"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الثلاثاء، 23 يونيو، 2015

رمضانيات







مع كل هذه الدموية والوحشية، والقتل الوقح والصفيق لضيوف الرب، وعباد الرحمن، لمسلمين يصلون في بيوت الله، وفي خيرة أيامه (الجمعة)، وفي شهر رمضان المبارك يتساءل المرء فقط هؤلاء القتلة بأي رب يؤمنون؟!
هذا القتل القبيح الرامي لخلق الفتنة والشقاق، وإذكاء روح الطائفية بين المسلمين، في السعوديه، والكويت، وتونس، وما غيرها ببعيد عنه، فهو الشر الكامن والذي لا يعرف المرء متى يفصح عن وجهه القبيح، وعن فعله الدنيء النتن، وأين.
*
الفيس بوك أصبح كغراب ينعق بالموت، كيف لا وهو مجرد انعكاس لهستيريا كونية تتمدد في الخارج، من جرائم داعش المخزية باسم الله والأسلام، وحتى الجهل الممتد من الماء للماء والذي يبيح القتل والسلب والتكفير، ويسوّغ القبح والحقد والكراهية بكل مسمياتها الدينية والفكرية والاجتماعية، مرورا بالظلم والفساد الذي ينخر مجتمعاتنا ويكبل إنسانا ويتعالى فوق القانون، لأن له اليد الطولى والقوة الراجحة الكفة، وليس نهاية بالجوع الذي يثقب أمعاء البشر في العديد من بقاع هذه البسيطة، في حين يلقي الصائمون (تقربا لله!)، كل يوم أطنانا من الطعام في سلة المهملات، وهم يرددون الأدعية بالرحمة والمغفرة أمام شاشات التلفاز العريضة التي تتفنن  بدورهافي بث أطنانا من التفاهة والقليل من التسلية والعمق!
حالة مخزية ومقرفة لا يشفع لها رمضان، ولا حتى عودة المسيح ! كما لا يشفع للفيس بوك تلك الجماليات المبثوثة بين أركانه بين فينة وأخرى كالتأملات والنصوص الشعرية واللوحات وغيرها من إبداع الإنسان المناضل بالجمال ضد القبح.
إلا أننا لا نملك أن نشيح بوجهنا عنه طويلا فهو الملاذ الأكثر دفئا،  والحقيقة الأكثر نصاعة أمام هذا المد من البشاعة الذي يكبل المكان والزمان معا.
*
حلقة "خواطر" عن التعايش السلمي والاختلاف في عمان تقدم صورة خارجية عنا، أو جزئية أو غير مختبرة عميقا، ولكنها ليست مزيفة ولا كاذبة، فرغم أننا لسنا ملائكة ولسنا على قلب رجل واحد، وبنا من العنصرية (القبلية والطائفية والاجتماعية) ما بنا، إلا أننا فعلا أستطعنا التعايش بسلام بكل هذه الاختلافات والعنصريات الكامنة أحيانا، والمعلنة أحيانا أخرى، عبر كل الأزمنة والأزمات.
أما صفات البراءة والفطرة التي نقلت عنا، فأظنها مدحا يشبه الذم، أو ذما يشبه المدح. وكذلك موضوع التربية والمناهج فهي فبركة إعلامية أكثر منها حقيقة تربوية.
ولكن لعلها فرصة جيدة لتربية مفهوم تقبل الآخر ، وترسيخ مبدأ احترام المختلف أكثر وأكثر في المجتمع، وتوطين هذه الروح الطيبة لتصبح عميقة وصادقة وحقيقية بحيث تكون قناعة في الضمير الجمعي، تتطور لتغدو أصيلة وجوهرية في تكويننا الحضاري، بدل أن تكون مجرد حالة تعايش، لنكون في الأقل عند ظن الآخرين بنا، ولنليق بالصورة النبيلة المصدّرة عنا.
*
(الحكومة الألمانية تفرج عن أحمد منصور  لأنها تشعر بالحرج من الرأي العام، فيما يتعلق بحرية الصحافة!)
طبعا بالنسبة للحكومة المصرية، والحكومات العربية عامة .. السؤال ، مامعنى (تشعر؟)، ومامعنى (الرأي العام؟)، وما معنى (حرية)؟
كي لا ندخل في مقارنات مجحفة في مسائل الديموقراطية، واحترام القانون، وغيرها من المفاهيم الغامضة، والمعاني اﻹشكالية التي تهتم هذه الحكومات بمساعدة الشعوب على عدم الخوض فيها، حرصا عليهم، وحماية لهم مما يربك عقولهم، أو يلقي بهم خلف القضبان لنهاية آكيدة كالمؤبد أو اﻹعدام.

من أنتم؟
نحنُ عرب!
ماذا تشتغلون؟
نحنُ لانشتغلُ شيئاً، فالعالم يشتغل بنا!
"محمد الماغوط"

وهيييييييييه !
*
الاستعارة التصريحية هي التي صُرّح فيها ب(المشتبه به) !!!!
مسلسل (أمنا رويحة الجنة)
يبدو أنه (مشتبه به) في قضايا أخلاقية
وعمت مساء ياعبد القاهر الجرجاني♡♡
هذا نموذج صغير من مهرجان السخافة العربية الرمضانية، ناهيك عن اللطم والندب، والكذب والادعاء، والإسراف والتبرج ،الذي تجعل رمضان خارج حكمه وحكمته التي فرضها الرب من صيامه. 

الخميس، 18 يونيو، 2015

رمضان جانا .. أهلا رمضان



لست ممن يحتفون برمضان أو ينتظرونه، فكيف لكائن من قهوة ومزاج متقلب في الطعام والنوم أن يجد ذاته في شهر نهاره بلا قهوة، وليله طعام، كما أن الإيمان بالنسبة لي حقيقة داخلية مستقرة، وليس طقسا يتغير بتغير المواسم، الله هو نور قلبي وحقيقة وجودي، وصديقي الأول والأخير في كل زمان ومكان، لا أحتاج حالة  كهنوتية تقربني إليه في زمن ما، وتبعدني عنه ما أن ينتهي.
أيضا الطعام بالنسبة ليس متعة، أنا آكل لأعيش،فقط، وأحب منه الفائدة أكثر من المتعة، دمي القليل، واحترامي لجسدي يحتم علي مراقبة ما يدلف في جوفي،  ولذا فلذائذ رمضان هي عبء على نظامي الغذائي وحيرة أمام شهر يأتي بعاداته وطقوسه.
ومع هذا ومنذ التاسعة وأنا أصوم رمضان إيمانا واحتسابا، ولا أظنني أستطيع غير ذلك، مالم يخذلني جسدي بمرض، أو يربكني سفر، لعدة من أيام أخر، فرمضان فرض واجب، في ديننا، وديننا هو الطريق الذي نعرفه ونألفه ونرتاح به وله للوصول لله،ولكل طريقته وطريقه.
كما أنه مع الوقت أصبح تكوينا ثقافيا وذاكرة مكانية واجتماعية تتلخص في فرح التجمع، وروح الصيام الجمعي، ضحكات الأطفال، الموائد العامرة، في تلك الأطباق التي نركض لتوصيلها للأهل والجيران قبل الأذان، ذلك الرجل الوحيد  (الأبكم)  الذي نحمل له الفطور كل يوم، ونحمل منه الامتنان والود، صوت أبي يتحشرج بالدمع وهو يقرأ القرآن قبيل الغروب، انتظار أذان المغرب بشغف، السحور الذي نستيقظ إليه مسرنمين فلا نعرف ما ندخل في جوفنا امتثالا لرغبة الأم وواجب الصيام وهربا من جوع مقبل لا ريب، العطش الذي يحاصر أوردتنا فنرده بالصبر والإيمان، شوربة الحب ولقمة القاضي وغيرها من الأكلات التي لا تتجلى إلا مع ظهور هلال رمضان، تبادل الأطعمة في سور الدفء القديم مع الجارة الحبيبة (سليمة) ،و  (سكينة )  بسلطتها التي لا يجيدها سواها.
سوالف الفطور، والسهر حتى أذان الفجر، والنوم ببطون لا تكاد تجتر النفس من كثرة الطعام، والتسابق للمطبخ بعد صلاة العصر لتمضية الوقت أكثر من صناعة الحلويات وأكلات رمضان. تبادل (الفرني والكستر والعصيدة والقيمات والبسبوسة) ، وتوزيع الطعام بين الرجال والنساء والأطفال والجيران، (حمصة بدرية) وطبق باسمة، و(لولاة وزلابيا السوق) التي يحضرها الأخوة الذين يلذ لهم بعثرة الوقت حتى موعد الإفطار،  وقد لا يأكلها أحد.
وهو أيضا حالة روحية توحد الجمعي والفردي في لذة الإيمان، وسمو الأرواح، تبدأ بدعاء دخول رمضان وعقد نية الصوم كما اعتاد أبي كلما هلّ شهر الصيام، وصوت صلاة التراويح الذي يشج آذاننا ويجرح قلوبنا باللهفة والإيمان، دعاء الأمهات، تلاوة القرآن، والتنافس في ختمه أكثر من مرة ووهب ذلك عن أرواح الموتى.
صوت النقشبندي، والأناشيد الرمضانية التي قد لا تخلو من الموسيقا والتي تعمق الذاكرة وتروي الروح العطشى.
صلوات الليل تهجدا وسحورا، الأدعية المتناثرة من كل فيه وقلب. رقي القلوب، وكثرة الخير، والامتناع عن الشر والحقد والغيبة والنميمة طيلة نهارات الشهر لأنها تفسد الصيام. ولا يهم إن عادت العادات القديمة والشرور والأحقاد والضغائن والنميمة في ليله أو حتى مع أول أيام العيد، فقد ذهب رمضان.
ليكن رمضان واحة سلام لقلوبنا، ولجة نور ﻷرواحنا، ومساحة تأمل نتعرف فيها على أنفسنا، ونعرف الله ونشعر بالإنسان، ونتفكر في الكون ..أكثر وأكثر.
كل عام وأنتم بخير وحب وسلام ♡♡

الثلاثاء، 16 يونيو، 2015


عاش محلقا في سماوات الله، مجنحا في اللغة دفاعا عن الحق، جانحا للرفض والنقد وعدم المهادنة، وها تحمله أجنحة الملائك للبعيد حيث لا خرائط، ولا مواعيد هبوط وإقلاع، حيث كل شيء يحدث في فجائية الفجعة، وبغتة الصدمة.
ها ينسحب الطائر المحلق أبدا، من الحياة بصمت.
لافا أجنحته حول قلبه الطفل، لينام في سكينة الغياب.
فارقد الآن بسلام أيها النسر المشاكس.
فمازلنا مبهوتين من فكرة الغياب الطارئ، وسنظل كذلك حتى يأخذنا إليه، وحينها فقط ربما نتجاوز الصدمة ونحن نعيشها وربما لا.
...
(علي الزويدي: بن دارس)
لروحك الرحمة والطمأنينة والسلام
"إنا الله وإنا إليه راجعون"

السبت، 13 يونيو، 2015



فاطمة الشيدي

أدركت بعد "أشوبا" أن الطبيعة امرأة لعوب
وأن الصدفة هي لعبتها المفضلة
وأنها تضحك بغنج كلما ذهب الناس في الحذر
فتغيّر خططها لتحظى بالقليل من المتعة
فالمطر الذي غسلت به شواطئ "مصيرة"
يكفي لغسل أرصفة العالم المتربة
وسقي أشجاره اليابسة
وإنعاش قلوب مناطق مجدبة تحتلم بالماء ليل نهار
ومنح عدة ألاف من البشر في مكان آخر، الفرصة للشرب أو الاستحمام
لكن الأمر عائد لمزاجها المتقلب الذي يشبه مزاج شاعر بعد الكأس العاشرة
الضجر يجعلها ترقص أحيانا بلا هوادة
ثم تبكي لتغرق الأرض
وترفع شعرها الطويل بحركة من أصابعها المتخشبة
فتكاد تخلع القلوب هلعا
كباب قديم لم تمتحن صلابته يوما
الطبيعة أم الإنسان أكثر جنونا مما نتخيل
وأكثر عبثا من قلب كسره العشق
ولم يعد هناك ما يخسره
وأجمل مما نظن من فكرة "العقاب" و "الثواب"

