"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الأربعاء، 25 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
بعض الحب يجعلك سعيدا، وبعضه يجعلك حزينا، ولكن ثمة حب يجعلك مجرما، وذلك حين لا ترى من العالم سوى شخص واحد، وتدرك حقيقة أن الحياة قد تكون معه أو لا تكون، هكذا يقول لنا هذا الفيلم عبر أحداث غامضة تتكشف عبر الاحداث لندرك الموضوع تدريجيا، فالعاشق الذي كان سببا في إصابة المرأة (الزوجة والأم) (نيكول كيدمان) بفقدان ذاكرة مزمن ويومي، أي أنها تنسى كل يوم كل الأحداث تماما، بسبب العنف الذي مارسه عليها عندما... قررت التخلي عنه، والعودة لزوجها وطفلها، عاد لينتحل شخصية زوجها ويعيش معها ليرعاها ويعتني بها بعد أن تركها الزوج ليستطيع تربية الطفل بسلام، إلا أن طبيبا يساعدها على التذكر كان يحاول معالجتها بعيدا عن زوجها المنتحل.
وهكذا تستعيد المرأة بعض من الذكريات بين فينة وأخرى فيحاول العاشق الوسيم (كولين فيرث) والمتيم بها لدرجة أنه لا يأبه لكونها مصابة بفقدان الذاكرة بل اعتبر ذلك إيجابيا لتعيش معه. طمس هذه الذاكرة، وأخيرا لا يكون أمامه إلا تخييرها بينه وبين الموت، (إما أن نخرج من هنا معا أو نموت معا) فيأخذها لذات المكان الذي ضربها فيه حتي فقدت الذاكرة، ليواجهها بحقيقة الأشياء، ويخيرها بينه وبين الموت مجددا، وبعد شجار دام، هربت منه بصعوبة بالكثير من الإصابات.
عاطفة الأم كانت هي الأعمق والأكثر رسوخا وتجسيدا في الفيلم، فهي قررت التخلي عن العاشق الوسيم المتيم بها، من أجل طفلها، ولا حقا كان أقسى ما يجعلها تتألم هو أن تتذكر طفلها، وحين يخبرها أن طفلها مات، وبالتالي فهي ستتذكره كلما استعادت الذاكرة أي كل يوم، وكانت تتألم بحرقة (سيظل حزني جديدا، وسأبكي كل يوم كما لو ان هذا يحدث الآن) وهذا عذاب التذكر وقيمة النسيان مع الزمن للإنسان، ولذا أيضا كانت عاطفة الأم هي السبب في استعادتها الذاكرة بشكل كلي بين يدي طفلها ما أن رأته وتكلمت معه.

الاثنين، 23 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
 
الحب العظيم هو اتحاد الأرواح العظيمة، ولا يكتمل كيان الإنسان ولا تظهر حقيقته إلا عبر هذا الحب، وقد عرف الشاعر الأمير جوفري روديل هذا بعد حياة الترف التي عاشها، وظل يبحث عن حبه الضائع والبعيد (جميلة بدون صلف الجمال، نبيلة بدون صلف النبل، تقية بدون صلف التقى)، حتى دله عليه صديقه الحاج وعرفه على حبيبته الحلم التي يبحث عنها وهي الكونتيسة كليمانس في طرابلس..وأخبرها عنه أيضا في رحلته للشرق، ونقل لها أشعاره التي تغنى فيها بجمالها فشغفت روحها بلغته وسحرها فنه، وفتنتها كلماته، فحدث الحب عن بعد بين قلبين وروحين يتوقان للحب العظيم، حتى قرر الشاعر الأمير السفر لمحبوبته عبر البحر، ولكن ولأن الحب الكبير هو دائما الحب المستحيل يصل الشاعر وهو يحتضر ، ويموت في أحضانها .
هذا هو ملخص مسرحية الحب عن بعد لأمين معلوف، التي لا يتمنى قارئها الذي يتشرب جمال الفكرة العظيمة، واللغة الرقيقة، سوى مشاهدتها في عرضها الأوبرالي من إخراج بيتر سيلر، كما قدمت فعلا على مسرح الشاتليه في فرنسا 2001 ودارت العالم بعد ذلك.

السبت، 14 مارس، 2015

ملامح التدوين وأفق النص العابر للأجناس عند معاوية الرواحي




فاطمة الشيدي
14- 3- 2015
القدس العربي


 يمثل معاوية الرواحي ظاهرة ثقافية وأدبية تستحق الوقوف عندها والتمعن في سيرورتها الإبداعية، ومتابعة نتاجها الأدبي المتنوع بين الشعر والقصة والسيرة الذاتية، والتدوين النصي العابر للأجناس (النص المفتوح) .ويستحق معاوية الوقوف مليا عند تجربته لسببين رئيسين :

الأول: خروجه على النمطي والسائد في الكتابة والمجتمع: فمعاوية يمثل حالة شطط شخصي ونصي على كل قواعد السمت الإبداعي التي يعيشها، أو يحتكم إليها، أو يسير ضمنها خارجيا على الأقل أغلبية الكتاب في عمان وربما خارجها، حيث يحاول الجميع خلق معادلة متوازية ومتوازنة نسبيا بين فروض الإبداع، وفرضيات المجتمع الأخلاقي والعرفي. في حالة من النفاق "الحميد" لأن الخروج على المجتمع له ضرائب كثيرة ليس الجميع قادرا عليها، ولا بأس من مساحة داخلية أو خفية يمارس فيها الكاتب ما يحلو له من شطط ونزق، ولكن مع ذاته أو مع من يركن إليهم من أصدقاء الوعي والإبداع فقط، بعيدا عن الرقيب المجتمعي المشدود ضمنا وبقوة إلى معايير العادات والتقاليد، والمحاكم للجمع ضمنها. أو حتى العزلة والابتعاد الكلي عنه (أي المجتمع)، دون جهر أو فضح لممارسة الجنون والنزق الإبداعي والإنساني الخاص والحميم بالكاتب، والذي ينبغي على المجتمع احترامه، وليس على الفرد الخضوع له والامتثال لشروطه، ولكننا في مجتمع عربي معكوس القوانين غالبا.

أما معاوية فقد اختار وعن سبق قصدية وجنون، الخروج الصريح والواضح على تقاليد وسلوكيات المجتمع "الصارمة والمنضبطة بقانون جمعي عرفي عام" بكل وضوح، بل عمد لكتابة محتفياته الخاصة بهذا الخروج، وفضح علائقه المنبتة معه، وتعرية كل مالا يتوافق مع روحه النزقة من أعراف المجتمع وسلوكيات أفراده الكاذبة أو المنافقة أو المتحايلة على الحضور الرصين بأشكال غير صادقة تماما، أو تلك المتأرجحة بين القبول والرفض والامتثال الجهري والخروج الداخلي.

إن روحه الشاعرة والمتمردة والمرتهنة بكل شفافية ونزق لروح طفل أو مجنون أو كلاهما معا، هي أهم ما يميز روح وقلم معاوية الرواحي، مما جعله لا يأبه لمعايير وشروط المجتمع، وبالتالي فهو يطلق جملته اللغوية مع كل طارئ وحميم بكل صدق وشفافية، وكل ما يعنيه هو تسجيل ما يطرأ على ذاكرته أو فكره أو روحه من أحداث أو أفكار، ويطرحه للعام دون تمريره على الرقابة الذاتية، التي يخضع لها كل فرد منا، ليحدد ما ينبغي وما لا ينبغي أن يقال، ناهيك عن أن يدون ذلك ويظهره للعيان.

إن نص معاوية بهذا المعنى مرآة شفيفة لروحه ووعيه ولا وعيه، فكل ما يحاكم في الخفي من الإنسان يعالجه معاوية لغة ونصا في الظاهر من القول والكتابة والتدوين، من الشك حتى اليقين، ومن الرفض حتى اللعن، ومن القبول حتى المحبة.

ولذا فكل الأفكار الكبرى منها والصغرى لها حق الحضور النصي بين متون معاوية الرواحي وهوامشه، كالرب، والمجتمع، والروح، والجسد، والذاكرة، والألم، والحب، وغيرها من الأفكار التي ناقشها الإنسان عقودا طويلة، وذهبت فيها وجعا وألما "الأرواح المعذبة" كروح معاوية، تلك الأرواح الهائمة في حذافير الوجود، وهوامشه ومراياه المنكسرة، وغير المهتمة بما تحمله من نزق طفلي وشطط مجنون إلا بالبعيد جدا أو القريب جدا من الأشياء والأفكار، تلك الأرواح الخارجة على النمط، وغير المعنية بالقواعد والثوابت من كل شيء في الحياة وفي اللغة معا.

ثانيا الاحتفاء الخاص والحميم بالتدوين :

في أمسية جمعتني بمعاوية وآخرين؛ كنا نناقش فيها النص الرقمي صدمني معاوية _ أنا المحتفية بفكرة المدونات قبله ربما، والتي كنت أرى في نفسي خروجا على الكثير من الثوابت المجتمعية - بفكرته المجنونة "التدوين هي تلك الفكرة التي تجعلني أكتب بحرية داخلية وخارجية تماما، أي الكتابة "بوزار وفانيلة" .صمت وابتسمت حينها، لأنني أدركت فعلا أن هذه هي الفكرة الحقيقية لممارسة فعل الكتابة بكلها وليس التدوين فقط .

فالكتابة هي القدرة على ممارسة التعري الداخلي، والكتابة من قلب الجرح تماما، من الجرح الشخصي والعام، نقد الذات أو جلدها إذا اقتضى الأمر، ونقد المجتمع بمواجهته ومقارعته، وإحداث ذلك الشرخ الخفي في ثوابته، ذلك الذي عليه أن يكبر ويتسع حتى يبيّن الخلل والعجز في منظومته عن اللحاق بركب العصر. ولذا لا عجب أن تصدى معاوية للكتابة عن أكثر المواضيع حساسية وجرأة، عن مواجهة أشرس الثوابت والهياكل الرصينة والأصنام، والوقوف أمام قوى يمكنها سحق وتمزيق كل خارج على قوانينها وثوابتها كما حدث كثيرا.

