"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الاثنين، 10 مارس، 2014

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ... تكتب على الماء

 
                                                   
 
راسم المدهون
جريدة الحياة
10 مارس 2014
 
 
في مجموعتها الشعرية الجديدة «على الماء أكتب» (دار الانتشار العربي – بيروت – 2014 ) تختار الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ضمير المتكلم سياقاً لعصفها الشعري الناعم والمشبع برذاذ الماء كي تبوح قصائدها التي تشاء منذ البداية أن تضعها تحت عناوين ثلاثة «نفاف القلب»، «مسوَدات الغرق» و «من الماء إلى الماء». فاطمة الشيدي في قصائد هذه المجموعة الجديدة تنحني على أقنومين رئيسين لتنهل من ينابيعهما معاً: الحنين والذاكرة وتمزجهما بمشاهد الراهن وما فيه من موجودات تبدأ بالطبيعة ولا تنتهي بمفردات الأسى والحب والعيش.
قصائد تنتمي في صورة صافية لما يمكن أن أسميه هنا «صوفية معاصرة»، فالشاعرة إذ تحتفل بالحياة تفعل ذلك على طريقتها الخاصة التي تقارب أناشيد بالغة الذاتية تمتزج خلالها اللغة الإنشادية بأفق «واقعي» يجد معادله الفني في استقراء الصورة الشعرية ومنحها مكانتها الأعلى والأهم في البنائية الشعرية كلها. فاطمة الشيدي إذ تبوح وتسرد تلتصق بكل ما هو داخلي حميم لا يغيب إلا لكي يحقق وجوده في جماليات فنية تنتمي لشاعرية البساطة التي لا تفتعل ولا تتكلَف في تعبيريتها المباشرة ولكن المنسوجة من رؤى شفيفة:
«سأستفيض فيك وفيَ
في ظلام اليأس
وفي عافية الموت
سأطرز ثوب الحقيقة بمنمنمات الغياب
ولن أبكي حين يغرغر الطائر من لهفته»
أكاد أقول هي قصائد مائية بمعنى ما فالشاعرة تكتب سطورها بكلمات من رذاذ حيث يستدعي الشعر لغة مختلفة تنتبه لما في البوح الأنثوي من وشائج مع الحياة الطافحة بغزارة حدثها، والتي تثقل على الشعر إن لم تتداركه المخيلة الجامحة واللغة البسيطة، المكثفة والنابضة بحياة لها شكلها الفني المختلف. فاطمة الشيدي في كتابها الشعري «على الماء أكتب» تختار الصعب حين تنحاز الى تعبيرية جمالية تمزج السردية الشعرية بأفق العاطفة المباشرة والتأمُل، وتأمُلها لا يبتغي «حكمة» ما، أو «خلاصات قول» قدر رغبتها في استقصاء المديات البعيدة للألم. هي تكتب من هناك بالذات، من مساحات الألم الفردي في مسارات الحلم والواقع معاً، وقصيدتها لا تكتمل تماماً بل هي ترسم للقارىء باباً يفضي للمخيلة يحتاج أن يدخله القارىء بذائقته ووعيه معاً:
«كأنها ليست أنا
تسرق كل التفاصيل من سرَة الليل
تسردها لعميان الرواة
وتشرح الأسرار حين تفيض
وحتى المنتهى...».
ليست القصيدة في كتاب فاطمة الشيدي الشعري الجديد سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.
فاطمة الشيدي في هذه التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

السبت، 8 فبراير، 2014





فاطمة الشيدي

ماذا نفعل؟
نكتب
نخيط العدم، ونرتق ثقب المستحيل الكبير
نداري سوءة الحظ ونكتم أنين الدموع
ماذا نفعل؟
نغني لشهوة الحكايات النيئة، نبارك قيامات المقابر في الصفحات...
نحنط التفاصيل في لجج الفراغ
ونصطنع الخطوات المباركة للشلل النبيل
ماذا نفعل؟
نمشي على قفا خطوات الموتى،
على جمر النهايات والنكايات والعبث
وننتعل حرقة الصحاري القائظة
نشتم على بعد رحيق الجراح، نعتقها في جرار اللغات
أو نخبئها في مزارات أرواحنا الميتة
نتعفف عن الحياة بجملة من سراب النحيب
ونلهث، ونلهث خلف طقوس العواء
ماذا نفعل؟
نغني للخيبات قليلا كي تنام
ونسند انكسارات الشجر الميت في أعماقنا بنصب الكلام
وببعض الشجن
ندجج حرفة الشوق في شقوق الأصابع
وننتظر الماء خفيفا مريضا في مقل العيون
ماذا نفعل؟
نتهافت مع المتهافتين على لذة الفقد
ونتشرب عنفوان الرواء من قصعة الليل
ثم نشرئب في ابتهاج الغياب
ننسج حنينا في المدى الذي لا يطال
ونهرف بما لانعرف على صدور الهوامش والحواشي والبعيد
نردد خلف جوقة المجهول أناشيد الفتنة الغاربة
ونكبل أصابعنا بخواتم اللعنة في ردهات الشاشات والصفحات والغي
ونكتب نكتب
عما ليس هنا، وعما لا يجيء
نخبئ أفراحنا في صرة ونحكم الربط
ونصطنع دهشة كاذبة، وضحكة عابسة ،ونمضي بخفة مع الركب
نغني للقافلة كي تكمل رحلتها في السراب
ونستأنس بنحيب الكلاب
ونكتب .. نكتب
لننشر كل عام كتابا

الخميس، 6 فبراير، 2014

فاطمة الشيدي تكتب على الماء



جريدة الخليج - الخليج الثقافي
                        
تاريخ النشر: 06/02/2014

   
صدر حديثاً عن دار الانتشار العربي المجموعة الرابعة للشاعرة العمانية فاطمة الشيدي بعنوان "على الماء أكتب"، تقع المجموعة في 160 صفحة من الحجم المتوسط، وتضم ثلاثة أجزاء: "نفاف القلب" ويضم ثمانية نصوص، و"مسوَّدات الغرق" ويضم ستة نصوص، و"من الماء للماء" ويضم أحد عشر نصاً .
تقول الشاعرة في أحد نصوص المجموعة:
تشبث القشة بالماء
كانت السماء غباراً
ولم أنتبه
وقلبك الذي أيقظ الأغنيات أخيراً
لم أنتبه
خانتني سجدة للخرافة
خانني وهم العبور
خانني موتاي
وخنت قواي التي نبهتْ نبعي
الجفاف . . الجفاف
***
كل ما كنت أفعله
أنني كنت أبحث لصدري عن هواء
أصرخ لألملم صوتي المزدرد في حباله
لأطلقه بحجم صرخة تغرق الكون في ضجيج لا يفنى
أقسّم الفراغ بيني وبيني بالتساوي
أفتح في صدري درباً للدهشة وللعصافير
ولا متسع
فكل الوجوه خارج الأقنعة عراء
وليس إلا غبار يشتهي قلب جرار الفتنة على عسل لا يجود
وقوس أخضر عند سرّة المنتهى
 
 
- See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/74dab155-aa3e-41d1-8fdc-2b9a8466885d#sthash.TeyM8ssx.dpuf

الأربعاء، 5 فبراير، 2014

كدمعة في محيط العدم





فاطمة الشيدي

إذ ينخرنا القلق بشهية الدود
-قبل موعد القبر بما لا نعلم-
نرتبك ونحن نلمح تلك الانقسامات النيئة
والتشظيات العميقة في الروح
تلك الأخاديد المحفورة بأزاميل الموت في الأعمق منا
نتململ في عبورنا المحاذي للعدم
نبحث  في المطلق عن المطلق
نستند للأعلى من الأشياء
كفكرة أو إيمان
الله يعلم ذلك جيدا
ولذلك لا يبخل علينا أحيانا ببعض العظام
نبحث عن أرواح هائمة يخترقها الضوء
قد تمشي على قدمين
ولكنها من زجاج ردئ
قابل للكسر والاحتكاك
ومن ماء كثير يصلح للبكاء
نتبرأ في حينها من الأحياء
ومن الأفكار الكبرى التي غيرت مسارات عبورنا
ومن الكتب الرديئة التي أفسدتناَ
من نيتشه، وماركس، وسيوران اللعين
ومن كل الشعراء الكاذبين
نشتهي ضحكة مجنونة ترتطم بجدران الروح
وترتد للسماء بمجون
لتكايد الله في بهجته الخرافية على كل هذا الشقاء
نشتهي أعواد ثقاب ناضجة  الاشتعال
لندفنها في قلوب وعيون من نعشق
لنحرّقهم، ونثأر لكل هذا الموت
ولكل ذلك الخراب، وللوجع البين
الرابض في داخلنا
ككلب أجرب لا يفتأ يحرك ذيله، ويرتعش وهو يصدر صوت نحنحة وتهديد
نشتهي أن نفعل في العالم أكثر مما فعل نيرون بروما
وفجأة يخفت كل شيء عندما نلمح ابتسامة منسية على أحد أرصفة الكون
لعجوز وحيد، أو يتيم يستجدي العالم لمسة حنان أو خبزة حافة
أو فقيرة تجمع علب المشروبات الغازية؛ لتبيعها ثمنا لوجبة وحيدة ليوم طويل
حينها تتساقط ألوية الحقد، وتستطيل أجنحة الخيبة واليأس
يخفت القلق، ويشتعل الحزن
اللعنة، أي تناوب لعين بين هذين الشقيقين الشقيين
وبين هذا البؤس في الداخل والخارج !
 

