"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الاثنين، 20 أبريل، 2015

ومضات


 

فاطمة الشيدي
20-4-2015
 
1.
في زمن أحوج ما نكون فيه للصفاء والعطاء، للرؤية الكونية الموّحِدة للإنسان، مازالت الشعوبية تطل برأسها بيننا بجهل، الشعوبية العصرية الأكثر عفنا، مهما تقدمت ببدلة وبربطة عنق أنيقة تتفنن في اختلاق عنصرياتها المقيتة.
قافلة العالم المتحضر تسير في أمان ورخاء ملتفتة لحاجة الإنسان وضرورات العصر فقط، بينما مازالت الكلاب في أوطاننا تنبح ..وتنبح، بدعاوي مختلفة وترهات عديدة!

2.
عندما يرحل الكتّاب نحبهم أكثر، نتعلق بروائح كلماتهم، نستعيد مقولاتهم وتجاربهم وأفكارهم بشغف، بعد الرحيل يحضرون أكثر بيننا، يتمشون في ذاكرة اللغات بخفة، ويعلقون في مصائد الحنين بإتقان، يتصدرون الكلام المكتوب والمنطوق بقداسة العظماء والموتى معا، إنهم لا يذهبون بعيدا، بل يعيشون خالدين بيننا.
فبعد أن يعيش أغلبهم الحياة ببؤس وألم وتهميش، يحضرون في الموت بتجل واسع، وجمال راسخ. وكأن الحياة هي فترة الكتابة بمداد الواقع، وخبرات الحضور المتجدد كمسوَّدة حياة لا أكثر، والموت هو بداية القراءة بعد أن ينتهي الحبر، وتكتمل الحكمة، وتشف التجربة، وبالتالي فهو حقيقة الحياة.
يالقدر الكاتب!

3.
نحن أبناء الزمن; ينحت دواخلنا، ويشكل زوايا وجودنا، ومنطلقات رؤانا، ولذا علينا أن نتخذ موقفنا منه وفيه، لنترك بصمة حضورنا في الوجود والغياب. الزمن القضية الوجودية، والفكرة الفلسفية  الكبرى، الزمن الذي ليس هو الوقت بالتأكيد الذي يشغل بعضنا، إنه الإطار الأكبر لوجودنا من الداخل للخارج. الزمن الذي نتقاطع فيه أثناء عبورنا القصير ونتحد معه، ويصبح منطلق وعينا، وهمنا الوجودي، ودائرة ارتكازنا المتوازي مع كل شيء، ونذهب ونحن منه ومعه وفيه.
فهل نحن جزء من الزمن، أم هو جزء منا؟ هل نعيش فيه أم يعيش فينا؟ هل زمننا واحد، أم لكل منا زمنه؟ هل نشعر بالزمن بطريقة متساوية، أم احساسنا بالزمن يعتمد على درجة الوعي والذاكرة والتفكير لكل منا؟ لا إجابات جاهزة، وولكن في زمننا هذا، المضمخ بالدم والعار والكذب، ليس لنا إلا أن ننحاز لضمير الكون، وروحه، ولغته بكل حروفها المكتوبة والهامسة والخرساء في محاولة للنجاة بأقل الخسائر ، وأصدق الاحتمالات.
 

الجمعة، 17 أبريل، 2015


 
فاطمة الشيدي
17-4-2015
 
كن سعيدا"أمنية الجدة نينا (البابوشكا) الروسية، لسعد الله العماني.. هي مفصل هذه الرواية، لتجسد حكمة هذه المرأة وصبرها وعمق شخصيتها الطيبة، وقوة شكيمتها في مواجهة الزمن والحياة والوحدة والبرد والبشر، والتي يكبرها الغريب ويتعلم منها.
ولكن هل "أنا والجدة نينا" رواية؟م مكتملة العناصر والبناء العضوي للنص الروائي؟، أم هي مذكرات شخصية لطالب عماني يدرس في روسيا، يستحضر فيها الجامعة والسكن والعلاقات الإنسانية بين الزملاء، والزميلات التي تناوش الرغبة بهن روح الرجل الوحيد الباحث عن جس...د أنثى، ليدفئ به سعار البرد والوحدة، مجربا حظه معهن واحدة تلو الأخرى ؟!
يظل السؤال قائما ..
ولكن انسجام خط الأحداث، وعمق رسم الشخصيات، والأساطير الضمنية المستحضرة حول روسيا، والتأملات الروحية، والالتفات العميق لتفاصيل المكان والإنسان (الأنا) والآخر .. يجعل القارئ يمضي بلهفة في الرواية "كما أراد مؤلفها وناشرها في الأقل" حتى نقطة النهاية المفتوحة على علاقة هذا الغريب بالمكان الكبير روسيا، والصغير "بيت الجدة نينا التي يسكن في غرفة منه" وبالنساء ومارية تحديدا.

الخميس، 16 أبريل، 2015

The Longest Ride

 
 
بات من المؤكد لدي أن عامل الصدفة هو الذي يوصلك لفيلم مائز.وهو هنا فيلم The Longest Ride. عن قصة نيكولاس سباركس، وهو من الكُتّاب المميزين في الرواية العاطفية تحديدا، وإخراج جورج تيلمان جونيور وبطولة بريت روبينسون، وسكوت إيستوود (وهو إبن الرائع كلينت إيستوود).
وكانت الصدفة أيضا هي التي قادت بطلة الفيلم"صوفيا"- المشغولة بالدراسة الجادة، للتخرج في الفنون الجميلة والعمل في مجالها الفني، بعقد عمل مغر جدا في إتليه كبير بعد شهرين أو أقل، وهذا هو حلمها الكبير وعالمها الذي تنتمي له- أ...قول أن الصدفة هي التي قادت "صوفيا" لحضور مسابقة في صراع الثيران بإلحاح صديقتها، للوقوع في حب مصارع (راكب) ثيران محترف، حيث قفز هروبا من الثور للمدرّج أمامها وسقطت قبعته بين يديها، ليذهب بعيدا في عينيها وروحها، كما فعلت هي.
والصدفة أيضا هي التي قادتهما بعد سهرة ممتعة على ضوء الشموع انتهت بمطر شديد، للعثور على رجل كبير في السن (آيرا) في سيارته التي اصدمت بشجرة نتيجة المطر، هرع "لوك" لنجدته وإخراجه من السيارة، ليسمعه يردد "الصندوق الصندوق"، فدخلت صوفيا للسيارة، وانتشلت الصندوق قبل أن تنفجر السيارة، ولأن الصندوق لم يكن محكم الإغلاق فقد شاهدت أنه يحوي عددا كبيرا من الرسائل بين هذا الرجل وزوجته الحبيبة.
ظلت صوفيا تزور الرجل في المستشفى أولا ، ثم في البيت لاحقا، وتقرأ له بعض الرسائل، وهو يحكي لها قصة حبه العظيمة، بينه هو التاجر، وزوجته القادمة من فيينا، المعلمة عاشقة الفن وجامعة اللوحات الفنية.
كانت علاقة صوفيا بلوك تصطدم بجدران الاختلاف بين عالمين، وحرص كل منهما على عالمه، وتشدد لوك في عدم التخلي عن مصارعة الثيران التي قد تكلفه حياته كما حدث كثيرا. وبالتالي حدث الانفصال كنتيجة لهذا الاختلاف.
وظلت هي تزور الرجل وتسمع حكايته، الذي أكد لها أن الحب هو المهم مهما كان الاختلاف الظاهري، لأن تقارب القلوب هو العامل الأبلغ في العشق، مما يربك قناعات الفرد ضمن فكرة الحب، وضرورة التقارب بين الحبيبين.. ساردا لها الهزات التي تعرض لها حبهما هو وزوجته رووث، وأهمها رغبة زوجته في تكوين عائلة، وتعرضه لحادثة في الحرب تمنعه من الانجاب، وتعلق زوجته بطفل فقير تدرسه، وتساعده، وعدم قدرتهما على تبنيه. والحزن الذي أصابها. وانتصارهما على كل ذلك بالحب، حتى رحيل الزوجة من فترة قريبة وشعوره بالفقد الكبير لرحيلها.
وليس كثيرا حتى وصلته لوحه رسمها الطفل الذي حنّت عليه بعد أن أصبح طبيا، ولكنه مات من فترة وأوصى زوجته أن ترسل اللوحة لهما.
كان كل من صوفيا ولوك يمارس حياته متفردا، هي أنهت دروسها وهو حقق هدفه بأطول مدة على ظهر أرعن وأشرس ثور، حين وصلت لهما دعوة من محامي الرجل العجوز الذي توفي، ليحضرا مزادا لبيع اللوحات الثمينة التي جمعها لزوجته طيلة فترة حياته.
فحضر كل منهما، وعرضت اللوحة التي رسمها الفتى أولا من باب الوصية، فأعرض عنها الجميع، واشتراها لوك لصوفيا، لتكشف الوصية لاحقا أن من يشتري لوحة الزوجة، تذهب إليه باقي المجموعة.
أخذ صوفيا ولوك المجموعة، وأسسا متحفا للزوجين ولمقتنياتهما الثمينة. وعاشا معا حياة الحب المنسجمة داخليا، رغم اختلاف العالم الذي ينتمي له كل منهما، ليطوعا كل شيء لصالح الحب العميق الذي هو هبه ثمينة يجب الحفاظ عليها ما أن يتحصل عليها الفرد كقدر استثنائي خاص ونادر كما يريد الفن دائما أن يرسخ، لتختلف معه الحياة دائما أيضا كثيرا أو قليلا.