……… 
*أشوبا عاصفة مدارية في بحر العرب 11'12-6-2015
مصيرة . جزيرة في المنطقة الشرقية من عُمان

الجمعة، 12 يونيو، 2015

أشوبا

 
 
 
و"أشوبا" تلوح بسبابتها متوعدة أجزاء من وطننا الطيب، يحتكرنا الحر في مكان بعيد، هربنا إليه من غضب الطبيعة.
وكأنه الهروب من المطر في مفارقة وجودية كبرى لكائنات يأكلها اليباس وتحلم بالمطر.
ولكنه لا يأتي بود ولطف كما نحلم به، بل بالتهديد والوعيد بالويل والثبور.
فما أتعس كائننا الداخلي المحكوم بالعنف في كل دوائر كينونته.
وأخيرا ليس لنا إلا هذه الأرحام الإلكترونية التي نتصل بها بمشيمة صناعية وحبل سري من الأسلاك الشائكة إنسانيا وعاطفيا، نقلب وجوهنا في صفحاتها وممراتها بحثا عن وهم خارجي، أو تخليدا لوهم داخلي عابر.
فيا "أشوبا" : بردا وسلاما على وطننا وإنسانا، ليس لدينا ما نواجه به غضب الطبيعة غير الدعاء، والتشفع بسلمنا، وطيبة قلوبنا، فلململي أغصانك، وادخري غضبك، وكوني بعيدا جهة الماء.
ورفقا بالإنسان ابن الطبيعة، الجاحد المتكبر في اليمن واليسر، والخائف الراجف في الضر والعسر، في كل مكان على هذه البسيطة.
 

الخميس، 11 يونيو، 2015

 
 
مافي الكون إلا صور
ابن عربي

 حيواتنا صور، وأحلامنا صور، الحقيقة بعيدة، ومخيفة، مخفية أو غائبة، البحث عن الحقيقة أشبه بمن يحمل معولا ويتجه للمقبرة، ليس بالضرورة أن يحصل على شيء أثري، سيرعبه رؤية الوجوه التي سقط لحمها ونخر عظمها بدءا.
الوردة جزء من تاريخ الشوك، والشمس جزء من تاريخ الظل، والجفاف يسرد حكايات الماء في الظهيرة .
المطر سقوط، والعشق سقوط، والخفة تجعل الدخان والبخار عدم....
والوجع يخلف حكة في الوعي، ورقي في الضمير، لكن الجوع لا يعرف إلا أسهل الطرق للوصول، والدمع ماء لكنه مر ، والحلكة انتظار النور. والغاية لا تأبه للوسائل.
القلوب آبار وكل ما نسمعه هو صدى أرواحنا، والرؤية محكومة بزوايا المنظور.
والحب كائن ينفض جناحية بين الحين والحين فيتطاير الحنين ويتخفف الشوق من لهفته في مكان آخر.
والحكمة عبث يستطيعه المجنون فقط، والفلسفة نحت في المسلمات لجعلها أبعد قليلا من أوهام العامة.
والتاريخ كذب قديم، يخرج من صدر مصدور ينفث غبارا قبل أن يجمل زيف الأحداث لتصبح كبرى في عين الرائي .
والصورة الثابتة تتبدى في كل مرة بشكل مختلف، لأننا نراها من داخلنا المتغير في كل مرة.
 
 

الثلاثاء، 9 يونيو، 2015








الخير فكرة، والشر فكرة، والنبل فكرة، والقبح فكرة، والجمال فكرة، وهذه الفكرة تختلف حسب قناعة المؤمن بها، والممتثل لتعاليمها، والإيمان المطلق بفكرة ما - مهما كانت نبيلة- ومحاولة فرضها على الآخر، أو معاقبته لعدم تبنيها أو الإيمان بها هو سبب كل شرور العالم وقبحه.
كانت هذه الفكرة تدور في رأسي وأنا أتابع هذا الفيلم (امرأة من ذهب) عن فظائع النازيين في النمسا، ونفيهم لليهود وإذلالهم لهم، فقط لأنهم مختلفون عنهم.
والفيلم الذي يتحدث عن امرأة نمساوية يهودية "ماريا ألتمان"، نجت من الإبا...دة الجماعية لليهود، حيث هربت بوجع ومرارة مع زوجها مغني الأوبرا، تاركة عائلتها بعد إذلال النازيين لهم، وسلبهم كل ممتلكاتهم، واعتقال معظم أقاربها ثم قتلهم .
هذه السيدة صنعت لنفسها حياة هادئة، حيث أصبحت تدير محلاً لبيع الملابس النسائية في لوس انجلوس. وفي أواسط تسعينيات القرن الماضي، عندما تغيرت قوانين التعويض النمساوية، علمت "ماريا" أنها المالك الشرعي لعدة لوحات رسمها الفنان "غوستاف كليمت"، وخاصة لوحته المرسومة عام 1907 لعمتها، "أديل بلوك-باور" وهي لوحة مرصعة بالذهب. كانت معلقة على أحد جدران منزل العائلة اليهودية الثرية. ولاحقا. استولى عليها النازيون. فتحاول استعادة اللوحة، بمساعدة محام شاب قليل الخبرة تحصل للتو على وظيفة، وهو راندول شوينبيرغ (يقوم بدوره الفنان رايان رينولدز). الذي وقع اختيارها عليه لأنه حفيد أرنولد شوينبيرغ، المؤلف الموسيقي المستنير، الذي كان صديقاً لعائلتها. تزور ماريا مع راندول النمسا لرفع دعواها القضائية، ولكن تظهر لها الكثير من الصعوبات وحرص الحكومة النمساوية على اللوحة، فيصر المحامي الشاب على مقاضاتهم من أمريكا، ثم التوصل لفكرة وجود محكمين تنتهي بفوز ماريا باللوحة.

 

طقوس وعادات غريبة يمارسها الكتاب ليبدعوا

طقوس وعادات غريبة يمارسها الكتاب ليبدعوا :
يشربون القهوة ويتأملون سقوط المطر –
استطلاع :عاصم الشيدي –
ملحق شرفات الثقافي
9 يونيو 2015
 
فاطمة الشيدي
 
لحظة الكتابة تشبه مخاضا عسيرا، ولها طقوس استثنائية أو عادات سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، وعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فعني لا أملك أن أشيح بوجهي خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، حيث أشعر في تلك اللحظة أن ثمة شيئا ما قاسيا يجبرني على تتبع حالة الجزع التي تعتريني غالبا، وتتصاعد في رأسي هذيانا، أشعر أن ثمة ما يستيقظ فيّ، يقتاتني بنهم، أشعر بي ممتلئة بشكل يصعب معه الاستمرار، عادة تكون مشاعري متحفّزة على أكمل حالات التربص والنضج، كثيرا ما أشعر أني حزينة، أو سعيدة، أو متوترة، أو غاضبة بشكل أكثر من المحتمل وأرغب في الراحة.
قبل كتابة أي نص ينتابني شيء يشبه المخاض، لذا فكلي يصبح منتظرا لحالة ولادة جديدة، بكل ألمها ورغبة التخلص، والانصياع التام لطقوس الألم، وكلما شعرت بهذه الحالة أفضل الاختباء عن الآخرين، أشعر بي منتفخة بما لا يسمح لي برؤية أحد، لذا أفضل الهروب للداخل قصيا، أمارس العزلة بافتتان مهيب، أحبس أنفاسي توجسا وانتظارا بعيدا عن الجميع. وثمة خوف ما، وتوجس بألا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
عند الشعور بهذه الحالة التي تتصاعد في احتدامها المؤذي، أهرب للداخل تماما، لأقصى بقعة في العالم الحقيقي والنفسي، ألج أضيق مكان ممكن مني، لا بأس بالسكون طويلا تحت الغطاء، أو تحت طاولة الكتابة، أشعر بالرغبة في البكاء؛ لكن هذا لا يحدث عادة، لأن النص هو البديل، ولو حدث ذات مرة وبكيت، فلا نص يولد حيث تتحول الكلمات ماءً طاهرا يغسلني برفق أكثر من ولادة القصيدة الجارحة .
من أظرف ما قد يحدث لحظة الكتابة كطقس (غير سوي) الميل للفوضى في كل شيء، في الهيئة التي غالبا ما تكون أشبه بشكل جنية (هبت لتسرق الحلكة من جنبات الطرق، ولتبعث شيئا من رائحة الجزع في أرواح منبسطة)، المكان أيضا لا بد أن يكون فوضويا بشكل محرّض على الكتابة، ولا بأس بالكثير من البعثرة والأوراق والروائح ربما، أليس الشعر مادة تهرب لنا من وادي عبقر، بواسطة الجن الذين لا أظنهم يحبون الجمال والطيب.
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك.
مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزينه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي.

