"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الخميس، 26 فبراير، 2015


لا يمكن لمن شاهد الفيلم الهندي PK إلا أن يؤخذ به، وبأبعاده الفكرية والإنسانية والكونية الراقية والعظيمة، وفكرة الفيلم تقوم على وصول كائن من كوكب آخر في مهمة اكتشاف لهذا الكوكب، حاملا على صدره قلادة خاصةث كآلة تواصل مع كوكبه، وفي ذهوله الأول ولقائه المبكر مع أهل الأرض يصادف رجلا فقيرا يعطف عليه ويحاول مساعدته، ولكن الأخير أي الشحاذ الفقير يسرق قلادته التواصليه ويجعله بذلك مقطوعا عن كوكبه ومهمته السرية.
يبدأ هذا الكائن PK البحث في كل مكان الرجل الذي سرق قلادته السرية، وليستطيع ذلك كان يحاول تعلم اللغة عن طريق مسك يد أحدهم الأمر الذي في يوقعه في مشاكل كثيرة حتى يصل لأحد بيوت الهوى فيأخذ اللغة كاملة، وعندما بدأ يسأل عن اللص والقلادة كان يسمع عبارة "الله يساعدك" أو "الله وحده يعرف" وهناك قرر البحث عن الله، ليصطدم في بحثه ذلك بكل الخصائص والطبائع البشرية اللباس حتى الطعام الذي يختلف من شخص لآخر ومن مكان لآخر ومن طائفة لأخرى. وليتعرف على المجتمعات البشرية التي يحكمها المال وتحركها القوة.
واستمر في البحث عن الله، بين كل الأديان والمذاهب والطوائف، دخل الكنيسة والمسجد والمعبد، اشترى التماثيل ومارس الطقوس ولكن لم يجد الله الذي يدله على القلادة واللص، حتي تتعثر به إعلامية تتجرع مرارة الفشل في علاقة عاطفية بسبب النظرة المجتمعية لله، تبحث عن موضوع مثير لتجري حوله تحقيقا، بدأت في تتبعه ومحاوله التركيز على حالته ولكنها لم تقتنع في البداية بقصته، حتى تيقنت منها ومنه عن طريق اختبار قدراته العقلية الفائقة.
لتبدأ معه محاولة إثبات أن كل مايقوم به البشر الوسائط مع الله هي مجرد مصلحة مادية أو وظيفية وأن الله الحقيقي يسكن في قلب الإنسان وروحه ووعيه ولا يحتاج لمرشد وراهب وقسيس وشيخ للوصول له. وأن كل مظاهر الأديان هي شكليات خلقها الإنسان وبالغ في صنعها وتصديرها باسم الله لغايات لا تمت لله بشيء، وهو منها براء، وهذه الغايات البشرية هي ما فرقت البشر وحزبت الأديان وبررت التخوين والتفرقة والقتل بين البشر. أما الله فهو واحد في كل الأديان ولا يحتاج للتعرف عليه سوى النظر لداخل القلب.
بث الفيلم فكرة الرسائل الخاطئة لله، فكل استعانة بغير الله عبر وسيط لا ينفع ولا يضر هي رسالة خاطئة، وكل ظلم وتعدي هي رسالة خاطئة لله، وكل تفرقة بين البشر هي رسالة خاطئة لله، وأثبت لا حقا بالبرهان أن الله لا يحتاج وسطاء للوصول إليه، فهم بشر لا يملكون معرفة خاصة.
الفيلم انتهى بتحصل PK على آلته والعودة لوطنه بعد أن عرف الحب الذي هو أجمل ما وضعه الله في قلوب البشر ، وبعد أن وصل إالله الله، وساعد الكثيرين في الوصول لله على حقيقته بلا وسائط وبلا رسائل خاطئة.
وبلا شك كل من شاهد الفيلم يستحضر المآسي التي يعيشها كوكب الأرض اليوم من الوصول الخاطئ لله، ومن كثرة الوسطاء الذين يتحدثون ويقتلون ويدمرون باسمه.
فداعش وأخواتها ومنفذو عملية شارل ايبدو، وقاتل يسر ورزان ويسر ، وجالدو رائف بدوي، والكثير من يتكلم باسم الله لا يعرفوا الله ، وكل ما يفعلوه أنهم يرسلون رسائل خاطئة لله أو عن الله، فالله الرحيم الجميل يرى بالروح .

الاثنين، 23 فبراير، 2015

 
 
لأنني أحب عمق جنيفير لوبيز في تمثيلها وجرأتها وإنسانيتها دخلت هذا الفيلم .. الذي يحكي عن عائلة منفصلة بسبب خيانة الرجل، ومحاولة الأم (جنيفر) المعلمة للأدب الكلاسيكي في المدرسة الثانوية الحياة مع ولدها بهدوء ووعي ومسؤولية، لأنها لا تستطيع أن تغفر للزوج الخائن رغم محاولاته المتكررة في طلب الغفران.
حتى ينتقل لجوارهم شاب أكبر من ولدها المراهق بقليل، ويبدأ في التقرب من الأم والولد حتى يصبح قريبا من العائلة وصديقا للولد الذي يدرس معه في نفس المدرسة. ويتزايد هذا القرب ليحاول أن يصبح ...عشيقا للأم التي تحاول صده بكل الطرق، إلا أنه يصبح مزعجا وعدوانيا لا حقا ولا يدخر جهدا في إيذائها وعائلتها، وقتل صديقتها (مديرة المدرسة) بعد أن طردته من المدرسة.
المراهق الجار عاش ذات التجربة من خيانة الأب وهجر الأم التي انتحرت بعد الكثير من الألم والحزن، وباضطرابه النفسي قرر قتل والده وعشيقته بتعطيل فرامل السيارة، وكأنه جاء هنا أيضا لحماية هذه الأم والولد من الوالد الخائن.
ومع أن عنوان الفيلم كان يغري بقصة رومانسية إلا أن الفيلم كان يعالج قضية اجتماعية بأبعادها النفسية التي تتصاعد للإجرام. ولذا كانت نهايته دموية وعنيفة عبر صراع طويل تمكنت فيه الأم بصعوبة من قتل الفتى المسعور والنجاة بعائلتها بكثير من الأضرار الجسدية.
الفيلم كان يبث رسالة اجتماعية عن عواقب الخيانة الأسرية على الأبناء والمجتمع في أبعادها القصوى، سيما إن كانت الأم غير قادرة على الصمود، وتحريك دفة السفينة في اتجاه الحياة السوية بمفردها. وهي رسالة في غاية الأهمية في عصر وقح للغاية، تتزايد فيه قيم الأنانية، وتتناقص القيم الكبرى كالنبل، والمسئولية، واحترام العلاقات الإنسانية والتضحية.

السبت، 21 فبراير، 2015

21فبراير

هل ولدتَ اليوم؟
هل حلّقتَ إلى الأرض بمرح قصي، مبعثه حكة قلبك العبثية في الاكتشاف؟
أم جئتَ على مضض، امتثالا لأمر السماء التي قررت أن تطلق صرختك المكتنزة بالرفض في هذا اليوم تحديدا؟
وقد كنت في البعيد تمضي خفيفا
قطا بفروٍ أبيض ينظر للعالم بدهشة...
طائرا يحوم في ملكوت الوجود بلا غاية للركون
كائنا بلا ملامح يختصر ذاته في الطبيعة
ويهيم في ذرى الصدفة والعبث
اليوم أتيت إذن؟!
لحنا شاردا في العدم
صدى لأغنيات الهائمين والعارفين
أظافر من رغبة وسؤال
جنونا مشفوعا بالحرية والانعتاق
روحا هائما في الجمال
حالما يفتش في الكتب عن حقيقةٍ لا وجود لها
بسماعة الطبيب يرهف السمع لنبض التاريخ
وبلهفة عاشق يطعن اللحن في قلبه
ويخون المعاني في متنها، ثم ينفخ فيها الحياة
ولدتَ اليوم
وأنا ولدتُ ثانية على يديك

 

الأربعاء، 18 فبراير، 2015

شكراً أنسي الحاج

 
 
 
 
فاطمة الشيدي
شاعرة من عُمان
جريدة النهار 18/ 2
"أشعر أحياناً أنّي أكتب من وراء الكتابة كصوت مَن ينطق من وراء الموت" (أنسي الحاج)
منذ رحيل المبدع المقيم في كلماته، العصيّ على النسيان، الكبير أنسي الحاج، وأنا العاشقة كلماته، المأخوذة بفتنة اللغة والوعي والكلمة التي تشع من روحه وأصابعه، أفكر أن أكتب عنه، لكني لم أستطع. حاولتُ منذ لحظة تلقي الخبر/ الصدمة، منذ أن شعرتُ بتلك الغصة في الروح، قلت لنفسي ماذا أكتب؟ هل ترك لنا ما نكتبه؟ هل ثمة صورة جديدة يمكن أن نكتبها عنه أو له، هو الذي غاص في بحار الشعر واللغة والصورة في أعمق ما يستطيع شاعر، وهو الذي أشعل في روح كل من قرأ له، أجمل تجليات الوعي والعشق الإنساني؟!
بكيتُ وأنا أبحث عما يسعفني قليلاً في تجاوز الصدمة من كتاباته، أنا التي طالما شغفتُ بها، وربما حفزتني كثيراً على الصمت. كنت أقول لنفسي، مَن يقرأ درويش، وأنسي الحاج، وقلة آخرين، عليه أن يصمت كثيرا، بدل أن يكتب أو يدّعي الكتابة.
كأننا نظن أن الشعراء لا يموتون، أولئك الذين يصنعون وعينا، ويرتقون ثقوب أرواحنا، ويشعلون حواسنا بكتاباتهم العظيمة الخالدة، أولئك الذين يوطّنون داخلنا معايير الجمال الباهرة التي تتناقص يوما بعد يوم.
يعرف القلائل ممّن يعرفونني، عمق انتمائي لأنسي الحاج كقامة أدبية، وكمدرسة شعرية، ويعرفون اهتمامي به، واحتفائي بكل كلمة تصدر عنه، وإيماني العميق بتلك الروح النبيلة والجارحة المبثوثة في الكلمات. لذا كنت أبادر بنشر "خواتمه" كلما نزلت من باب المشاركة في هذا الجمال، في أي مساحة ضوئية تخصني، لأتحصن بجمالها، وأشرب من معينها، وأروي جدولي الصغير بعذوبتها.
في مهرجان مسقط الثقافية 2011 كنا في اللجنة نبحث عن قامة شعرية تسف عطش عشاق الكلمة للشعر، وكنت أول من بادر بطرح اسم أنسي الحاج الذي كنت أعرف أنه يعيش عزلة روحية، أشبه بالتصوف، وأنه يرفض الحضور. لكننا كنا نفكر فينا، وفي القارئ، كم سيلتقي هذا الشعر الكثير على أرض مسقط، وفي سعادة شخصية أن نحظى بمصافحة حميمة للشعر والشاعر.
بالطبع لم يأت أنسي الحاج، ولم تكتحل عيوننا بالشعر ولم تشنف القصيدة آذاننا، لكن مجرد طرح الاسم وتلك الفرحة التي كانت على وجوه الجميع، يعكسان كم له من القراء والأصدقاء والمحبين في بلادنا، وبين نخبة مثقفينا.
أيها الشاعر الذي رحل من دون أن يلوّح إلا بكلماته البيضاء كمنديل للسلام والمحبة والجمال :لم نقل وداعااااا بغصة، يوم رحلت ولن نقولها الآن في ذكرى الرحيل، بل سنقول شكراً بامتنان، وسنظل نترقب بمتعة ودهشة -كما كنا أبدا- ما تكتب من وراء الموت أيها المعلم الكبير، والشاعر المختلف الذي توهجت أرواحنا على ضوء لغته، وتفتحت حروفنا بين يدي كلماته.
نحن تلامذتك وحوارييك ومريديك المأخوذين برذاذ شعرك، ونسيم كلماتك، وعذوبة بحارك، اللاهثين وراء سرب قطاك ونوارسك التي تطلقها كل كتابة في المدى، والتي تستقر فوق رؤوسنا تماماً فنبتهج بالجمال، ونغني من فرط التلبس كالممسوسين بالفتنة، والمشمولين بالسحر العظيم.
أنسي الحاج... شكراً وإلى اللقاء.
 

