفاصيل، وبعيدا عن الماديات والمحسوسات.

3.Smart People
لورينس (دينيس كوايد)  الأستاذ الجامعي في جامعة كارنيجي ميلون، شخص مغرور يعيش حياته بتراتيبية وروتين ممل وموحش مع ابنته  الذكية "التي تكاد تتحول لإنسان آلي"، وابنه الذي يكاد لا يعرف عنه شيئا، بعد وفاة زوجته التي كان يحبها ، كما يتعامل بعجرفة وقسوة مع طلبته في الجامعة، وغالبا يعطيهم درجات ضعيفة لأنه لا يؤمن بقدراتهم في النقد والتحليل الذي يرى أنه لا أحد يستطيع مجاراة قدراته الخارقة والحاذقة، وهو إنسانيا شخص بائس وكاره للبشر؛ حتى يأتي شقيقه غير الناجح  (حسب معايير البروفيسور) لزيارته وقضاء بعض الوقت مع عائلته المفككة.
يسقط لورينس من أعلى السور في محاولة لتسلقه له؛ لإحضار حقيبته من داخل السيارة، بعد أن رفض الحارس (الطالب الذي يحمل للأستاذ ذكرى أكاديمية سيئة) فتح البوابة له، وبالتالي يفقد وعيه فيذهب إلى المستشفى للعلاج، ويكتشف إن طبيبته هي أحدى تلميذاته السابقات المتيّمة به، رغم أنه أيضا منحها درجة ضعيفة  في امتحان الانشاء في سنتها الأولى، مما أدى بها لتغيير تخصصها من الأدب للطب، وبعد أن عرف هذه المعلومة من زميل لها، عرض عليها التحدث ثم بدأ يخرج معها.
 ولا حقا بدأ  بمساعدة أخيه، تخفيف صوت الأنا النرجسي والاقتراب من الحياة بوصفها جماليات يجب أن تعاش، فتخلى عن دور رئيس القسم لأنه لن يقدم فيه شيئا،  وبدأ يستمع لأبنته، حول الجامعة التي اختارتها للدراسة، والتي تكفل بها من مردود نشر كتابه الذي ظل فترة يحلم به، وفرح بقبول دورية رفيعة نشر قصيدة لابنه الجامعي الذي لم يهتم به سابقا.
وهكذا فالفيلم انتصر لقيمة الحياة والفرح ضد الصرامة والجدية المفتعلة مهما كانت غايتها ومبعثها، وللإنسانية المتمثلة في  التعامل واللين ضد العجرفة والنرجسية الباهتة، وللحب في التغيير الإيجابي في كافة مناحي الحياة من الأسرة حتى العمل.

 

الجمعة، 31 يناير، 2014





فاطمة الشيدي

الليلة غادر يناير (كانون الثاني)
كان حزينا وباردا وهو يخرج من العام بهدوء وخفة على أطراف أصابعه
دون أن يغلق الباب بقوة كي لا يسمعه أحد
بدا كلص لم يجد شيئا يسرقه وهو يخرج
أو كمراهق وجد الباب مواربا في هروبه من البيت
فخرج بحذر كي لا يوقظ أمه المرهقة من يوم طويل
خرج مثقلا بالضياع والخسارة
فهو هذا العام
لم يسهر مع البدو خارج خيامهم عند مواقد الجمر والقهوة
ولم يرقص مع الغجر رقصتهم الخرافية كما كل عام...
ولم يجالس عاشقين عند المدفئة ليلتذ بأغنيتهما المفضلة
ولم ينادم شاعرا حالما لا يفتأ ينفث دخان سيجارته الكوبية كما ينفث الكلمات من صدره المصدور
ولا سهر مع أرملة حسناء تحتضن قطتها وتسرح في ذكرياتها وبين يديها كوب قهوة كبير؛ ليمسح دموعها بمناديل الحياة واﻷمل
ولم يشتعل مع اللبان في بيت العائلة المؤمنة بالخرافات والسحر كل مساء ليتصاعد مع اﻷحاديث الحميمة
فهو مذ جاء كان مهموما كيف سيستقبل الموتى والعراة كل هذا البرد
وكان مشغولا بعد الجثث التي تركض خلفه
وبالاعتذار لها بكل المبررات الجاهزة
وها يغادر منكسا رأسه خجلا، خلسه منها ومن الكون
دون أن يلوح بسخاء وحميمية كما يليق بشهر اﻷعياد والبدايات
تاركا إرثه الكبير من العار والخزي لشهر الحب
الذي بات الليلة يرتجف في حضن أمه خوفا وخجلا
قبل أن يستقبل العالم أول أيامه غدا
بلا حب وربما بالمزيد من الموت!


 

الخميس، 30 يناير، 2014

Fools Rush In



 
فاطمة الشيدي
 
اﻹيمان برسائل السماء التي تقودنا نحو الحب أو السعادة، تلك الصدف التي ليست محضة ولا كاملة تماما ، وإنما فرص يوفرها القدر تحمل علامات وإشارات خفية للعبور نحو شيء ما أو نحو شخص ما بتخطيط قدري.
 الحب الذي يبدأ بصدفة عابرة أو فرصة مغلفة، ولكنه يصبح لاحقا كبيرا وكثيرا حتى لو زالت تلك اﻷسباب اﻷولية، ﻷنه حدث وكفى! وعلي اﻹنسان الاستسلام لأسبابه ليشعر بلذته وقيمته، فالحب لا يأتي دائما ..وقد يحدث مرة واحدة فقط في العمر، وإن توهمنا عكس ذلك.
هذا بعض ما قاله هذا الفيلم Fools Rush In العذب كعذوبة ملامح سلمى حايك بطلته، وكعذوبة فكرة الصدفة والحب وتعالقاتها اﻷبدية التي تحدث غالبا خارج فكرة البحث أو حتى الانتظار!

