"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

السبت، 9 مايو، 2015

أخلاقيات المعرفة


فاطمة الشيدي القدس العربي
May 9, 2015

منذ فترة شعرت بنشوة داخلية لأن حراكا ثقافيا قائما على الاختلاف ظهر في ثقافتنا الراكدة، أو في وسطنا الثقافي الآسن، اختلاف علني وصريح لأول مرة وعلى أكثر من صعيد. بالتأكيد هناك الكثير من الاختلافات، والخلافات الداخلية والمضمرة، والنقد الضمني، وربما النميمة الثقافية بين شلة ما، وهناك إقصاءات ونفي من جماعة لجماعة ومن أديب لآخر، ولكن ثقافة النفاق السائدة كانت تقتضي الستر، والبعد عن التجريح العلني، أو النقد الصريح، والذهاب في الصمت والنميمة.
ولكن لأول مرة وجدت حراكا نقديا فكريا حقيقيا علنيا، قائما على الاختلاف الصادق والعميق والضروري في وجهات النظر. ولذا بدا الأمر لي بداية جيدة للنضج الثقافي، وثورة ضمنية على المهادنة الكاذبة، والثقافة الممالئة خارجيا، والمقصية للآخر داخليا. وبدا لي صوت المثقف المختلف مع الآخر حقيقيا وهو يقول «أنا ضد رأيك، ولكن عليك أن تقوله، وعلينا أن نختلف لنفهم، ونحرك هذا الركود المنافق».
تمثل ذلك أولا في موقف بعض الكتّاب من قلة أنشطة جمعية الكتاب والأدباء، وجمودها، وقلة حراكها الثقافي، واحتكار أنشطتها في فئة قليلة أغلبهم من مجلس الإدارة، وارتفاع الأصوات بالمطالبة باجتماع الجمعية العمومية لمناقشة هذا الأمر.
وثانيهما في الموقف المستهجن من بعض الكتاب لامتداد فترة مجلس الإدارة لفترة زمنية طويلة في انتخابات جمعية السينمائيين، وبالتالي احتكار مؤسسة مجتمع مدني في فئة أو شخص، ووجهة النظر المقابلة من الموضوع.
وثالثهما في موقفين مختلفين تماما بين معجب ومستهجن لمحاضرة يوسف زيدان في النادي الثقافي، وآرائه في التراث والدين والجماعات الإسلامية.
ورغم وجود حركة شللية غالبة وواضحة الانحياز لأي من الفريقين، في كل هذه المواقف والاختلافات، إلا أن الأمر في بعده البعيد عميق ومجترح لفكرة الاختلاف الضرورية للاستمرار الثقافي، والحيوية المفترضة في وسط يشتغل بالأفكار بدءا وخاتمة، والأفكار مصدر خلاف واختلاف بالضرورة.
وهذا الحال قائم في مختلف البلدان العربية، كما يظهر في الصحف والكتابات النقدية المنحازة لجغرافيا مكانية أو نفسية، وكما يتجلى الآن في مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك الشللية القاتلة، وهناك الشعوبية الشوفينية التي تطلق أحكامها العامة، وتميّل الكفة لصالح المكان، بعيدا جدا عن الموضوعية النقدية والوعي الإنساني، وبعيدا عن قيمة المبدع والإبداع، فكل شعب يصفق لمواطنيه على أنهم الأعظم، والأهم إبداعيا وثقافيا. ولا ينجو من ذلك المثقفون والمبدعون وذوو الوعي الجارح، فانتساب واحدهم لبلد ما، يفرض عليه كما يبدو اللجوء «للنزعة الجماعية» التي تجعله يبجّل ويقدم أبناء جلدته، تقديما يليق بانتمائه له، خارج أية معايير إنسانية أو ثقافية أو إبداعية.
وقد ظهر هذا في برامج الشعر والفن التلفزيونية، وها هو يمتد للجوائز الثقافية، فبدون قراءة لأي من روايات البوكر ينحاز كلٌّ لجغرافيته المكانية أو حتى النفسية، ويذهب بعيدا في الجدل والدفاع عنها وهو الذي ربما لم يقدّر له أن يعرف اسم الكاتب قبل يوم الإعلان عن الجائزة.
هذا ناهيك عن الاستشراق العربي، الذي يحصر الثقافة في حواضر المراكز الثقافية التي ألغتها الثورة الرقمية، وقضى عليها الذهب الأسود في تغيير مواطن القوى، ومع هذا فهناك من لا يرى في بلدان النفط «الجزيرة العربية» بتاريخها العربي الأصيل، وحضارتها القديمة، وحضورها الجديد الذي جمع الوطن العربي في بيئات مجتمعية جديدة تكاد تكون متلاحمة، أكثر من البعر والبعير، والخيمة والمعيز.
إن إشكاليات الثقافة العربية أكثر من أن تحصى، وهي عميقة ومتجذرة بحيث تشمل التكوين النفسي للإنسان بدءا، ثم تذهب في أخلاقيات الجماعات لاحقا، ومنها الجماعات المعرفية.
فالجميع مرتبك في رؤيته، ومتبدّل المواقف حسب الضرورات التي تبيح المحظورات، في رؤيته للفكر والإنسان معا، فبين من ينتهج الشوفينية المقصية في نظرته للآخر، وبين من لم يعتد سوى المديح المجاني، والتطبيل الداخلي والخارجي، بل وحتى لم يتعلم فهم المديح الموارب أو البعيد، أو غير المباشر، بين التقديس والتبجيل، والإقصاء والمحق، تسير ثقافتنا متخمة بهمومها وإشكالياتها المتصاعدة، التي لا تحفّز إلا على التشاؤم.
إننا لم نربِ القدرة على تقبل الاختلاف، أو الموضوعية في الأحكام مع الآخر، ولم نتعلم كيف نفرّق بين الشخصي والفكري. واعتدنا التصفيق للأحكام الجاهزة والسماعية والمنطلقة من مجامل أو منافق، كما اعتدنا الحكم المطلق، والتبجيل المطلق وتقديس الرموز والأصنام، والحكم المطلق جهل مسبق.فالأحكام النقدية يجب أن تكون موضوعية ودقيقة، فمن حق الشخص (المثقف) أن ينتقد كتابا أو فكرة أو محاضرة أو نصا، نقدا علميا دقيقا، مفصِلا في مواضع الخطأ أو السهو أو الجهل فهذا عمله. ولكن بلا تعميمات جاهزة، أو مسح مجهودات علمية وفكرية تاريخية، بجرة قلم، فتعميم الأحكام المسبّقة جهل تام، وتثاقف أرعن.
نعم علينا أن نختلف، لأن الاختلاف ضرورة ثقافية، فكل ما نحياه اليوم من مصادرة للعقول والأنفس والحياة بكلّها، لأننا لم (أو لم يُسمح لنا) أن نتعلم كيف نختلف، وكيف نتحاور، وكيف نكون موضوعيين في خلافنا واختلافنا. فقط كان هناك وما يزال امتعاضات كثيرة، وانتقادات داخلية، وتحزبات تنتظر فرصة الانقضاض، وهناك ابتسامات صفراء مريضة ومجانية توزع في الخارج، وربما مصافحات باهتة، وعميقا تكبر الاحتقانات الداخلية التي تنتج الإقصاء، وتنتظر القوة والمركز للظهور والتجلي الذاتي وإلغاء الآخر أو نسفه، ما لم تكن هناك حاجة ما لمهادنته ومنافقته، للتحصل منه على منفعة ما لمركزه أو مكانته أو ماله.
نعم علينا أن نختلف ولكن بوعي، ونحن ندرك أن الاختلاف بداية النقد، والنقد بداية التغيير، وأن من حق الآخر أن يختلف عنا ومعنا، ولكن علينا أن نحترم فكرة الاختلاف ونتحاور معها فقط، وليس علي أي شخص أو فريق دفع ثمن الاختلاف بأي شكل كالإقصاء أو المصادرة، فالاختلاف حق مكفول بالإنسانية القائمة على الاختلاف أصلا وأساسا.


الخميس، 7 مايو، 2015

أحب القصيدة التي تقولني

فاطمة الشيدي
مجلة القافلة
(عدد:  مارس/إبريل 2015)


 لِمَ يحب شاعر قصيدة دون أخرى ويرشحها للظهور، لتكون ظله في مكان ما، وصوته في محفل ما، وصورته في أوراق ما. يقول البعض إن القصائد كالأبناء، وبالتالي فنحن نحبها بالتساوي، ولكنني أحب القصيدة التي تقولني، التي أستطيع أن أنسبها إليَّ، بعض أبنائنا نحبهم لأنهم أبناؤنا فقط، وبعضهم نحبهم لأنهم يشبهوننا. أنا أنانية بعض الشيء أحب من يشبهني، في الروح والفكرة والوعي، أحب المرايا، كأي امرأة، يطيب لي الحوار معها، والحكي على لسانها، حتى لو عكست بعض التجاعيد، وكثيراً من الإرهاق والحزن والتعب. المرآة هي صورة طبق الأصل منا، لا شيء كالمرآة يشبهنا، وهذا ما أحبه في الشعر أيضاً.

القصيدة هي لساني المقطوع، وعيي المخبوء، حيرتي العميقة، وجعي الذي ينهشني في الخفاء، لا أحد يعرف عني ما يستطيع الشعر أن يصل إليه، الشعر الذي نكتبه من الخارج هو شعر سطحي، شعر يسلي قارئاً سطحياً. وأنا أحب الشعر الجارح، ذلك الذي يعمل كطبيب نفسي ماهر، يصيبني بالدوخة والدوار وهو يدخلني في غيبوبة التنويم المغناطيسي، ثم يحفر في لاوعيي عميقاً جداً، ليستخرج مكنونات ذلك الغائب، هناك سيجد الرفض، والوجع، والحيرة من الناس والفكرة ومن كل شيء.