ومع هذا استمر معاوية في مشروعه الفكري واللغوي والإنساني على كل المستويات، فأظهر تمرده على الوظيفة والأسرة والمجتمع، وأشهر أفكاره بكل الممكنات الرقمية التي أتاحها العصر، ليحقق رسالته العميقة وهي كشف القبح، وفضح النفاق السائد، وتكسير القوالب الجاهزة، وإحداث كوة في جدار المجتمع البائد والذي يرفض كل جديد، بأمل أن يصل القليل من الضوء للعقول الجديدة (الذي هو منها) فيغير تفاعلها مع الجديد، ويجعلها تراجع الكثير من الأشياء الجاهزة، ولا ترى في كل طارئ شرا مستطيرا. مبرهنا على أن الكتابة هي روح الصدمة من جهة، وقابلية إحداث الدهشة من جهة أخرى.

لقد استغل معاوية التقنية الرقمية الجديدة استغلالا حميدا، فنوّع رسائله بين المسموع والمرئي والمكتوب، وكسب بذلك جمهورا رقميا عريضا، وناقش كل القضايا التي تخدم فكره وقضيته وهي "التغيير" على مستوى المجتمع والفكرة والنص.

ولم يهمل الكتاب فهو رغم حداثة تجربته متواصل مع فكرة النشر، ولم يكتف بالمدونة المتجددة بشكل حثيث ويومي تقريبا، ولا حتى بالكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي التي يصدق عليها قول هيراقليطيس "لا يمكن عبور نفس النهر مرتين! " فهو يؤمن أن الكتاب هو ذاكرة الفكرة والإنسان، ولذا أصدر العديد من الكتب، وقد يصدر أكثر من كتاب كل عام، كما شارك في العديد من الأمسيات الشعرية والسردية، كما لم يهمل الجوانب الإنسانية التي تتريض روحه وتتفيأ بين جنباتها، فقد احتفى بكل صديق ومختلف ومتمرد.

ورغم كل المواجهات التي تصدت له وللغته، ورغم عدم تقبل ذائقتنا المدجنة والمصنوعة وفق معايير المجتمع والتي اعتادت النفاق، أو الكيل بمكيالين لكل ما يكتبه، ولكل الصرخات الجريئة التي تطلقها بين الفينة والأخرى روحه القلقة، ونفسيته التي ينهشها الاغتراب ويقصيها الاكتئاب عن الجمع الذاهب في الفرح الساذج والقول الجاهز. استطاع معاوية ذلك.

 
 

*معاوية الرواحي شاعر وكاتب ومدوّن عماني من مواليد 1983، صدر له ثمانية في الشعر والقصة والتدوين. وله مدونة واسعة الحضور، وقناة مرئية على اليوتيوب.

الخميس، 12 مارس، 2015

فاطمة الشيدي
12- 3- 2015


كان البحر ضجرا، كدرا من أحاديث الغيوم الثقيلة فوق رأسه
وهن يتحركن بثقل الماء في بطونهن
ويسرّبن أسرار السماء بينهن بخفة
ويستفتين قلوبهن في زمن المخاض
لذا كان يرغي ويزبد ...
ويطلق جملته الشعرية بصوته الهادر
ويتململ في استقصاء نهاية الليل
ويرقب العابرين قرب جسده المثخن بالهواجس والجراح
ويفيض في حروبه الوهمية وهو يفر ويكر كمحارب قديم
تاركا للكون احتمالاته الوافرة، وفلسفة التأويل
في حين تبدو الشجيرات قربة آنسات مستأنسات بصوت الموج
يرهفن السمع لنبضه القلق
يتمايلن في خفة الفرح وهن ينتظرن لحظة العناق العلوي
ويترنمن بأغنية "جفنه علّم الغزل" وهن يتدثرن بحنانات الليل من لذعة البرد الناعمة التي تسري في أجسادهن شبه العارية.
وحدها الياسمينة الحكيمة كجدة الخليقة، أخذت زاوية قصية، وبدأت تنثر للعابرين حكايات الرائحة البيضاء، والبعيد حيث الماء العذب، والسنابل والقصب.

الثلاثاء، 10 مارس، 2015

بين مدينتين

 
 
فاطمة الشيدي
10/3/2015
شرفات جريدة عمان
 
«أكثر الأفراح حزناً
أن تكون شاعراً»
لوركا
1. البحرين :
في السفر تخف الأرواح وتشف، وتتساقط الهموم على حواف الدرب، وبين عجلات الحقائب، السفر وعد مسبّق بمتعة غائبة، ولكن لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، بحر واحد لا يكفي للشعر والحب معاً، البحر جغرافيا الماء والملح، التي تربط بحر عمان بتاريخ دلمون، وتؤسس لتلك العلاقة القديمة بين القلوب المالحة، والذاكرة المالحة، والأغنيات المالحة، والنصوص المالحة هنا وهناك، بين البشر المنفتحين على الحياة والرب والمكان والجمال والكلمة.لم البحرين؟ لأن بحرا واحدا لا يكفي لتكتمل صورة البهاء في ذاكرة الماء بقلب الخليج العربي، وضميرِ الكلمة الحرة، واللحنِ الطاعن في الروح، فمنذ القدم وهي (أي البحرين) تتقدم كمعين تستقي منه تلك الذاكرةُ وأهلُها كل مفرداتِ الجمال والحب، وفرادةِ الرؤيا، ويتعلمون منها الثقافةَ والعمق، ومنارةَ الرؤيةِ الثقافيةِ والسياسة والاجتماعية، وهي الروح المتقدمة بوعي ونبل الإنسان، بلا ثقل المادة وبلا بهرجة البريق، ولا حبل النفط السري الذي أوجد حياةً مشدوهة ومرتبكةَ الخطى.
لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، ونحن نستحضر رحلاتِ الأجداد، وغناءاتِ البحارة الممتدة من بحر مزون حتى سماواتِ دلمون، وهم يهربون إليها، كالهارب إلى حلمه، محملين بالحلوى والقرنفل والليمون اليابس، ينزلون أحلامهم على مرافئها، ويعملون في الأشرعة ارتفاعاً وهبوطاً، وثمة من تغريه الأرصفة بالنزول والمكوث ردحا من الزمن، حتى تقرَ عينُه بها، وربما استطاب المقام فاستقر وأينع.
لم البحرين؟ لأن بحراً واحداً لا يكفي، ليغتسلَ الإنسانُ من كل شيء إلا من جمال الروح، وسعة الرؤية وعمق الوعي، متحدا مع الماء والملح، مع السماء والأرض، ومع الكلمة الحرة. ويتقدم بذلك فقط.
كان ذلك الشعور هو كل ما تلبسني منذ تلقيت دعوة مركز الشيخ إبراهيم لإقامة أمسية في بيت الشعر، في بيت الشاعر إبراهيم العريض في يوليو 2014، سألتني مديرة المركز أو خيرتني بين وقتين أغسطس 2014، أو يناير 2015، واخترت الثاني لظروف كثيرة، ولم تبخل عليّ تباشير الشتاء، والقلوب الطيبة والجمال الذي يفتح ذراعيه ثقافة ووعيا بالمتعة الجمة هناك، كان ابتسامة ازميرالدا مديرة المركز ومضيفتنا الجميلة، هي فاتحة الفتنة، التي أخذت تتمدد ونحن ننتقل في بيوت المحرق التابعة للمركز مأخوذين بعبق التاريخ، وعمق الثقافة وقدرة الإنسان على بث الجمال في كل مكان متى ما آمن بالحب والجمال والثقافة، وحين حدثتني الشيخة مي، المرأة التي حملت فانوس الثقافة وأشعلته بحب لتضيء جوانب المكان وتشغله بإيمان شخصي وفردي وداخلي عميق بقيمة الثقافة، ولتعطره بذلك العبق التاريخي في بيت الشعر (بيت الشيخ إبراهيم العريض) وبيت الصحافة (بيت عبدالله الزايد) وبيت الكورار، وبيت القهوة وغيرها من البيوت الثقافية والتاريخية والتي تجاوزت العشرين بيتا، كل منها يحكي تاريخ البحرين والمنطقة، ويثرثر بجمال عن تلاقي الأزمنة في مكان واحد، صدحت روحي بالفرح، وبعشق الجمال، وقلت في نفسي هذا فعل المؤمن بالثقافة المحب لها، فعل الإنسان العميق.
كنا نتحرك في تلك البيوت وكأننا ركبنا آلة الزمن عائدين لزمن آخر عشناه وعرفناه، وفي متحف البحرين، وقلعتها التاريخية العظيمة، ومتحفها القريب كان التاريخ يتجلى لنا بهدوء وحكمة شيخ طيب وودود، يحكي تلاقي حضارة عمان بحضارة البحرين وكنا نبتسم؛ لأننا نعرف كما كنا هناك، وكما كنا معا.
في الأمسية الشعرية كنت أحمل أوراقي وأسئلتي ورفضي ووجعي الوجودي والإنساني العميق لأنثره بين الحضور والأصدقاء الشعراء والنقاد الذين أفرحني حضورهم، كالشاعرين كريم رضي، وحسين المنجور، والناقد فهد حسين. وكان «بلاغة الهامش وارتقاءات القصيدة» هو العنوان الذي اخترته لأمسيتي الشعرية، فبلاغة الهامش هي اتحاد الشعر مع روح الحياة، ليصبح رسولا، يحمل صليبه على ظهره ويدعو للخير والحب والعدل، ليحاكم الظلم وينفَّر من الاستعلاء في النص والحياة معا، يصبح صعلوكا يجلس على أرصفة الحياة، يحمل حقيبته الصغيرة، ليضع فيها صورا من القريب والحميم واليومي والمعاش، يُنزل المعنى من عليائه، يلتقطه من حنجرة عجوز عابر، أو طفلة شقية، أو قطة تموء بشغف أو ألم.
وارتقاءات القصيدة هي نفورها من صوت الكعب العالي، ورائحة العطر المدوخ، وربطات العنق الأنيقة، لتسمو في الألم، وتذهب في السهاد والوجع، وتتصاعد في الهامش نكاية في المتن، الذي يتصدرُه آخرون لست منهم. أن تتحدث القصيدة بسماتها الأسلوبية الخاصة عن الحب والخيانة، عن الفقر والشظف، عن الظلم والقهر، عن كائنات الظل في سياقات إنسانية محضة، وعبر استعارات وكنايات تتخلق كل يوم من دماء تسفح بلا خجل، وحروب تتناسل بلا وجل، وتاريخ يكتب على عجل.
فبعد زمن من التجربة تصفو الروح واللغةُ معا، وتتضح الرؤى والطريق، ويذهب الشعر في خيارات الهامش طائعاً مختاراً.
بعد الأمسية كانت الشموع تمتد لتقدم لنا سهرة خاصة مع الجميلة المثقفة زهاء الزياني، والشاعرة الدكتورة نبيلة الزباري، التي قدمتني بمحبة خالصة، وجمال عميق من روحها الطيبة وشعريتها العالية.
كانت أيام قليلة ولكنها كانت جارحة بما يكفي في الروح والذاكرة، عبر المكان العبق بالتاريخ والثقافة في كل جزء منها، والقلوب الطيبة، والأرواح التي أغدقت عليها من حنوها وتجاربها وعمقها، كالشيخة لطيفة، وعائشة مطر المرأة التي لا تشعر في حضرتها إلا بالرغبة في الإصغاء والتعلم من تلك التجربة الإنسانية النبيلة والفاتنة ومع كل حرف يخرج روحها تماما، وحسن كمال الشاعر والموسيقي الحالم والمتجدد مع العمر والتجربة والجمال الإنساني المحض. لتتأكد مجددا ودائما أنها البحرين؛ لأن بحراً واحداً لا يكفي.
 