الأحد، 2 فبراير، 2014

يوميات الشاشة



 
 
  فاطمة الشيدي

بين السينما والتلفاز والوعي علاقة كبيرة ومباشرة من حيث اختيار ما يناسب اهتماماتك الصغيرة والكبيرة، أو ما يعمق رؤيتك للعالم، ويجعلك تسير فيه بلا اهتمام وافر بالصغائر والأشواك المنتصبة في الطريق، والدبابيس التي تتوغل عميقا في الروح، لأنك تدرك أن هذه  هي الحياة، وثمة تعويضات جمالية وإنسانية أخرى تستحق أن نعيش لأجلها، وأن نغض البصر قليلا عن المنغصات والتفاهات.
لست من مدمني التلفاز، ولست من مهووسي السينما، لكنني بالتأكيد لست من أعدائهما إن لم أكن من عشاقهما، فلا بد من فيلم بين الفينة والأخرى،  ولا ضير من مسلسل (رغب تعب المواصلة والترقب للنهاية) بين الحين والآخر، و حتّام برنامج يثقف العقل، ويلهم الروح طاقة للاستمرار دائما وكثيرا.
من مشاهداتي الأخيرة :

أ.

مسلسل "على مر الزمان" وهو مسلسل تركي رهيب وغريب، بل وكم صرخت في الكثير من حلقاته "الطويلة جدا" يا إلهي كثير كل هذا الشر والظلم والقهر، وأكاد أجزم أنه كثير جدا على قلب "جميلة".
جميلة الأم التي كانت محور العمل كما أرادت القصة التي أهدتها الكاتبة إلى أمها التي ظلت مبتسمة رغم كل الظروف.
جميلة  الزوجة والأم والحبيبة الملهمة والكثيرة والكبيرة؛ الزوجة التي غدرها زوجها القبطان مع حسناء تافهة أحضرها معه من إحدى رحلاته، ولم تتردد في طعنها بسكين لأنها أهانتها وجرحت كبرياءها الأنثوي.
جميلة الأم التي وقفت مع أطفالها الأربعة وربّتهم، وتفهمتهم، وساندت حياتهم وأحلامهم، واستوعبت اختلافاتهم، ومشاعرهم، وأمنياتهم .
جميلة الحبيبة التي ذهبت مع العشق حين طرق بابها رغم الزمن وكلام الناس، وساندت حبيبها وزوجها الشاعر والمثقف اليساري في محنته مع عدو الماضي اللئيم والمجرم في تعامله مع أبناء وطنه باستغلال سلطة الوطن للثأر منهم.
جميلة الأم والجدة الحنون الذي امتد حنانها ليشمل كل من حولها  من بشر وشارع وأقرباء .
ورغم تفرع الأحداث ليصبح لكل ابن حكاية، ولكل حكاية تداعياتها الخارجية، ورغم وفرة الأعداء والظلم والجهل "في تركيا السبعينيات" إلا أن جميلة ظلت محور العمل، وشجرة الحب في مسلسل أراد أن يقول هذا تماما عن دور المرأة وقيمتها في الحياة.
المسلسل يحكي روح النضال، وضرورة التغيير، ورفض الظلم، وأهمية العائلة والتشبث بقيم الخير والحق والعدالة، والانحياز للحب والإنسانية.. إنه مسلسل إنساني ينحاز للإنسان والضمير والمحبة، ورغم طوله فإن قيم الصبر والإيمان بالعدالة الإلهية هي أهم وأجمل ما يخرج به المشاهد .

ب.
منذ أن بدأت أتابع برنامج "الثامنة" مع الشريان ، وأنا  أستعيد شيئا فشيئا إيماني بأهمية العمل الإعلامي، ودوره في الكشف عن الخلل المجتمعي والمؤسساتي والحكوماتي والوظيفي لدى المجتمع العربي، بعد أن كفرت به زمنا، وقد تحول لأبواق مزعجة، وكلام زائف.
فالثامنة مع الشريان برنامج مختلف فعلا ، فهو يعري ويكشف الكثير من الأوجاع العربية "المشتركة" في الإنسان والمجتمع والمؤسسة العربية بشكل عام رغم سعودية الحالات والأمثلة، إلا أن الوجع العربي واحد، والحالة متقاربة جدا.
في الحلقة التي خصصها عن "ولاية المرأة" كشف  عن القهر الإنساني الذي يفرضه المجتمع باسم الدين على المرأة، والقيد الذي يضعه في معصمها باسم الله، فلابد من ولي لكل شيء من الزواج الذي هو حقها الشرعي، حتى تخليص أي معاملة، إنها رؤية أحادية لجعل المرأة "نصف إنسان" أو "إنسان من الدرجة الثانية" ،  "ناقصة عقل" وتحتاج من يؤطر حياتها، ويحكم تصرفاتها، وكانت المحاور التي طرحها، والضيوف والحوارات تؤكد ذلك، ولكن القرار كان أكبر من الشريان ومن ضيوفه بالطبع.
وفي حلقة "التحرش بالأطفال" وهو الوضع المسكوت عنه في معظم القوانين  والمجتمعات العربية، كان الطرح إنسانيا وراقيا، وكانت نافذة على الآباء والأمهات "أكثر بالطبع" الانتباه لها .
وكذلك في طرحه لتقصير المؤسسات الصحية والتربوية والإسكانية، إنه "برنامج" لا يروم التغيير الجذري والمباشر بالتأكيد، ولكنه يلقي حجرا في البرك العربية الآسنة، علّ هناك من تتحرك همته ونخوته وضميره، ممن يملكون القرار، ويسنون القوانين، ويقدرون على التغيير، وهذا هو دور الإعلام النزيه.

ج .
 أحب بجنون تلك الأفلام التي تسرد حياة العباقرة، والأذكياء والمضطربين، وغالبا يكون العبقري والناجح والمتفوق علميا وعمليا  مخفق في حياته الشخصية والعاطفية، ومضطرب في الحياة الاجتماعية، ولكنه طيب وإنساني ويعشق بكل أعصابه وروحه حين يفعل.
 من الأفلام التي شاهدتها مؤخرا حول هذه الفكرة :

1.Adam

وهو شخص متخصص في مجال الفضاء، والذي بعد أن فقد والده الذي كان مصدر قوته، يدخل في حالة صمت يراقب فيها النجوم فقط، ويعمل بجد وحذر، ولكنه ما يلبث أن يطرد من عمله؛ لعدم حاجتهم إليه، ليعيش في جو غائم وحزين، قبل أن  يتعرف على جارته الحسناء التي تحاول أن تدمجه في الحياة، ويدخلا  معا في اشتباكاتها الإنسانية التي كانت على وشك أن تفرق بينهما،  لولا أنه شعر أنه غير قادر على الاستغناء عنها، فيطلبها للزواج بعد أن حصل على وظيفة في محطة فضائية كبرى في نيويورك. فتوافق بعد أن عرفت أن والدها لم يخلص لأمها طيلة فترة زواجهما، وهي آمنت بروح آدم وعبقريته، وأنه لن يخونها مع امرأة أخرى، وهذا أهم ما تريده المرأة.

2.  The Lake House    
منزل البحيرة هو فيلم أمريكي رومانسي درامي, تم إنتاجه عام 2006, كتبه دايفيد أبورن, وأخرجه اليخاندرو اجريستي, بطولة كيانو ريفز وساندرا بولوك ، ويحكي الفيلم حكاية غريبة حول تبادل رجل وامرأة (مهندس معماري، وطبيبة) عاشا في نفس البيت، ولكن في زمنين مختلفين رسائل من بعضهما، ليقعا في الحب، ويستمر هذا التراسل الذي يعيق حياة كل منهما عن الحياة الطبيعية مع أشخاص آخرين، ورغم اكتشاف الطبيبة أن الرجل مات منذ عامين، إلا أنهما يلتقيان ويتبادلان القبل ليلة عيد الحب، دون أن يفهم المشاهد مدى صدق وطبيعة هذا اللقاء.
الفيلم انتصار للأرواح المختلفة، وللعشق غير الفيزيقي، انتصار للمتخيل على الواقع، للحب المجرد على الحب المعاش، انتصار لقيمة المخيلة، والبعد العميق في الحياة خارج التفاصيل، وبعيدا عن الماديات والمحسوسات.

3.Smart People
لورينس (دينيس كوايد)  الأستاذ الجامعي في جامعة كارنيجي ميلون، شخص مغرور يعيش حياته بتراتيبية وروتين ممل وموحش مع ابنته  الذكية "التي تكاد تتحول لإنسان آلي"، وابنه الذي يكاد لا يعرف عنه شيئا، بعد وفاة زوجته التي كان يحبها ، كما يتعامل بعجرفة وقسوة مع طلبته في الجامعة، وغالبا يعطيهم درجات ضعيفة لأنه لا يؤمن بقدراتهم في النقد والتحليل الذي يرى أنه لا أحد يستطيع مجاراة قدراته الخارقة والحاذقة، وهو إنسانيا شخص بائس وكاره للبشر؛ حتى يأتي شقيقه غير الناجح  (حسب معايير البروفيسور) لزيارته وقضاء بعض الوقت مع عائلته المفككة.
يسقط لورينس من أعلى السور في محاولة لتسلقه له؛ لإحضار حقيبته من داخل السيارة، بعد أن رفض الحارس (الطالب الذي يحمل للأستاذ ذكرى أكاديمية سيئة) فتح البوابة له، وبالتالي يفقد وعيه فيذهب إلى المستشفى للعلاج، ويكتشف إن طبيبته هي أحدى تلميذاته السابقات المتيّمة به، رغم أنه أيضا منحها درجة ضعيفة  في امتحان الانشاء في سنتها الأولى، مما أدى بها لتغيير تخصصها من الأدب للطب، وبعد أن عرف هذه المعلومة من زميل لها، عرض عليها التحدث ثم بدأ يخرج معها.
 ولا حقا بدأ  بمساعدة أخيه، تخفيف صوت الأنا النرجسي والاقتراب من الحياة بوصفها جماليات يجب أن تعاش، فتخلى عن دور رئيس القسم لأنه لن يقدم فيه شيئا،  وبدأ يستمع لأبنته، حول الجامعة التي اختارتها للدراسة، والتي تكفل بها من مردود نشر كتابه الذي ظل فترة يحلم به، وفرح بقبول دورية رفيعة نشر قصيدة لابنه الجامعي الذي لم يهتم به سابقا.
وهكذا فالفيلم انتصر لقيمة الحياة والفرح ضد الصرامة والجدية المفتعلة مهما كانت غايتها ومبعثها، وللإنسانية المتمثلة في  التعامل واللين ضد العجرفة والنرجسية الباهتة، وللحب في التغيير الإيجابي في كافة مناحي الحياة من الأسرة حتى العمل.