حين يصل إلى ذلك المستوى من الحفر العميق سيعرفني تماماً، سيعرِّيني من التصنع الذي أضعه ككل البشر قناعاً على وجهي ثم أمضي بحرقتي ووجعي ويأسي وشكي بينهم، بلا جرأة من أحدهم على اقتحام أسوار داخلي المظلم. وحده الشعر يعرف ذلك، وحده يدرك حيرتي أمام الله الذي أحبه، وأسأله الصفح والرحمة أكثر، وحيرتي أمام الناس وهم يشهرون أظافرهم حقداً وشراً في وجوه طيبة وضعيفة بلا إنسانية ورحمة، وأمام السياسة التي تحرك عالمنا نحو ليل لا نهار له، ووجع لا راحة فيه، وأمام هذا العالم الذي أصبح فارغاً من المحبة ويسير في سباق محموم بالمادة والشر والقبح.

أحب هذه القصيدة لأنها تعمِّق السؤال في داخلي، لِمَ أكتب؟ وهو سؤال جارح وطويل وممتد ومتجدِّد، لا أستطيع تجاهله أمام كل الوجع الذي يكبر داخل الروح يوماً بعد يوم، دون أن تستطيع أن تنفثه خارج الكلمات، لأنه وجع متماهٍ لا شكل له ولا لون، فقط له طعم ورائحة تجدها في لسانك وأنفك، وأمام الخراب المحيط بالعالم، وعجز الكتابة عن أن تكون صديقاً لا يمل، تحكي له وجعك الغريب، وحزنك المريب كل لحظة دون أن يهرب من تفاهتك التي يظن، أو ضمادة تسعف جراح الأطفال، أو سقفاً للمتشردين، أو لقمة خبز، أو مدفئة لأيتام العالم ولاجئيه.

فلربما تستطيع الكلمة الواهنة الضعيفة أن تكون دمعة ساخنة تريح الروح وتخفِّف الوجع وتدرأ القليل من الحيرة والألم. ولعلها تصبح بوحاً لقارئ لا يكتب فيجد في القصيدة وجعاً يقول عنه ما يريد، لعلها تصبح لسان الحيارى، وصوت المقهورين في هذا العالم الذي يسير إلى حتفه، فلهذا فقط أكتب، وفي مناسبة كهذه كتبت هذه القصيدة يوماً ما.

حِرْفَة

– 1 –

أكتب كراقصة باليه عرجاء
تتخبط في الحركة، ولكنها لا تتنازل عن حلمها
كسلحفاة بحرية تعيش في حوض سمك
ينظر لها الصغار بغبطة
كعازفة بيانو عمياء
تتحسس المفاتيح بروحها المبصرة
كشحَّاذ على طريق مجهول
يدرك أنه لن يتحصل على المال
ولكنه يلتذ بالانتظار
كعامل نظافة عجوز يرى في الشارع بيتَه
وفي كل عابرٍ ابناً سيحتضنه يوماً
أكتب الحياةَ بزاوية النقص
وبدمعةٍ تترقرق في العيون
لأن الكمالَ وهَمْ
والسعادةَ فكرة

– 2 –
تأتي الفكرة آخر الليل
تعضُّ على روحي
ساذجة طيبة
كما يليق بفكرة متشردة
متشققةِ الملابس مغبرةِ الوجه
تدخل من ثقبٍ ما في رأسي أذني أنفي أو عيني
وتتربع هناك تماماً
تعوي في رأسي بعنف
كذئب وحيد
تعبث بأشيائي العميقةِ هناك
تشذب فكرة الشعر
تنتشل مفرداتٍ صارمةً كالأبدية والخرافة والموت
تلقي بها بعيداً وتضحك
يريـبها الحزنُ المتمترسُ خلف الفص الأيمن من عقلي
تهزه قليلاً
ينظر إليها برجاء أن تتركه في حاله
تلوك ما يحلو لها من مفردات
شماعة الأزل
التيه
الصحراء والسراب
وتبتلع على عجل أوهامَ الكلام المنمقِ والمحشور في زاوية
شماعة الوهم
خزعبلات كثيرة تجدها تسربت من الكتب
تضع قدماً على قدم وهي تتأمل فكرة العدم
تنظر لروح سيوران وكافكا المتمترستين هناك
تنفض الغبارَ عن الكلام
وتؤمن بالتفاصيل الجزئية
ودورَ الراعيةِ الذي يشغلني، وحفارَ القبور، وخيالَ المآتة، التي أركن إليها
تباركها
وتختار لنفسها كلمات جديدة لتصلح هيأتها في ضوئها
وتخرج بصندوق كبير كنعش لحبيب
أو جثة لجريمة قتل
تلقيها في البحر
وأسمع الطشطشة
وأنفض رأسي الذي يصبح خفيفاً جداً
وأبدأ في الكتابة

– 3 –
أكتب تماماً كما يعمل نحات مهووس
يقترب من جذع شجرة قرَّر أن يحولها لامرأة
يبكي في البدء عند أقدامها
يعتذر لها عن قسوة الفأس ولحظات الموت
وأنه سيحرمها من الهواء والماء والغابة
والعصافير، وتحديداً من نقار الخشب
يقول لها هذا تماماً سيكون دوري منذ اللحظة
مع أنك لن تشعري بدغدغات إزميلي
كما كنت تضحكين للثمات منقاره
ثم يخبرها عن فكرة الخلود والفن
ويعدها بأنه سيتجول بها في كل متاحف العالم
وأن الجميع سيشير إليها بانبهار
لكنه يهرب فجأة من يديها
لأنه شعر أنها سترفسه، لو لم يتوقف عن هذه التفاهات
أنا أيضاً هكذا أنهي النص خوفاً من رفس الكلمات
أو اتصالها معاً لتشكل حبلاً يلتف حول رقبتي ليخنقني
فأنتم لا تعرفون قوة الكلمات الحقيقية خاصة إذا اتَّحدن
ولذلك ليس عفواً أن يقول سيوران «الكلمة خنجر لا يُرى»
ولأنني امرأة جبانة تخاف الخنجر والحبل والرفس
أكتب نصوصاً قصيرة غالباً

سيرة
ولدت على حواف الماء بين ملح أجاج، وعذب وفرات، في الضلع الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية «مجان النحاس، ومزون الماء، وعُمان الإنسان»، حيث التاريخ يفترش أضابيره وأوراقه ليحكي تاريخ الماء والحروب والغزاة وتبدل الأحوال بين زمن وزمن في اليسر والعسر، وفي الغنى والفقر، وفي الظلم والعدل. وفي قرية يعتاش أهلها على حصاد النخل، وفيض البحر، وحنانات الرمل، وحنو الإنسان كالشجر على كل شيء بأمان وسلام، وعلى الرغم من قلة معطيات الحياة، كانت الصرخة الأولى. ولتبدأ الخطوات الواهنة المشي في طريق سيقدَّر له الامتداد في الحياة والدرس والألم والفرح، لتختار في بدايات مبكرة طريقة لدرء الأشواك، وإقصاء الوجع، وهي الكتابة. وستبدأ بها على مقاعد الدرس الأولى، وستمتد حتى تستقبل هي وجوه الجالسين على مقاعد الدرس في الجامعة، لتقدِّم لها العلم واللغة والأدب.
ولا تزال تحاول الكتابة، وتحاور اللغة في كل مستوياتها الأدبية سرداً وشعراً ونقداً. وتطلق للنص العنان ليتشكل كيفما يريد، وعبر كثافة لغوية تتعدد مدلولاتها وأشكالها وأحلامها، وعبر أمسيات شعرية ونقدية تطير بها على أجنحة سماوات جديدة كل فينة وأخرى بين مسقط، وأبوظبي، والمنامة، وعمَّان، والجزائر، وسيت، وغيرها، وعبر نصوص، وكتابات وحوارات ومقالات في غير مجلة عربية، وملحق ثقافي في معظم أقطار الوطن الكبير الذي يوجعها أبداً من الماء إلى الماء.
تكتب عن الإنسان، وعن الوجع، وعن الحلم في غد يكون فيه الكون أجمل، والدم المسفوح أقل.

الاثنين، 4 مايو، 2015

سخط (متكرر ومستمر) !!!



ماذا يفعل الإنسان أمام كل هذا الوجع والضيم، والغباء والقهر ؟!
..............................................................................

الطبيعة تحكم قبضتها النارية على أرواحنا وتنهش أجسادنا بمخالبها في كل الأوقات بلا هوادة.
*
باسم النظام يفصلون أيامنا وساعاتنا وأحلامنا على مقاسات ضيقة أو فضفاضة علينا، ويحتكرون أيامنا في صناديق، ويخرسون ألسنتنا عن الصراخ أو حتى الرفض.
*
ذوو العاهات يستطيلون في كل مكان رغبة في الظهور والشهرة.
*
عبدة الأصنام (أصنام الدين أو السلطة أو المال لا فرق) يدافعون عن أصنامهم بكل ما يستطيعون، حتى بالقتل .
*
الطبيب في المستشفيات الخاصة آلة لسحب مالك الخاص،  والطبيب في المستشفيات الحكومية لا يراك ولا يسمعك، فهو مجرد آلة لإثبات وجود الخدمة.
*
الشرطة وسيلة لجباية المال بلا شرعية إلا سلطة الرادار
 

السبت، 2 مايو، 2015

إلى ربات الأحلام والبيوت والنصوص، فقط.
الكتابة بأشكال أخرى
.......

أن تطبخ نصا
هو أن تتأمل أحلامك، رغباتك، هزائمك...
ثم تفكر مليّا في نوع الطبخة
هناك أدوات لابد أن تكون حاضرة
إناء الفكرة الذي ستصبها فيه
وسكين المعنى التي ستقطّع بها الكلمات والألفاظ لأشكال متفاوتة الحجم والفكرة
وفرن المخيلة الذي عليه أن يكون متوسط النار كي لا يخرج النص نيئا أو او محترقا
والمتلقي شريك الطبخة، الذي سيتذوقها وهي جاهزة تماما
لأنك تطبخ لكما معا
وربما يهمك رأيه أكثر
لاحقا عليك التدرج في مزج المقادير
قبل أن تضعها في الفرن
ستتذوق النص في كل مرحلة
وبعد أن يكون جاهزا
وربما شعرت بحاجته لملح أو بهار ليتماسك قوام المعنى
ثم ستتركه يبرد قليلا
قبل أن تتذوقه ثانية وثالثة
وحينها قد تقول "نعم هذا هو"، أو تلقي الطبخة في سلة المهملات
وتهرع في البحث عن نص رفيع الطعم والرائحة
ليشبع روحك الجائعة والمتطلبة أبدا !