2. دبي :
نجحت دبي في اللحاق بالزمن، الزمن الذي لا ينتظر أحدا، وبالتالي نجحت في تخطي حدود المكان، لقد أصبحت اللامكان، أو المكان الكبير الواسع والممتد الذي يشمل كل شيء ويستوعب الجميع، ففي دبي أنت في مدينة عصرية تماما، من تصاميم بنائها ما بعد الحداثية، ومولاتها الضخمة، وشوارعها الأنيقة، وحتى المترو الذي تتنقل فيه بكل سهولة ويسر، ومع كل تلك الحداثة فأنت لن تفتأ تشتم رائحة الرحم الأول للمكان الذي خرجت منه هذه المدينة الحديثة بكل ثمرها الباسق، ستسمع حفيف الصحراء التي بنيت على جسدها الرملي، وعظام أسلافها من البدو والغزاة،ستحاصرك الرائحة من كل حدب وصوب، حتى يستيقظ فيك ذلك الحنين الجنيني للمكان، وتشعر بتقاسمك تلك الرائحة معه، وكأنه جزء منك، وكأنك جزء منه، وستنظر في عين البحر الذي سيبتسم لك «لتطلع الصورة حلوة»، لتشعر بالأمان قليلاً، فهو يحميك من دوخة ناطحات السحب كلما نظرت للأعلى. دبي مدينة تستوعب الجميع باختلاف أعراقهم وأشكالهم، وأجناسهم، مدينة لن تحكم عليك من ملابسك ولا من لون بشرتك ولا من لهجتك، ولن تسألك من أين أنت قادم؟ بل ستمد لك اليد مرحبة ما أن تدخلها، شريطة أن يكون عندك القليل من لغة العالم الأقوى، وثقافته في التعامل المتسامح مع البشر بلا أحقاد ولا عنصريات مبطنة لروحك، ومن ثم تعدك أن تحبك بمقدار ما تريد أنت، بقدر ما تعطي ستأخذ، وبقدر ما تعمل ستجني، وبقدر ما تسندك به حافظة نقودك، ستقدم لك المتعة التي تريد وبالطريقة التي تشتهي، وبالسعر الذي يناسبك والوقت المتاح لك.
في دبي ترى العالم كله بين يديك، وتسمع رنين الأموال السائلة يسري على أزرار لوحات المفاتيح، وفي لافتات الشوارع والمحلات، وتشاهد الابتسامات النيئة ترحب بك ببرستيج مدروس، واتيكيت ممنهج، لا أحد يعرفك في دبي، وأنت قد لا تعرف نفسك، أو لا تريد أن تعرفك، لأنك تريد أن تتحرر منك، من نفاق قديم ودفء مصطنع راسخ فيك وملتصق بك، فتلجأ لمدينة محايدة لا تجامل حتى أبناءها، كأم عصرية جدا تهتم برشاقة جسدها وأناقة هيئتها، تماما كما تهتم بأن يتحصل أطفالها على كل شيء يؤهّلهم للغد: من التعليم الراقي، والصحة العالية والمال، والمكتبات، والتقنية، أكثر من الثرثرة عن الحنان والدفء والماضي.
في دبي تتحقق فكرة الكونية، وأن العالم أصبح قرية صغيرة، فأنت في مدينة «كوزمبولوتية» تختصر الزمن الماضي والحاضر ذاهبة للمستقبل، مدينة تشبه العالم أجمع، وتشبهك بزاوية ما.

الاثنين، 9 مارس، 2015

شذرات



 
 
1.
"الرحلة أهم من الوصول " بعبارة أخرى " الطريق أهم من الغاية"
هذه الجملة جعلتني أمشي ببطء أكثر

2.
بعد زمن من الاغتراب الممض، الذي مارست فيه طويلا وكثيرا محاولة الحياة أو محاورتها، تصل لمرحلة اللاجدوى، وتدرك أن السفر وتأمل الطبيعة، وقراءة الكتب، ومشاهدة الأفلام أجمل كثيرا من مجالسة البشر، وأن اللغة هي الوطن الحقيقي، وأن قلبا واحدا هو الكون.
فتمضي مبتسما بهدوء، غير مكترث بعبثية الحياة وطحالب الأرواح، وتواصل خطوك البطئ بلا التفات، إلا من نظرة ساهمة للبعيد البعيد.

3.
لأكايد العدم وأهله، أشغل حياتي بارتقاءات دائمة، وابتهاجات ضمنية، وأجعل أفراحي الصغيرة عادات ثابتة، وقوانين كونية خاصة.
قهوتي الداكنة، تمارين التنفس والتأمل، صلوات الروح، قراءة عاجلة، وتدوين بدئي.. كل صباح ومساء.
كتاب جديد، فيلم أو أكثر، زيارة للبحر، نوم طويل بلا مخططات، ودردشة حميمة أو لقاء صاخب ..كل أسبوع.
وتحليق بعيد بين الفينة والأخرى في اتجاه غير متوقع.
لذا لا أرى كل شيء يحدث في هذا العالم الذي ليس طيبا بما يكفي، ولا كل من يتحرك فيه قريبا أو بعيدا مني، ولا أكترث لذلك... كثيرا.. فأنا أعرف أنه لا يفوتني شيء.
 
4.
 الفصام الإنساني والمجتمعي، من أنصاف الأشياء والعقول والمواقف والرؤى والقيم.
الكذب الملتحف بمعايير اجتماعية، النفاق المخبوء تحت عباءة الدين والمجتمع.
وتكبر الدهشة حين يكون الشخص مثقفا، أو هكذا يقدم نفسه، ممن لا يفكك الأشياء من جذورها، بل يتعامل معها كمسلمات جاهزة وحزم مقولبة ومنفصلة، بلا تصالح بين الذات وتناقضات الحياة، التي يفترض الوعي التعامل معها بتحليل عميق ورؤية ناصعة، للوصول لأعمق نقطة فيها.
الوصول لأقصى درجات الحرية والجمال تفترض تكوين رؤى ناصعة للأشياء الراكدة داخلنا والمحيطة بنا، على المثقف أن يكون نهرا متجددا بقيم الجمال والحرية الكاملة وليست المجزوءة أو الآسنة. والتي يعيش الكثيرون منا ضمنها.
 
5.
 
ولكأن الحروب الصليبية تعود من جديد، ولكن بصيغة إسلامية هذه المرة!
وصدق ماركس حين قال " التاريخ يكرر نفسه بوصفه مأساة في المرة الأولى، وبوصفة ملهاة في المرة الثانية"

الأحد، 8 مارس، 2015



فاطمة الشيدي
8/3/2015

1.

إلى النسوة اللاتي لم يعرفن للحياة سوى وجه واحد ، ولون واحد، وطعم واحد، ليس بالضرورة أن يكون جميلا بالمقايسات الطبيعية.
الطيبات الغافلات، الذاهبات في الطاعة والخضوع والاستسلام، حد أن يعتبرن الأحلام ترفا، والتحدي مستحيلا. والاعتراض بطرا.
الراضيات بالموجود، الصابرات على ما مالا يعرفن غيره، ولا يردن غيره، القانعات بالقليل، المؤمنات بالكثير البعيد. وهن كثيرات في عالمنا العربي.
وإلي الأجساد التي تعامل خارج روحها، فتتحول شهوة جرداء يُسعى إليها خارج سقيا الروح، ولذة الحب، حقا أو با...طلا، أو آلة صماء تعمل بلا كلل، وتنتج بلا ملل، وتعيش بلا أمل، حقا أو باطلا!
وإلي كل صاحبة قضية، تتجاوز الخاص للعام، والجزء للكل، والعدل للظلم، فترفع صوتها ب (لاااااا) بالكلمة أو بغيرها، لتحظى غيرها بالحرية والعدالة، وتحيا حياة أكثر أمانا وإنسانية.
وإلي كل نساء الأرض ..ولكن بشكل أقل انحناء وتقديرا
كل عام وأنتن بخير وسلام

2.

