"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

السبت، 13 ديسمبر، 2014

الحياة خارج الحياة

 

فاطمة الشيدي
بين مقولة ماركيز «تعلمنا كل شيء عن الحياة، إلا كيف نعيشها»، وعنوان رواية كونديرا «الحياة في مكان آخر»، يلخص حال مجتمعنا العربي المريض بكل أنواع العقد، وأشكال التأزمات النفسية الناتجة عن الذهاب المطلق وراء الأعراف والتقاليد البالية التي نقدسها ونعيش ضمنها، حتى أصبحنا نعيش حياة خارج الحياة تماما، أو لعلنا لم نتعلم يوما كيف نعيشها فعلا. ومع أننا نحب الحياة كما قال درويش، إلا أننا لم نستطعها بشكلها الناصع والجميل بعد، فنحن لم نعرف، ولم نحاول أن نعرف، كيف نتعامل مع أنفسنا، ومع الآخر، ومع الحياة بحب، أو كيف نحيّد الآخر لنعيش بجمال وصدق مع الذات، وكيف نخلق أسباب الحياة البسيطة والصادقة لنحيا بها حياة سليمة وصحيحة.
إننا نعيش الحياة كما فرضت علينا، أو كما رسمها الآخر «السياسي/ الديني/ الاجتماعي» لنا، تلك الحياة التي لا نريد، ولا نحب، ولا تناسب أفكارنا وتوجهاتنا وأحلامنا الإنسانية، لذا نموت ونحن لم نعش الحياة أصلا.
بل والكثيرون منا لم يفكروا يوما في مفهوم السعادة، ومدى تحققها في حيواتهم، ولا يستحضرونها إلا بتحقيق الصورة النمطية التي يقرها المجتمع بأعرافه البالية، وإنسانه الذي لا يقرأ، ولا يبحث، ولا يتعلم، ولا يسافر، ولا يحاكم المألوف، ولا يفكك الجاهز، ولا يرتاب في السائد، ولا يسأل عن المجهول، ولا يحاكي الآخر البعيد بجماله العميق والبسيط معا. السعادة التي تعني غالبا لدى الغالبية منا، الكثير من المال المكدس، والنفاق الاجتماعي، والتصنع في كل شيء، والقليل من الحب والخيارات الفردية، والمعايير الذاتية.
الأمر الذي انعكس سلبا على حيواتنا بكل جوانبها، من أجسادنا التي تخضع للسلطة الجمعية في ما نضعه في جوفها، وما نلبسها إياه، وما نهمله من حركة ورياضة تحتاجها، حتى عقولنا التي ران عليها السبات خارج فكرة الوعي والقراءة والمساءلة والفهم، وداخل التحزبات العرقية والجغرافية والتاريخية والدينية والطائفية. لنتحول إلى بشر مستنسخين، نستنسخ بشرا لاحقين، ليتحد ثلاثة أجيال في الشكل والمضمون، دون أن نفكر في حاجاتنا وحاجاتهم، وعصورنا المتفاوتة. ولا نفكر لحظة في آليات الخروج من هذا الحال، أو الاستمتاع بالحياة بشكل آخر مختلف وحقيقي، متخففين من أثقالنا الكثيرة، وقيودنا الكبيرة، وكذبنا الوفير، بأن نمشي حفاة على البحر مثلا، أو نلعق الآيسكريم في شارع مزدحم بالمارة دون أن نأبه بهم، أو نقهقه بصوت عال، وبفرح حقيقي حين نحتاج ذلك أو يعن على أرواحنا نزق محبب وجذل عميق، أو نلعب الكرة مع أطفالنا في مكان عام بكل أريحية وبساطة، أو نمسك يد من نحب في مكان عام، أو نمازح عامل النظافة في الشارع القريب من بيتنا بخفة وبساطة، لنخفف عنه ثقل يومه ونذكره بإنسانيته التي قد ينساها في خضم عمل ليس له سوى نظرة الاحتقار، أو نمشي الهرولة في الزقاق المؤدي لبيتنا، دون أن نخشى نظرات الجيران المتلصصة بريبة الجنون، أو نخرج ونحن نرتدي «بيجامة» لنشتري الحليب في الصباح من أبعد محل عن البيت، أو نزرع شتلات الورد بأيدينا أمام البيت في مواسم الزهر، أو.. أو.. من أمور يراها البعض طبيعية جدا، وبسيطة جدا، وقد تصل لدرجة التحريم والتجريم في مجتمعاتنا المعقدة والمحكومة بالنفاق. فأن نشاهد شخصا يركض، أو عاشقين يشربان القهوة بكل دفء وحميمية، أو عائلة تأكل في مكان مفتوح بكل فرح وبساطة، أو رجلاً يقرأ على البحر أو يمشي مع كلب أو قطة وغيرها من مظاهر الحياة البسيطة والمتاحة كحق للجميع… لا يبدو الأمر في مجتمعاتنا طبيعيا جدا، ولا حتى مألوفا وسائدا، بحيث يشكل ظاهرة يومية، بل قد يبدو أحيانا كثيرة عجيبا ودخيلا ومريبا حتى يستنجد البعض بكل الأعراف المجتمعية والدينية في داخله، ويحاكم هذه المظاهر الطبيعية بأنها آثمة وآبقة وخارجة على قوانين الركود والكذب، وعلى ثوابتها، وكسر لقيودها.
وكأننا نعيش في قواقع نراقب بعضنا بعضا عبر نوافذها، ونرتاب لكل جديد، ونكفّر كل خارج على أي نمط من أنماط الحياة السائدة، غيرة وحسدا، وخوفا، لأننا لا نستطيع القيام بتلك الخطوة التقدمية في الخروج والمبادرة، ولذا فالأسهل الانتقاص والسخرية من الآخر في لباسه الجديد، أو نمط حياته المختلف. أو محافظته على صحته الجسدية أو النفسية أو العقلية، والتمتع بكل مظاهر الحياة الطبيعية والإنسانية والإبداعية.
فالجميع متمترس خلف سمت وهمي، وهيبة مصطنعة، وأخلاق كاذبة، في حين يخون كل هذا في الخفي والبعيد من أعين الناس، بل يخون حتى نفسه أحيانا.
وحين جاءت الثورات السياسية في الزمن القليل الآفل، والتي كان الواعون من المجتمع ينتظرونها ثورات عميقة ومغيرة لكل هذه الأحوال المريضة، كانت ثورات جمعية أيضا، فأغلبية من خرجوا إليها لم يكونوا على مستوى الوعي والفهم الفردي الجدير بالثورة، بل خرجوا تضامنا مع الآخر، دون تفكير ولا وعي في أهدافها وغاياتها، بل بخضوع ضمني للمستبد الجمعي الضمني الذي يحركهم، والذي تتغير ضمنه القبيلة الجاهلية، من مستواها القديم، لمستوى جديد فقط، فخرج أغلبية الجمع نصرة لأصدقائهم، وليس إيمانا بفكرة عظيمة، حركتهم عواطفهم الجمعية، وليس وعيا معرفيا بقيمة وأهمية الثورة على الظلم، والانحياز للحق والخير والعدالة، ولذا كانت الحالة الدينية القائمة على التحزبية المذهبية هي المجرى الذي صبت فيه هذه الثورات حركتها، وقضت على خياراتها المنتظرة، وسقطت بها في فكرة الرضوخ للأطر الجاهزة مجددا.
إن الثورة الفردية هي الأهم، ووجود وعي فردي هو الأساس لأي تغيير، ثورة داخلية متجذرة بوعي عميق، وحرية تامة، وفهم خاص للحياة بكل مفاهيمها وألوانها، ثورة قائمة على رفض الفرد للجمعي الآمن، والكلي المحتجب وراء كليته بدءا، ليتشكل لاحقا وعيا جمعيا قائما على وعي فردي عام.
كاتبة عمانية
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

سونيتات -9-12

شرفات -جريدة عمان
فاطمة الشيدي
 

1.
كلما مات مبدع أشعر بالحزن
تتملكني تلك الغصة التي تقبض على الوريد تماما
لأن العالم فقد نجما كان يعصمه من الظلام قليلا
وإذ لم أقرأ ما يكفي من كتبه لأودعه توديع عاشق عارف
أدرك الآن أنني أصبحت قارئة كسولة
ولكنني قرأت كثيرا فيما مضى
قرأت روايات لكتاب كبار
وقصائد لشعراء مجهولين
ومقالات في مجلات وجرائد مهملة
قرأت وجوه البشر وأحاسيسهم الخفية
كما قرأت ذاكرة الطرقات والأمكنة
وأحاديث البشر المزيّنة بالنفاق والتباهي والقليل من الصدق
قرأت سير العظماء والبسطاء
الأحاديث الراعفة بالوهم
وتلك المرهفة بالحلم
قرأت حنانات الطبيعة الطيبة
كنخلة أم تربي صغيرتها على مقربة من قلبها
وحموضة كبد الليمونة وهي تعطر دم الكون برائحتها
وقطة تلعق جسد أطفالها كل يوم
قرأت صوت الغراب الحكيم في بكاء اخوته الموتى
وبكائيات الحمام الهادلة بالعشق على نافذة الليل
وتراتيل الصمت الهادر برائحة الطل عند الفجر
قرأت سطور اللقاء الجارف العشق بين الرمل والمطر
وقرأت لهفة البحر للقمر وارتعاشاته المزبدة في حضرته
قرأت عنفوان الجبل حارس المسافات والوهن
الرازح بكهولة العالم وطفولته النيئة
وامتدادات التيه بين سراب وماء
قرأت شقاوة الأطفال
ودفء الأمهات
وارتباكات العشاق
وحكمة الزمن في التجاعيد
وتمعنت في صور الكتاب والشعراء الجانبية الممتزجة بالاغتراب والقلق
سمعت نشيجهم في خلفيات القصائد
ولمست جراحاتهم الشخصية بين السطور
بحثت بخبث امرأة فيما وراء الكتابة عن صور حبيباتهم
وملامح عشاقهن
وكعالم حفريات ماهر كنت أقرأ نقوشهم في المنطقة الأبعد من الكلام عبر مقابلة أو موقف
لأتعرفهم عراة من اللغة ضمن الحقيقي والشفيف من التكوين
كنت أصدم غالبا وبزاويتين متقابلتين جمالا وقبحا
قرأت الكثير ولكني أشعر بالجهل والمرارة كلما مات مبدع
وأنا لم أقرأ له ما يجعلني أنحني لعبوره الكثير بمعرفة تامة لرحلته المعرفية
التي فيها أشعل روحه شمعة لتضيء العالم
قبل أن يرتقي موكب النور في الغياب الأخير
وها أنا بخجل شديد أقول وداعا رضوى عاشور
2.
رحلت عن عالمنا صباح أخيرا، بعد أن أستبطأ من يعرفها ومن لا يعرفها موتها، واستكثر عليها من يحبها ومن يكرهها الحياة التي يعيشها الجميع بما فيهم المجرمون والقتلة، والأفاقون والمنافقون، رحلت بعد الكثير من القيل والقال، والجد والمزاح حول حياتها الخاصة التي لا تخص أحدا سواها، صباح المحكومة بالفرح والحب حية وميتة، فبعد أن عاشت بكل الحب والفرح الممكن والذي لم تدخر جهدا للتحصّل عليه، والاستمتاع به في الحياة، كانت وصيتها أن يكون الفرح والحب هما طريقها للوحدة والغياب الأخير الذي يتساوى فيه لاحقا الجميع، وقد حدث هذا كسابقة عربية في ثقافة تعلي قيمة الحزن والخوف على ثقافة الفرح والحب في الحياة والموت معا. رحلت صباح وظلت أسطورتها الجميلة كفنانة وإنسانة كانت محكومة بالحب والفرح والجمال حية وميتة.
3.
كان فيلم Escape Plan الذى يقوم ببطولته أرنولد شوارزينجر، وسيلفستر ستالون؛ مما شاهدته في قاعة السينما التي أحب صخبها الفني، وإظلامها المكاني، والتي لا أوفر فرصة حضور بين فينة وأخرى، ولكني بالطبع أكره صخب الحاضرين من جمهور السينما الذي يفترض أن يكون راقيا ومثقفا، وقهقهاتهم وهمهماتهم وأحاديثهم الجانبية التي تكون سخيفة أحيانا كثيرة.
ورغم أنني لا أحب أفلام الأكشن إلا أنني تورطت في هذا الفيلم لأنني كنت محكومة بالوقت. تلك الورطة التي خفت وطأتها مع المضي في الأحداث، لتصبح متعة ذهنية وروحية مع ظهور فكرة عبقرية البطل في الهروب من السجون، فقدرة الإنسان الخاصة والخارقة، تأسرني سواء عبقرية العقل أو الروح أو الجسد.
وتدور أحداث فيلم Escape Plan حول المهندس العبقرى راي بريسلن «سيلفستر ستالون» الذي يهرب من كل سجن يوضع به، وانتهى به الأمر لتأليف كتاب حول طرق الهروب من السجون.
ولذا يتم اختياره في مهمة خاصة مدفوعة الثمن الباهظ لاختبار سجن محكم لمعرفة ثغراته وعيوبه، ليعرف لا حقا إنها مؤامرة كبرى عليه، أو مهمة صعبة كما سنعرف آخر الفيلم، فيزج به خلف قضبان سجن محكم البناء،ومستغلق الثغرات بل اعتمد صاحبه في بنائه على كتابه في تجاوز ثغرات السجون (وهو ليس إلا سفينة عملاقة كما اكتشف هو لا حقا) وبالتالي فمن الصعب وربما من المستحيل تتبع ثغراته للهروب منه، وفي ورطة أكبر يعرفه رئيس السجن، فيبدأ وأعوانه تدميره جسديا ونفسيا، ومع هذا يقرر راي الهروب للانتقام من الذي زج به خلف قضبان السجن، مستخدما ذكاء شديدا لمعرفة مكان السفينة على الساحل المغربي، ومواطن ضعفها وبمساعدة السجين سواتروتماير الذي يؤدي دوره أرنولد شوار زينجر، الذي نكتشف أخيرا أن ابنته عقدت تلك الصفقة ليخرج والدها من ذلك السجن. يهربان بل ويدمر السفينة ويحرقها .
السجن الذي تخبرنا الأحداث أنه للإرهابيين، لم يعف العرب من خلال لغتهم المبثوثة في المكان كخلفية لبعض الشجارات، ولا الإسلام من خلال مشاهد الصلاة؛ من هذه التهمة الكبيرة التي أصبحت ملتصقة بنا، والتي تتفنن السينما والإعلام الغربيين في ترسيخها في عقول العالم، كما تساهم بعض الجماعات (الدينية كما تسمي نفسها) في تحقيق مآربهم في تعميقها، هذا إذا لم تكن هذه الجماعات جزء من المخطط الغربي التشويهي للدين والحضارة الإسلامية أصلا.
4.
علينا أن نعيش الحياة كضرير عاشق؛ نتلمسها، ونشمها، ونتذوقها بعمق جارح، وببطء عميق، ونصيخ السمع لهمسها، ووشوشاتها الباطنية، بهدوء وسكينة، وإيمان بالجمال والحب البعيد، والذي لا تدركه الأبصار، لنستطيع أن نكتبها من أعمق نقطة فيها، لنكتب صلواتنا الداخلية كعاشق متصوف أدرك السر فهام، أو ممسوس مجنون سبر الكثير ليقول القليل.
5.
الأوصياء يغيرون جلودهم كل مرة، فنحن عالم لا يعيش بلا وصاية، فكل فرد وصي بشكل ما على الآخر، الوصاية التي تفترض الرعاية والعناية، ولا بأس بالحجر الصحي أحيانا كثيرة.
وأن تكون في مجتمعات الوصاية فأنت محكوم بها، فكل وصاية فوقها وصاية تكبرها، وتحتها وصاية أصغر، وكل إنسان فوقه وصي وهو وصي على سواه، والجميع يفترض في الجميع سوء النية، وقلة الدراية، وضرورة الوصاية من أكبر رأس لأصغر فرد.
الموظف في جهة حكومية يمارس وصايته، وسائق السيارة في الشارع أيضا، ناهيك عن المعلم، والشرطة والأسرة .أدوار شرطية مملة ومرعبة ومقيدة، لذا لا عجب أن تجد فعل الوصاية يتجدد ويتناسل، ودوائره تتعاظم، ومخرجات أمراضه تتفاقم، وأحابيل أكاذيبه المريرة تتعالى.
فكل شخص في مجتمعاتنا مريض نفسيا بعقدة الاستحواذ والوصاية من جهة، والأحكام الجزافية وعقدة الرأي الأصوب والأنا الأعظم من جهة أخرى. وكلما عظمت السلطة زادت دوائرها في الوصاية، وكلما ضعفت الشخصية زادت عليها دوائر الأوصياء، ولذا لا عجب أننا نفرح كائنات جديدة بلا رقيب داخلي محكومة بفعل الرقابة الخارجية فقط، وفي غياب القانون يغيب الضمير أيضا.
6.
«إن ضيق أفق الإنسان الحديث يتجلى أكثر ما يكون، في اعتقاده بأنه لا يرى أمامه لغزا, كأن حكمته هي مجموع علمه وجهله معا. إنه جهل, ولكن الإنسان غير واعٍ به؛ حتى إنه يتقبله باعتباره معرفه, ففي مواجهة أعظم لغز يتصرف بعنجهية وغرور, حتى إنه لا يرى المشكلة، وفي هذا يتجلى الحجم الحقيقي لجهل الإنسان وتعصبه»
علي عزت بيجوفيتش