الخميس، 30 أبريل، 2015



1.
من يعرّف نزار قباني؟ هكذا افتتحت إحدى محاضراتي حول نص له، لأني كنت أثق أنه لا أحد يجهله.
اخترت صوتا من الكثير من الأيدي المرتفعة، ليقول لي بقوة وثقة "نزار شاعر قليل أدب"، ابتلعت الصدمة الكبيرة، ومضيت معه في الحوار، لماذا تقول ذلك؟ هل قرأت له، قال: لا، معلم اللغة العربية في المدرسة الثانوية أخبرنا بذلك.
ابتلعت الصدمة الثانية الأشد والأقسى على وعيي وإنسانيتي، قلت لهم. سأحكي لكم موقفا، "تجرأ رجل وطعن نجيب محفوظ (العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل" بسكين في عنقه، ولكن الله ...نجاه، وقبض على الجاني، وفي المحاكمة سأل القاضي الجاني: لماذا فعلت ذلك، قال: لأنه ملحد، وضد الأخلاق في رواية أولاد حارتنا، فقال له القاضي: لماذا حكمت عليه بذلك، هل قرأت الرواية؟ قال: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب، ولكني سمعت بذلك من الناس.
صمت الطلاب، وقد فهموا مغزى الحكاية، وأتبعت ذلك بغزل إنساني، وقومي رفيع عن نزار قباني.
كنت حينها أتيقن من ثقافتنا السمعية القائمة على الجاهز من الأحكام المجتمعية والدينية، ولذا وجهت كلامي لهم في نفس الاتجاه، أما سمعتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام، "كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما يسمع"، ثم قلت لهم: احكموا كما تشاءون، على من تشاءون، ولكن أرجوكم اقرأوا، وأمعنوا النظر فيما تقرأون، قبل أن تصدروا أحكاما جاهزة، فلدينا الكثير منها بحاجة للتمحيص والوعي، وهذا لن يحدث سوى بالقراءة والوعي .
أستعيد هذا الموقف في ذكرى رحيل نزار قباني 30 إبريل

2.
يلهمني طلابي كثيرا، أستمد من صخبهم وحيويتهم ما يجدد حياتي ودمي، الصامتون منهم يحفزوني على تحريك مياههم الراكدة، والمشاغبون يحفزوني على تقييد صخبهم بالعلم والهدوء الواعي، ولكن أكثر من يلهمني منهم هم ذوو الاحتياجات الخاصة، أولئك اللذين يحيلون بعزمهم إعاقتهم تحديا وإصرارا على الحياة والعلم، وأولئك الذين يساندونهم من ذوي القلوب الرحيمة.  هذه المنظومة من العزيمة والتحدي والرأفة تدفع الإنسان للتأمل، والأمل ، الذي يتحرك فيهم غزيرا وقويا، الأمل الذي هو قود الكائن في حربه الظروس مع الوجود والحياة والبشر .

3.
أن تكون أستاذا جامعيا؛ ليس فقط أن يكون يومك كله يدور حول الطلاب وتدريسهم ومشاريعهم، وليلك للتحضير لليوم القادم، بل أن تحلم بهم وبكل ما يدور حولهم في نومك أيضا في بعض الأحيان.
 

الاثنين، 27 أبريل، 2015

ارتقاءات






فاطمة الشيدي


مقاطع من نص (مستمر الكتابة)

لقد أدركت الخدعة باكرا ياالله
رأيت مالم يره الجمع
عرفت السر في بطن الحوت
كنت هناك أرقب انبعاث الضوء
وحيدة
ومازلت وحيدة
كان الضوء يغيّر ممراته السرية
كما يغير البشر أقنعتهم
الواحد خلق الوحيدين
قال البدء واحد،والعودة واحدة
والجمع وحيد
الوجوه تعبر أفق الرؤيا مسرعة
كالضوء
وتستقر في ملاذها الوحيد
من يسمع لهاثك
من يتبصر وعدك ووعيدك
وأنا بينك وأنت بيني
هل تدرك كم ألتجيء إليك
وكم يغمرني الضوء
وحيدة ذاهلة
والجمع سادر في غيه
يمتهن العبث
وصناعة الشر
والبؤرة داخلك تشتعل
قلق
وجع
ووحي بعيد
أتشبث بحبلك البعيد الطويل
لا يأخذني إليه
لا يسحبني من علائقي
أنا عالقة ولكني متشبثة
أجتاز الحرقة للحرقة
ويولد الحزن في أعماقي دافئا كالمخاض كل ليلة
أو كل صباح
مازلت بعيدة عن كل شيء
ومازال بي شوق البدايات للفرح
لسكين تشق عتمة الألم
لضحكة بدائية
ولرقصة عارية
من يعيدني إلي؟
من يأخذني مني؟


أنا لست أنا
أحتاج جلدا غير جلدي
واسما غير اسمي
أحتاج أن ألبس أخطائي وأجاهر بذنوبي
وأتعرى من قيح الإثم
من الكبر والنفاق الملتصق بي
وأنا أعبر الممرات الضيقة للبشر
خذني إليك
اغمسني في بحر العطف واللين
علمني شهوة الغناء
وارفعني لأفق التجلي
واغمر قشور الكذب في لذة الصدق

من أنا لا أعرفني
هل تعرفني؟
لست واحدة
ولكني وحيدة
بين الجمع
في حضن من أحب
في التحام الشهوة
لست موجوعة لكني حزينة
في ثنيات الضحكة
وفي لهفة الأمل
وفي حضور كل شيء

كل هذا الزبد يتصاعد في حلقي
يبني أعشاشه البيضاء في رئتي
الجمع غافل
أو يحث الخطا نحو الوهم
الجمع مؤتلف البدايات
ياه وأنا هنا أقرأ كف السماء
وودع البدايات والنهايات
ماذا أريد؟
هذا الوجع يرغي داخلي
وغضب معقود على ناصية القلب المتعب
لقد تعبت
رميتني في الساقية من أعلى
وتركتني ألهث تارة
وأتأمل اللهاث تارة أخرى
رفقا بهذا الوجع الذي كورته بين يديك
بهذا الماء المنسل من غيابات الرؤيا
رابعة أو خامسة آتيك
أخلع نعلي
وأدلف لحضرتك العلية
وحدك من تدرك أني أدركت السر
وتيامنت مع الحزن
واهً كل شيء
كالماء ينسرب من جرار المعنى
ويتبخر من حقول الروح
يتسرب في حميات الوجع الذي يدرك مرماه
تغير أشكال الخناجر
لكن الطعنة تظل غائرة المرمى
ما يفعل قلب ممضوض مجنون
في غابات الليل الحالك
وعند صدى الهمس الجارح
ما يفعل هذا اليتم البشري الأزلي
أمام هذا الحقد المستشري
كل العزلات الكونية
كل دموع العرافين
وأولياء الحرف الباهض
كل آهات الأشقياء والحرومين
لا تفك أزرار قميص الغيب
لا تفتح فوهة في جحيم الرؤيا
لا تدرك محاولات الرقيا نحو الأبعد
كل كيميائيات الكون متداخلة العناصر
وهذا الوجع سقيم

هل تسمعني؟
أخاطبك وأتخبط فيك
وأمضي منك إليك
وهن قلب الطفل
منشطر قلب المرآة
والدم وفير
قالوا كثيرا عن حمائم رحمتك
وأنا أدركت رفيف الأجنحة كثيرا
واغتسلت بظل الليل
كشجرة تسكن ناصية الكون
سامرت الرحمات
وشهقت بفيض الرحمات
وأدركت السر
ماذا أفعل وكلي في الحزن صلاة؟
صلاة ساخطة أحيانا
وصلاة أخرى باسطة اليد
مغسولة بالدمع وبالدم
ماذا أفعل والسم يتصاعد في الخافق والأرجاء؟
أتنهد محمومة من كيد الكيد
ومن نتانة عرف الأشياء

يارب الروح الخائرة القوى
الرشد الرشد
وما ودعك حزنك وماقلى
وربك وربك مقيم في الأعلي
ما بين الشهقة والزفرة
ما بين العظم واللحم والمعنى
واللفظ عقيم
يجدد ولاداته في بطحاء الوهم
في أودية الوأد
وفي الحلم النابت كوجه العنقاء
كل مساء
أمنحني ذرات الفرح الأكبر
ذرات ضياء
تخفف عتمتي الكبرى
امنح قلبي التفاتة النور الأسمى
ضم الليل إليك لينجو
من براثن هذا الوجع
ويغلو في الأعلى
ويتبرأ من شوكته الأولى
حنانيك
هذا العظم وهذا اللحم
هذي اللغة وهذا المعني
هذا الوجع وهذا الحزن
وهذا القبض على نور النور
وهذا الفيض
وهذا الغيض
وهذا الروح صلاة


الأحد، 26 أبريل، 2015


بالقرب منا تماما يوجد الأشرار
ليسوا بعيدين عنا بما يضمن لنا الفرار
لا يقفون على ناصية موازية من العالم الخيّر
لا يحملون إشارات توضح حقيقتهم
ولا يحملون فؤوسا أو سكاكين
وليس لهم عيون أربعة أو ستة أقدام
ولا رؤوس عدة فوق أكتافهم
وليسوا بألوان مختلفة عنا خضراء أو حمراء أو صفراء
لنتجنبهم
إنهم يشبهوننا تماما
وقد ينظر المرء في المرآة فيراهم
ولذا فنحن أبدا عرضة لأخطارهم
ونحن نبتسم لهم
ونحن نصافحهم ونبادلهم الأمنيات
بل وحتى ونحن نقدم لها الورود أو الحلوى
أحيانا. 
كل صباح
نتحايل على الوقت
نرمي له طعم المساءات
نذهب في فنجان قهوة
أو نمجد غياب حفي
أو نحتفي بالعبور المرتبك
نجعل للحظات نصبا مرئية
كي لا يأكلنا العدم
نعلّق مسراتنا الصغيرة على حبال الكينونة
نفصل البهجات من رماد الأيام
نبتهل للقادم كي يروي عطشنا القديم للفرح
ونرسم التفاصيل بروية الأمنيات
ثم نعصب أعيننا
وندور في ساقية الأبدية