الأربعاء، 29 يناير، 2014



فاطمة الشيدي
 

أريد أجنحة يالله
لماذا لم تعطني عضوين زائدين في جسمي أفردهما حين أضجر من كل هذا العالم - كاﻵن- وأحلق
رئتاي كبيرتان بما يكفي ﻷشرب هواء العالم كله بكل تلوثه ودخانه
وقلبي حزين أكثر مما ينبغي ﻷنفخه وأرتفع به كمنطاد عظيم
أعدك لن أتذمر مجددا
بل سأغني أيضا كالعصافير في رفرفتي المتحررة
سأنسي الزواحف التي في اﻷرض
سأضع خيباتي السميكة تحت قدمي في تمارين الطيران اﻷولى
وسأقفز من فوق تلة الهزائم بعد أن تكتمل استدارتها الحبلى نحو اﻷعلى
وسأنظر برفعة لكل هذا السخام الذي يمشي على قدمين
ولهذا الكوكب المتعفن بالأمراض والعاهات الخبيئة
لن أحفل وأنا أحلق بكل الظلم الذي صنعته لتمتحننا
وأنت تعلم النتيجة سلفا
ولا بتلك العقول الصغيرة المعلقة كدبابيس صغيرة في هياكل ضخمة لا تحتاج لها أصلا في عبورها المسير
ولن أبكي كثيرا حين أستنشق عبق الفراغ
ربما فقط في البدايات حتى أتحرر لاحقا حتى من الدمع
سأشهق كثيرا وأضحك أكثر وأنا ألتهم الغيوم وأشرب المطر بنكهة الحرية
لن أفكر في فقراء العالم ولا نسائه المقهورات كما كنت
فقط سأتمنى أن تهب كل أطفال الدنيا أجنحة مشابهة
لنحلق مع الملائكة وندغدغ الهواء ونسمعه يضحك حتى يشرق
كما تضحك أنت اﻵن لأمنية غريبة لسلحفاة حزينة!

السبت، 25 يناير، 2014



 

 
 
 
 
القصيدة واللحن التي ربينا مراهقتنا في مراياها .. وغسلنا عشقنا الوهمي في لججها العذبة .. مالحة ملوحة البحر الذي دلل حضورنا اﻷول للوجود .. ودافئة دفء التفاصيل بين زقاق الحارات وعلى رمل الشاطئ غير المكترث بجنونا وألعابنا الصغيرة وقلوبنا الحالم...ة بالحب والتى كانت تحرس اللهفة بحرص وتعد نبضة تزيد أو تنقص، وتربي القادم بمهل اﻷمنيات والعبث، وأحلامنا الذاهبة في التكوين والوعي والمتشبثة بحبائل المختلف والجميل.
أعشق هذه اﻷغنية كومضة في ذاكرة الوعي والبدايات المتمهلة والمأخوذة بالعميق من الجمال في الكلمة واللحن .. والرهيف والموغل من المعنى، ومن مفتقات الوعي والتماثل للجمال .. لهما السلام،  وعليهما (علي الشرقاوي وخالد الشيخ ) !
 
 

الأربعاء، 22 يناير، 2014


فاطمة الشيدي


أيتها الكلمات اليابسة كوريقات الخريف
أقاربك بحذر
أخشى عليك أن تتكسري بين يدي
يدي الخشنة كيد حفار قبور قديم
أو صانع فخار عتيق
يدي التي تتحايل على الكلمات كي ترمم شقوقها في ضوء عينيها
وكي تتشكل أكثر جمالا في اللغة
يدي التي تسرح شعر الأشعار في الكتب
كما تفعل النساء في المرايا
وتكتحل بالوهم كما يفعل العشاق غالبا...
ثم تغني وحيدة على ضفاف المجهول
كما يفعل التائهون والعائدون من الحرب
يدي التي تنسج الحروف إلى بعضها بصبر؛ كأم تخيط كنزات الشتاء ﻷطفال السماء
يدي العامرة بالدعاء الذي يرتد في أصابعها لتعيد كتابته في نص أرضي
تعشق أن تحرث التراب وتزرع الشجيرات الحامضة، وتروي الشتلات الحزينة على الشرفة أكثر من دغدغة المعنى كي ينجبك أكثر طراوة ولينا
ولكن ما يحدث غير ما نريد غالبا
لذا تعالي بين يدي قليلا؛ ﻷصفف شعرك المبعثر في نص قصير

السبت، 18 يناير، 2014

على الماء أكتب 2014


على الماء أكتب " شعر " دار الانتشار العربي بيروت . 2014

الجمعة، 17 يناير، 2014

مقامات الظل مسوَّدة حياة "1". 2014

 
مقامات الظل . مسوَّدة حياة "1" دار الانتشار العربي .2014