مواقع الاغتراب الاجتماعي







فاطمة الشيدي
…………………
أحاول منذ فترة أن أسحب نفسي تدريجيا وبهدوء من "مواقع الاغتراب الاجتماعي" الافتراضية، كما فعلت في الكثير من مواقع الاغتراب الاجتماعية الواقعية، فليس علينا أن نتحول لكائنات عامة، متماثلة، و نفقد حس الاختلاف والخصوصية، وحس الرفض والنقد والمساءلة، والتمرد على الأطر المملة الموضوعة بلا رغبة في التجديد والذهاب مع الحياة ومدنية الكون، كما ليس علينا الانحشار في زمرة المطبلين، والممالئين، ولا حتى التفنن في تغيير الأقنعة والألبسة لكل زمان ومكان وشخص، فيكفي أن يكون الإنسان ذاته ليشعر بالرضا، ويكفي أن يتراجع خطوتين ليشعر بالأمان، ويشعر الآخر بالرفض والابتعاد، وتظل العزلة الداخلية والرؤية الخاصة  هي الأجمل والأصدق في الحياة  والكتابة معا.
كما ليس علينا أن نفقد متعة الكتابة، ونقرات الكيبورد، لنلمس بعشوائية الحروف الضوئية، وليس علينا أن نتحول لكائنات محنطة في صناديق صغيرة، منكسة الرؤوس في شاشات تسرق البصر، وترهق الروح. كائنات مدمنة لعالم بعيد وكثير. كائنات منفية خارج الحياة إلى هامش ضوئي.
الشمس والهواء والبحر، والثرثرة الهشة والبسيطة على فنجان قهوة، أو حتى في الهاتف، وصوت الضحكة الناصع، وملامح الحزن في وجه عزيز، وحضن طويل، وقهقهات عبثية، وبكاء مشترك أجمل من كل شيء هناك، وأكثر غنى ووفرة.
صديق/ـة واحد أو أكثر قليلا، تلمس يده وتقرأ عينيه، أجمل من هذا اللهاث الكمي الغريب، وقراءة نص في كتاب، ووضع خطوط وخربشات على صورة فنيه فيه جرحت روحك، وفتنت مخيلتك، أثبت من نصوص كثيرة تعبرك كالنهر الذي لا تستطيع السباحة فيه مرتين. والوقت المستمر الذي تستهلكه في هذا الجنون يمكنه أن يستثمر في كتاب، أو مشروع إنساني، أو تعلم مهارة جديدة أو لغة جديدة.
الانسحاب التدريجي يضمن لك الهدوء، وعدم الندم، كما يضمن لك مراجعة القرار بمهل، وبوعي بلا اجتثاث، ولا رعونة، يمكنك أن تعود بين الفينة والأخرى للمكان الافتراضي، كما تعرج على زيارة أحد المقاهي التي تحب أن تشرب القهوة فيها في الحياة، وتتفقد تفقدا حنينيا أصدقاء حرفك وروحك، ووضع"لايك" لمقولة تختصرك تماما، أو نص وفّر عليك مشقة كتابته.
تماما كما ما أن تسمع عن ندوة مختلفة لشخصية استثنائية، إلا وتحلّق إليها لمعانقة جمالها، خارج صلف الروتين، وضجيج الكلام المستمر بلا فائدة، سوى ملئ أجندة الزمن.المهم الانسلال الضمني البطيئ من هذه الهستيريا الكونية واللهاث العبثي. 

السبت، 11 أبريل، 2015

الحرب التي تأكل صغارها

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
 
الآن و"عاصفة الحزم" تفترع اليمن جنوبا وشمالا، وتلتهم حاضرها وحضارتها بلا وعي ورحمة ولا مسؤولية للإنسان أو للتاريخ، يستحضرني مثل شعبي: «الحرب كالقطة إن جاعت تأكل صغارها». ولا أعرف مصداقية هذا المثل الأخلاقية والعلمية، بالنسبة للقطط، فهل هي تأكل صغارها فعلا إن جاعت؟ أم أنها بريئة من كذب بني البشر، براءة الذئب من دم يوسف؟ ولكن الأكيد أن الحرب فعلا تأكل أبناءها، فلا توجد حرب رحيمة، ولا حرب إنسانية، ومهما كانت الخيارات الدافعة للحرب، فالحرب تظل دوما أسوأ الخيارات كما يعرف الجميع، وكما يعرف من عاشها وجربها. ولذا فلا يمكن لعاقل أن يذهب في اتجاه الحرب، دون حساب الخسائر في الأرواح والحضارة قبل وبعد كل شيء، إلا نحن أبناء الحروب الطويلة والكثيرة والممتّدة من داحس والغبراء، حتى «عاصفة الحزم»، الحروب التي أكلت أرواحنا وأحلامنا بالأمن والحرية والسلام والرخاء.
ومن يستحضر تاريخ المنطقة العربية الحديث منذ سبعينيات القرن الفائت على الأقل يجد أن المنطقة تخوض حربا «دونكيشوتية» طويلة ومستمرة بلا غاية، فبعد حروب الاستقلال، وخارج القضية الفلسطينية، لم تكن هناك قضية حقيقية تستحق الحرب، ولكن كانت ومازالت هناك حروب، متعددة الأوجه والأقنعة، حروب وانقلابات وزعزعات بلا هدف وبلا ثمن، خارج التكالب المريض على السلطة، بل أن هذه الحروب أصبحت تتناسل مع الزمن، وتتغذى على دمنا، وعلى عيشنا ورزقنا، حروب أفكار وطوائف وجهل. مدفوعة الثمن، بلا وعي ولا تقدير لويلات الحروب، ولانعكاساتها المدمرة على المكان والإنسان.
ولذا فكلنا أبناء الحرب التي تأكلنا إن جاعت، وهي جائعة أبدا، أجيال بعد أجيال، اتحدت صرختنا الأولى بصرخات الهزيمة، وهدهدت مهودنا أغنيات الفقد، ووجع الغياب، وكبرنا لنتعلم المشي والكلام على صدى الوجع العربي، والشتات العربي، فتحنا أعيننا على شاشات تصدر لنا رائحة الموت، وأشلاء الموتى، سمعنا حرقة قلوب الأمهات، وبكاء الجدات، وحشرجة الآباء والأجداد.
منذ جئنا لهذه الأرض ونحن نعيش ونعايش ويلات الحرب، وأصداء الهزيمة والفقد، وها نحن نهرم وثمة حرب قائمة، وأخرى تلوح في الأفق، ووعد ووعيد بحروب لا تنتهي. حرب الجبل الأخضر، وحرب  تحرير ظفار، والحرب الأهلية في لبنان، وحرب إيران والعراق، وحرب الكويت، وغزو العراق، حتى ثورات الربيع الدامي، والموت الجاهز والمجاني الذي يصدّر بسيطا وسهلا ومتاحا للجميع بلا ثمن، في شاشات منحازة لأصحابها ولأموالهم الكثيرة، شاشات تجمّل القبح وتصدّر الكذب والنفاق، وتحوّل الحقائق، وتقلب الموازين، وتشوه الجمال. بل لقد أصبح معظمها مختصا في صناعة العفن، وترويج الشر والكراهية بكل مستوياتها وأشكالها بشكل يدعو للقرف والتقزز، وأصبح المواطن العربي يعيش حالة اهتزاز للثوابت، وفقدان للثقة في كل شيء من نفسه حتى الله، مرورا بالأوطان والإنسان.
فماذا قدمت هذه الحروب لإنسان المنطقة المحاصر بالذل والقهر والجوع، ماذا فعلت لفلسطين، سوى أن رسخت هواننا العربي، وشتاتنا وتمزقنا وتفرقنا المخزي، ونحن نتفرج بحسرة على العالم من حولنا  يذهب في الحضارة والتقدم، في حين مازلنا نقتل بعضنا، ونمجد القيد،  ونحاسب على الكلمة، ونسجن المثقف، ومازالت بلادنا ترزح تحت وطأة الجهل، والقهر والجوع، حتى أضحت طاردة لكل قلم وفن وجمال، وبات أبناء هذه الأوطان يفضلون صفة لاجئ على مواطن، بل يفضلون المجازفة بالموت غرقا أو هربا على الحياة فيها.
فكم من الأموال صرفت على هذه الحروب وكان الأولى والأجدى أن تستثمر في صناعة الإنسان وفي تعمير الأرض، وفي بناء الشوارع والبيوت والمستشفيات والمدارس والمعاهد ودور السينما والمسارح والمكتبات، وكم من صفقات الأسلحة التي عقدت بمليارات الدولارات، لتقتل آلاف الأشخاص بلا وعي باستثمار القوى العالمية لنا، واستغلال أموالنا لتدمير أوطاننا.
ماذا جنت بلادنا التي تعيش في آخر مستويات الحياة المدنية؟ وماذا جنى إنسانها المأزوم، والمهجّر والهارب والفقير والجائع والهامشي الذليل من كل هذه الحروب؟ وماذنب اليمن التاريخ والإنسان، روح العروبة، وأصلها الثابت وفرعها الذي في السماء، ليتكالب عليها المتكالبون، فتحشر في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، بين قوتين خارجيتين يتحدث كل منها باسمها، وهي منهما براء؟ ولكن هل سيدعها أعداء التاريخ والإنسان لتسمو بروحها جميلة عالية بلا ملح ولا جراح ولا أورام تزرع في جسدها الطيب؟
بالطبع لا، لأنها كالعراق وسوريا ذاكرة الشعوب وروح الحضارة، فلا بد أن يتهافت عليها المتهافتون، ويطالها الدمار المجتث لجذورها الموغلة. وهذا سر الحزن العربي، وتلك الحيرة التي كبرت واستطالت منذ 2011، بعد فرح وأمل قصير في التغيير واللحاق بركب الحياة والحرية، فالكل اجتمع على إنساننا الذي أغلبه لم يتسلح كثيرا بالعلم، ولم يتشرب مفاهيم الحرية والوعي والجمال، ولم يتعلم قيم الاختلاف والتعددية، ولم يشف من السعي الحثيث وراء لقمة العيش، وأوعزوا إلى سدنة الجهل أن يعيثوا فسادا في أوطاننا، ويحكموا القبضة عليها حسب المصالح والأهواء،  فتصبح الأوطان ممتلكات جائزة الحيازة والنقل، ومصدر صراع لقوى خارجية. وكل ما يحدث الآن هو محاولة إرجاع الإنسان لمنطقة الأسلم من الشر، والأذل من الخيارات، والانحياز القسري لظل ما، مهما بلغت عتمته، ليتمكنوا من إذكاء فتنة غير موجودة، وإعادة صياغة الأوطان وفق أهوائهم  الدنيئة، وتقاسم غنائمها، وتحجيم إنسانها. وهنا تستطيل حيرة الوعي، ويخرس الكلام تماما، أمام التاريخ الجديد الذي يكتب بالحقد والجهل وبدم الإنسان، وبعجزه التام عن الفهم، أو منطق الانحياز لأي جهة ما عدا يمن التاريخ والإنسان.
كاتبة عمانية
فاطمة الشيدي

الجمعة، 10 أبريل، 2015

هل تبكي النخلة أحيانا؟
عندما يشتد الحر مثلا
أو عندما يخطئها الثمر
أو حين تهملها الغيوم
و عندما لا يقف العابرون طويلا لتأمل طولها الفارع...
ولا يتغزل شاعر بشعرها المجنون
هل تحزن الأفلاج؟
حين يجف ضرع النبع
وحين لا يخلل مؤمن لحيته للصلاة، بمائها
وحين لاتبكي امرأة في مرايا وجهها
لتستعيد نضارة الحلم
وهل تبكي الطريق؟
حين تخذلها المسافات والخطو
أو حين تعبرها جنازة طفل كان يركض نحوها
أو حين تتعثر الأمهات في رحلة الإياب مساءً
أو تغيّر أم وجهتها للسماء؟
هل تحزن الأشجار، والكواكب والنجوم؟
والطيور والفراشات والنحل ؟
حين يكْفهر وجه السماوات
أو حين تعبس الأرض
أو حين يمتد ظل الظل نحو جوهر الأشياء
فيعتم الإشراق
هل تبكي كالغيم المحتقن أبدا
وكالبحر الذي يفيض بدمعه، كلما أربكه الشجن
وكالروح الحزين حين يتغشاها الوجع ؟!