الخميس، 23 أبريل، 2015

يوسف زيدان في مسقط

فاطمة الشيدي
22-4-2015

ذهبت لمحاضرة يوسف زيدان وأنا معجبة ومكبرة سلفا لوعيه وجهده العلمي والإنساني في التراث، من خلال اطلاعي على بعض ما قدمه الرجل من قيمة استثنائية، وعمق بحثي في مجال وعر يكاد يكون مهملا خارج التراث الديني، المقدّس لمصدره أولا وأخيرا.
كما قرأت بانبهار روايتي عزازيل والنبطي، وأعجبت بفكرة توطين التاريخ في السرد بوعي ومساءلة للدين والفكرة معا، مستحضرة اشتغالات امبرتو ايكو الفلسفية التراثية في الكتابة السردية، وكتبت ذلك يوما، وتداخلت حولها البارحة أيضا.
بالأمس حضرت متأخرة واستمعت للقليل من المحاضرة، وللمداخلات التي بدا بعضها شعوبيا وشوفينيا لتجيير فكر الرجل التخصصي في مناطق تخص المتداخل وحده، وبعضها أحادي النظرة أو مجزوءا من سياقه العام، كما استمعت واستمتعت بردوده العميقة، وبخفة معالجتها، وقفشاتها الإنسانية المحببة للنفس. ثم لاحقا استمعت للمحاضرة تسجيلا، وكان هذا أبلغ للفهم بالنسبة لي خارج إطار الرسمنة، وفكرة التلقي العام.
لم يقرأ زيدان من ورقة، نعم، وهذا يؤخذ علي المحاضر مهما بلغ وعيه، ولكن ربما وضع نقاط محددة ليتحدث عنها، وهو جدير بذلك وقادر عليه، وهو الأستاذ الجامعي والباحث المعتاد على الحضور الجمعي، مبتدئا بتعريف التراث، وعلاقته بالزمن والإنسان، متفرعا في نقاط كثيرة ولكنها منتظمة جميعا ضمن عنوان المحاضرة الكبير وهو دور التراث في بناء الوعي الحاضر.
لعلنا لم نعتد أن تكون الخفة في الطرح رديفا للعمق في الفكرة، لعلنا نحتاج كائنات متخشبة متعالية تملي علينا دروسا فوقية، أو تعرض كلاما متصنع التعقيد، لنكبر من خلالها جهلنا ومعرفة المحاضر. مع أنها كانت محاضرة عامة (ليست أكاديمية أو متخصصة) لا تفترض الكثير من الرصانة المتصنعة، أو التحذلق اللغوي المتفذلك.
ولكن في ختام المحاضرة أصابني رده حول طلب البعض تمديد وقت المحاضرة في مقتل حين قال (نفرد خيمة، ونجيب شوية معيز، ونسهر على ضوء القمر) واشتعل داخلي الغضب لهذا الاستهجان والاستشراق العربي من قبل علماء وكتاب يدعون العلمية والإنسانية معا، لدولنا التي لا يرون فيها أكثر من النفط. ويغيبون الإنسان، والتاريخ، ودولة مثل عمان لا يمكن أن تكون نكرة نفطية لباحث في التراث.
حاولت تدارك الموضوع داخلي، والبحث له عن عذر، باعتبار الموضوع فكرة عامة وليست إهانة، ألا يوجد في مصر عرب وخيام ومعيز أيضا؟ فلعلها كانت أمنية كامنة بالخروج من روتين المدنية لرحابة البداوة، لباحث مهتم عميقا بالبعيد من التراث والحضارات.  لم أفلح كثيرا في ذلك، ومع هذا ومن باب الموضوعية ليس علينا نسف عمق الرجل العلمي بزلة لسان، حتى وإن أظهرت شوفينيته وعنصريته الكامنة تحت لسانة. والشوفينية أو الشعوبية مرض عربي وإنساني عام وأصيل وقديم ومتمدد نحن أنفسنا نعيش تجلياته بوضوح في الإعلام وفي الحياة أيضا.
إذن ..
شكرا يوسف زيدان كانت ليلة جميلة، كنا نتمنى ان نسمع منك أكثر حول أبعاد كتابة الرواية التاريخية، وحول نقد التراث كي لا يتحول لتابو يجدد مشانقه وقضبانه حول فكر ووعي المنتقدين له، ولكن لعل الوقت والحالة لا تسمح بأكثر من ذلك، ومع هذا فقد أشعلت شمعه في الوعي مهما بدت صغيرة إلا أنها كافية للذهاب باتجاه الفكرة والسعي في مداراتها ذاتيا،  وبذر بذور المعرفة القليلة لرعايتها والعناية بها، وهذا دور كل كاتب وباحث وكتاب أيضا، فليس عليه إنارة الحلكة كاملة، أو غرس شجرة ناضجة الثمر. ومن يحضر محاضرة عامة يدرك ذلك جيدا، بل يأتي باحثا عن تلك الإشراقة بعيدا عن تربص الخطأ، أو ترصد الزلل والنقص. ليكمل لاحقا الزرع ويحظى بالحصاد.

هنا بث كامل للمحاضرة ربما يشعل فكرة، أو يبث رغبة في الذهاب وراءها عميقا ..في البعض.
https://m.youtube.com/watch?v=P04vVYIywvk

الاثنين، 20 أبريل، 2015

ومضات


 

فاطمة الشيدي
20-4-2015
 
1.
في زمن أحوج ما نكون فيه للصفاء والعطاء، للرؤية الكونية الموّحِدة للإنسان، مازالت الشعوبية تطل برأسها بيننا بجهل، الشعوبية العصرية الأكثر عفنا، مهما تقدمت ببدلة وبربطة عنق أنيقة تتفنن في اختلاق عنصرياتها المقيتة.
قافلة العالم المتحضر تسير في أمان ورخاء ملتفتة لحاجة الإنسان وضرورات العصر فقط، بينما مازالت الكلاب في أوطاننا تنبح ..وتنبح، بدعاوي مختلفة وترهات عديدة!

2.
عندما يرحل الكتّاب نحبهم أكثر، نتعلق بروائح كلماتهم، نستعيد مقولاتهم وتجاربهم وأفكارهم بشغف، بعد الرحيل يحضرون أكثر بيننا، يتمشون في ذاكرة اللغات بخفة، ويعلقون في مصائد الحنين بإتقان، يتصدرون الكلام المكتوب والمنطوق بقداسة العظماء والموتى معا، إنهم لا يذهبون بعيدا، بل يعيشون خالدين بيننا.
فبعد أن يعيش أغلبهم الحياة ببؤس وألم وتهميش، يحضرون في الموت بتجل واسع، وجمال راسخ. وكأن الحياة هي فترة الكتابة بمداد الواقع، وخبرات الحضور المتجدد كمسوَّدة حياة لا أكثر، والموت هو بداية القراءة بعد أن ينتهي الحبر، وتكتمل الحكمة، وتشف التجربة، وبالتالي فهو حقيقة الحياة.
يالقدر الكاتب!

3.
نحن أبناء الزمن; ينحت دواخلنا، ويشكل زوايا وجودنا، ومنطلقات رؤانا، ولذا علينا أن نتخذ موقفنا منه وفيه، لنترك بصمة حضورنا في الوجود والغياب. الزمن القضية الوجودية، والفكرة الفلسفية  الكبرى، الزمن الذي ليس هو الوقت بالتأكيد الذي يشغل بعضنا، إنه الإطار الأكبر لوجودنا من الداخل للخارج. الزمن الذي نتقاطع فيه أثناء عبورنا القصير ونتحد معه، ويصبح منطلق وعينا، وهمنا الوجودي، ودائرة ارتكازنا المتوازي مع كل شيء، ونذهب ونحن منه ومعه وفيه.
فهل نحن جزء من الزمن، أم هو جزء منا؟ هل نعيش فيه أم يعيش فينا؟ هل زمننا واحد، أم لكل منا زمنه؟ هل نشعر بالزمن بطريقة متساوية، أم احساسنا بالزمن يعتمد على درجة الوعي والذاكرة والتفكير لكل منا؟ لا إجابات جاهزة، وولكن في زمننا هذا، المضمخ بالدم والعار والكذب، ليس لنا إلا أن ننحاز لضمير الكون، وروحه، ولغته بكل حروفها المكتوبة والهامسة والخرساء في محاولة للنجاة بأقل الخسائر ، وأصدق الاحتمالات.
 

الجمعة، 17 أبريل، 2015


 
فاطمة الشيدي
17-4-2015
 
كن سعيدا"أمنية الجدة نينا (البابوشكا) الروسية، لسعد الله العماني.. هي مفصل هذه الرواية، لتجسد حكمة هذه المرأة وصبرها وعمق شخصيتها الطيبة، وقوة شكيمتها في مواجهة الزمن والحياة والوحدة والبرد والبشر، والتي يكبرها الغريب ويتعلم منها.
ولكن هل "أنا والجدة نينا" رواية؟م مكتملة العناصر والبناء العضوي للنص الروائي؟، أم هي مذكرات شخصية لطالب عماني يدرس في روسيا، يستحضر فيها الجامعة والسكن والعلاقات الإنسانية بين الزملاء، والزميلات التي تناوش الرغبة بهن روح الرجل الوحيد الباحث عن جس...د أنثى، ليدفئ به سعار البرد والوحدة، مجربا حظه معهن واحدة تلو الأخرى ؟!
يظل السؤال قائما ..
ولكن انسجام خط الأحداث، وعمق رسم الشخصيات، والأساطير الضمنية المستحضرة حول روسيا، والتأملات الروحية، والالتفات العميق لتفاصيل المكان والإنسان (الأنا) والآخر .. يجعل القارئ يمضي بلهفة في الرواية "كما أراد مؤلفها وناشرها في الأقل" حتى نقطة النهاية المفتوحة على علاقة هذا الغريب بالمكان الكبير روسيا، والصغير "بيت الجدة نينا التي يسكن في غرفة منه" وبالنساء ومارية تحديدا.