الاثنين، 8 يونيو، 2015

عروة الزمان الباهي





فاطمة الشيدي


لا أعرف ما يفتننا في كتاب ما، في سرد ما، هل هي اللغة التي تنساب كنهر عذب بين الأسطر التي تلتهمها عيناك بشغف ولذة، أم هي الأفكار المختلفة والبعيدة التي تفتق في ذهنك الكثير من المناطق المظلمة، أم هو ذلك الشعور الحميم والجميل والصادق الذي يكتب به الكاتب حتى تشعر  بتلك العواطف نفسها بل وبالانتماء لتلك الشخصية التي كتب عنها.
وكان كل هذا معا ما فتنني في كتاب عروة الزمن الباهي لعبد الرحمن منيف. وبالطبع ليس هذا غريبا مع منيف السارد العجيب والكاتب الفذ والروائي الحاذق، ولكن العجيب أن هذا الكتاب ليس رواية، بل يتم تصنيفه كدراسة أدبية، ولكنه في الحقيقة "سيرة غيرية" سيرة الآخر في أجمل تجلياته، من خلال قلب محب، ولغة سامقة،  فلا يستطيع أن يكتب الإنسان عن آخر بمثل هذا الجمال سوى العاشق والمؤمن أو كلاهما معا، وقد تبدا لي منيف هكذا، معجبا مغرما بالباهي حتى لينعته بعروة الزمان، استحضارا للصعلكة العربية القديمة في أعلى وأوفر معانيها الراقية التي مثّلها عروة بن الورد الكريم عن غير ضعف، المتمرد عن حكمة ووعي، المنشق عن حرية أصيلة في تكوينه وجوهره.
كما سيقارب بينه وبين زوربا اليوناني، المجنون الجميل الذي جعل الرقص وسيلة الخلاص الكبير والحميم للخروج من مآزق الحياة أو للتمتع بجمالها.
في 120 صفحة وفي 30 صفحة رسم منيف صورة كبيرة وشامخة لرجل مختلف وخاص، محمد فال أباه الذي ولد في 1930 في خيمة في موريتانيا، ليصبح لاحقا الباهي المناضل والصحفي الذي وجد في اكثر الأزمنة العربية اشتعالا ومورا ،  بين دمشق والقاهرة وبيروت، وحتى المغرب العربي، فباريس التي شكلت محطة مهمة في تكوين الباهي والكثير من مناضلي حقبة الاستعمار تلك.
صورة لرجل عاش الحياة عبر الهامشي والبعيد منها أكثر من الخارجي والظاهر، بل وعبر كائناتها الأخرى كالنمل والسمك والحيوانات كالقرود والكلاب والجمال وغيرها التي تشكل منظومة كونية موازية لحياة الإنسان، وربما تفوقه في الكثير من الميزات والأخلاقيات الفطرية  والعلاقات الجمعية لحفظ النوع، وحمايته، عكس الإنسان الذي لا يقيم وزنا للآخر. إنه يعتني بكل مظاهر الطبيع  ويهتم لأمرها كصوفي متعلق بالكون وهائم في ملكوته، ومتأمل للطبيعة بحركاتها وسكناتها كالأشجار والنباتات بكل أنواعها والقمر وصولا للصحراء بذراتها وتيهها وعمقها الفذ، حتى البراكين والفيضانات والزلازل وغيرها من مظاهر الطبيعة في هدوئها وغضبها.
"فإذا افترضنا أن الإنسان أنبل مخلوقات الله من حيث العقل، فإنه بنفس الوقت أسوأ هذه المخلوقات من حيث التصرف والسلوك" يقول ذلك بنوع من الحسرة ثم يضيف " إذا كان العقل زينة الإنسان، والصفة التي يدعي أنها تميزه عن المخلوقات الأخرى، وإذا استطاع الإنسان أن يروض الحيوان ويخضع الطبيعة ويسخرها لمنافعه، فلماذا تحول إلى عدو لنفسه، لبني جنسه؟ لماذا يصر على على الانتحار، أو على قتل الآخرين مجانا؟ كيف يستطيع أن يكون قاسيبا وأنانيا هكذا؟ ولماذا يأبى إلا أن يبقى صغيرا هكذا؟ وهل هو يتمتع بالقدرة على المحاكمة والوصول إلى أفضل الحلول لنفسه، لنوعه، فعلا؟ (ص51)
لقد جعل منيف الباهي رمزا للروح العربية الأصيلة المنفلته من عقال الحياة العربية القائمة على ظلم وقهر الإنسان، رمزا لجيل التحديات الذي واجه أصعب المراحل التاريخية المفصلية بين مواجهة المحتل من جهة، ثم مواجهة الإنسان الذي خلّفه المحتل والأنظمة مرتبكا مريضا، بلا حمكة ولا وعي، متهافتا على المناصب والمال، لا يتعفف عن سلب، ولا يترفع عن فتنة، ولا يتحرج من أبشع الجرائم وهي قتل أخيه للوصول لغايته.
وإن كان منيف قد أراد بذلك تقديم نموذجا لجيله، ووصف الحالة العربية المعتلة القيم الضيقة الأفق في الفترة التي عاشها (الخمسينات والستينيات)، وكان يحلم بتجاوزها، فهو لا يدرك الآن أنها ما تزال قائمة بعللها وازدواجيتها، وعفونتها، بل وتتأزم يوما بعد يوم بدخول أطراف جديدة للنزاع، كل منهم يريد فرض وصايته على أرواح الآخرين، وتكميم أصواتهم، وخنق حرياتهم.
ولكن منيف لا يذكر ذلك إلا عرضا، فهو كان يريد من كتابه كهدف أول وضع قصيدة غزلية طويلة وممتدة عن رجل مختلف في كل شي تقاطعت حياته معه، شاعر لم يكتب الشعر، ولكنه كان يحفظه عن ظهر قلب، وسارد لم يكتب الرواية، ولكنه كان يحلم بذلك، وصعلوك مارس صعلكته في أرقى مدن العالم وهي باريس، وعاشق هام في هوى الأوطان،  وسياسي خاض أكبر معارك السياسة بفكره، وصحفي كتب أروع المقالات بقلمه.
إنه المزيج الجميل والعجيب والمتناقض، والمتآلف من كل شيء.  من الرفض والمحبة والصدق والسكر والجنون والعربدة، الذي خرج من موريتانيا ليستقر في باريس، ومن هناك يخدم القضية العربية بفكره وقلمه وعلاقاته، ويتحرك منها للشرق حيث تمور الصراعات وتتفرع القضايا.
لقد قدم منيف لوحة فنية راقية عن شاهد عصر أحب الحياة بكل مافيها، بكونها أرضا وسماء، بحرا وصحراء، عشبا وشجرا، وهام بكائناتها التي ليس الإنسان إلا جزءا منها، كالنمل والنحل والسمك والشجر وغيرها، محبة تقتضي المعرفة، ومعرفة محكومة بالمحبة، وهذا كان ديدنه مع كل شيء، من الإنسان، حتى أصغر ذرة في الكون. كما أحب العمل والنضال والكفاح والكتابة والقراءة والوعي والطعام والشراب.
وحين مات الباهي الذي ظن كل من يعرفه أنه عصي على الموت، وأن الحب والجمال الذي في صدره أوسع من يحتكره الموت في اتجاه الغياب، كان له الخلود كما أراد منيف، ليكون شامخا فيه كما كان شامخا في الحياة التي أحب، وفي المكان الذي عاش فيبه (باريس) والأمكنة التي عاشت داخله كالصحراء والوطن العربي بكل قضاياه وأحلامه وخساراته وهزائمة، وفي اللغة التي كان يتمنى أن يمكث فيها ويتجلى عبرها في الرواية والسيرة الذاتية والسياسية وهو الأمر الذي لم يتحقق، فكان لهذا السبب تحديدا خالدا في كتاب
.  وهذا تماما ما يلمسه بعمق كل من يقرا هذا الكتاب، ليجد الفتى الصعلوك الذي يمثل امتدادا للصعلكة العربية الثائرة والنبيلة المتمثلة في عروة بن الورد شيخ الصعاليك، الصعلوك  الجديد النبيل والقارئ النهم، والعاشق للأرض،والكون، والمشاء اقتداء بالفلاسفة المشائين، القريب البعيد عن البشر ، الصديق الصادق، الذي يبحث عن اصدقائه ويراسلهم، ويتحدث معهخم عبر الهاتف طويلا، ويقرضهم ويسندهم رغم كل الخيبات والانكسارات المتتابعة.
هذه هي الصورة العميقة التي أراد منيف رسمها من داخله أولا ثم من داخل الباهي ومن خارجه لاحقا، في عمل إنساني رفيع، يقدم للمكتبة الإنسانية نموذجا خالدا لشخصية استثنائية  صالحة للاقتداء، هي شخصية الباهي الكاتب والمناضل والإنسان ، عبر كاتب استثنائي في توليد الأفكار وتجسيد العاطفة وبناء اللغة الفذة هو عبد الرحمن منيف.



السبت، 6 يونيو، 2015

الثقافة السماعية والتلقي الجمعي

 

 

 
 
القدس العربي
يونيو 6, 2015
فاطمة الشيدي

ما زلنا نسمع بين الفينة والأخرى عن منع كتاب ما، في أحد معارض الكتب العربية، كما أننا كثيرا ما سمعنا عن محاكمات قضائية تنتهي بأقصى العقوبة كالسجن أو النفي للكاتب، أو حتى بمنع الكتاب وسحبه من الأسواق كأقل الضرر، كما قرأنا الكثير من المعارك الأخلاقية الواهية أو الوهمية التي دارت أو ما زالت تدور حول كاتب أو كتاب ما في مواقع التواصل الاجتماعي. وغالبا ما يكون السبب سياسيا أو اجتماعيا ملفّعا بحجج الدين وحماية أخلاق العامة، وكأن الوصاية الفكرية هي الحل في الحفاظ على منظومة قيمية اجتماعية، تتهاوى يوما بعد يوما بفعل الفساد والفقر والتصدعات التي تحاصر الإنسان من كل حدب وصوب.
فأما السياسية فهي تنطلق من سلطة السلطة العربية في كل شيء، ويدها الطولى في الحجر والمنع والتكميم، أما الجانب الاجتماعي المتلفّع بغطاء الدين فهو ينطلق غالبا من شخص حاقد أو لديه عدائية شخصية ضد الكاتب، يقوم باقتناص عبارة أو فقرة من الكتاب، يستلها استلالا من النص خارج المعنى العام للفكرة، أو وظيفية العبارة، ليضعها في وسائل التواصل الاجتماعي، لتبدأ عاصفة من السجال الموبوء بالتكفير وإدانة الكاتب، ونعته بكل الصفات اللاأخلاقية من الغالبية بلا تمحيص ولا وعي ولا حتى قراءة الكتاب للتأكد من المشكل المطروح علانية، بل بالتبعية المباشرة، والانقياد الكلي خلف هذه الدعائيات العدائية المغرضة.
ولذا كنت أبتسم في أعماقي من عقمنا الثقافي والاجتماعي بعد أن قرأت روايتي «صرخة واحدة لا تكفي»لحمود الشكيلي، و»الرولة» ليوسف الحاج، لخلوهما من كل ما قيل حولهما، وخاصة الثانية التي لم أجد فيها سوى جملة صغيرة مكتوبة بكل مسؤولية أدبية، في إيصال الفكرة وعدم خدش حساسية القارئ الأخلاقية، وهي تماما التي تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي بمعزل عن سياقها، ودارت حولها معارك أخلاقية حامية الوطيس.
وبالطبع من ينسى المعارك التي دارت حول مجموعة «ملح» للقاصة بدرية الاسماعيلي، «ملح» النص الذي أشكل على الوعي الجمعي، وشكّل حالة من المساءلة والنقد العام، النص الذي حاكمه من يملك ومن لا يملك حق المحاكمة لنص. ربما لأن المجتمع الذكوري يعتقد أن كتابة المرأة عورة تصدر عن عورة؛ ولذا فهي أشد إيذاءً للوعي الجاهلي الراكس في العميق منه، وبالتالي محاربتها أو نصها يصبح أشد ضراوة (كما حدث كثيرا) لضعفها غالبا عن مواجهة تيارات المجتمع الذكورية المجرِّمة لكل تفكير نسوي حر، ولعلها كانت محاولة جمعية حادة وقاسية لكبح جماح الفكر النسوي، ووعي المرأة الاجتماعي بشكل عام من أن ينمـو ويتطـور وينتقد ذكوريته وغطرسته فيما يخصها.
وهنا أسوق موقفا شخصيا حدث لي حين افتتحت إحدى محاضراتي حول نص لنزار قباني بسؤال «من يعرّف لنا نزار قباني؟» لأني كنت أثق أن لا أحد يجهله. كانت الكثير من الأيدي مرتفعة، فاخترت أحد الطلاب، ليقول لي بقوة وثقة «نزار شاعر قليل أدب». ابتلعت الصدمة الكبيرة، ومضيت معه في الحوار، لماذا تقول ذلك؟ هل قرأت له، قال: لا، معلم اللغة العربية في المدرسة الثانوية أخبرنا بذلك.
ابتلعت الصدمة الثانية الأشد والأقسى على وعيي وإنسانيتي، قلت للطلاب سأحكي لكم موقفا: نجيب محفوظ هو الكاتب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل، هو كاتب عظيم وإنسان جميل، ولكن أحدهم ذات يوم تجرأ عليه وطعنه بسكين في عنقه، ولكن الله نجاه، وتم القبض على الجاني، وفي المحاكمة سأله القاضي: لماذا كنت تريد أن تقتل نجيب محفوظ، فقال: لأنه ملحد، وضد الأخلاق في رواية «أولاد حارتنا»، فقال له القاضي: لماذا حكمت عليه بذلك، هل قرأت الرواية؟ قال: لا، أنا لا أقرأ ولا أكتب، ولكني سمعت بذلك من الناس.
صمت الطلاب، وقد فهموا مغزى الحكاية، وأتبعت ذلك بغزل إنساني، وقومي رفيع عن نزار قباني وعن نجيب محفوظ. وكنت حينها أتيقن من ثقافتنا السمعية القائمة على الجاهز من الأحكام المجتمعية والدينية، ولذا وجهت كلامي لهم في الاتجاه نفسه، أما سمعتم حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما يسمع؟» ثم قلت لهم: احكموا كما تشاءون، على من تشاءون، ولكن أرجوكم اقرأوا أولا، وأمعنوا النظر فيما تقرأون، قبل أن تصدروا أحكاما جاهزة، فلدينا الكثير منها بحاجة للتمحيص والوعي، وهذا لن يحدث سوى بالقراءة والوعي.
إذن الفكرة ببساطة ليست في نص ينتقد من قبل من يختلفون مع فكرته أو محتواه؛ فكل نص عرضة للنقد سلفا (في الشكل أو المضمون) ما أن يخرج من المطبعة، وينفصل عن رحم كاتبه وأصابعه وروحه. واجتماع الجميع على فكرة ما، أو نص ما، أو لغة ما، هو أمر مستحيل بالضرورة. ولكن الفكرة التي يجب أن تناقش هي مدى مصداقية من يصدر أحكاما، ومدى اطلاعه على ما يصدر عليه أحكامه، ومدى حرية العقل الفردي في التفكير والإنتاج، خارج السلطة بكل مكوناتها (السياسية والدينية والاجتماعية)، ومدى حرية التعبير في مجتمع يمثل هذه السلطات متحدة.
هل يوجد قانون يحمي الفردانية الفكرية؟ أو حتى يحدها؟ هل توجد معايير على المبدع (في كل المجالات) الالتزام بها، لتأطير وعيه ولغته وأجنحته بها؟ وفي هذه الحالة هل ستظل تلازمه فكرة الإبداع الذي يفترض الحرية والتفرد والإتيان على غير مثال؟ هل يصلح أن يكون المجتمع (بمستوياته المعرفية الضئيلة عادة) وصياً على المبدع؟ وما هي حدود موضوعية النقد ؟ومن المؤهل فعلا لنقد كتاب أو نص أو مبدع؟ وما هي حدوده الأخلاقية ليتصدى لهذا الفعل؟ لأن عليه أن يكون بلا خطيئة ليستطيع أن يرجم، وأن يكون بيته ليس من زجاج ليرميه بحجر. ثم هل الكتب في مجتمع لا يقرأ تشكل خطرا فعليا على الأخلاق العامة، تصل لهذا الرعب والحرب؟
ومن المفترض أن يقيّم المستهدف من الكتاب كي لا يصل لفئة (تحت 18): الكاتب أم الأسرة والمؤسسة التعليمية؟ وهل الكتاب (مهما كثرت تجاوزاته) أكثر خطرا على الناشئة من الفن الهابط المنتشر كالفطر السام في الفضائيات التي تتجمع حولها الأسرة يوميا غالبا في بيوتنا بلا وعي ولا رقيب؟
وخارج كل هذا… هل النص معيار للحكم الأخلاقي على الكاتب؟ وهل ما يكتبه الكاتب يعبر عنه وعن قيمه المعاشة؟ وما حدود النقد الأخلاقية؟ فهل من النقد التجريح الشخصي والأخلاقي؟ وهل من يعتبرون أنفسهم أوصياء على المجتمع وأخلاقه، لا يجرحون الأخلاق العامة والقيم الإنسانية والإسلامية، وهم يقدحون في أخلاقيات الإنسان وينتهكون فردانيته وخصوصيته ويتعدون على حياته الشخصية؟ وهل يعتقدون أن الدين، الذي يجاهدون به ضد الآخر، يبيح لهم ذلك و(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)؟
أظن أن هذه الأسئلة وغيرها كثير؛ هي الأولى بالطرح لمواجهة المسكوت عنه في ثقافة ووعي المجتمع فيما يخص الحرية الذاتية والفردانية الشخصية لإنساننا القطيعي المتماهي في السلطات العرفية القبلية والثقافية والاجتماعية. والذي متى ما حاول تجاوز المناطق الملتبسة فيها ـ بأي مستوى حتى لو كان بدئيا وبسيطا ـ يجد الحراب موجهة له باسم الدين والأخلاق والعادات والتقاليد فيتراجع خشية التمثيل به، لأن هذه السلطة (المتحدة الزوايا) تختار أضحية أو كبش فداء بين الفينة والأخرى لتتوعد كل من يحاول الخروج عليها بذات المصير.
وبذلك فالمشكلة مجددا ليست كتابا اختلف حوله، ولا كاتب انتقد بتجريح اجتماعي واسع الانتشار استخدمت فيه كل الوسائط والوسائل الحداثية الجديدة، وسقوط أخلاقي كبير، لم يسهم التحدث باسم الله والدين في التقليل من حدته وفحشه؛ بل هي قضية فكرية علينا التفكير في ملامحها وملابساتها وإشكالياتها المعرفية والإنسانية، وأزمة ثقافية ومجتمعية علينا مواجهتها بالقراءة والتحليل لندرك أبعادها، وكيفية تجاوزها يوما ما؛ فهي تعنينا جميعا أفرادا ومثقفين، كتابا وقراء، منتقدين (بكسر الدال) أو منتقدين (بفتحها).