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

8إبريل
… .
ماذا يعني أن تولد في يوم ما؟ أن تأتي للعالم ضجرا كدرا مرهقا، ويكون دورك الكبير أبدا أن تثبت عكس ذلك، أن تولد في زمن عبثي، متمردا على قوانين الخارج، ثائرا عليه، رافضا لمياهه الآسنة، وحذافيره الهشة.
تعلق روحك القلقة وجسدك المرضوض بالهامش والبعيد، تحترف أكثر الأشياء تجريدا، الكلمة، تستوطنها، تذهب فيها، وتتصاعد معها، وليس إلا!
وتتعالق مع الجانب الهش حيث الموسيقا والفنون، والحلم. ...
ماذا يعني أن تولد في يوم ما، في زمن ما، بلا خيارات أوليّة أو تالية، تنزلق من صلب ما لرحم ما، وتظل صرختك الأولى هي عنوان حياتك كلها وعلى كل شيء.
ماذا يعني أن تتململ في عبورك الجزئي الحاد إلى جوار أكثر الأشياء اجتراحا، منحازا للوجع والألم في العالم، ذاهبا في صدى ضحكة عبثية متصلة الذيول بالدمع.
أن لا تؤمن بالكثير، ولا يؤمن بك كثر، أن تربي عزلتك في الظل الباهت، مؤمنا بأقل الأشياء وأرسخها كالله والحب فقط.
أن تميل للرافضين والكارهين والغائبين، والمشاغبين والمجانين، وأصحاب النصوص الخارجة من المحرقة توا.
المكتوبة بالدم والوجع .
وتكره الديكة، والطواويس، ذوي الأجساد المنحنية والأيدي المعقوفة، والمتلفحين بغطاءات جانبية كالدين والمال والشهرة والظهور و… و… و… من القبح الكثير المنتشر في الخارج كانتشار العفن.
ماذا يعني أن تستيقظ في يوم مولدك قابلا للكسر ، مملوءا بالدمع كأكثر أيام حياتك، يحزك الغياب، ويكتنفك الألم، بل وتتذكر فور ما تستيقظ سيوران في يوم مولدكما معا. لتلقي له بتحية عبر العدم.
أيها العدمي الأكبر كل عام وأنت أكثر أرقا ووجعا وجمالا ووهجا ..هنا وهناك.

الاثنين، 6 أبريل، 2015

لا جديد
البشر يمضون في تفاهاتهم الكونية بشكل رفيع
ويمارسون حماقاتهم اليومية بإتقان بليغ
يأكلون وينامون ويضحكون
 يمارسون الحب والضجر والألم والبكاء
على مواقع التواصل الاجتماعي
يعرضون أحزانهم للغرباء
يزايدون على الموت والجوع بالكلمات
لا جديد
الشعر أصبح متاحا كالدموع
والحزن اصبح ساذجا كالكذب
واللصوص يغيرون جلودهم
ويسطون على أحلامنا بخفة
والتاريخ يسجل هزائمنا المتجددة بحيادية تامة
وببرود مطلق
ويكتب أضابيره على أجسادنا المرضوضة
وأرواحنا المتشظية بلا وجل
ونحن نمضي في كل هذا الرعاف والضيم
بلا خجل

الخميس، 2 أبريل، 2015

السماء الكدرة من عاصفة أجهضت نجومها
والأرض المتململة بقلق من بكاء المستضعفين
والغيمة الوحيدة التي تحمل أوزار العطش
والشجرة المعزولة في بطن الوادي هربا من إثم الغابة
والطائر المفقوء العين من قذيفة غادرة
وجثة القطة المرضوضة في خندق المعركة
والكلبة التي فقدت صغارها غيلة
كلها تعاتب الله..  لم خلقت الإنسان؟
والملائكة أكدت العتاب بعتاب " أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء"!؟
بينما أنا مافتئت أعاتبه ..لم لم تحمِ معاوية؟ لقد كان يحبك!

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

1.
الكذبة الكبيرة التي نعيشها وصدقناها غالبا، الكذبة المتعددة، المتفرعة، المتوازية، المتقاطعة، المنبثقة من الداخل للخارج، ومن الخارج للداخل، ومن العام للخاص، ومن الكل للجزء والعكس.
هذه الكذبة أكبر بكثير من كذبة 1 إبريل.
لعلنا أصبحنا نحتاج يوما للصدق لنبتهج قليلا !

2.
خارج النت ووسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا  بي بي سي، ومونت كارلو الدولية، نقلّب بينهما وجوهنا وآذاننا وأرواحنا، فهل نبحث عن الجمال والحياة، أم عن الشفافية والمصداقية؟ لا أعرف حقا.
ولكن المرء لم يعد يستطيع الاستماع إلا لهاتين الإذاعتين، لفرط الإدّعاء والقبح، والكذب والنفاق، وتحويل الحقائق، وقلب الموازين، وتشويه الجمال، في وسائل الإعلام العربية.
لقد أصبح معظمها مختصا في صناعة العفن، وترويج القبح بكل مستوياته وأشكاله بشكل يدعو للقرف والتقزز، وأصبح المواطن العربي يعيش حالة اهتزاز للثوابت، وفقدان للثقة في كل شيء من نفسه حتى الله، مرورا بالأوطان والإنسان.  والله المستعان

3.
اليمن هي روح العروبة، وأصلها الثابت وفرعها الذي في السماء.
وعُمان ابنة اليمن، وشقيقتها في التاريخ والمحبة والإنسان، وهذه المحبة مغروسة في نفس كل عُماني وعربي من الماء إلى الماء، ومن العلق حتى الرمق.
ولكن هل كاليمن يمكن أن يترك ليربي شأن رفعته وحيدا؟! هل سيدعه أعداء التاريخ والإنسان ليسمو بروحه جميلا عاليا بلا ملح ولا جراح ولا أورام تزرع في جسده الطيب؟!
بالطبع لا، وهذا سر الحزن العربي، وتلك الحيرة التي كبرت واستطالت منذ 2011، بعد فرح وأمل في التغيير واللحاق بركب الحياة والحرية، فالقردة والخنازيز اجتمعوا منذ زمن على إنساننا الذي أغلبه لم يتسلح كثيرا بالعلم، ولم يتشرب مفاهيم الحرية والوعي والجمال، ولم يتعلم قيم الاختلاف والتعددية، ولم يشف من السعي الحثيث وراء لقمة العيش، وأوعزت إلى سدنة الجهل أن يعيثوا فسادا في أوطاننا، ويحكموا القبضة عليها حسب المصالح والأهواء،  فتصبح الأوطان ممتلكات جائزة الحيازة والنقل للأقوى،  ويستيقظ الإنسان أمام صدمته مبهوتا أمام شح الخيارات، ولا عدالتها، تلك التي دفع ثمنها غاليا جدا، فلا خيارات اليوم سوى بين موت وموت، وشر وشر، وقهر وقهر، وقيد وقيد، وكلاهما مر، وكل ما يحدث الآن هو محاولة إرجاع الإنسان لمنطقة الأسلم من الشر، والأذل من الخيارات، والإنحياز القسري لظل ما، مهما بلغت عتمته، ليتمكنوا من خلاله من إذكاء فتنة غير موجودة، وإعادة صياغة الأوطان وفق أهوائهم  الدنيئة، وغاياتهم الحقيرة، وتقاسم غنائمها، وتحجيم إنسانها.  وهنا تستطيل حيرة الوعي، ويخرس الكلام تماما، فكل الخيارات مر.
إن كل ما علينا فعله  وفق المنطق الإنساني أن نثق في اليمن الإنسان، ونسانده بوعي ومسؤلية ومحبة. وبسبل متدرجة أولها الحوار والمفاوضات، ونترك له أن يقرر ثانيا وأخيرا وما بينهما.
ويارب..  اليمن اليمن .فهذا كل ما يمكن أن نقوله، أمام التاريخ الجديد الذي يكتب بالحقد والجهل وبدم الإنسان، وبعجزه التام عن الفهم، أو الانحياز القائم على منطق لأي جهة إلا لليمن التاريخ والإنسان.

4.
وصلتني هذه الرسالة من قارئ جميل،  وهبتني الكثير من الفرح والامتنان للعالم بأن ثمة من يشاركك الفكرة  المعجونة بوهج الإحساس ووجع الوعي ووهج الرؤيا، والثقة والإيمان بأنه دائما ثمة قارئ محتمل عبر الزمان والمكان .

"قرأت مقامات الظل، مقاماتك، ظلك، مسوداتك، حياتك، حياتنا
قرأت معظم تلك الشذرات
هذا النوع من الكتابة آسر
ما على المرء إلا أن يقتني تشظيات أشكال ومضامين عبدالله حبيب
ومقاماتك
وسوف يشكل وعيا وفلسفة غير عادية ممزوجة بالتجربة والقراءة العميقة من مؤلفي هذين الإصدارين
شكرا لحضورك في هذا العالم اليباب."
وليد
...................................
بل كل الشكر لك أيها القارئ المختلف، هذه الرسائل هي زاد الكاتب، والدافع الحقيقي لمواصلة الكتابة في عالم لا يقرأ  .
شكرا لمقاسمتي خبز الكلمة وملح الحياة ، وأنا مدينة لك ولقارئ آخر محتمل  في مكان ما وزمان ما ، باستمرار الكتابة.
 

الأربعاء، 25 مارس، 2015

مذ عرفتُني
ما عدتُ أنا
صارت الطبيعة جسدي
والكون روحي الهائمة
من يومها وأنا أمضي بحثا عن الرؤيا
كأني الرائي
وتعلق بي الحكايات المتناثرة من فم الكون
كأني الراوي
تستوقفني الكلمات كلما هممت بالصمت
تتحد بي
البحر وشى بي لكائناته اللزجة
فصارت السلاحف وقناديل البحر ونجماته
يتهادين في منامي لأكتبهن
والتاريخ وشى بي لأميراته
وأهداني أقلام كحل لأغمّق رموشهن بما يليق بالتفاصيل والقلق
ولادة تقول مت وفي فمي قصيدة
والخنساء تقول دمعي لم يشف حرقتي
الشجرة قصيدة عمودية تطالبني بالكلمات
والسماء حكاية من فصول اللون
والأرض ذاكرة اللغة
نمل يمشي في نومي
وطير يأكل من رأسي
نحن بعضك
يقول طنين النحل
وحيوانات زاحفة في أوهامي
وأنا مرهقة
فمن أين أبدأ؟
وصمت العارف سلاحه
وصلاة المؤمن مبهمة
كيف أكتب؟
ونشيد متصل النشيج يتردد داخلي بلا توقف
والأغنية الأخيرة للسجان
والرقصة الأولى للسيف، أو للرأس خارج جسده
والراعية في جبال الحجر استودعتني سرها
وثياب الرهبان واسعة
وقدري محفوف بالماء
أين الرؤية؟
وخنجر مغروز في زاوية الصورة
وفي زاوية القلب
وفي مقلة غزال أرعن تربى بمهل في حنجرة الشعر
وحزن أعزل يربي متاهاته في صوت البحار
وفي قلب الشاعر
وأنا ما عدتُ أنا .
 