الثلاثاء، 17 فبراير، 2015

17 فبراير

فبراير
يوم عادي جدا
يوم يقترضه البرد ليكمل به أيامه الناقصة
ويتنازعه الحر في حسابات الفوضى الكونية
ينهض فيه البشر صباحا محملين برهاب الزمن...
الذي يمشي على سكك أجسادهم بسرعة فائقة
يولد فيه أطفال بلا جداول ولا حسابات
ويموتون أيضا
تخبز الأمهات رقائق المحبة لصغارهن ككل يوم
ويزرع رجل ما نخلة عند مفرق الأفق ليستظل من الحتف
ويحسب آخر رصيده البنكي في الربح أو الخسارة
وتجمّل فيه امرأة عابرة صورتها في مرايا الانكسار والحزن
ويحتفل فيه عاشقان بذكرى حديث عابر، وغربة نيئة،
يعيدان تمثيل رواية تاريخية على مسرح الحياة
يرممان صوتيهما الذاهبين في التماعة الصدى
ويستحضران أحاديثهما المرتبكة في وجه القهوة والزمن
ويضحكان يضحكان حتى الفرح♪♪

الاثنين، 16 فبراير، 2015

 
 
صرت متابعة جيدة تقريبا لإذاعة بي بي سي العربية، بل وصرت من المعجبين بمعظم برامجها الثقافية والسياسية الجادة رغم قلة الوقت الذي أقضيه في السيارة غالبا.
ورغم حيادية الإذاعة وانحيازها للإنسان إلا أن حيرة مذيعي القناة المحايدة تتقاطع تقريبا مع حيرة المتلقي المحايد أمام كل هذا الرعب الذي يجتاح العالم العربي بين تسلط رجال الأمن من جهة، وهمجية من يقدمون أنفسهم في حظيرة الرب والدين من جهة أخرى، وأخذ كل من الفئتين الفئة المقابلة ذريعة وحجة لقهر الإنسان والنيل منه عبر الطرف الٱخر. وا...نقسام الشارع وانحيازه لأحد الفريقين بالضرورة وبشدة وبدفاع مستميت عن موقفه، حد تهميش أو تكفير أو تحقير الطرف الآخر.
بالأمس كان ملف المحتجزين من الناشطين المصريين في السجون المصرية ( مثل ملف يارا ويوسف وغيرهما)، من قبل الجيش والشرطة، تحت مسميات وذرائع واهية منها الإرهاب، والأحكام المسيسة من القضاء المصري، تكاد تخلع القلوب التي تتقاطع من نشيج الأمهات وهن يفقدن الأمل في العدالة بخروج أبنائهن من السجون. رغم أن منهم الكثير من العلمانيين والليبراليين كما وضحت المذيعة الغربية للجنرال العربي. إلا أن البعص كان يؤيد تلك الأحكام الظالمة حفاظا على الأمن كتبرير واهن.
واليوم الاستفتاء على تكوين تحالف بقيادة مصر للقضاء على الإرهاب في الدول العربية، خلق فريقين متشددين بين مؤيد ومعارض، ولكل منهما حججه التي هي القضاء على الإرهاب من طرف المنحازين لقرار الجيش، ومصير المدنيين العزل الذين لن يكونوا بمنأى عن القصف بالطبع من طرف الرافضين له.
ولاحقا ماخلفه قتل نائب عراقي، من جدل في الشارع العراقي بين السنة والشيعة واختلاف في وجهات النظر تصل حد الاستهجان والسخرية وإباحة القتل.
كل هذا التناقضات والتشدد في الانحياز لأحد الاتجاهين عمق الحيرة لدى المذيعين والمستمعين المحايدين معا. لأن هذا الجدل والارتباك في الرؤية هو انعكاس عام وشامل لحال المجتمع العربي. فهناك دائما فئة مع. وفئة ضد، وفئة بينهما، فئة حائرة فهي ليست مع الظلم والقهر تحت أي مسمى وضمن أي تبرير، وهي قلة للأسف.
وهذا تماما ما أوصلنا هنا .. فالتشدد لا يوصل إلا للتناحر والبغضاء

السبت، 14 فبراير، 2015




يخاتلنا الحب
يدخل من فتحات التهوية في قصائد الشعراء
ومن غناء البحارة في الذاكرة المهترئة بالملح
ومن نافذة تطل على العدم
أو باب يفضي للبرزخ بين عالمين...
ومن تنهدات عجوز في الزقاق المؤدي للحلم
وكركرة طفلة على ناصية المدى
من كتاب ووردة بيضاء
ومن ضحكة تضيع أطرافها في السراب
يأتي الحب كحكمة أولى، أو كمعجزة أخيرة

 

من هنا تبدأ المعضلة

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
كنت أفكر، كمؤمنة بحرية الإنسان ـ لا تحب الأدوار الشرطية، والرقابة الصارمة، والقيد الذي لا يفضي إلا لقمع الوعي، ومحاربة التفكير الحر ـ بعدم جدوى الامتحانات، وضرورة التوصل لطريقة أكثر تحضرا وإنسانية وحرية في تقييم التعليم العام منه، والجامعي، كبديل لهذه الطريقة القاسية نفسيا ومعرفيا في التقييم، والتي عفى عليها الزمن. ولكنني في الوقت نفسه كنت أشعر بحيرة أمام البدائل التي قد لا تكون عادلة بما يكفي، سيما ونحن في عالم نقيس فيه التفكير بالمسطرة، والمعرفة بالكم، ومع طلاب تلقوا تربية معرفية قُمعية، قائمة على صب المعلومات في رؤوسهم، ثم إفراغها في صفحة الامتحان، ونسيانها بعد خمس دقائق من الخروج من القاعة، بعيدا عن إدراك قيمة العلم للإنسان والتغيير والحضارة، وأهمية الثقافة في تشكيل الوعي ومحاورة الإنسان والوجود.
ولكن هذا التفكير الحر استحال لصورة خيالية أو يوتوبيا بعيدة جدا، وأنا أراقب على طلاب المرحلة الجامعية، وأغلبيتهم يتربص الفرص كلص محترف ليسطو على إجابة ما من ورقة زميله أو من فمه، وبالتالي كان علي أن أكشر عن أنيابي، وأتحول إلى شرطية صارمة جدا في التعامل مع هذا الوضع، تهدد بالويل والثبور وسحب الورق، ووضع أدنى العلامات لكل من تسول نفسه إتيان هذا العمل الشنيع من وجهة نظري، لأن إيماني بالحرية لا يقل عن كفري المتجذّر بالغش والكذب والنفاق.
وكنت أنظر لكل محاولة غش، ولكل جسد متململ، وعين متربصة، بقرف وسخط، مستحضرة كل مسؤول فاسد، وكل تاجر لص، وكل سارق، ومرتشٍ، ومرابٍ، ومستغل وحقير في أوطاننا يعيث فسادا في البلاد، ويسلب أرزاق العباد، وأدرك جيدا أن المشكلة تبدأ من هنا تماما. وأن من يبدأ بالغش ينتهي بالغش، فماذا يمكن أن يصبح الطالب الذي أخذ شهادته بالغش، موظفا وإنسانا؟ وماذا يمكن أن يقدم لاحقا لوطنه، ولشعبه بل ولأسرته وبيته؟ وأي مبدأ أو قيمة ستحكمه موظفا؟ ومم سيخاف قبل أن يقترف أي جريمة سرقة أو رشوة؟ وكيف سيربي أبناءه؟ وكيف سيتعامل مع زوجته وأسرته ومجتمعه، وهو سارق كبير منذ البدء حتى الخاتمة؟ مستحضرة كل القضايا التي تطالعنا بها الصحف المحلية والعربية ووسائل الإعلام يوميا عن السرقة والاغتصاب وتهريب الأموال، وكل القبح والشر الذي يتحرك في مجتمعاتنا بنشاط، ويتكاثر بحيوية وقوة، مدركة أن الشر بدأ مبكرا جدا، ومن قاعات الدرس تحديدا، ولم يجد مقاومة، ولا تصدى أحد لتفتيت حزم الوهم الراكدة في عقول طلابنا للنجاح بأي وسيلة، والتحصل على شهادات عالية بكل الطرق الممكنة حتى لو كانت بالغش والسرقة من مجهودات الآخرين وتعبهم، أو من الكتب و»البراشيم» التي أصبح طلابنا يستحقون شهادات عالية فعلا في كيفية صناعتها وتجويدها في الحجم والكم والكيف. ولا في عقول آبائهم الذين سيوقعون بهم أدنى العقوبة لرسوبهم، ولكنهم لن يحركوا ساكنا لو عرفوا أن نجاحهم كان بسبب الغش، وتفوقهم كان سرقة وليس مستحقا، بل ربما باركوا لهم تلك الشجاعة في الأخذ، وهنأوهم على تلك القوة في السلب وخداع المراقب، وبالتالي يصبح للتفوق المسروق قيمة إضافية، فهو بسالة ورجولة تستحق التقدير والتشجيع.
ورغم كل المقاومة الباسلة التي تقوم بها مؤسسات التعليم العام والجامعي للحد من الغش، إلا أن الحالات التي تسجلها هذه المؤسسات لا تعد ولا تحصى، وكل السبل لا تجدي أمام التحين والتربص الطلابي، وعقد العزم على سرقة معلومة مهما صغرت أو كبرت للنجاة من براثن الامتحان، والخروج من هول هذه المحنة، بلا استعداد ولا تجهيز.
بل أن الأمر في جزء منه أصبح طبيعيا جدا، حيث أصبح الغش مقننا، وتحت أقنعة شتى، وصار العلم يباع ويُشترى في محلات ومكتبات، ومراكز بحوث عالية الجودة، ومرخصة من قبل الدولة والقانون، تقدم خدماتها البحثية بقيمة مبسطة لجميع الطلاب لتساعدهم على الغش والسرقة، ليتحصلوا على أعلى التقديرات بأقل الجهد وأسرع الوقت، بل ويتحصل البعض من خلالها على أعلى الشهادات والدرجات العلمية.
والسؤال الذي يهمنا، لماذا وصلنا إلى هنا؟ ولماذا لا يدرك الطالب حرمة ما يفعل وقبح نتائجه، وأثرها عليه كفرد ومجتمع؟ هل هي التربية الأسرية التي لا تعاقب على الكذب والغش منذ البدء، بل قد تبيحه وتسوغه بمبررات كثيرة أهمها النجاح وامتلاك شهادة للتحصل على وظيفة لكسب المال؟ أم هي المناهج التربوية التي لا تركز على فداحة فعل الغش في الحياة قولا وفعلا، أمام الله وأمام الناس؟ أم هي القراءة الخارجية للدين التي لم تركز على محاربة الغش كأعلى درجة من درجات الكفر والتي تخرج صاحبها من الدين تماما «من غشنا ليس منا»؟.
أم هي التربية المجتمعية التي أحكمت الرقابة الخارجية، وأشهرت في وجوه أبنائها ألف رقيب، وأباحت لهم كل فعل خارجها، ولم تفكر يوما في خلق رقيب داخلي، لتوصلهم لهذه المرحلة المتأزمة بهذه الأخلاقيات والسلوكيات المرضية، بعيدا عن أي مبدأ، أو إيمان، أو وعي أو مسؤولية؟
التربية المجتمعية التي جعلت الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي فالطالب والباحث يطمح لغاية عالية، فلن ينظر لقبح الوسيلة، ولن يعتقد بحرمة الغش كوسيلة للنجاح، وبالتالي فالتاجر السارق، والمسؤول الفاسد، لا يدرك أيضا حرمة ما يفعل، وقد يعتقد أن ما يأخذه استحقاق، ولن يحاسب عليه، فالقوانين العربية طيعة فيما يخص أهل المال والمناصب، وأما البشر فالقانون لا يحمي المغفلين، كما تقول الحكمة العربية المعروفة.
كانت كل تلك الأسئلة والهواجس تشتعل في داخلي، وأنا أتمشى في قاعة الامتحان، وأستحضر العنتريات العربية واللحى الطويلة من جهة، والموت والفقر والظلم من جهة أخرى، وأتذكر رغبتي الأولى في غياب الامتحانات، وأقول مازلنا بعيدين جدا عن الحرية التي هي شرط الإنسانية الحقة.
كاتبة عُمانية
فاطمة الشيدي