الجمعة، 5 يونيو، 2015




*أغلب البشر أسرى أنفسهم وعاداتهم.
*التغيير مرعب لدرجة أن نمتنع عنه لصالح العادة مهما كانت سيئة، لأننا ألفنا أنفسنا ضمنها.
*ليس سهلا أن يتقبلك الآخرون كما أنت، ﻷنهم يريدونك كما هم أو كما يرونك.
*غالبا نحتاج معجزة أو  رسالة سماوية لنذهب في طريق التغيير.
*يجب استغلال تلك الفرص القليلة التي يمنحها القدر لتغيير مسار الحياة.
*الحب يجبرك على الغفران، فالجميع يحتاج من يحبه مهما اقترف من أخطاء.
* روابط الدم جارحة وعميقة، مهما امتد بها الزمن.
*الأمل هو المحرك للحياة .
هذا بعض ماقاله  فيلم  Danny Collins (2015 حول قصة مستوحاة من أحداث حقيقية حول مغنى روك مشهور بفترة السبعينات يدعى داني كولينز، اخذته حياة اللهو والمجون حتى تنكر لذاته ولموسيقاه العميقة، ولابنه، وذهب خلف الشهرة والمال حتى يكتشف مديره وجود خطاب عمره أكثر من 40 عامًا لم يصل له، من (جون لينون) الموسيقي الكبير والفنان والشاعر الذي كان داني يبجل فنه، ليقف كولينز أمام نفسه، وفنه الهابط الذي يعجب الناس، ويتساءل ماذا لو تلقى تلك الرسالة في وقتها؟ هل كانت حياته ستتغير؟ وهنا يقرر تغيير مسار حياته؛ ليبدأ فصلا جديدا منها، بالعودة للتأليف الفني العميق والبحث عن ابنه وعن حب حقيقي.
يتردد كثيرا حول التغيير، ويظل يحاوله ويحلم به، ثم يعثر على ابنه وعائلته الصغيرة. إلا أنه يجده مريضا بالسرطان . ورغم رفض الابن له، يحاول الأب أن يظل قربه لتأتي النهاية مفتوحة على الأ♡ل .

الخميس، 4 يونيو، 2015

وطن

 
 
كم من اﻷوطان في أوطاننا تمنحنا الهدوء والتعالق، والتشبث بقشة الغريق في هذا الوجود المتلاطم !
مكتبي، أحد اوطاني الصغيرة، حيث الهدنة التي تغفر للهاث، وتبادل الكتب واﻷحاديث مع الأرواح الذاهبة في مد المعرفة، وشغف الكشف عن عالم يكبر حولهم كل يوم، وهم يرسلون له بلهفة وعود الغد، وأمنيات ستتقلص كثيرا لاحقا.
هنا حيث حوارات الوعي ♡، واستراحة الصمت ♡ ،وصلاة العزلة♡ .
يحتفي بهدية من القلب/ الوطن الأكبر ليكون دائما وطن في كل الأوطان
 ♡♡
 
 
 
 
 

الأربعاء، 3 يونيو، 2015


ياللفرح الذي يتساقط من شقوق الروح كلما امتدت المسافة واتسعت الدرب! ألا من استنساخ لفرح الجهل، ولذة الطفولة؛ لنستعيد هذه البسمة العذبة المحلقة مع أرجوحة الغيم المستندة لجذع شجرة رؤوم

 

؟!https://soundcloud.com/a-kamal/ghada-ghanem-jayeb-salam

 
 

الثلاثاء، 2 يونيو، 2015

فاطمة الشيدي الحداثة وعي عميق بالداخل والخارج، التفاعل المستمر مع الوجود والموجودات،

 
حاورها من القاهرة السيد حسين

 
فاطمة الشيدي .. حاورها: السيد حسين

* كيف تري الحالة الأدبية والوضع الثقافي العماني حاليا؟

مع أن شهادتي عن الحالة الأدبية في عمان مجروحة؛ لأنني ضمن مشهدها الثقافي، إلا أنني أستطيع القول أنها حالة ثقافية متنوعة وغنية جدا، بمختلف المدارس والأجيال والأطياف والأشكال والأجناس الأدبية والفنية،  كما أنها تتسم بخصوصية الروح المنبعثة من تعدد المكان العماني وتراميه (السهل، والجبل،  والبحر، والصحراء) من جهة، وعمق الإرث الحضاري والثقافي المتأصل في الذاكرة والوعي، والذي يسبغ تفرده اللغوي والفكري على الثقافة العمانية ويسمها بالتفرد، ويقيم جسرا حيا بين القديم والجديد، متحد الأواصر وعميق الترابط بين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والحداثة .

*ماذا عن ديوانك الشعري " علي الماء أكتب" حديثنا عنها؟ والذي يعد به تأثر كبير بالحياة والبيئة في عمان ؟

مجموعة "على الماء أكتب" هي صدى للمكاني العميق في وجدان الشاعر، فأنا ابنة الماء العذب والمالح معا، ولدت وعشت بين ساقية وبحر، ولذا كتبت عن المكان بانعكاس شخوصه وأحداثه وتوهجاته في الروح واللغة، وهو أيضا محاولة للتخلص من تشابكات الآني بالقادم، وارتباك فكرة الخلود النرجسية في الوجدان الإنساني، ففكرة الكتابة على الماء هي تجسيد لصورة المحو والذهاب لكل ما نكتب بدءا، وهي قد تمثل صورة نرسيس، تلك الصورة المترائية له، والمستدعية عجزه عن القبض عليها  والمجسدة لوهم ثباتها في الزمن.

الكثير من التأويلات يمكن أن يطرحها العنوان، أما النصوص التي بين دفتي الكتاب، فهي نصوص متفاوتة بين الذاتية والإنسانية، وبين الروح المتداعية مع الداخل، والوعي المتعالق مع الخارج، بكل الرفض والتمرد اللائق بالإنسان والشاعر معا، فالشعر هو تشظي الوعي الحاد في الوجود على نصل المحاكمة أو المساءلة، وترائي الوجود في ترسبات الروح وترائياتها الضمنية والحلمية، ولا انفصام أو انفكاك بينهما.

*صدر لك العديد من الأعمال الأخري مهنا علي سبيل المثال لا الحصر ديوان" مراود الحلكة"، ودم  دم دمات " نصوص، و" حفلة الموت" ، وديوان "هذا الموت اكثر إخضرارا" وغيرها من الأعمال ..حديثنا عنها؟

الكتابة بالنسبة لي محاورة للذات عبر الزمان والمكان والأنوات الأخرى، وهي محاولة تجريب عميقة وجارحة في الشكل والمضمون، ولذا عبر الكتابة حاولت الكثير من الأشكال شعرا وسردا، كتبت النص الشعري في أربع مجموعات، ولدي نصوص أكثر مما نشرت، وكتبت الرواية، والنص المفتوح، والمقال النقدي والفكري، وكانت كتبي " الثمانية" حصيلة هذه الحالة من المحاولة والمحاورة للجواني والبراني من الذات والأشياء.

وأظن أن كل كتاب من هذه الكتب يعكس تجربة مغايرة، وينحو نحو الاختلاف عما سبقه، وهكذا أريد لفعل الكتابة دائما أن يكسر  كل الجوامد في الرؤى، وكل الثوابت في الوعي، ويهشم انعكاس صورتي في مرايا الآخر،  وصورته في مراياي العميقة، وهكذا سأستمر في تفعيل فعلي الفناء والخلق، خارج تأطير الحالة، فالكتابة لا تحتمل المياه الآسنة، ولا تريد الركون أو الركوس في القعر، أو الطفو فوق السطحي منها، إنها كاندفاع الماء وثورته المستمرة في تشييد الجديد بدقة ورقة وقوة معا،  أو كإزميل نحات محترف عليه أن يحفر بدقة ووعي ليحدد ملامح متجددة بين عمل وآخر، إنها الجنون المتجاوز للمتوقع، والمتعالي على سقف الحكمة، أو  لامع الحال، وحين سأجد نفسي متشابهة معي في شكل أو مضمون أسبق سأتوقف كما أعتقد.