فاطمة الشيدي
 
بعض الحب يجعلك سعيدا، وبعضه يجعلك حزينا، ولكن ثمة حب يجعلك مجرما، وذلك حين لا ترى من العالم سوى شخص واحد، وتدرك حقيقة أن الحياة قد تكون معه أو لا تكون، هكذا يقول لنا هذا الفيلم عبر أحداث غامضة تتكشف عبر الاحداث لندرك الموضوع تدريجيا، فالعاشق الذي كان سببا في إصابة المرأة (الزوجة والأم) (نيكول كيدمان) بفقدان ذاكرة مزمن ويومي، أي أنها تنسى كل يوم كل الأحداث تماما، بسبب العنف الذي مارسه عليها عندما... قررت التخلي عنه، والعودة لزوجها وطفلها، عاد لينتحل شخصية زوجها ويعيش معها ليرعاها ويعتني بها بعد أن تركها الزوج ليستطيع تربية الطفل بسلام، إلا أن طبيبا يساعدها على التذكر كان يحاول معالجتها بعيدا عن زوجها المنتحل.
وهكذا تستعيد المرأة بعض من الذكريات بين فينة وأخرى فيحاول العاشق الوسيم (كولين فيرث) والمتيم بها لدرجة أنه لا يأبه لكونها مصابة بفقدان الذاكرة بل اعتبر ذلك إيجابيا لتعيش معه. طمس هذه الذاكرة، وأخيرا لا يكون أمامه إلا تخييرها بينه وبين الموت، (إما أن نخرج من هنا معا أو نموت معا) فيأخذها لذات المكان الذي ضربها فيه حتي فقدت الذاكرة، ليواجهها بحقيقة الأشياء، ويخيرها بينه وبين الموت مجددا، وبعد شجار دام، هربت منه بصعوبة بالكثير من الإصابات.
عاطفة الأم كانت هي الأعمق والأكثر رسوخا وتجسيدا في الفيلم، فهي قررت التخلي عن العاشق الوسيم المتيم بها، من أجل طفلها، ولا حقا كان أقسى ما يجعلها تتألم هو أن تتذكر طفلها، وحين يخبرها أن طفلها مات، وبالتالي فهي ستتذكره كلما استعادت الذاكرة أي كل يوم، وكانت تتألم بحرقة (سيظل حزني جديدا، وسأبكي كل يوم كما لو ان هذا يحدث الآن) وهذا عذاب التذكر وقيمة النسيان مع الزمن للإنسان، ولذا أيضا كانت عاطفة الأم هي السبب في استعادتها الذاكرة بشكل كلي بين يدي طفلها ما أن رأته وتكلمت معه.

الاثنين، 23 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
 
الحب العظيم هو اتحاد الأرواح العظيمة، ولا يكتمل كيان الإنسان ولا تظهر حقيقته إلا عبر هذا الحب، وقد عرف الشاعر الأمير جوفري روديل هذا بعد حياة الترف التي عاشها، وظل يبحث عن حبه الضائع والبعيد (جميلة بدون صلف الجمال، نبيلة بدون صلف النبل، تقية بدون صلف التقى)، حتى دله عليه صديقه الحاج وعرفه على حبيبته الحلم التي يبحث عنها وهي الكونتيسة كليمانس في طرابلس..وأخبرها عنه أيضا في رحلته للشرق، ونقل لها أشعاره التي تغنى فيها بجمالها فشغفت روحها بلغته وسحرها فنه، وفتنتها كلماته، فحدث الحب عن بعد بين قلبين وروحين يتوقان للحب العظيم، حتى قرر الشاعر الأمير السفر لمحبوبته عبر البحر، ولكن ولأن الحب الكبير هو دائما الحب المستحيل يصل الشاعر وهو يحتضر ، ويموت في أحضانها .
هذا هو ملخص مسرحية الحب عن بعد لأمين معلوف، التي لا يتمنى قارئها الذي يتشرب جمال الفكرة العظيمة، واللغة الرقيقة، سوى مشاهدتها في عرضها الأوبرالي من إخراج بيتر سيلر، كما قدمت فعلا على مسرح الشاتليه في فرنسا 2001 ودارت العالم بعد ذلك.

السبت، 14 مارس، 2015

ملامح التدوين وأفق النص العابر للأجناس عند معاوية الرواحي




فاطمة الشيدي
14- 3- 2015
القدس العربي


 يمثل معاوية الرواحي ظاهرة ثقافية وأدبية تستحق الوقوف عندها والتمعن في سيرورتها الإبداعية، ومتابعة نتاجها الأدبي المتنوع بين الشعر والقصة والسيرة الذاتية، والتدوين النصي العابر للأجناس (النص المفتوح) .ويستحق معاوية الوقوف مليا عند تجربته لسببين رئيسين :

الأول: خروجه على النمطي والسائد في الكتابة والمجتمع: فمعاوية يمثل حالة شطط شخصي ونصي على كل قواعد السمت الإبداعي التي يعيشها، أو يحتكم إليها، أو يسير ضمنها خارجيا على الأقل أغلبية الكتاب في عمان وربما خارجها، حيث يحاول الجميع خلق معادلة متوازية ومتوازنة نسبيا بين فروض الإبداع، وفرضيات المجتمع الأخلاقي والعرفي. في حالة من النفاق "الحميد" لأن الخروج على المجتمع له ضرائب كثيرة ليس الجميع قادرا عليها، ولا بأس من مساحة داخلية أو خفية يمارس فيها الكاتب ما يحلو له من شطط ونزق، ولكن مع ذاته أو مع من يركن إليهم من أصدقاء الوعي والإبداع فقط، بعيدا عن الرقيب المجتمعي المشدود ضمنا وبقوة إلى معايير العادات والتقاليد، والمحاكم للجمع ضمنها. أو حتى العزلة والابتعاد الكلي عنه (أي المجتمع)، دون جهر أو فضح لممارسة الجنون والنزق الإبداعي والإنساني الخاص والحميم بالكاتب، والذي ينبغي على المجتمع احترامه، وليس على الفرد الخضوع له والامتثال لشروطه، ولكننا في مجتمع عربي معكوس القوانين غالبا.

أما معاوية فقد اختار وعن سبق قصدية وجنون، الخروج الصريح والواضح على تقاليد وسلوكيات المجتمع "الصارمة والمنضبطة بقانون جمعي عرفي عام" بكل وضوح، بل عمد لكتابة محتفياته الخاصة بهذا الخروج، وفضح علائقه المنبتة معه، وتعرية كل مالا يتوافق مع روحه النزقة من أعراف المجتمع وسلوكيات أفراده الكاذبة أو المنافقة أو المتحايلة على الحضور الرصين بأشكال غير صادقة تماما، أو تلك المتأرجحة بين القبول والرفض والامتثال الجهري والخروج الداخلي.

إن روحه الشاعرة والمتمردة والمرتهنة بكل شفافية ونزق لروح طفل أو مجنون أو كلاهما معا، هي أهم ما يميز روح وقلم معاوية الرواحي، مما جعله لا يأبه لمعايير وشروط المجتمع، وبالتالي فهو يطلق جملته اللغوية مع كل طارئ وحميم بكل صدق وشفافية، وكل ما يعنيه هو تسجيل ما يطرأ على ذاكرته أو فكره أو روحه من أحداث أو أفكار، ويطرحه للعام دون تمريره على الرقابة الذاتية، التي يخضع لها كل فرد منا، ليحدد ما ينبغي وما لا ينبغي أن يقال، ناهيك عن أن يدون ذلك ويظهره للعيان.

إن نص معاوية بهذا المعنى مرآة شفيفة لروحه ووعيه ولا وعيه، فكل ما يحاكم في الخفي من الإنسان يعالجه معاوية لغة ونصا في الظاهر من القول والكتابة والتدوين، من الشك حتى اليقين، ومن الرفض حتى اللعن، ومن القبول حتى المحبة.

ولذا فكل الأفكار الكبرى منها والصغرى لها حق الحضور النصي بين متون معاوية الرواحي وهوامشه، كالرب، والمجتمع، والروح، والجسد، والذاكرة، والألم، والحب، وغيرها من الأفكار التي ناقشها الإنسان عقودا طويلة، وذهبت فيها وجعا وألما "الأرواح المعذبة" كروح معاوية، تلك الأرواح الهائمة في حذافير الوجود، وهوامشه ومراياه المنكسرة، وغير المهتمة بما تحمله من نزق طفلي وشطط مجنون إلا بالبعيد جدا أو القريب جدا من الأشياء والأفكار، تلك الأرواح الخارجة على النمط، وغير المعنية بالقواعد والثوابت من كل شيء في الحياة وفي اللغة معا.

ثانيا الاحتفاء الخاص والحميم بالتدوين :

في أمسية جمعتني بمعاوية وآخرين؛ كنا نناقش فيها النص الرقمي صدمني معاوية _ أنا المحتفية بفكرة المدونات قبله ربما، والتي كنت أرى في نفسي خروجا على الكثير من الثوابت المجتمعية - بفكرته المجنونة "التدوين هي تلك الفكرة التي تجعلني أكتب بحرية داخلية وخارجية تماما، أي الكتابة "بوزار وفانيلة" .صمت وابتسمت حينها، لأنني أدركت فعلا أن هذه هي الفكرة الحقيقية لممارسة فعل الكتابة بكلها وليس التدوين فقط .

فالكتابة هي القدرة على ممارسة التعري الداخلي، والكتابة من قلب الجرح تماما، من الجرح الشخصي والعام، نقد الذات أو جلدها إذا اقتضى الأمر، ونقد المجتمع بمواجهته ومقارعته، وإحداث ذلك الشرخ الخفي في ثوابته، ذلك الذي عليه أن يكبر ويتسع حتى يبيّن الخلل والعجز في منظومته عن اللحاق بركب العصر. ولذا لا عجب أن تصدى معاوية للكتابة عن أكثر المواضيع حساسية وجرأة، عن مواجهة أشرس الثوابت والهياكل الرصينة والأصنام، والوقوف أمام قوى يمكنها سحق وتمزيق كل خارج على قوانينها وثوابتها كما حدث كثيرا.