أيتها المرأة الطيبة والخبيثة، الجميلة والقبيحة في الداخل أو الخارج. السمراء والبيضاء والحمراء والصفراء، المتحدثة بفصاحة أو بصفاقة.
أيتها النحيلة من فرط الجوع والمترفة التي تأكل البسكويت، العاملة التي ينحت التعب عظامها، والأم التي يمتص الأبناء صحتها، القوية والمعتلة، الحنونة والقاسية، العصرية والتقليدية.
ياكل نساء الأرض المحرومات والحارمات، الناعمات والصارمات، الصادقات والكاذبات، العميقات كالبحر، والسطحيات كالطحالب، الرفيعات كالنخيل، والمتلونات كالحرباوات أو اليرقات أو دودة ...الأرض.
أيتها الفراشات والحمامات، والبومات واللبوات، القاتلات والمقتولات، حارسات السجون، وراقصات الباليه.
هذا يوم خصصته الكونية لكنّ، اعترافا بكل الأدوار التي تغيرن من خلالها وجه الأرض جمالا أو قبحا. فكن بخير وعند ظن الطبيعة والحياة بكن.
8مارس يوم المرأة
كل عام وأنتن بخير.. والكون أكثر أنوثة، وأقل قبحا وعنفا ♪♪

 

السبت، 7 مارس، 2015



فاطمة الشيدي

تدرجت العباءة في التغيير ومخالطة الألوان الأخرى الأكثر إشراقا وفرحا وحيوية للأسود المتمترس بقوة ولزمن طويل، والمحتجب ضمنه كل جمال النساء وحضورهن الخاص، مع كل صرخات مدعي التدين وحماة الشرف وكرامة المرأة، وصون المجتمع من الانحلال والانحطاط، حول ذلك وأثره علي المرأة ضمن الجهاد الديني والفزعة القلبية والعادات الاجتماعية، وعلت أصواتهم الناشزة، وتعددت تأويلاتهم المرضية وأوهامهم المكبوتة وعقدهم الذكورية بلا اهتمام من المرأة التي جبلت على حب التجمل والميل الفطري للزينة والجمال ومع عل...مها التام أن الإسلام لم يفرض السواد وأن جداتنا كانت تتمخطر في الحقول والبيوت والشوارع زاهيات مشرقات، حتى ظهرت العباءة الملونة تماما بشكل رائع ومفرح، لتصبح اليوم انتصارا للنور علي الظلام، وللوّنية الباهية على السواد الحالك، وللأنوثة علي التعتيم المؤدلج، وللحرية على الحصار والقيد.
فأصبح بإمكاننا اليوم في الأماكن العامة، في الشواطئ والشوارع والمولات أن نرى نساءً متعددات الجمال والذوق واللون والأناقة المبهجة، وليس نسخا مكررة لأمراة واحدة.
الآن أصبح الاختلاف ممكنا والجمال متاحا .. فلنستثمر هذه الفرصة ولنتشبث بهذه الموضة، ولنمض قدما مع هذه الشرفة المفتوحة على الجمال والحياة، بعيدا عن السواد الذي يعكس قانون القطيع ليس أكثر، ولنصبح نساء حقيقيات في الشكل والمضمون.
ولننشر رسائل الجمال والفرح لنواجه بها قبح العالم، فنحن مصدر قوة وتغيير دائما
فاطمة الشيدي
رسالة ♪
٨مارس يوم المرأة العالمي

ليلى العثمان في «حكاية صفية» اللذائذ المحرمة وجرائم اللاشرف

 

القدس العربي
فاطمة الشيدي
تعتبر «جرائم الشرف» من الفظائع الاجتماعية والدينية المسكوت عنها في مجتمعنا الشرقي، والتي تدفع فيها النساء حياتهن نتيجة خطأ، أو انحراف عن الطريق، أو حتى محاولة التحصل على قدر ضئيل من الحب في مجتمعات جافة لا تقدم الحب في حيواتها على أنه حاجة طبيعية للإنسان يعيشها ويتنفسها، إذا لم تقدمه على أنه باب من أبواب الشيطان يجب الحذر منه. ولذلك يخرج أفراد يحولهم العطش العاطفي إلى ذئاب ونعاج فقط، وتسقط النساء غالبا في شرك الحب والغزل، وقد تقع في المحظور العرفي والديني أو في مقدماته البسيطة، أو حتى تدخل ضمن حيز الشك العائلي، وفي كل الأحوال هناك موت متربص بها، أو نفي اجتماعي وحرمان من كل مقومات الحياة الطبيعية المتمثلة في تكوين أسرة والحياة بحرية وإنسانية.
وفي «حكاية صفية» طرقت الكاتبة الكويتية ليلى العثمان هذه القضية باتجاه ما، ضمن عقوبات جرائم الشرف وهي السجن مدى الحياة أو فترة حياة الولي الذي طلب سجنها من قبل الدولة، بعد أن يطلب ولي الأمر ذلك، تجنبا لقتلها.
ولكن ورغم نبل القضية التي تطرحها الرواية باتجاه ما؛ إلا أنه لا يستطيع قارئ عربي ـ نشأ ضمن تقاليد شرقية ترسّخ فيه حرمة الجسد، وعدم إباحيته، خاصة بالنسبة للمرأة ـ التعاطف مع صفية ذات الجسد الراغب والمنطلق في رغائبة بلا حد ولا قيد، إلا من باب التعاطف النفسي مع حالتها الخاصة بيولوجيا. ولا أعرف هل قصدت العثمان تكوين ذلك التعاطف؟ في البحث عن حلول طبية أو نفسية أخرى لهذه الحالة باعتبارها حالة مرضية، بدل معاقبتها بذلك العقاب المرير وهو السجن الذي قضى على عنفوان شبابها وعمرها، أم كان الهدف التركيز على ذلك الحضور الجسدي اليافع والممتلئ بالشهوات واللذة فقط، فهنا تفقد الرواية رسالتها تماما.
فلقد وضعت الروائية العثمان القارئ بصورة مبالغ فيها، أمام طفلة تولد بجسد مشتهي، منذ عمر مبكر وهو ما لا يقبله العقل تقريبا، مبررة ذلك بزيادة في أعضائها، وتحفز نشاطها الجنسي الذي لن يهدأ أمام طيلة عمرها، رغم سيل العقوبات التي يمطرها بها والدها القاسي كما صورته الرواية، فهو لا يلين ولا يشعر بأحد بدءا من زوجته حتى ولديه صفية وهلال.
ولقد تنبأ الوالد – كما أرادت الروائية- بهذه الفورة الجنسية منذ العمر المبكر لهذه الطفلة، ومن نظرته الأولى لجمالها الأخاذ وملاحتها وحسنها الطفلي. وحققت الطفلة نبوءة والدها ومضت في سخائها الجسدي، ورغبتها الطافحة منذ عمر خمس سنوات، بحثا عن اللذة في تحرشات الصبيان التي تسعى إليها ،وتلتذ بها في الشارع بعيدا عن صويحباتها من البنات، وبعيدا عن أعين والداها ووالدتها وأخيها الصغير. ويستمر ذلك الذهاب الجسدي في الرغبة المتنامية التي لا ترتوي مع كل صرامات والدها وحرمانها من الشارع، حتى تصل إلى مداها في اللقاء المباشر مع جار شاب جديد هو حسين، الشاب الذي وهبته جسدها كاملا لأول مرة، واستلذت ذلك الفعل لاحقا ومضت فيه حتى كشفها والدها معه متلبسين. وبعد أن رفض والده أن يستر عليها، ويزوجها لولده، بل رفض أن ولده يفعل المنكر، وأن صفية معروفة بتحرشاتها ومصاحبتها للأولاد؛ يقرر الوالد قتلها بكل الطرق، من الحبس والحرمان من الطعام، وإجبارها على السقوط من سطح البيت، ولكن جسدها الفتيّ يقاوم كل ذلك الموت. وبعد أن تتشفع أمها وتعده بأنها تابت ولن تخرج من البيت وأنها ستراقبها في كل لحظة، يهدأ ويسافر للحج لفترة طويلة طلبا للسكينة والمغفرة، ولكنها لاتتوانى عن فعلها بل تجد في غياب والدها الفرصة للذهاب «لبيت الوناسة» أو بيت الهوى، وتغرق في اللذائذ المحرّمة، رغم أنها تحب الشاب الأول الذي استشعرت لذة الحب بين يديه كما تحاول الكاتبة إقناعنا بذلك. ومع ذلك تستفيض في الوصف الإباحي لتلذذها بالرجال الآخرين بين يديها، ولكن في آخر الأمر ولسوء حظها ينكشف أمرها على يد الملاّ أبو صالح الذي يراها عائدة قرب الفجر تتخبط في مشيتها، وحين يعود والدها يخبره بذلك، وينصحه بالزج بها في السجن خوفا من الفضيحة، وبعدا عن الإثم بقتلها.
يستعذب الوالد الفكرة ويرتاح لها، ويأخذها للسجن أمام عين والدتها المجروحة والمصدومة من هذا القرار؛ لتقضي ما تبقى من حياتها هناك، حتى يموت بعد ثلاثين عاما كاملا. أما الأم الحنون المغلوبة على أمرها، فتموت كمدا بعد زمن قصير، فتوصي الأخ الأصغر هلال بإخراجها بعد أن يموت الوالد، وهذا ماحدث فعلا، حيث تعود صفية إلى الحياة بعد ثلاثين عاما، وقد ذبلت زهرة شبابها في السجن.
تجري الكاتبة الأحداث على لسان الأخ الأصغرهلال والذي يصغر صفية بثلاثة أعوام فقط، ولكن الأحداث تظهره صغيرا جدا وضعيفا وودودا لصفية، وغير معترض على أفعالها بل ومعجب بقوتها وتحديها في كثير من الأحيان، وهذا التشكيل النفسي، والجسدي لا يليق بشاب في مجتمع ذكوري يزرع في الرجل فكرة القوامة والتسلط من أول لحظاته للحياة.
أما لغة الرواية فهي لغة سهلة وتتخللها الكثير من الحوارات والألفاظ العامية بما يتناسب مع الزمن والمكان الذي تدور فيه الحكاية، وشخوص الرواية الأساسية هم: الأب والأم والأخ هلال وصفية. وهناك شخوص جانبية تظهر فقط لخدمة السرد، وتحريك الأحداث ثم تختفي، مثل خديجة صديقة صفية، وحسين الشاب الذي عشقته صفية، ووالده، والملاّ أبو صالح، وغيرهم، بلا تأثير عميق في مجرى الأحداث.
كما تبدو النهاية متوقعة مع دماثة الأخ، وحزنه الكثير على أخته التي غيّب الوالد شبابها في غياهب السجون، وحزنه الأكبر على موت والدته بكل ذلك الكمد والحزن على طفلتها الوحيدة، ومن ثم خروج صفية بكل قوة وعنفوان، وتحدٍ يليق بشخصيتها التي رسمتها الكاتبة منذ بداية الرواية.
لقد حاولت العثمان بشكل ما تسليط الضوء على قضية الشرف التي تذهب بنساء كثر في مجتمعاتنا الشرقية ظلما وعدوانا، وتحرمهن من الحياة التي ليس من حق أحد مهما كان، زوجا أو أبا أو أخا، حرمان الإنسان منها، وقضية الحرية الفردية الغائبة تماما عند المرأة الشرقية، ولكن إغراقها في وصف شهوة صفية منذ عمر مبكر وتناميها مع العمر، وذهابها الوقح في الملذات بلا انصياع لرادع داخلي أو خارجي، بل وبتحدٍ صريح لكل القيم الإنسانية والعائلية والمجتمعية والدينية مهما كانت النتيجة، وعدم التركيز على الحب كقيمة كبرى وغاية قصوى للجسد، فهو أي الحب لم ينجح في ردع صفية وتقييد شهوتها بل منحها أبوابا أكثر اتساعا للذة المحرمة، والشهوة المتنامية. كل هذا حرم الرواية من وضوح رسالتها، والتعاطف مع بطلتها التي لم تظهر أي ندم على ما فعلت حتى بعد أن خرجت من السجن، وغطى فكرة تعرضها للظلم بالسجن ثلاثين عاما، ليجعل الرواية تسير في اتجاه الوصف لفعل اللذة أكثر من أي هدف آخر.
ليلى العثمان: «حكاية صفية». دار الآداب بيروت، 2013.
223 صفحة.
فاطمة الشيدي