*والآن دكتورة فاطمة باعتقادك هل تغير الكثير في تجربتك اذا وضعت مقارنة بين الامس واليوم وكيف تجدين مراحل التكوين الشعري لديك؟

 نحن نتغير  حتما بشكل أفقي وعمودي، متعدد وذاتي، كل كتابة هي نتاج وعي، وكل وعي هو حصيلة تجربة داخلية أو خارجية، وكل زمن يمر عليك يجرح ذاتك فلا تعود كما أنت قبله، وكل مكان يرسم حدود جغرافيته في روحك يذهب بك بعيدا، حتى لا تعود إلا وأنت مختلف عنه وعنك، الاختلاف والمغايرة حالة حتمية وجبرية في ذات الإنسان، والأشياء، بل الكون كله خاضع لفعل التغيير ، وحين قال هيرقليطس" لايمكنك أن تعبر نفس النهر مرتين" كان مصيبا لأبعد درجة، وهذا أمر في غاية الحيوية والأهمية، فالذي لا يتغير  ينتهي، ويتكلس ويتحجر ، ويغدو غير قادر على التواصل مع الكون، ومع فعل الكتابة المتجدد، في ذاته وموضوعاته وأشكاله ووسائله، ولذا أميل دائما للجديد والحديث من الوسائل والأفكار .

ولكن بالتأكيد رغم هذه الفكرة الواسعة، إلا أن الثبات هو جزء منها أيضا، فيظل النهر نهرا، ويظل العابر عابرا، وهكذا تظل الثوابت والنظرة الأصيلة والعميقة للأشياء مكوّن أصيل في الموغل من الروح والوعي الحقيقي للكاتب.

إذن نعم تجربتي تتغير وتنمو وأنا أقطع مراحل الحياة، وأضيف لوعي الشعري والإنساني لبنات جديدة كل يوم، ولكن أظنني أتمتع بقدر ما من الثبات الجارح والموغل والمتأصل التكوين، وفي النظرة الكلية للخير والجمال والإنسان، هذه النظرة التي تهبني التزاما واضحا (بالنسبة لي في الأقل) ضمن حضوري المؤقت على هذه الأرض، بالعميق والأصيل من قضايا الإنسان والجمال والعدل والحب.

*تقولين أن قصيدة النثر حجر يحرك المياه المتوحشة فمارأيك بقصيدة النثر وهناك من يعتبرها مجرد خواطر شخصية؟ وماذا قدمت قصيدة النثر للشعر العربي؟

لست بصدد مناقشة آراء شخصية، أو توجهات سطحية من البعض، أو حتى تلك الأحكام غير الموضوعية، والتي صدرت من منطلق قراءة عابرة، أو الاطلاع على كتابات بعض المتطفلين على قصيدة النثر، والعابرين للكتابة بأسهل الطرق وأقل الوعي والثقافة، فقصيدة النثر اليوم تقترب بهدوء من قرن من الحضور المتميز، والمتكاثر بوعي وعمق؛ حتى لتحتل أكثر الأشكال الشعرية حضورا،  ويكتبها أكبر الأسماء تحققا، وتحظى باعتراف أعمق الأصوات الشعرية ممن لم يكتبها أو كتبها، ولكنني أؤكد  أنها من  أصعب الأشكال الفنية، وأكثرها اشكالية وعمقا، وأقدرها على إظهار الشعرية أو عدمها، وأنها قدمت للثقافة العربية الكثير من الرؤى الفنية الجديدة والتي صدمت هذه الثقافة بقوة، وأدهشتها بعمق، وغيرت الكثير من أطرها، وخلخلت الكثير من ثوابتها، كما فتحت لها شرفات واسعة، ونوافذ مضيئة على الجمال المغاير، والكتابة المختلفة في الزوايا والرؤى،  وأقامت لها جسورا إبداعية وثقافية عريضة مع الآخر .

 * المرأة في الشعر الفصيح ضعيفة وهناك تجارب خجولة  ولا توجد شاعرة بارزة علي هذا الصعيد حتي الآن مارأيك ؟

لا أوافق اطلاقا على هذا الكلام، وأشم به رائحة حكم ذكوري متحيز ومطلق، ومصادر للآخر (المرأة)، وغير قارئ بعمق للمشهد الثقافي، فأولا عدم ظهور وحضور الأقلام النسائية لا يعني عدم تميزها وتفردها شعرا، بل قد يعني وجود الكثير من الحواجز الذكورية -في مجتمع ذكوري بعمق- تمنعها من ذلك ، وتضعها في هامش المشهد فقط لأنها أنثى، وكلنا يدرك كم هذه الأطر كثير ة وواسعة ومتشابكة في تعتيم صورة المرأة، ومنع صوتها من الوصول لأذن المتلقي وروحه.

وثانيا هناك الكثير من الشاعرات المبدعات اللواتي كتبن الشعر  من أعماقهن بكل وعي وجمال وثقافة وإنسانية، ولست بصدد الدفاع عن المرأة وشعريتها وإبداعها، بقدر ما يزعجني هذا الرأي، وهذه النظرة المتخلفة والمتأصلة في الثقافة العربية، والتي لا تزال تحيلك لمنطقة في الحوار والفكر أنت تجاوزتها منذ زمن، وتظن أن الثقافة العربية تجاوزتها أيضا، ولكن بين الفينة والأخرى يصدمك حضور الفكرة مجددا، وإلحاحها على التقليل من شأن المرأة في أي مجال، بعد أن فشلت في حجبها ومنعها من الحضور والتعاطي مع الإبداع، بوصفه هبة إلهية لم يفرق الخالق فيها بين رجل وامرأة، تماما كما لم يفرق في العقل والوعي والحواس وجميع الملكات والاستعدادات النفسية والجسدية والفكرية.

*ماهي الأسماء التي تأثرتي بها أدبيا وأثرت في كتاباتك؟

تأثرت بكل من كتب نصا جميلا من العصر الجاهلي حتى اليوم، ومازلت أتأثر، وتأسرني كل كتابة مدهشة، وتربكني حد القلق كل لغة جارحة،  وكل صورة فنية، وكل أسلوب مائز ، وأتوقف بفرح عند كل اقتناصة شعرية مذهلة في أي نص، وهذا مايجعلني متصلة مع الكتابة في كل صورها، ومستمرة في فعلها العظيم كقارئة أولا وأخيرا، وككاتبة دائما.

  *النقد في عمان، هل يرسم للمبدع الوجهة الصحيحة، أم يشتت العمل الإبداعي؟

النقد في كل مكان من عالمنا العربي متأخر أو متخلف كثيرا عن الحالة الإبداعية، وهو غالبا يخرج من رحم المؤسسة سواء كانت تلك المؤسسة مؤسسة أكاديمية أو ثقافية، ولذا يظل بعيدا ومؤطرا بالمناسبات والندوات والحالات الرسمية، وهو عكس الإبداع  لا يدخل في معترك اليومي، ولا يتماس مع الهامشي، بل يظل فوقيا عاجيا يحوم حول الإبداع وينتظر تأطيره ليكتب عنه، وهو يعتقد في نفسه العلو؛ ليمنح المبدع شهادة الحضور أو التقييم لعمله، في حين قد لا يكون هذا رأي المبدع الحقيقي، الذي يرى فيه تطفلا على الإبداع، ويهرب منه قدر ما يستطيع، وقد يرى نفسه أعلى منه مكانة، وأكثر جمالا بدونه.

والنقد لكونه ابن المؤسسة -غالبا- ، ولأنه ومهما افترض العدل والموضوعية يظل ذاتيا ومحكوما برؤية الناقد وتقديره الخاص، النابع من توجهاته وأفكاره ومعاييره، ونظرته الجمالية التي هي محصلة كل ما سبق،  فقد لا يكون صادقا دائما، أو عادلا في رسم خريطة المشهد الثقافي، أو في تقديم المبدعين، فقد يقدم من لا يستحق، ويهمل من يستحق، ولكن بالطبع هذا لا يقلل من قيمته وأهميته في تحديد طريق المبدع، ورسم إطار المشهد الثقافي بشكل عميق ومتزن في أي مشهد ثقافي بما في ذلك عُمان.

*هل حققت لك الكتابة كل ما تحلمين به ؟

لم أكن يوما أريد من الكتابة شيئا، مذ جئت إليها وأنا أكتب لأتنفس عبرها فقط، إنها تلك الصرخة التي ينفثها الكائن ليستمر بخفة أكثر ، إنها الشهقة التي من خلالها أستطيع أن أقول (لا) لكل القبح المنتشر في الكون، لكل الموت والحرب والقيد والدمار، لكل الظلم والجوع والقهر والقتل، (لا) لكل من يريد تعتيم الصورة الكونية والإنسانية التي خلقها الله جميلة ورائعة، و(لا) لمن يريد تسطيح العقل، وبث الفتنة، وظلم البشر .  وهي ذاتها نعم لكل الجمال والحب والسلام والصداقة والخير والعدل والمساواة الذي يستحق الإنسان أن يحظى بها، ويعيش ضمنها.

لم أكن أريد من الكتابة شيئا، ومع هذا فهي أعطتني الكثير من المتعة المعرفية، والسلام الداخلي، والصداقات، والحب، والسفر، والقرّاء، والكثير الكثير من الفرح كلما كتبت نصا جديدا، أو نشرت كتابا جديدا، أو حظيت بقارئ جديد.

* كيف ترين الأدب العربى علي الخارطة الأدبية عالميا ؟

الأدب العربي كنتاجات ثقافية كثيرة ورائعة وجديرة بالاحتفاء، فلدينا كتاب ومفكرون، وحالمون وشعراء، وفنانون وموسيقيون؛ أنتجوا الكثير من الأعمال الإبداعية الراقية، والتي تستحق الوصول للآخر للإطلاع عليها، والاحتفاء بها،  لدينا الكثير والجميل من كل شيء شعرا ونثرا، ولكن حالتنا الثقافية (العامة) المريضة بالكثير من الأوبئة والعلل، لا تسمح بتصدير جمالنا للآخر، وهي أقبح من أن  تحرّض الآخر  للبحث عن جمالياتنا وسط كل هذا الخراب والموت والجهل والعنصرية.

ومه هذا فهناك من استطاع تجاوز عقبات الزمن والمكان والصورة المقيتة، ووصل للآخر فعلا، ولكن تظل تلط نماذج قليلة، وربما اجتهادات فردية، ويظل الأدب العربي على هامش خارطة الإبداع العالمي.

*برأيك ما هي أهم المشكلات التي تواجة الثقافة العربية ؟

لدينا الكثير من المشكلات في  البنية العميقة  للثقافة العربية  بمفهومها الكبير، وهي أكثر من أن تحصى، وهي مشكلات يغذّيها الجهل والفقر والعنصرية بكل أنواعها الجنسية والدينية والطائفية والعرقية واللونية وغيرها أشكال العنصرية،  وحين تتغير ثقافة المجتمع العربي وتذهب نحو  الانفتاح، واحترام حرية الإنسان، وخصوصيته، وتقبل الآخر، والتعددية، واتساق الوعي الفردي مع الوعي الجمعي -وهذا يحتاج الكثير من الوقت والمال و الاشتغال الصادق والواعي من المؤسسة الثقافية والسياسية ومن المجتمع بوصفه أفرادا قبل كل شيء- حينها فقط يمكننا أو يجب أن نكف عن أن نتحدث عن الثقافة بوصفها جماعة تشتغل بالأدب والكتابة، بل ننظر إليها، أو ننظّر لها كحالة اجتماعية عامة، وثقافة حقيقة، تعكس فكر وتطلعات الإنسان كفرد وكجماعة في ذات الآن.

*ما هو جديدك في الفترة القادمة ؟

أنا أكتب، وسأظل أكتب، ولذا فدائما هناك جديد، سواء سكن بين دفتي كتاب، أم بقى عائما هائما في الفضاء الصحفي والإلكتروني، ينتظر  لحظة ولادة ورقية مرتقبة.