ومع هذا استمر معاوية في مشروعه الفكري واللغوي والإنساني على كل المستويات، فأظهر تمرده على الوظيفة والأسرة والمجتمع، وأشهر أفكاره بكل الممكنات الرقمية التي أتاحها العصر، ليحقق رسالته العميقة وهي كشف القبح، وفضح النفاق السائد، وتكسير القوالب الجاهزة، وإحداث كوة في جدار المجتمع البائد والذي يرفض كل جديد، بأمل أن يصل القليل من الضوء للعقول الجديدة (الذي هو منها) فيغير تفاعلها مع الجديد، ويجعلها تراجع الكثير من الأشياء الجاهزة، ولا ترى في كل طارئ شرا مستطيرا. مبرهنا على أن الكتابة هي روح الصدمة من جهة، وقابلية إحداث الدهشة من جهة أخرى.

لقد استغل معاوية التقنية الرقمية الجديدة استغلالا حميدا، فنوّع رسائله بين المسموع والمرئي والمكتوب، وكسب بذلك جمهورا رقميا عريضا، وناقش كل القضايا التي تخدم فكره وقضيته وهي "التغيير" على مستوى المجتمع والفكرة والنص.

ولم يهمل الكتاب فهو رغم حداثة تجربته متواصل مع فكرة النشر، ولم يكتف بالمدونة المتجددة بشكل حثيث ويومي تقريبا، ولا حتى بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي التي يصدق عليها قول هيراقليطيس "لا يمكن عبور نفس النهر مرتين! " فهو يؤمن أن الكتاب هو ذاكرة الفكرة والإنسان، ولذا أصدر العديد من الكتب، وقد يصدر أكثر من كتاب كل عام، كما شارك في العديد من الأمسيات الشعرية والسردية، كما لم يهمل الجوانب الإنسانية التي تتريض روحه وتتفيأ بين جنباتها، فقد احتفى بكل صديق ومختلف ومتمرد.

ورغم كل المواجهات التي تصدت له وللغته، ورغم عدم تقبل ذائقتنا المدجنة والمصنوعة وفق معايير المجتمع والتي اعتادت النفاق، أو الكيل بمكيالين لكل ما يكتبه، ولكل الصرخات الجريئة التي تطلقها بين الفينة والأخرى روحه القلقة، ونفسيته التي ينهشها الاغتراب ويقصيها الاكتئاب عن الجمع الذاهب في الفرح الساذج والقول الجاهز. استطاع معاوية ذلك.

 
 

*معاوية الرواحي شاعر وكاتب ومدوّن عماني من مواليد 1983، صدر له ثمانية في الشعر والقصة والتدوين. وله مدونة واسعة الحضور، وقناة مرئية على اليوتيوب.

الخميس، 12 مارس، 2015

فاطمة الشيدي
12- 3- 2015


كان البحر ضجرا، كدرا من أحاديث الغيوم الثقيلة فوق رأسه
وهن يتحركن بثقل الماء في بطونهن
ويسرّبن أسرار السماء بينهن بخفة
ويستفتين قلوبهن في زمن المخاض
لذا كان يرغي ويزبد ...
ويطلق جملته الشعرية بصوته الهادر
ويتململ في استقصاء نهاية الليل
ويرقب العابرين قرب جسده المثخن بالهواجس والجراح
ويفيض في حروبه الوهمية وهو يفر ويكر كمحارب قديم
تاركا للكون احتمالاته الوافرة، وفلسفة التأويل
في حين تبدو الشجيرات قربة آنسات مستأنسات بصوت الموج
يرهفن السمع لنبضه القلق
يتمايلن في خفة الفرح وهن ينتظرن لحظة العناق العلوي
ويترنمن بأغنية "جفنه علّم الغزل" وهن يتدثرن بحنانات الليل من لذعة البرد الناعمة التي تسري في أجسادهن شبه العارية.
وحدها الياسمينة الحكيمة كجدة الخليقة، أخذت زاوية قصية، وبدأت تنثر للعابرين حكايات الرائحة البيضاء، والبعيد حيث الماء العذب، والسنابل والقصب.

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

بين مدينتين

 
 
فاطمة الشيدي
10/3/2015
شرفات جريدة عمان
 
«أكثر الأفراح حزناً
أن تكون شاعراً»
لوركا
1. البحرين :
في السفر تخف الأرواح وتشف، وتتساقط الهموم على حواف الدرب، وبين عجلات الحقائب، السفر وعد مسبّق بمتعة غائبة، ولكن لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، بحر واحد لا يكفي للشعر والحب معاً، البحر جغرافيا الماء والملح، التي تربط بحر عمان بتاريخ دلمون، وتؤسس لتلك العلاقة القديمة بين القلوب المالحة، والذاكرة المالحة، والأغنيات المالحة، والنصوص المالحة هنا وهناك، بين البشر المنفتحين على الحياة والرب والمكان والجمال والكلمة.لم البحرين؟ لأن بحرا واحدا لا يكفي لتكتمل صورة البهاء في ذاكرة الماء بقلب الخليج العربي، وضميرِ الكلمة الحرة، واللحنِ الطاعن في الروح، فمنذ القدم وهي (أي البحرين) تتقدم كمعين تستقي منه تلك الذاكرةُ وأهلُها كل مفرداتِ الجمال والحب، وفرادةِ الرؤيا، ويتعلمون منها الثقافةَ والعمق، ومنارةَ الرؤيةِ الثقافيةِ والسياسة والاجتماعية، وهي الروح المتقدمة بوعي ونبل الإنسان، بلا ثقل المادة وبلا بهرجة البريق، ولا حبل النفط السري الذي أوجد حياةً مشدوهة ومرتبكةَ الخطى.
لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، ونحن نستحضر رحلاتِ الأجداد، وغناءاتِ البحارة الممتدة من بحر مزون حتى سماواتِ دلمون، وهم يهربون إليها، كالهارب إلى حلمه، محملين بالحلوى والقرنفل والليمون اليابس، ينزلون أحلامهم على مرافئها، ويعملون في الأشرعة ارتفاعاً وهبوطاً، وثمة من تغريه الأرصفة بالنزول والمكوث ردحا من الزمن، حتى تقرَ عينُه بها، وربما استطاب المقام فاستقر وأينع.
لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، ليغتسلَ الإنسانُ من كل شيء إلا من جمال الروح، وسعة الرؤية وعمق الوعي، متحدا مع الماء والملح، مع السماء والأرض، ومع الكلمة الحرة. ويتقدم بذلك فقط.
كان ذلك الشعور هو كل ما تلبسني منذ تلقيت دعوة مركز الشيخ إبراهيم لإقامة أمسية في بيت الشعر، في بيت الشاعر إبراهيم العريض في يوليو 2014، سألتني مديرة المركز أو خيرتني بين وقتين أغسطس 2014، أو يناير 2015، واخترت الثاني لظروف كثيرة، ولم تبخل عليّ تباشير الشتاء، والقلوب الطيبة والجمال الذي يفتح ذراعيه ثقافة ووعيا بالمتعة الجمة هناك، كان ابتسامة ازميرالدا مديرة المركز ومضيفتنا الجميلة، هي فاتحة الفتنة، التي أخذت تتمدد ونحن ننتقل في بيوت المحرق التابعة للمركز مأخوذين بعبق التاريخ، وعمق الثقافة وقدرة الإنسان على بث الجمال في كل مكان متى ما آمن بالحب والجمال والثقافة، وحين حدثتني الشيخة مي، المرأة التي حملت فانوس الثقافة وأشعلته بحب لتضيء جوانب المكان وتشغله بإيمان شخصي وفردي وداخلي عميق بقيمة الثقافة، ولتعطره بذلك العبق التاريخي في بيت الشعر (بيت الشيخ إبراهيم العريض) وبيت الصحافة (بيت عبدالله الزايد) وبيت الكورار، وبيت القهوة وغيرها من البيوت الثقافية والتاريخية والتي تجاوزت العشرين بيتا، كل منها يحكي تاريخ البحرين والمنطقة، ويثرثر بجمال عن تلاقي الأزمنة في مكان واحد، صدحت روحي بالفرح، وبعشق الجمال، وقلت في نفسي هذا فعل المؤمن بالثقافة المحب لها، فعل الإنسان العميق.
كنا نتحرك في تلك البيوت وكأننا ركبنا آلة الزمن عائدين لزمن آخر عشناه وعرفناه، وفي متحف البحرين، وقلعتها التاريخية العظيمة، ومتحفها القريب كان التاريخ يتجلى لنا بهدوء وحكمة شيخ طيب وودود، يحكي تلاقي حضارة عمان بحضارة البحرين وكنا نبتسم؛ لأننا نعرف كما كنا هناك، وكما كنا معا.
في الأمسية الشعرية كنت أحمل أوراقي وأسئلتي ورفضي ووجعي الوجودي والإنساني العميق لأنثره بين الحضور والأصدقاء الشعراء والنقاد الذين أفرحني حضورهم، كالشاعرين كريم رضي، وحسين المنجور، والناقد فهد حسين. وكان «بلاغة الهامش وارتقاءات القصيدة» هو العنوان الذي اخترته لأمسيتي الشعرية، فبلاغة الهامش هي اتحاد الشعر مع روح الحياة، ليصبح رسولا، يحمل صليبه على ظهره ويدعو للخير والحب والعدل، ليحاكم الظلم وينفَّر من الاستعلاء في النص والحياة معا، يصبح صعلوكا يجلس على أرصفة الحياة، يحمل حقيبته الصغيرة، ليضع فيها صورا من القريب والحميم واليومي والمعاش، يُنزل المعنى من عليائه، يلتقطه من حنجرة عجوز عابر، أو طفلة شقية، أو قطة تموء بشغف أو ألم.
وارتقاءات القصيدة هي نفورها من صوت الكعب العالي، ورائحة العطر المدوخ، وربطات العنق الأنيقة، لتسمو في الألم، وتذهب في السهاد والوجع، وتتصاعد في الهامش نكاية في المتن، الذي يتصدرُه آخرون لست منهم. أن تتحدث القصيدة بسماتها الأسلوبية الخاصة عن الحب والخيانة، عن الفقر والشظف، عن الظلم والقهر، عن كائنات الظل في سياقات إنسانية محضة، وعبر استعارات وكنايات تتخلق كل يوم من دماء تسفح بلا خجل، وحروب تتناسل بلا وجل، وتاريخ يكتب على عجل.
فبعد زمن من التجربة تصفو الروح واللغةُ معا، وتتضح الرؤى والطريق، ويذهب الشعر في خيارات الهامش طائعاً مختاراً.
بعد الأمسية كانت الشموع تمتد لتقدم لنا سهرة خاصة مع الجميلة المثقفة زهاء الزياني، والشاعرة الدكتورة نبيلة الزباري، التي قدمتني بمحبة خالصة، وجمال عميق من روحها الطيبة وشعريتها العالية.
كانت أيام قليلة ولكنها كانت جارحة بما يكفي في الروح والذاكرة، عبر المكان العبق بالتاريخ والثقافة في كل جزء منها، والقلوب الطيبة، والأرواح التي أغدقت عليها من حنوها وتجاربها وعمقها، كالشيخة لطيفة، وعائشة مطر المرأة التي لا تشعر في حضرتها إلا بالرغبة في الإصغاء والتعلم من تلك التجربة الإنسانية النبيلة والفاتنة ومع كل حرف يخرج روحها تماما، وحسن كمال الشاعر والموسيقي الحالم والمتجدد مع العمر والتجربة والجمال الإنساني المحض. لتتأكد مجددا ودائما أنها البحرين؛ لأن بحراً واحداً لا يكفي.
 