سونيتات 2-12

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
 

1.
«الخريف فصل الغياب، وموسم الهجرات، واستنهاض الحنين»؛ لعل هذا بعض ما تهمس به الوريقات الصفراء لبعضها في التداعي، الوريقات الصفراء التي تنسلخ من جسد الشجرة الأم بلا إرادة، أو باستجابة حمقاء لدغدغة الهواء، وجنون التحرر من ربقة الانتماء، لتذهب في جنون الوقت، وفوضى المواسم، ولتصبح في مهب الريح والأقدام، وهو أيضا بعض ما تسرّه الطيورالمهاجرة للأفق.
الوريقات الصفراء، والطيورالمهاجرة؛ تلك التي تشبه بعض البشر، في قدر المنافي والاغترابات الوجودية والكونية.
2.
رحلة رقم G9117 الشارقة- مسقط
على متن الغيم تحلق الأرواح في رحلتها الطائرة إلى الماء، وفي الماء حياة وفي اللغة ماء،ليست الرواية وهمومها وأشجانها وأحلامها سوى مدخل ما لتتلاقى الأفكار والأرواح، القليل من الكلام يتصدر الجلسات ويعتلي المنصة، والكثير منه يجلس في بهوالفندق، ويذهب في المشاوير، ويتقدم الجميع على طاولات الطعام، نقاشات تخلع عباءة التوجس والتربص والحذر، وتخفف حدة الجدية الآثمة أمام الفرجة التي تنتظر منك أن تأتي بفتح مبين.
الشارقة كأم فاتنة تفتح ذراعيها على البحر تماما، الشارقة الدافئة كمسقط بموازاة خط الاستواء، فتحت لنا قلبها المبتهج بالفرح والتاريخ والوعي والثقافة، للشارقة رائحة عبقة لا تخطئها الأرواح، رائحة عريقة مهما تمدنت، مزيج بين الصندل والماء والزعفران والعود، لعلها تختصر رائحة الجزيرة والبحر، وغناء الصيادين، وحكاية النسوة عند السيف في انتظار المحبوب.
ولها رائحة الكتب العتيقة، رائحة التاريخ والعبق الذي تتنفسه الأرواح في غنائها الذاهب في الحلم، ووعيها المتصاعد في الذاكرة والعقل. ولها حكايات البحر والتاريخ التي تثرثر بها الأمكنة أينما جلست، ليحكي لك عنه وعن تاريخه، وعن حاضره الجميل.
في الشارقة والماء والكتب ليس عليك أن تتكلم كثيرا، عليك أن تصمت لتسمع فقط وهذا ما كان في الكثير من الوقت، والقليل من الزمن قبل أن أغير الرحلة وأعود على جناح السرعة في رحلة مضادة «الشارقة – مسقط» هذه المرة.
3.
جناح رقم «3» سرير رقم 11
فجأة وعلى غير ترقب أو توقع أو حتى هاجس يخطر في بالك؛ يطعنك القدر في روحك، ويأتيك خبر أن «روحك» أصبحت في العناية المشدّدة، وأنت بين السماوات والأرض، تتحرق روحك الأرخص جنينا وخوفا لروحك الأغلى، هكذا تحدث الأشياء غالبا في مخططات القدر العجيب، هو لا يستأذنك الوقت ليصيبك في مقتل، ولا يخبرك سلفا لتتدبر أمورك، ولا يتفاوض معك لتأخذ احتياطاتك الزمنية والمكانية، إنه يطعنك في السويداء تماما وفقط.
إذن أمي ترقد في سرير المرض وأنا بعيدة عنها، يدي بعيدة عن يدها لتشدَّ عليها، وتؤنس وحشتها وتقول لها: «كل شيء سيكون بخير ياغالية»، وعيني بعيدة عن عينها لتقول لها أنا هنا بين يديك «وعينيك الأغلى من كل الكون ستكونين بخير»، وجسدي بعيد عن جسدها ليضمها بلهفة ويهدئ قلقها كما كانت هي تفعل طيلة العمر.
غيّرت رحلة السماوات للأرض، وعدت لقلبها لأطمئنه بقلبي الذي سيسكن في قلبها تماما، لتهدأ بعد عملية قاسية، أنا الخائفة أكثر منها، أنا التي لا تثق في كل شيء غالبا، ماذا فعلوا لها، وماذا سيحدث بعد ذلك؟
كنت متوجسة وقلقة وكنت أراقب عن كثب الأطباء والممرضات يعملون كخلية النحل، بجدية وإنسانية وتفان منقطع النظير، في الليل والنهار على حد سواء، ومع الجميع بذات الروح القائمة على الرحمة والحياد والهدوء لدرجة البرود أحيانا، في مكان الخطأ فيه ممنوع؛ لأنه يساوي روحا بشرية.
أتأمل المكان الذي يعيد ترميما ولأم تشظيات وجروح وكسور ووهن الأجساد الخائنة لأرواحها المتشبثة بحبائل الرحمة والأمل؛ أدرك كم أن الطب مهنة عظيمة، بما في ذلك كل الطاقم الطبي، وملائكة الرحمة.
إنهم ينقذون الأرواح ويرأفون بها، ويخففون تعبها، أمام كل هذا القتل المجاني، وقسوة الإنسان والطبيعة في كل مكان. وهل يوجد ما هو أجمل وأعظم من ذلك!
وقد جرت العادة أن نرفع أصواتنا جهرا بالقدح والذم فقط، ونكتب في الشأن العام كمن يحرك سبابته بالعنف والتعنيف، وقد تبدو حالة المديح مخجلة، كمن يتغزل بصورته في المرآة. ونمضي في الحياة مرددين قول درويش»لاشيء يعجبني»، ومستحضرين كراهية المداحين الذين علينا أن نحثَّ وجوههم بالتراب كما أمرنا الرسول الكريم.
لكن في وقت ما يجب أن نستشعر الامتنان ونقدم الشكر ونلهج بالمديح فعلا. وقد كان عليَّ أن أفعل ذلك، أنا التي صرخت بصرامة في وجه أخوتي عبر المسافات البعيدة خارج المكان؛ «لا يمكن أن تعمل عملية في محل الجزارة ذلك أبدا.عليكم أن تأخذوها لمستشفى خاص» مستحضرة كل القصص التي تناقلتها الألسن والأجهزة عن الموت الجاهز المتواري خلف مبضع الأطباء في أبسط عملية جراحية يقومون بها فيه، وتتهادى أمامي روحا جدي وجدتي المغادرين قبل وجع قريب. ولذا وحين كان لابد أن يوقعوا؛ فعلوا دون أن يخبروني لأن الطبيب رفض أن تخرج من المستشفى؛ لأن ذلك خطر على حياتها، ولكنني بعد أن رجعت لأقيم معها كانت الصورة تختلف تماما .
أخجلتني تلك الابتسامة على كل وجه يواجهك في مرايا المكان، وتلك التحية الرائعة من ملائكة الرحمة؛ وكلمة أمي التي تنادي بها بعض الممرضات أمهاتنا الكبيرات الضعيفات في وضع المرض. وحضورالأطباء بحنان الكبير واهتمام أغلبهم بالتفاصيل الصغيرة للمريض، والإصغاء لتأوهاته بلا ضجر ولا ملل. وأشياء أخرى كثيرة .
كانت أمي النائمة بين أيديهم تشعر بالطمأنينة .. وأنا أشعر بها .
نعم إنهم يستحقون الثقة والتقدير والمديح. إنهم ملائكة الرحمة ويد الله البيضاء في هذا العالم المتشح بالكراهية السوداء في كثير من الأحيان في مقابل القليل من الحب والرحمة. يقومون بأدوارهم الإنسانية بصدق ومحبة خارج نفعية المادة، أو حتمية الفعل القائم على الجبر أو التملق.
إنساننا الجميل يبهرنا دائما، ويوثق علاقتنا بالحب والخير والجمال، خرجت أمي من المستشفى، وظلت ذاكرة المرض والموت عالقة بالجناح الذي لن يحلّق بل سيستقبل الأرواح الخائفة من التحليق نحو الغياب، وبالسرير الذي سيتقبل مريضا آخر، جسدا موجعا وروحا خائفة، وأملا بالشفاء على يد جند الله المجهولين في المستشفيات.
4.
«الحياة معسكر تدريب للوصول للحياة الأخرى، لكن التدريب يكون أحيانا أكثر مما ينبغي»
كانت هذه العبارة الرائعة من فيلم Odd Thomas والتي تصلح حكمة إنسانية عميقة وجارحة، هي أجمل ما قيل في هذا الفيلم، على لسان بطله، ستورمي اود، الذي يتمتع بقدرات خارقه في رؤية الأرواح الشريرة التي تحكم العالم ضمنيا، ولا يراها الجميع، بل أفرادا تنتقيهم العناية الإلهية لمساعدة البشرية في مواجهتها، ووأد «الغريب» منها، ولذا آمن برسالته في تخليص العالم من شرها، وحاول بكل صدق مواجهتها، وتحديها، حتى خسر حبيبته، وتوأم روحه في تلك المواجهة الكبيرة والتي انتصر فيها، ونجح في مهمته العظيمة.
بينما لم يقل فيلم «Babadook» الذي يعرض في السينما حاليا شيئا، مع أنني كنت أحاول جاهدة أن أخرج بفكرة صغيرة أو فائدة ما، توازي قيمة مبلغ التذكرة، والوقت الذي قضيته في محاولة فهم الرسالة التي يريد الفيلم أن يقولها لنا، خارج الشتات الذي أوحى لنا به بين المرض النفسي للطفل، ثم للأم نتيجة فقد زوجها، ليصل بنا في النهاية لفكرة أنهم يعيشون في بيت مسكون، تتحكم فيهم روح شريرة تحاول النيل منهما، ولكنهما يواجهانها بكل قوة وثبات وإيمان، وهي فكرة باتت مكرورة وجاهزة جدا، حتى يستحيل تقبلها واستيعابها ناهيك عن التعاطف معها أو تقديرها. ومازلت أتساءل عن جدوى صناعة أفلام كهذه، وتصديرها للعالم لرؤيتها، وعن المعايير التي يجب على القائمين على اختيار الأفلام في دور السينما وترجمتها للعرض في بلادنا، سيما والكثير من الأفلام التي تعرض، تخرج منها وأنت خاوي الوفاض، وحزين على مبلغ المال والوقت الذي أضعته.
5.
كما كانت تبدو عظيمة وهي تقاوم السقوط لتموت واقفة، وتستسلم للقضاء، وتحتسب بخشوع، وتذهب للموت بإيمان وصبر، لتقدم درسا كونيا لكل عابر لها، وتجبره على التوقف والتدبر في النهاية. تلك الشجرة منكسرة الظهر والروح، التي أخذ الإنسان منها حاجته وقرر التخلص منها، كي لا تؤثر على مظهر كيانه الإسمنتي الجديد، ولكنها تأبى ككل الأشجار إلا أن تموت واقفة،كالأمهات اللاتي يكسرهن الزمن والأبناء أحيانا.
6.
نفس الابتسامة التي طالما سحرتنا على الشاشة، ذلك الدفء الكامن في الروح، والذي ينبثق من الثغر كشمس خرافية محملة بالبهاء، والطاقة والفرح. ناهيك عن أدواره الكبيرة التي كتبت تاريخا من الفن والوعي والجمال في الذاكرة العربية.
أمير السينما السورية «جمال سليمان» في عمان ذات يوم .. وفعلا لكل امرئ من اسمه نصيب.
7.
«يستطيع أي أحمق جعل الأشياء أكبر وأكثر تعقيدا، وأكثر عنفا. ولكن الأمر يتطلب لمسة من العبقرية والكثير من الشجاعة، للتحرك في الاتجاه المعاكس»
إرنست شوماخر