الاثنين، 1 يونيو، 2015


فاطمة الشيدي

خرساء كل هذه اللسن
مع أن الكل يصرخ بلا توقف
صماء كل تلك الآذان
مع أن الغناء يسيل كالأنهار في كل مكان
الجفاف يقبض على أرواح الأشياء
مع أن الدموع هي لغة الكون الوحيدة
تزهر الوحدة في الروح كوردة نادرة
ويأكلنا فقد بشع كل امتلاء
نتحسس اللحاء
وننسى الشجرة حين يحل الدفء
كل هذا الماء المتدفق
كل هذا الشجر اليابس
إنه الحضور المزدوج للمعنى
إنه العبث بزاوية ما ،  والعدم بزاوية أخرى

الأربعاء، 27 مايو، 2015

 
"الزمانُ مكانٌ سائلٌ، والمكانُ زمانٌ متجمِّد" ابن عربي
كنت استحضر هذه المقولة وأنا أتابع هذا الفيلم الذي لم ينتبه للزمن الداخلي أبدا، وركّز فكرته على أثر الزمن على الخارج فقط
.

الثلاثاء، 26 مايو، 2015

أرقص وإن لم تزل
جراحك مفتوحة
أرقص .وأنت حر تماماً

جلال لدين الرومي

المعنى والمبنى في رواية «قواعد العشق الأربعون»

فاطمة الشيدي
جريدة عمان  ملحق شرفات
26/5



مقاربة عامة:
«إن الجحيم يقبع في داخلنا وكذلك الجنة»

ربما لم تحظ رواية معاصرة بما حظيت به رواية «قواعد العشق الأربعون» من اهتمام وتقدير من قبل القراء والنقاد على حد سواء في الشرق والغرب، وانعكس ذلك الاهتمام في شيوعها وذيوع صيتها بين الجميع من جهة، وفي كثرة ترجماتها إلى لغات عدة من جهة أخرى.

وربما يعود ذلك لتناولها جانبا مهما من التاريخ الإسلامي وهو «الصوفية» بأبعادها الروحانية، وعمقها الإنساني القائم على التخلص من براثن المادة، وأوزار الحياة، وقيود المجتمع والآخر، والغوص عميقا في الذات لحفر مكنوناتها، وإطلاق نوازعها وزعزعة ثوابتها وخلخلة أحجارها، وتحريك الراكد من مياهها، والذهاب بعيدا في الحب والتسامح والرؤية البعيدة لله والوجود والإنسان. خارج الظاهري من الأحكام.

مازجة بوعي سردي عميق وبسيط بين الماضي والحاضر، من خلال قصتين متوازيتين بين زمنين متباعدين جدا، إلا أن كليهما يعيش الكثير من التوترات والأزمات والفتن، كما أن كلا الروايتين تركز على مفهوم العشق بشكله الكبير والمطلق، الأولى هي قصة واقعية معاصرة، والثانية هي رواية تاريخية عن حياة شاعر التصوف الروحي الكبير الذي ألهم شعره الكثيرين، وهو مولانا جلال الدين الرومي، وأستاذه الروحي الذي ألهمه وجعله شاعرا «شمس التبريزي».

والرواية في بعديها المعاصر والتاريخي دعوة إنسانية راقية لفهم الذات، واستيعاب الآخر، ونبذ العنف، مؤسسة لقيم التسامح القائمة على الفهم الكلي للكون والوجود والإنسان، خارج التحزبات الجزئية، والنظرة الناقصة القائمة على الأحكام المسبقة الجاهزة، التي يتم محاكمة الإنسان وفقها، سواء كانت أحكام دينية أو اجتماعية.

وبالتالي فهي تصدّر «أربعين» قاعدة روحية يقولها التبريزي في مناسبات مختلفة، حول العشق والسلام والمحبة والرؤية العميقة لباطن الإنسان، بعيدا عن القسوة والظلم والأحكام المطلقة والعامة، والتي مهما تغطت بغطاء الدين أو العرف تظل ناقصة، ولا تأخذ في الحسبان روح الإنسان التي جبلت على الخير والمحبة والطهر، وهذه هي النظرة العرفانية الصوفية للإنسان والقائمة على التسامي والتحليق البعيد الموغل للأعلى وللعميق منه.

تحليل النص :

المعنى:
«إن القذارة تقبع في الداخل لا في الخارج»

تقوم رواية «قواعد العشق الأربعون» على إعلاء قيمة الحب كقيمة مطلقة خارج كل المعايير، وبيان أهميته في بعث السلام الداخلي للروح، والفرح الحقيقي للقلب، مقدمة لمبدأ وجودي هام وهو أن الإنسان لا يستطيع الحياة بلا «عشق» جارح وجارف يشعل حواسه، ويرضي ذاته، ويضيء له الطريق. وأن من يعيش من دون حب حقيقي يعيش بلا غاية كبرى، ولا هدف بعيد، وبالتالي يعيش حياة جافة أو شبه ميتة، بلا قيمة ولا طعم ولا لون، مهما امتلك من أسباب السعادة الخارجية كالمال والأولاد والوظيفة وغيرها من أمور لا تتصل مع الروح، ولا تشفع للوجدان بالهناء والاستقرار. مؤكدة على فكرة الرفيق «مرآة الروح» الذي تتمرأى فيه الروح ذاتها وتدرك مكنوناتها، وتبصر غاياتها من خلال الاتحاد الكلي بين الذاتين، لتصبحا ذاتا واحدة، وروحا واحدة، يحدث بينهما التلاقي الكلي، والفهم المطلق بلا كلام، ويثق كل منهما بالآخر ثقة عمياء؛ لأنه مرآة لذاته، فهو ذات أخرى.

كما تركز الرواية على فكرة تهذيب الذات بالمعرفة، التي عليها أن تكون عميقة في الداخل، متحدة تمامًا مع الذات من جهة، ومتعددة في الخارج بحيث تمتزج بآهات الإنسان وضعفه ووجعه. كل هذا عبر استلهام روح التراث الصوفي، وقواعده القائمة على العشق والتأمل والتعالي والارتقاء في المحبة لله والكون والبشر معا.

فالتبريزي والرومي كان كل منهما يسير في طريق العلم والفهم لله والكون والإنسان إلا أن كل منهما كان يبحث عن مرآة روحه، ورفيق وعيه، ذلك الذي يستطيع أن يحدثه كأنه يحدث ذاته، بتكافؤ كلي، وعمق ومعرفي، واتحاد تام، وكان كل منهما يشعر بالفراغ في روحه لأنه لم يعثر على هذا الرفيق، حتى يسر لهما الله اللقاء، لتتحد روحيها في امتزاج كلي، برهنا عليه بعزلة لأربعين يوما، وعبر تصديق كل منهما للآخر، خاصة الرومي الذي ترك المكانة والمنصب والحضور المهيب بين الناس ليخلص لله عبر وسائل شمس وهي نفض حمل وشهوة السلطة، وهيمنة الخارج على الداخل، والاقتراب من الناس في كل مستوياتهم مهما كانوا وفق الأحكام العامة مبتذلين أو قذرين، فهو يذهب لقراءة الروح بلا حكم مسبق، ولا نية في إصدار أحكام جاهزة أو مسبقة على أحد.

لقد نجح هذا اللقاء بين روحين كل منهما مرآة للآخر في سبر عمق الوجود، واستشفاف روح المحبة الخالصة في الأرواح الطيبة، مهما اتسخ جسدها، وفي الوصول إلى سر الوجود الكبير عبر الاتحاد الكلي به، وتقديم خلاصة هذه المحبة التي تقوم على العشق لله بدءا؛ قواعد في العشق والمحبة الكلية لله والإنسان والكون، تنير الأرواح وتهدي للجمال والخير والسلام والسكينة التي هي غاية الغايات، وسر معرفة الخالق، والاتحاد الكلي مع روح الكون وموجوداته وكائناته.

المبنى

1.رواية في الرواية :

بدأت الرواية بقصة معاصرة جدا «في القرن الحادي والعشرين»، وقابلة للحدوث وهي قصة «إيلا روبنشتاين» المرأة الأمريكية التي تعيش في «نورثامبتون» والتي كانت حياتها شبه مستقرة «كما تعتقد في الأقل» بزوج يعمل طبيب أسنان ناجح، وبيت وثلاثة أطفال، مكتفية بحياتها الروتينية كربة بيت، والتي كانت سلسلة من العادات عبر عشرين سنة من الزواج، ومع أنها لم تكن تشعر بالحب إلا أنها لم تعتقد يومًا أن الأمر ضروري جدًا في عمرها وحياتها، كما كانت تعرف عن خيانات زوجها الكثيرة إلا أنها كانت لا ترغب أن تثير ما يعكر صفو حياتها المطمئنة والمضمونة في مستقبلها.

إلا أن إيلا التي كانت خريجة أدب الإنجليزي بدت تشعر بالفراغ، بعد أن كبر أطفالها، فبدأت تبحث عن عمل، وأخيرا تلقت عرضا من وكالة أدبية لقراءة روايات وإعداد تقارير حولها، وأرسلت لها الرواية الأولى بعنوان «الكفر الحلو» .

وذات يوم حدث بينها وبين ابنتها الكبرى ذات غداء موقف أثار حفيظتها، فابنتها ترغب في الزواج من شخص أحبته، وهي لم تكمل دراستها، وحين حدث مشادة كلامية بينهما، كان كلام ابنتها منصبا حول فكرة الحب، التي تظن أنها السبب الوحيد للزواج، في حين تظن الأم أن هناك أمور كثيرة أهم من الحب.

لقد أثر هذا الموقف في إيلا التي بدأت تراجع حياتها في ضوء غياب قيمة الحب من حياتها، بل ومعرفتها بخيانات زوجها الكثيرة، حدث هذا وهي تقرأ الرواية، وأدهشها كثيرا تركيز المؤلف(أ.ز زاهارا). على قيمة الحب الذي اعتبره مفتاح الحياة والسعادة الوحيد في الكون، وبالطبع لم يكن هذا رأي إيلا، ولذا فحين وجدت البريد الإلكتروني للكاتب على نسخة الرواية، أرسلت له تحية ورسالة تناقش الكاتب في فكرته عن الحب، وتحكي له ما حدث بينها وبين ابنتها حول هذه الفكرة.

استمرت الرسائل بينهما تتدفق والحكاية تتسع حتى تحولت لحب، غمرها عشقا وفرحا، وأنساها كل الشقاء والتعب والشك والحيرة التي كانت تعيشها في حياتها، والتقت لاحقا بعزيز مؤلف الرواية، وغادرت معه إلى تركيا، في موقف حازم وربما متهور من زوجة وأم تتخلى عن كل شيء، من الأمان المادي والاجتماعي في سبيل الحب، إلا أن عزيز الذي كان مصابا بالسرطان يرحل عنها بعد أن عاش معها أحلى أيامه، وتقرر إيلا أن تعيش الحياة الحاضرة كما هي بعد أن كانت تعيش في الماضي، وتنظر للمستقبل فقط.

أما الرواية الثانية فهي رواية في القرن الثالث عشر، – وهي الرواية التي كتبها عزيز إعجابا وتقديرا لجلال الدين الرومي، والتي كلفت الوكالة الأدبية إيلا بقراءتها وكتابة تقرير حولها – حيث جلال الدين الرومي الفقيه والعالم والخطيب المفوّه الذي يعيش حياة كاملة في بيته وأسرته وبين مريديه وطلابه في قونية في آسيا الصغرى (تركيا حاليا)، وشمس التبريزي الدرويش الفارسي الذي ظل يرتحل من مكان لمكان يصاحب الليل والكائنات والفقراء والمجذومين والبسطاء ويتنقل بين تكايا الدراويش، إلا كل منهما كان يتمنى الحصول على رفيق، مرآة لروحه الحائرة، ووطن لفكره، وصديقا للحياة الشاقة بلا روح قريبة، وبعد الكثير من الرؤى يذهب التبريزي لبغداد في تكية أحد الصوفيين، وهناك يأتيه نداء الرومي، فيلتقيان بعد طول زمن، ليجد كل منهما في الآخر شقيق روحه ومرآة نفسه، يتكلمان ويهمسان ويختليان وتحدان بالعشق، لكن الجميع يستكثر هذه العلاقة بين شمس التبريزي الدرويش غريب الأطوار والذي يذهب في الحياة بحلوها ومرها، منتصرا للروح والإنسان مهما خف قدره، ووضعت مكانته، وبين الرومي الفقيه الذي كان محاطا بالمريدين والطلاب والتابعين، والذي أصبح يتبع شمس في كل شيء فتغير من الفقيه الخطيب إلى الشاعر الدرويش القريب من الناس والله بشكل مختلف تماما.