الخميس، 12 فبراير، 2015

رسائل قصيرة

 
 
 
1.
رزان، ويسر ، وضياء
..................................
لم يهتم القتلة والمنافقون وسدنة الكذب والنفاق في العالم  من ساسة ورؤساء ومدعي إنسانية كانوا بالأمس يتقدمون الصفوف ويزاحمون على الظهور، بقطف زهور شبابكم  من معتوه إرهابي على مرأى من العالم الغارق في الوحل شرقا وغربا،  لأنهم لا يصدرون عن مواقف إنسانية نابعة من تعاطف حقيقي مع كل ضحايا الشر والقبح في الكون بل عن كذب ورغبة في تلميع صورهم القبيحة في مرايا الإعلام الداعر .
ولكننا نهتم ، نحن سكان هذا الكوكب البسيط الطيب، الذي عليه أن يتحرر من الشر والحقد ويذهب في الخير والمحبة  والتسامح، نحن الطيبون في كل مكان من أنحاء المعمورة شرقا وغربا أصابتنا تلك الرصاصات في القلب تماما، رحمكم الله ، وألهم أهلكم الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون
 
 
 
 
2.
 
معاذ الكساسبة
………

يا أخي
يا ابن عمي
يا ولدي
يا كل رجل عربي يحمل شرفي
وأنا كل امرأة عربية تحمل وجعك
أربط قلبي بخرقة سوداء
وأكشف شعري
وأبكي
وأدعو على قاتليك
لقد قتلونا معك
ووجيف قلبك أحرق قلوبنا
كقلب أمك
وأعلم أنه يملي لهم
وستأكلهم يوما ذات النيران التي أحرقتك
يا صديقي  ما كانت النار بردا وسلاما
فلست نبي
ولا معجزات في هذا الزمان الغبي
فقط هناك قلوب يأكلها الألم
وعقول يغلّفها الوهم
وهناك دم..  ودم..  ودم



الأربعاء، 11 فبراير، 2015

فيلم "GAMBLER"المقامر ..من أروع الأفلام التي يمكن للمرء مشاهدتها. والتي لاتجود بها دور العرض الرتيبة كثيرا، فهي غالبا ما تركز على أفلام الأكشن المراهقة.
ولا أعلم إلي مدي أخذ هذا الفيلم في قصته من رواية المقامر لدوستويفسكي التي تقاطع مع اسمها، والتي كتبها دوستويفكسي عن نفسه تقريبا، إلا أنه أي الفيلم يدور في نفس الأجواء، حول أديب وأستاذ جامعي يدرس الأدب، يشعر أن الحياة لا تستحق أن تعاش نصف حياة فإما أن تأتي كاملة أو لا تكون، وأما أن يكون الكاتب عبقريا أو يكف عن الكتابة تماما....
فالأستاذ والأديب المتمتع بكل الإمكانيات المهنية والاجتماعية والمنتمي لعائلة غنية، ذو عقلية غريبة ومجنونة ، فهو يمتهن القمار ويذهب فيه بعيدا حتى تحاصره الديون في عالمه الليلي، ويدرس الطلاب بقوة ووعي ومسؤولية ومبدأ ليكونوا مختلفين في عالمه النهاري .
حتي يلمح بذور العبقرية الأدبية عند إحدى طالباته، وهي ذاتها تعمل نادلة في أحد الملاهي التي يلعب فيها القمار.
تتقاطع حياتهما لاحقا ، فيقرر بذكاء ترك القمار والتفرغ للحب والكتابة.
لغة الفيلم النقدية على لسان البطل مذهلة، وجنونه مغري بالكثير من المتعة والتوغل في الحياة.
وما من مشاهد عربي لن يستحضر قول المتنبي العبقري الأكبر
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم

الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

نتوءات صغيرة


 
 
 
فاطمة الشيدي
…………………

1.
منذ زمن والمفاهيم عائمة، والكلمات بلا معنى
اليوم استعادت كلمة "شهيد" معناها مع "معاذ الكساسبة"
الشهيد الذي تجمع الإنسانية عليه، وتنفي أبسط معانى الإنسانية عن قاتليه، ناهيك عن الإسلام، فهم وحوش مسعورة ليس إلا.
رحمه الله
ورحم الإنسان أمام هذا الشر المستشري كالنار في الهشيم والذي يبتدع كل يوم طريقة جديدة للقتل والخراب.

2.
ليس لدي ما أرمم به الخيبات العاجلة
وأتجاهل به الأشواك التي تنهض على قارعة الدرب
والطعنات التي تتصدر المخيلة
وأرد به فيوض التقاسيم المرعبة التي تصدر من العالم التافه
سوى الكتابة
الكتابة ترياق الأمل
وأمان الروح المرهقة
وناصية الحلم
وتلويحة المستحيل الباسمة

3.
المرأة القوية التي تبهر الجميع بقوتها النابعة من روحها ومواهبها وملكاتها، والتي تتحد في جسد ضئيل غالبا، المرأة الذكية الجمنيلة اللبقة الجسورة العملية، التي كثيرا ما تربك الرجل الشرقي الذي لم يعتد على أكثر من جسد راغب أو مرغوب، كم تثير الإعجاب وهي تمضي بخفة، وتعمل بهدوء بلا عقد نقص.

4.
التقنية في الدول المتقدمة تعمل على خدمة الإنسان وتوفير الوقت والجهد، بينما في بلادنا المتأخرة عن الركب تمثل هي بذاتها حجر عثرة، ووسيلة إعاقة وتأخير.

5.
لم لا تنطلق حملات تدعو  الدول العربية لتبني أطفال سوريا، أيتام الحرب، خاصة دول الخليج، ومساندتهم وحمايتهم وتوفير الرعاية والأمان والتعليم لهم، ليعبروا للمستقبل بأمان، أو بضرر أقل من الموت بردا، حتى لو لوقت قصير حتى تنجلي هذه الغمة؟
لم لا يحث شيوخ الرب، وسدنة الدين، الحكومات والأفراد على ذلك ترغيبا في الأجر والثواب،  وقد شجعوا قبلا زواج القاصرات مثنى وثلاث ورباع، واستحلال النساء بكل بدع النكاح ؟ وهذا أعظم عند الله ثوابا.
الشعوب لديها الكثير من المحبة والتعاطف، فدعوها تؤدي دورها الإنساني. ولكن المشكلة أن الأمر يحتاج قرارات سياسية ..  وليس أمنيات فقط  ولذا فليس أمامنا سوى أن رفع أصواتنا قليلا بالأمنيات.

6.
ما ينتج عن رهاب الحكومات من الكلمة الحرة من إرهاب باسم القانون والحق، يوازي تماما إرهاب الجماعات المتطرفة تحت دعاوى العدالة والحرية.
والدين والإنسان عاملان ضمنيان لجلب التعاطف أو تسويغ الظلم والقتل في الحالتين، وهما أبعد ما يكونان عنهما.
وليس جلد رائف بدوي إلا نموذجا على الحالة الأولى، وليس تفجير الصحيفة الفرنسية شارلي ايبدو إلا نموذجا على الحالة الثانية كأقرب النماذج وليس آخرها.
تبدو الدائرة مغلقة تماما، والحالة متصاعدة في قتامتها الموجعة..  والله المستعان !







فاطمة الشيدي


1.
كانت مرهقة ومتعبة وعطشى; لدرجة أنها تتلمس الجدران الرطبة بحثا عن قطرة ما، وتنظر إلي باستجداء شفقة ورحمة تعرف أنها لن تجدها كثيرا في البشر.
وحين قدمت إليها الماء والطعام انكبت عليهما فترة طويلة تأكل بنهم وتشرب بلهفة، لكنها ما أن شبعت حتى تركت كل شيء خلفها ورحلت، دون أن تفكر فيما سيحدث بعد قليل، القطة تدرك أن حاجتها للطعام الآن، وأن الغد بيد الله، بينما يكنز الناس الكثير والكثير، ومازال القلق والرغبة في الأخذ تقض مضاجعهم وتحرمهم جمال اللحظات والأوقات التي لن تعود.
كلما تأملنا في الطبيعة نستجلي قبح الإنسان وشره واستحواذه وطمعه الذي لاحد له.