الخميس، 16 أبريل، 2015

The Longest Ride

 
 
بات من المؤكد لدي أن عامل الصدفة هو الذي يوصلك لفيلم مائز.وهو هنا فيلم The Longest Ride. عن قصة نيكولاس سباركس، وهو من الكُتّاب المميزين في الرواية العاطفية تحديدا، وإخراج جورج تيلمان جونيور وبطولة بريت روبينسون، وسكوت إيستوود (وهو إبن الرائع كلينت إيستوود).
وكانت الصدفة أيضا هي التي قادت بطلة الفيلم"صوفيا"- المشغولة بالدراسة الجادة، للتخرج في الفنون الجميلة والعمل في مجالها الفني، بعقد عمل مغر جدا في إتليه كبير بعد شهرين أو أقل، وهذا هو حلمها الكبير وعالمها الذي تنتمي له- أ...قول أن الصدفة هي التي قادت "صوفيا" لحضور مسابقة في صراع الثيران بإلحاح صديقتها، للوقوع في حب مصارع (راكب) ثيران محترف، حيث قفز هروبا من الثور للمدرّج أمامها وسقطت قبعته بين يديها، ليذهب بعيدا في عينيها وروحها، كما فعلت هي.
والصدفة أيضا هي التي قادتهما بعد سهرة ممتعة على ضوء الشموع انتهت بمطر شديد، للعثور على رجل كبير في السن (آيرا) في سيارته التي اصدمت بشجرة نتيجة المطر، هرع "لوك" لنجدته وإخراجه من السيارة، ليسمعه يردد "الصندوق الصندوق"، فدخلت صوفيا للسيارة، وانتشلت الصندوق قبل أن تنفجر السيارة، ولأن الصندوق لم يكن محكم الإغلاق فقد شاهدت أنه يحوي عددا كبيرا من الرسائل بين هذا الرجل وزوجته الحبيبة.
ظلت صوفيا تزور الرجل في المستشفى أولا ، ثم في البيت لاحقا، وتقرأ له بعض الرسائل، وهو يحكي لها قصة حبه العظيمة، بينه هو التاجر، وزوجته القادمة من فيينا، المعلمة عاشقة الفن وجامعة اللوحات الفنية.
كانت علاقة صوفيا بلوك تصطدم بجدران الاختلاف بين عالمين، وحرص كل منهما على عالمه، وتشدد لوك في عدم التخلي عن مصارعة الثيران التي قد تكلفه حياته كما حدث كثيرا. وبالتالي حدث الانفصال كنتيجة لهذا الاختلاف.
وظلت هي تزور الرجل وتسمع حكايته، الذي أكد لها أن الحب هو المهم مهما كان الاختلاف الظاهري، لأن تقارب القلوب هو العامل الأبلغ في العشق، مما يربك قناعات الفرد ضمن فكرة الحب، وضرورة التقارب بين الحبيبين.. ساردا لها الهزات التي تعرض لها حبهما هو وزوجته رووث، وأهمها رغبة زوجته في تكوين عائلة، وتعرضه لحادثة في الحرب تمنعه من الانجاب، وتعلق زوجته بطفل فقير تدرسه، وتساعده، وعدم قدرتهما على تبنيه. والحزن الذي أصابها. وانتصارهما على كل ذلك بالحب، حتى رحيل الزوجة من فترة قريبة وشعوره بالفقد الكبير لرحيلها.
وليس كثيرا حتى وصلته لوحه رسمها الطفل الذي حنّت عليه بعد أن أصبح طبيا، ولكنه مات من فترة وأوصى زوجته أن ترسل اللوحة لهما.
كان كل من صوفيا ولوك يمارس حياته متفردا، هي أنهت دروسها وهو حقق هدفه بأطول مدة على ظهر أرعن وأشرس ثور، حين وصلت لهما دعوة من محامي الرجل العجوز الذي توفي، ليحضرا مزادا لبيع اللوحات الثمينة التي جمعها لزوجته طيلة فترة حياته.
فحضر كل منهما، وعرضت اللوحة التي رسمها الفتى أولا من باب الوصية، فأعرض عنها الجميع، واشتراها لوك لصوفيا، لتكشف الوصية لاحقا أن من يشتري لوحة الزوجة، تذهب إليه باقي المجموعة.
أخذ صوفيا ولوك المجموعة، وأسسا متحفا للزوجين ولمقتنياتهما الثمينة. وعاشا معا حياة الحب المنسجمة داخليا، رغم اختلاف العالم الذي ينتمي له كل منهما، ليطوعا كل شيء لصالح الحب العميق الذي هو هبه ثمينة يجب الحفاظ عليها ما أن يتحصل عليها الفرد كقدر استثنائي خاص ونادر كما يريد الفن دائما أن يرسخ، لتختلف معه الحياة دائما أيضا كثيرا أو قليلا.

مواقع الاغتراب الاجتماعي







فاطمة الشيدي
…………………
أحاول منذ فترة أن أسحب نفسي تدريجيا وبهدوء من "مواقع الاغتراب الاجتماعي" الافتراضية، كما فعلت في الكثير من مواقع الاغتراب الاجتماعية الواقعية، فليس علينا أن نتحول لكائنات عامة، متماثلة، و نفقد حس الاختلاف والخصوصية، وحس الرفض والنقد والمساءلة، والتمرد على الأطر المملة الموضوعة بلا رغبة في التجديد والذهاب مع الحياة ومدنية الكون، كما ليس علينا الانحشار في زمرة المطبلين، والممالئين، ولا حتى التفنن في تغيير الأقنعة والألبسة لكل زمان ومكان وشخص، فيكفي أن يكون الإنسان ذاته ليشعر بالرضا، ويكفي أن يتراجع خطوتين ليشعر بالأمان، ويشعر الآخر بالرفض والابتعاد، وتظل العزلة الداخلية والرؤية الخاصة  هي الأجمل والأصدق في الحياة  والكتابة معا.
كما ليس علينا أن نفقد متعة الكتابة، ونقرات الكيبورد، لنلمس بعشوائية الحروف الضوئية، وليس علينا أن نتحول لكائنات محنطة في صناديق صغيرة، منكسة الرؤوس في شاشات تسرق البصر، وترهق الروح. كائنات مدمنة لعالم بعيد وكثير. كائنات منفية خارج الحياة إلى هامش ضوئي.
الشمس والهواء والبحر، والثرثرة الهشة والبسيطة على فنجان قهوة، أو حتى في الهاتف، وصوت الضحكة الناصع، وملامح الحزن في وجه عزيز، وحضن طويل، وقهقهات عبثية، وبكاء مشترك أجمل من كل شيء هناك، وأكثر غنى ووفرة.
صديق/ـة واحد أو أكثر قليلا، تلمس يده وتقرأ عينيه، أجمل من هذا اللهاث الكمي الغريب، وقراءة نص في كتاب، ووضع خطوط وخربشات على صورة فنيه فيه جرحت روحك، وفتنت مخيلتك، أثبت من نصوص كثيرة تعبرك كالنهر الذي لا تستطيع السباحة فيه مرتين. والوقت المستمر الذي تستهلكه في هذا الجنون يمكنه أن يستثمر في كتاب، أو مشروع إنساني، أو تعلم مهارة جديدة أو لغة جديدة.
الانسحاب التدريجي يضمن لك الهدوء، وعدم الندم، كما يضمن لك مراجعة القرار بمهل، وبوعي بلا اجتثاث، ولا رعونة، يمكنك أن تعود بين الفينة والأخرى للمكان الافتراضي، كما تعرج على زيارة أحد المقاهي التي تحب أن تشرب القهوة فيها في الحياة، وتتفقد تفقدا حنينيا أصدقاء حرفك وروحك، ووضع"لايك" لمقولة تختصرك تماما، أو نص وفّر عليك مشقة كتابته.
تماما كما ما أن تسمع عن ندوة مختلفة لشخصية استثنائية، إلا وتحلّق إليها لمعانقة جمالها، خارج صلف الروتين، وضجيج الكلام المستمر بلا فائدة، سوى ملئ أجندة الزمن.المهم الانسلال الضمني البطيئ من هذه الهستيريا الكونية واللهاث العبثي. 