وهذا ما أثار حفيظة البعض من المتشددين والمعترضين على تلك العلاقة ومنهم ابن الرومي، حتى قرروا قتل شمس، لإبعاده عن الرومي، الذي لن يعود مجددا كما كان خطيبا وفقيها، بل سيظل عاشقا وشاعرا يكتب الشعر في لوعة الحب وأثر غياب شمس.

2.تعدد الأصوات :
يتعدد رواة رواية قواعد العشق الأربعين، حسب الشخصيات والأمكنة التي تروي حكايتها في زمانين (القرن الحادي والعشرين، والقرن الثالث عشر) في أمكنة متعددة بين بغداد وقونية، وتركيا، ولكل منهم حكايته الكبيرة والواسعة والتي تأخذنا لزمن ما معها، وهي أيضا جزء من الحكاية الكبرى، والقصة الكلية، ولكن كأن كل فرد يحكي حكايته من زاويته الخاصة «عبر ضمير المتكلم»، ليكون صادقا في نقل الأحداث، أو عبر صوت « السارد العليم» الذي يشكل ضمير السرد المخلص الذي ينقل لنا صوت الشخوص، ويحرك خيط الأحداث باتجاهات فكرته الكبرى، وهو صوت الكاتبة بالضرورة.

وقد قسمت الكاتبة الرواية إلى خمسة أجزاء بعد استهلال إيلا، ومقدمة، والقاتل وهما جزآن لم تدخلهما ضمن حيز التقسيم، وهي عناصر الكون، الأول: الأرض: الأشياء التي تكون صلبة متشربة وساكنة، والثاني: الماء : الأشياء السائلة تتغير ولا يمكن التنبؤ بها، الجزء الثالث الريح: الأشياء التي تتحرك، تتطوّر، وتتحدى، الجزء الرابع: النار: الأشياء التي تدمر وتحطّم، الجزء الخامس: العدم: الأشياء الموجودة من خلال غيابها.

وضمن هذه الأجزاء تتحرك الحكايتان عبر الأصوات الخاصة للرواة (إيلا وشمس والرومي، والقاتل، والمتسول، ووردة الصحراء وغيرها) . في تداخل غير مربك البتة، لأنهما حكايتان متباينتان في الزمن والأمكنة والشخوص.

أخيرا: أظن أن هذه الرواية نجحت هذا النجاح الكبير بسبب تلك القواعد القائمة على العشق والتسامح والخير والتي بثت عبر الرواية، والتي تلامس روح الإنسان التي ترزح تحت وطأة العصر بماديته وجفافه، وتحتكم لتلك النظرة الناقصة والعامة لله والدين، وفتحت لها منافذ جديدة لرؤية الله والكون والإنسان برؤية حقيقة قائمة على العشق والمحبة الخالصة، والصدق والتسامح بعيدا عن خطابات الكراهية والزيف والكذب المستشرية كالنار في الهشيم، لتسمو به في مدارج العلو والرفعة والتحليق في رحاب النور والسلام.

فهي بما فيها من رؤية عميقة لله وللوجود وللإنسان، رسالة كبرى للحب والتعددية والاختلاف والتسامح والبعد عن الأحكام الجاهزة في زمن الصراعات والفتن الذي نعيشه، وربما لكل زمان ومكان ولعل هذا تماما ما أرادته الكاتبة من كتابة هذه الرواية، إضافة إلى بعث قصة جلال الدين الرومي، وإحياء التراث الصوفي وتوطينه في ذهنية المتلقي العام، وهذا دور الرواية في الوصول إلى كل مستويات المتلقين، وبث الأفكار بكل مضامينها التاريخية والسياسية والفكرية عبر السرد، بهدوء وسلاسة تصل للجميع لتحقق غايات الكاتب، وأهداف الكتابة.

لقد نجحت الكاتبة في ربط القارئ المعاصر بالإيمان الصوفي القائم على العشق والمحبة التي ما هي في جوهرها سوى الله القريب جدا، بحيث نراه في قلوبنا وأرواحنا، نورا يضيء طريقنا بالحب والسلام والخير مهما اشتد الضيم، وتأزمت حوادث الدهر، «لقد خلق الله المعاناة حتى تظهر السعادة من خلال نقيضها، فالأشياء تظهر من خلال أضدادها، وبما أنه لا يوجد نقيض لله فإنه يظل مخفيا».



.

الأربعاء، 20 مايو، 2015

 المرأه لغز مفتاحه كلمة واحدة... هي الحب"
نيتشه
هذا أعمق ماقاله هذا الفيلم، عن قصة الكاتب الإنجليزي الكبير
توماس هاردي Thomas Hardy . 1840-1928♡♡

الاثنين، 11 مايو، 2015




قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
لم ألتق الشيخ خلفان العيسري يوما، ولم أسمع منه شيئا، ولكنني سمعت عنه الكثير، مما يثلج الصدر، ويبهج القلب، ويوقر التقدير والاحترام عميقا في النفس، من كثر من العارفين والمدركين لعظمة النفوس، ورفعة العقول، ويدرك المرء سلفا ودوما أنه لا يجتمع جمع على زيف أو بريق.
ولكنني اليوم وأنا أرى كل هذا الحزن الصادق في مواقع التواصل الاجتماعي من كل هذه الأفئدة، من مختلف المشارب والاتجاهات والأعمار، وأرى الوفرة والازدحام في صور الجنازة والتشييع الكبير والمستحق لهذا الرجل الجميل والنبيل، أدرك أن الصدق لا يخلف إلا تقديرا، وأن من يحصر قلبه في الله، يعلّق الله به قلوب خلقه، ويعطيه ويكفيه.
فلروحه الرحمات، وعليها السلام.

السبت، 9 مايو، 2015

أخلاقيات المعرفة


فاطمة الشيدي القدس العربي
May 9, 2015

منذ فترة شعرت بنشوة داخلية لأن حراكا ثقافيا قائما على الاختلاف ظهر في ثقافتنا الراكدة، أو في وسطنا الثقافي الآسن، اختلاف علني وصريح لأول مرة وعلى أكثر من صعيد. بالتأكيد هناك الكثير من الاختلافات، والخلافات الداخلية والمضمرة، والنقد الضمني، وربما النميمة الثقافية بين شلة ما، وهناك إقصاءات ونفي من جماعة لجماعة ومن أديب لآخر، ولكن ثقافة النفاق السائدة كانت تقتضي الستر، والبعد عن التجريح العلني، أو النقد الصريح، والذهاب في الصمت والنميمة.
ولكن لأول مرة وجدت حراكا نقديا فكريا حقيقيا علنيا، قائما على الاختلاف الصادق والعميق والضروري في وجهات النظر. ولذا بدا الأمر لي بداية جيدة للنضج الثقافي، وثورة ضمنية على المهادنة الكاذبة، والثقافة الممالئة خارجيا، والمقصية للآخر داخليا. وبدا لي صوت المثقف المختلف مع الآخر حقيقيا وهو يقول «أنا ضد رأيك، ولكن عليك أن تقوله، وعلينا أن نختلف لنفهم، ونحرك هذا الركود المنافق».
تمثل ذلك أولا في موقف بعض الكتّاب من قلة أنشطة جمعية الكتاب والأدباء، وجمودها، وقلة حراكها الثقافي، واحتكار أنشطتها في فئة قليلة أغلبهم من مجلس الإدارة، وارتفاع الأصوات بالمطالبة باجتماع الجمعية العمومية لمناقشة هذا الأمر.
وثانيهما في الموقف المستهجن من بعض الكتاب لامتداد فترة مجلس الإدارة لفترة زمنية طويلة في انتخابات جمعية السينمائيين، وبالتالي احتكار مؤسسة مجتمع مدني في فئة أو شخص، ووجهة النظر المقابلة من الموضوع.
وثالثهما في موقفين مختلفين تماما بين معجب ومستهجن لمحاضرة يوسف زيدان في النادي الثقافي، وآرائه في التراث والدين والجماعات الإسلامية.
ورغم وجود حركة شللية غالبة وواضحة الانحياز لأي من الفريقين، في كل هذه المواقف والاختلافات، إلا أن الأمر في بعده البعيد عميق ومجترح لفكرة الاختلاف الضرورية للاستمرار الثقافي، والحيوية المفترضة في وسط يشتغل بالأفكار بدءا وخاتمة، والأفكار مصدر خلاف واختلاف بالضرورة.
وهذا الحال قائم في مختلف البلدان العربية، كما يظهر في الصحف والكتابات النقدية المنحازة لجغرافيا مكانية أو نفسية، وكما يتجلى الآن في مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك الشللية القاتلة، وهناك الشعوبية الشوفينية التي تطلق أحكامها العامة، وتميّل الكفة لصالح المكان، بعيدا جدا عن الموضوعية النقدية والوعي الإنساني، وبعيدا عن قيمة المبدع والإبداع، فكل شعب يصفق لمواطنيه على أنهم الأعظم، والأهم إبداعيا وثقافيا. ولا ينجو من ذلك المثقفون والمبدعون وذوو الوعي الجارح، فانتساب واحدهم لبلد ما، يفرض عليه كما يبدو اللجوء «للنزعة الجماعية» التي تجعله يبجّل ويقدم أبناء جلدته، تقديما يليق بانتمائه له، خارج أية معايير إنسانية أو ثقافية أو إبداعية.
وقد ظهر هذا في برامج الشعر والفن التلفزيونية، وها هو يمتد للجوائز الثقافية، فبدون قراءة لأي من روايات البوكر ينحاز كلٌّ لجغرافيته المكانية أو حتى النفسية، ويذهب بعيدا في الجدل والدفاع عنها وهو الذي ربما لم يقدّر له أن يعرف اسم الكاتب قبل يوم الإعلان عن الجائزة.
هذا ناهيك عن الاستشراق العربي، الذي يحصر الثقافة في حواضر المراكز الثقافية التي ألغتها الثورة الرقمية، وقضى عليها الذهب الأسود في تغيير مواطن القوى، ومع هذا فهناك من لا يرى في بلدان النفط «الجزيرة العربية» بتاريخها العربي الأصيل، وحضارتها القديمة، وحضورها الجديد الذي جمع الوطن العربي في بيئات مجتمعية جديدة تكاد تكون متلاحمة، أكثر من البعر والبعير، والخيمة والمعيز.
إن إشكاليات الثقافة العربية أكثر من أن تحصى، وهي عميقة ومتجذرة بحيث تشمل التكوين النفسي للإنسان بدءا، ثم تذهب في أخلاقيات الجماعات لاحقا، ومنها الجماعات المعرفية.
فالجميع مرتبك في رؤيته، ومتبدّل المواقف حسب الضرورات التي تبيح المحظورات، في رؤيته للفكر والإنسان معا، فبين من ينتهج الشوفينية المقصية في نظرته للآخر، وبين من لم يعتد سوى المديح المجاني، والتطبيل الداخلي والخارجي، بل وحتى لم يتعلم فهم المديح الموارب أو البعيد، أو غير المباشر، بين التقديس والتبجيل، والإقصاء والمحق، تسير ثقافتنا متخمة بهمومها وإشكالياتها المتصاعدة، التي لا تحفّز إلا على التشاؤم.
إننا لم نربِ القدرة على تقبل الاختلاف، أو الموضوعية في الأحكام مع الآخر، ولم نتعلم كيف نفرّق بين الشخصي والفكري. واعتدنا التصفيق للأحكام الجاهزة والسماعية والمنطلقة من مجامل أو منافق، كما اعتدنا الحكم المطلق، والتبجيل المطلق وتقديس الرموز والأصنام، والحكم المطلق جهل مسبق.فالأحكام النقدية يجب أن تكون موضوعية ودقيقة، فمن حق الشخص (المثقف) أن ينتقد كتابا أو فكرة أو محاضرة أو نصا، نقدا علميا دقيقا، مفصِلا في مواضع الخطأ أو السهو أو الجهل فهذا عمله. ولكن بلا تعميمات جاهزة، أو مسح مجهودات علمية وفكرية تاريخية، بجرة قلم، فتعميم الأحكام المسبّقة جهل تام، وتثاقف أرعن.
نعم علينا أن نختلف، لأن الاختلاف ضرورة ثقافية، فكل ما نحياه اليوم من مصادرة للعقول والأنفس والحياة بكلّها، لأننا لم (أو لم يُسمح لنا) أن نتعلم كيف نختلف، وكيف نتحاور، وكيف نكون موضوعيين في خلافنا واختلافنا. فقط كان هناك وما يزال امتعاضات كثيرة، وانتقادات داخلية، وتحزبات تنتظر فرصة الانقضاض، وهناك ابتسامات صفراء مريضة ومجانية توزع في الخارج، وربما مصافحات باهتة، وعميقا تكبر الاحتقانات الداخلية التي تنتج الإقصاء، وتنتظر القوة والمركز للظهور والتجلي الذاتي وإلغاء الآخر أو نسفه، ما لم تكن هناك حاجة ما لمهادنته ومنافقته، للتحصل منه على منفعة ما لمركزه أو مكانته أو ماله.
نعم علينا أن نختلف ولكن بوعي، ونحن ندرك أن الاختلاف بداية النقد، والنقد بداية التغيير، وأن من حق الآخر أن يختلف عنا ومعنا، ولكن علينا أن نحترم فكرة الاختلاف ونتحاور معها فقط، وليس علي أي شخص أو فريق دفع ثمن الاختلاف بأي شكل كالإقصاء أو المصادرة، فالاختلاف حق مكفول بالإنسانية القائمة على الاختلاف أصلا وأساسا.