2.
أ.
غالبا يحتاج المرء أن يعيد قراءة الفصل الأول من الرواية، بعد الانتهاء منها، ربما ليزيل ارتباك البدايات النفسي، وغربة الاتصال البدئي، بعد التعالق معها، والتعلق فيها، والالتحام الحميم مع شخوصها، حتى لكأنه يصبح هو السارد أو أحد الشخوص المحوريين في الرواية، وربما لمغالبة الشعور بالفقد لأن عليه أن يضع الكتاب جانبا منذ الآن !
ب.
ثمة كتب نحتاج بعدها للقليل من الوقت، ليتشرب وعينا ولا وعينا رحيقها بمهل، ولنفسح لها المجال كي تسري في أعماقنا وتحدث فينا الكثير من التغيير بفعل الفكرة الصدمة، أو الأفكار الوخزات المتتالية والحادة التي تتراكم لنعود بعدها لسنا كما كنا أبدا.
بينما ثمة كتب لا نستطيع أن تنفك من تلبسها إلا بالبدء بكتاب جديد، كمن يدرأ عشق بعشق، أو يداري فقد بميلاد .
وللناس فيما يقرأون مذاهب!
ولكم في القراءة حياة يا أولي الألباب
ج.
أقرأ في الصباح مع القهوة لمدة ساعة تزيد أو تنقص، وأقرأ في المساء بعد المغرب مباشرة ومع القهوة لمدة ساعة تزيد أو تنقص أيضا، هذان الوقتان مثبتان ضمن عادة وطنت نفسي عليها (فالقراءة لابد أن تصبح عادة)، وفي السفر بالطائرة، وفي المسافات الطويلة بالسيارة إذا لم أكن السائق وفي كل وقت انتظار. أما تصفح الفيس بوك فهي دقائق قليلة مسروقة هنا وهناك عبر الهاتف النقال كفواصل في نص الحياة اليومي التقاطا للنفس والجديد.
3
الناقد الحقيقي قارئ محب، وباحث نبيل عن قيم الجمال!
أما السبابات المرفوعة بالقدح، فهي لا تعدو أن تكون أشرعة  للخذلان، ووسيلة رخيصة للظهور. ودعوة لإقامة حفلات اللطم والندب. ليصبح الجميع ناقدا منتقدا، بدل أن يكون مبدعا محاولا مجربا، يعلو ويهبط كالسنابل يغازلها النسيم ويداعبها الندى، ويسير مع التكوّن الطبيعي حتى تنضجه الفصول!
ووالله لأن يمتلئ العالم بكتابات سمجة، ونصوص رديئة، وأصوات ناشزة، ولوحات مخربشة، أفضل من أن يمتلئ قمعا وقهرا وعنفا !
فالمجد للفنون الجميلة منها والرديئة
المج...د للبدايات وللخطوات الأولى، وللضعف والوهن، والانكسارات الخالقة، والمحاولات المثابرة كالنمل
المجد لأحلام الحالمين بالكتابة الحلم، أو حتى بالجوائز والطبعات الكثيرة .
بعيدا عن القمع والقهر تحت مسميات رصينة!

 

الأحد، 1 فبراير، 2015

فاطمة الشيدي تكتب على الماء

عماد الدين موسى
جريدة الشرق القطرية
الشرق الثقافي 13/ الأحد ، 1فبراير العدد 63، السنة2
  

الاثنين، 26 يناير، 2015

صورة ناقصة


فاطمة الشيدي
…………………

يصيبك الخطاب الفوقي البرّاق الذي تتحدث به أجهزة الإعلام العمانية وبعض المحسوبين على الثقافة عن مثالية الإنسان والمجتمع والدولة، بالعجب والاستغراب وربما بالقرف أحيانا، إذا تقدم الحال وكأننا نعيش في مدينة أفلاطون الفاضلة (اليوتويبا)  ملمعة الصورة برفعة مصطنعة،  وعمق غير حقيقي، وصورة حضارية كاملة.
هذه الصورة الإعلامية اللامعة والتي تتنافى كثيرا مع الحقيقة، والمصدّرة بقوة أقنعت الإنسان العماني أنه مختلف، وعظيم، بل ووصلت للآخر الذي بدأ يطبل لهذه الصورة أيضا بعيدا عن التعمق الحقيقي في شخصية وروح الإنسان وفكره والتي تتباين من فرد لآخر، وتختلف من موقف لموقف، والتي عليها أن تحتكم للنقد الموضوعي لإصلاح الخلل وتلافي الهنات.
ومع كل الاحترام والتقدير للكثير من الجوانب للإنسان العماني أو بعضه على الأقل، من خلق ونبل وسلوكيات حضارية راسخة فعلا، إلا أن التعميم والمبالغة يفسدان الصورة، ويظهران بجلاء  نقائضها الكثيرة أيضا. فمع أنه يمكننا المراهنة على سمات عامة في روح الإنسان العماني مثل الطيبة، وعدم الميل للعنف بكل أشكاله، والتعايش السلمي مع الآخر مهما كان اختلافه عنه ، أو تدني تقديره الشخصي أو القبلي له، مما أدى ورغم تعدد الطوائف والأثنيات في المجتمع، واعتداد كل فرد أو جماعة بطائفته وأصوله، ورغم النزعة القبلية العنصرية المتجذرة في المجتمع وتقسيماته الفئوية غير العادلة المعروفة بين أفرادة، إلا أنه لم تظهر نعرات التفرقة والمشاحنة والخلاف الحاد بين أفراده لتلك الخصال الآنفة الذكر.
وكذلك ما يتميز به العماني من التواضع والحياء الذي يمنعه من البطر والتفاخر والعنجهية واحترام الغريب، والميل للعزلة غالبا وعدم الرغبة في الظهورالإعلامي، إلا أن هذه الصفات ليست مطلقة ولا عامة، أو حتمية عند الجميع، سيما وهو مجتمع متعدد الأمشاج والأعراق، كما أنه مجتمع له جذوره التاريخية من جهة، ويذهب سريعا في التجدد والارتقاء والحداثة من جهة أخرى، وبالتالي تظهر فيه أجيال متعاقبة ومتعددة المشارب في التربية بين الجديد والقديم.  (وإن كان ذهابه في الجديد أقل وتيرة من سواه لتشبثه بالعادات والتقاليد بنمط حياة اجتماعية قائمة على الجماعة والقبيلة) . فلايمكن التغافل على مثالب هذا المجتمع الراسخة مثل القبلية المقيتة وانعكاساتها الجلية على الأفراد والجماعات، بالوساطات والقرب والبعد عن مراتب السلطة واحترام الأفراد لبعضهم البعض ضمن هذه الصورة العنصرية فقط. والنفاق الذي يجعل البعض يخلط بينه وبين الطيبة والكرم والخلق النبيل، فما يظهره البعض من محبة وتقدير ليست صادقة غالبا، بل قائمة على النفاق أو المجاملة بحكم التربية، وقد لا يتورع عن السب والشتم والتجريح في الخلف.
وهناك  الحالة القطيعية الاجتماعية، بالانصياع  المطلق للجماعة والقبيلة، وأحكامها، والاحتكام للعادات والأعراف الجمعية المتوارثة بلا مساءلة،  والتقليد الراسخ في البنية العميقة للمجتمع، والتسليم  والانصياع والتبعية لشيوخ الحياة والدين، بعيدا عن التفكير الحر والوعي الفردي، وعدم إعلاء روح الفرد أو احترام خصوصية الآخر. وذكورية المجتمع التي أفرزت النظرة الدونية للمرأة، واحتكار أدوارها في الوظائف البيلوجية والاجتماعية التقليدية. وتحجيم أدوارها الحقيقية في المجتمع، وتعتيم حضورها في الحياة، ناهيك عن الحسد والأحقاد والضغائن المتوارثة والتي تسري في المجتمع كالنار في الهشيم وإن غلِفت بالنفاق والمجاملة.
كما أن المشاكل العصرية المخيفة على تكوين المجتمع، بدأت تظهر على السطح لتجعله بعيدا جدا عن تلك الصورة المثالية المرادة له،  مثل الاهمال  واللامبالاة والتي أصبحت من صفات الشباب في هذا العصر . والبطر والفحش والبعد عن تقدير الكبير ، والعبث والفوضى وانعدام روح المسؤولية الذي تظهر  من خلال تصرفات مثل السرعة الجنونية في السواقة وما يتبعها من تجاوزات للقانون في الشارع، والتدخين في كل مكان، ورمي أعقاب السجائر والأوساخ في الأماكن العامة، والتفل في كل مكان غير مكترثين بالمظهر العام للبلد.  والحديث في السينما والأوبرا وملاحقة الناس بالأعين والفضول مما يعكس غياب الروح الحضارية للإنسان.
بالإضافة للتصرفات الفردية مثل عدم الاهتمام بالمظهر، والثرثرة بصوت مرتفع في  الأماكن العامة. والغش والكذب وغيرها.
وهناك تصرفات  قبيحة ومستهجنة من قبل الآخر السائح والمقيم نتجت عن عدم وجود قوانين ضابطة، مثل تلاعب سائقي سيارات الأجرة بالأسعار، وغلاء بعض السلع خاصة التقليدية منها، لعدم تسعير هذه السلع وتركها للبائع والجدل الضروري في هذا الحالة والذي يضر بمصداقية البلد والقانون فيه.
ومع أن وجود الشر والخير والجميل  والقبيح، والنبيل والحقير هو ديدن المجتمعات والإنسان في كل مكان، وزمان إلا ذلك لا يعجب البعض ممن يقدم صورة مثالية للمجتمع والإنسان، متغافلين عن قيمة النقد في التغيير، والرقي بالإنسان، وهذا دور المثقف الحقيقي الذي عليه عدم الإذعان لصيحات الجمود، ودعوات التلميع.