2. دبي :
نجحت دبي في اللحاق بالزمن، الزمن الذي لا ينتظر أحدا، وبالتالي نجحت في تخطي حدود المكان، لقد أصبحت اللامكان، أو المكان الكبير الواسع والممتد الذي يشمل كل شيء ويستوعب الجميع، ففي دبي أنت في مدينة عصرية تماما، من تصاميم بنائها ما بعد الحداثية، ومولاتها الضخمة، وشوارعها الأنيقة، وحتى المترو الذي تتنقل فيه بكل سهولة ويسر، ومع كل تلك الحداثة فأنت لن تفتأ تشتم رائحة الرحم الأول للمكان الذي خرجت منه هذه المدينة الحديثة بكل ثمرها الباسق، ستسمع حفيف الصحراء التي بنيت على جسدها الرملي، وعظام أسلافها من البدو والغزاة،ستحاصرك الرائحة من كل حدب وصوب، حتى يستيقظ فيك ذلك الحنين الجنيني للمكان، وتشعر بتقاسمك تلك الرائحة معه، وكأنه جزء منك، وكأنك جزء منه، وستنظر في عين البحر الذي سيبتسم لك «لتطلع الصورة حلوة»، لتشعر بالأمان قليلاً، فهو يحميك من دوخة ناطحات السحب كلما نظرت للأعلى. دبي مدينة تستوعب الجميع باختلاف أعراقهم وأشكالهم، وأجناسهم، مدينة لن تحكم عليك من ملابسك ولا من لون بشرتك ولا من لهجتك، ولن تسألك من أين أنت قادم؟ بل ستمد لك اليد مرحبة ما أن تدخلها، شريطة أن يكون عندك القليل من لغة العالم الأقوى، وثقافته في التعامل المتسامح مع البشر بلا أحقاد ولا عنصريات مبطنة لروحك، ومن ثم تعدك أن تحبك بمقدار ما تريد أنت، بقدر ما تعطي ستأخذ، وبقدر ما تعمل ستجني، وبقدر ما تسندك به حافظة نقودك، ستقدم لك المتعة التي تريد وبالطريقة التي تشتهي، وبالسعر الذي يناسبك والوقت المتاح لك.
في دبي ترى العالم كله بين يديك، وتسمع رنين الأموال السائلة يسري على أزرار لوحات المفاتيح، وفي لافتات الشوارع والمحلات، وتشاهد الابتسامات النيئة ترحب بك ببرستيج مدروس، واتيكيت ممنهج، لا أحد يعرفك في دبي، وأنت قد لا تعرف نفسك، أو لا تريد أن تعرفك، لأنك تريد أن تتحرر منك، من نفاق قديم ودفء مصطنع راسخ فيك وملتصق بك، فتلجأ لمدينة محايدة لا تجامل حتى أبناءها، كأم عصرية جدا تهتم برشاقة جسدها وأناقة هيئتها، تماما كما تهتم بأن يتحصل أطفالها على كل شيء يؤهّلهم للغد: من التعليم الراقي، والصحة العالية والمال، والمكتبات، والتقنية، أكثر من الثرثرة عن الحنان والدفء والماضي.
في دبي تتحقق فكرة الكونية، وأن العالم أصبح قرية صغيرة، فأنت في مدينة «كوزمبولوتية» تختصر الزمن الماضي والحاضر ذاهبة للمستقبل، مدينة تشبه العالم أجمع، وتشبهك بزاوية ما.

الاثنين، 9 مارس، 2015

شذرات



 
 
1.
"الرحلة أهم من الوصول " بعبارة أخرى " الطريق أهم من الغاية"
هذه الجملة جعلتني أمشي ببطء أكثر

2.
بعد زمن من الاغتراب الممض، الذي مارست فيه طويلا وكثيرا محاولة الحياة أو محاورتها، تصل لمرحلة اللاجدوى، وتدرك أن السفر وتأمل الطبيعة، وقراءة الكتب، ومشاهدة الأفلام أجمل كثيرا من مجالسة البشر، وأن اللغة هي الوطن الحقيقي، وأن قلبا واحدا هو الكون.
فتمضي مبتسما بهدوء، غير مكترث بعبثية الحياة وطحالب الأرواح، وتواصل خطوك البطئ بلا التفات، إلا من نظرة ساهمة للبعيد البعيد.

3.
لأكايد العدم وأهله، أشغل حياتي بارتقاءات دائمة، وابتهاجات ضمنية، وأجعل أفراحي الصغيرة عادات ثابتة، وقوانين كونية خاصة.
قهوتي الداكنة، تمارين التنفس والتأمل، صلوات الروح، قراءة عاجلة، وتدوين بدئي.. كل صباح ومساء.
كتاب جديد، فيلم أو أكثر، زيارة للبحر، نوم طويل بلا مخططات، ودردشة حميمة أو لقاء صاخب ..كل أسبوع.
وتحليق بعيد بين الفينة والأخرى في اتجاه غير متوقع.
لذا لا أرى كل شيء يحدث في هذا العالم الذي ليس طيبا بما يكفي، ولا كل من يتحرك فيه قريبا أو بعيدا مني، ولا أكترث لذلك... كثيرا.. فأنا أعرف أنه لا يفوتني شيء.
 
4.
 الفصام الإنساني والمجتمعي، من أنصاف الأشياء والعقول والمواقف والرؤى والقيم.
الكذب الملتحف بمعايير اجتماعية، النفاق المخبوء تحت عباءة الدين والمجتمع.
وتكبر الدهشة حين يكون الشخص مثقفا، أو هكذا يقدم نفسه، ممن لا يفكك الأشياء من جذورها، بل يتعامل معها كمسلمات جاهزة وحزم مقولبة ومنفصلة، بلا تصالح بين الذات وتناقضات الحياة، التي يفترض الوعي التعامل معها بتحليل عميق ورؤية ناصعة، للوصول لأعمق نقطة فيها.
الوصول لأقصى درجات الحرية والجمال تفترض تكوين رؤى ناصعة للأشياء الراكدة داخلنا والمحيطة بنا، على المثقف أن يكون نهرا متجددا بقيم الجمال والحرية الكاملة وليست المجزوءة أو الآسنة. والتي يعيش الكثيرون منا ضمنها.
 
5.
 
ولكأن الحروب الصليبية تعود من جديد، ولكن بصيغة إسلامية هذه المرة!
وصدق ماركس حين قال " التاريخ يكرر نفسه بوصفه مأساة في المرة الأولى، وبوصفة ملهاة في المرة الثانية"

الأحد، 8 مارس، 2015



فاطمة الشيدي
8/3/2015

1.

إلى النسوة اللاتي لم يعرفن للحياة سوى وجه واحد ، ولون واحد، وطعم واحد، ليس بالضرورة أن يكون جميلا بالمقايسات الطبيعية.
الطيبات الغافلات، الذاهبات في الطاعة والخضوع والاستسلام، حد أن يعتبرن الأحلام ترفا، والتحدي مستحيلا. والاعتراض بطرا.
الراضيات بالموجود، الصابرات على ما مالا يعرفن غيره، ولا يردن غيره، القانعات بالقليل، المؤمنات بالكثير البعيد. وهن كثيرات في عالمنا العربي.
وإلي الأجساد التي تعامل خارج روحها، فتتحول شهوة جرداء يُسعى إليها خارج سقيا الروح، ولذة الحب، حقا أو با...طلا، أو آلة صماء تعمل بلا كلل، وتنتج بلا ملل، وتعيش بلا أمل، حقا أو باطلا!
وإلي كل صاحبة قضية، تتجاوز الخاص للعام، والجزء للكل، والعدل للظلم، فترفع صوتها ب (لاااااا) بالكلمة أو بغيرها، لتحظى غيرها بالحرية والعدالة، وتحيا حياة أكثر أمانا وإنسانية.
وإلي كل نساء الأرض ..ولكن بشكل أقل انحناء وتقديرا
كل عام وأنتن بخير وسلام

2.

أيتها المرأة الطيبة والخبيثة، الجميلة والقبيحة في الداخل أو الخارج. السمراء والبيضاء والحمراء والصفراء، المتحدثة بفصاحة أو بصفاقة.
أيتها النحيلة من فرط الجوع والمترفة التي تأكل البسكويت، العاملة التي ينحت التعب عظامها، والأم التي يمتص الأبناء صحتها، القوية والمعتلة، الحنونة والقاسية، العصرية والتقليدية.
ياكل نساء الأرض المحرومات والحارمات، الناعمات والصارمات، الصادقات والكاذبات، العميقات كالبحر، والسطحيات كالطحالب، الرفيعات كالنخيل، والمتلونات كالحرباوات أو اليرقات أو دودة ...الأرض.
أيتها الفراشات والحمامات، والبومات واللبوات، القاتلات والمقتولات، حارسات السجون، وراقصات الباليه.
هذا يوم خصصته الكونية لكنّ، اعترافا بكل الأدوار التي تغيرن من خلالها وجه الأرض جمالا أو قبحا. فكن بخير وعند ظن الطبيعة والحياة بكن.
8مارس يوم المرأة
كل عام وأنتن بخير.. والكون أكثر أنوثة، وأقل قبحا وعنفا ♪♪

 