السبت، 29 نوفمبر، 2014

محمد الحارثي في «تنقيح المخطوطة»: الرواية بلا حكاية والشخوص كتّاب أنفسهم

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
الرواية ليست حكاية متنامية الأحداث والشخوص، واضحة الحبكة والنهاية، ولا حتى حكايات عدة متداخلة ومشتبكة في مؤدى واحد، يحركها الروائي أو عبر انتقاء سارد عليم، بل هي حالة لغوية متصاعدة ومتداخلة ومتناقضة أحيانا كثيرة، وشخوص عدة ـ ليس عليهم أن يكونوا حقيقيين تماما ـ يسهمون في كتابة روايتهم بأنفسهم، فلا يكتفون بدور المتحرك السردي عبر لغة الراوي أو السارد، إنهم ذاتهم كتّاب الرواية ومحركو أحداثها باتجاهات فنية واجتماعية تخصهم، وهم بكل حمولاتهم الاجتماعية والثقافية والنفسية، وكل مرموزاتهم الفنية، أصابع وكلمات متمردة على النص والكاتب، بحيث لا تكتفي بدور المتفرج على الأحداث من بعيد، ولا تنصاع لحركة الكتابة من داخل النص، ولا لوعي وفكر الكاتب، ورؤاه البعيدة والقريبة، وحبكته الفنية التي يؤزّمها بين الفينة والأخرى، ويفرجها متى شاء، فقط. فهم ليسوا خاضعين للنسق الفني الروائي، ولا للإيقاع المتصاعد في متن الرواية، بناء على عصا الروائي التي يحرك بها رياح النص وأجواءه وفق فكرة داخلية جاء بها مسبقا لكتابة نص سردي، وربما تنامت وتغيرت ضمنيا مع نمو الشخوص وتحركات الأحداث، بل لهم كل الحرية في الكتابة والتغيير والمحو والتدوين متى ما أرادوا ذلك.
وبالتالي فالرواية صنعة فنية محكمة السبك، متفاعلة الأداء، تشبه لوحة سريالية تتمدد الألوان فيها، وتذهب في التناقض والالتباس، أو رقصة جماعية محكومة بالكل في أدائها وحركتها وفرديتها. هكذا يريد أن يقنعنا محمد الحارثي في روايته «تنقيح المخطوطة»، أو يضعنا في مواجهة الأمر برمته، في حالة قلب تامة لمعايير القراءة الداخلية لدى كل منا، تماما كما أحدث قلبا لمعايير الكتابة الروائية وقواعدها المعروفة سلفا، والمتفق عليها ضمنيا من قبل الكتاب والقراء، وبالتالي فهو يتركنا في ذهولنا حتى نهاية الرواية تقريبا، ووفق استعداد كل منا لتقبل رواية مختلفة، واستيعابه لتعددية الرواة في النص، فهو يقدم رواية مربكة في شخوصها وأحداثها وحبكاتها، ورواتها المتعددين والمتذبذين في الظهور والاختفاء، كسمفونية متعددة الآلات والعازفين والأصوات والحركات والسكنات، تعلو وتهبط ولكنها تمثل عملا واحدا يقنعك في النهاية بقيمته وفحواه.
فرواية «تنقيح» التي تبدأ بحكاية سلسة وواضحة حول الدكتور الجيولوجي، القارئ النهم الذي قرر بعد زمن من العمل الدؤوب والمميز، والذي حاز من خلاله على المال والتميز؛ أن يتقاعد ويتفرغ للقراءة، مدرجة (أي الرواية) تفاصيل حياته الدقيقة في العمل، وتميزه فيه بل والكثير من المعلومات العلمية الجادة والصارمة حتى لتصبح زائدة على السرد، كما تذكر حياته الشخصية التي توجت بزواج لم يدم طويلا نتيجة الاهتمام الكبير بالعمل، وطفلين، يذهب الولد في الاتجاه الديني، في حين تظل البنت «شمس» قريبة منه وقد تخصصت في الفنون التشكيلية، ومتسقة مع روح والدها القارئ والمختلف.
وهي حكاية طبيعية بكل ملامحها ورؤاها، وتفاصيلها الدقيقة التي لا تدخر الحياة لبطلها ما يمكن من الاحباطات والانكسارات لتلوّن به حياته، وتجعله يذهب في العزلة والانقطاع للقراءة والتأمل، وبالتالي فهو بؤرة أو أساس لعمل روائي طبيعي، حتى تظهر لنا شخصية أخرى هي شخصية الصيرفي الأصلع الذي وصلت له «المخطوطة اللغز» التي تحكي حياته بالكثير من التفاصيل الدقيقة، وببعض التغيير في المسميات والشخوص فقط. الصيرفي الذي يستغرب كيف سطا أحدهم على تفاصيل حياته الدقيقة، بكل هذه الرعونة والوقاحة، ويغضب لتجرؤه على ذلك، وخاصة على حلمه الغريب الذي يعتبره حالة خاصة، يحاول دائما كبته ومنعه من التحكم في حياته بعد أن ضاق به كثيرا، وأتعبه بما يكفي وأذهب نومه، ولم يعد يلذ له عيش ولا حياة حتى حبسه ذات يوم في علبة معدنية (والرواية هنا تستحضر فكرة الجني الذي حُبس في الخاتم أو في المصباح).
وبعد الغضب، ومن باب المكايدة للكاتب الأول الذي لا يعرفه، ولم يستطع التواصل معه بأية طريقة ممكنة، يقرر الصيرفي كتابة قصته الخاصة التي ربما ليس فيها الكثير من التشويق، ولكنه كأي إنسان عادي يعتقد أن في حياته دائما ما يستحق الاطلاع عليه، ومن هنا تبدأ لعبة الكتابة الغريبة التي أرادها الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
ففي الجزء الأول للرواية «المخطوطة»، وفي أحد عشر فصلا، ستكون الكتابة أشبه بلعبة سردية، غريبة الأحداث والحبكة والنماء الروائي، ولن تكون على يد كاتب واحد، وستدخل بالقارئ في ممرات سرية قد لا تكون واضحة تماما، أو حتى منطقية جدا في بعض الأحيان، فيتعدد الرواة الذين يتصدون لإكمال هذه المخطوطة: الحلم، والتفاحة والمسمار، والشخص الخامس… ليخرج القارئ للرواية من هذا الجزء باضطراب وحالة من الارتباك العميق وكأنه غير مقتنع، أو قابض على فكرة أو حكاية، وربما أصابه الملل والضجر من ذلك، ليجد نفسه لاحقا في الجزء الثاني من الرواية، «التنقيح»، أمام حكاية أخرى تحتوي الحكايات السابقة معا، وتتحكم في مسارها بشكل أكثر دقة وشمولا: في مواجهة شخصية كاتب قصص معروف، وصديقه الناقد الذي يحاول أن يقنعه بضرورة كتابة رواية، وندرك أن الفصل الأول من الرواية هو كتابة الكاتب عن صديق له، والفصول المتبقية هي محاولات الناقد مساعدة صديقه في استكمال الرواية، عبر تسجيل وتدوين ما يقوله في جلسات العلاج النفسي، أو عبر التدخل المباشر والكتابة الفعلية في أحد الفصول، أو باختراع شخوص تسهم في تطور ونمو الرواية.
ورغم أن الرواية في الفصول الأولى تصيب المتلقي بالضجر والملل عبر محاولة فهم المضمون، وتتبع الأحداث، واستيعاب الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها، وملاحقة كتابة شخوص عدة يحاول كل منهم تحريك مسار الرواية في اتجاه حكايته الخاصة، أو بمحو وتحريف ما كتبه الآخرون، كما عليه أن يقتنع بكتابة بعض الأشخاص غير الحقيقيين، مثل تفاحة ـ التي هي «مغيبة» أو شخصية برزخية بين الحضور والغياب. وهي فكرة غيبية، ولكنها حاضرة بقوة في الثقافة العمانية، وهذه الشخصية الغريبة تتفاعل مع شخوص الرواية، بل ولها حياة خاصة، وعواطف بحيث تعشق وتتأثر وتتعاطف ـ إلا أن الجزء الثاني من الرواية حاول أن يستجمع الخيوط الفنية إلى بعضها، ويفسر كل الأحداث بصيغة واقعية. ذلك جعل الجانب الطبيعي والإنساني يطغى على التهويمات والخروجات على متن النص البعيد في أجزاء منه عن الحياة والمنطق الإنساني، مما يجعل القارئ يتقارب مع العمل بشكل أكثر تفاعلية، فيربط الأحداث بخيوط طبيعية بعد الكثير من التحليق، ويفهم الحكاية، ويتعاطف مع الكاتب الإنسان في عزلته، ومحاولاته الجادة للكتابة والحياة، ثم في الخاتمة يستحضر الحكاية كاملة، متفهما أفكاره وروحه ومرضه بالسرطان، ثم موته منتحرا بهدوء وسكينة.
فالكاتب الذي يعرف أنه مصاب بالسرطان، لا يجزع ولا يحزن بل يقترب من ابنته شمس، ويهديها السيارة التي كانت تحلم بها، ويقرّب بين تفاحة ومسمارها، بتزويجهما بمفتاحين من آلته الكاتبة «ت، م» كرمزية لاكتمال الحياة، واكتمال العمل، وربما في بعد آخر ليجعلنا ندرك أنهما كائنا لغة فقط، ولذا فهما يتزوجان ويعيشان في امتداد اللغة، وغموض الفكرة، ثم يسعى لينهي حياته بهدوء عبر شرب كمية مبالغ فيها من الأدوية، فيموت وحيدا في بيته كطائر عاش وحيدا ويحلق وحيدا، تاركا وصية لصديقه الناقد للاعتناء بابنته، ونشر مجموعته القصصية الأخيرة، وعدم نشر المخطوطة باسمه، بل باسم أي كاتب آخر ممن يتهافتون على الحضور والظهور حتى بادعاء الكتابة.
ويمكننا القول أن هذه الرواية مثقفة، بفتح القاف أو بكسرها، فهي تستحضر الفن التشكيلي والموسيقى والكتب بشكل عميق، بدءا من المكتبة بكل ما تحوي من كتب قيمة وأسماء أدبية، يبثها السارد وهو ينظر لرفوفها الزاخرة بالمعرفة والجمال، في حكاية الدكتور وحبيبته الفنزويلية التي ماتت قبل اكتمال مشروعهما الإنساني، إلى ما يلي ذلك من أسماء لكتب وكتّاب تتداعى عبر متن الرواية في أكثر من موضع.
كما تستدعي الرواية فكرة رسالة الغفران في الأبدية أو الحياة البرزخية، فالكاتب الذي كان على وشك الموت غرقا كما تمنى أسوة بمن يحب من كتّاب انتحروا بهذه الطريقة، لولا أن أنقذه نادل شاب في المنتجع السياحي بهمة عالية وعزيمة قوية، وقبل أن يعود للحياة جلس على مقهى الأبدية في الجنة أو البرزخ مع أعظم شعراء العالم ورواته في الفصل الذي روته تفاحة عنه، وتبادلوا الأحاديث ونخوب الحياة الأخرى.
كما تستدعي هذه الرواية، عبر تعدد الحكاية والحبكة والشخوص، رواية «ملاك الجحيم» لأرنستو ساباتو، الذي أجرى حواراته على لسان شخوص رواياته السابقة، ليجعل من روايته مجالا للتأملات الفلسفية التي يجريها بينهم وبينه، كأحد شخوص الرواية فقط، أكثر من كونها حكاية بكل مضامينها المتعارف عليها. فساباتو في روايته تلك، تحرر من سائدية الأعمال، ونمطية الحكاية والحياكة الروائية، وجاهزية الفكرة العامة، بابتكار شكل آخر، ربما بدا غريبا على ذائقة المتلقي ولكنه كان قادرا على تحميل الرواية الكثير من العمق في اللغة والمعنى والأفكار. وهذا تماما ما فعله الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
محمد الحارثي: «تنقيح المخطوطة». دار الجمل، بيروت 2012. 342 ص.
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 25 نوفمبر، 2014