السبت، 11 أبريل، 2015

الحرب التي تأكل صغارها

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
 
الآن و"عاصفة الحزم" تفترع اليمن جنوبا وشمالا، وتلتهم حاضرها وحضارتها بلا وعي ورحمة ولا مسؤولية للإنسان أو للتاريخ، يستحضرني مثل شعبي: «الحرب كالقطة إن جاعت تأكل صغارها». ولا أعرف مصداقية هذا المثل الأخلاقية والعلمية، بالنسبة للقطط، فهل هي تأكل صغارها فعلا إن جاعت؟ أم أنها بريئة من كذب بني البشر، براءة الذئب من دم يوسف؟ ولكن الأكيد أن الحرب فعلا تأكل أبناءها، فلا توجد حرب رحيمة، ولا حرب إنسانية، ومهما كانت الخيارات الدافعة للحرب، فالحرب تظل دوما أسوأ الخيارات كما يعرف الجميع، وكما يعرف من عاشها وجربها. ولذا فلا يمكن لعاقل أن يذهب في اتجاه الحرب، دون حساب الخسائر في الأرواح والحضارة قبل وبعد كل شيء، إلا نحن أبناء الحروب الطويلة والكثيرة والممتّدة من داحس والغبراء، حتى «عاصفة الحزم»، الحروب التي أكلت أرواحنا وأحلامنا بالأمن والحرية والسلام والرخاء.
ومن يستحضر تاريخ المنطقة العربية الحديث منذ سبعينيات القرن الفائت على الأقل يجد أن المنطقة تخوض حربا «دونكيشوتية» طويلة ومستمرة بلا غاية، فبعد حروب الاستقلال، وخارج القضية الفلسطينية، لم تكن هناك قضية حقيقية تستحق الحرب، ولكن كانت ومازالت هناك حروب، متعددة الأوجه والأقنعة، حروب وانقلابات وزعزعات بلا هدف وبلا ثمن، خارج التكالب المريض على السلطة، بل أن هذه الحروب أصبحت تتناسل مع الزمن، وتتغذى على دمنا، وعلى عيشنا ورزقنا، حروب أفكار وطوائف وجهل. مدفوعة الثمن، بلا وعي ولا تقدير لويلات الحروب، ولانعكاساتها المدمرة على المكان والإنسان.
ولذا فكلنا أبناء الحرب التي تأكلنا إن جاعت، وهي جائعة أبدا، أجيال بعد أجيال، اتحدت صرختنا الأولى بصرخات الهزيمة، وهدهدت مهودنا أغنيات الفقد، ووجع الغياب، وكبرنا لنتعلم المشي والكلام على صدى الوجع العربي، والشتات العربي، فتحنا أعيننا على شاشات تصدر لنا رائحة الموت، وأشلاء الموتى، سمعنا حرقة قلوب الأمهات، وبكاء الجدات، وحشرجة الآباء والأجداد.
منذ جئنا لهذه الأرض ونحن نعيش ونعايش ويلات الحرب، وأصداء الهزيمة والفقد، وها نحن نهرم وثمة حرب قائمة، وأخرى تلوح في الأفق، ووعد ووعيد بحروب لا تنتهي. حرب الجبل الأخضر، وحرب  تحرير ظفار، والحرب الأهلية في لبنان، وحرب إيران والعراق، وحرب الكويت، وغزو العراق، حتى ثورات الربيع الدامي، والموت الجاهز والمجاني الذي يصدّر بسيطا وسهلا ومتاحا للجميع بلا ثمن، في شاشات منحازة لأصحابها ولأموالهم الكثيرة، شاشات تجمّل القبح وتصدّر الكذب والنفاق، وتحوّل الحقائق، وتقلب الموازين، وتشوه الجمال. بل لقد أصبح معظمها مختصا في صناعة العفن، وترويج الشر والكراهية بكل مستوياتها وأشكالها بشكل يدعو للقرف والتقزز، وأصبح المواطن العربي يعيش حالة اهتزاز للثوابت، وفقدان للثقة في كل شيء من نفسه حتى الله، مرورا بالأوطان والإنسان.
فماذا قدمت هذه الحروب لإنسان المنطقة المحاصر بالذل والقهر والجوع، ماذا فعلت لفلسطين، سوى أن رسخت هواننا العربي، وشتاتنا وتمزقنا وتفرقنا المخزي، ونحن نتفرج بحسرة على العالم من حولنا  يذهب في الحضارة والتقدم، في حين مازلنا نقتل بعضنا، ونمجد القيد،  ونحاسب على الكلمة، ونسجن المثقف، ومازالت بلادنا ترزح تحت وطأة الجهل، والقهر والجوع، حتى أضحت طاردة لكل قلم وفن وجمال، وبات أبناء هذه الأوطان يفضلون صفة لاجئ على مواطن، بل يفضلون المجازفة بالموت غرقا أو هربا على الحياة فيها.
فكم من الأموال صرفت على هذه الحروب وكان الأولى والأجدى أن تستثمر في صناعة الإنسان وفي تعمير الأرض، وفي بناء الشوارع والبيوت والمستشفيات والمدارس والمعاهد ودور السينما والمسارح والمكتبات، وكم من صفقات الأسلحة التي عقدت بمليارات الدولارات، لتقتل آلاف الأشخاص بلا وعي باستثمار القوى العالمية لنا، واستغلال أموالنا لتدمير أوطاننا.
ماذا جنت بلادنا التي تعيش في آخر مستويات الحياة المدنية؟ وماذا جنى إنسانها المأزوم، والمهجّر والهارب والفقير والجائع والهامشي الذليل من كل هذه الحروب؟ وماذنب اليمن التاريخ والإنسان، روح العروبة، وأصلها الثابت وفرعها الذي في السماء، ليتكالب عليها المتكالبون، فتحشر في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل، بين قوتين خارجيتين يتحدث كل منها باسمها، وهي منهما براء؟ ولكن هل سيدعها أعداء التاريخ والإنسان لتسمو بروحها جميلة عالية بلا ملح ولا جراح ولا أورام تزرع في جسدها الطيب؟
بالطبع لا، لأنها كالعراق وسوريا ذاكرة الشعوب وروح الحضارة، فلا بد أن يتهافت عليها المتهافتون، ويطالها الدمار المجتث لجذورها الموغلة. وهذا سر الحزن العربي، وتلك الحيرة التي كبرت واستطالت منذ 2011، بعد فرح وأمل قصير في التغيير واللحاق بركب الحياة والحرية، فالكل اجتمع على إنساننا الذي أغلبه لم يتسلح كثيرا بالعلم، ولم يتشرب مفاهيم الحرية والوعي والجمال، ولم يتعلم قيم الاختلاف والتعددية، ولم يشف من السعي الحثيث وراء لقمة العيش، وأوعزوا إلى سدنة الجهل أن يعيثوا فسادا في أوطاننا، ويحكموا القبضة عليها حسب المصالح والأهواء،  فتصبح الأوطان ممتلكات جائزة الحيازة والنقل، ومصدر صراع لقوى خارجية. وكل ما يحدث الآن هو محاولة إرجاع الإنسان لمنطقة الأسلم من الشر، والأذل من الخيارات، والانحياز القسري لظل ما، مهما بلغت عتمته، ليتمكنوا من إذكاء فتنة غير موجودة، وإعادة صياغة الأوطان وفق أهوائهم  الدنيئة، وتقاسم غنائمها، وتحجيم إنسانها. وهنا تستطيل حيرة الوعي، ويخرس الكلام تماما، أمام التاريخ الجديد الذي يكتب بالحقد والجهل وبدم الإنسان، وبعجزه التام عن الفهم، أو منطق الانحياز لأي جهة ما عدا يمن التاريخ والإنسان.
كاتبة عمانية
فاطمة الشيدي

الجمعة، 10 أبريل، 2015

هل تبكي النخلة أحيانا؟
عندما يشتد الحر مثلا
أو عندما يخطئها الثمر
أو حين تهملها الغيوم
و عندما لا يقف العابرون طويلا لتأمل طولها الفارع...
ولا يتغزل شاعر بشعرها المجنون
هل تحزن الأفلاج؟
حين يجف ضرع النبع
وحين لا يخلل مؤمن لحيته للصلاة، بمائها
وحين لاتبكي امرأة في مرايا وجهها
لتستعيد نضارة الحلم
وهل تبكي الطريق؟
حين تخذلها المسافات والخطو
أو حين تعبرها جنازة طفل كان يركض نحوها
أو حين تتعثر الأمهات في رحلة الإياب مساءً
أو تغيّر أم وجهتها للسماء؟
هل تحزن الأشجار، والكواكب والنجوم؟
والطيور والفراشات والنحل ؟
حين يكْفهر وجه السماوات
أو حين تعبس الأرض
أو حين يمتد ظل الظل نحو جوهر الأشياء
فيعتم الإشراق
هل تبكي كالغيم المحتقن أبدا
وكالبحر الذي يفيض بدمعه، كلما أربكه الشجن
وكالروح الحزين حين يتغشاها الوجع ؟!

الأربعاء، 8 أبريل، 2015

8إبريل
… .
ماذا يعني أن تولد في يوم ما؟ أن تأتي للعالم ضجرا كدرا مرهقا، ويكون دورك الكبير أبدا أن تثبت عكس ذلك، أن تولد في زمن عبثي، متمردا على قوانين الخارج، ثائرا عليه، رافضا لمياهه الآسنة، وحذافيره الهشة.
تعلق روحك القلقة وجسدك المرضوض بالهامش والبعيد، تحترف أكثر الأشياء تجريدا، الكلمة، تستوطنها، تذهب فيها، وتتصاعد معها، وليس إلا!
وتتعالق مع الجانب الهش حيث الموسيقا والفنون، والحلم. ...
ماذا يعني أن تولد في يوم ما، في زمن ما، بلا خيارات أوليّة أو تالية، تنزلق من صلب ما لرحم ما، وتظل صرختك الأولى هي عنوان حياتك كلها وعلى كل شيء.
ماذا يعني أن تتململ في عبورك الجزئي الحاد إلى جوار أكثر الأشياء اجتراحا، منحازا للوجع والألم في العالم، ذاهبا في صدى ضحكة عبثية متصلة الذيول بالدمع.
أن لا تؤمن بالكثير، ولا يؤمن بك كثر، أن تربي عزلتك في الظل الباهت، مؤمنا بأقل الأشياء وأرسخها كالله والحب فقط.
أن تميل للرافضين والكارهين والغائبين، والمشاغبين والمجانين، وأصحاب النصوص الخارجة من المحرقة توا.
المكتوبة بالدم والوجع .
وتكره الديكة، والطواويس، ذوي الأجساد المنحنية والأيدي المعقوفة، والمتلفحين بغطاءات جانبية كالدين والمال والشهرة والظهور و… و… و… من القبح الكثير المنتشر في الخارج كانتشار العفن.
ماذا يعني أن تستيقظ في يوم مولدك قابلا للكسر ، مملوءا بالدمع كأكثر أيام حياتك، يحزك الغياب، ويكتنفك الألم، بل وتتذكر فور ما تستيقظ سيوران في يوم مولدكما معا. لتلقي له بتحية عبر العدم.
أيها العدمي الأكبر كل عام وأنت أكثر أرقا ووجعا وجمالا ووهجا ..هنا وهناك.

الاثنين، 6 أبريل، 2015

لا جديد
البشر يمضون في تفاهاتهم الكونية بشكل رفيع
ويمارسون حماقاتهم اليومية بإتقان بليغ
يأكلون وينامون ويضحكون
 يمارسون الحب والضجر والألم والبكاء
على مواقع التواصل الاجتماعي
يعرضون أحزانهم للغرباء
يزايدون على الموت والجوع بالكلمات
لا جديد
الشعر أصبح متاحا كالدموع
والحزن اصبح ساذجا كالكذب
واللصوص يغيرون جلودهم
ويسطون على أحلامنا بخفة
والتاريخ يسجل هزائمنا المتجددة بحيادية تامة
وببرود مطلق
ويكتب أضابيره على أجسادنا المرضوضة
وأرواحنا المتشظية بلا وجل
ونحن نمضي في كل هذا الرعاف والضيم
بلا خجل

الخميس، 2 أبريل، 2015

السماء الكدرة من عاصفة أجهضت نجومها
والأرض المتململة بقلق من بكاء المستضعفين
والغيمة الوحيدة التي تحمل أوزار العطش
والشجرة المعزولة في بطن الوادي هربا من إثم الغابة
والطائر المفقوء العين من قذيفة غادرة
وجثة القطة المرضوضة في خندق المعركة
والكلبة التي فقدت صغارها غيلة
كلها تعاتب الله..  لم خلقت الإنسان؟
والملائكة أكدت العتاب بعتاب " أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء"!؟
بينما أنا مافتئت أعاتبه ..لم لم تحمِ معاوية؟ لقد كان يحبك!