الجمعة، 23 يناير، 2015

شجرة




"النظرة الطويلة إلى صمت الآلهة هي ثواب بعد تفكير"
بول فاليري

فاطمة الشيدي
…………………

ماذا أفعل بي
كل ما أقوله لا يشبهني
لم أقل بعد ولا كلمة واحدة مني
لم أسجل ولا فكرة مما يدور في رأسي
المرأة التي في المرآة ليست أنا
أنا تلك البعيدة التي كنتها في البدء
حين كنت يوما شجرة
سيدة العزلة الجريحة والصمت الأبدي
على مفارق الكون وسخرياته القاتمة
الشجرة التي بداخلي
يرعبها هذا الضجيج
تأكلها هذه الحياة الفارغة
التي تتسلق روحي كالعليق الطفيلي
الفراغ يكبر داخلي كل يوم
وأنا ألمح الطواويس بريشها المتقصف تتصدر الحضور
ويرتعبن من التغريد القادم من شجرة في زاوية قصية
والغربان تنكرت للحكمة
وصارت تحط على الياسمين الذابل بغية القليل من الرائحة
والعصافيرة الصغيرة تتعلم الطيران في ذات الفلك
تتبع حركة الأجنحة المتقصفة وتتمسح في القليل من الضوء
تعلمت لذة الهروب من هذا الصخب والانضواء في الظل
وفي كل مرة كثعلب جبان أخلع فروتي في وجوههم القبيحة وأهرب نحو الغابة
أرتدي هناك ظل كائن غريب
أتدلى من جذع شجرة موز
يرى الكون رأسي وهو يقترب من الأرض
يصافح جذور الأشجار والطين اللازب
أجلس لا حقا في رأس تلة مأخوذة بالرؤية البعيدة
أنظر للعالم بزاوية ما
يشتغل رأسي المولع بالتفاصيل والقلق
وأغيب في ضبابية الرؤية
وأعلم أنه في يوم ما سيقول العالم
هنا عبرت امرأة كانت تعيش كشجرة
وتكتب نصوصها على الماء





الثلاثاء، 20 يناير، 2015




فاطمة الشيدي
…………………
       
لماذا نكتب؟
الكتاب أكثر من القراء، والقراء القلة يبحثون عن مضامين وغايات ومعان كبيرة. وحكمة مفترضة. ولغة مبجلة. ودروس  لا نملك أن نقدمها .
فنحن كتاب العبث، أصدقاء العدم والمجهول، التافهون في حساسيتنا، توجعنا كلمة يابسة تسقط من فم أحدهم كما تسقط ورقة لفظها جسد أمها الممتلئ بالحياة .. يوجعنا تجاهل السماء لأحلامنا البسيطة، وغفلة الأرض عن دموعنا التي بلا سبب أو بلا سبب كاف
واصطدامنا المؤذي مع حواف الوجود، التي تدخل بقاياها لأرواحنا الهشة كشظايا حرب تاريخية وجودية لم ندركها.
نكتب عن وخزة هشة في الروح ووجع في الوريد ، فمن يأبه لتفاهاتنا؟
العالم يحترق .. يتكور على نفسه .. يذوي .. الأطفال يموتون بردا وجوعا .. ونحن نكتب بخفة عن الحياة وكأنها طفلة تعد القرميد وهي تتراقص في عبورها الدافئ للمدرسة، أو قطة متشردة لا تنظر للعالم بحقد، أو عجوز تبتسم وهي تلوح للمغادربن على عجل من شرفتها المطلة على الشارع كل صباح قبل أن تأخذها الغفوة.
نكتب عن الموت كأنه صديق قديم اختلفنا يوما على فكرة ما .. فمضى مغاضبا..  وقد يعود بعد قليل ليحتضننا ونبكي معا لساعات قبل أن نشرق بضحكاتنا أو نغص بها في غيابنا المتمنى.
نكتب عن الأشياء من خارجها/ داخلنا، وقد لانعي جيدا حقيقتها لأننا لا نعترك مع الحياة أصلا، نحن نهرب منها، نخاف من تجليها لنا، نعيش عزلتنا الداكنه، وهروبنا المضني، وصمتنا الناطق على الورق أو اعتراض مستمر وطويل مع كل شئ،  لا نمد جسورنا مع الحياة، ولا حواراتنا مع البشر، لا نستطيع ولا نحب، فالحياة معتركات موجعة ودروب متعرجة ومتاهات لا تفضي إلا للضياع والخراب، والبشر سكاكين مشحوذة ونحن شرايين عارية، وأرواح مجترحة بالضمني والبعيد أبدا، ولذا فقط نقيم علاقاتنا مع الطبيعة الخرساء، نتأملها ، نحاكيها ونحكي لها، نحب من يسمعنا بلا كلام مقابل، بلا اعتراض ولا مساءلة، ولا جدل، نحب أن نرى تجليات الجمال في الكون، في الماء والجبال والتيه والغابات، وانعكاس ذلك في أرواحنا.
ومع التاريخ في ثرثرته من جهة واحدة لا تخلو من الكذب والمبالغة والتزييف، ومع الموسيقى والأصوات الصادحة باليتم، واللون في صرخته المكتومة، ومع الشاشات المضيئة بلا بشاشة أو فرح.
نحن جبناء لا نستطيع الحياة، لا نقوى تجربة الألم، ولا مقارعة الظلم، ولا مواجهة الجوع .. نحن فقط نكتب عن ذلك ، نكتب الحياة من خارجها دون أن نعيشها أحيانا كثيرة.
نكتب بتجريد الأشياء من عمقها وقوتها لضعفنا وهشاشتنا، نكتب عن قامات الحرية، وزئير الجوع، وأنين الموتى، نكتب اللاشئ متقصما كل الأشياء.
أوجاعنا تكبر متحدة بأوجاع العالم الذي نحمله داخلنا.
الموت يباسنا القاتل، والحياة ظلنا المقيت
والعبث سرنا الجارح
نكتب لقارئ لا يقرأ
وحياة بلا حياة



 



فاطمة الشيدي
…………………

الرجل الذي أشعر بالأمان عندما أنظر في عينيه فقط
الذي أكلمه في غيابه لأخبره عنه
وفي حضوره لأخبره عني
الرجل الذي أحفظ تفاصيله عن ظهر قلب
خطوط وجهه .. شعيرات يديه
رائحة جسده .. لمسات أصابعه
بحة صوته.. ووجيب قلبه
الرجل الذي يحب الزهور الصفراء والزرقاء
ويجلب للبيت الزهور البيضاء التي أحب
الرجل المشرق كشمس نيسان
ويرتدي الألوان الغامقة ليجعل قلبه الطفل يبدو أكثر اتزانا
الرجل الذي يكبر في قلبي كل يوم
ويرفعني في ذرى العشق كل لحظة
يجعل الكرة الأرضية تهتز  قليلا
وتتوارى الشمس خجلا
كلما ابتسم في الصباح
وهو ينحني على وجهي ليقبله
قبل أن يمضي في لهفة الحياة
وأمضي في دوخة الحب

الأحد، 18 يناير، 2015

المثقف، والسلطة، والمجتمع

فاطمة الشيدي
القدس العربي - الأحد 18/يناير 2015
 
تعتبر الثقافة في عالمنا العربي حالة خارجية، أو شأنا شخصيا، يخص الإنسان وحدة، وكثيرا ما تعتبر مهنة من لا مهنة له، وقد يعتبرها الكثير من أفراد المجتمع رؤية خارجية، وبعيدة كل البعد عن حاجة الإنسان، وأولوياته الطبيعية الأكثر الحاحا واحتياجا كالأمان والرخاء المادي بما يحققه مستزلمات الحياة والمتعة والترفيه، بل وقد تصبح الثقافة مشكلة أحيانا كثيرة ينتقدها الإنسان ويعتبرها مصدر زعزعة للهدوء والسلام المجتمعي، الذي يفضله ويركن إليه، وخاصة مع المثقف الموضوعي أو المهتم بالشأن العام، والذاهب في النقد، والمسهم في حفر مستويات الوعي، وصناعة الرؤى المستقبلية للمجتمع والإنسان.
 
ولذا فالثقافة في مجتمعاتنا العربية لا تعدو كونها حالة مكملة للمشهد العام، أو مجمّلة للصورة الكبرى للدولة والمؤسسات، أو -في أحسن مستوياتها- حالة إعلامية وترفيهية للبعض، غير مؤثرة وفاعلة في مصير الإنسان، وبعيدة عنه، وهو المشغول غالبا بقوته اليومي، وبالسطحي من الحياة والاهتمامات ومستوى التفكير، ولذا فهي محصورة في مجموعة محددة تمارس الفعل ذاته، وتوليه اهتمامها.
 
ولعل ذلك البعد والإقصاء المجتمعي للثقافة، يعود في العميق والبعيد من التحليل لخوف كل من السلطتين السياسية والدينية من فعل الثقافة، القائم أصلا على التنوير وإشعال الوعي، وبث روح المساءلة والنقد في كل المسلمات، ولجوءهما إلى تهميش دور المثقف، وتحجيم مسؤوليته في التغيير المجتمعي، وربما تشويه صورته وبث روح الذعر منه في المجتمع، بتوصيفه بكل المسميات الشيطانية التي تجعل منه مصدرا للرعب والخوف والكره؛ كالكفر، والعلمانية وغيرها من مسميات جاهزة، وغير مدركة أو مفككة في الوعي الجمعي العام.
 
ومع كل هذا البعد والإقصاء للثقافة والمثقف، لم تركن السلطة (السياسية والدينية) للأمان من المثقف الذي ظل يحاول التغيير، ويحاور الجمع بإصرار وصبر وثقة؛ لفتح كوة نور في جدار الظلام، وبث القليل من المساءلة في المسلمات والسائد بما يملك من أدوات شحيحة كالكلمة واللحن والريشة وغيرها، ولم تغض الطرف عنه، وتتركه في شأنه يمارس دوره التنويري والثقافي بهدوء وصبر أحيانا، وبإحباط ويأس أحيانا أخرى، وبثورة ورفض في بعض الأحيان،  بل وضعته تحت عينها، تراقبه وترصد تحركاته سرا وعلانية، والمثقف يدرك ذلك جيدا، والمجتمع أيضا، ورغم هذه الحالة المضطربة بين السلطة والمثقف على مر العصور، إلا أن ذلك لم يغير الكثير في صورته "المقلقلة" لدى المجتمع، لتجعله أكثر قربا منها، وتواصلا معها،  لكونه يتحرك كمسيح يحمل عنه آلام الصلب، وفعل المحبة، والإيمان بالتغيير.
 
ولعل اتساع مفهوم الثقافة في عالمنا العربي، وعدم وجود مسميات جانبية واضحة، أو جزئية عميقة، أو تكتلات جازمة الفصل، لفعل الثقافة، أو في الأقل عدم وعي الجميع بذلك،  بالإضافة إلى تعدد صورة المثقف، وتباينها، من مثقف السلطة السياسية، المتسلق، الطامح في الهدايا والهبات والجاهز للتلميع والتجميل، والنفخ والمسح، ومثقف السلطة الدينية الذي يقدّم الثقافة على أنها قيمة محصورة في الدين والنص المقدس فقط،  ورفض كل ما هو خارجها، وكل حوار ومساءلة من الأطراف الأخرى، لأنه يؤمن أن الثقافة التي يقدمها هي ثقافة إلهية، وكل ما هو خارجها أقل شأنها منها، وكل مساءلة لها ممنوعة، وكل حوار حولها كفر، أو عجز  مسبق عن مطاولة الكثير والكبير الذي يقدمه النص.
 
وهناك المثقف المأزوم، المحبط واليائس من التغيير، والذي ينظر بدونية واستخفاف وتجهيل للمجتمع، وبرفعة وغرور كاذبين لذاته ولغته، ويركن لبرج عاجي يكتب منه في معزل تام عن المجتمع والحياة، وقضايا الإنسان المتجددة، وبعيدا جدا عن دوره المفترض في التغيير والثقيف والبناء.
 
وهناك المثقف المهزوم، الذي لا يجيد تفكيك وتحليل الأمور، أو وضعها في نصابها لعقد نفسية أو اجتماعية طفولية أو ماضوية، ولحالة الغياب التي يعيشها غالبا، فلا يكتب إلا ذاهبا في الغياب العقلي والذهني، رازحا تحت وطأة ما يسعفه على ذلك التغييب المقصود عن العالم والإنسان، ليصبح مسيحا جديدا، يعاني من خذلان البشر، وقسوة الحياة، واضعا نفسه في موضع المعاناة القصوى، وحيدا ضئيلا أمام سهام الجميع من مجتمع وسلطة ودين، وبذلك يعيش سلطة الوهم، ومشنقة الكتابة، ومأساة الإنسان، وعدمية الوجود.
 