سونيتات 25- 11

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
1.
لأنني كصياد ماهر أبحث بعين حادة، واقتناصات جزئية عميقة، عما يدفعني للصراخ في أعماقي نعم «على الأرض ما يستحق الحياة» لأهب للحياة الباردة بعض الدفء، وللقبح ما يصدّه من الجمال، وللكراهية ما يسعفها من الحب، ولليأس ما يشعله من الأمل، وهي اقتناصات خاصة بي، وقد لا تعني أحدا سواي، وهي قليلة على كل حال، ولكن الحياة لا تبخل عليّ بها غالبا .
ففي إحدى الصباحات الضجرة كالعادة، كانت هدية الله والحياة لي؛ منظر بهي يشق الروح من الأعماق، ويسعفها بالفرح الجارح، فقد رأيت رجلا وامرأة من ذوي الاحتياجات الخاصة، «الصم والبكم» ، يمشيان معا في «المول» الكبير بخفة متناهية، وفرح عميق وخاص، كان دفء عالمهما الداخلي لا يجعلهما يوليان أي إنسان اهتمامها المحصور بينهما، وبين متعة التجوّل والتسوق، وبلغة الإشارة الخاصة يقولان كل شيء بمنتهى البساطة، ثم يضحكان من أعماقهما، المرأة تحكي بأصابعها، والرجل يسمع بعينيه، ويتبادلان الحال لاحقا، ثم يقهقهان بفرح حقيقي وصادق، ولأن صوتهما تحوّل لإشارات، فهما في مأمن من الضجيج والفوضى الذي يجذب العيون الفضولية غالبا.
تسربت ضحكاتهما إلى روحي تماما، وشعرت بالفرح العميق لهما، وحملتهما في قلبي صلاة، رقيت حبهما وقلبيهما الكبيرين، وحياتهما الجميلة التي لم يخرسها الصمت، ولم يثقلها العجز، ومضت في الحياة بأجمل تجلياتها، وبأدق تفاصيلها الصغيرة، وحناناتها المشبعة بالحب والفرح، ابتسمت لهما بحنان إنساني وغادرت المكان.
شعرت أنهما قصيدة عمودية من شطرين تماما. وليس هناك ما يعيقهما عن الحياة، بينما يعيش بيننا الكثير من المرضى والمعوقين وهم بكامل حواسهم، فالحب الذي بينهما والذي لا يخجلان منه، كم منا يفتقده، أو يتورع عن إظهاره، أو لا يجيد الحياة بالارتفاع اللائق بسماواته العالية، وتلك الضحكة الخارجة من شغاف القلب وسويداء الروح كم منا يتمنى بعضها؟!
2.
«Six Days Seven Nights»
القوى الخفية للإنسان مبهرة وجبارة لا يدركها حتى هو نفسه، ولا تظهر إلا في المواقف المتأزمة والخطر المحدق بالحياة، والأمر لا يستثني المرأة حتى لو كانت صحفية في مجلة مختصة بشؤون المرأة، والجمال والترف الأنثوي النازع للتوافه من الأشياء أحيانا.
والحب يمكن أن يحدث بالقرب من الموت تماما، إذا كانت الكيمياء الداخلية موجودة، وأشياء أخرى رائعة وحقيقية، قالها هذا الفيلم الممتع بوجود الحسناء «آن هايتشي» والعجوز المرعب «هاريسون فورد».
3.
مسقط حين تكون غائمة تشبه امرأة غامضة، رائعة وصامتة، حسناء بمسحة حزن شفيف يصبغ ملامحها الطيبة، أو كقصيدة حائمة فوق رأس شاعرها، لا تريد أن تتشكل في طين الكلمات، لكنها صالحة لكل التأويلات البعيدة والمحتملة.
أما حين تأذن السماء باغتسالها بالمطر فهي تصبح امرأة مجنونة تماما، وتصيبنا بعدوى الجنون اللذيذ، فعني لا أعرف أي جنون يتلبسني حين ينزل المطر، تتيقظ حواسي كلها دفعة واحدة، وتصبح روحي خفيفة أكثر مما ينبغي، حتى أخشى أن تحلّق عني بعيدا ذات مطر، ويستيقظ أموات العالم كلهم في دمي، ويتجمع أطفال العالم، وقططه وعصافيره ومجانينه جميعهم تحت مسامي، ويتلبسني فرح العالم كله دفعة واحده، وتشتعل موسيقى الكون بكل أطيافها في قلبي في لهفة واحدة، وتتحد روحي مع كل هذا في شغف الحياة والكون كله في رقصة المطر، مطر .. مطر .. مطر.
فيا أيتها السماء أطلقي أساريرك وأسرارك على أرواحنا دائما وأبدا، لنغتسل بالفرح، ولتصفو أرواحنا قليلا خارج هذا العبث الكوني الكبير المحيط بنا.
4.
أ.
«أعيش لأروي» ماركيز
وقد عشت، ورويت، كأجمل ما تكون الحياة في اللغة، واللغة في الحياة، وآن لروحك الطيبة أن ترقد بسلام، وداعا ماركيز صديق اللغة والعزلة.
ب.
صباح زوين ما إن دخلت صفحتك على الفيس بوك ووجدت تلويحات أصدقائك بالوداع، حتى أصابني ذهول المغشي عليه من الهول، ومن الفقد الذي لا يمهد للغياب، كيف تنسلين من كل هذا الوجود الحقيقي والافتراضي بكل هذه الخفة، وتخرجين على أطراف أصابعك كما يليق بشاعرة متمردة، لا تريد أن ينتبه العالم لعبورها الجارح وقرارها المفاجئ بالرحيل الأخير، ربما كي لا يحاول أحد أن يثنيها عن عزمها أو يتشبث بثوبها بعشق ويسألها البقاء ؟
صباح الشعر والأمل هنا وهناك، يا صباح اللغة البهية.
ج.
صوت فيروز يبكي، القصائد يعتصرهن الوجع، والأغنيات حزينات قليلا، ولكنهن سيبتهجن كثيرا لاحقا، وكل يوم حين يتبادلهن العشاق ويغنيهن المحزونون، ويرقص عليهن السهارى. فلا يغيب من يسكن القصيدة، أما القصائد فهن منذ رحيلك يرفعن أصواتهن من قلب الأغنيات تماما، من حنجرة فيروز، ومن لحن يعبر الطريق مطرقا، لتقول بكل الشعر والحب ..»وداااعا جوزيف حرب».
د.
صوت عظيم ممتزج بالروحانية، والصفاء في تصاعداته الصوفية، وتجلياته السماوية، وتلمسه لأنوار الرب المنعكسة في صفحات الأرواح و شغاف القلوب، ذهب عن دار الفناء لدار الرجاء، مع أن الكثيرين منا لم ينتبهوا لذلك الذهاب المتحد مع المعرفة، والصاعد لها، كما لم ينتبهوا للحضور الروحي المتجسد في جسد هزيل، يشفع له صوت رخيم، وحنجرة ذهبية تصدع وتصدح باسم الرب، وترتقي للدهشة في الملكوت، وتناغي الجمال العلوي، وتجسّد تفاصيل إبداع الخالق.
إنه الشيخ أحمد التوني الذي يعد من أشهر منشدي صعيد مصر، يطلق عليه لقب «ساقي الأرواح» و»سلطان المنشدين». التوني الذي يسمع بالأرواح فقط حيا وميتا، وتبكي عليه الأرواح إذ غادر صامتا هذا العام.
هـ.
عبد الوهاب المؤدب، كيف لي أن أصدّق هذا الغياب المفجع، ورائحة حوارك الدافئ والمنكّه بشاي أخضر بالأعشاب في سيت 2012بالقرب من البحر تماما، لا تزال عالقة في الذاكرة، تلك الرائحة الممتزجة بوعيك العميق، وثقافتك الجارحة، وإنسانيتك الرهيفة، وروحك الطيبة، حول الشعر، والثقافة الإسلامية، وتلاقي الحضارات وغيرها من موضوعات جارحة وحية.
وداعا أيها المفكر، والكاتب، والشاعر الكبير والجميل، والمناضل بوعي صادم في سبيل الفكرة والإنسانية. وكأن الموت يختار الأجمل أيها الجميل. لروحك السلام والرحمة. وللفكر العربي كل الفقد الجارح، والحزن الموجع لغياب قامة فكرية لن تتكرر.
و.
إنها تلويحات متباعدة .. أو محاولة متأخرة للبكاء
5.
في الصباح الذي ينهض فيك، أو تنهض إليه باكرا جدا على غير عاداتك الراكنة لدسه في معترك حلمي أو دفء أكثر هدوءا من صخب باكر، في مثل هذه الارتباكات الزمنية الخارجة على قوانينك السائدة تتفتح روحك وجسدك وحواسك فيه على بكارات الأشياء التي لم تعتد معانقتها طرية وطازجة، فتنظر للصباح كنظرة الغريب لمكان تصافحه روحه لأول مرة، بدهشة ووجل وبضع شجن.
كل شيء جديد ومختلف، البيوت الأشجار، الشوارع، البشر، السيارات، الابتسامات المتباطئة، الحركات المتثاقلة. كل شيء في لذة النعاس المثير، والمحاولات الجادة للخروج عليه والانفلات المرحلي من براثن السكون والهدوء، للولوج في معترك الحياة واحتمالاتها الواسعة.
في الصباح الباكر، تبدو الألوان ناصعة والأصوات خافتة، وحدها الرائحة تثقب الروح; رائحة القهوة والخبز، ورائحة الحنين المغلف بالصمت للبعيد، ولما لا نعرف في المكان والزمان والجميل كالطفولة والأمل.
في الصباح الباكر ليس عليك أن تتذكر الألم الذي يعصف بالكون من كل جهاته، فأنت في تعشقات الخدر، ولذه السرنمة الغائمة، فقد لا تشعر حتى بجسدك كاملا، إلا بعد وقت من الصحو،
ولذا وأنت تعانق الحياة بنصف حضور، وانبهار تام، ودهشة مورقة بالمحبات، وتشرب للجمال النيئ، تهتف روحك من أقصاها إلى أقصاها؛ أيتها الحياة بكل تناقضاتها، ودروبها، واحتداماتها وصخبها، وتشظياتها وبشرها وكائناتها.. صباح الخير.
6.
(مجموعة إنسان) أغنية رائعة لمحمد عبده، خارج الكثير من الجاهزية والاستهلاك في فكرة الحب والعتاب، واللوم، والشوق، والفراق، في الأغنيات التي لا تسبر الأغوار، ولا تقترب من الإنسان والحياة والأفكار الكبرى في مداها البعيد وأبعادها الروحية والفكرية.
وكأن على كل الأغاني والأشعار أن تدور فقط حول فكرة الحب بأطروحاته الساذجة والمجانية، أحيانا كثيرة. .
أما في الثقافات الأخرى فالأغنيات تربط العشق بالطبيعة والكون والفصول والحياة والأفكار الكبرى وتوظف الكلمات لربط الطبيعة بالإنسان، ولكن للأسف هذا قليل في الموسيقى العربية المكررة حتى الملل فكرة الحب واللوعة والفراق .
هذه الأغنية الرائعة تبتعد عن ذلك البعد الاستهلاكي للروح، وتذهب لسبر إنسانيتنا، وحيرتنا الوجودية الكبرى، وقلقنا وارتباكنا في فهم ذاتنا الأعمق .. لأننا جميعا « مجموعة إنسان» .
7.
«ميّت هو ذاك الذي يصبح عبداً لعاداته، مُكرِّراً نفسه كل يوم.
ميت هو من يتخلَّى عن مشروع قبل أن يهمَّ به.
ميت من يخشى أن يطرح الأسئلة حول المواضيع التي يجهلها، ومن لا يجيب عندما يُسأل عن أمر يعرفه.
ميت من يجتنب الشغف، ولا يجازف باليقين في سبيل اللا يقين، من أجل أن يطارد أحد أحلامه»
بابلو نيرودا

السبت، 15 نوفمبر، 2014

نسوة الموت .. نسوة الحرية


فاطمة الشيدي
 القدس العربي
 
وضع  المرأة العربية أو المسلمة يثير –غالبا- الكثير من الحنق والشجن العميق والوجع الخفي لدى كل ذي وعي، فهي بؤرة المسكوت عنه من ظلم وقهر وانتقاص للحريات في بلداننا التي لا يعرف مواطنوها مفهوم الحرية أصلا، فهم مقيدون بسلطات كثيرة كالدين والسياسة والأعراف المجتمعية، وغيرها من السلطات المتجذِّرة والمتجددة التي تحجب عنهم الرؤية، بلا محاولات للتفكيك أو الفهم غالبا.
 غير أن المرأة هي الأكثر امتثالا لشروط هذه السلطات متحدة، وبمشروعية شرعية وزمنية ومكانية تجعلها الأكثر خضوعا، ورضوخا، وربما تقبلا وانصياعا لها، لأنها لا تعرف غير ذلك، وقد لا تحاول أن تعرف، وحين تقرر –من تحاول التحرر من خوفها الداخلي وعبوديتها التاريخية- أن تخرج على تلك السلطات سيكون هناك ألف سيّاف، وألف سيف يقتص من محاولتها تلك، بكل السبل وأبشعها كالقتل الحقيقي بإزهاق الروح،  أو القتل المعنوي بالتشهير والفضح لقصقصة أجنحتها، وجعلها عبرة لكل من تحاول لاحقا .
المرأة التي ما تزال محبوسة في أطر الرغبة، وهوامش الانتفاع منها جسدا، وروحا، بإرادتها أو بدون وعي لما تفعل، وبعيدة كل البعد عن النظر لها كإنسان كامل الأهلية والإنسانية، مكتمل الحرية والعقل، حري بالتقدير والاحترام، مهما بلغت درجة وعيها، أو علمها، أو مكانتها، فهي في نظر المجتمع (مجرد امرأة)، وكم هي محظوظة من تجد بعض من يؤمن بها، وبمكانتها وإنسانيتها، لتتمتع ببعض الحرية الناقصة والمختصة في دوائر معينة صغيرة، داخل الدائرة الكبيرة الخانقة والمؤطرة.
ولاشك أن الألم والوجع والغثيان والقهر والغضب، المتعلق بالمرأة العربية والمسلمة عميق وسحيق في الزمني والمكاني العربي، إلا أنه يحضر ويتصاعد كلما ظهر جديد على الساحة، كما حين تبصر دموع نساء الربيع العربي -في معظم أقطاره الحاضنة لثوراته- ذلك الربيع الذي روته النساء بدموعهن ودمائهن، مضحيات بأوقاتهن، وأطفالهن شهداء، حالمات بالحرية والعدالة والمساواة في كل شيء من لقمة الخبز حتى الحقوق الإنسانية، إلا أنه سرعان انقلب عليهن (هن تحديدا)!، ليكون شتاء صقيعيا لأحلامهن وحرياتهن، ليخرج عليهن منه مدعو الدين، ليسحقوا حرياتهن، ويسرقوا أحلامهن، ويعيدوهن لعصور النخاسة جوارٍ للبيع والشراء، ولعصور الظلام عورات واجبة الستر والإخفاء.
يتصاعد الألم  والوجع والغثيان والقهر والغضب معا، والجميع يتناقل فيديو المرأة التي رجمتها داعش، بكل وحشية، وظلم، وهم ينصّبون أنفسهم آلهة في الأرض، ويقتصون من ضعف المرأة، ومن قلة حيلتها، وهم يتناسون رحمة الله الواسعة، ويجعلون من أيديهم القذرة أداة للبطش باسمه الرحيم والحليم وواسع المغفرة.
يتصاعد الألم  والوجع والغثيان والقهر والغضب معا، حين تقرأ رسالة "ريحانة جبري" إلى أمها، تلك الرسالة التي أبكت الحجر والأرض والسماء، الفتاة التي كانت جريمتها الكبيرة أنها دافعت عن شرفها، فيقطف رأسها المحمل بالشرف والعزة والكرامة، وبأحلام الطفولة والشباب والغد الذي كان عليه أن يقبل بكل هدوء وفرح وحب، فأين الشرف في ذلك، وقد زرعوا في كل طفلة شرقية، أن الشرف هو الروح والحياة، وأنها يجب أن تدافع عنه حتى آخر رمق، فلماذا اختلف الحال هنا؟، وأين العدالة والقانون؟ أم أن القانون الذي يطبق على النساء مختلف وناقص، كحقوقهن الناقصة أبدا، وكإنسانيتهن وحريتهن، وعقولهن في أعراف القبيلة العربية وما جاورها وما شابهها في الوعي والحضارة، والتي مهما أظهرت من مظاهر المدنية، ما تزال بعقدة الذكورة لا ترى في المرأة في سوى مادة رخيصة للمتعة، واللذة، والتضحية بها متى ما استدعى الأمر ذلك؟
يتصاعد الألم  والوجع والغثيان والقهر والغضب معا، حين ترى الحقوق الناقصة للمرأة في العمل والحياة، والموت أحيانا، حين تسرق طفولة الطفلات بحجبهن عن الحياة، ولفهن في بدايات التفتح البكر في قماش يعيق حركتهن ولعبهن وأحلامهن، وحين توهب أعمارهن الصغيرة وأجسادهن الغضة وأرواحهن الشغفة بالحياة واللعب فقط، لمن يغتصبهن شرعا باسم الله والدين وهن في عمر التفتح والفرح بلا نضج ولا فهم للعبة الحياة القاسية، ودون مشورة أو رأي، وحين تحرم فتاة من تعليمها ومن مصدر قوتها المستقبلي باسم الشرف، وحين يفرق بين الرجل والمرأة في الأجر والعمل، وحين لا تستطيع امرأة أن تتخلص شرعيا من رجل يؤذيها ليل نهار، أو يدخل عليها فتاة في عمر أطفالها لتكون ضرة لبيتها وحياتها وجسدها وروحها، وعليها أن تتقبل ذلك، فقط لأنها امرأة وهو رجل، ويحق له كل شي، ولا يحق لها أن تعترض، أو لأنها لا تملك مالا تفتدي به نفسها، فهي لم تحتط لنفسها إلا بالحب والتفاني لخدمته، والقانون أو الشريعة أو كلاهما معا لا ينظر سوى في أحكام الخلع والمال الذي يجب أن تدفعه، ولا ينظر للعمر والجسد والروح الذي أفنته، وحين يبصق أو يصوب رجل كلمات الطلاق الثلاث في وجه زوجته، أو عبر وسيط ورقي أو رقمي بلا تقدير ولا تمهيد ولا محكمة، ولا شهود  ولا حوار، يليق بسنوات العشرة، أو بإنسانية هذا الشريك الإنسان الذي هو امرأة، وبذلك العهد المحفوف بالحب والفرح والتقدير الأولي بينهما .
يتصاعد الألم والوجع والغثيان والقهر والغضب معا، حين ينصّب المجتمع باسم الدين الرجل وصيا على المرأة في حركاتها وسكناتها، لبسها وسفرها، جسدها وعقلها (هذا إذا استطاعت التفكير في مجتمعات القهر والكبت) وعلى حياتها، وربما على موتها حين عليه أن يوقع بالموافقة -كولي أمر -على أن تجرى لها أي عملية جراحية، أو الخضوع لأي علاج يهب لها الحياة، في مقابل أن يمنحها هو هبة مجانية للموت.
وحين باسم الدين تصدر الدولة القوانين التي تمنع المرأة من العمل، أو من سياقة السيارة أو من السفر،
يتصاعد الألم والوجع والغثيان والقهر والغضب دائما وكثيرا في مجتمعاتنا المريضة بجسد المرأة،  ولا تشفع لكل هذا الألم والغضب جائزة نوبل التي تمنح بين فينة وأخرى لامرأة من بلاد القهر حتى لو على سبيل المواساة والتشجيع، ليتغنى بها المتغنون، دون أن تزرع وتربى في المرأة القوة الداخلية لاستشعار إنسانيتها والتمرد على تلك القيود والخروج من الإطار، أو بتغيير السياسات وقوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالمرأة نحو الحرية والمساواة والعدالة.
وحدهن المقاتلات في "عين العرب" كوباني بجمال أرواحهن، وعزيمتهن الجبارة في الدفاع عن الحياة والحرية والجمال؛ من حركن في قلوبنا الأمل والفرح، وقدمن الدليل الحي على قوة المرأة، وقدرتها على التحدي، ومواجهة كل من تسول له نفسه التعدي على وطنها وأطفالها وحريتها وإنسانيتها، وحقوقها التي كفلها لها الرب جسدا وروحا، وقللن من حدة الألم  والوجع والغثيان والقهر والغضب المتصاعد دائما.