 

الجمعة، 31 يناير، 2014





فاطمة الشيدي

الليلة غادر يناير (كانون الثاني)
كان حزينا وباردا وهو يخرج من العام بهدوء وخفة على أطراف أصابعه
دون أن يغلق الباب بقوة كي لا يسمعه أحد
بدا كلص لم يجد شيئا يسرقه وهو يخرج
أو كمراهق وجد الباب مواربا في هروبه من البيت
فخرج بحذر كي لا يوقظ أمه المرهقة من يوم طويل
خرج مثقلا بالضياع والخسارة
فهو هذا العام
لم يسهر مع البدو خارج خيامهم عند مواقد الجمر والقهوة
ولم يرقص مع الغجر رقصتهم الخرافية كما كل عام...
ولم يجالس عاشقين عند المدفئة ليلتذ بأغنيتهما المفضلة
ولم ينادم شاعرا حالما لا يفتأ ينفث دخان سيجارته الكوبية كما ينفث الكلمات من صدره المصدور
ولا سهر مع أرملة حسناء تحتضن قطتها وتسرح في ذكرياتها وبين يديها كوب قهوة كبير؛ ليمسح دموعها بمناديل الحياة واﻷمل
ولم يشتعل مع اللبان في بيت العائلة المؤمنة بالخرافات والسحر كل مساء ليتصاعد مع اﻷحاديث الحميمة
فهو مذ جاء كان مهموما كيف سيستقبل الموتى والعراة كل هذا البرد
وكان مشغولا بعد الجثث التي تركض خلفه
وبالاعتذار لها بكل المبررات الجاهزة
وها يغادر منكسا رأسه خجلا، خلسه منها ومن الكون
دون أن يلوح بسخاء وحميمية كما يليق بشهر اﻷعياد والبدايات
تاركا إرثه الكبير من العار والخزي لشهر الحب
الذي بات الليلة يرتجف في حضن أمه خوفا وخجلا
قبل أن يستقبل العالم أول أيامه غدا
بلا حب وربما بالمزيد من الموت!


 

الخميس، 30 يناير، 2014

Fools Rush In



 
فاطمة الشيدي
 
اﻹيمان برسائل السماء التي تقودنا نحو الحب أو السعادة، تلك الصدف التي ليست محضة ولا كاملة تماما ، وإنما فرص يوفرها القدر تحمل علامات وإشارات خفية للعبور نحو شيء ما أو نحو شخص ما بتخطيط قدري.
 الحب الذي يبدأ بصدفة عابرة أو فرصة مغلفة، ولكنه يصبح لاحقا كبيرا وكثيرا حتى لو زالت تلك اﻷسباب اﻷولية، ﻷنه حدث وكفى! وعلي اﻹنسان الاستسلام لأسبابه ليشعر بلذته وقيمته، فالحب لا يأتي دائما ..وقد يحدث مرة واحدة فقط في العمر، وإن توهمنا عكس ذلك.
هذا بعض ما قاله هذا الفيلم Fools Rush In العذب كعذوبة ملامح سلمى حايك بطلته، وكعذوبة فكرة الصدفة والحب وتعالقاتها اﻷبدية التي تحدث غالبا خارج فكرة البحث أو حتى الانتظار!

الأربعاء، 29 يناير، 2014



فاطمة الشيدي
 

أريد أجنحة يالله
لماذا لم تعطني عضوين زائدين في جسمي أفردهما حين أضجر من كل هذا العالم - كاﻵن- وأحلق
رئتاي كبيرتان بما يكفي ﻷشرب هواء العالم كله بكل تلوثه ودخانه
وقلبي حزين أكثر مما ينبغي ﻷنفخه وأرتفع به كمنطاد عظيم
أعدك لن أتذمر مجددا
بل سأغني أيضا كالعصافير في رفرفتي المتحررة
سأنسي الزواحف التي في اﻷرض
سأضع خيباتي السميكة تحت قدمي في تمارين الطيران اﻷولى
وسأقفز من فوق تلة الهزائم بعد أن تكتمل استدارتها الحبلى نحو اﻷعلى
وسأنظر برفعة لكل هذا السخام الذي يمشي على قدمين
ولهذا الكوكب المتعفن بالأمراض والعاهات الخبيئة
لن أحفل وأنا أحلق بكل الظلم الذي صنعته لتمتحننا
وأنت تعلم النتيجة سلفا
ولا بتلك العقول الصغيرة المعلقة كدبابيس صغيرة في هياكل ضخمة لا تحتاج لها أصلا في عبورها المسير
ولن أبكي كثيرا حين أستنشق عبق الفراغ
ربما فقط في البدايات حتى أتحرر لاحقا حتى من الدمع
سأشهق كثيرا وأضحك أكثر وأنا ألتهم الغيوم وأشرب المطر بنكهة الحرية
لن أفكر في فقراء العالم ولا نسائه المقهورات كما كنت
فقط سأتمنى أن تهب كل أطفال الدنيا أجنحة مشابهة
لنحلق مع الملائكة وندغدغ الهواء ونسمعه يضحك حتى يشرق
كما تضحك أنت اﻵن لأمنية غريبة لسلحفاة حزينة!

السبت، 25 يناير، 2014



 

 
 
 
 
القصيدة واللحن التي ربينا مراهقتنا في مراياها .. وغسلنا عشقنا الوهمي في لججها العذبة .. مالحة ملوحة البحر الذي دلل حضورنا اﻷول للوجود .. ودافئة دفء التفاصيل بين زقاق الحارات وعلى رمل الشاطئ غير المكترث بجنونا وألعابنا الصغيرة وقلوبنا الحالم...ة بالحب والتى كانت تحرس اللهفة بحرص وتعد نبضة تزيد أو تنقص، وتربي القادم بمهل اﻷمنيات والعبث، وأحلامنا الذاهبة في التكوين والوعي والمتشبثة بحبائل المختلف والجميل.
أعشق هذه اﻷغنية كومضة في ذاكرة الوعي والبدايات المتمهلة والمأخوذة بالعميق من الجمال في الكلمة واللحن .. والرهيف والموغل من المعنى، ومن مفتقات الوعي والتماثل للجمال .. لهما السلام،  وعليهما (علي الشرقاوي وخالد الشيخ ) !
 
 

الأربعاء، 22 يناير، 2014


فاطمة الشيدي


أيتها الكلمات اليابسة كوريقات الخريف
أقاربك بحذر
أخشى عليك أن تتكسري بين يدي
يدي الخشنة كيد حفار قبور قديم
أو صانع فخار عتيق
يدي التي تتحايل على الكلمات كي ترمم شقوقها في ضوء عينيها
وكي تتشكل أكثر جمالا في اللغة
يدي التي تسرح شعر الأشعار في الكتب
كما تفعل النساء في المرايا
وتكتحل بالوهم كما يفعل العشاق غالبا...
ثم تغني وحيدة على ضفاف المجهول
كما يفعل التائهون والعائدون من الحرب
يدي التي تنسج الحروف إلى بعضها بصبر؛ كأم تخيط كنزات الشتاء ﻷطفال السماء
يدي العامرة بالدعاء الذي يرتد في أصابعها لتعيد كتابته في نص أرضي
تعشق أن تحرث التراب وتزرع الشجيرات الحامضة، وتروي الشتلات الحزينة على الشرفة أكثر من دغدغة المعنى كي ينجبك أكثر طراوة ولينا
ولكن ما يحدث غير ما نريد غالبا
لذا تعالي بين يدي قليلا؛ ﻷصفف شعرك المبعثر في نص قصير