الأربعاء، 1 أبريل، 2015

1.
الكذبة الكبيرة التي نعيشها وصدقناها غالبا، الكذبة المتعددة، المتفرعة، المتوازية، المتقاطعة، المنبثقة من الداخل للخارج، ومن الخارج للداخل، ومن العام للخاص، ومن الكل للجزء والعكس.
هذه الكذبة أكبر بكثير من كذبة 1 إبريل.
لعلنا أصبحنا نحتاج يوما للصدق لنبتهج قليلا !

2.
خارج النت ووسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا  بي بي سي، ومونت كارلو الدولية، نقلّب بينهما وجوهنا وآذاننا وأرواحنا، فهل نبحث عن الجمال والحياة، أم عن الشفافية والمصداقية؟ لا أعرف حقا.
ولكن المرء لم يعد يستطيع الاستماع إلا لهاتين الإذاعتين، لفرط الإدّعاء والقبح، والكذب والنفاق، وتحويل الحقائق، وقلب الموازين، وتشويه الجمال، في وسائل الإعلام العربية.
لقد أصبح معظمها مختصا في صناعة العفن، وترويج القبح بكل مستوياته وأشكاله بشكل يدعو للقرف والتقزز، وأصبح المواطن العربي يعيش حالة اهتزاز للثوابت، وفقدان للثقة في كل شيء من نفسه حتى الله، مرورا بالأوطان والإنسان.  والله المستعان

3.
اليمن هي روح العروبة، وأصلها الثابت وفرعها الذي في السماء.
وعُمان ابنة اليمن، وشقيقتها في التاريخ والمحبة والإنسان، وهذه المحبة مغروسة في نفس كل عُماني وعربي من الماء إلى الماء، ومن العلق حتى الرمق.
ولكن هل كاليمن يمكن أن يترك ليربي شأن رفعته وحيدا؟! هل سيدعه أعداء التاريخ والإنسان ليسمو بروحه جميلا عاليا بلا ملح ولا جراح ولا أورام تزرع في جسده الطيب؟!
بالطبع لا، وهذا سر الحزن العربي، وتلك الحيرة التي كبرت واستطالت منذ 2011، بعد فرح وأمل في التغيير واللحاق بركب الحياة والحرية، فالقردة والخنازيز اجتمعوا منذ زمن على إنساننا الذي أغلبه لم يتسلح كثيرا بالعلم، ولم يتشرب مفاهيم الحرية والوعي والجمال، ولم يتعلم قيم الاختلاف والتعددية، ولم يشف من السعي الحثيث وراء لقمة العيش، وأوعزت إلى سدنة الجهل أن يعيثوا فسادا في أوطاننا، ويحكموا القبضة عليها حسب المصالح والأهواء،  فتصبح الأوطان ممتلكات جائزة الحيازة والنقل للأقوى،  ويستيقظ الإنسان أمام صدمته مبهوتا أمام شح الخيارات، ولا عدالتها، تلك التي دفع ثمنها غاليا جدا، فلا خيارات اليوم سوى بين موت وموت، وشر وشر، وقهر وقهر، وقيد وقيد، وكلاهما مر، وكل ما يحدث الآن هو محاولة إرجاع الإنسان لمنطقة الأسلم من الشر، والأذل من الخيارات، والإنحياز القسري لظل ما، مهما بلغت عتمته، ليتمكنوا من خلاله من إذكاء فتنة غير موجودة، وإعادة صياغة الأوطان وفق أهوائهم  الدنيئة، وغاياتهم الحقيرة، وتقاسم غنائمها، وتحجيم إنسانها.  وهنا تستطيل حيرة الوعي، ويخرس الكلام تماما، فكل الخيارات مر.
إن كل ما علينا فعله  وفق المنطق الإنساني أن نثق في اليمن الإنسان، ونسانده بوعي ومسؤلية ومحبة. وبسبل متدرجة أولها الحوار والمفاوضات، ونترك له أن يقرر ثانيا وأخيرا وما بينهما.
ويارب..  اليمن اليمن .فهذا كل ما يمكن أن نقوله، أمام التاريخ الجديد الذي يكتب بالحقد والجهل وبدم الإنسان، وبعجزه التام عن الفهم، أو الانحياز القائم على منطق لأي جهة إلا لليمن التاريخ والإنسان.

4.
وصلتني هذه الرسالة من قارئ جميل،  وهبتني الكثير من الفرح والامتنان للعالم بأن ثمة من يشاركك الفكرة  المعجونة بوهج الإحساس ووجع الوعي ووهج الرؤيا، والثقة والإيمان بأنه دائما ثمة قارئ محتمل عبر الزمان والمكان .

"قرأت مقامات الظل، مقاماتك، ظلك، مسوداتك، حياتك، حياتنا
قرأت معظم تلك الشذرات
هذا النوع من الكتابة آسر
ما على المرء إلا أن يقتني تشظيات أشكال ومضامين عبدالله حبيب
ومقاماتك
وسوف يشكل وعيا وفلسفة غير عادية ممزوجة بالتجربة والقراءة العميقة من مؤلفي هذين الإصدارين
شكرا لحضورك في هذا العالم اليباب."
وليد
...................................
بل كل الشكر لك أيها القارئ المختلف، هذه الرسائل هي زاد الكاتب، والدافع الحقيقي لمواصلة الكتابة في عالم لا يقرأ  .
شكرا لمقاسمتي خبز الكلمة وملح الحياة ، وأنا مدينة لك ولقارئ آخر محتمل  في مكان ما وزمان ما ، باستمرار الكتابة.
 

الأربعاء، 25 مارس، 2015

مذ عرفتُني
ما عدتُ أنا
صارت الطبيعة جسدي
والكون روحي الهائمة
من يومها وأنا أمضي بحثا عن الرؤيا
كأني الرائي
وتعلق بي الحكايات المتناثرة من فم الكون
كأني الراوي
تستوقفني الكلمات كلما هممت بالصمت
تتحد بي
البحر وشى بي لكائناته اللزجة
فصارت السلاحف وقناديل البحر ونجماته
يتهادين في منامي لأكتبهن
والتاريخ وشى بي لأميراته
وأهداني أقلام كحل لأغمّق رموشهن بما يليق بالتفاصيل والقلق
ولادة تقول مت وفي فمي قصيدة
والخنساء تقول دمعي لم يشف حرقتي
الشجرة قصيدة عمودية تطالبني بالكلمات
والسماء حكاية من فصول اللون
والأرض ذاكرة اللغة
نمل يمشي في نومي
وطير يأكل من رأسي
نحن بعضك
يقول طنين النحل
وحيوانات زاحفة في أوهامي
وأنا مرهقة
فمن أين أبدأ؟
وصمت العارف سلاحه
وصلاة المؤمن مبهمة
كيف أكتب؟
ونشيد متصل النشيج يتردد داخلي بلا توقف
والأغنية الأخيرة للسجان
والرقصة الأولى للسيف، أو للرأس خارج جسده
والراعية في جبال الحجر استودعتني سرها
وثياب الرهبان واسعة
وقدري محفوف بالماء
أين الرؤية؟
وخنجر مغروز في زاوية الصورة
وفي زاوية القلب
وفي مقلة غزال أرعن تربى بمهل في حنجرة الشعر
وحزن أعزل يربي متاهاته في صوت البحار
وفي قلب الشاعر
وأنا ما عدتُ أنا .
 
فاطمة الشيدي
 
بعض الحب يجعلك سعيدا، وبعضه يجعلك حزينا، ولكن ثمة حب يجعلك مجرما، وذلك حين لا ترى من العالم سوى شخص واحد، وتدرك حقيقة أن الحياة قد تكون معه أو لا تكون، هكذا يقول لنا هذا الفيلم عبر أحداث غامضة تتكشف عبر الاحداث لندرك الموضوع تدريجيا، فالعاشق الذي كان سببا في إصابة المرأة (الزوجة والأم) (نيكول كيدمان) بفقدان ذاكرة مزمن ويومي، أي أنها تنسى كل يوم كل الأحداث تماما، بسبب العنف الذي مارسه عليها عندما... قررت التخلي عنه، والعودة لزوجها وطفلها، عاد لينتحل شخصية زوجها ويعيش معها ليرعاها ويعتني بها بعد أن تركها الزوج ليستطيع تربية الطفل بسلام، إلا أن طبيبا يساعدها على التذكر كان يحاول معالجتها بعيدا عن زوجها المنتحل.
وهكذا تستعيد المرأة بعض من الذكريات بين فينة وأخرى فيحاول العاشق الوسيم (كولين فيرث) والمتيم بها لدرجة أنه لا يأبه لكونها مصابة بفقدان الذاكرة بل اعتبر ذلك إيجابيا لتعيش معه. طمس هذه الذاكرة، وأخيرا لا يكون أمامه إلا تخييرها بينه وبين الموت، (إما أن نخرج من هنا معا أو نموت معا) فيأخذها لذات المكان الذي ضربها فيه حتي فقدت الذاكرة، ليواجهها بحقيقة الأشياء، ويخيرها بينه وبين الموت مجددا، وبعد شجار دام، هربت منه بصعوبة بالكثير من الإصابات.
عاطفة الأم كانت هي الأعمق والأكثر رسوخا وتجسيدا في الفيلم، فهي قررت التخلي عن العاشق الوسيم المتيم بها، من أجل طفلها، ولا حقا كان أقسى ما يجعلها تتألم هو أن تتذكر طفلها، وحين يخبرها أن طفلها مات، وبالتالي فهي ستتذكره كلما استعادت الذاكرة أي كل يوم، وكانت تتألم بحرقة (سيظل حزني جديدا، وسأبكي كل يوم كما لو ان هذا يحدث الآن) وهذا عذاب التذكر وقيمة النسيان مع الزمن للإنسان، ولذا أيضا كانت عاطفة الأم هي السبب في استعادتها الذاكرة بشكل كلي بين يدي طفلها ما أن رأته وتكلمت معه.

الاثنين، 23 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
 
الحب العظيم هو اتحاد الأرواح العظيمة، ولا يكتمل كيان الإنسان ولا تظهر حقيقته إلا عبر هذا الحب، وقد عرف الشاعر الأمير جوفري روديل هذا بعد حياة الترف التي عاشها، وظل يبحث عن حبه الضائع والبعيد (جميلة بدون صلف الجمال، نبيلة بدون صلف النبل، تقية بدون صلف التقى)، حتى دله عليه صديقه الحاج وعرفه على حبيبته الحلم التي يبحث عنها وهي الكونتيسة كليمانس في طرابلس..وأخبرها عنه أيضا في رحلته للشرق، ونقل لها أشعاره التي تغنى فيها بجمالها فشغفت روحها بلغته وسحرها فنه، وفتنتها كلماته، فحدث الحب عن بعد بين قلبين وروحين يتوقان للحب العظيم، حتى قرر الشاعر الأمير السفر لمحبوبته عبر البحر، ولكن ولأن الحب الكبير هو دائما الحب المستحيل يصل الشاعر وهو يحتضر ، ويموت في أحضانها .
هذا هو ملخص مسرحية الحب عن بعد لأمين معلوف، التي لا يتمنى قارئها الذي يتشرب جمال الفكرة العظيمة، واللغة الرقيقة، سوى مشاهدتها في عرضها الأوبرالي من إخراج بيتر سيلر، كما قدمت فعلا على مسرح الشاتليه في فرنسا 2001 ودارت العالم بعد ذلك.

السبت، 14 مارس، 2015

ملامح التدوين وأفق النص العابر للأجناس عند معاوية الرواحي




فاطمة الشيدي
14- 3- 2015
القدس العربي


 يمثل معاوية الرواحي ظاهرة ثقافية وأدبية تستحق الوقوف عندها والتمعن في سيرورتها الإبداعية، ومتابعة نتاجها الأدبي المتنوع بين الشعر والقصة والسيرة الذاتية، والتدوين النصي العابر للأجناس (النص المفتوح) .ويستحق معاوية الوقوف مليا عند تجربته لسببين رئيسين :

الأول: خروجه على النمطي والسائد في الكتابة والمجتمع: فمعاوية يمثل حالة شطط شخصي ونصي على كل قواعد السمت الإبداعي التي يعيشها، أو يحتكم إليها، أو يسير ضمنها خارجيا على الأقل أغلبية الكتاب في عمان وربما خارجها، حيث يحاول الجميع خلق معادلة متوازية ومتوازنة نسبيا بين فروض الإبداع، وفرضيات المجتمع الأخلاقي والعرفي. في حالة من النفاق "الحميد" لأن الخروج على المجتمع له ضرائب كثيرة ليس الجميع قادرا عليها، ولا بأس من مساحة داخلية أو خفية يمارس فيها الكاتب ما يحلو له من شطط ونزق، ولكن مع ذاته أو مع من يركن إليهم من أصدقاء الوعي والإبداع فقط، بعيدا عن الرقيب المجتمعي المشدود ضمنا وبقوة إلى معايير العادات والتقاليد، والمحاكم للجمع ضمنها. أو حتى العزلة والابتعاد الكلي عنه (أي المجتمع)، دون جهر أو فضح لممارسة الجنون والنزق الإبداعي والإنساني الخاص والحميم بالكاتب، والذي ينبغي على المجتمع احترامه، وليس على الفرد الخضوع له والامتثال لشروطه، ولكننا في مجتمع عربي معكوس القوانين غالبا.

أما معاوية فقد اختار وعن سبق قصدية وجنون، الخروج الصريح والواضح على تقاليد وسلوكيات المجتمع "الصارمة والمنضبطة بقانون جمعي عرفي عام" بكل وضوح، بل عمد لكتابة محتفياته الخاصة بهذا الخروج، وفضح علائقه المنبتة معه، وتعرية كل مالا يتوافق مع روحه النزقة من أعراف المجتمع وسلوكيات أفراده الكاذبة أو المنافقة أو المتحايلة على الحضور الرصين بأشكال غير صادقة تماما، أو تلك المتأرجحة بين القبول والرفض والامتثال الجهري والخروج الداخلي.

إن روحه الشاعرة والمتمردة والمرتهنة بكل شفافية ونزق لروح طفل أو مجنون أو كلاهما معا، هي أهم ما يميز روح وقلم معاوية الرواحي، مما جعله لا يأبه لمعايير وشروط المجتمع، وبالتالي فهو يطلق جملته اللغوية مع كل طارئ وحميم بكل صدق وشفافية، وكل ما يعنيه هو تسجيل ما يطرأ على ذاكرته أو فكره أو روحه من أحداث أو أفكار، ويطرحه للعام دون تمريره على الرقابة الذاتية، التي يخضع لها كل فرد منا، ليحدد ما ينبغي وما لا ينبغي أن يقال، ناهيك عن أن يدون ذلك ويظهره للعيان.

إن نص معاوية بهذا المعنى مرآة شفيفة لروحه ووعيه ولا وعيه، فكل ما يحاكم في الخفي من الإنسان يعالجه معاوية لغة ونصا في الظاهر من القول والكتابة والتدوين، من الشك حتى اليقين، ومن الرفض حتى اللعن، ومن القبول حتى المحبة.

ولذا فكل الأفكار الكبرى منها والصغرى لها حق الحضور النصي بين متون معاوية الرواحي وهوامشه، كالرب، والمجتمع، والروح، والجسد، والذاكرة، والألم، والحب، وغيرها من الأفكار التي ناقشها الإنسان عقودا طويلة، وذهبت فيها وجعا وألما "الأرواح المعذبة" كروح معاوية، تلك الأرواح الهائمة في حذافير الوجود، وهوامشه ومراياه المنكسرة، وغير المهتمة بما تحمله من نزق طفلي وشطط مجنون إلا بالبعيد جدا أو القريب جدا من الأشياء والأفكار، تلك الأرواح الخارجة على النمط، وغير المعنية بالقواعد والثوابت من كل شيء في الحياة وفي اللغة معا.

ثانيا الاحتفاء الخاص والحميم بالتدوين :

في أمسية جمعتني بمعاوية وآخرين؛ كنا نناقش فيها النص الرقمي صدمني معاوية _ أنا المحتفية بفكرة المدونات قبله ربما، والتي كنت أرى في نفسي خروجا على الكثير من الثوابت المجتمعية - بفكرته المجنونة "التدوين هي تلك الفكرة التي تجعلني أكتب بحرية داخلية وخارجية تماما، أي الكتابة "بوزار وفانيلة" .صمت وابتسمت حينها، لأنني أدركت فعلا أن هذه هي الفكرة الحقيقية لممارسة فعل الكتابة بكلها وليس التدوين فقط .

فالكتابة هي القدرة على ممارسة التعري الداخلي، والكتابة من قلب الجرح تماما، من الجرح الشخصي والعام، نقد الذات أو جلدها إذا اقتضى الأمر، ونقد المجتمع بمواجهته ومقارعته، وإحداث ذلك الشرخ الخفي في ثوابته، ذلك الذي عليه أن يكبر ويتسع حتى يبيّن الخلل والعجز في منظومته عن اللحاق بركب العصر. ولذا لا عجب أن تصدى معاوية للكتابة عن أكثر المواضيع حساسية وجرأة، عن مواجهة أشرس الثوابت والهياكل الرصينة والأصنام، والوقوف أمام قوى يمكنها سحق وتمزيق كل خارج على قوانينها وثوابتها كما حدث كثيرا.

ومع هذا استمر معاوية في مشروعه الفكري واللغوي والإنساني على كل المستويات، فأظهر تمرده على الوظيفة والأسرة والمجتمع، وأشهر أفكاره بكل الممكنات الرقمية التي أتاحها العصر، ليحقق رسالته العميقة وهي كشف القبح، وفضح النفاق السائد، وتكسير القوالب الجاهزة، وإحداث كوة في جدار المجتمع البائد والذي يرفض كل جديد، بأمل أن يصل القليل من الضوء للعقول الجديدة (الذي هو منها) فيغير تفاعلها مع الجديد، ويجعلها تراجع الكثير من الأشياء الجاهزة، ولا ترى في كل طارئ شرا مستطيرا. مبرهنا على أن الكتابة هي روح الصدمة من جهة، وقابلية إحداث الدهشة من جهة أخرى.

لقد استغل معاوية التقنية الرقمية الجديدة استغلالا حميدا، فنوّع رسائله بين المسموع والمرئي والمكتوب، وكسب بذلك جمهورا رقميا عريضا، وناقش كل القضايا التي تخدم فكره وقضيته وهي "التغيير" على مستوى المجتمع والفكرة والنص.

ولم يهمل الكتاب فهو رغم حداثة تجربته متواصل مع فكرة النشر، ولم يكتف بالمدونة المتجددة بشكل حثيث ويومي تقريبا، ولا حتى بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي التي يصدق عليها قول هيراقليطيس "لا يمكن عبور نفس النهر مرتين! " فهو يؤمن أن الكتاب هو ذاكرة الفكرة والإنسان، ولذا أصدر العديد من الكتب، وقد يصدر أكثر من كتاب كل عام، كما شارك في العديد من الأمسيات الشعرية والسردية، كما لم يهمل الجوانب الإنسانية التي تتريض روحه وتتفيأ بين جنباتها، فقد احتفى بكل صديق ومختلف ومتمرد.

ورغم كل المواجهات التي تصدت له وللغته، ورغم عدم تقبل ذائقتنا المدجنة والمصنوعة وفق معايير المجتمع والتي اعتادت النفاق، أو الكيل بمكيالين لكل ما يكتبه، ولكل الصرخات الجريئة التي تطلقها بين الفينة والأخرى روحه القلقة، ونفسيته التي ينهشها الاغتراب ويقصيها الاكتئاب عن الجمع الذاهب في الفرح الساذج والقول الجاهز. استطاع معاوية ذلك.

 
 

*معاوية الرواحي شاعر وكاتب ومدوّن عماني من مواليد 1983، صدر له ثمانية في الشعر والقصة والتدوين. وله مدونة واسعة الحضور، وقناة مرئية على اليوتيوب.