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

سونيتات 11- 11

فاطمة الشيدي
شرفات جريدة عمان
1.
الشغف هو تلك الحالة التي تجعل الأشياء عالقة ومتعالقة بالروح، وتنشب أظافرها في العميق من الوجدان والذاكرة.
شيء يشبه اللذة الغامرة الملتبسة بين البهجة والحزن معا، شيء يحفر عميقا في مناطقك الخفية ولا تعرف أين تماما، يشبه رائحة ضحكة ولون ابتسامة، وحنينا غامضا يرجعك للبعيد البعيد خارج الزمن والمكان ربما.
والشغف هو روح العمل الفني بكل أنواعه ومستوياته وفنونه( أدب،سينما، موسيقى… الخ) وهو جماع العاطفة والوعي واللغة والفكرة معا، بحيث لا يمكنك فصلها أو تحديد موضع الجمال أو الخلل في النص. فهو نص رائع فقط، أو نص رديء وفقط أيضا. مهما لمع وقدم وانتشر وظهر فكلنا نعلم كم توجد من تصديرات، غير حقيقية للعمل، وكم من اعلانات لا يكون أصحابها قد قرأوا العمل أصلا. وكم من متصدر للنقد والقراءة بذوق عليل ووعي ضئيل.
إنه التذوق الذي تربى طويلا وجميلا ليهبك القدرة على الحكم وتلمس ذلك الشغف،ومتى ما تلبسك ذلك الشغف وأنت تقرأ عمل ستدرك أنه عمل عظيم يستحق الوقت الذي اهديته له طواعية، والعكس تماما ما تشعر به حين تقرأ رواية أو نصا لتجد نفسك تقرأ ما يصلح أن يكون تقريرا أو كتابة صحفية باردة، الحالة تشبه أن تأكل طعاما لا تتذوقه أو فيلما لا تشعر به . وكم من الأعمال الفنية والأدبية المشهورة والرائجة بلا طعم ولا تولد فيك حتى القليل من الشغف !
2.
ماذا يفعل مخطوو المدن والشوارع في بلادنا?
ماذا يعني أن تكون كل الشوارع واجهات لمحال تجارية ?
لماذا لاتوجد المناطق التجارية بشكل كامل، بعيدا عن الشوارع?
مثلا؛ لماذا لا تصبح منطقة الخوض التجارية، والقرم التجارية وغيرها مناطق مغلقة كمولات كبيرة. وتكون مواقف السيارات خارجها?
أين هم من المدن الكبرى والتخطيط العملي والمنظم?
لقد أصبحت الحركة في محيط بيتك معاناة حقيقية، في بلد تتكاثر فيه السيارات أكثر من البشر،حتى أن الإنسان أصبح يشك أن هناك سيارات بلا سائقين أصلا، خاصة مع تعدادنا الذي لا يزيد والمواصلات العامة التي تشبه حلم منتصف الليل.
ولا عجب أن أصبح الناس مجبرون على الخطأ والفوضى والتجاوز وتحيّن الفرص، والتعدي على حقوق الآخرين والابتعاد عن النظام وأخلاق القيادة.
إن الزحمة تربي الفوضى بإصرار، والإنسان العُماني يجتهد ليكون متحضرا ونبيلا في أقل الظروف، في حين لايدرك المسئولون معاناة البسطاء في زحمة الشوارع القاتلة، والدوارات المغلقة التي تفتقر لأبسط التسهيلات وهي الإشارات الضوئية، وعند معابر الآخرين المكتظة والمتجهمة في وجوهنا ومع هذا لابد منها دائما!
مدننا تختنق فانتبهوا، فنحن في أزمة تتزايد وتستفحل مع كل مناسبة، أسواقنا وشوارعنا ودواراتنا بحاجة لإعادة تخطيط، ومدننا بحاجة لرؤية عصرية تناسب التسارع في عدد السكان ومتطلبات الحياة.
وشوارعنا باتت لا تحتمل كل هذه السيارات، الزحمة في تزايد يومي، وتحتاج حلا عاجلا،وناجعا في ذات الوقت.
3.
في فيلم (Red Planet (-الذي يحكي عن رحلة علمية لكوكب المريخ، والصعوبات التي واجهت طاقمه من ارتباك في انفصال المركبة عن الجسد الأم، وبالتالي تغيير قائد الرحلة، وغيرها من مشكلات فنية وتقنية حدثت تباعا مثل: نقص الأوكسجين، وفقد الاتصال بالأرض، والكثير من موجهات الرحلة ومعيناتها الفنية، حتى موت طاقمها واحدا تلو الآخر، عدا واحدا عاد للأرض بالكثير من الأدلة العلمية عن الكوكب الأحمر، والكثير من الحيرة حول الكون والوجود-؛ كان سؤال العلم والإيمان هو الأهم، فالفيلم يعيد للأذهان تلك الجدلية الكبيرة بين المادي والروحي، بين الروح والعقل، بين البراهين والأدلة العلمية الواضحة، والرؤيا والحدس والتواصل الروحي مع الله.
لم يظهر الفيلم انحيازا لأحدى الفكرتين، بل أدرجهما ضمن حوار عميق بين البرفيسور العالم الذي استنفد طرق العلم، وصار مأخوذا بالفلسفة في الوصول لله، والتعالق مع روح الكون، وتلميذه الشاب الأقرب لروحانياته من باقي طاقم المركبة الفضائية، إلا أن الأول مات في بداية الرحلة، ونجا الثاني وحيدا بعد يأس ومحاولات كثيرة، كان مؤمنا بروح الكون المقتدة من روح الله والمتصلة معها، في حين كان صديقه الأقرب علميا مؤمنا بالنظرية القائمة على المنطق والأدلة والبراهين فقط، حتى آخر لحظة (وهو يموت، ويحمله أنبوب اختبار حول كائنات عشبية نمت على سطح المريخ، ليعود به للأرض كأحد نتائج تلك الرحلة العلمية).
عاد للأرض بعد أن شاهد كل متناقضات الحياة والموت في هذه الرحلة، ونجا بشبه معجزة جمعت بين العقل الذي استخدمه بحكمة، والقدرة الإلهية التي هيأت له أسباب النجاة، بين العلم المبصر، والبصيرة القائمة على الإيمان والتواصل مع الله عبر روح الأشياء في الكون أو العكس.
مجرد فتح هذه المنطقة الجدلية للحوار، وتقديمها كحيرة إنسانية وجودية قائمة أبدا، هو محتسب فني وفكري عظيم لدوْر السينما في طرح الأسئلة، وصناعة الوعي، لتغدو السينما أكثر جمالا ودهشة من تقديم حكايات جاهزة، أو أفكار رومانسية، أو أفلام رعب وأكشن ساذجة، كما يحدث غالبا وكثيرا في السينما التجارية، فالتأكيد على عدم مصادرة الآخر، وحق الجدل الفكري والاختلاف في الرؤى بين أي كائنين على هذا الكوكب، ضرورة فنية وإنسانية ملحة في هذا العصر الذي تغيب عنه الجدلية الفكرية وتتكاثر فيه الأشياء الجاهزة والسريعة.
4.
لم أكن أتوقع أن أذهب يوما في سياحة داخلية للمصنعة، تلك الولاية التي تقع في منتصف المسافة بين مسقط رأسي، و"مسقط" قلبي لأعبرها ذهابا وإيابا بين الفينة والأخرى، لكن هذا ما حدث، لتفاجئني بدورها، وتدهشني بحالة سياحية مذهلة، ومنتجع خرافي Millenium"" يأخذنا في أحضان البحر بجمالية عالية بين اللونين الأخضر والأزرق وصخب السياح، الأجانب منهم والعمانيين، الكبار والأطفال.
وكأنك في مكان آخر تماما غير ما تعرفه، والذي تتشابه فيه ولايات عجوزنا الباطنة في التفاصيل والمستوى والبساطة.
غير أنك تتذكر ببساطة أن البحر يستوعب كل الجمال المتناقض، ويحرّض على صناعة السياحة بأقل التفاصيل، وبهذا فساحلنا الممتد كله مشروع منتجعات ومناطق سياحية مبهرة للمواطن قبل السياح.
كنت أتأمل المكان بلذة ودهشة وإيمان عميق بعمان الجمال، وبكنوزها الخبيئة وممكناتها السياحية العالية، وبالغد الذي ستكون فيه السياحة المورد الأهم، ولكن هذا لن يكون كثيرا وحقيقيا فعلا إلا بفتح القليل من الأبواب المغلقة أو المواربة وتسهيل كل الامكانيات، وتيسير كل الصعوبات لصناعة حالة سياحية واثقة، وقادرة على جذب السائح الداخلي والخارجي في السهل والجبل والبحر.
5.
ماذا سنفعل لو لم يكن هناك مواقع تواصل اجتماعي; (فيسبوك، واتس أب، وتويتر) أفكر في الموضوع وأنا ألمح الجميع يغمد رأسه في جهاز ما، كنصل ران عليه الصدأ من فرط مكوثه، وفي كل مكان حتى فقد الانتظار المقيت خصيصة الملل، وأصبح ثمت دائما ما يمكن فعله ومعرفته ومطالعته في حالات الانتظار، بل لكأن الانتظار فقد حقيقته أو ذاته، فلا يوجد انتظار أصلا، فهو مجرد فراغ هامشي أو عابر أو ضمني يجد ما يملأه!
كما بتنا كائنات جمعية ضمن الفردي منا، ننتظر اقتراحات البعض لقصيدة أو مقطع فيديو أو نص أو أغنية لنعجب بها أو نشاركها أو نرفضها ونعلّق عليها سلبا أو نتجاهلها. تماما كما نعرف مايحدث عبر الآخر مباشرة من وطنه ورقعته.
وكائنات فردية ضمن الجمعي; نقترح، ونكتب، ونطير ترجمة لحظاتنا للآخر عبر نص أو صورة ونفرح وهو ينهب خصوصيتنا التي تركناها له مشاعا، -كما وهب لنا خصوصياته عن طيب خاطر- وبفرح حقيقي بمشاركته حيواتنا إعجابا أو تعليقا أو احتفاء .
كيف كنا سنتصرف في أوقاتنا الزائدة، هل سيأكلنا الملل بشهية حيوان بري جائع، أم سنخترع حيل جديدة وثرثرات طازجة، هل سنقرأ ونكتب ونستمع للموسيقى. ونتفحص الوجوه في غرف الانتظار ؟
هل سنمارس المشي والرياضة والكلام في أوقات الفراغ؟
هل سنزور أصدقاءنا وأهلنا، ونتحدث ونأكل كالإنسان الذي يبدو قديما خارج مواقع التواصل؟
هل سنضحك، وتعلو قهقهاتنا في مسامراتنا الليلية، وتحلق ونحن نلقي بها من طوابق شاهقة، وننظر إليها وهي تفنى في الفراغ الرحب، ونضحك أيضا؟
هل سنزرع بيوتنا وشرفاتنا ورودا ورياحين ونسقيها ونعتني بها، تماما كما سنعتني بأحلامنا وكلامنا النيئ الذي لن نكتبه هذه المرة، بل سنمضغه كعلكة رخيصة، ونلفظها حين تكون فقدت طعمها بلا نرجسية التدوين وفرصة الخلود.
وربما في أقصى الاحتمالات نطيرها في الجو كطائرات ورقية حمقاء في يد طفل أرعن، يتركها للريح حين تشتد على يديه، ويضحك وهو يلوح لها.
هل سنعيش اللحظات بصدق أكثر من حتمية تحنيطها في صورة ميتة تقول ببلاغة كاذبة أكثر أو أقل مما يحدث فعلا؟
لا أعرف فعلا ماذا كنا سنفعل، وماذا سنفعل الآن، لو سخطت علينا آلة التقنية المرعبة، وحرمتنا هباتها وبيوتها الأوهى من بيوت العنكبوت، وأصدقاءها الذين لم نرهم ولا نعرف كيف يصافحون الشمس، وكيف يعملون ويبتسمون وكيف يغضبون ويبكون وكيف يشتمون إلا ضمن ظلال الكلمات والصور، ومع هذا نهرع لبيوتهم ونفرح لرؤية صورهم، وننتظر تعليقاتهم و(لايكاتهم) ونعيش بينهم تماما في أسرَّتنا، وبيوتنا وأعمالنا، وقد نعرفهم أكثر من الجار الملاصق، وصاحب البقالة في آخر الشارع، وأكثر من كثير من الأصدقاء الذين ليس لنا حظ منهم سوى الصفة الباردة.
لا أعرف حقا، ولكن ضمن هذه الاحتمالات المباشرة لغيابها تبدو الحياة أجمل، لولا أن المدنيَّة، والرأس مالية ابتلعت الدفء، والضجر يبدو أقرب الاحتمالات للغياب!
6.
تمثل الكثير من أغنيات ميادة الحناوي الاتجاه الواقعي في الأغنية والذي يعبر عن محاولة تجسير العلاقة بين الإنسان والفن لخلق لحمة بينهما، حيث يعبّر الفن عن المعاش واليومي بكل ما يحمله من تفاصيل وأفكار وإشكاليات، وارتباكات حميمة وطبيعية، متداخلا مع الاتجاه النسوي بأبعاده الرافضة والثائرة لحد ما.
وصوت مياده الرصين والعميق قادر على ذلك المزج، بلا سقوط في البسيط والهش من الفن أو من الحياة. وإيصال كل تلك الرسائل والإشارات بقوة وفنية عالية، مخاطبة الإنسان في مستوياته العامة، والنخبوية.
7.
" الموسيقى وَحْيٌ يعلو على كل الحِكم و الفلسفات "
لودفيك فان بيتهوفن
 

السبت، 1 نوفمبر، 2014

ذكرى غياب سركون بولص… قصيدة الحياة في زمن الموت المجاني


 

 
 
فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
ثمة شعراء يتشكل وعيك بهم مرة واحدة، باكرا وغزيرا، وتمضي بهم لاحقا كمرجعية جمالية باهظة وجارحة، لا تقبل المفاوضة على الجمال، أو المهادنة في العشق، وكلما قرأت لهم لاحقا تدرك حقا كم يستحقون ذلك الانتباه الأولي، وذلك الشغف المستمر!
وهذا تماما ماحدث معي، ومع سركون بولص (1944ـ2007)، الذي حلت ذكرى رحيله منذ أيام لتشعل في عشاقه، وعشاق الشعر، فداحة غياب شاعر مختلف في رهافته، وعمقه، ولذة انثيال الشعر من بين أصابعه، وعلى لسانه. قرأته وأنا على مقاعد الدرس في الجامعة، متنازعة الروح بين العلمي المؤطر بكتاب جامعي صارم الحدية، وذهنية أساتذة كان القديم أولى لهم في التقديم والشرح والحث على هضمه وتذوقه، هذا إذا لم يشكل الجديد شرا مستطيرا، يدفعهم ليتغافلوا عنه، كي لا يفتحوا أذهاننا عليه؛ وبين الجمالي الممتد من لا نقطة البداية، حتى لا نقطة النهاية. ولكنني تمددت وتماديت في الاتجاه الثاني الأقرب لروح شاعر ينمو زغبه بمهل، قرأت بولص ضمن من قرأت من أساطين الحداثة العربية ورموزها الخارجين على الثابت، والداعين للهدم كوسيلة للتشييد، وكم هالني ذلك الغنى في نصه، وصوره، وجماليات قصيدته حتى ليشْكُل على قادم من وعي مغاير وثقافة تقليدية كل ذلك العمق.
وفي مسقط عام 1995 وأنا أخطو نحو الكتابة مرتبكة بإثمها، وفهمها، في بدايات التشكل والتكوين، كان لعشاق الشعر حلم لقاء دافئٍ ومباشر مع بولص، ليلقي قصائده في أحضان مدينة مسكونة بالبحر، والتاريخ، والعشق، والشعر، لتكتمل الصورة داخلي حميمية وحقيقية كما ينبغي للشعر والشاعر معا، يومها كنت في ذهول تام حين صافحتْ عيناه مقلتيّ، وهو بكامل وسامته، وأناقته؛ التي تليق بفتى الشعر الأبهى، أو بأحد أجمل آلهته. يومها كنت أتمنى ـ كأي مراهقة بلهاء تدّعي أنها من فصيلة الشعراء ـ أن أمسك بيده، أو أن أحدّق طويلا في عينيه، وأخزّن ابتسامته في روحي ثم أهرب به نحو أقصى الشعر والحلم.
كان هو متجليا ألقا بالشعر، فارعا في سماواته وسموه، يدس حلما في كل كف تمتد لمصافحته، ووردة في كل قلب يخفق لكلماته، وكان بسيطا وعذبا وغائرا كطعنة حين يطلِقُ جملته الشعرية، وكأنه يحفر المعاني في قلب زهرة غاردينيا، أويرشّها بالملح لنتذوقها بشهية لا تقاوم. وكان غائبا أو غائما وهو يلقي نصوصه، وكأنه كان يحلق على مسافة من رؤوسنا، أو كان يعلو في مساحات مأهولة بطيوف آلهة قديمة تهبه الشعر، أنيقا كضحكته التي يهب لنا شطرها فقط، وتأخذه معها لمساحات بعيدة، وحزن ممتد في الشطر الآخر، وكأنه ما سار يوما على الأرض، بل ولد بجناحين يطير بهما بخفة طائر، يتجاوز الأشياء والكائنات والكلمات.
وحين رحل سنة 2007، شعرت بتلك الغصة التي تصيبني كلما رحل شاعر جميل، شعرت أن الأرض نقصت جمالا، وحبا وفرحا، وأنها أصبحت أكثر ثقلا، وأقل دورانا، وهواء، وماء، فكتبت نصا قصيرا لأبتلع حزني الكبير كمرثية أو وداع: «إذ ترحل الآن/ فكل الحزن الذي أعرف يقف على فقرات أصابعي، يأمرني بالبكاء، فأهرب مني إليك/ إلى نصك المخبوء في روحي/ أستحم بفيض صلاتي/ وأتطهّر ببروق عينيك التي انطفأت منذ زمن قصير!/ حزينة جدا أنا الآن لغيابك/ ولو كان للحزن ألوانا لأخترت أجملها إذ رحلت/ ولو كان لي صوت بهيج، لغنيت صلاة رفيعة لعينيك الماسيتين/ اللتين كانتا تلمعان كانعكاس نجمة في الفرات/ والآن هاهما ذابلتان كزهرتي لوتس، اقتلعتهما يد طفل عابث/ مغمضتين كآخر قبرين من ماء/ إذ رحلت/ أصبحت الموسيقى تغفو حتى آخر مداراتها الناهبة للذة/ والعصافير تقف على ساقٍ واحدة أسوة باللقالق/ والبحر يحقد على كل الذين يقذفون أنينهم في جوفه لأنه الأشد حزنا/ والصحراء أصبحت تسفح عفتها على بوابات المدن المخضبة بالغدر والغرباء/ والتاريخ أصبح يسفك دمهُ على مسافةٍ تقرض الحنين احتراقا، وتكفّن أجساد عشاق الشمس في توابيت باردة/ والليل يشعل حرائقه حدادا/ الصبح كفرَ بالضوء/ والموتى كفوا عن الموت/ والغرباء شربوا دم الأرصفة/ وثمل الشعر في دم الشعراء / والعراق صار يغتسل بمائه من مضاجعة الموت بين كل فجيعة وأخرى!».(1)
وحين تعاود ذكرى الرحيل لشاعر يشكل لبنة وعي شعري مؤسسة في قلبك النابض بخفقات الشعراء، وروحك المستأنسة بحنينهم، وبكائهم، شعراء في جهة واحدة من الحب والقلب، وزمن ممتد من الجمال إلى الجمال، شعراء يزيدهم الموت حضورا في دمك، وفي دم القصيدة؛ ليس عليك إلا أن تشعل شمعة، وأن تقرأ ما تيسر منهم، فهذا فقط ما يداوي الفقد، ويرفو المسافة بين الغياب والغياب، ويشعل تلك الظلمة المتوهجة في العالم المحيط بك، ويشغله بالكثير من الأسئلة عن إمكانية القصيدة في بث الحياة في الحياة، في زمن الموت المجاني، ونفخ الكثير من الحب في الأرواح العامرة بالكراهية، ونفث الجمال والبهاء كتميمة خرافية، لا تنتهي ولا تزول في الكون المتململ من رائحة الدم، والمستوحش من العبث واللاجدوى التي تهربها الأقلام والأصابع في يأس قاتل.
وها أقرأه في حضرته الغائبة، وغيابه الحاضر، بمحبة وعشق قديم متجدد، وأحتفي به، بصوره وأساليبه، بلغته وفكرته، أتشربه رويدا رويدا لأنجو من بلاغة الصمت، وأسلوبية الخطاب، وألتذ به بلا تحليل يقتنص صورة ثابتة أو متحركة، أو يقف على ظاهرة أسلوبية، أو يوضح رمزاً أو انحرافاً لغوياً. فكل قصيدة هي انحراف عن السائد، وخروج على المألوف، وتصاعد في الحركة والصورة، وحفر في العميق من المشاعر واللغة. أقرأه بحب واحتفاء فقط، وتعالق كلي مع جمال اللغة، وروح الشعر الحقيقي؛ الجدير بالخلود، والمستحق للقراءة كلما تشظت الروح، أو أجدب الكون، أو جفلت اللغة، أو حلت الذكرى.
أقرأه وأضع نفسي في نصه مباشرة، أتخذ صورة «المرأة الجانحة مع الريح» التي بحث عنها طويلا، ولعل فعل البحث ما زال مستمرا هناك في الغياب، حيث الشعر أكثر حضورا، وأغزر جرحا، وأعذب قيامة، أقرأ الشاعر من أعماقه، وأبحث معه عن صورة المرأة الإنسان التي لا تصنعها المساحيق، ولا يعتّم على حضورها الجهل والقتل والوأد المتكرر، عن تفاصيلها الحميمة في الطرقات، وبين البيوت، وفي المدن القديمة، عن رائحتها التي تستجلي رائحة الأمهات، والطفولة، والأرض، والوطن، والشعر والغياب معا:
«لو رأيتَها، تلك المرأة
الجانحةَ مع الريح
وفي عينيها علائمُ زوبعة قادمة
وشعرها، منذ الآن، ينتفش في دواماتها،
لا
تترددْ
وخبّرني، فهي قد تكون ضالتي
قد تكون من ذهبتُ أبحث عنها في القرى
والأرياف البعيدة
حالماً أن أجدها في زقاق
مقفر، ذات يوم، تحمل طفلا بين
ذراعيها أو تطل من نافذة
أو حتى أن أعرف أنها هي
في ثمّة صوت، في ثمة أغنيةٍ على
الراديو
أغنية تقول أشياء جميلة
عن الحزن
أو الهجرة
وقد لا تراها
سوى في جناحي فراشة
ترفرف لازقةً في قار الطريق
عينيها الملطختين بمكحلة التاريخ العابثة
نهديها المثقلين بأنداءِ حزن أمة
وفاكهتها اليتيمة
كبضعة أحجار في سلة
تعود بها من سوق أقفلت دكاكينُها تصفر في أخشابها الريح
على أطراف بلدة
ولدنا فيها، وحلمنا أحلامنا الصغيرة
ثم هجرناها».(2)
أقرأ سركون بولص الشاعر، «حامل الفانوس في ليل الذئاب» الشاعر الذي رغم غيابه يؤكد أنه ما زال «الأول والتالي»، الشاعر الذي يسكن منذ الأزل وحتى الآن «مدينة أين»، وغيرها من نصوص تستحق القراءة بخشوع الصلاة ورهبة الغياب، وأمد روحي كلها تحية له في الرحيل والذكرى.
(1) كُتب هذا النصّ في يوم رحيل سركون بولص، وها ينشر في ذكرى رحيله.
(2) من قصيدة «المرأة الجانحة مع الريح»، مجموعة «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، 2008.
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2014

سونيتات

 
 