فهذه الصور وغيرها بما تحمله من حضور بوهيمي أو متمرد أو متعال للمثقف، شكّلت صورة مرتبكة له في عقلية إنسان الشارع، صورة يرفضها المجتمع والإنسان الذي تعتركه الحياة بكل معاناتها وظروفها اليومية ساعة بساعة، بلا رهبنة ولا تعالٍ ولا رضوخ. ووسعت الفجوة بين الثقافة والمجتمع، ومدت السلطة، بما يساعدها على خلق تلك الصورة المشوهة له بين الناس، وتوسيع الهوة بينه وبين مجتمعه.
 
وإن كانت الصور السابقة هي نتاج ضمني للقمع الذي عانى منه الإنسان بكل أطيافه وأحواله من السلطة (بكل أشكالها التاريخية) ردحا من الزمن، إلا أن على المثقف الحقيقي والذي يحمل فكرة التنوير والتغيير محاولة فهم ذاته أولا، وتحديد أهدافه وغاياته من فعل الثقافة الذي يمارسه ثانيا. ومن ثم العمل بإصرار وهدوء، وبإيمان بفعل التغيير والتنوير الذي سيؤتي ثماره يوما، مهما امتد الزمن، ليقنع المجتمع "بوسائله القليلة، مقابل إغراءات السلطة الكبيرة، وإملاءاتها الضاغطة" بما يريد أن يقدم له من توسيع مدركات، وصناعة وعي؛ ليستشعر الجمال المحيط به في الداخل والخارج، ويتحسس القيم الإنسانية الرفيعة كالحق والمساواة ويعيشها، ليكون لائقا بإنسانيته وعبوره القصير لهذه الأرض، دون أن يضع نفسه (أي المثقف) في مواجهة كلية مع السلطة بكل مستوياتها، أو في مقارنة بها، بل في حلم بعيد، إقناع هذه السلطة بأن دوره في التغيير والتنوير، ومحاربة الفساد، وخلق وعي جمعي يمكّن الناس من الحياة بحرية وعدالة، وأمان ورخاء، دورٌ موازٍ لدورها، يقوّم ولا يهدم، ويعترض فلا ينفي.

وداعا فتنة السينما العربية





فاطمة الشيدي
……………… ..

لا أستطيع إلا أن أحزن لوفاة السيدة فاتن حمامة،الجميلة التي علمتنا الحب والفن والجمال معا، أيقونة الأنوثة والرقة والعذوبة التي غرستها في أرواحنا بلا تكلف، لتغدو هي ذاتها معيارا عاليا وبعيدا لهذه المقاييس الجمالية الأنثوية الرفيعة، حركاتها اللينة، وصوتها الناعم، وضحكتها المغرقة في الفرح العذب كوليد نيئ الروح والجسد.
كانت المرايا تشهد لها، بصورنا الطفلية تحاول استنساخ تسريحاتها وفساتينها وكل ما يتعلق بأناقتها العالية والبسيطة معا، وكان  انسحابها من الموقف بغضب بتلك الركضة الشهيرة التي أصبحت لاحقا تقليدا سينمائيا عربيا معروفا، كتكنيك فني لغنج الزعل أو زعل الغنج لجميلات الشاشة، وهن يهربن من الأب أو الحبيب بكلمة (لأ لأ.. أو حرام عليك) ركضا على السلم حتى ينطرحن على الفراش..  ويكملن الدموع الهشة، والموقف المصطنع بنعومة يطيب للجميع تصديقها.  وللمراهقات تقليدها. وتلك الضحكة الطفلية الموغلة في الشقاوة، أهم ماخلفته من صورة في أذهان متلقي عربي كان لا يملك خيارات كثيرة، أمام شاشة تبهره بالجمال الذي لا يراه قريبا.
وكان الحب درسا أوليا نتعلمه على يديها ودموعها وقبلاتها وشقاوتها، بالإضافة للكثير من الحكمة والاتزان والقوة العميقة للمرأة والتي لا تتطلب عضلات وشنبات، كما تفعل البعض، بل قوة الحنان والجمال والذكاء التي قدمتها في أجمل صورها وأعظم أدوارها بفتنة أخاذة.
يا معلمة الحب والجمال، لروحك السلام والرحمة، ولفنك الخلود.

الجمعة، 16 يناير، 2015

نصف الحرية .. نصف الحقيقة

فاطمة الشيدي
………....
 
لا يستطيع أحد ممن يمتلك حسا إنسانيا سليما إلا أن يتعاطف مع ضحايا الصحيفة الفرنسية شارلي ايبدو، بل ويقلق من تصاعدات الحالة الظلامية باسم الإسلام والقائمة على المصادرة للحرية والفكر بسلاح الموت تماما، ولكن في المقابل لا يستطيع كل من يملك حسا ثقافيا إسلاميا عميقا تقبل الأمر على أنه حرية محضة، أو رأي خالص، واستبعاد فكرة قصدية إهانة رمز مقدس لثقافة عريضة من العالم بهدف احتقارهم واستفزازهم في ذات الوقت،  بالإساءة لأعلى رموزهم المقدسة بعد الله،  والذي يمثل (أي النبي محمد)  المسلم العلماني، والمفكر الحر، والمثقف والعالم  والفيلسوف على مر العصور، أكثر مما يمثل جماعات متطرفة،  وأفكار رجعية تنسب للإسلام ظلما وعدوانية وجهلا،  وكان الأولى بهذه الصحيفة احترامها للثقافة الإسلامية على قدم المساواة مع كل ثقافات العالم، من منطلق احترام الإنسان ومعتقداته وحرياته، وعدم المساس بها، سيما في مجتمعات تعيش بتقاليد إنسانية وثقافية قائمة -ولو في الإعلام- على التعددية واحترام ثقافة الآخر والبعد عن التمييز والإقصاء.
ولا عجب أن حظيت هذه الحادثة باهتمام عالمي عام، وعربي إسلامي خاص، فشغلت الدنيا، وتصدرت الإعلام مسموعا ومرئيا ومقروءا، وتباينت ردات الفعل حولها،  فالمسلم في مشارق الأرض ومغاربها لا يستطيع إلا أن يشعر بتلك الوخزة الحادة في روحه ووعيه وثقافته وضميره، وذلك الشعور بالإهانة والضيم، وأنه مستقصد في مقدساته وثقافته ورموزه الروحية، من أنظمة تقدم نفسها على أنها تعيش في حرية ووعي، ولا يستطيع أن يعتقد إلا أن هذه الإهانة للضمير الجمعي العربي والمسلم قادمة من منطقة استصغار الآخر، وليس من منطقة الحريات العامة كما تريد أن تقنع الصحيفة العالم،  فليس بمقدور هذه الصحيفة أو غيرها مجرد التلميح لرمز ثقافة أخرى كاليهودية مثلا، المحمية بقانون غربي "معاداة السامية" والذي يوقع بالفرد أو بالمؤسسة أشد أنواع العقوبات والغرامات، بمجرد التلميح بذلك وليس الإهانة المباشرة، وهذا تماما ماتجنبته الجريدة بطرد أحد أبرز الصحفيين فيها بسبب كتابة مقال عن ابن ساركوزي التي قرر اعتناق اليهودية قبل الزواج من خطيبته اليهودية، والذي انتصر له القضاء لاحقا. 
وبالتالي ففكرة الحرية المطلقة التي تدعيها الجريدة ولم تتورع ضمنها من استفزاز الثقافة الإسلامية في الشرق والغرب بلا ترو وتعقل وتقدير للآخر المختلف، لم تكن موجودة وهي تطرد صحفيا مهما من عمله خوفا من ردة فعل الثقافة اليهودية المتنفذة في الغرب، بل كانت في غياب تام، وحضور للقمع والقهر، وكأن للحرية وجوه عدة، وهناك أنصاف حقائق وأنصاف حريات  تتعامل بها الثقافة الغربية الإمبريالية/ الرأسمالية مع الإنسان والثقافات والحضارات حسب قوتها وحضورها، وحسب فكرة الخوف  وحسابات الربح والخسارة.
فهل تستحق  الصحيفة هذا الجزاء والتنكيل المتطرف، لتطرفها المقابل في التعامل مع ثقافة الآخر؟
بالطبع لا يمكن للإنسان العادل والعاقل قول ذلك، بل كانت هناك ألف وسيلة يمكن للعرب والمسلمين استخدامها في الرد على هذه الإساءة مثل المظاهرات والكتابات وانتقاد المجلة والتنديد بفعلها، وغيرها من وسائل حضارية وثقافية، فالثقافة فعل وردة فعل مواز لها،  مهما تعددت مستويات جمالياتها أو قبحها، ولا تصل لمستويات القتل والتصفية الجسدية، بل تظل محكومة بأخلاقيات الثقافة العريقة القائمة على الوعي والقيم. 
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، ألم تكن هذده المجلة تدرك النتيجة القصوى من هذا الفعل القبيح، وقد سبق وكانت هناك نتائج مماثلة، وليست بعيدة عنها في التاريخ أو الجغرافيا؟! أم أن استفزاز الذاكرة الجمعية للمسلمين هو هدف غربي  مستمر ومتحرك بكل الاتجاهات في انتظار ردة الفعل الباهظة - من مجموعة متطرفة، تنظر للأمور بزاوية واحدة ولا تمثل إلا نفسها - لبثها ونشرها والتصفيق لها، لتمكنها لاحقا من تعميم أحكامهم الجائرة والأحادية على المسلمين.
إن التطرف يحرك التطرف المقابل، هذه حقيقة تاريخية على العالم والغرب تحديدا اليوم استيعابها جيدا، فالتطرف باسم الحرية ينتج التطرف باسم الدين، وكلاهما لا ينتجان غير المزيد من العنف والدم والخراب في عالم يعيش في قلق وقلاقل واسعة وممتدة أصلا، وسبق تجربة هذه التحرشات الغربية برموز الثقافة الإسلامية واختبار نتائجها الحادة على العالم شرقه وغربه إنسانه واقتصاده، منذ زمن وفي أكثر من بلد، وعلى أكثر من مستوى دينيا وثقافيا وسياسيا. 
ثم ماذا عن معاودة نشر صور مسيئة للنبي  محمد مرة أخرى بعد تلك الحادثة؟  هي حالة انتقام وثأر، ورفع الصوت باسم الحرية المتجاوزة للآخر، للبرهنة على ثبات الموقف وقوته؟  أم هي مجرد مماحكة طفلية من صحيفة كبرى يفترض أن مثقفيها -وبعضهم ضمن الثقافة الإسلامية - يدركون جيدا الحرارة  العاطفية لهذه الثقافة فيما يتعلق بالمقدس، ويعرفون عمق تأثير رمز ديني كالرسول محمد في ثقافة الشارع والإنسان، ليقدموا على تكرار الموقف القبيح بلا تقدير أو حكمة يفرضها الوعي، وتعمقها الثقافة كقيمة إنسانية كبرى تربط البشر، وتوسع نظرة الإنسان للكون والحياة، والمفاهيم الكبرى كالحرية والعدالة والتعددية والاختلاف. 
ثم ماذا عن المسيرة التضامنية العالمية مع ضحايا شارلي ايبدو التي نظمتها فرنسا، لتكون أشبه بمسرحية  كونية تاريخية عظيمة، اشترك فيها الجميع بما فيهم القتلة والمجرمون، ورؤوس القمع والقهر العربي اللذين ترزح شعوبهم تحت منظومات قهرية بكل المسميات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية؟!
فلماذا ؟..ومع من كانوا يتضامنون؟ مع ضحايا الصحيفة التي صنعوا قاتلي طاقمها بمأسسة الدين، وتربية الجهل وصناعة الإرهاب كبديل للحرية والوعي؟! أم مع شهداء الاحتلال في فلسطين المحتلة الذين كان القاتل يستعرض أنيابه وأظفاره بينهم على شاشات العالم، وأمام ماكينات الإعلام الحقيرة والكاذبة، والخادمة للرأسمالية الكونية التي فرغت الإنسان من إنسانيته وحولته لكائن حقير لا يشعر بما حوله إلا ضمن مصالحه الشخصية؟! أم مع الأسرى في سجون المحتل، والناشطين في السجون العربية من الماء للماء، اللذين يتم التنكيل بهم بلا رحمة، ولا احترام لمفاهيم العدالة والحرية التي كانوا يرفعونها أمام العالم في مسرحية هزلية، والذين خير من يمثلهم اليوم "رائف بدوي" الناشط السعودي الذي يدفع ثمن إيمانه بالحرية خمسين جلدة على جسده الهزيل كل أسبوع، لتصل لألف جلده في عقوبة جائرة لجريمة ملفقة من كل حدب وصوب، باسم الدين والسياسة معا. وغيره الكثيرين في فعل قمعي مستمر، يدل على أن العالم يكيل الحرية والحقيقة بمكاييل مختلفة.