الجمعة، 6 مارس، 2015

 
فاطمة الشيدي
 
 
نحتاج بين فينة وأخرى أن نشاهد فيلما كهذا الفيلم، لنشد به ازر قلوبنا المرهقة من الكذب أو من الجفاف، لنستعيد الثقة في العالم والبشر وقبلها في الرب، لنحتمي بفكرة المحبة العظمى والثقة في القلوب الرفيعة من هول التداعي والسقوط الذي يغتال العالم.
نحتاج لتلك المشاعر الصادقة، والنبل الحميم، لقلوب تعرف أنها تحبك وإن ذهبت في الصمت أو حتى احتدت معك ذات يوم. قلوب تحبك ضعيفا وقويا، حاضرا وغائبا، تحبك بقوة وبإيمان كقلوب الأمهات فقط. نحتاج لليد التي تنتشلنا من غياهب الغيبوبة والحزن والوجع لت...لقي بنا لبر الأمان والفرح، وبصدق وإيمان تام لا يداخله شك ولا يعتريه خذلان.
الفيلم الإنساني المطّعم بالموسيقا والصدق، يحكي قصة شاب صغير قرر الذهاب في احتراف الموسيقا تاركا الجامعة، محتدا مع أخته العقلانية التي تعد أطروحة الدكتواره في الانثربولوجيا وبالتالي فهي تومن بقيمة العلم، وترفض تركه عن الجامعة مهما كان وتستمر قطيعتهما ستة أشهر.
إلا أن هذا الشاب يتعرض لحادث يدخل معه في غيبوبة كاملة قد لا يفيق منها، تعود الأخت المحبة نادمة على خصامها لأخيها بعدما أخبرتها أمها الكاتبة بذلك. وتبدأ في اكتشاف حياة أخيها الأصغر ما يحب وما يكره، وتحضر كل التفاصيل التي يحبها لغرفته في المستشفى لتعينه على العودة للحياة، ومن بين ذلك تذهب للمغني المفضل لديه، وتخبره بحالة أخيها وتقدم له أسطوانة كان سجلها. لتتفاجأ به يأتي للمستشفى ويعلن عن إعجابه بعمل الشاب الغائب، ويغني له أغنيته المفضلة في نبل إنساني رفيع.
يستمر أمر الغيبوبة طويلا، ولكن الأخت تظل مؤمنة بأن أخاها سيعود للحياة، ولذا تعيش معه تكلمه وتجعله يشم الأشياء والطعام، وتسمعه الموسيقا، تبدأ علاقة صداقة بين المغني والفتاة تعرف معها أنه يعاني ألم الفراق لهجر حبيبته وعجزه عن التأليف الموسيقي مجددا، فيغنيان معا أغنية جديدة.
ولاحقا يترك لها الاسطوانة ليذهب لإحياء حفلاته ..ينتهي الفيلم بعودة الفتى الغائب للحياة، ونفضه للغيوبة بفعل الحب والموسيقا

الخميس، 5 مارس، 2015



فاطمة الشيدي

في جمعية العود وفي معرض مسقط وفي دار الأوبرا كان مارسيل خليفة حاضرا بشكل متفرد كما هو دائما ، وعبر الكلمة والموسيقا كان يلتقي جمهوره العريض بتلك الابتسامة المغطاة ببعض الشجن، وبالكثير من العمق الساهم والمسافر في البعيد موصولا بالكون في مداه الأرحب وبالكائنات في غيابها وحضورها، وبالإنسان في قضاياه وآلامه وأحلامه، وعبر الأناقة الروحية والشكلية كان يتقدم صامتا كثيرا، متحدثا قليلا وجارحا، مسعفا ال...أرواح بالشعر والموسيقا، ينتشلهم من السائد ليحكي بعضا من حياته ومفرداته وثيماته الوجودية والإنسانية شعرا ولحنا، وليحيك لهفات القلوب بالدهشة المفرطة، والرقي العالي، مارسيل الموسيقي الذي يهب الجمهور دفق روحة ساخنا كحليب الكينونة أو خبز الأمهات، الشاعر الذي كان برقته الشعرية يلامس الدواخل تماما وهو يحكي بلذة وعمق عن شريكة حياته الموسيقا، وعن إيماناته بالحب والحرية والجمال، الثالوث العظيم المرافق لخيباته وانكساراته ولافراحه وتصاعداته في حياة ممتدة في الزمان والامكنة.
كان هناك يغسل الأرواح بمطر شعري شفيف و بارد، لا يسميه شعرا، ويهب الجميع تلك الخفة الكبيرة التي تجعلهم ممسوسين باللهفة والحب وبالحرية والجمال، يتحسسون جوانبهم فيجدون حفيف أجنحة تسعفهم للتحليق كثيرا وبعيدا.
الشعر الذي يحرس الموسيقا ويهبها روح التفرد، والموسيقا التي تجعل الشعر خبزا ضروريا للجميع لأنه واهب الحياة، شعر درويش، وسميح القاسم، الذي أصبح يتردد على ألسنة الجميع، فالجميع يحن لخبز أمه، وقهوة امه ، والكل يمشي منتصب القامة مرفوع الهامة، والكل قبّل ريتا عندما كانت صغيرة.
وفي جمعه الممتزج حد التداخل والتمايز معا في موسيقاه الفريدة بين الآلات العربية والغربية بين البيانو، والأكوروديون والكلارنيت وغيرها والإيقاع الخاص في تناغم عجيب، ولذة مدهشة، وتفرد خاص.
لقد حقق مارسيل معادلته الخاصة، وبرهن على وجوده الفني بشكل مختلف تماما، وخاص جدا، وبث رسالته الإنسانية بشكل عظيم، ونبيل ورفيع، ولذا فلا عجب أن كان له كل هذا الجمهور من كل المستويات الثقافية ومن مختلف الأعمار والأزمنة والأمكنة، فلقد حقق خلطته الإبداعية السرية بين الأصيل والجديد، ونجح في صناعة الفن الرفيع بكل مكوناته من الكلمة العالية، والموسيقا الراقية. والصوت المتشرّب لإحساس الإنسان في كل زمان ومكان.

فاطمة الشيدي
5- 3- 2015
 
أعترف أنني أصبت بالذعر بعد مشاهدة هذا الفيلم، فأن تفقد فجأة وعلى حين غرة كل شيء، كل ما يمت للحياة بصلة وربما بلا تعاطف كبير من الجميع الذين يستمرون في أعمالهم وحيواتهم، ليس سهلا أبدا، مع كل الذرائع والمبررات العلمية والنفسية.
ومع أن الفيلم ركز بإيجابية كبيرة على مقاومة ونضال أليس البطولية، ومحاولتها السيطرة على الحالة بأقصى ما تستطيع بما يتناسب وشخصيتها العملية والأكاديمية الجادة والحازمة، وطريقها المهني الحافل بالإنجزات العلمية واللغوية، إلا أن المشاهد لا يستطيع إلا أن يحزن... ويتعاطف مه هذه المرأة القوية الأم والزوجة والأستاذة الجامعية والعالمة اللغوية التي يتهاوى كل تملكه مرة واحدة أما عينها، ويسري المرض كالماء من بين تلك المحاولات، ويتصاعد بسرعة لينهي حياتها ببطء، وبلا إرادة منها أو قدرة على التحكم في أبسط وظائفها البيلوجية. وكأن الإنسان ليس أكثر من ذاكرة.
ومع كل تلك المقولات التي رددتها أليس،"لقد عشت حياة ثرية بالحب والعمل" إلا أنها كانت أقصر قامة من عزائها أو عزائنا، نحن أخوتها في الإنسانية والخوف من الجسد الخائن يوما لا ريب.
تماما كما لم أستطع ألا أن أحمل مشاعر الضغينة التي تناسب زوجها الأناني، وأعمم ذلك الحكم على كل الرجال، وأدرك كيف أن الحال سيكون مختلفا تماما لو كان هو المصاب بالمرض.
الفيلم انعكاس موجع في مرايا ضعفنا الوجودي والإنساني، يذكرنا بالوهن الذاهب في القوة الذي هو نحن بكل أحلامنا وطموحنا ورغباتنا في الحضور والظهور، وربما بشرنا وطمعنا وتهافتنا المريض أحيانا، تلك القوة التي قد تتلاشى يوما ما، مرة واحدة أو ببطء لن يكون طويلا جدا مهما به امتد الزمن.
 