الخميس، 7 مايو، 2015

أحب القصيدة التي تقولني

فاطمة الشيدي
مجلة القافلة ص68
(العدد الثاني .. مارس/إبريل 2015)


 لِمَ يحب شاعر قصيدة دون أخرى ويرشحها للظهور، لتكون ظله في مكان ما، وصوته في محفل ما، وصورته في أوراق ما. يقول البعض إن القصائد كالأبناء، وبالتالي فنحن نحبها بالتساوي، ولكنني أحب القصيدة التي تقولني، التي أستطيع أن أنسبها إليَّ، بعض أبنائنا نحبهم لأنهم أبناؤنا فقط، وبعضهم نحبهم لأنهم يشبهوننا. أنا أنانية بعض الشيء أحب من يشبهني، في الروح والفكرة والوعي، أحب المرايا، كأي امرأة، يطيب لي الحوار معها، والحكي على لسانها، حتى لو عكست بعض التجاعيد، وكثيراً من الإرهاق والحزن والتعب. المرآة هي صورة طبق الأصل منا، لا شيء كالمرآة يشبهنا، وهذا ما أحبه في الشعر أيضاً.

القصيدة هي لساني المقطوع، وعيي المخبوء، حيرتي العميقة، وجعي الذي ينهشني في الخفاء، لا أحد يعرف عني ما يستطيع الشعر أن يصل إليه، الشعر الذي نكتبه من الخارج هو شعر سطحي، شعر يسلي قارئاً سطحياً. وأنا أحب الشعر الجارح، ذلك الذي يعمل كطبيب نفسي ماهر، يصيبني بالدوخة والدوار وهو يدخلني في غيبوبة التنويم المغناطيسي، ثم يحفر في لاوعيي عميقاً جداً، ليستخرج مكنونات ذلك الغائب، هناك سيجد الرفض، والوجع، والحيرة من الناس والفكرة ومن كل شيء.

حين يصل إلى ذلك المستوى من الحفر العميق سيعرفني تماماً، سيعرِّيني من التصنع الذي أضعه ككل البشر قناعاً على وجهي ثم أمضي بحرقتي ووجعي ويأسي وشكي بينهم، بلا جرأة من أحدهم على اقتحام أسوار داخلي المظلم. وحده الشعر يعرف ذلك، وحده يدرك حيرتي أمام الله الذي أحبه، وأسأله الصفح والرحمة أكثر، وحيرتي أمام الناس وهم يشهرون أظافرهم حقداً وشراً في وجوه طيبة وضعيفة بلا إنسانية ورحمة، وأمام السياسة التي تحرك عالمنا نحو ليل لا نهار له، ووجع لا راحة فيه، وأمام هذا العالم الذي أصبح فارغاً من المحبة ويسير في سباق محموم بالمادة والشر والقبح.

أحب هذه القصيدة لأنها تعمِّق السؤال في داخلي، لِمَ أكتب؟ وهو سؤال جارح وطويل وممتد ومتجدِّد، لا أستطيع تجاهله أمام كل الوجع الذي يكبر داخل الروح يوماً بعد يوم، دون أن تستطيع أن تنفثه خارج الكلمات، لأنه وجع متماهٍ لا شكل له ولا لون، فقط له طعم ورائحة تجدها في لسانك وأنفك، وأمام الخراب المحيط بالعالم، وعجز الكتابة عن أن تكون صديقاً لا يمل، تحكي له وجعك الغريب، وحزنك المريب كل لحظة دون أن يهرب من تفاهتك التي يظن، أو ضمادة تسعف جراح الأطفال، أو سقفاً للمتشردين، أو لقمة خبز، أو مدفئة لأيتام العالم ولاجئيه.

فلربما تستطيع الكلمة الواهنة الضعيفة أن تكون دمعة ساخنة تريح الروح وتخفِّف الوجع وتدرأ القليل من الحيرة والألم. ولعلها تصبح بوحاً لقارئ لا يكتب فيجد في القصيدة وجعاً يقول عنه ما يريد، لعلها تصبح لسان الحيارى، وصوت المقهورين في هذا العالم الذي يسير إلى حتفه، فلهذا فقط أكتب، وفي مناسبة كهذه كتبت هذه القصيدة يوماً ما.

حِرْفَة

– 1 –

أكتب كراقصة باليه عرجاء
تتخبط في الحركة، ولكنها لا تتنازل عن حلمها
كسلحفاة بحرية تعيش في حوض سمك
ينظر لها الصغار بغبطة
كعازفة بيانو عمياء
تتحسس المفاتيح بروحها المبصرة
كشحَّاذ على طريق مجهول
يدرك أنه لن يتحصل على المال
ولكنه يلتذ بالانتظار
كعامل نظافة عجوز يرى في الشارع بيتَه
وفي كل عابرٍ ابناً سيحتضنه يوماً
أكتب الحياةَ بزاوية النقص
وبدمعةٍ تترقرق في العيون
لأن الكمالَ وهَمْ
والسعادةَ فكرة

– 2 –
تأتي الفكرة آخر الليل
تعضُّ على روحي
ساذجة طيبة
كما يليق بفكرة متشردة
متشققةِ الملابس مغبرةِ الوجه
تدخل من ثقبٍ ما في رأسي أذني أنفي أو عيني
وتتربع هناك تماماً
تعوي في رأسي بعنف
كذئب وحيد
تعبث بأشيائي العميقةِ هناك
تشذب فكرة الشعر
تنتشل مفرداتٍ صارمةً كالأبدية والخرافة والموت
تلقي بها بعيداً وتضحك
يريـبها الحزنُ المتمترسُ خلف الفص الأيمن من عقلي
تهزه قليلاً
ينظر إليها برجاء أن تتركه في حاله
تلوك ما يحلو لها من مفردات
شماعة الأزل
التيه
الصحراء والسراب
وتبتلع على عجل أوهامَ الكلام المنمقِ والمحشور في زاوية
شماعة الوهم
خزعبلات كثيرة تجدها تسربت من الكتب
تضع قدماً على قدم وهي تتأمل فكرة العدم
تنظر لروح سيوران وكافكا المتمترستين هناك
تنفض الغبارَ عن الكلام
وتؤمن بالتفاصيل الجزئية
ودورَ الراعيةِ الذي يشغلني، وحفارَ القبور، وخيالَ المآتة، التي أركن إليها
تباركها
وتختار لنفسها كلمات جديدة لتصلح هيأتها في ضوئها
وتخرج بصندوق كبير كنعش لحبيب
أو جثة لجريمة قتل
تلقيها في البحر
وأسمع الطشطشة
وأنفض رأسي الذي يصبح خفيفاً جداً
وأبدأ في الكتابة

– 3 –
أكتب تماماً كما يعمل نحات مهووس
يقترب من جذع شجرة قرَّر أن يحولها لامرأة
يبكي في البدء عند أقدامها
يعتذر لها عن قسوة الفأس ولحظات الموت
وأنه سيحرمها من الهواء والماء والغابة
والعصافير، وتحديداً من نقار الخشب
يقول لها هذا تماماً سيكون دوري منذ اللحظة
مع أنك لن تشعري بدغدغات إزميلي
كما كنت تضحكين للثمات منقاره
ثم يخبرها عن فكرة الخلود والفن
ويعدها بأنه سيتجول بها في كل متاحف العالم
وأن الجميع سيشير إليها بانبهار
لكنه يهرب فجأة من يديها
لأنه شعر أنها سترفسه، لو لم يتوقف عن هذه التفاهات
أنا أيضاً هكذا أنهي النص خوفاً من رفس الكلمات
أو اتصالها معاً لتشكل حبلاً يلتف حول رقبتي ليخنقني
فأنتم لا تعرفون قوة الكلمات الحقيقية خاصة إذا اتَّحدن
ولذلك ليس عفواً أن يقول سيوران «الكلمة خنجر لا يُرى»
ولأنني امرأة جبانة تخاف الخنجر والحبل والرفس
أكتب نصوصاً قصيرة غالباً

سيرة
ولدت على حواف الماء بين ملح أجاج، وعذب وفرات، في الضلع الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية «مجان النحاس، ومزون الماء، وعُمان الإنسان»، حيث التاريخ يفترش أضابيره وأوراقه ليحكي تاريخ الماء والحروب والغزاة وتبدل الأحوال بين زمن وزمن في اليسر والعسر، وفي الغنى والفقر، وفي الظلم والعدل. وفي قرية يعتاش أهلها على حصاد النخل، وفيض البحر، وحنانات الرمل، وحنو الإنسان كالشجر على كل شيء بأمان وسلام، وعلى الرغم من قلة معطيات الحياة، كانت الصرخة الأولى. ولتبدأ الخطوات الواهنة المشي في طريق سيقدَّر له الامتداد في الحياة والدرس والألم والفرح، لتختار في بدايات مبكرة طريقة لدرء الأشواك، وإقصاء الوجع، وهي الكتابة. وستبدأ بها على مقاعد الدرس الأولى، وستمتد حتى تستقبل هي وجوه الجالسين على مقاعد الدرس في الجامعة، لتقدِّم لها العلم واللغة والأدب.
ولا تزال تحاول الكتابة، وتحاور اللغة في كل مستوياتها الأدبية سرداً وشعراً ونقداً. وتطلق للنص العنان ليتشكل كيفما يريد، وعبر كثافة لغوية تتعدد مدلولاتها وأشكالها وأحلامها، وعبر أمسيات شعرية ونقدية تطير بها على أجنحة سماوات جديدة كل فينة وأخرى بين مسقط، وأبوظبي، والمنامة، وعمَّان، والجزائر، وسيت، وغيرها، وعبر نصوص، وكتابات وحوارات ومقالات في غير مجلة عربية، وملحق ثقافي في معظم أقطار الوطن الكبير الذي يوجعها أبداً من الماء إلى الماء.
تكتب عن الإنسان، وعن الوجع، وعن الحلم في غد يكون فيه الكون أجمل، والدم المسفوح أقل.