السبت، 7 مارس، 2015



فاطمة الشيدي

تدرجت العباءة في التغيير ومخالطة الألوان الأخرى الأكثر إشراقا وفرحا وحيوية للأسود المتمترس بقوة ولزمن طويل، والمحتجب ضمنه كل جمال النساء وحضورهن الخاص، مع كل صرخات مدعي التدين وحماة الشرف وكرامة المرأة، وصون المجتمع من الانحلال والانحطاط، حول ذلك وأثره علي المرأة ضمن الجهاد الديني والفزعة القلبية والعادات الاجتماعية، وعلت أصواتهم الناشزة، وتعددت تأويلاتهم المرضية وأوهامهم المكبوتة وعقدهم الذكورية بلا اهتمام من المرأة التي جبلت على حب التجمل والميل الفطري للزينة والجمال ومع عل...مها التام أن الإسلام لم يفرض السواد وأن جداتنا كانت تتمخطر في الحقول والبيوت والشوارع زاهيات مشرقات، حتى ظهرت العباءة الملونة تماما بشكل رائع ومفرح، لتصبح اليوم انتصارا للنور علي الظلام، وللوّنية الباهية على السواد الحالك، وللأنوثة علي التعتيم المؤدلج، وللحرية على الحصار والقيد.
فأصبح بإمكاننا اليوم في الأماكن العامة، في الشواطئ والشوارع والمولات أن نرى نساءً متعددات الجمال والذوق واللون والأناقة المبهجة، وليس نسخا مكررة لأمراة واحدة.
الآن أصبح الاختلاف ممكنا والجمال متاحا .. فلنستثمر هذه الفرصة ولنتشبث بهذه الموضة، ولنمض قدما مع هذه الشرفة المفتوحة على الجمال والحياة، بعيدا عن السواد الذي يعكس قانون القطيع ليس أكثر، ولنصبح نساء حقيقيات في الشكل والمضمون.
ولننشر رسائل الجمال والفرح لنواجه بها قبح العالم، فنحن مصدر قوة وتغيير دائما
فاطمة الشيدي
رسالة ♪
٨مارس يوم المرأة العالمي

ليلى العثمان في «حكاية صفية» اللذائذ المحرمة وجرائم اللاشرف

 

القدس العربي
فاطمة الشيدي
تعتبر «جرائم الشرف» من الفظائع الاجتماعية والدينية المسكوت عنها في مجتمعنا الشرقي، والتي تدفع فيها النساء حياتهن نتيجة خطأ، أو انحراف عن الطريق، أو حتى محاولة التحصل على قدر ضئيل من الحب في مجتمعات جافة لا تقدم الحب في حيواتها على أنه حاجة طبيعية للإنسان يعيشها ويتنفسها، إذا لم تقدمه على أنه باب من أبواب الشيطان يجب الحذر منه. ولذلك يخرج أفراد يحولهم العطش العاطفي إلى ذئاب ونعاج فقط، وتسقط النساء غالبا في شرك الحب والغزل، وقد تقع في المحظور العرفي والديني أو في مقدماته البسيطة، أو حتى تدخل ضمن حيز الشك العائلي، وفي كل الأحوال هناك موت متربص بها، أو نفي اجتماعي وحرمان من كل مقومات الحياة الطبيعية المتمثلة في تكوين أسرة والحياة بحرية وإنسانية.
وفي «حكاية صفية» طرقت الكاتبة الكويتية ليلى العثمان هذه القضية باتجاه ما، ضمن عقوبات جرائم الشرف وهي السجن مدى الحياة أو فترة حياة الولي الذي طلب سجنها من قبل الدولة، بعد أن يطلب ولي الأمر ذلك، تجنبا لقتلها.
ولكن ورغم نبل القضية التي تطرحها الرواية باتجاه ما؛ إلا أنه لا يستطيع قارئ عربي ـ نشأ ضمن تقاليد شرقية ترسّخ فيه حرمة الجسد، وعدم إباحيته، خاصة بالنسبة للمرأة ـ التعاطف مع صفية ذات الجسد الراغب والمنطلق في رغائبة بلا حد ولا قيد، إلا من باب التعاطف النفسي مع حالتها الخاصة بيولوجيا. ولا أعرف هل قصدت العثمان تكوين ذلك التعاطف؟ في البحث عن حلول طبية أو نفسية أخرى لهذه الحالة باعتبارها حالة مرضية، بدل معاقبتها بذلك العقاب المرير وهو السجن الذي قضى على عنفوان شبابها وعمرها، أم كان الهدف التركيز على ذلك الحضور الجسدي اليافع والممتلئ بالشهوات واللذة فقط، فهنا تفقد الرواية رسالتها تماما.
فلقد وضعت الروائية العثمان القارئ بصورة مبالغ فيها، أمام طفلة تولد بجسد مشتهي، منذ عمر مبكر وهو ما لا يقبله العقل تقريبا، مبررة ذلك بزيادة في أعضائها، وتحفز نشاطها الجنسي الذي لن يهدأ أمام طيلة عمرها، رغم سيل العقوبات التي يمطرها بها والدها القاسي كما صورته الرواية، فهو لا يلين ولا يشعر بأحد بدءا من زوجته حتى ولديه صفية وهلال.
ولقد تنبأ الوالد – كما أرادت الروائية- بهذه الفورة الجنسية منذ العمر المبكر لهذه الطفلة، ومن نظرته الأولى لجمالها الأخاذ وملاحتها وحسنها الطفلي. وحققت الطفلة نبوءة والدها ومضت في سخائها الجسدي، ورغبتها الطافحة منذ عمر خمس سنوات، بحثا عن اللذة في تحرشات الصبيان التي تسعى إليها ،وتلتذ بها في الشارع بعيدا عن صويحباتها من البنات، وبعيدا عن أعين والداها ووالدتها وأخيها الصغير. ويستمر ذلك الذهاب الجسدي في الرغبة المتنامية التي لا ترتوي مع كل صرامات والدها وحرمانها من الشارع، حتى تصل إلى مداها في اللقاء المباشر مع جار شاب جديد هو حسين، الشاب الذي وهبته جسدها كاملا لأول مرة، واستلذت ذلك الفعل لاحقا ومضت فيه حتى كشفها والدها معه متلبسين. وبعد أن رفض والده أن يستر عليها، ويزوجها لولده، بل رفض أن ولده يفعل المنكر، وأن صفية معروفة بتحرشاتها ومصاحبتها للأولاد؛ يقرر الوالد قتلها بكل الطرق، من الحبس والحرمان من الطعام، وإجبارها على السقوط من سطح البيت، ولكن جسدها الفتيّ يقاوم كل ذلك الموت. وبعد أن تتشفع أمها وتعده بأنها تابت ولن تخرج من البيت وأنها ستراقبها في كل لحظة، يهدأ ويسافر للحج لفترة طويلة طلبا للسكينة والمغفرة، ولكنها لاتتوانى عن فعلها بل تجد في غياب والدها الفرصة للذهاب «لبيت الوناسة» أو بيت الهوى، وتغرق في اللذائذ المحرّمة، رغم أنها تحب الشاب الأول الذي استشعرت لذة الحب بين يديه كما تحاول الكاتبة إقناعنا بذلك. ومع ذلك تستفيض في الوصف الإباحي لتلذذها بالرجال الآخرين بين يديها، ولكن في آخر الأمر ولسوء حظها ينكشف أمرها على يد الملاّ أبو صالح الذي يراها عائدة قرب الفجر تتخبط في مشيتها، وحين يعود والدها يخبره بذلك، وينصحه بالزج بها في السجن خوفا من الفضيحة، وبعدا عن الإثم بقتلها.
يستعذب الوالد الفكرة ويرتاح لها، ويأخذها للسجن أمام عين والدتها المجروحة والمصدومة من هذا القرار؛ لتقضي ما تبقى من حياتها هناك، حتى يموت بعد ثلاثين عاما كاملا. أما الأم الحنون المغلوبة على أمرها، فتموت كمدا بعد زمن قصير، فتوصي الأخ الأصغر هلال بإخراجها بعد أن يموت الوالد، وهذا ماحدث فعلا، حيث تعود صفية إلى الحياة بعد ثلاثين عاما، وقد ذبلت زهرة شبابها في السجن.
تجري الكاتبة الأحداث على لسان الأخ الأصغرهلال والذي يصغر صفية بثلاثة أعوام فقط، ولكن الأحداث تظهره صغيرا جدا وضعيفا وودودا لصفية، وغير معترض على أفعالها بل ومعجب بقوتها وتحديها في كثير من الأحيان، وهذا التشكيل النفسي، والجسدي لا يليق بشاب في مجتمع ذكوري يزرع في الرجل فكرة القوامة والتسلط من أول لحظاته للحياة.
أما لغة الرواية فهي لغة سهلة وتتخللها الكثير من الحوارات والألفاظ العامية بما يتناسب مع الزمن والمكان الذي تدور فيه الحكاية، وشخوص الرواية الأساسية هم: الأب والأم والأخ هلال وصفية. وهناك شخوص جانبية تظهر فقط لخدمة السرد، وتحريك الأحداث ثم تختفي، مثل خديجة صديقة صفية، وحسين الشاب الذي عشقته صفية، ووالده، والملاّ أبو صالح، وغيرهم، بلا تأثير عميق في مجرى الأحداث.
كما تبدو النهاية متوقعة مع دماثة الأخ، وحزنه الكثير على أخته التي غيّب الوالد شبابها في غياهب السجون، وحزنه الأكبر على موت والدته بكل ذلك الكمد والحزن على طفلتها الوحيدة، ومن ثم خروج صفية بكل قوة وعنفوان، وتحدٍ يليق بشخصيتها التي رسمتها الكاتبة منذ بداية الرواية.
لقد حاولت العثمان بشكل ما تسليط الضوء على قضية الشرف التي تذهب بنساء كثر في مجتمعاتنا الشرقية ظلما وعدوانا، وتحرمهن من الحياة التي ليس من حق أحد مهما كان، زوجا أو أبا أو أخا، حرمان الإنسان منها، وقضية الحرية الفردية الغائبة تماما عند المرأة الشرقية، ولكن إغراقها في وصف شهوة صفية منذ عمر مبكر وتناميها مع العمر، وذهابها الوقح في الملذات بلا انصياع لرادع داخلي أو خارجي، بل وبتحدٍ صريح لكل القيم الإنسانية والعائلية والمجتمعية والدينية مهما كانت النتيجة، وعدم التركيز على الحب كقيمة كبرى وغاية قصوى للجسد، فهو أي الحب لم ينجح في ردع صفية وتقييد شهوتها بل منحها أبوابا أكثر اتساعا للذة المحرمة، والشهوة المتنامية. كل هذا حرم الرواية من وضوح رسالتها، والتعاطف مع بطلتها التي لم تظهر أي ندم على ما فعلت حتى بعد أن خرجت من السجن، وغطى فكرة تعرضها للظلم بالسجن ثلاثين عاما، ليجعل الرواية تسير في اتجاه الوصف لفعل اللذة أكثر من أي هدف آخر.
ليلى العثمان: «حكاية صفية». دار الآداب بيروت، 2013.
223 صفحة.
فاطمة الشيدي