شرفات - جريدة عمان
فاطمة الشيدي
1.
أيتها الذاكرة المكتنزة بالحنين والغياب؛ ليس على الوقت أن يأكل خبزك المعد للبعيد البعيد، والمعتّق برائحة الأزمنة والوله، والملطّخ بغبار الذكريات الحافية تركض بخفة في فرجان الشوق، وسكك القلوب الطيبة، ترهف السمع للنبض الرهيف كأغنيات لا تذبل، وتشبع من كلمة الحب التي تنثرها الأمهات غزيرة وعطرة في وجه الحارات، والأطفال، والنهارات المستيقظة على عجل، والليالي الآفلة بغنج الياسمين والطل كأقمار الفتنة، وضحكات الصغار، وحكمة الماء .
2.
أن ترقى جبل شمس في صيف لا يزال يمد أذرعه بحنان جم ليضم الحياة بين يديه، فهذا تحدٍ كبير للحر، كطفل يمد لسانه بمزاح لكل ما لا يعجبه. ستشعر بذلك والمطر يستقبلك بحفاوة، وينثر قطراته لتدغدغ روحك قبل أن تلمس زجاج السيارة، وحين ستنام ليلة باردة جدا بدون تكييف ستصرخ ملء روحك (الله .. يالجمالية المكان يا باشلار! ).
في جبل شمس تشعر أنك بت قريبا من السماء، وبإمكانك أن تمد يدك لتقطف بضع غيمة بيضاء تتهادى فوق رأسك بدلال وهي تبتسم لك وتعدك بالمطر الحنون .
وستشعر بالهيبة القصوى التي تطعن بها الطبيعة الروح تماما، مع كل تلك الجبال التي يستصغر الإنسان ذاته وقوته أمامها.
وتكثر وتمدد وأنت تذهب في جولة ممتعة في ارتقاءات الجبل وامتداداته المتصاعدة للأعلى، أمام كل تلك العظمة الشاهقة.
وحين تشهد أول غروب للشمس، وأول إشراق لها في المكان، ستشهق روحك ممتلئة بجمال خاص مفعم بالإذعان لعبقرية جمال الطبيعة، وتشعر أنك بت خفيفا أكثر مما ينبغي بحيث يمكنك التحليق، أو حتى التلاشي في ذرات الهواء أو في خيوط الضياء.
ذلك الجمال البعيد والمتوحش والقاسي أحيانا، والذي لا يعرفه الكثير من الناس سيصادرك لصالح الحالة والمكان والزمان، لتصبح مأخوذا به تماما، ومهووسا بمفرداته، ومولعا بعظمته ومجنونا بوجودك ضمنه.
ذلك الجمال غير السائد بدءا من اشتقاقات البني والرصاصي في كبد الجبال العظيمة المبتسمة برضا وحنان خاص، وهي تحتضن كل عناصر وكائنات الطبيعة بما فيها الإنسان بود وأمومة طافحة، مرورا بتلك الشجيرات النابتة في قلب الجبال والمكتفية بماء السماء، وليس نهاية بالحيوانات البرية التي تشعر بها متحررة ومنسجمة مع الطبيعة والمكان والطقس.
في جبل شمس حيث عبقرية المكان الآسر، والمضمّخ بعطر الطبيعة، والهدوء الجزل نظرا لقلة البشر، ينعتق الإنسان من كل شيء يثقله، ويتحرر من كل عوالقه ويعود بدئيا بسيطا متحدا مع الطبيعة الأم اتحاد جنيني رحمي حميم، لا يرغب أن ينفك منه، أو يغادر ارتباطه المشيمي العظيم.
كما يلتقي الإنسان مع ذاته في مرآة الطبيعة بشكل مباشر وحقيقي، وكأن ذلك يحدث لأول مرة بصدق وعفوية، ويتبادلان الأفكار والهواجس، ويرمي الكثير منها من أعلى قمة الجبل، ليعود خفيفا ونضرا كسمرة خضراء يراها لأول مرة.
وجاء المنتجع الذي كان تقليديا بشكل يسمح للإنسان بتذوق خصوصية المكان والانغماس فيه ليشكل إضافة حقيقة للحضور المكاني.
جبل شمس مكان يصلح لتطهير الذات من أدران الحياة العالقة في روح وجلد وأهداب الكائن، والعودة للجوهر الأصيل منه في شفافية قصوى، وإقامة حوار ممتد بين الطبيعة والإنسان لزمن يطول أو يقصر، إنه يعرّف الإنسان على ذاته، ويعيد ترميم علاقته بالكون والطبيعة، ويغير نظرته الكلية للجمال. ليعود منه مختلفا كثيرا عما ذهب إليه.
الخميس 9/10/20014
3.
وأنا أسمع صوت (رباب) الصوت الذي أعشق شجنه، وألتذ برائحته التي تشبه رائحة عطر عربي، الصوت المختمر بالحزن، والمعتّق بالألم مهما حاولت غناء الفرح،أفكر أن لكل صوت وقتا، وأن ثمة أصوات للفرح، وأصوات للحزن، أصوات للغياب، وأصوات للحضور. أصوات للمساءات المكتنزة بالتعب أو الوهم، وأصوات للصباحات المرتبكة بالخطوة الذاهبة في الحياة.
فلا يمكنك ولا ينبغي لك أن تسمع صوتا يجرح نهاراتك في البدايات، في الصباح أنت بحاجة لصوت برائحة عذبة وفرح ضمني وبهجة سرية، تسري لو ضمنا في أوصال نهارك وشرايين يومك. صوت يوصل حبائل روحك بأمل خفي، وقوة خارجية كيد الله البيضاء التي تأخذ بيديك.
أصوات كثيرة تصلح للنهارات، للبدايات الناعسة، تضخ القوة في العميق منا، وفيروز غالبا هي المحرك الأجمل للحب والأمل.
4.
يصلني بين فينة وأخرى -رغم تلكؤ البريد، وبعد المسافات، ومخاتلة الوقت- كتاب من صديق ما، في مكان ما من العالم، فرح كبير طري يوصل بين الأرواح رغم أنف المسافة، لغة الكاتب تأخذك لبلده أو لغربته، لصوته وحزنه وفرحه، فتند عن روحك ابتسامة مصحوبة بامتنان عميق «شكرا»، للمسافة والقلوب الطيبة، والثقة الإنسانية والإبداعية التي تجعل كاتبا يرسل بعض دمه ووهج روحه عبر البريد لكاتب آخر.
5.
لم يكن فيلم «The Equalizer» الذي أغرانا دينزل واشنطن للدخول إليه احتراما لمسيرته الفنية الخاصة والعميقة، سوى تكرار مقرف لفكرة البطل الأمريكي، وفكرة اليوتوبيا الأمريكية الجاهزة والتي ما زالت تثبت كذبها يوما بعد يوم، وفكرة الشر التي تطلقها على الآخر ومنه روسيا في حرب ثقافية وفكرية باردة، وضمنية تقوم على الإقصاء وتغيير في اتجاهات العالم لصالحها.
فـ « روبرت» الذي ظهر لنا في بداية الفيلم في صورة العامل البسيط الذي يحاول مساعدة الآخرين بروح طيبة، وقوة خارقة لا يمكن أن تتحقق إلا في المسيح أو الرب، حتى ظننت أن الفيلم يدور حول فكرة الممكنات الكامنة في الروح الإنسانية وكيفية استغلالها، متأثرة في ذلك بفيلم «Lucy « حول فكرة العقل الأكبر الذي شاهدته قبل فترة، والذي يحكي عن توصل عالم لأن الإنسان لا يستغل سوى جزء بسيط من عقله، ولو فعل لكان الأمر خارقا واستثنائيا، وهو الأمر الذي حدث مع فتاة وقعت ضحية لعصابة تصدر مادة تساعد على تكاثر خلايا المخ ، وتقوم بشحن هذه المادة في معدة ضحاياها، إلا هذه المادة انفجرت في معدتها وسرت في دمها، وبالتالي تكاثرت في عقلها ووصلت لذروة العقل وهو مستوى الإله كما يريد الفيلم أن يقول.
ولكن فيلم «المعادل « أو الموازن» يدشن فكرة مختلفة تماما، فروبرت العامل الطيب يقوده حظه لمقابلة بائعة هوى في المقهى التي يجلس فيه للقراءة وشرب القهوة، -لتكتمل صورة الجمال الداخلي المفترض للإنسان الأمريكي المحب للخير والسلام والصداقة- ليعرف أنها مستغلة من قبل مافيا روسية ضخمة متحكمة في الساحل الشرقي وتعمل في غسيل الأموال والجنس وغيرها من الممنوعات.
يذهب روبرت لتخليصها فيبيد بكل مهارة وحرفنة كل أفراد العصابة بكل قوتهم ومهاراتهم القتالية وأسلحتهم الجبارة، وبالتالي فالعصابة الروسية التي يديرها زعيمها من روسيا تغضب لمصرع أفرادها، وتكشر عن أنيابها وترسل من هو أكثر قوة وذكاء وسلاحا، ولكن البطل الأمريكي الخارق -الذي تكشف الأحداث أنه فرد سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA وقد خرج منها بالتظاهر أنه مات بسيارة مفخخة – يبيدهم جميعا بمفرده، في تجسيد كبير للقوة الخارقة والذكاء والمهارة لأفراد هذه الوكالة .
كما أن تلك القوة الخارجية تحمل شفقة ورقة وعطفا داخليا كبيرا، فهذا البطل الذي يحمل كل تلك القوة العقلية والجسدية يحمل قلبا مرهفا مفجوعا بغياب زوجته الحبيبة، وحين تأسر العصابة زملاءه في العمل يأتي ليخلصهم في تضحية واضحة.
ولا يقف الأمر عند النصر في أمريكا، بل يذهب في مغامرة قصوى لقتل رأس الأفعى في روسيا ليحدث التوزان في العالم وليعدل كفة الخير على كفة الشر، وهنا تظهر فكرة العنصرية جلية، حيث زعيم العصابة اسمه «بوشكين» في عملية استغلال مباشرة لرمز ثقافي كبير، وهو شاعر روسيا العظيم «بوشكين» في لا أخلاقية عالية ليست مستغربة من الإمبريالية الأمريكية.
ثم يعود ليلتقي بتلك الفتاة التي تظهر امتنانها لفكرة أن «الإنسان يستطيع أن يكون ما يريد» التي يبثها منذ أول الفيلم، ثم يتركها للحياة الحقيقية التي تختارها، في لاغائية من مساعدة الآخرين سوى بث قيم العدالة والإنسانية، يعود ليقرأ ويكتب ويشرب القهوة ويسهم في مساعدة الناس بوصفه قديسا أو ابا أمريكيا طيبا.
الثلاثاء 7-10-2014
6.
كانت الرسالة (الواتسبية) الصباحية – عن «عبدالله» الشاب الذي قضى حتفه في العيد بسبب الحمى النزفية- بكل تفاصيلها الموجعة عن حياته، وذهابه للموت ببطء، كفيلة بانتزاع روحي من مكانها، وإغراق ماتبقى من يومي في حزن حاد، وتأملات جارحة، ووجع إنساني مفرط الحساسية والألم.
كنت أستحضر وجهه الذي شق طريقه بيننا عبر هذه الوسائل، بعد رحيله، ليخبرنا أن المسافة بين الموت والحياة غائمة جدا، وقصيرة جدا، وأن الموت المراوغ كامن في كل مكان، بين أضلاعنا،وتحت أظافرنا، وفي قلوب من نحب تماما. ومع هذا نتغافله ونمضي به في طريق الحياة حتى ينتصب في وجوهنا بقسوة جلاد، وجلافة حاصد للأرواح؛ فيأخذنا في طريقه، ويفجع القلوب بالرحيل الأخير. وتظل الحيرة تأكل الأحياء لماذا؟ وماذا لو؟ِ
كنت أتلبس روح أمه المفجوعة، وقلب والده وأخوته، وأعرف أنهم الآن يتمنون لو لم يذوقوا طعم اللحم في العيد، مقابل أن يظل هو بينهم. هو الذي لم يمض في الحياة كثيرا ليبرر للغياب فداحة الاقتناص المبكر. ولم يتحصل على فرصة التلويح المناسب التي تجعل الوداع أقل فجائعية ووحشة.
وأستحضر قول ابن الرومي :
ألا قاتل الله المنايا و رميها* *من القوم حبات القلوب على عمد
توخى حمام الموت أوسط صبيتي* *فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته* *و آنست من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فأضحى مزاره* *بعيداً على قرب قريباً على بعد
لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها* *وأخلفت الآمال ما كان من وعد
لقد قل بين المهد واللحد لبثه* *فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
ألح عليه النزف حتى أحاله* *إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد
وظلّ على الأيدي تساقط نفسه* *ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له* *ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
وأولادنا مثل الجوارح أيها* *فقدناه،كان الفاجع البيّن الفقد
أفكر في كل هذا وأكاد أختنق بالصرخة التي تتصاعد في رئتي، والأسئلة التي تنهش روحي حيرة وتعجبا، لماذا التجاهل للحياة (هبة الرب للبشر) والتفريط فيها من قبل من يستطيع إبعاد وحشه قليلا عن الأرواح؟ وهل لابد من كبش فداء، وقرابين حياة لنتعلم ونعرف ونفهم ونحتاط؟ وتمتد الأسئلة، هل قدمت وزارة الزراعة فعلا كل ما يجب حول حماية الإنسان من حشرة القراد المنتشرة في المواشي؟ وهل قدمت وزارة الصحة كل مايلزم من إرشادات وتوجيهات للمواطنين حول علاقة المرض بالماشية وطبيعة انتقاله ونتائجه، وهي تعلم أن العيد قادم، وفي كل بيت عماني تذبح أضحية؟ وهل نظمت حملات تثقيف وإرشاد حول المرض في المستشفيات والمراكز والمجتمع ( فكما يتضح من رواية موته; حتى المراكز الصحية والمستشفيات لم تستطع تشخيص المرض لعدة أيام كانت كفيلة بتفشيه في جسده، وتمكين الموت من روحه البريئة .. مما يعني عدم وجود تعريف واضح ، وتشخيص محدد له حتى بين العاملين في الحقل الصحي) ؟ وهل أدت وسائل الإعلام الدور المناط بها في التنبيه عن أسباب انتشار هذا المرض، ونتائجه، بكل الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة؟ أم أن وظيفة معظم المؤسسات الرسمية في التحذير والتنبيه تبدأ بعد ظهور الحالات وانتشارها واستفحالها، وفقد عدة أرواح، وقبل ذلك يكون شغلها الشاغل تطمين الناس، ونفي حالات حدوث أي شيء، وتكذيب الشائعات، وتبييض الوجوه وتبرئة ذمة الوزارة والتأكيد على أن (الأمور طيبة، واحنا بخير).
إذن نحن في هذا العيد لم نكن جميعنا بخير .. عبدالله في الأقل (الشاب العشريني، الناجح في دراسته وعمله، والطيب بين أهله، قرة عين والديه، والمواطن الذي كان ينتظر منه الوطن الكثير) لم يعد بخير، وأهله وأصدقاؤه -منذ الآن وحتى آخر العمر- لن يكونوا بخير أبدا .
7.
«الشعر يداوي الجراح التي يحدثها العقل».
نوفاليس
 

الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

سونيتات

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
الثلاثاء 21 - 10 -2014

1.
في الأمسية الاحتفائية بكتاب سماء عيسى «شرفة على أرواح أمهاتنا»، والتي ما هي في الحقيقة إلا احتفاء مستحق بسماء عيسى الشاعر والكاتب والأب الروحي للثقافة العمانية الجديدة، بكل تجلياتها وفنونها ومدارسها وكتابها، سماء عيسى المتقاطع بمحبة عميقة مع كل الأشكال الأدبية، والأجيال المعرفية بتواضع ومحبة وجمال نادر الحدوث والاقتراب والتقارب، العميق بلا تكلف، والبسيط بوعي، الذي يقرأ الجمال بعين القلب، ويستدرك اللغة في ممرات الحياة التي أوجعته حد أنه استسكن منها الوجع في روحه متآخيا مع فكرة الغياب والموت، وتاركا ذاكرته اللغوية في متاهات ودروب حارات القرية العتيقة وبين أفلاجها ومتعرجاتها، متشبثا بحناناتها الراحلة في عمق الزمن. مراوحا الكتابة في زمن ذهب، ومكان ولّى، وعن أجساد تسكن التراب، وأرواح تحلّق فوق رأسه، وبين ضلوعه مطالبة إياه بكتابتها أو الكتابة عنها، تماما كأرواح أمهات بعيدات يستعذب نواحهن ويستلذ بكائياتهن، فيدونها في مخيلته وبين ضلوع أوراقه؛ حتى تخرج لنا لاحقا في كتابة ميثلوجية جارحة تحتفي بالمكان البعيد، والزمن الغائب، والأرواح المحلقة.
في تلك الأمسية كنت أنظر يمنة ويسرة بسرور داخلي عميق، فلم يكد يغيب اسما أو وجها ثقافيا إلا وحضر، وكأن الجميع اتفق بكل المحبات الممكنة، والتقدير الواجب على الحضور في أمسية لقامة أدبية بحجم وجمال سماء عيسى، الذي هو بدوره لا يترك فعلا ثقافيا حقيقيا، ولا احتفاء بكاتب أو كتاب إلا ويكون ضمنه وفيه، بهدوء وصمت، وحضور خفي جلي في ذات الآن.
تحية قصوى من ضمير الروح، ومن عمق الوجدان الإنساني والروحي والفني للشاعر سماء عيسى الذي علينا أن نشكر القدر أننا نتشارك معه بكل فخر الزمان والمكان واللغة.
2.
مع كل مناسبة (رمضان، العيد، المدارس وغيرها) يرعبك حجم التسوق الذي تقوم به الأسرة العمانية من الطعام حتى الملابس والحاجيات الأخرى، ورغم أن حجم الأسرة تقلص كثيرا مع العصرنة وتعقد ظروف الحياة، فلم يعد يتجاوز غالبا خمسة أطفال، إلا أن مستوى الاستهلاك في زيادة مستمرة مع تنوع السلع وإغراءاتها المتجددة، ومع عدم وعي الإنسان بالشراك المنصوبة له خلف واجهة المحلات وأمام شاشات العرض، والدعائية الإعلانية الكونية المتصاعدة على كل شيء، وكأننا في سوق كوني ضخم.
وتلعب التقنية ومواقعها (الواتس أب، والانستجرام)وغيرها، اليوم دورا اعلاميا ودعائيا مهما في توسيع رقعة نشر السلع وتسييل اللعاب لاقتنائها.
فالرأسمالية البغيضة لا تفتأ تنوع في الأساليب والطرق والمواد التي تدغدغ الغريزة البشرية بكل مستوياتها الواعية واللاواعية، وتحكم القبضة على الحيوان النائم في الأعماق لتحرك شهواته الكثيرة في كل الاتجاهات الربحية، مستخدمة كل الوسائل الممكنة والمتاحة والمرغوبة، والمجتمع الاستهلاكي يستجيب بانقياد تام.
3.
ها هو العيد يحزم أمتعته للرحيل ملوحا لنا لعام كامل من الغياب، حتى يعود في عام آخر ونحن بحال جديد في المكان والوعي، وكل ما يتصل بالإنسان من فكرة التغير، يذهب تاركا لنا القليل من الفرح والبهجة، والكثير من التساؤلات حول كل شيء.
طقوس العيد العامة (خارج اللحم والطعام) التي بدأت تتضاءل وتضمحل، كل تلك البهجة المشتركة التي يصنعها الجميع في (العيود) السوق المفتوح للصغار والكبار قرب مصلى العيد، والذي تتصدره الأطعمة التقليدية، والأزياء التقليدية، والأهازيج والفنون التقليدية التي بات يُخشى عليها بدورها من الغياب، لتتبلور لاحقا في حالة مصنوعة تكشف عدم الإتقان، أو الصنعة المختلقة، والجهد السريع في تقديمها في المواسم والمناسبات.
والتجمعات والتشكلات الإنسانية الحميمة التي تتشارك في كل شيء من الفرح واللقمة والخوف والحزن حتى ملامح العيد وبهجته الصادقة والكبيرة، روح المكان الكبير التي تشمل وتضم الجميع، القرية أو الفريج أو الحارة التي يعرف الجميع فيها الجميع، معرفة الأسرة الواحدة والبيت الواحد، ويتعاملون معهم بذات الحميمة والشفافية والصدق.
الحارة التي غابت في غابات الإسمنت التي أشعلت الفردي الأناني، والتوحد الجاحد، وغيبت الجمعي المؤثّر والحميم، أو ذابت في صدى الرجعية والعنصرية في الخطاب القبلي، الحارة التي لم تجد بديلا عصريا (كالحي أو التجمعات السكنية المتآلفة والمتعارفة والمتفقة على حيثيات المصلحة العامة، واشتراطات الحياة العصرية والمدنية معا ضمن عقود واضحة وتحديدات ملزمة) في مدننا المتشكلة بلا تخطيط، أو تنظير فكري ومدني عميق لصالح الإنسان والمكان معا.
تلك التساؤلات الحائرة التي تمتد لعاداتنا الاجتماعية المقتدة من الفكر الجمعي الذي تحدث الأشياء ضمنه بتراتبية زمنية غير واعية، وتقديس ماضوي عجيب ومزعج وموجع أحيانا، تلك العادات التي تحكمنا وقد تتحكم فينا، تلك الحالة من التحكم الضمني أو العرفي الذي قد يصادر حريتنا الفردية غالبا لصالح عادات جامدة بلا وعي منا، ولا محاولة تفكيك أو مساءلة «لماذا؟»
لماذا نتطاول في ذبح كل هذا العدد من الأضاحي، ونحن أمرنا بواحدة فقط، وهل نحتاج لكل هذا الكم من اللحوم مهما صغرت الأسرة؟ وهل نحقق غايتها ونلتزم بتشريعها الديني المقدس الذي تناسيناه لصالح الفكر الجمعي؟
هل تجمعنا محبة؟ أم عادة؟ هل نشتغل على تفهم وتفهيم المقاصد؟ وشيوع روح الفرح الحقيقي والحب العميق بكلمة وابتسامة وصدق جارح؟
هل التجمع الجمعي نبيل وصادق؟ أم أنه خارجي، ومراوغ وكاذب أحيانا؟
هل المباهاة جزء من الضمني الذاتي والجمعي المتوغل في اللاوعي منا؟
هل كسر العادات الميتة، والتي لا تفعل الكثير في توطين المحبة والنبل والمسؤولية جريمة؟
تلك العادات التي تتطاول في الزمن والمكان لتصل للمقدس من العرف، واستحالة الخروج عليه، بل وتغيير مساراتنا الفكرية والإنسانية وحتى الغايات الدينية لصالحها. فنحن نذبح لنأكل اللحم بلا تحقيق حقيقي وواع لهدف الأضحية بالتصدق بأكثرها، أو التفكر في قيمتها وغايتها، والماوراء الديني من أبعاد إنسانية وروحية.
فالاجتماعي الكبير يبتلع الإنساني العميق، والفردي الخاص الواعي، والجميع يسقط في هوة التناقض والارتباك أمام مجاملة، أو ود، أو عدم ومساءلة ووعي، كي لا يخدش روح العام الحميم، أو يقع في مواجهة الجمعي الصارم.
ويتلاشى البعد الانساني، والعميق الديني، في خضم الاجتماعي المتراكم والمتراكب في جبروته وسطوته من جهة، وجمالية الانصياع له والاندماغ في العام والتلذذ بالجمعي المتشاكل والمتشابه والمتماثل حتى الانصهار الآمن، فيتشكل، ويكبر، ويتصير ضمن المسكوت عنه، ونحن نتشكل، ونكبر، ونتصير فيه ومعه !
4.
القلوب الخفيفة العامرة بالحب ترهقها الحياة الثقيلة بالتفاصيل والوجع، فتحلق في اتجاهات أكثر رحابة بسرعة وخفة، الفنان خالد صالح يرحل باكرا جدا عالمنا المليء بالشر الذي لا يقوى الفن على مواجهته. فلك الرحمة وعليك السلام أيها المبدع والفنان الخاص والعميق.
5.
« Passengers»
لعل فكرة اختفاء الطائرة الماليزية التي زامن عرض هذا الفيلم؛ كان دافعا مهما لمتابعته، الفيلم الذي يبدأ بتحطّم طائرة، واستدعاء طبيبة لمساعدة بعض الراكبين، الطبيبة التي تحاول تقديم العون لمرضاها تقع في حب أحد الركاب، وتمر الأحداث وتتعقد لتكشف لنا لاحقا بأن الطبيبة كانت أحد ركاب الطائرة التي لم ينج منهم أحد، فهي وجميع الركاب موتى، وكل الأحداث تدور في تلك اللحظات البرزخية بين الحياة والموت، واقتناع الركاب بفكرة موتهم، وخاصة تلك الطبيبة التي أخذت فترة لتقبل تلك الفكرة، وتقبل فكرة الصعود للسماء، الفكرة التي تمثل فكرة دينية وثقافية لدى الآخر المختلف، حد أن تربك ثقافتك الواضحة في فكرة الحياة والموت.
14- مارس 2014
6.
لدى الجميع عقد كثيرة بعضها بسيط يسهل التحكم فيه، وبعضها مستحكم يصل لدرجة «الفوبيا» لا يمكن التنصل من مخالبه وحوافه كالخوف من الظلام والحشرات والأماكن العالية والضيقة والمغلقة، ولكن لدي أكثر العقد غرابة وهي عقدة «النجومية»، فلا أحب النجوم خاصة أولئك الذين يعتقدون أنهم كذلك من مغنيين وممثلين وحتى ناشطين وساسة وإعلاميين.
وكل هؤلاء في جهة والكتاب النجم في جهة أخرى، فالكاتب الذي يفترض في عمله ووعيه الكثير من الخجل الإنساني، والترفع الروحي والعمق والحساسية والنبل والعزلة والهدوء؛ لأنه يعمل على صناعة الوعي الجمعي وتهذيب العاطفة، والنحت المستمر الهادئ والخفي لرسم ملامح الوعي الجمالي والإنساني. فأن يتحول كل هذا لغطرسة خارجية وعنجهية مرضية؛ فهذا يكون مبعثا للسخرية وربما الاشمئزاز والقرف.
7.
أحيانا أفكر – أنا الكائن الليلي- أن الصباحات خيبة دافئة، تحاول أن تتصنع البهجة بخبث وهي ترفس اللحاف قليلا لتظهر فتنتها، وليس علينا إلا أن نبتسم في وجهها قليلا، ونحن ندعي تصديق محاولاتها البائسة في إقناعنا بضرورة النشاط والأمل ومتعالقاتهما المترددة غالبا، ونرشقها بالأغنيات لتقشر رعونة الضوء الفج، وتظهر لنا كائنا غائما قليلا بالصمت والهدوء والفرح النبيل، والقليل من العبث، بعيدا عن الضوضاء والفوضى الكونية والإنسانية.
بقوة الحب وصوت الست يمكن لكائن ليلي أن يفتتح الصباح ليتغلغل في شرايين النهار بلذة مباركة، وحنين خرافي، ورائحة مخضلة بالعطر الصاخب.
12-3-2014
8.
أ.
شاقة هي المهمة عندما يولد الانسان امرأة
مايا انجلو
ب.
المرأة منذ البدء هي تلك التفاصيل الصغيرة، حالة الإدهاش المستمرة التي تعمد لصناعتها والاعتناء بها بصبر وتأن مثابرة، مضحية بكل الوقت والجهد في سبيل تحقيقها، ضمن حالة فطرية من الاهتمام بالجزئيات والحيثيات والهوامش، والركون النفسي للبسيط من الأشياء والتفاصيل التي تخلق الفرح، وتصنع العالم المحيط بها بمهل وجمال وعذوبة.
كل عام والمرأة بخير، وقدرة على الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، وتربية الدهشة والجمال من حولها؛ لمواجهة القبح المستشري في الكون.
ج.
«المرأة هي الأم، والأخت، والزوجة، والابنة، والزميلة» بالاعتراف بهذه الأدوار وتثمينها، وتفعيلها في الحياة، وبمعاملة المرأة بالمساواة اللائقة بها في الأسرة والمجتمع يجب أن يتم الاحتفال بيوم المرأة فعلا، خارج المظاهر الخارجية، والتي قد تصدر عن أعتى العقليات الذكورية القامعة للمرأة في العميق والموارب من الفردي والجمعي.
17 أكتوبر .. كل عام وإنساننا بخير ووعي ونبل
9.
«عليك أن تصالح نفسك عشر مرات في النهار؛ لأنه إذا كان في قهر النفس مرارة، فإن في بقاء الشقاق بينك وبينها ما يزعج رقادك»
نيتشه

السبت، 18 أكتوبر، 2014

ثقافة الطفل العربي هي الحل

فاطمة الشيدي
 
يتساءل البعض اليوم في خضم هذه التراجعات العربية عن السبيل الأمثل للخروج من الأزمة، والذهاب نحو الغد إنسانيا وحضاريا بشكل أجمل، وليست هناك سوى إجابة واحدة لا تقبل الجدل أو الخلاف وهي أن المستقبل هو الطفل. فالطفل العربي الذي يعيش اليوم ـ للأسف- ظروفا أقل ما يقال عنها أنها قاسية، قد تؤثر على مستقبله وعلى مستقبل المنطقة كلها بإنسانها وجغرافيتها وتاريخها، وذلك لأن الطفل هو لبنة البناء، والسبيل الوحيد للذهاب للغد بفداحة أقل، ولذا على الجميع من منظمات ومؤسسات ومجتمعات وأفراد الإنتباه جيدا لمستقبل هذا الطفل.
إن توفير جو مناسب للحياة الطبيعية من حيث الإمكانيات المادية والمعنوية في الأسرة؛ كالسقف والطعام، والأمان، وغيرها من الحاجات الأساسية للإنسان، وتوفير الحد المناسب من فرص التعليم، والتثقيف للطفل العربي الذي يعيش في وطنه، أو ذلك الذي شرّد منه بكل الطرق الممكنة، هو صمّام الأمام لمجتمعات تتهاوى في ظل كل هذه التمزقات السياسية والدينية. كما يجب علينا أن ننتبه كي لا يتشرب أطفالنا ثقافة العنف والدم والموت المجاني باسم الله أو باسم سياسة أو دين أو شخص، لأن ذلك يعني جيلا ممتدا من العنف والدمار والخراب. فمن المعروف أن ثقافة الطفل هي إنعكاس مباشر لثقافة المجتمعات وروحها، وتمدنها، ووعيها، ورقيها أو غير ذلك.
إن ثقافة الطفل ـ ببساطة ـ هي ثقافة الإنسان الشاملة في كل الجوانب وبكل الممكنات المتاحة قلت أو كثرت، وبناء هذه الثقافة يعني بناء منظومة إنسانية جمعية لهذا الطفل تتضمن:
ـ تنمية الجوانب الفكرية أو العقلية: وتُعنى بالمعرفة، وطرق اكتسابها.
ـ تنمية الجوانب الروحية والنفسية: وتعني بترقية الحواس والمتعة والتسلية والفنون.
ـ الجوانب السلوكية والحياتية، وتعنى بطرق التعامل مع الناس في الحياة العامة، وأساليب الكلام، وجوانب التربية والرقي والتهذيب والذوق.
ولابد لتحقيق هذه الثقافة من العمل في الاتجاهات الثلاثة، من خلال كل الجهات التي تخدمها محلياً أو عالمياً، فعلى المؤسسات التعليمية أو من يقوم بدورها، أن تهتم بتنمية الجوانب العقلية والتعليم بأعقد الطرق أو بأبسطها، وبشكل رسمي أو غير رسمي وبشكل فردي أو جمعي، كما على المؤسسات الثقافية والمكتبات، ودور الفنون كالمسرح والسينما، والإعلام بجميع برامجه وفضائياته والمثقفين، وكل ذي وعي ورسالة؛ الاشتغال بجد على تنمية الجوانب الروحية والحياتية بتعليم المهارات الإنسانية، وتقديم البرامج الداعمة والمثقِفة، وتقديم النماذج المحتذى بها باستقدامها من التاريخ أو من الحضارات الأخرى، وتصحيح السلوكيات الخطأ نظريا وعمليا.
وينبغي على الأسرة تحمل الدور الأكبر في بناء وعي هذا الطفل، وضمان حفظ إنسانيته وحمايته بأقصى ما تستطيع، ثم يأتي دور المجتمع بكل شرائحه ومؤسساته وأفراده لحمل هذه المسؤولية، كل حسب طاقته، وحسب الإمكانات المتاحة، والأدوار المهيأة لها. فعلى جميع الجهات التي يقع على عاتقها مسؤولية تثقيف الطفل أن تقوم بأدوارها على أكمل وجه، و ألا تتنصل من المسؤولية بحجة أنها غير معنية بهذا الدور بشكل مباشر، أو بحجة ضعف الإمكانات المتاحة، لإننا لابد أن ندرك الخطر من عدم تعليم الطفل وتثقيفه في هذا العصر الذي يشكّل تحديا حقيقيا. ويجب أن لا نكل هذه المسئولية للبيت والمدرسة فقط؛ لأن الكثير من الأسر دون مستوى ثقافة العصر، ودون مستوى الإمكانات المطلوبة لمواكبتها، هذا إذا وجدت هذه الأسرة بشكل متكامل وطبيعي أصلا. كما أن العديد من المدارس لا تملك حتى مكتبة لتثقيف هذا الطفل، خاصة في مراحله الأولى التي يكون فيها بداية الإدراك لقيمة الكتاب ومعنى الثقافة. هذا ناهيك عن أطفال لا يجدون البيت أو المدرسة بفعل الفقر أو الحرب.
ولذا يجب أن تكون هناك دائما جهة مسؤولة مسؤولية واضحة ومباشرة عن الطفل وبرامجه (وزارة أو لجنة أو هيئة) وطنية أو عالمية، بحيث تكون المظلة الأشمل التي ينبغي أن تستظل تحت فيئها كل برامج الطفل التي يحتاجها، وتعنى بتثقيفه دينيا وصحيا وحياتيا ومعرفيا. وهي حاجات ملحة وضرورية لطفل هذا العصر، ويجب أن تقدم من قبل مختصين (موظفين أو متطوعين) يمتلكون المعلومة والقدرات النفسية والعلمية التي تؤهلهم لمخاطبة الطفل، وإقناعه بأكثر الوسائل إثارة وبهجة.
كذلك يتوجب توفير الأنشطة والبرامج الفنية والترفيهية كالأفلام والمسرحيات وغيرها من احتياجات متعوية وترفيهية، وتهتم بأدب الطفل المقروء (مجلات وكتب)، والمرئي والمسموع (برامج تلفزيونية، وإذاعية، ومسرحيات، وأفلام سينمائية) وكل مقتضى معرفي يمكن أن ينمي ثقافة السؤال لدى طفل هذا العصر الذي تلدغه الأجوبة، وتحاكمه الكونية، وتجلده المعرفة في تسارعاتها المرعبة، وتستلبه التقنية بكونها المتسع والكبير الذي يختصر ذاته في جهاز صغير. وقد لا يكون لديه من المربين من يساعده على فهم وشرح كل هذا التسارع والحرية والوعي في العالم، وكل هذه الاضطرابات والكبت والقهر في عالمه، وكيف يستطيع الموازنة بين كل الثنائيات التي تحتاج التوفيق بينها كالعلم والدين، والقيم والتقنية والحرية والمسؤولية وغيرها من ثنائيات الوجود التي تفرض نفسها كثيرا وعميقا في هذا العصر.
كما أن تنمية ثقافة السؤال وعدم الاعتماد على الأجوبة الجاهزة هي الأهم، لبناء جيل قادر على وضع علامات استفهام والبحث لها عن إجابات تخصه وحده، ليست إجابات قطعية وجاهزة أو متوارثة، لأن أجوبته ستختلف بالضرورة عن أجوبة آبائه وأجداده، وعن أجوبة الآخر القريب أو البعيد.
إن صناعة الغد هي في بناء إنسانه وتزويده بكل المهارات والوعي والثقافة التي تمكنه من الذهاب للمستقبل، وتغيير هذا الواقع المرعب الذي نعيشه (جهلا وفقرا وقيدا) لواقع أجمل وأكثر اتزانا وحرية وجمالا، وهو التحدي العربي الكبير والجدير بخوضه من قبل كل من يستطيع، وكل من يعتقد بإمكانية التغيير، وضرورة الحلم فردا كان أو مؤسسة في كل بقعة من الوطن العربي الكبير.
كاتبة عُمانية