الأحد، 1 مارس، 2015

 
 
معرض الكتاب مسقط 2015
فاطمة الشيدي
…… ..
في معرض الكتاب، وفي اليومين السابقين حيث قضيت وقتا طويلا فيه، اشتريت زادا لأعوام، غالبا أنا لا أهتم بفكرة مجاراة الجديد "الموضة" في القراءة، الكتاب الحقيقي هو ذلك الذي يصلح لكل زمان، بل ويزداد عمقا مع الوقت، إنه كالحب الذي عليه أن يثبت نفسه وصدقه كلما امتد به الزمن. والكاتب الحقيقي الذي يكتب خارج نية النشر، إنه يكتب ليعيش. فالكتاب تاريخ من الوعي، ومرجع جاهز لمساعدتك في كل فكرة أو سؤال ينخر روحك.
في هذا المعرض قررت أن أنتصر للوعي والفكر والنقد ، ...وأنتصر على نفسي في حبها للحكاية كجميع البشر، وعلى مقولة المخرج "الجمهور عايز كدا"، تلك الفكرة التي جعلت الكثير من دور النشر تتخصص تماما في الرواية "لأن القراء يشترونها أكثر" حتى لو كانت الروايات المقدمة مسلوقة أو كتبت على عجل فقط لتسجيل حضور كمي للنتاج الروائي. ولذا كانت معظم الكتب التي اشتريتها من الكتب التي أحتاج أن أقرأها، أو سأحتاجها في يوم ما، والكتب العمانية الجديدة من شعر ورواية كمحاولة للاستمرار في متابعة نتاجات المشهد العماني وحركته الثقافية.
المعرض هذه المرة أكثر تنظيما وهدوءا ولا أعرف سبب ذلك، وأخشى أن يكون قلة الزوار ، وربما الجميع ينتظر الأيام الأخيرة للمعرض طمعا في خفوت حدة غلاء الأسعار المبالغ فيها جدا، في بعض الدور بلا مراقبة واضحة، لتفاوتها من دار لدار، ومازال النشر التاجر أكثر حضورا من الناشر المثقف.
شخصيا سعدت كما آخرين بعودة دار الحوار لمعرض مسقط بما تقدمه من معرفة نوعية تحترم العقل والوعي ويحتاجها الإنسان في هذا العصر.
الغعاليات تبدو متنوعة ولكن الحضور قليل للأسف.
المعرض في بدايته ولكن لمن هم مشغولون طوال فترة الأسبوع الإجازات أكثر فاعلية في الاستفادة من وقته.
أشعر بالفرح لحصيلتي من كتب هذا المعرض، وأضعها هنا للتحريض على مقاومة قبح العالم بشراء الكتب وقرائتها بالتأكيد.
فاقرأوا تصحوا

الجمعة، 27 فبراير، 2015




فاطمة الشيدي
27/2/2005

الشعر صديقنا الحميم، وعدونا الحميم أيضا، أجلسنا منذ الأبد على ناصية قلبه، أسمعنا نبضه المدوي، وأمرنا أن نرهف السمع له، مذ جئنا ونحن مرهقون من حمله الثقيل على أكتافنا الهشة، مذ جئنا ونحن مأخوذون بالفتنة والعشق، نذهب في الأشياء حتى مداها الموغل، نقترف غوايات الوجع، ونحفر في مسام البعيد، يغرينا بضحكته الباسلة فنذهب حفاة وراء صداها المتقطع النشيج، نتقاطع مع السراب، ونفند الأمل حفنة حفنة، نزرعه على جفون الغيب، وبين مفارق الغياب، ونحضره تميمة للماء.
مجانين نرقص على حواف الأبدية، بع...بث نقلع عيون الضوء ونتمطى بلذة على سرر الحكمة الحالكة ، ننادم الليالي وننشغل بأشياء بسيطة، كضحكة غافلة ملقاة بإهمال على رصيف ما ، أو نظرة حائرة، أو دمعة تجلس بثبات في عين فقير عشي، نكتحل بالرماد، ونغني للفوضى، ونشق جيوب التجلد فنسقط من علياء التحصن، ولكننا نقوم مجددا، لأنه يمد لنا يدا مليئة بكل ثمار العزيمة والبهاء.
نعانق فيه ذرى الحرية، ونذهب معه إلى روابي الجمال مبهوتين مشفقين على الكون، نطرز الكون بخيوط الخير، وتتمدد جلودنا لتحتمل أكثر من كائن ومن روح ومن كون.
نرتقي معه، نتصاعد فيه، بالحرقة والألم، ننتبه للتفاصيل بعين صقر، ندون ملامح الموتى في دفاتر الأطفال المدرسية، ونرسم دعاء الأمهات على مداخل الكينونة لنجعلها آمنة
نحيا خلف جدر العزلة الآثمة كنباتات الظل التي تخشى الشمس، نقدم المحبة بأيدٍ مصبوغة بالحنين والقلق، نتمنى ونحلم فهذا أقصى ما نستطيع، وحين ينقضي العمر، نكتشف أننا سلالنا خاوية، وأننا نقبض على الماء، ومع هذا نبتسم فلا طريق كان يمكن أن يحتوى كل ذلك الجنون والقلق إلا الشعر.
 

الاثنين، 23 فبراير، 2015

 
 
لأنني أحب عمق جنيفير لوبيز في تمثيلها وجرأتها وإنسانيتها دخلت هذا الفيلم .. الذي يحكي عن عائلة منفصلة بسبب خيانة الرجل، ومحاولة الأم (جنيفر) المعلمة للأدب الكلاسيكي في المدرسة الثانوية الحياة مع ولدها بهدوء ووعي ومسؤولية، لأنها لا تستطيع أن تغفر للزوج الخائن رغم محاولاته المتكررة في طلب الغفران.
حتى ينتقل لجوارهم شاب أكبر من ولدها المراهق بقليل، ويبدأ في التقرب من الأم والولد حتى يصبح قريبا من العائلة وصديقا للولد الذي يدرس معه في نفس المدرسة. ويتزايد هذا القرب ليحاول أن يصبح ...عشيقا للأم التي تحاول صده بكل الطرق، إلا أنه يصبح مزعجا وعدوانيا لا حقا ولا يدخر جهدا في إيذائها وعائلتها، وقتل صديقتها (مديرة المدرسة) بعد أن طردته من المدرسة.
المراهق الجار عاش ذات التجربة من خيانة الأب وهجر الأم التي انتحرت بعد الكثير من الألم والحزن، وباضطرابه النفسي قرر قتل والده وعشيقته بتعطيل فرامل السيارة، وكأنه جاء هنا أيضا لحماية هذه الأم والولد من الوالد الخائن.
ومع أن عنوان الفيلم كان يغري بقصة رومانسية إلا أن الفيلم كان يعالج قضية اجتماعية بأبعادها النفسية التي تتصاعد للإجرام. ولذا كانت نهايته دموية وعنيفة عبر صراع طويل تمكنت فيه الأم بصعوبة من قتل الفتى المسعور والنجاة بعائلتها بكثير من الأضرار الجسدية.
الفيلم كان يبث رسالة اجتماعية عن عواقب الخيانة الأسرية على الأبناء والمجتمع في أبعادها القصوى، سيما إن كانت الأم غير قادرة على الصمود، وتحريك دفة السفينة في اتجاه الحياة السوية بمفردها. وهي رسالة في غاية الأهمية في عصر وقح للغاية، تتزايد فيه قيم الأنانية، وتتناقص القيم الكبرى كالنبل، والمسئولية، واحترام العلاقات الإنسانية والتضحية.

السبت، 21 فبراير، 2015

21فبراير

هل ولدتَ اليوم؟
هل حلّقتَ إلى الأرض بمرح قصي، مبعثه حكة قلبك العبثية في الاكتشاف؟
أم جئتَ على مضض، امتثالا لأمر السماء التي قررت أن تطلق صرختك المكتنزة بالرفض في هذا اليوم تحديدا؟
وقد كنت في البعيد تمضي خفيفا
قطا بفروٍ أبيض ينظر للعالم بدهشة...
طائرا يحوم في ملكوت الوجود بلا غاية للركون
كائنا بلا ملامح يختصر ذاته في الطبيعة
ويهيم في ذرى الصدفة والعبث
اليوم أتيت إذن؟!
لحنا شاردا في العدم
صدى لأغنيات الهائمين والعارفين
أظافر من رغبة وسؤال
جنونا مشفوعا بالحرية والانعتاق
روحا هائما في الجمال
حالما يفتش في الكتب عن حقيقةٍ لا وجود لها
بسماعة الطبيب يرهف السمع لنبض التاريخ
وبلهفة عاشق يطعن اللحن في قلبه
ويخون المعاني في متنها، ثم ينفخ فيها الحياة
ولدتَ اليوم
وأنا ولدتُ ثانية على يديك

 

الأربعاء، 18 فبراير، 2015

شكراً أنسي الحاج

 
 
 
 