الأربعاء، 14 يناير، 2015


فاطمة الشيدي
…………………

سأكتب عن الجمال هذه المرة
سأستحضره من الخرائب والشوارع والأرصفة
من المخيمات والأكواخ والهوامش المعتمة
سأستله من القريب من الألم
والبعيد عن الحياة
وأضعه (كدينار)  على مفرق القصيدة
وكوسام شرف على صدرها
لتتباهى به في زمن الهزائم والخسارات والأوبئة

عن أم في مخيمات اللاجئين تجوع لتطعم صغارها
وترتجف وهي تخبئ جسدها بينهم ليمتصوا الدفء ببطء
وطفلة نفخت في روحها صورة الأم باكرا
ليكبر أخوتها الأيتام على جذعها الصغير
ويشربوا عطر طفولتها وهي تذبل كل يوم

عن موظف آمن أنه نبي
وذهب في رسالته بلا توان
 مستلذاحمى التعب
ومشقة التبليغ

عن استاذ نبيل يدس الحب في القلوب
ويسرب الجمال عبر صوته المشفع في العلم
ويبتسم للخيبات وهو يضع لبنته القليلة العاجزة
ويسمي بالحلم وهو يغرس الأمل

عن جار طيب يزين الشارع
بالزهور والنخيل
ويكف يده وعينه
إلا عن تحية السلام التي تبلغ السماء بالأمان والدعاء

عن جارة تشغل  المساء بالعطر
 وترقيه برائحة اللبان وفيوض المحبة والحنان

عن أطفال يملؤون الكون طائرات ورقية
تغازل الغيم فينزل المطر

عن زوج يدفئ الأحلام في صدره
ثم يطلقها كعصافير في بيته فيزقزق الحب في زوايا العالم
وهن ينقرن شرفات الكون بالصدق والعشق
فيرتبك الخونة وأنصاف الرجال

عن زوجة تصنع كعك الحب طازجا وساخنا وتوزعه على الكون
وتحتسي شايا بالزنجبيل والعشق
وهي ترسم الفرح على الجدران ..وعلى وجوه صغارها
وقلبا مكتملا على صدر حبيبها الوحيد
لتثير غيرة الصفارد والنوارس
والبجعات في حيها القريب

عن باحث يبحث عن الكلمة  في بطون الكتب المنتفخة بالمعرفة
فيشحذها كالسيف برهافة الحدس
ورشاقة التأويل
ويقطع بها أوردة المستحيل
فيصبح العالم اكثر نضرة

هم وغيرهم يعيشون بيننا
يدوزنون الجمال على أوتار الحياة المرعبة
ويشربون المعنى العصي من مجاهل اللغة بمهل
ويشكلون منمنات المشهد الحقيقي للتشكل الحي
ويتصاعدون بخفة في خلفية الصمت
وكواليس الحضور الظلي الرفيع
ولذا يجب أن يذهبوا في حذاقة الكتابة
كما يليق بهم
ويسكنوا -باحتفاء- ملح القصيدة



الثلاثاء، 13 يناير، 2015


شرفات - جريدة عمان
13 يناير 2015

فاطمة الشيدي

1.

في حياة مثقلة بشروط الوهم
تسير في داخلك غالبا
تحمل إرثا من الخيبات الكونية والرؤية الناصعة
الموازية للأشياء المنتحلة البريق
تمضي نهب عوالم خفية بكائنات غريبة

 تتمايل روحك خفة على مدارج الرؤيا
أنت المثقل بأوزار الشك والمجهول
وفحيح الأسئلة في رأسك الثقيل
تتبصر حفيف القوم وهم يدوزنون نشازهم
خارج أرواحهم بلا تماس مع الحقيقة
محملين باللهفة الوارفة للأخذ والتصير
متلحفين صدارات الكذب المزركشة
متصنعين أدوار البطولات
كسيحة أحلامهم
يعبرون كل ذلك الزيف بيقين العارف
وماضر لو تريثوا قليلا؟!
لعلهم يدركون
أن المعجزات تحدث في الداخل
وأن للخفة ميراث الفرح
وأن الجمال صنعة الرب
والصدق رسالة الأنبياء

2.

أفكر -أنا عاشقة القهوة المنتمية بعمق ونوستالجيا مرضية أحيانا، للتاريخ والتراث والذاكرة القديمة، العريقة في الأماكن والحياة- لماذا لا توجد القهوة العمانية على قائمة المشروبات في المطاعم والمقاهي في بلادنا، ضمن أنواع القهوة الممثلة لكل أصقاع المعمورة شرقا وغربا، مع أنها موجودة بعشق وشغف لا يماثله شغف آخر، في كل بيت من بيوتنا في السهل والجبل والبحر والصحراء، ولم تعد حكرا على الكبار بل أصبح الشباب ينافسونهم بقوة في عشقها، والتلذذ بطعمها الخرافي الأصيل الأخاذ، القهوة العمانية التي تختلف قليلا أو كثيرا عن معظم أنواع القهوة حتى القهوة العربية، باختلاف البن وطريقة التحضير، وإن كانت تتشابه في طريقة التقديم في الدلة والفناجين مع القهوة العربية.

لماذا تتغافل المقاهي القهوة العمانية التي يمكن أن تُقدم مع التمر والرطب، أو مع الحلوى العمانية، التي بدورها تغيب عن قائمة الحلويات في المطاعم التي تتلذذ بتقديم كل غريب وبعيد منها، وتبتعد عن التواصل مع روح الإنسان، وقيمته وأهم ما يمثله في المكان. الحلوى العمانية التي يلتذ بها كل قادم للبلد، ويسأل عنها كل من يصادفك في مكان آخر، فتستحق أن تتصدر قائمة الحلويات في مطاعمنا.

كما تستحق القهوة العمانية صدر " المينيوهات " في مقاهينا قبل كل أنواع القهوة الأمريكية والفرنسية والإيطالية والتركية، ليس لطعمها الخرافي وقربها من المكان فقط، بل لكثرة عشاقها، ولأنها انعكاس ثقافي للمكان الذي ليس جاهزا ولا طارئا على التاريخ والحضارة ليكون بلا هوية، ولا ملامح ثقافية توضح قيمته يقصدها السياح، ويتلذذ بها الضيوف وأهل البيت.

3.

وقت السينما هو وقت قصير مستقطع من الزمن لصالح الصمت والتحليق، وربما تخليص الروح من بعض العتمة أمام الشاشة الكبيرة، ومن الكثير من المشاعر بتسريبها في الأحداث، والسينما الهندية هي روح الرومانسية الواهمة التي نصدقها برغبتنا، وربما نتشبث بها كأجنحة للأوهام الجميلة، ونزق المعجزات التي لا تحدث .

"الحب مهم للجميع" هكذا يقول بطل الفيلم الهندي في البداية، ولكنه يهرب من الزواج في آخر لحظة، ثم تهرب منه حبيبته في مرة لاحقة، إنه الرعب من الحب المشروط الذي هو ضد الحرية الإنسانية، الفيلم خفيف وغير مبهر، ولم يقل الكثير خارج هذه الفكرة التي أظنها لا تناسب الشرق بمجتمعاته الذكورية القائمة أصلا على استغلال المرأة التي تعيش فيها بلا تقدير عميق، أو حقوق واضحة أصلا. ومع هذا كان جميلا وعميقا في طرح مخاوف الإنسان من الأطر .

4.

أصدر المساء المطعون بالسهاد عارف الزياني، بصوته الممزوج بالدفء والعذوبة والزرقة، صوته الخاص والجارح والذي يشبه البعيد في اكتناه الغياب، واستحضار الأرق، واستيقاظ الغربة الغافية بدلال شوكة في العميق من الروح، ولهفة الحلم الجميل والهش والطري من ذاكرة مالحة وحميمة؛ ليقول عني القليل مما أخرسه الوقت، ويحمل عني الكثير من كلكل الليل الذي يربض على قلبي كالزمن.


5.

لا أعرف كيف يبدع أولئك المنظمون حتى الملل

الواعون حتى اليقظة

الأقوياء حتى الدهشة

الحادون الجادون الصارمون الواضحون

والكتابة الشقية تحتاج عكس كل هذا

6.