السبت، 18 يناير، 2014

على الماء أكتب 2014


على الماء أكتب " شعر " دار الانتشار العربي بيروت . 2014

الجمعة، 17 يناير، 2014

مقامات الظل مسوَّدة حياة "1". 2014

 
مقامات الظل . مسوَّدة حياة "1" دار الانتشار العربي .2014

الخميس، 16 يناير، 2014

ودق السؤال



فاطمة الشيدي

...................
لماذا كلما لمسْنا نجما أطفأناه ؟
وكلما تحسسنا قلوبنا أشتعل الحزن ؟
لماذا كلما باركْنا القيامات باركتْنا المقابر
لماذا كل شيء يصّاعد داخلنا، كدخان يغسلنا من بهجة العمر؟
لماذا يكحّلنا الزيف، بمراود تزجّ الغياب في رموشنا المخضّلة بالبياض من شدة الدمع؟
لماذا عمر الأمنيات قصير ؟
والأحجيات تتأرجح كالمراجيح المعلَّقة في زوايا الزلزلة
***...
"عفت ذات الأصابع"
فمن ذا يقرض الآن حنيني إليك مشجبا؟
ومن ذا يسوّي بيْني وبين كل هذا الحزن الذي يرشح في دمي
وهذا الغياب الذي يفْرش لي أكفانه، كأم داهمها الموت عاريا .. وما اشتعلتْ بالغياب؟
ومن ذا ينقذ وجعي الرهيف الخطى مثل السواقي؟
ومن ذا يجيرني من طعنات عطر يقضّ خطايّ
ويصلبني بين مفترقات الدروب؟
*
هل عليّ أن أنسحب من دمي إلي ؟
وأهرب خارج بيانات التوخي؟
ألا من وقت؛ لأخدر روحي بصدى صوتك المشجوج اللكنة على خارطة القلب؟
ألا من وقت لأستل عمري، من ثنايا الحلكة الممتدة على جانبيْك؟
أو لأبخرك برقية من عين العاشقين والحاسدين والموتى؟
ألا من وقت لأستطيل أمامك كـغابة رمل
ولأتباهى بي كاملة على مشارف اللهفة فيك؟
ألا من أمنية تحيك خيوط الغيم سلّما لنرتفع معا لسماء أخرى؟
ونتقلّص عليّنا شوقا، كذاكرة معتقة بالحنين
وأحاديث ناضجة على صخب المارة
ألا من وقت لنتلذذ بصدى الضحكة الباهتة، كحليب مراق، حين تهدر داخلنا ذات فرح خفي؟
ألا من مدى يستوعب كل هذا السغب
لأحلم فقط بأن أوازيك بكلّي
أو لأبتلع حزنك المزّنر بالشعر
أو لأهبني لك متكأ للغياب؟
*
لماذا ...؟
كل الأشياء أبدا تنتعل ظلّها وتغيب
والحكايات سمروات يخضبن الروح برائحة الخيانات والفقد
والمُدى مشرّعة في انتظار فريسة الوقت
والسلام خرافة الأرواح المذبوحة من الوريد إلى الوريد
والحقيقة تتآكل من فرط نصوعها
والمزامير، فرائض الموتى في عناقهم الأخير؟
*
لماذا ... ؟
أصبحت قلوبنا غرف الجحيم السرية
و نذر الغياب الأخير
والوجع الطافي على مزاريب المطر
والحنين الملدوغ بالوقت
ولماذا كل هذا الحنين والفقد
يتطاول في شهقات الروح
ويعتق الأسئلة؟

"على الماء أكتب" 2014

الأربعاء، 15 يناير، 2014



فاطمة الشيدي

كثيرا ما يبادرك أحدهم بالسؤال لماذا تكتب؟ وكثيرا ما نتردد في الإجابة، في الغالب نحن نكتب لأننا نريد أن نكتب، وبهذا فالكتابة هي خيار الكائن الهش الإرادي الوحيد، فنحن نكتب لأن الكتابة هي الأكثر خفة وإرادة، ولأن الأشياء الأخرى أكثر قدرية مما نحتمل، وأكثر رعونة مما نطيق.
إلا أن الكتابة ليست خيارا سهلا، وليست ممكنة كلما رغبنا بها، فقد تأتي بسرعة، وقد تتمنع عمرا كاملا كما يحلو لها. وقد تمنحك كل العشق وا...لفرح والحلم، وتهبك أصابعها الطويلة لتعبر النهر بمحاذاة حلم جميل، أو تحك مساحاتك الهشة بأظافرها الناعمة، وتلاطف قلبك المبلل بالوجع بدلال اللغة ومطر الكلمات، فتترك فيه آثار حضورها العذب والمستحيل على الغياب. ولكنها أيضا؛ كثيرا ما تأتي وجعا؛ فتقبض أصابعها على روحك الغارقة في الوجع، فتشهق بها حتى الرعاف أو الموت، أو تغرس أظافرها الحادة في جرحك فتوسعه خدشا، وتأكل من خبزك القليل المعّد للفرح والنشوة، وتطالبك بطقوس الدمع ما حلا لحزنها البهيج. وقد تقرضك طبولها وصلواتها ما شاء لها الغنج؛ حتى إذا اشتهيت التوغل في مجاهلها القصية، أفلتت قبضتها العصية، وحزمت صرتها نحو ضفة أخرى، وعوالم لا قبل لضعفك بالسير نحوها. فالكتابة مراوغة في تشكّلها فقد تأتي غجرية تغرقك في محيط ذؤابات شعرها الكستنائي، أو طفلة تقضم أصابعك بعد كل قطعة حلوى، أو عجوز تشفّعك في بكاء موتاها ونبش قبورها التي لا تعد، أو مفجوعة بحبيب في صباها العذب، وأي قلب يحتمل كل هذا التناقض والوجع.
والكتابة ليست الأشهى والأجمل، فأن تعيش الحياة والحب والحلم، وربما حتى الحزن والفقد، والوجد والحنين أجمل وأشهى وأسهل من أن تحوّل كل هذا إلى حالة من الشعور المتصاعد، والمخطط له سلفا ليصبح مادة كتابية، وتحوّل مشاعرك إلى رموز وحروف مكتوبة. فالكتابة هي المستحيل المتحقق في صورة جسد، الجسد الحي واللامرئي معا، والكلمة هي الشيء الأكثر تجريدا، والشعر هو أكثر اللغة ذهنية ولا محسوسية.
ومع هذا نحن نكتب، نكتب لنوازن الخطوات التي على وشك الانزلاق، والمتهادية بحذر على الأسطح المائلة، و(كل الأسطح مائلة).
نكتب لنرتقي بالحياة من الهش للصعب، ومن الممكن للمستحيل، ومن المحسوس للمجرد، ومن الواضح للغامض، ومن الفرح للحزن، ومن الحضور للفقد، ومن الحقيقي للذهني.
نكتب لننظر للأشياء من الأعلى للأسفل، ولنتعاطى معها من الأعقد للأبسط، ومن الأشمل للجزئي، إنها القراءة المقلوبة للأشياء، والحالة المغايرة للواقع.
نكتب لنستحضر ملامح الحيوات الداخلية الرهينة في مدارات الذهن، كالأحلام والأفكار والأمنيات للتخلص من سطوتها على القلب والعقل، فما أصعب تلك الأحاديث التي تدور في الرأس، وما أبشع الحياة مع الكائنات والأمكنة الذهنية التي تستوطن المخلية، وتمتص حميميتنا مع البشر والأمكنة والطبيعة الطبيعية، لتأخذنا نحوها ونحو الوحدة، والعزلة، لنذبل في نهاية الفراغ، كزهور الربيع في صيفنا الحميم.
نكتب لنعري أصابعنا من لهاث قديم، ربما هي الفوضى وربما هي الصدفة، بلاغة الدهشة الكبرى، التي حين نكتب ندع أيدينا لها بانقياد تام لتأخذنا إلى حيث تريد بلا كثير عناء، لنكتب ما يمليه علينا الحزن، فحين نكتب تختارنا القوالب لصلواتها الخرافية.
نكتب لنعرف، وما أصعب تفنيد الأشياء الموزعة بين فوضى العدم واللاشيء، ووجوه الحقيقة المتعددة والقاسية والغائبة، ما أصعب البحث عن حقيقة الحقيقة، وخلاصة الخلاص، والفكرة الناصعة للهرب بها من واقع مريض وحالات ميتة.
نكتب كي لا تبيعنا صروف الحياة في مزاداتها الرخيصة، وتهدهدنا المراجيح في تأرجحها الصامت والميت. نكتب حين ترتفع درجات الحرارة في ذاكرة الجمال كي لانمرض بالقبح، وحين تعترينا دهشة البدايات، ويرتفع عواء الأسئلة، وتنخفض ساعات الجزع حتى الموت بلا دهشة تليق به، وبعبورنا المضمّخ بالحيرة المهلكة.
نكتب لنحتمي بدهشة الكتابة، تلك الطاقة الحرارية التي تحرر الحقيقي منا من هيمنة اللزوجة التي تسربل الكائنات الجامدة، وتمد عفونتها عميقا نحو بؤرة اللب، فيغدو كل شيء متصلبا، أو بسيطا وذو وجهة واحدة غير صالحة للقراءات الأكثر تأويلا من قراءة مباشرة.
نكتب لندرب أرواحنا على الحلم، كي لا يضمر داخلنا كأي حاسة إضافية، أو غير مستخدمة، لنمارس حالة التمرد الصامتة واللذيذة على السائد والثابت، لينبت فينا ما يشبه أقداما إضافية، تتناسل في الوعي لتهب المبدع قدرة على المشي الأسرع في الفراغات التي لا تنتظر من يملؤها إلا بوردة أو برقصة شغف، المشي المؤسس لبراءة اختراع في عالم يشرع غرابيله بسطوع فج، وضمور وقح لتأسيس معاييره العامة وأحكامه الكليّة، فتكون الكتابة هي الأجنحة التي تمنحنا الثبات في مايشبه الهزة الكونية والصدمة العدمية التي أصابت كل شيء بالصدع.
فأن تكتب يعني أنك تدّخر كائنا في الثقب الأوسع من القلب، كي يسقط فيما بعد في خانات الكلام، ليتحول من كائن إلى رمز، ومن جسد إلى قول في قصيدة، يتغير مجراه من خرائط الدم، إلى خرائط الحرف، وفي ذلك ارتقاء به نحو الأعلى، وإن لم يدرك هو ذلك، وإن لم يدرك الآخرون.
بالطبع يستصعب على الكائنات (الطبيعية) أن تستشرف روعة الكتابة وجمالية التجريد، وتسامق الأعلى على الحسي، ربما لأن الحسي أشهى، وله وزن، وأكثر كثافة، والتجريد أشد عناء، إنه معنى اللامعنى.