الجمعة، 6 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
 
نحتاج بين فينة وأخرى أن نشاهد فيلما كهذا الفيلم، لنشد به ازر قلوبنا المرهقة من الكذب أو من الجفاف، لنستعيد الثقة في العالم والبشر وقبلها في الرب، لنحتمي بفكرة المحبة العظمى والثقة في القلوب الرفيعة من هول التداعي والسقوط الذي يغتال العالم.
نحتاج لتلك المشاعر الصادقة، والنبل الحميم، لقلوب تعرف أنها تحبك وإن ذهبت في الصمت أو حتى احتدت معك ذات يوم. قلوب تحبك ضعيفا وقويا، حاضرا وغائبا، تحبك بقوة وبإيمان كقلوب الأمهات فقط. نحتاج لليد التي تنتشلنا من غياهب الغيبوبة والحزن والوجع لت...لقي بنا لبر الأمان والفرح، وبصدق وإيمان تام لا يداخله شك ولا يعتريه خذلان.
الفيلم الإنساني المطّعم بالموسيقا والصدق، يحكي قصة شاب صغير قرر الذهاب في احتراف الموسيقا تاركا الجامعة، محتدا مع أخته العقلانية التي تعد أطروحة الدكتواره في الانثربولوجيا وبالتالي فهي تومن بقيمة العلم، وترفض تركه عن الجامعة مهما كان وتستمر قطيعتهما ستة أشهر.
إلا أن هذا الشاب يتعرض لحادث يدخل معه في غيبوبة كاملة قد لا يفيق منها، تعود الأخت المحبة نادمة على خصامها لأخيها بعدما أخبرتها أمها الكاتبة بذلك. وتبدأ في اكتشاف حياة أخيها الأصغر ما يحب وما يكره، وتحضر كل التفاصيل التي يحبها لغرفته في المستشفى لتعينه على العودة للحياة، ومن بين ذلك تذهب للمغني المفضل لديه، وتخبره بحالة أخيها وتقدم له أسطوانة كان سجلها. لتتفاجأ به يأتي للمستشفى ويعلن عن إعجابه بعمل الشاب الغائب، ويغني له أغنيته المفضلة في نبل إنساني رفيع.
يستمر أمر الغيبوبة طويلا، ولكن الأخت تظل مؤمنة بأن أخاها سيعود للحياة، ولذا تعيش معه تكلمه وتجعله يشم الأشياء والطعام، وتسمعه الموسيقا، تبدأ علاقة صداقة بين المغني والفتاة تعرف معها أنه يعاني ألم الفراق لهجر حبيبته وعجزه عن التأليف الموسيقي مجددا، فيغنيان معا أغنية جديدة.
ولاحقا يترك لها الاسطوانة ليذهب لإحياء حفلاته ..ينتهي الفيلم بعودة الفتى الغائب للحياة، ونفضه للغيوبة بفعل الحب والموسيقا

الخميس، 5 مارس، 2015



فاطمة الشيدي

في جمعية العود وفي معرض مسقط وفي دار الأوبرا كان مارسيل خليفة حاضرا بشكل متفرد كما هو دائما ، وعبر الكلمة والموسيقا كان يلتقي جمهوره العريض بتلك الابتسامة المغطاة ببعض الشجن، وبالكثير من العمق الساهم والمسافر في البعيد موصولا بالكون في مداه الأرحب وبالكائنات في غيابها وحضورها، وبالإنسان في قضاياه وآلامه وأحلامه، وعبر الأناقة الروحية والشكلية كان يتقدم صامتا كثيرا، متحدثا قليلا وجارحا، مسعفا ال...أرواح بالشعر والموسيقا، ينتشلهم من السائد ليحكي بعضا من حياته ومفرداته وثيماته الوجودية والإنسانية شعرا ولحنا، وليحيك لهفات القلوب بالدهشة المفرطة، والرقي العالي، مارسيل الموسيقي الذي يهب الجمهور دفق روحة ساخنا كحليب الكينونة أو خبز الأمهات، الشاعر الذي كان برقته الشعرية يلامس الدواخل تماما وهو يحكي بلذة وعمق عن شريكة حياته الموسيقا، وعن إيماناته بالحب والحرية والجمال، الثالوث العظيم المرافق لخيباته وانكساراته ولافراحه وتصاعداته في حياة ممتدة في الزمان والامكنة.
كان هناك يغسل الأرواح بمطر شعري شفيف و بارد، لا يسميه شعرا، ويهب الجميع تلك الخفة الكبيرة التي تجعلهم ممسوسين باللهفة والحب وبالحرية والجمال، يتحسسون جوانبهم فيجدون حفيف أجنحة تسعفهم للتحليق كثيرا وبعيدا.
الشعر الذي يحرس الموسيقا ويهبها روح التفرد، والموسيقا التي تجعل الشعر خبزا ضروريا للجميع لأنه واهب الحياة، شعر درويش، وسميح القاسم، الذي أصبح يتردد على ألسنة الجميع، فالجميع يحن لخبز أمه، وقهوة امه ، والكل يمشي منتصب القامة مرفوع الهامة، والكل قبّل ريتا عندما كانت صغيرة.
وفي جمعه الممتزج حد التداخل والتمايز معا في موسيقاه الفريدة بين الآلات العربية والغربية بين البيانو، والأكوروديون والكلارنيت وغيرها والإيقاع الخاص في تناغم عجيب، ولذة مدهشة، وتفرد خاص.
لقد حقق مارسيل معادلته الخاصة، وبرهن على وجوده الفني بشكل مختلف تماما، وخاص جدا، وبث رسالته الإنسانية بشكل عظيم، ونبيل ورفيع، ولذا فلا عجب أن كان له كل هذا الجمهور من كل المستويات الثقافية ومن مختلف الأعمار والأزمنة والأمكنة، فلقد حقق خلطته الإبداعية السرية بين الأصيل والجديد، ونجح في صناعة الفن الرفيع بكل مكوناته من الكلمة العالية، والموسيقا الراقية. والصوت المتشرّب لإحساس الإنسان في كل زمان ومكان.

فاطمة الشيدي
5- 3- 2015
 
أعترف أنني أصبت بالذعر بعد مشاهدة هذا الفيلم، فأن تفقد فجأة وعلى حين غرة كل شيء، كل ما يمت للحياة بصلة وربما بلا تعاطف كبير من الجميع الذين يستمرون في أعمالهم وحيواتهم، ليس سهلا أبدا، مع كل الذرائع والمبررات العلمية والنفسية.
ومع أن الفيلم ركز بإيجابية كبيرة على مقاومة ونضال أليس البطولية، ومحاولتها السيطرة على الحالة بأقصى ما تستطيع بما يتناسب وشخصيتها العملية والأكاديمية الجادة والحازمة، وطريقها المهني الحافل بالإنجزات العلمية واللغوية، إلا أن المشاهد لا يستطيع إلا أن يحزن... ويتعاطف مه هذه المرأة القوية الأم والزوجة والأستاذة الجامعية والعالمة اللغوية التي يتهاوى كل تملكه مرة واحدة أما عينها، ويسري المرض كالماء من بين تلك المحاولات، ويتصاعد بسرعة لينهي حياتها ببطء، وبلا إرادة منها أو قدرة على التحكم في أبسط وظائفها البيلوجية. وكأن الإنسان ليس أكثر من ذاكرة.
ومع كل تلك المقولات التي رددتها أليس،"لقد عشت حياة ثرية بالحب والعمل" إلا أنها كانت أقصر قامة من عزائها أو عزائنا، نحن أخوتها في الإنسانية والخوف من الجسد الخائن يوما لا ريب.
تماما كما لم أستطع ألا أن أحمل مشاعر الضغينة التي تناسب زوجها الأناني، وأعمم ذلك الحكم على كل الرجال، وأدرك كيف أن الحال سيكون مختلفا تماما لو كان هو المصاب بالمرض.
الفيلم انعكاس موجع في مرايا ضعفنا الوجودي والإنساني، يذكرنا بالوهن الذاهب في القوة الذي هو نحن بكل أحلامنا وطموحنا ورغباتنا في الحضور والظهور، وربما بشرنا وطمعنا وتهافتنا المريض أحيانا، تلك القوة التي قد تتلاشى يوما ما، مرة واحدة أو ببطء لن يكون طويلا جدا مهما به امتد الزمن.
 

الأحد، 1 مارس، 2015

 
 
معرض الكتاب مسقط 2015
فاطمة الشيدي
…… ..
في معرض الكتاب، وفي اليومين السابقين حيث قضيت وقتا طويلا فيه، اشتريت زادا لأعوام، غالبا أنا لا أهتم بفكرة مجاراة الجديد "الموضة" في القراءة، الكتاب الحقيقي هو ذلك الذي يصلح لكل زمان، بل ويزداد عمقا مع الوقت، إنه كالحب الذي عليه أن يثبت نفسه وصدقه كلما امتد به الزمن. والكاتب الحقيقي الذي يكتب خارج نية النشر، إنه يكتب ليعيش. فالكتاب تاريخ من الوعي، ومرجع جاهز لمساعدتك في كل فكرة أو سؤال ينخر روحك.
في هذا المعرض قررت أن أنتصر للوعي والفكر والنقد ، ...وأنتصر على نفسي في حبها للحكاية كجميع البشر، وعلى مقولة المخرج "الجمهور عايز كدا"، تلك الفكرة التي جعلت الكثير من دور النشر تتخصص تماما في الرواية "لأن القراء يشترونها أكثر" حتى لو كانت الروايات المقدمة مسلوقة أو كتبت على عجل فقط لتسجيل حضور كمي للنتاج الروائي. ولذا كانت معظم الكتب التي اشتريتها من الكتب التي أحتاج أن أقرأها، أو سأحتاجها في يوم ما، والكتب العمانية الجديدة من شعر ورواية كمحاولة للاستمرار في متابعة نتاجات المشهد العماني وحركته الثقافية.
المعرض هذه المرة أكثر تنظيما وهدوءا ولا أعرف سبب ذلك، وأخشى أن يكون قلة الزوار ، وربما الجميع ينتظر الأيام الأخيرة للمعرض طمعا في خفوت حدة غلاء الأسعار المبالغ فيها جدا، في بعض الدور بلا مراقبة واضحة، لتفاوتها من دار لدار، ومازال النشر التاجر أكثر حضورا من الناشر المثقف.
شخصيا سعدت كما آخرين بعودة دار الحوار لمعرض مسقط بما تقدمه من معرفة نوعية تحترم العقل والوعي ويحتاجها الإنسان في هذا العصر.
الغعاليات تبدو متنوعة ولكن الحضور قليل للأسف.
المعرض في بدايته ولكن لمن هم مشغولون طوال فترة الأسبوع الإجازات أكثر فاعلية في الاستفادة من وقته.
أشعر بالفرح لحصيلتي من كتب هذا المعرض، وأضعها هنا للتحريض على مقاومة قبح العالم بشراء الكتب وقرائتها بالتأكيد.
فاقرأوا تصحوا