فاطمة الشيدي
شاعرة من عُمان
جريدة النهار 18/ 2
"أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت" (أنسي الحاج)
منذ رحيل المبدع المقيم في كلماته، العصيّ على النسيان، الكبير أنسي الحاج، وأنا العاشقة كلماته، المأخوذة بفتنة اللغة والوعي والكلمة التي تشع من روحه وأصابعه، أفكر أن أكتب عنه، لكني لم أستطع. حاولتُ منذ لحظة تلقي الخبر/ الصدمة، منذ أن شعرتُ بتلك الغصة في الروح، قلت لنفسي ماذا أكتب؟ هل ترك لنا ما نكتبه؟ هل ثمة صورة جديدة يمكن أن نكتبها عنه أو له، هو الذي غاص في بحار الشعر واللغة والصورة في أعمق ما يستطيع شاعر، وهو الذي أشعل في روح كل من قرأ له، أجمل تجليات الوعي والعشق الإنساني؟!
بكيتُ وأنا أبحث عما يسعفني قليلاً في تجاوز الصدمة من كتاباته، أنا التي طالما شغفتُ بها، وربما حفزتني كثيراً على الصمت. كنت أقول لنفسي، مَن يقرأ درويش، وأنسي الحاج، وقلة آخرين، عليه أن يصمت كثيرا، بدل أن يكتب أو يدّعي الكتابة.
كأننا نظن أن الشعراء لا يموتون، أولئك الذين يصنعون وعينا، ويرتقون ثقوب أرواحنا، ويشعلون حواسنا بكتاباتهم العظيمة الخالدة، أولئك الذين يوطّنون داخلنا معايير الجمال الباهرة التي تتناقص يوما بعد يوم.
يعرف القلائل ممّن يعرفونني، عمق انتمائي لأنسي الحاج كقامة أدبية، وكمدرسة شعرية، ويعرفون اهتمامي به، واحتفائي بكل كلمة تصدر عنه، وإيماني العميق بتلك الروح النبيلة والجارحة المبثوثة في الكلمات. لذا كنت أبادر بنشر "خواتمه" كلما نزلت من باب المشاركة في هذا الجمال، في أي مساحة ضوئية تخصني، لأتحصن بجمالها، وأشرب من معينها، وأروي جدولي الصغير بعذوبتها.
في مهرجان مسقط الثقافية 2011 كنا في اللجنة نبحث عن قامة شعرية تسف عطش عشاق الكلمة للشعر، وكنت أول من بادر بطرح اسم أنسي الحاج الذي كنت أعرف أنه يعيش عزلة روحية، أشبه بالتصوف، وأنه يرفض الحضور. لكننا كنا نفكر فينا، وفي القارئ، كم سيلتقي هذا الشعر الكثير على أرض مسقط، وفي سعادة شخصية أن نحظى بمصافحة حميمة للشعر والشاعر.
بالطبع لم يأت أنسي الحاج، ولم تكتحل عيوننا بالشعر ولم تشنف القصيدة آذاننا، لكن مجرد طرح الاسم وتلك الفرحة التي كانت على وجوه الجميع، يعكسان كم له من القراء والأصدقاء والمحبين في بلادنا، وبين نخبة مثقفينا.
أيها الشاعر الذي رحل من دون أن يلوّح إلا بكلماته البيضاء كمنديل للسلام والمحبة والجمال :لم نقل وداعااااا بغصة، يوم رحلت ولن نقولها الآن في ذكرى الرحيل، بل سنقول شكراً بامتنان، وسنظل نترقب بمتعة ودهشة -كما كنا أبدا- ما تكتب من وراء الموت أيها المعلم الكبير، والشاعر المختلف الذي توهجت أرواحنا على ضوء لغته، وتفتحت حروفنا بين يدي كلماته.
نحن تلامذتك وحوارييك ومريديك المأخوذين برذاذ شعرك، ونسيم كلماتك، وعذوبة بحارك، اللاهثين وراء سرب قطاك ونوارسك التي تطلقها كل كتابة في المدى، والتي تستقر فوق رؤوسنا تماماً فنبتهج بالجمال، ونغني من فرط التلبس كالممسوسين بالفتنة، والمشمولين بالسحر العظيم.
أنسي الحاج... شكراً وإلى اللقاء.
 

الثلاثاء، 17 فبراير، 2015

17 فبراير

فبراير
يوم عادي جدا
يوم يقترضه البرد ليكمل به أيامه الناقصة
ويتنازعه الحر في حسابات الفوضى الكونية
ينهض فيه البشر صباحا محملين برهاب الزمن...
الذي يمشي على سكك أجسادهم بسرعة فائقة
يولد فيه أطفال بلا جداول ولا حسابات
ويموتون أيضا
تخبز الأمهات رقائق المحبة لصغارهن ككل يوم
ويزرع رجل ما نخلة عند مفرق الأفق ليستظل من الحتف
ويحسب آخر رصيده البنكي في الربح أو الخسارة
وتجمّل فيه امرأة عابرة صورتها في مرايا الانكسار والحزن
ويحتفل فيه عاشقان بذكرى حديث عابر، وغربة نيئة،
يعيدان تمثيل رواية تاريخية على مسرح الحياة
يرممان صوتيهما الذاهبين في التماعة الصدى
ويستحضران أحاديثهما المرتبكة في وجه القهوة والزمن
ويضحكان يضحكان حتى الفرح♪♪

الاثنين، 16 فبراير، 2015

 
 
صرت متابعة جيدة تقريبا لإذاعة بي بي سي العربية، بل وصرت من المعجبين بمعظم برامجها الثقافية والسياسية الجادة رغم قلة الوقت الذي أقضيه في السيارة غالبا.
ورغم حيادية الإذاعة وانحيازها للإنسان إلا أن حيرة مذيعي القناة المحايدة تتقاطع تقريبا مع حيرة المتلقي المحايد أمام كل هذا الرعب الذي يجتاح العالم العربي بين تسلط رجال الأمن من جهة، وهمجية من يقدمون أنفسهم في حظيرة الرب والدين من جهة أخرى، وأخذ كل من الفئتين الفئة المقابلة ذريعة وحجة لقهر الإنسان والنيل منه عبر الطرف الٱخر. وا...نقسام الشارع وانحيازه لأحد الفريقين بالضرورة وبشدة وبدفاع مستميت عن موقفه، حد تهميش أو تكفير أو تحقير الطرف الآخر.
بالأمس كان ملف المحتجزين من الناشطين المصريين في السجون المصرية ( مثل ملف يارا ويوسف وغيرهما)، من قبل الجيش والشرطة، تحت مسميات وذرائع واهية منها الإرهاب، والأحكام المسيسة من القضاء المصري، تكاد تخلع القلوب التي تتقاطع من نشيج الأمهات وهن يفقدن الأمل في العدالة بخروج أبنائهن من السجون. رغم أن منهم الكثير من العلمانيين والليبراليين كما وضحت المذيعة الغربية للجنرال العربي. إلا أن البعص كان يؤيد تلك الأحكام الظالمة حفاظا على الأمن كتبرير واهن.
واليوم الاستفتاء على تكوين تحالف بقيادة مصر للقضاء على الإرهاب في الدول العربية، خلق فريقين متشددين بين مؤيد ومعارض، ولكل منهما حججه التي هي القضاء على الإرهاب من طرف المنحازين لقرار الجيش، ومصير المدنيين العزل الذين لن يكونوا بمنأى عن القصف بالطبع من طرف الرافضين له.
ولاحقا ماخلفه قتل نائب عراقي، من جدل في الشارع العراقي بين السنة والشيعة واختلاف في وجهات النظر تصل حد الاستهجان والسخرية وإباحة القتل.
كل هذا التناقضات والتشدد في الانحياز لأحد الاتجاهين عمق الحيرة لدى المذيعين والمستمعين المحايدين معا. لأن هذا الجدل والارتباك في الرؤية هو انعكاس عام وشامل لحال المجتمع العربي. فهناك دائما فئة مع. وفئة ضد، وفئة بينهما، فئة حائرة فهي ليست مع الظلم والقهر تحت أي مسمى وضمن أي تبرير، وهي قلة للأسف.
وهذا تماما ما أوصلنا هنا .. فالتشدد لا يوصل إلا للتناحر والبغضاء

السبت، 14 فبراير، 2015




يخاتلنا الحب
يدخل من فتحات التهوية في قصائد الشعراء
ومن غناء البحارة في الذاكرة المهترئة بالملح
ومن نافذة تطل على العدم
أو باب يفضي للبرزخ بين عالمين...
ومن تنهدات عجوز في الزقاق المؤدي للحلم
وكركرة طفلة على ناصية المدى
من كتاب ووردة بيضاء
ومن ضحكة تضيع أطرافها في السراب
يأتي الحب كحكمة أولى، أو كمعجزة أخيرة

 