في كل جمع كبير، تذهب للداخل بعيدا، فتصطدم بالمرايا الداخلية على حين غرة، لتبصر شخصا يتصدر روحك، يبتسم لك بحنان لا يخلو من القليل من الخبث، إنه يعرفك جيدا، إنه يشبهك تماما في الملامح والتفاصيل، لولا حذافير الوهن، وإشراقات الهشاشة وحكة الوعي، ورأسك الذي أصبح كبيرا بحيث ثقل كثيرا، وصار يتدلى من رقبتك كثمرة ناضجة وعلى وشك التعفن، وملامح الموتى الباهتة التي تعلو محياه وكأنه كائن من عالم آخر، جاء للتو ليتحد معك، لينتشلك منك، ليسمعك أو ليحكي لك لفترة وجيزة، ربما تسأله من أنت؟ هو سيصمت شامتا ومستغربا، أنك لا تعرفه مع ابتسامة صفراء، تحك ذاكرتك لتتذكره، كل السياقات تذكرك به، رائحة الحليب، الطفولة الخاصة، والكذب العفوي، والحزن غير المبرر، والإسراف في كل شيء، الحنين المضاعف، والمراهقة المتأخرة، ومشتركات الأقران، والأثواب المنسدلة، والحب الأول، والموت الأول، والماء الكثير الذي ينز من الروح، والملح الغافي على الأهداب، والكثير الكثير، لولا فروض الاغتراب، إنه يشبهك ويشبه الجمع معا، وأنت الآن في منتصف المسافة بينهما .. بينكما.

منذ متى أنت هنا؟  أو منذ متى لم تعد هنا؟ لماذا كبرت كل هذا العمر الروحي، وكل من حولك أطفالا يسيل حليب الدهشة من أشداقهم؟ ولماذا لازلت يافعا، وكل حواك هرموا ؟

لماذا استطالت بعض أعضائك وضمرت أخرى، في حين احتفظ البشر بهم كما هم يكبرون بشكل مطرد، ويكذبون بلا خوف، ولا رعشات كالتي تصيبك بلا كذب. يأكلون بشهية، ويضحكون بشهية، ويبكون بحذر، وينسون بلا نية مسبقة.

بين الجمع الهائل من البشر تتحسس حواسك المتحفزة للقراءة والتسجيل، وتستشعر جاهزية قرون الاستشعار لإرباكك بفعل الغربة العظيم، ورائحة الاختلاف المقيت، فستحضرك للداخل خفيفا بعيدا غريبا، إلا من حس إنساني، ومشاركة وجدانية، وغير كثير من مشتركات الفعل الإنساني الحقيقي والنبيل، خارج تراتبية الجمع، وتماثلهم الحتمي، ومشروعاتهم المتشابهة، ووعيهم المغلق، وذهابهم الحثيث في التفاصيل والوهم،ستدور في ذهنك أحاديث كثيرة عنه وعنك، قبل أن تؤكد له أنك لا تعرفه وتتبرأ منه، وكلاكما يذهب بخسارته الحادة.

7.

"الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها. إذا افلح المرء في ذلك لا يعود يفاجئه شيء، يسمو فوق كل ما يحدث، يصبح الضحية التي لا تقهر"

سيوران

 

 

السبت، 10 يناير، 2015


فاطمة الشيدي
…………………

أكتب أقل لأبصر أكثر
كعجوز تهمهم بالكلام
لتدرأ عنه البرد
تدثره داخلها
تمضغه بتأن بين فكيها الأدردين
ثم تلقي بالمعنى البسيط في خفة الغياب لمحدثها
وتمضي في الضحك وهي تضع يديها (المتكرمشتين) على وجهها

كأم تشوي الأحلام في الفرن
كي تقدمها مقرمشة لصغارها
وخالية من الكرستول

كجد يحرث أشجار الحديقة كل صباح
كي يتشرب روح الأرض
ورائحة الليمون
وحين تقف الطيور على رأسه
وهي تحسبه خيال مآته
يغني معها أغنيات الحصاد والهجرة

فالكتابة أفيون يحول بيننا وبين حقيقة الأشياء
من سيوف العالم اللامعة
وخيباته الرفيعة
وجنونه الغزير
وقبحه الوفير

أكتب أقل
لأشعر أكثر
وأحب أكثر
وأتألم أكثر




الثلاثاء، 6 يناير، 2015

شرفات - جريدة عمان 6 يناير 2015
فاطمة الشيدي
1.
أكتب كراقصة باليه عرجاء
تتخبط في الحركة، ولكنها لا تتنازل عن حلمها
كسلحفاة بحرية تعيش في حوض سمك
ينظر لها الصغار بغبطة
كعازفة بيانوعمياء
تتحسس المفايح بروحها المبصرة
كشحاذ على طريق مجهول
يدرك أنه لن يتحصل على المال
ولكنه يلتذ بالانتظار
كعامل نظافة عجوز يرى في الشارع بيته
وفي كل عابر ابن سيحتضنه يوما
أكتب الحياة بزاوية النقص
وبدمعة تترقرق في العيون
لأن الكمال وهم
والسعادة فكرة
2.
2014 كنت كثيرة وجميلة لتكوني ولادة جديدة حقا للقلب والعقل، فشكرا لك، وشكرا لكل يد بيضاء، وقلب نابض بصدق أضاء أية لحظة من لحظاتك بفرح أو أمل. وأهلا بك 2015 ولتكوني لائقة بانتظار المترقبين، وأحلام الحالمين، وأوجاع الغرباء.
3.
ليلة رأس السنة
نقف في البرزخ الزمني بين عامين
نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة
كأم على فراش الموت توصي صغيرتها
وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء
تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها
بخشونة وألم
عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا
وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة
فأشعلت لحظاتها بالفرح
وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر
عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم
والكثير من الحب الذي أضاء قلوبا خدرها الوجع
عن صرخات أقلقتها
ونظرات أربكتها
ودموع أرهفت لها السمع
عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير
وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب
بصعوبة وحشرجة تقص 2014 حكايتها الطويلة
لطفلتها القادمة 2015
ربما على سبيل العبرة والعظة
وما هي إلا لحظات وتنفلت يد من يد
لنتمرأى صورنا في مرآة منكسرة بينهما
نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام
ونصلي ليكون القادم أجمل
قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد
ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث
4.
كان الحفل الموسيقى «شدو المقام» الذي قدمته جمعية هواة العود في قاعة عمان بفندق قصر البستان 23 -12، ارتقاء للروح وصعودا بها في مدارج اللهفة والشجن، واغتسالا من أدران المادة وماران على الحواس من صدأ اللهاث في معترك الحياة، وحفرا لينا لأخاديد اللذة، وبؤر النشوة الدافئة، وأجنحة نبتت من الحميم العميق لتحلق بنا في الرفيع الشفيف من المطلق، حيث كانت تجليات الموسيقى شدوا يخترق الروح، ومقامات تحرك الوجدان، وكانت المقطوعات الكلاسيكية والعربية التي عزفت بمهارة واحتراف، تدغدغ الدواخل فتتمايل معها الأجساد، وتذهب في شغف الهيام بكل لون موسيقي، وتتعالق مع صوت كل آلة، وأصابع كل عازف. حتى لكأنها نهر عذب يسقي يباس الأرواح، ويسري عن آحزانها، فتنبسط القلوب كلما قبض عازف على وتره، أو أرخى ريشته أو تمايل مع آلته، وتتحد الأرواح بلغة يفهمها الجميع، ولذة يتشاركها الكل كلغة الابتسامة أو الدموع التي لا تحتاج مترجما ولا تفترض دليلا أو مرشدا.
وكان العود سيد الآلات، وروح الموسيقى العربية يتهادى بخيلاء الأجمل والأقرب، ليفرض حضوره المهيمن بوضوح ودلال، ليأخذ الجميع في مداه الواسع رضوخا واستعذابا وانبهارا، فتتصاعد أرواح الحضور مع صدى لهفته، وانبعاثات رقته، وتتثنى مع انبثاقات اللحن من ثنيات أوتاره، وحفيف ريشته، لتستعيد الذاكرة تاريخه، وحضوره، ونجواه في قلوب عشاقه على مر الأزمنة والأمكنة.
فبوركت الموسيقى لغة القلوب، وهمس الأرواح، وبورك صناع الجمال أينما وجدوا، الذين يغيرون وجه العالم للأجمل دائما، ويرفعون إنسانه للأرقى والأبهى.
5.
مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بحفلة تنكرية، الجميع يرتدي ملابس مختلفة، ليس بالضرورة أن تكون أجمل، يكفي أن تكون مقلوبة أحيانا، أو باهتة من شدة الغسيل، أو لامعة بشكل مبالغ فيه كذاهب لعرس شعبي، أو داكنة كاستعداد لحفل تأبين.
اللقاء في هذه الحفلات يكون هادئا أحيانا كابتسامة صفراء بين عابرين، أو تلويحة خاطفة بين صديقين على عجل من أمرهما، وأحيانا قليلة يكون ذلك اللقاء حميما وصادقا بين من نعرف أو من نبحث عنه،ولكنه غالبا يكون صاخبا بخلفية موسيقية عالية تعيق الفهم كحوار فلسفي في مرقص، أو حديث بين مجموعة من الصم، كل يقول ما يخطر على باله، ولا أحد يدرك مسعى الآخر، أو يحاول فهمه لينطلق منه في الرد عليه.
في تلك الحفلات الجميع يغير زواياه بين الفينة والأخرى، ليحظى بأكبر قدر من الانتباه أو المتعة، وربما يرفع صوته ليجذب السامعين، أو يرفع نخب أحدهم ليشاركه الحضور.
وصدفة وربما بعد زمن، تنتبه لوجود عازف أو عارف في زاوية ثابتة، مخلص للفكرة، يؤدي صلاته/مقطوعته باتقان وصبر، كنبي يدعو لرسالته بوعي وإيمان، معتزلا الجمع، قابضا على مضمون رسالته. هناك فقط، عليك أن تخرج للشرفة، وتوليه روحك لتستمع بشيء حقيقي.
وقد يحدث هذا كثيرا وجميلا، ففي الحياة وهذه المواقع يتوالد الجمال وتتجدد الرسالات، ويحظى المؤمنون المخلصون بالخير والحب والجمال، بدهشة الاكتشاف وحبور الرؤيا كلما خرجوا لشرفة الكون، واستعذبوا عزفا ما أو صدقوا عارفا ما.
6.
أحببت التفاصيل التي صنعها بمهارة وحب جماعة اللسان العربي في الجامعة ضمن برنامج احتفالهم باليوم العالمي للغة العربية المتنوع والحافل بالفعاليات، ففي قراءة موازية جعلوا اللغة مهمة لحياة الإنسان كالماء، حلوة كقطعة حلوى، وخالدة كمقولات ونصوص لا تنسى، وتشكل عصب اللغة وذاكرتها الحية.
هذه التفاصيل قد لا تفيد العربية، ولكنها تعبر بشدة وجمال عن حبهم لها، وترسخ يوم 18-12 في الذاكرة الجمعية «ضمن الحيز الجغرافي المتاح لهم» وتذكر بأهمية الاهتمام بالعربية والفخر بها، وهي بزاوية مقابلة ترصد الحماس الروحي لهذه المرحلة العمرية بأي فكرة نبيلة؛ وكيفية التعبيرعنها بالمحبة والتفاصيل الدقيقة. فاللغة كائن حي تتنفس وتحيا بمحبتنا وحرصنا عليها، فلنكتبها ولنعيشها بحب ووعي وعمق.
7.
«إن كل ما في الأرض من شراب اللوز والتفاح والورود .. لا يعدل في لذته لحظة واحدة من سكينة القلب»
مصطفى محمود