مقامات الظل . مسودة حياة "1" 2014

 

الثلاثاء، 14 يناير، 2014

 
 
 
فاطمة الشيدي
 
الكتاب هو الصديق والمؤنس الوحيد الذي تأمن جانبه، وترتاح بقربه بلا قلق، الأكثر ثرثرة إذ تستشري وحدتك، وترتفع غمامات حزنك، والأكثر صمتا وحنانا حين تكثر في روحك وخزات الوجع، ويتعالى اليتم، تجده أبدا بالقرب؛ يداوى فراغات أيامك بالتجربة والحكمة، ويسكّن عواء روحك في مفترقات الأمكنة والأزمنة، ويشحذ مخيلتك بالألم المجيد، والفرح الحكيم.
هذه القدرة على العطاء بلا مقابل يبدو هي التي تعضد نرجسياتنا، وتلبي احتياجاتنا بدون مقايضات، لذا فلا غرابة إن كان الكتاب هو الأهم في مساحاتنا وفي حيواتنا الخاصة والعامة.
الكتاب الذي يسبقنا إلى حيث نريد، يتقدم خطواتنا، ويشفّع أيامنا فيما تبقى من صفحاته الراجفة بالحكمة، والراعفة بالمعرفة، والناضجة بالكلم، والمورقة بالفتنة والعاطفة والفكرة، في الحل والترحال، وفي الإقامة والسفر، في الخلوة والعام.
يسكن الحقائب في الأسفار، ويقبع بين أحضان القلب في المسافات المحلقة بين الأرض والسماء، ويأخذك إليه منك ومن ثرثرة تافهة في الباصات والحافلات.
يقبع إلى جوار مخدعك ليحارب قلقك؛ إن تجرأ واقتحم ما تبقى من نعاس على محيط جفنيك، ويسكن حقيبة اليد منافسا "الجوال" العظيم والذي أصبح أقرب من ارتداد الطرف.
يتصدر بهو صالتك ليحكِ عن تاريخك معه لكل زائر، وقد تجده بأكثر من هيئة متناثرا متباهيا برقدته على الأرض ليدلل على حميمية العلاقة التي لا تفترض نوعا من الترفع أو الحذر، والتي تتيح لك خيارات الأخذ وفق مزاجك المتحرك والنزق أحيانا كثيرة.
في أي مكان يقيّض القدر لروحك زيارته، تبحث عنه، عن مكتبات تحتضن أحياءه الخالدين، وتظن عليك إلا بتصفح سريع ومعانقة عاجلة، أو أخرى تبيعه لك لتتوحد معه بمالك ليصبح بمطلقية التملك كتاب(ي)، وتباهي به أثناء عودتك (لقد ابتعت هذا الكتاب من .....) وما أجملها من ذكرى تخلد الأمكنة، وتوشم ذاكرتك بها، فلا تنمحي مهما زادت سياط النسيان.
الأجمل أن يكون الكتاب هدية من محب أو من صديق، في مناسبة أو ذكرى ليوم مولدك، أو نجاحك، أو أي مناسبة مفرحة، أو حتى محزنة كيوم فشلك وتضعضعك وانكسارك، ليكون يدا تأخذ بك نحو العزيمة والأمل، وأسباب النجاح، ومقاومة الرضوخ والضعف.
وأن يقدم الكتاب لطفل في أحد أعياد ميلاده الصغيرة فهذا درس مجيد لقيمة القراءة والعلم، وأن يقدم له إذ يكون قلقا أو مرتبكا فهذه حالة توجيه خاصة ليصبح الكتاب، والكتاب فقط هو الونيس الذي لا يخذل، والطبيب الذي يداوي، والكائن الذي يعطي بلا مقابل، والذي ينصرك ظالما أو مظلوما.
أن تتمشى في معارض الكتب لتبحث عن كتاب بعينه فهذه حالة متقدمة من الإحساس بالكتاب والانتشاء به، فقد تكون سمعت عنه، أو أخبرك عنه عزيز، أو قارئ تثق في ذوقه، البحث عن كتاب خاص أشبه بحالة البحث عن كائن خاص، أو كائن قديم في روحك وذاكرتك، أو كائن غائب أو مسافر، كائن تعرفه في روحك وقلبك وعمرك الآفل والقادم، وأن تجده فقد التقيت كائنا حميما فلا شك ستقضي ليلتك الأولى وأنت تستمع لما يقول بإصغاء مربك، وحنين خرافي حتى تتشرب كل ما يقول بصمت وفرح وحنان، وأن لا تجده فهي حالة تصعيد للظمأ وللبحث وللشوق، وهذه أجمل حالات الحياة التي يعيشها الكائن في انتظاراته وانشطاراته.
ولكن أن تتمشى على الأرصفة وتتصفح بعينيك أو بيديك بعد وقفة قصيرة الكتب المبثوثة عليه بلا كثير عناية وترتيب ورصف محكم، فتلك حادثة الفقد في مدننا المتمترسة، والمترسمنة، ولهذا فهي تمثل حالة شغف حادة أشبه بالرقص تحت المطر، الأرصفة التي تعرض القهوة، والقرفة والزنجبيل، وتروّج للأشياء بأصوات الباعة الناشزة، ويتزاحم عليها البسطاء والمكدودون، والباحثون عن لذة التأمل، موثقين تلك الحالة بفنجان قهوة مر، أو كأس "عرق سوس" ومصافحة تلك الكتب الثمينة والرخيصة في ذات الوقت، ومراوغة البائع الذي ما أن يشعر بغربتك، أو بقيمة الكتاب لديك حتى يسن خبثه، ولكنه يتنازل عنه تدريجيا مع خبثك المصنوع أمامه، وتلويحك له بالرحيل دون شراء الكتاب.
وأن تحمل معك كتابا في سفرة ما، لتصبح ذاكرة تلك البلد؛ هي الكتاب والمطر والقهوة، فتلك حالة لي لعنق النص الكوني الكبير لنقول: هنا تبدأ الأشياء فقط، وهنا تنتهي تماما، أو ليتها هنا تنتهي.
وأن تفتح نوافذ غرفتك في الصباح الباكر، في طقس حنون، في بيتك، أو في فندق ما، في بلد ما، وتقرأ لنصف ساعة على صوت خافت لفيروز، وفنجان قهوة متوسطة السكر، فأنت تسرق سعادتك من الزمن اللص الأكبر للجمال وللحظات الفادحة الروعة.
وأن تجلس في بهو فندق لتقرأ، فأنت تمزج داخلك بين زمانين ومكانين، وتحدِث توأمة بين رائحة المكان والشخوص ورائحة الكتاب وشخوصه.
وأن تجلس على رصيف مقابل لفندق تسكنه، وتحت مظلة بسيطة لا أكثر ولكنها تمثل مقهى مزدحم، لتتأمل الشارع والبشر يركضون تحت المطر، وهو يضاحكهم بحنان ولطف، ويدغدغ مظلاتهم المنفوخة في يوليو، لتقرأ كتابا لفترة زمنية طويلة وتنوع في مشروباتك بين القهوة والكوكتيل، غير حافل بالتعرف على البلد تماما، (وكأنك قادم لهذه البلد لتقرأ فقط، وكأنه لا يوجد في بلدك مكان للقراءة، ولشرب القهوة كما سيتندر عليك البعض!) (وفعلا لا يوجد)، فهي حالة تخليد للمكان في ذاكرة الكتاب.
وأن تحمل أطفال القلب إلى البحر، وتضحك روحك من أعماقها إذا يشرقون بالفرح وهم يسبحون، ويحفرون الرمل، ويبنون قصورهم الرملية الواهية ويدمرونها بشهوة الخراب، وأنت على كرسيك تسبح في كتابك، متناسٍ كل التوصيات بالحذر والخوف عليهم، (وترد على أصواتهم داخلك إذ البحر والقراءة والأطفال؛ تولد حالة تحرر قصوى لا يصلح معها الحذر).
أن تقرأ لصغير دون الثانية وهو في حضنك، أو ينام إلى جوارك، ما لا يفهمه وفق أي منطق فكري أو عقلي "كمادة فلسفية" أو "قصيدة مترجمة" أو "جزء من رواية" ، ولكن بتنويع صوتك باتجاه طفولته الطافية بالمودة والحنان؛ يعتقد أنك تقرأ له كتابا مناسبا لعمره، وتعتقد أنت جازما أن هذا الكلام يصل لعقله، ولقلبه تماما، فينام وكله رضا.
وأن تقرأ لساعة قبل أن تنام أو أقل أو أكثر قليلا، فهي حالة مشاغلة للأرق، وحالة مغازلة حنونة للنعاس، كما أنها تدريب للحواس على اليقظة والفهم إذ يفترض غيابها، وهي في الأخير عادة طيبة تسلمك ليوم آخر بأقل قدر من كآبة الليل المقبل بكل كتائبه وفيالقه وجنوده، ليلتهم جسدك وقلبك وعقلك، ويغير بكآباته المتكررة على ما حصدته من أفراح صغيرة في يومك المضيء.

مقامات الظل . مسودة حياة "1" 2014
 
 
 

الاثنين، 13 يناير، 2014

سمرة المطر





فاطمة الشيدي

حين ينزل المطر أبتهج كشجرة سمر وحيدة
نهضت ذات صباح لتجد جسدها فارعا على قارعة على طريق بعيد
لا يرتاده الكثيرون لكنه ليس معزولا تماما
شجرة شيطانية المولد لم يستنبتها أحد
ولا يعتني بها أحد غير السماء
تقصقص الريح فروعها متى ما استطالت
ويعمدها الغبار ببعض البهاء
وتغسلها الشمس بالضوء كل صباح
ويدغدها المساء لتضحك كعاشقة حسناء قبيل الغروب
عنيدة شقية؛ تمد جذورها في سويداء اﻷرض حتى الشغاف...
وتربي الحنين كل فصول السنة
ولها ذاكرة اﻷرض كل ارتواء
لا يرهقها كثيرا سوى ظلها الثرثار في النهار
وهو يستطيل ويقصر ويغير جهاته كل حين بلا مبررات وجيهة سوى شغفه بالشمس اللعوب
ويتركها وحيدة في الليل فريسة للخوف من فكرة الفأس، والحطاب، والكوابيس المشابهة؛ كالبلدية، وتجميل المدينة، وتنظيم الشوارع، وما شابهها
ولكنها في النهار تبتسم لقدرها حين يجلس تحتها عمال الشوارع والبناء
وتشم روائح طعامهم الحارقة وهم يفترشون ظلها القصير
وحين تأتي المرأة البدينة التي تنتزع بعنف بعض وريقاتها للتداوي
ولتعويذة العراف القصير بلحيته الطويلة
تضحك ملئ قلبها
وحين يقرأ عليها شيخ المدينة السلام جيئة وذهابا وهي تنظر لمن حولها
فتقهقه لظنه بأنها مسكونة بالجن
وما غير العصافير يسكنها
العصافير التي ترتعش كلما تمخضت غيمة فوق جسدها تماما
فتغتسل بود حميم
تخاف قليلا حين يزمجر الرعد وتشعل البروق نواجذ السماء الخفية
وتلتف على ظلها وتبدأ في الصلاة
تتذكر الوديان واقتلاعاتها المجتثة للجذور
تبسمل وترقي الكون من حولها
ثم تعاود الابتسام والتلذذ بفعل الحب العظيم
تغني بانتشاء لدمع السماء الحميم
وتسر للحفر التي تحتها؛ رويدا ، لا تبتلعن الماء بسرعة
ليتغلغل في أرواحكن الظمأى
إنه الحب ياصديقات فافرحن لعنفوانه الرطيب
رويدا رويدا دعنه يتسرب في شرايين اﻷرض وأوردتها
لنشرب منها لاحقا
ابتهجن به .. ولنرفع أصواتنا بالغناء "الله يزيد، ويرحم عبيد"
فالحب والمطر لهما كل يوم شأن جديد

يوميات ليلية

 
 
 
فاطمة الشيدي
 
1.
"في النهار يساعدني العالمُ المرئي, أما في الليل فهذا الضجيجُ يمزّقني منْ دون أن يعيقه شيء !"

كافكا
 
2.
المولد النبوي يستوجب التفكر قليلا في رسالة السلام والمحبة والرحمة والعدالة والمساواة، واحترام اﻹنسان التي جاء بها محمد (لزوال الدنيا ، وروي: لهدم الكعبة حجرا حجرا أهون على الله من سفك دم امرئ مسلم)!
 
3.

قتل وموت
ظلام وموت
برد وموت
جوع وموت
سجن وموت
اختطاف وموت

تهجير وموت
هذه ثنائيات عالمنا العربي وإعلامنا المقروء والمرئي اليوم فقط .. أي أن الموت ثاني اثنين دائما .
كوميديا سوداء لا تعرف أطرافها جيدا، ولا تدرك إذا كان يجب الضحك منها أو البكاء عليها .. ولا تستطيع الاقتراب من عالمها المرعب ولا تستطيع تجاهلها.
ولا تعرف هل يجب عليك أن تتابع المنشورات السياسية التحليلية الساذجة مهما تعمقت والتي أغلبها ينم عن طائفية خبيئة بانحياز ضمني لطرف ما .. أو تميل لمتابعة أولئك المعجبين بأنفسهم حد القرف .. أو عشاق الشاشات الضوئية بعشقهم الزائف وكتاباتهم الباهتة عن مشاعر غير حقيقية غالبا!
والرحمة جائزة .. واليأس كما العزاء واجب!

 

4.

الجوع والبرد  أسلحة موت مجانية، لم يستثنها القاتل العربي المتعدد والجبان!

 
5.
الحبّ يملأ الفراغ ولا يلغي الوحدة.
الحبّ يزيد الوحدة.
إنّه اللامحدود في قفص.

أنسي الحاج
 
6.
 
عندما يعلن الموت -بكل هذه الوقاحة والجرأة- حضوره المهيمن والجبار الذي لا يقوى أحد على رد قبضته الكبيرة التي لا تفرق بين طفل وامرأة وشاب وعجوز، ويمشي برعبه بين جوانحنا من الماء إلى الماء، ناشرا لعنته المجتثة لكل أمان وسلام وخير وإنسانية، ومخلفا الدمار والخراب أينما حل، يهرس عظامنا بجسده الضخم، ويهرق أحلامنا وهو يمضي فاردا أجنحته كرخ عتيق، أو وحش أسطوري خرج من أحد الكتب القديمة، أو كائن غريب نزل من صحن طائر أو خرج من أحد أفلام الرعب الضخمة الميزانية والخيال.
عند ذلك على الكلام أن يبتلع لسانه خجلا مهما كان حسنه وبلاغته، إلا من صلاة للرب كي يزيح هذا الوحش قليلا، ويوقف آلة الحرب العملاقة الرعناء ويرحم الإنسان ويهبه وطنا حقيقيا يحترم إنسانيته، ليحيا بكرامة وحرية وأمان وعدالة، أو دعوة للإنسان كي يقف مع إنسانيته الحقيقية فقط خارج كل دين أو جنس أو لون . ليهدئ من هذا الموت المسعور بيننا والذي يتغذي من جهلنا وحماقاتنا اﻵسنة ويشرب دمنا بتلذذ مقيت، وكثيرا جدا بأيدينا أو بمحض إرادتنا .
لنصمت قليلا .. ولنحلم بوطن !
7.
"نهاية الأسف والندم.. هي ذاتها بداية الحكمة"
كريشنامورتي
 
8.
"سأخبر الله بكل شيء" .. طفل سوري وهو يحتضر
إنه يصغي منذ زمن طويل يا صغيري، ولكن لابأس فحكايتك ستكون أكثر صدقا، ودهشة، ولعله بعدها يأخذنا جميعا أخذ عزيز مقتدر .
وما أجمل هذا الإيمان، الإيمان الذي يختلف بمقدار روحانية الفرد وقدرته على سماع اللغة الإلهية العليا، أو تلقي الرسائل الربانية، أو بعثها ، فكثيرا ما سمعنا أطفالا يهددون كل من يجرحهم بأنهم سيخبرون أمهم أو أبيهم، ولكن أن يهدد طفل بأنه سيخبر الله، فهذه حالة جديدة علينا!  ربما لأنك تدرك أن الخطب أكبر من قدرة الوالدين، وأنك الآن ذاهب للسماء  وليس للبيت، مؤنا بذلك الملاذ الآمن، وبقدرته العليا والوحيدة على الثأر لك والقصاص ممن سلبوا روحك ووطن .
ما أروع إيمانك يا صغيري، إيمان أنحني أمامه، وأقول لك من شغاف روحي، قل له يا وبالتفاصيل التي يتقنها الأطفال كثيرا، وهو سيصغي لك بكل محبة ورحمة أكثر من الأمهات، وسيأخذ بثأرك عاجلا أو آجلا بقدرة رب. أنا أثق في ذلك وأدرك أنك تثق أيضا.
9.
"إنني ابحث عن الوحدة .. الوحدة الشاملة"

كونفوشيوس
 
10.
يحدث أن بن من اليمن، تستلمه في العراق، وتتذوقه في عمان
هذا هو تماما حوار الحضارات !
 
 
11.
"السّعادة هي الصيغة المتداولة للغباء"
بيسوا
 
 

 

السبت، 11 يناير، 2014

 
 
فاطمة الشيدي
 
كان لامعا كخنجر شهي حين أحبته
لذا مضى ما شاء له الهوى للسويداء منها
وباردا كنهار شتائي لا يغري بالدفء حين ودعته
لذا مضت عنه متدثرة معطف الخسارة بلا التفات
الرجل الذي يحتاط لليالي بالقصائد والبكاء
فيشرب الدمع ممزوجا بالنبيذ والشعر
ويحتاط للكآبات بالمرايا والنساء
ليصفف شعره الطويل في عيونهن
أو يعيد قصصه الذابلة كخريف بعيد على مسامعهن
أو يربي جنونه على مقربة من أحاديثهن اللاثغة بالعشق
ويلغ في تفاصيل الجسد ككلب أليف
ثم يبكي آخر الليل في مرآته المنكسرة على ما ذهب
وهو يعيد ترتيب كذباته اﻷنيقة في دواليب العتمة واليأس
ليوزعها بالتساوي على "غانياته الحزينات"
في حين يدّخر الوله في الجيب اﻷقرب للقلب لحبيبة لم تأت بعد
ويجلس أبدا على رصيف الذكريات يبيع القصائد واﻷمل
متكورا كحرب قديمة ينادي على موتاه
وكحفار قبور طيّب يضع شاهدة لكل عابرة كي لا ينسى
وحدها لم يجد شاهدة تليق بحضورها الطاعن
فأسكنها اللغة
فانسلت منها، وتبددت في الكلام!



شاهد
.........
http://www.youtube.com/watch?v=wfPZe6b4QkY

الأربعاء، 8 يناير، 2014

يوميات

 
 
 
 
 
 
فاطمة الشيدي
 
 
1.

لا أعرف أم هود، لم أرها، هي بالطبع ليست نجمة لتتناقل الألسن والصفحات والشاشات أخبارها، ليست كاتبة أو ناشطة لتملأ هذه الصفحات الضوئية "مواقع التواصل تحديدا" ضجيجا.
ليست نرجسية أو دعائية لتصور كل فعل تقوم به، وتوثق كل خير تفعله، هي لا تريد إلا وجه الله في كل ما تفعل، لذا لا تعمل إلا سرا، "حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك" فهي لا تشبه هذه العوالم الزائفة، وكائناتها المروجّة كدعاية رخيصة لكل حدث وفعل وعبور.
لكنني بالطبع كغيري من العمانيين سمعت كثيرا وجميلا عن يدها البيضاء، عن سعيها للخير، وعن محبتها للناس ومساعدتها للمحتاجين والفقراء .
ولكن ما هالني فعلا؛ كل ذلك الرثاء النبيل لغيابها، كل تلك الحسرات والتوجعات والحزن لوداعها من بشر ربما لم يحتكوا فيها، ولم يروها إلا مثلي صورة بعد الموت في هذه المواقع .
إنها  السيرة  الحسنة، والفعل الحقيقي المتفرع كحبة قمح أنبتت سبع سنابل والله يضاعف لمن يشاء، والذي يبقى بعد الموت، وربما يظهر أكثر ويتجلى.
رحمك الله أيتها البارة المحسنة في زمن الأنانيات والدعايات السمجة، والفعل الناقص إلا من ضجيج أو صناعات إعلامية .. إلى جنة الخلد أيتها الطيبة حيث ستجدين عملك الذي خلفت في الدنيا كثيرا يسبقك إلى هناك "فروح وريحان وجنة ونعيم".

2.

"أحاولُ دائماً أن أنقلَ شيئاً يتعذّر نقلُه، أن أشرحَ شيئاً يتعذّر شرحُه، أن أبوح بشيءٍ لا أشعرُ به إلا في عظامي، حيثُ لا يُمكنُ لي أن أشعرَ به إلا في هذهِ العِظام"
كافكا

3.
كل فرح أو غيم أو فكرة مجنونة نهرع لهذا الكوكب الافتراضي (الفيس بوك)، هذا المكان الذي أحبه وأحب أصدقاءه، نحن الذين نعيش فيه أكثر مما نعيش في الحياة بشكلها الحقيقي، كل غيم أرسل لهم الكثير من الأمنيات  والفرح مع القليل من الحلم .
المنبعث من قلب الغيم الزائر قبل أن تمزق جسده بأظافرها الحادة؛ شمسنا الصارمة كجندي مجهول يمارس وظيفته بجدية واتقان في حرب طويلة.. أو كحمى كونية مزمنة مضطرون أن نمارس حياتنا ضمنها إلا من استثناءات سماوية طيبة كاﻵن، وأغنية  فيروزية  إذ  فيروز رفيقة الغيم واﻷجواء الرائقة  والنهارات الحنون  كوجه غيمة.

4.
لطالما كنت مشغولة إلى حد الهوس بفكرة "التسامي "، و أردت على الدوام أن نتمكن من تحويل عواطفنا السلبية - كالغيرة و الحسد - إلى نظائر إيجابية و إن دور المرأة كصانعة سلام peace – maker فكرة متجذّرة عميقاً في داخلي لأن هناك على الدوام حاجة مستديمة لموازنة حب الرجل للحرب و العداء الطبيعي المتأصل في داخله و لاتزال هذه المسألة تشكّل هاجساً كبيراً لي و أتطلع إلى حدوث الثورات و التطوّرات دونما مظاهر عنفية مؤذية ، إن كوني امرأة يعني لي أساساً حب الحياة و الحفاظ عليها أكثر من حب السلطة التي لا تزال الهاجس الأعظم و الأكثر مأساوية بذات الوقت للرجال ، فالتأريخ كما نعلم هو سعي حثيث من أجل الاستحواذ على السلطة"

الكاتبة أناييس نن

5.
أحب جوليا روبرتس من زمن قديم، معجبة برشاقتها وبشرتها  وروحها المجنونة وعذوبة المرأة داخلها، وهذا تماما ما عكسه الفيلم الذي تابعته لها مؤخرا  مع (توم هانكس )   Larry Crown  والذي يحكي قصة لاري كراون  الموظف المتفاني في عمله، والذي يتم الاستغناء عنه من العمل لأنه لم يحرز تقدما علميا، ولم يتحّصل على شهادة منذ ترك البحرية، فيضطر للالتحاق المتأخر بالجامعة حيث  يعجب  بمدرسة  الخطابة ميرسيدس (جوليا روبرتس) التي  بدأت حياتها الزوجية والعاطفية تتدهور ، الفيلم المفعم بالجنون الطلابي والعنفوان لدى مجموعة من الطلاب، ويقدم  صورة غير نمطية للأستاذة الجامعية، وللجماعات الطلابية في عمرها الجموح.

6.
من حزن فليستمع للموسيقى الطيبة, فإن النفس إذا حزنت خمد منها نورها, وإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد !

افلاطون

7.
ما أجمل الحياة خارج اللغة ،،وبعيدا عن البشر ،، في قلب الطبيعة هبة الجمال والفرح بمائها وأشجارها وكائناتها الطيبة اﻷخرى التي سخرناها لنا وألحقنا بها وبالطبيعة الضرر الكثير ،،في امتثال دائم للشنفرى  العظيم :
أقيموا بني أمي، صدورَ مَطِيكم** فـــــــــــإني، إلى قــــومٍ سِواكم لأمـــــــــــــــــــيـلُ
فقد حمت الحاجاتُ، والليلُ مقمرٌ ** وشُدت ، لِطيـــاتٍ ، مطايا وأرحُـــــلُ
وفي الأرض مَنْأىً ، للكريم ، عن الأذى **وفيها، لمن خاف القِلى، مُتـعزَّلُ
لَعَمْرُكَ ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ** سَرَى راغباً أو راهباً ، وهو يعــقلُ
ولي ، دونكم ، أهلونَ : سِيْدٌ عَمَلَّسٌ** وأرقـــــــــطُ زُهلول وَعَرفاءُ جيألُ
هم الأهلُ . لا مستودعُ السرِّ ذائعٌ **لديهم ، ولا الجاني بما جَرَّ ، يُخْـذَلُ

8.
تساعدك الموسيقا الحقيقة على تجاوز حالتك الجسدية, العاطفية النفسية. الموسيقا الحقيقة تنقلك إلى العالم الماورائي ذلك ما يدعوه بوذا الشاطئ البعيدبل حتى ما وراء الماوراء.
أوشو

9.
صوت فيروز يبكي .. القصائد أيضا، والأغنيات حزينات  قليلا،  ولكنهن سيبتهجن كثيرا لاحقا، وكل يوم حين يتبادلهن العشاق ويغنيهن المحزونون، ويرقص عليهن السهرانين.
ولكن لا يغيب من يسكن القصيدة .. وهي الآن ترفع صوتها من قلب الأغنيات تماما، من حنجرة فيروز ومن لحن يعبر الطريق مطرقا .. لتقول "وداااعا جوزيف حرب"
10/ 2/ 2014

10.
في صورة رسمها الفنان العماني  "إدريس الهوتي" تجسدت صورة  والدي " بكل الملامح الصارمة والمنبسطة في آن، وتقطيبة الجبين والحاجبين لغضب خفي، والشرود في البعيد أو لما لايدرك أحد، والسمرة المشربة بالاحمرار، وتلك التجاعيد واللحية البيضاء كوشم زمني نبيل" وهو فعل ذلك
دون أن يقصده طبعا !


11.
أتردد كثيرا أن أضع إشارة "يعجبني" على صفحة باسم شخصية ما، من غير الخالدين أو الصفحات الثقافية العامة بكل ألوانها وفنونها، وأحرج كثيرا من الدعوات الطيبة الكثيرة التي تأتيني لذلك.
فبين فكرة "دعوة صداقة" تأتيك من كاتب صديق تزوره بين الفينة واﻷخرى ويزورك، تعجب بنص له أو بخبر ويبادلك التحية واﻹعجاب والخبز والملح والصور، وبين "دعوة إعجاب" لأيقونة قصوى له آلاف من المتابعين والحواريين والمؤمنين المراهقين... المحتفين المبهورين، ولست إلا رقم منهم، فأنت مجبر أن تعجب بهيمنته واكتماله، بمطلقه الجاهز في عليائه ؛ فرق شاسع وبين الصديق والمعجب فرق كبير لا يخفى على أحد.
أظن -وبعض الظن خير - أن هذه الصفحات (صفحات المعجبين) هي لمكتملي التجربة من الخالدين، ولا أغالي إن قلت أنها للموتى فقط، الذين اكتملت تجاربهم بالغياب، ونضجت بالصمت، وتحولوا لأيقونات عالية ومنتهية النمو وواضحة الحضور ، وتحول كل قرائهم وطلابهم ومتابعيهم وأصدقائهم لمعجبين لتجربتهم التامة والكاملة.
ليس علينا أن نعجب بصفحة كائن حي ينمو ويتطور ويتعثر يذهب ويأتي .. أحب كلمة "صديق" باحتفائها الحميم بالنقص والتعب والعتب والخسارات والمضي في الحياة الافتراضية والحقيقة والكتابة معا، ولا أحب كلمة "معجب" في دهشتي المفترضة من كل مايصدر عن كائن يعيش الحياة والنص بنقصهما ويفرض علي كماله النرجسي.

12.
إن الصور لا تصنف باعتبارها تصورات . فهى لا تحصر نفسها في دلالتها المعبرة . وإنما ــ على العكس من ذلك ــ أنها تقصد أن تتجاوز دلالتها المعبرة دومـــاً . عندئذ ، فالخيال يكون متعدد الوظائف .
غاستون باشلار 

 
 

الاثنين، 6 يناير، 2014

لماذا يعتزل المثقف الحالة الثقافية في بلده، وهو جزء منها ؟!

                       
 
فاطمة الشيدي
1.
ينضم المثقفون  لأي مؤسسة مجتمع مدني ثقافية، لأنهم يعرفون سلفا أنها مؤسسة تقوم على دعم الأفراد والمجتمع، وأن الجميع يساهم بمبلغ يسير كل عام، كي تستمر في عطاءاتها وفعالياتها مع دعن نسبي من الحكومة أيضا لهذه المؤسسات، وأنه من خلالها يستطيع مع الجميع  تقديم ما يخصّ الفعل الثقافي بالصيغة الحقيقية، وبالمساواة التامة، فالجميع  يدفع، والجميع يساهم في تفعيل الحراك الثقافي كل من زاويته وبقدرته، فهم من يحركون دفة الفعل، بلا قرارات فوقية، ولا إملاءات من جهة ما.
وبالطبع يفكر كل مثقف أن هذه المؤسسة (الجمعية العمانية للكتاب والأدباء) ستقيم أمسيات أسبوعية شعرية، وسردية، ونقدية مثلا، وندوات فكرية وسينمائية ومسرحية بين الفينة والأخرى، وربما ستتوسع في الفعل الثقافي لتقيم أسابيع ثقافية لدول أخرى مع مشاركة شعراء وكتاب الداخل، لتوفير فرص الاطلاع للمتلقي العماني، وستحتفي بكاتب أو كتاب جديد، وستكرّم كاتبا كبيرا، وسنستضيف مبدعا مميزا من الخارج؛ لتوفر فكرة الاحتكاك الثقافي المشروعة والإيجابية، وقد يغض عضو الجمعية الداعي والضيف النظر عن أي مبلغ مستحق للضيف، أو حتى عن تكلفة تذكرة الطائرة لأن الضيف جاء على حسابه الخاص، وعن السكن في الفندق لأنه ثمة من تبرع باستضافته، كل هذا سيكون بأخوة ومحبة واحترام وتقدير متفق عليه للفعل الثقافي أولا وأخيرا.
وربما ستحتفي الجمعية بمناسبات ثقافية واجتماعية مثل: يوم الشعر، ويوم المسرح، ويوم الفلسفة، وربما حتى بيوم الأم، ويوم المرأة، وسيغض كاتب او ناقد النظر كثيرا عن أي مكافأة مستحقة له لم تمنح لورقة أعدها بوقته وجهده وبحثه، لأنه يقدم فعلا ثقافيا مجتمعيا تنويريا كما يفترض.
وستبحث عن داعم لإصدار بضع كتب، لكتاب يستحقون نشر كتبهم، ولكنهم لا يجدون المال لذلك،  أي لن تجامل بنشر الكتب التي لا تستحق، ولن تساعد من يملك المال لذلك.
وإذا كان لديها مال فائض، فإنها ستقدم مبلغا لكل من يقدم ورقة نقدية، أو قصيدة في أمسية دعما وتقديرا. هذه الأمسيات التي عليها أن تكون شاملة لكل الشعراء والأدباء، وإن كان من تفضيل فهو خاضع للمعايير الجمالية والتجربة، وليس لمجاملة المجاملين لها.
هذه من الأسباب التي يمكن أن تكون سببا لانضمام مثقف ما لمؤسسة مجتمع مدني ثقافية،  ولكن لن يفكر أي مثقف حتى  من يملك خيالا واسعا أنه سينضم لمؤسسة مجتمع مدني ثقافية؛ لتحقق له متعة السفر خمس مرات في العام لدول عربية وغربية، ليحظى بنزهة معرفية وسياحة ثقافية خمس نجوم، ولن يفكر أنه سيحمل أوراقه ليقول للعالم في أماكن أخرى تحت مظلات رسمية، وبمسميات أبعد ما تكون عن شرف الفعل الثقافي، "أيها السادة في هذا البلد أو ذاك، عليكم أن تسمعوني، لقد جئت إليكم لأعرفكم على نفسي بلا دعوة مسبقة، بل بحضور مدفوع الثمن مسبقا .
ولن يفكر أحد أن هذه المؤسسة ستختص عددا من الكتاب والشعراء بهذا الشرف، في كل مكان وزمان، في حين سيحرم آخرون من شرف المشاركة داخليا وخارجيا، فقط لأنهم لم يجاملوا أحدا، ولم يتملقوا صوت المؤسسة، ولا أعضاء إدارتها، لأنهم لا يجيدون ذلك أصلا.
ولن يفكر أحد أنها ستتحول لحالة أكثر رسمية  من المؤسسة الرسمية، وأنها ستخلع شرف تكريمها على كل مبدع داخلي، وخارجي، بمناسبة، وبدون مناسبة، في حين سيعيش المتلقي الداخلي جوعا معرفيا وثقافيا؛ لأنه سيحرم من تحقيق المشهد بشكل حقيقي خارج الاحتفاءات، والاحتفالات والمؤتمرات الصحفية، والرسميات، والشهرة، والبهرجة الإعلامية، وسيصادر حق المشهد الطبيعي  بإقامة أمسيات ثقافية شعرية وسردية ونقدية، بصفة دورية لكتاب من الداخل والخارج، ومن الاحتفاء بالكتّاب الجدد، والكتب الجديدة،  أو الشعر  الجيد، والسرد العميق، وسيحرم الكثير من الكتاب والشعراء من الحضور والمشاركة الفاعلة في المشهد|؛ لأنهم لا يملكون يدا طيعة تجيد التصفيق لكل مهرج ومهرجان، ولا يملكون لسن حادة للنفاق والمجاملة.
وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه المؤسسة بفعالياتها !
 

2.
يكتب الأديب أو الكاتب عمودا أو صفحة في جريدة، أو مجلة بصفة دورية ليتشارك الكلمة مع الناس، فالحنين كالخبز، والرؤية شارع ليس على الكاتب أن ينظر إلا لصورة أحذية العابرين عليه، يكتب أحزانهم، وسعالهم اليومي، وسعيهم الحثيث وراء قوتهم، وعبثهم، وظهورهم المنكسرة تحت الشمس، ووراء مقابض السيارات، يدوّن الملل الذي يسكن الأرواح ويتسامى في الأحاديث، ويركن في نهاية الشهر عند الريالات التي تسد رمق البطون الفارغة.
يكتب لنبل عميق يسكن روحه، يكتب عن كتاب وقصيدة ووعي يجرحه، ليشعل به وعي آخر، يكتب عن بلاد، وقلب، ولوحة، وفيلم ليشغل الآخر بها؛ فيذهب في حواره الداخلي معها عميقا، وقد يمتد ذلك الحوار من الداخل للخارج.
ولكنهم للأسف لا ينظرون لذلك النبل بتقدير مواز، إنهم ينظرون للريالات القليلة (جدا)، الريالات التي لا تجاري الدم والروح الذي بكتب به الكاتب، ولا حتى الوقت الذي يقتنصه من الحياة والعمل والمتعة ليجيّره لصالح الكتابة فقط. ويقدمونها بتعال وتقشف وتقليل كل شهر .
ولأن "زمّار الحي لا يطرب"، فهم يكيلون بمكيالين أو أكثر بين الداخلي والخارجي، بين القريب والبعيد، لصالح الثاني غالبا، وبمعايير أخرى.
فأن تكتب في الصحف العمانية (كلها تقريبا؛ بشكل متواتر أو متباعد) لن تحصل على ريال  واحد حتى لو كتبت لمدة عامين تقريبا مع التعاقد على ذلك مسبقا، وقد يقال لك من البداية نحن لا ندفع، وقد تحصل على مبلغ لا يذكر بعد عدد من الموضوعات، وقد ينقص المبلغ كل شهر بعد أن يتأخر غالبا، وقد يضعوا قلمك في زاوية محددة وفق اشتراطات خاصة بهم وبعدد الريالات.
لماذا يكتب الكاتب إذن؟ لأن قدره أن نكتب، قدر الكاتب أن ثمة حكة في أصابعه، كلما اشتعلت الروح بجرح، وكلما صادفه الجمال أو القبح، وكلما رفض العقل القيد والظلم والقهر، ولكن ليس في تلك الصحف التي لا تنظر بتقدير واحترام للكاتب، لوعيه الذي يجترح الكتابة، وعمره الذي يفنى في طرقاتها التي ليست جمالا محضا، ولا دهشة دائمة، وترى أنها تقدم له هبه عظيمة بأن تفتح لها صفحاتها الصفراء للكتابة.  وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه الصفحات الثقافية !
 
3.
من المفترض أن المؤسسة الثقافية في أي بلاد هي أشرق صورة لمعاني الحرية والديموقراطية والمساواة والتعددية الفكرية، عبر التعدد الثقافي الممثِّل لكل فئات المثقفين وحالاتهم ووعيهم، وعبر الموضوعية الواعية في الإدارة القائمة على الانتخاب الدوري والتغيير المستمر، للإدارات التي تشرف على الفعاليات والإصدارات، وكل ما يمت للثقافة بصلة، ولكن أن تنزل إدارات هذه المؤسسات من السماء، وأن تحدد اللجان، والفعاليات وفق قرارات فوقية أو جانبية أو لاعتبارات خاصة، وأن تحتكر هذه المؤسسات العمل مع مجموعة من المثقفين الذين يحركون الحالة الثقافية وفق تصوراتهم ورؤاهم فقط (التي ليست مثالية بالضرورة لأنها ممالئة فقط)،  فهذه صورة بشعة لدكتاتورية الثقافة، وثقافة الدكتاتورية، التي تصبح بوجه واحد، وقد يكون مشوها أو قبيحا أو باهتا أيضا، وبصورة وحيدة باردة ومملة، وهذا ما يحدث تماما لدينا الآن، وهذا ما يجعل المثقف الحقيقي يهجر هذه المؤسسة بفعالياتها!
4.
 نعم، هذه الأسباب وغيرها هو ما يفرض العزلة الثقافية الحادة  من المبدع التي يحترم الذات والإبداع معا، فالعزلة الإبداعية خيار إنساني وفكري عميق وجاد.