من هنا تبدأ المعضلة

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
كنت أفكر، كمؤمنة بحرية الإنسان ـ لا تحب الأدوار الشرطية، والرقابة الصارمة، والقيد الذي لا يفضي إلا لقمع الوعي، ومحاربة التفكير الحر ـ بعدم جدوى الامتحانات، وضرورة التوصل لطريقة أكثر تحضرا وإنسانية وحرية في تقييم التعليم العام منه، والجامعي، كبديل لهذه الطريقة القاسية نفسيا ومعرفيا في التقييم، والتي عفى عليها الزمن. ولكنني في الوقت نفسه كنت أشعر بحيرة أمام البدائل التي قد لا تكون عادلة بما يكفي، سيما ونحن في عالم نقيس فيه التفكير بالمسطرة، والمعرفة بالكم، ومع طلاب تلقوا تربية معرفية قُمعية، قائمة على صب المعلومات في رؤوسهم، ثم إفراغها في صفحة الامتحان، ونسيانها بعد خمس دقائق من الخروج من القاعة، بعيدا عن إدراك قيمة العلم للإنسان والتغيير والحضارة، وأهمية الثقافة في تشكيل الوعي ومحاورة الإنسان والوجود.
ولكن هذا التفكير الحر استحال لصورة خيالية أو يوتوبيا بعيدة جدا، وأنا أراقب على طلاب المرحلة الجامعية، وأغلبيتهم يتربص الفرص كلص محترف ليسطو على إجابة ما من ورقة زميله أو من فمه، وبالتالي كان علي أن أكشر عن أنيابي، وأتحول إلى شرطية صارمة جدا في التعامل مع هذا الوضع، تهدد بالويل والثبور وسحب الورق، ووضع أدنى العلامات لكل من تسول نفسه إتيان هذا العمل الشنيع من وجهة نظري، لأن إيماني بالحرية لا يقل عن كفري المتجذّر بالغش والكذب والنفاق.
وكنت أنظر لكل محاولة غش، ولكل جسد متململ، وعين متربصة، بقرف وسخط، مستحضرة كل مسؤول فاسد، وكل تاجر لص، وكل سارق، ومرتشٍ، ومرابٍ، ومستغل وحقير في أوطاننا يعيث فسادا في البلاد، ويسلب أرزاق العباد، وأدرك جيدا أن المشكلة تبدأ من هنا تماما. وأن من يبدأ بالغش ينتهي بالغش، فماذا يمكن أن يصبح الطالب الذي أخذ شهادته بالغش، موظفا وإنسانا؟ وماذا يمكن أن يقدم لاحقا لوطنه، ولشعبه بل ولأسرته وبيته؟ وأي مبدأ أو قيمة ستحكمه موظفا؟ ومم سيخاف قبل أن يقترف أي جريمة سرقة أو رشوة؟ وكيف سيربي أبناءه؟ وكيف سيتعامل مع زوجته وأسرته ومجتمعه، وهو سارق كبير منذ البدء حتى الخاتمة؟ مستحضرة كل القضايا التي تطالعنا بها الصحف المحلية والعربية ووسائل الإعلام يوميا عن السرقة والاغتصاب وتهريب الأموال، وكل القبح والشر الذي يتحرك في مجتمعاتنا بنشاط، ويتكاثر بحيوية وقوة، مدركة أن الشر بدأ مبكرا جدا، ومن قاعات الدرس تحديدا، ولم يجد مقاومة، ولا تصدى أحد لتفتيت حزم الوهم الراكدة في عقول طلابنا للنجاح بأي وسيلة، والتحصل على شهادات عالية بكل الطرق الممكنة حتى لو كانت بالغش والسرقة من مجهودات الآخرين وتعبهم، أو من الكتب و»البراشيم» التي أصبح طلابنا يستحقون شهادات عالية فعلا في كيفية صناعتها وتجويدها في الحجم والكم والكيف. ولا في عقول آبائهم الذين سيوقعون بهم أدنى العقوبة لرسوبهم، ولكنهم لن يحركوا ساكنا لو عرفوا أن نجاحهم كان بسبب الغش، وتفوقهم كان سرقة وليس مستحقا، بل ربما باركوا لهم تلك الشجاعة في الأخذ، وهنأوهم على تلك القوة في السلب وخداع المراقب، وبالتالي يصبح للتفوق المسروق قيمة إضافية، فهو بسالة ورجولة تستحق التقدير والتشجيع.
ورغم كل المقاومة الباسلة التي تقوم بها مؤسسات التعليم العام والجامعي للحد من الغش، إلا أن الحالات التي تسجلها هذه المؤسسات لا تعد ولا تحصى، وكل السبل لا تجدي أمام التحين والتربص الطلابي، وعقد العزم على سرقة معلومة مهما صغرت أو كبرت للنجاة من براثن الامتحان، والخروج من هول هذه المحنة، بلا استعداد ولا تجهيز.
بل أن الأمر في جزء منه أصبح طبيعيا جدا، حيث أصبح الغش مقننا، وتحت أقنعة شتى، وصار العلم يباع ويُشترى في محلات ومكتبات، ومراكز بحوث عالية الجودة، ومرخصة من قبل الدولة والقانون، تقدم خدماتها البحثية بقيمة مبسطة لجميع الطلاب لتساعدهم على الغش والسرقة، ليتحصلوا على أعلى التقديرات بأقل الجهد وأسرع الوقت، بل ويتحصل البعض من خلالها على أعلى الشهادات والدرجات العلمية.
والسؤال الذي يهمنا، لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا لا يدرك الطالب حرمة ما يفعل وقبح نتائجه، وأثرها عليه كفرد ومجتمع؟ هل هي التربية الأسرية التي لا تعاقب على الكذب والغش منذ البدء، بل قد تبيحه وتسوغه بمبررات كثيرة أهمها النجاح وامتلاك شهادة للتحصل على وظيفة لكسب المال؟ أم هي المناهج التربوية التي لا تركز على فداحة فعل الغش في الحياة قولا وفعلا، أمام الله وأمام الناس؟ أم هي القراءة الخارجية للدين التي لم تركز على محاربة الغش كأعلى درجة من درجات الكفر والتي تخرج صاحبها من الدين تماما «من غشنا ليس منا»؟.
أم هي التربية المجتمعية التي أحكمت الرقابة الخارجية، وأشهرت في وجوه أبنائها ألف رقيب، وأباحت لهم كل فعل خارجها، ولم تفكر يوما في خلق رقيب داخلي، لتوصلهم لهذه المرحلة المتأزمة بهذه الأخلاقيات والسلوكيات المرضية، بعيدا عن أي مبدأ، أو إيمان، أو وعي أو مسؤولية؟
التربية المجتمعية التي جعلت الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالطالب والباحث يطمح لغاية عالية، فلن ينظر لقبح الوسيلة، ولن يعتقد بحرمة الغش كوسيلة للنجاح، وبالتالي فالتاجر السارق، والمسؤول الفاسد، لا يدرك أيضا حرمة ما يفعل، وقد يعتقد أن ما يأخذه استحقاق، ولن يحاسب عليه، فالقوانين العربية طيعة فيما يخص أهل المال والمناصب، وأما البشر فالقانون لا يحمي المغفلين، كما تقول الحكمة العربية المعروفة.
كانت كل تلك الأسئلة والهواجس تشتعل في داخلي، وأنا أتمشى في قاعة الامتحان، وأستحضر العنتريات العربية واللحى الطويلة من جهة، والموت والفقر والظلم من جهة أخرى، وأتذكر رغبتي الأولى في غياب الامتحانات، وأقول مازلنا بعيدين جدا عن الحرية التي هي شرط الإنسانية الحقة.
كاتبة عُمانية
فاطمة الشيدي

الخميس، 12 فبراير، 2015

رسائل قصيرة

 
 
 
1.
رزان، ويسر ، وضياء
..................................
لم يهتم القتلة والمنافقون وسدنة الكذب والنفاق في العالم  من ساسة ورؤساء ومدعي إنسانية كانوا بالأمس يتقدمون الصفوف ويزاحمون على الظهور، بقطف زهور شبابكم  من معتوه إرهابي على مرأى من العالم الغارق في الوحل شرقا وغربا،  لأنهم لا يصدرون عن مواقف إنسانية نابعة من تعاطف حقيقي مع كل ضحايا الشر والقبح في الكون بل عن كذب ورغبة في تلميع صورهم القبيحة في مرايا الإعلام الداعر .
ولكننا نهتم ، نحن سكان هذا الكوكب البسيط الطيب، الذي عليه أن يتحرر من الشر والحقد ويذهب في الخير والمحبة  والتسامح، نحن الطيبون في كل مكان من أنحاء المعمورة شرقا وغربا أصابتنا تلك الرصاصات في القلب تماما، رحمكم الله ، وألهم أهلكم الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون
 
 
 
 
2.
 
معاذ الكساسبة
………

يا أخي
يا ابن عمي
يا ولدي
يا كل رجل عربي يحمل شرفي
وأنا كل امرأة عربية تحمل وجعك
أربط قلبي بخرقة سوداء
وأكشف شعري
وأبكي
وأدعو على قاتليك
لقد قتلونا معك
ووجيف قلبك أحرق قلوبنا
كقلب أمك
وأعلم أنه يملي لهم
وستأكلهم يوما ذات النيران التي أحرقتك
يا صديقي  ما كانت النار بردا وسلاما
فلست نبي
ولا معجزات في هذا الزمان الغبي
فقط هناك قلوب يأكلها الألم
وعقول يغلّفها الوهم
وهناك دم..  ودم..  ودم



الأربعاء، 11 فبراير، 2015

فيلم "GAMBLER"المقامر ..من أروع الأفلام التي يمكن للمرء مشاهدتها. والتي لاتجود بها دور العرض الرتيبة كثيرا، فهي غالبا ما تركز على أفلام الأكشن المراهقة.
ولا أعلم إلي مدي أخذ هذا الفيلم في قصته من رواية المقامر لدوستويفسكي التي تقاطع مع اسمها، والتي كتبها دوستويفكسي عن نفسه تقريبا، إلا أنه أي الفيلم يدور في نفس الأجواء، حول أديب وأستاذ جامعي يدرس الأدب، يشعر أن الحياة لا تستحق أن تعاش نصف حياة فإما أن تأتي كاملة أو لا تكون، وأما أن يكون الكاتب عبقريا أو يكف عن الكتابة تماما....
فالأستاذ والأديب المتمتع بكل الإمكانيات المهنية والاجتماعية والمنتمي لعائلة غنية، ذو عقلية غريبة ومجنونة ، فهو يمتهن القمار ويذهب فيه بعيدا حتى تحاصره الديون في عالمه الليلي، ويدرس الطلاب بقوة ووعي ومسؤولية ومبدأ ليكونوا مختلفين في عالمه النهاري .
حتي يلمح بذور العبقرية الأدبية عند إحدى طالباته، وهي ذاتها تعمل نادلة في أحد الملاهي التي يلعب فيها القمار.
تتقاطع حياتهما لاحقا ، فيقرر بذكاء ترك القمار والتفرغ للحب والكتابة.
لغة الفيلم النقدية على لسان البطل مذهلة، وجنونه مغري بالكثير من المتعة والتوغل في الحياة.
وما من مشاهد عربي لن يستحضر قول المتنبي العبقري الأكبر
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم