الاثنين، 17 يوليو، 2017

رسالة إلى أبي

فاطمة الشيدي
17-7-2017


عم مساء يا أبي من أحد أرصفة العالم البعيدة، فقد هربت بك، أو هربت منك لا أعلم، هربت من حزني أم هربت به لا فرق..  فهذا كله لا يهم، فما زلت أرى العالم كما كنت تراه متشابها، وما يفرق هو الإنسان .
أين أنت الآن يا أبي؟ لم يكن أنت ذاك الذي رأيته مسجى على فراش ليحمَل إلى القبر، فلم يكن له عزمك وصوتك الذي لم يغلبهما المرض يوما، ولا ذاكرتك القوية، أو فكرك الحاد، ولم تكن له رائحتك الخاصة، ولمسة يديك الحانية، كان جسدا انسللت منه ..  فأين ذهبت؟
ماهي الروح يا أبي، هل لها عالم كلي، عالم خاص بها، بعد أن تتركنا في وجودنا المادي هذا (قالت الكتب التي كنا نحبها أنا وأنت بعضا ذلك ولكنها لم تقنعني، وكنت تقنعني بالقليل من الكلام) فأنا مؤمنة قلقة كما كنت تعلم، وأنت مؤمن قوي كما عرفت أبدا.
أتذكرك الآن .. أتذكر كل شيء دفعة واحدة فيهيج بي الشوق، وأحلم أن أعود إليك لأقبل رأسك ويديك، فهذا الفراق لم يقنعني بعد ، ولن يفعل.
سأسافر طويلا وبعيدا، وسأغيب كثيرا، وعميقا ولكنك هناك حين أعود سأجدك هكذا يقول لي قلبي الشقي.
ستسألني عن كل شيء،  وسأصدق معك دائما، وسأكذب عليك أحيانا كي لا أضايقك.
ستسألني عن العالم والبشر والعمل والحياة..  وسأختصر لك الإجابات كي لا أتعبك.
أنت مرهق كما رأيتك قبل الغياب، وكنت كل عام تزداد إرهاقا، لكن هذا لم يكن يمنعك من الضحك على بعض الجمل والأفكار التي أتعمد أن أنتقيها لتضحكك، ولم يكن يمنعك أن تشارك في حوار عميق وجاد حول تغير المكان أو تبدّل أحوال الإنسان.
أنا بعيدة الآن يا أبي، أنا ولست أنت، هل تصدق ذلك؟ وأشعر أنك قريب، بل أقرب لي من الجميع.
وأتذكر أنني كنت كلما أخبرتك عن شيء ما، عن بلد ما، عن فكرة عميقة، كنت تنصت باهتمام،  ثم تسأل بعمق وتتبّع أصول الفكرة وكل ما يتعلق بها بوعي حاذق لم تنقصه تراكم السنوات على جسدك المرهق، ثم ترد بخبرة المجرّب عن اختلاف العالم الآخر ، وعن تضييع إنساننا لقيم الحضارة والإنسانية، وتختتم كلامك بالأسف المرير.
أنا هنا الآن يا أبي في مكان يحترم الإنسان ويعلي قيمة الحرية  وأشتاق لأن أكون  (حيث لا أدري) بين يديك.  أشتاق لخوفي القديم منك، وخوفي الدائم عليك، لذلك الشعور العجيب بأن ثمة جبل خلف ظهرك تستند إليه كلما ارتخت أغصانك، وتضعضع عزمك، فتشعر بالأمان.
أتذكر حكاياتك وصوتك .. أتذكرك قويا وضعيفا، فرحا وحزينا، مجلجلا بضحكتك القوية، وغاضبا بقوتك العالية في رحلة عمر طويلة من الصحة والمرض والتعب والراحة، رحلة قوينا عبرها وضعفت أنت تدريجيا.
أتذكرك تفتتح الصباحات الندية بطزاجة صوتك وأنت تقرأ القرآن بخشوع يخضل بداياتنا الأولى في رحلة العبور نحو عالم المعرفة والمدارس، فترتجف أرواحنا بصوتك والبرد يدغدغ أجسادنا الطرية ببرودته.
أتذكرني أقرأ لك في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه، أو كتاب الأغاني، أو ديوان المتنبي وأنت مستعذب لذلك وتشرب فنجانك السابع فأرأف بصحتك وأحاول أن أجعلك تكتفي من القهوة فتنهرني كي لا أفعل.
وأتذكرني أكتب لك رسائل الناس لترفعها للوالي بصيغتها الرصينة، ويوجعني احتياجهم، ويفرحني حرصك على بيان ظروفهم وشفاعتك بشهادة عارف لتلبيتها.
وأتذكر خطك المبهر برسمه الأنيق.
عاد الجميع إلى أوقاتهم يا أبي،  وبقيت أنت في الزمن تحرس ذكرياتنا الكثيرة ونشيج أرواحنا المرهقة.
وستظل فيه وفي أرواحنا، الرجل الأول، الأحب وإن قسى، والأقرب وإن بعد، الأجمل وإن كبر، رفيق العمر ، ونور القلب والبصر الذي كنا نتتبعه بإيمان مطلق وثبات قديم.
ابن البحر ، وصديق المسافات الذي أبحر في التيه في عمر الصبا وتناثرت أحلامه على أرصفة العالم وعاد لنتخلق من صلبه حنينا ممزوجا بالغربة والوعي.
حارس الماء، وصديق الشجر التي تربيها كصغارك وتطلق عليها الأسماء، رفيق السواقى التي تمسح على جسدها بيديك المتشققة لتسري في عروقك.
القارئ النهم الذي عاد من الكويت بمكتبة كبيرة ومال قليل، فحين سعى الجميع للغنى سعيت أنت للمعرفة، وعلمتنا بحسم كيف نقرأ لنكون، وكنت تختبر ما نقرأ بين يديك،  عاشق المتنبي والقهوة والعزلة الجارحة، المتندّر على تهافت النفوس وسعيها المريض وراء المظاهر والعبث الكوني.
الشاعر الذي يدبج القصائد كلما داعبت الكلمات روحه بشجن العشق  وبوهج الحرية.
العاشق الذي تولّه في حبيبته وعاد إليها من ردهات الغياب وغياهب السفر، فما لبث أن طعنه الفقد بها وبطفله في القلب تماما؛ فسقط في تداعياته وتعشّق السفر والغياب طويلا قبل أن يفترش ظله في الوطن مستسلما راضخا للقدر وشروط الحياة.
المتناقض في حياة لم تقنعه يوما، ولم يرض عنها؛ بل عبرها حافرا بأظافره ظله الراسخ بتناقض دائم، فهو الحكيم الهادئ، والمجنون المتهور، وهو الغاضب والحالم، و الساخط والباكي، والاشتراكي والقبلي، الذي تمنّى انجاب الذكور أبدا، فرزق إلى اثنين منهم ثماني بنات فركن إليهن ركون الأب الحاني والحبيب القريب.  صديق الحيوانات والبسطاء، ابن الماء وشقيقه وصديقه وظله.
المؤمن المطمئن للقدر حين فقد بصره فاستعان ببصيرته على تدبير شئون الحياة، ولم يشتكِ من قهر وظلم كان يتلمظهما كثيرا طول حياته. واختتم بهما رحلتها الطويلة في رحلة مرض قصيرة عجلت بنهايته في دور استشفاء قذرة أهدت جسده المتهالك بكتيريا قاتلة ثم طعنوا رئته الحبيبة الهشة بأنابيبهم القاتلة وبأيدي أطبائهم القتلة، فتوقف القلب الذي كان مشبعا بحب الحياة ومضرجا بالأمل، ثم باسعافات مؤقتة لزمن قصير، عاد ليقلل حجم الصدمة على أطفاله الذين كانوا كذلك فعلا حتى غاب عنهم فصاروا كهولا وأيتاما.
السلام عليك يا أبي الآن وفي كل وقت، حيا وميّتا وحين تبعث حيا.

الثلاثاء، 16 مايو، 2017

ندوة حول الذاتية في أدب محمد عيد العريمي

4 أوراق عمل تناولت الذاتية في أدب الروائي محمد عيد العريمي

جريدة عمان

قدمت في ندوة علمية بــ«العمانية للكتاب والأدباء» –

أقامت الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس، ليلة أمس الأول بمقر الجمعية بمرتفعات المطار ندوة علمية أدبية حملت عنوان عنوان «الذاتية في أدب محمد عيد العريمي»، شارك فيها عدد من الباحثين والمختصين في الجانب الروائي والأدبي العماني والعربي.
بداية الندوة افتتحها الدكتور محمد زروق، وقدم الكاتب محمد عيد العريمي كلمة بالمناسبة أشار فيها إلى مشواره الأدبي وذاتية الكتابة حيث المحصلة الأدبية التي أنتجت منذ شروعه في مجال الكتابة الأدبية، وقال: كنت وما زلت أعتبر نفسي طارئا على عالم الكتابة بمختلف مستوياتها، لا أقول هذا من باب التواضع المفتعل، بل هي حقيقة لا أجد حرجا في تكرارها أينما وكلما استدعى الأمر، فبعد عشرين عاما على عملي كمترجم وهي وظيفة أجبرت عليها بعد أن تعذر علي العودة إلى عملي السابق في حقول النفط.
وأضاف العريمي: قبل الشروع في الكتابة، توقفتُ طويلا بعد أن تداعت عليَّ الأسئلة واحتدمت، وظل بعضها يشغل تفكيري طوال الفترة التي أمضيتها في كتابة «مذاق الصبر:» ـ ما الهدف من الكتابة عن تجربة شخصية شديدة الخصوصية ـ هل هي رغبة في إعادة بناء كيان جديد بآمال وأحلام جديدة على أنقاض آخر تحطم.
أسئلة كثيرة طرحها العريمي في هذا الإطار، وأوضح العريمي أنه بعد مشوار طويل مع الكتابة كتب إلى جانب الرواية القصة القصيرة والمقالة السياسية والاجتماعية ونشر في بعض الصحف الخليجية والجرائد والملاحق المحلية، وبعد سبعة عشر عاماً من الحضور في المشهد الثقافي العماني، صدر لي ستة نصوص سردية بين الرواية، والسيرة الذاتية والرواية السيرية والقصة القصيرة.
وقدمت من خلال الندوة أربع أوراق عمل فقد قدمت الدكتورة فاطمة الشيدية ورقة عمل حملت عنوان «المسكوت عنه في سرديات محمد العريمي» وتحدثت الشيدية عن المسكوت عنه في «حز القيد»، وهنا أشارت إلى أن العريمي ترك لتأويل المتلقي الكثير من المسكوت عنه في السياسة والجسد وغيرها من المحظورات التي لن يستطيع كاتب عربي مهما بلغت جرأته التعاطي المباشر معها، إضافة إلى وعيه بأهمية الفراغ السردي، والبياض النصي والمضمر من القول في تحريك وعي المتلقي وتقدير دوره الضمني، كما تطرقت إلى ملامح السيرة الذاتية في روايات محمد عيد السيرية «بين الماء والصحراء» و«مذاق الصبر»، فأشارت إلى أن سيرة العريمي والتي بدأت من «مذاق الصبر» واستمرت حتى تخلصت من ذيول الذات ووصلت حتى أمشاج الآخر وتواشجات التاريخ.
أما الباحثة شيخة البلوشية فقد قدمت ورقة عمل بعنوان «الزمان والمكان في مذاق الصبر»، وهنا أوضحت البلوشية أن رواية «مذاق الصبر» لبت بعض متطلبات الزمن في الخطاب السردي وذلك من خلال توظيف مفارقتي الاسترجاع والاستباق، وقد جاءت هذه المفارقات محملة بدلالاتها التي تسوغ العودة إلى الماضي أو القفز نحو المستقبل، وتناولت ما جاءت به «مذاق الصبر» في وصف الأماكن وذكر أسمائها الحقيقية بدور فعال في إقناع القارئ بصدق ما يسرد عليه، كما عكست تلك الأماكن دلالات نفسية واجتماعية وثقافية، اقتضتها الأحداث والمواقف المختلفة، وقد تمكن الكاتب « محمد عيد» من تجسيد الأماكن ووصفها إلا أن الوصف لم يقتصر على المكان فحسب، بل تعداه إلى وصف الشخصيات والأحوال والظروف وجعلنا أمام صورة الوسط الواقعي الذي عرفته الشخصية المحورية.
أما الدكتور صلاح الدين بوجاه فقد قدم ورقة عمل بعنوان «من سلطة السرد إلى سلطة الجسد»، وهنا أشار بوجاه إلى رواية جز القيد حيث يعيد العريمي (الميثاق السيرذاتي) الذي يمثل استقطابا للسيرة الذاتية والرواية، والقصة القصيرة وغيرها من فنون الكتابة، وأشار الباحث إلى أن العريمي تتنازعه سطوتان، أولها سطوة الحكي وثانيتها سطوة الجسد، الجسد المعذب رهين المحابس كلها.
أما الدكتور عمر صديق فقد قدم ورقة عمل بعنوان «صحراء العريمي بين نسغ الوحد وتجليات الإلهام».وأشار في ورقته إلى أن العريمي اتخذ من الصحراء فضاء شاسعاً، وتجلياً بارعاً أبدع وأجاد في تعبيره عن خلجات نفسه الغائرة في كنه اللامعقول، وعشقاً خفياً لامسته ظواهر الصحراء التي لم تلوثها الحضارة، «أما الحضارة فتجلب معها التنافس في القيم الكمالية الزائدة عن الضرورة، والفائضة عن الحاجة» كما قال ابن خلدون في مقدمته، وتناول الباحث شغف العريمي تجاه الصحراء، ومفاهيم التجلي من خلال روايته، وذاكرة قريته الغنية بالأدب والفن الفطري. موضحا أن الإلهام هو مصدر التجلي، وأن الرواية مأخوذة من أعماق هذا البلد المعطاء والإلهام هبة من الله يقتضي القيام بشكرها، والصحراء لا تعرف بل تعاش.
----

الثلاثاء، 21 مارس، 2017

21 مارس إذ الشعر أمومة العالم 

فاطمة الشيدي
جريدة عمان ملحق شرفات
من ملف يوم الشعر العالمي
الثلاثاء 21 مارس 2017

أيها الشعر أنا لولاك يتيم
حمزاتوف


الشعر صديقنا الحميم، وعدونا الحميم أيضا، أجلسنا منذ الأبد على ناصية قلبه، أسمعنا نبضه المدوي، وأمرنا أن نرهف السمع له، مذ جئنا ونحن مرهقون من حمله الثقيل على أكتافنا الهشة، مذ جئنا ونحن مأخوذون بالفتنة والعشق، نذهب في الأشياء حتى مداها الموغل، نقترف غوايات الوجع، ونحفر في مسام البعيد، يغرينا بضحكته الباسلة فنذهب حفاة وراء صداها المتقطع النشيج، نتقاطع مع السراب، ونفند الأمل حفنة حفنة، نزرعه على جفون الغيب، وبين مفارق الغياب، ونحضره تميمة للماء.
مجانين نرقص على حواف الأبدية، بعبث نقلع عيون الضوء ونتمطى بلذة على سرر الحكمة الحالكة، ننادم الليالي وننشغل بأشياء بسيطة، كضحكة غافلة ملقاة بإهمال على رصيف ما، أو نظرة حائرة، أو دمعة تجلس بثبات في عين فقير عشي، نكتحل بالرماد، ونغني للفوضى، ونشق جيوب التجلد فنسقط من علياء التحصّن، ولكننا نقوم مجددا، لأنه يمد لنا يدا مليئة بكل ثمار العزيمة والبهاء.
نعانق فيه ذرى الحرية، ونذهب معه إلى روابي الجمال مبهوتين مشفقين على الكون، نطرّز الكون بخيوط الخير، وتتمدد جلودنا لتحتمل أكثر من كائن ومن روح ومن كون.
نرتقي معه، نتصاعد فيه، بالحرقة والألم، ننتبه للتفاصيل بعين صقر، ندون ملامح الموتى في دفاتر الأطفال المدرسية، ونرسم دعاء الأمهات على مداخل الكينونة لنجعلها آمنة، نحيا خلف جدر العزلة الآثمة كنباتات الظل التي تخشى الشمس، نقدم المحبة بأيدٍ مصبوغة بالحنين والقلق، نتمنى ونحلم فهذا أقصى ما نستطيع، وحين ينقضي العمر، نكتشف أن سلالنا خاوية، وأننا نقبض على الماء، ومع هذا نبتسم فلا طريق كان يمكن أن يحتوى كل ذلك الجنون والقلق إلا الشعر.
**
أيها الشعر لا تذهب بعيدا
أرجوك
فأنا ولدتُ برئة واحدة
وصدري موبوء بالربو والكلمات
حررني من الكلام العالق بالمريء
وذلك الذي يحزّني في الحنجرة
حررني من براثن الرؤيا
وصرخات الرفض المكبوتة
من شوكةٍ في الفؤاد
وجمرة مستعرة كالجوي
تحرّق كبدي
ولا تستطيب إلا رائحة الورق والاحتراق
امسح على جرحي القديم بقصائدَ عنترة
وأرتق ثقوبي بلامية «الشنفرى»
وأحزان الشعراء المنفيين
بانقسامات الرؤية والوعي
وأوجاع الغرباء
كقروح الملك الضليل
وعزلة «المعري»
وتشظيات «السيّاب»
خذني إليك بكل بيت جميل ذاهب في التصاعد والارتقاء
**
الضجر ليس مبررا عميقا وجارحا
لكتابة الشعر
أنيابه النخرة لا تصلح للتمرئي في لجج الشعر العذبة
وملابسه الرثة لا يصح أن نعلّقها على مشجب الشعر الأنيق
والحزن أيضا ليس كافيا
فله نظرة قاتمة تخيف الأطفال والمجانين
أبناء الشعر الشرعيين
والحب كذلك؛
فتلك الطعنة الغائرة متوهجة أبدا، بحيث تقتل الكلام قبل أن يولد
والفرح، والوحدة، غير كافيين
فمن أين نأتي بالشعر؟!
ربما مما يدور في ذهن عصفور في الأفق
قبل أن يركنَ للشجرة
وربما من عيون الموتى التي تبرق في الذاكرة
أو من ضحكاتِ الأمهاتِ المرتبكةِ في الصباحات الباكرة
وربما من حدس الربابنة بالعاصفة قبل الإقلاع
أو من الهواء المولع بالعبث في جسد الوقت
وشعر الحقول
أو من الأقدام التي نسيت خطواتِها على أرصفةِ الفقد المتسخة
أو من حزنِ مالكِ الحزين قبيل الغروب
أو من صرخة مكتومةٍ في جوف كائن لن يسمعها أحدٌ أبدا
وربما …
وربما …
لكن الشعر المراوغَ غالبا
يأتي بخفةٍ متناهيةٍ، وغير مدركةٍ للأسباب والنتائج
كالموت تماما!
**
نحن الشاعرات المولودات بأصابعَ طويلةٍ
وأرجلٍ قصيرةٍ لا تساعد كثيرا على المشي
لا نحاولُ كثيرا الاعتناء بمظهرنا
نرتدي حضورنّا المباغتَ في القصيدةِ على عجل
نتعطر دائما بالخزامى والياسمين
كي تكونَ القصيدةُ عطرةً حين يلامسها الحب
لا ننظرُ كثيرا في المرآة
كي لا تفضحَ شوق رجلِنا المختبئِ بين شقوق الكلام
الرجل الذي لا يشبهُ الرجال في التفاصيلِ الصغيرة
الرجل الذي لا نختاره غالبا
فهو ينزلُ مع المطرِ كما علمتنا الأمهات
ونحن نصدقُ الأطفالَ والأمهاتِ فقط
*
نحن الشاعراتُ المرتبكات أمام تراتبية الأشياء حولِنا
لا يهمُنا كثيرا ترتيب الأواني في المطبخ
لا تهمنا ألوانُ الأثاث في الصالة
فقط تهمنا الحديقةُ الخلفيةُ للمنزلِ والحياة
هناك حيث نتنزهُ بعري أرواحِنا الموجعِ
وصريرِ أحلامِنا المزعج وأرقنا الدائم
هناك نبني خياما لهياكِلنا النحيلةِ لنحميها من الألم
ونعمّد أصابعَنا الطويلةَ بالضوءِ والحبِ كلَ يومٍ
ونغني للرجل الذي يسكن تحت إهاب الكلماتِ بلا حذر
«تعا، ولا تجي واكذب علي ،، الكذبة مش خطية»
*
نحن الشاعراتُ المترنحاتُ في المدى
ننام على ركبةِ وردةٍ عقيمةٍ
أو زهرةِ عباد الشمس غدرَها الضوء ذات غروبٍ
فانحنت للغياب
أو قرنفلةٍ خدّرها اليأسُ عن التطاولِ في البياضِ والحسن
ونتشفّع في ذاكرةِ الترابِ والندي
وحمى الليلِ لمن عبر هذا الوجود بظهره
ليصدَّ النصال عن قلبٍ مرهقٍ وأغنيةٍ يتيمة
نتحدُ مع الجوعِ والبردِ
ونكتبُ على عنقِ الأمل قصيدةً عاشقةً
كي يخرج للناس فاردا جناحيهِ كرخٍ عتيقٍ
يوزّع الحلمَ
ويرتجلَ الأمنيات
*
نحن الشاعراتُ المالحاتُ كالفستقِ
لا نستوردُ ملابسَنا ودبابيسِ شعرِنا
نحن نصنعُ كل شيءٍ من لهفتِنا الصباحيةِ
وقلقِنا المسائي
كلُ شيءٍ نخيطهُ بالتفاصيلِ عبر الوقتِ
نرتقُ ثقوبَ أحلامِنا بإبر الولهِ
ونغني للحظِ كي ينامَ قليلا بين أحضانِنا
كطفلٍ متوحدٍ
وقد يفعلُ طويلا لأنه يستلذُ عبثنا بشعره
قبل أن ينتبه
ونبتسم له لأننا سرقنا -الكثير من الحب- غايتَنا القليلة
في غفلته حتى حين
**
في يوم الشعر سأفرُّ كحمامةٍ من شرك المعنى
وسأراقصُ الكلماتِ كطفلةٍ تنتعلُ حذاءَ أمِها
كي يرفعَها الشوقُ للأعلى قليلا
سأقرأُ شعرا كثيرا لـ «لوركا»، و«السياب»، و«أدغار ألن بو»، و«المتنبي»
ولكلِ الشاعراتِ: المراهقات، والمجيدات، والجارحات، والعابرات بخفةِ فراشةٍ
سأقرأُ لـ«الخنساء»، و«ولادة»، و«فدوى طوقان»
وكثيرا جدا سأقرأ لـ«نازكِ الملائكةِ»، و«فروغ فرخزاد»
وسأقفزُ في قلبِ عزلة «إيميلي ديكنسون» لأكسر شرنقتي فيها
وسأعانق «سلفيا بلاث» عناقَ أختٍ بعيدةٍ أو على سفر
ثم سأمشي بمحاذاةِ قصيدةٍ غجريّةٍ لشاعرٍ مغمورٍ
سأتوّحدُ معها
وأهرّبُ لها العشقَ من عيونِ النساءِ المحزوناتِ، والرجالِ الخائنين والخائبين في الحب
ولاحقا سأجلسُ على مصطبةِ التاريخِ
سأنتحبُ كثيرا باسم كلِ الأمهاتِ اللائي رحلن على عجل، والأبناءِ الذين لم يأتوا
والشعراءِ الموتى
والقصائدَ التي لم تكتب
ثم سأضحكُ لكل الشعراءِ الخارجينَ على فتنةِ القبيلةِ والمالِ والسلطةِ
سأصافحُ «الشنفرى» وأغمزُ لـ«تأبط شرا»
وأشدُّ على يدِ عنترةَ، وأنا أبتسمُ له (لقد أجدت الحبَ والشعرَ يا صديقي الأسمراني)
وهذه هي الفروسيةُ الحقّةُ
ثم سأكتبُ شعري على صدرِ الليلِ
وفى قلبِ امرأةٍ عجوزٍ خانها الحظُ والأبناءُ
وعلى جبينِ حبيبي كي لا ينسى أنه قصيدتي الأجمل
وأخيرا سأتبرأ من كلِ ما كتبت
وأبكي على صدر أمي خفيفةً خفيفةً
كطائرةٍ ورقيةٍ في يدِ طفلةٍ بضفيرتين حالكتين
وفرحٍ أقصر من حذائِها الذي لا مقاس له إلا في الحلم

الاثنين، 20 مارس، 2017

Last Chance


Last Chance

By Fatima Al-Shidi

Translated into English by: Sozan Jamil



I am as old as the nature

That is why the sky and the earth know me well

When I walk down, I look down, and ignore every thing

I often don’t pay attention to the spikes and thorns

Before they penetrate me

The rivers and seas laugh when I stop meditating for a long time

Because they realize that I am as watery and simple as them

They are seduced by my bumper absentmindedness in the molluscs’ mating seasons

By flirtation and poetry

That is why even the rain completely falls in my soul

It is mixed with my clay to become soft and easy to be shaped

So I'm afraid of falling every rain in love

Also I fear hitting the edges of the sharp universe

And with an abandoned laughter in a corner of a child's heart

With a tear of a lonesome or a female lover

Every rain I become more fragile

So it will be easy for me to reconfigure differently

And later I could be dried up in that new form

So, that is your only chance if you wish to become a sculptor or a god

........................................................................

الفرصة الأخيرة- شعر

فاطمة الشيدي

أنا قديمة جدا كالطبيعة

ولذا تعرفني السماء واﻷرض جيدا

حين أمشي غاضة البصر عن كل شي

وكثيرا مالا أنتبه للكثير من النتوءات والأشواك

قبل أن تخترقني

وتضحك اﻷنهار والبحار حين أتوقف ﻷتأملها طويلا

ﻷنها تدرك أنني مائية وبسيطة مثلها

ويغريها شرودي الوفير في مواسم تزاوج الرخويات

بالغزل والشعر

ولذا أيضا يسقط المطر في روحي تماما

يمتزج بطيني وأصير لينة وقابلة للتشكيل

ولذا أخشى الوقوع في الحب كل مطر

كما أخشى أن أرتطم بحواف الكون الحادة

وبضحكة طفل متروكة بإهمال في زاوية من قلبه

وبدمعة وحيد أو عاشقة

كل مطر أصبح هشة جدا

ويصبح من السهل إعادة تكويني بشكل آخر

وقد أجف لاحقا في ذلك الشكل الجديد

وهذه فرصتك الوحيدة إن كنت تتمنى أن تصبح نحاتا أو إلها


الأحد، 19 مارس، 2017

مسابقة إبداعات شبابية في الشعر الفصيح



مسقط ـ “الوطن” :
اختتمت مؤخرا التصفيات النهائية على مستوى السلطنة لمسابقة الشعر الفصيح والشعر الشعبي والإلقاء ضمن فعاليات مسابقة الأندية للإبداع الشبابي 2016/2017م وذلك على مسرح كلية عمان الطبية وسط منافسة قوية ومهارات ومواهب قدمت من المتأهلين للمرحلة الثالثة من المسابقة، حيث صدح المشاركون بحناجرهم الذهبية وألقوا قصائدهم المختلفة أمام لجنة التحكيم والحضور، وكان في لجنة التحكيم للشعر الفصيح الدكتور سالم العريمي والدكتورة فاطمة بنت علي الشيدية وخميس بن قلم الهنائي، أما في مسابقة الإلقاء والشعر الشعبي فتكونت لجنة التحكيم من علي بن سالم الحارثي وراشد بن سعيد الشامسي وأحمد بن محمد السعدي.
وقد أوضح الدكتور سالم العريمي أحد أعضاء لجنة التحكيم في مسابقة الشعر الفصيح بأنه برغم تفاوت المستويات الشعرية لدى الشعراء المشاركين وتباين مستواهم إلا أنهم يسلكون الطرائق الشعرية المختلفة بثقة واقتدار ويحاولون أن يرتقوا بتجاربهم وفق المعطيات الشعرية التي أمامهم سواء أكانت قديمة أو حديثة وأظنهم يسيرون في المسلك الصحيح الذي حتما سيرتفع بالمستوى الشعرى لديهم ولو بعد حين. ولدينا مواهب شابة حقيقية تبشر بجيل شعري متميز، وأضاف العريمي: تمثل هذا المسابقة ساحة شعرية جميلة وملتقى يجمع المواهب ويصقل القدرات ويكتشف الإمكانات الشعرية الجديدة وهي فرصة لتثاقف الشعراء وامتزاج الأفكار وبث روح التنافس الإيجابي لديهم وهي فرصة لمنحهم منصة شعرية يبدعون فيها قصائدهم ويشاركون المتلقّي نتاجهم الشعري لتكوين حلقة متصلة مع القارئ والمستمع وليمتد صوتهم إلى مناطق أوسع ومساحات شعرية أرحب، وتابع العريمي حديثه بشكره للشعراء على هذا النتاج الشعري المميز وعلى إيجابيتهم المتمثلة في المشاركة في المسابقة والمسلك الشعري الجاد يحتاج قراءة مكثفة وواعية ومتابعة للجديد الشعري عند الآخرين والمساهمة في الملتقيات الشعرية لأجل كسب الخبرات والاطلاع على التجارب الجادة مع الاهتمام بالجانب النقدي سواء من قبل النقاد أم من قبل الشاعر ذاته فالنقد يقوّم التجربة ويضيف إليها ويدفعها إلى الأمام بقوة وتقانة مع تمانيتنا للجميع بالتوفيق.
أما الدكتورة فاطمة الشيدية فقد أشارت بأن المتسابقين يمثلون الجيل الجديد بما يمتلك من أدوات شعرية وفنية ومن تكوين معرفي جديد ولذا فلا عجب أن يكون منهم من يمتلك مكمنات الإبداع وطاقاته الخلاقة ومنهم من يسير على هذا الدرب مؤكدة بأنه رغم تفاوت مستويات النصوص وهو أمر طبيعي جدا إلا أن الجميع يمتلك مقومات الإبداع اللغوي والفني ولذا فهم يمضون على الطريق السليم، وأضافت الشيدية بأن المسابقة تمثل قيمة إبداعية وأساسا منهجيا رائعا في بناء الجيل القادم في كافة المجالات الفنية والثقافية وهي بما توفره من مناخ ثقافي وفني صحي ومن تشجيع مستمر ماديا ومعنويا تمثل محفزا على العطاء، وهو دور مهم وعظيم في صناعة الأجيال ومسابقة الشعر مثل غيرها من فروع المسابقة ضوء يدفع للسير قدما في هذا المجال وسيثمر إبداعا وعطاء بإذن الله، واختتمت الدكتورة فاطمة الشيدية حديثها قائلة كل الأمنيات للشعراء الجدد والدعوة المستمرة للتزود من معين الإبداع والقراءة أبدا والعمل على تجويد الكتابة خارج المسابقات لأن المسابقة قد تظهر شاعرا ولكنها لا تضمن بقاءه ولذا من المهم الاتصال مع ذات الشاعر ومع محيط الثقافة الواسع والاغتراف منه ابدا دون قيد وشرط ولهم كل الأمنيات والدعم في هذا الدرب المشرع على الحياة والجمال والإنسان أبدا.
فيما أوضح علي الحارثي حكم مسابقة إلقاء الشعر بأن المتسابقين يمتلكون زمام المهارات الأساسية للإلقاء بنسب متفاوتة إلا أنه اتضح من خلال المشاركين بأن هناك استخداما جيدا لمهارات الصوت ولغة الجسد وتعابير الوجه مع وجود بعض الأخطاء المتمثلة في الإشتغال المسرحي أكثر من الصوتي والحركة الزائدة غير الضرورية أثناء الإلقاء مما افقد البعض الكاريزما المنبرية الضرورية الخاصة بإلقاء الشعر، وأضاف الحارثي بأن المسابقة بعثت الحياة من جديد في جسد الأندية وجعلتها نقطة تجمع أشمل وأوسع للشباب ونأمل أن تكون الحاضنة الأساسية الأولى لتبني المواهب وإطلاقها للنور كما نرى أن إبداعات شبابية تسير بخطى واثقة نحو ذلك لما لمسناه فعلاً من القائمين عليها من اهتمام في تطوير وتلمس لنقاط القوة لتعزيزها ونقاط الضعف لتصحيحها، مضيفا بأنه يحتاج من المشاركين التمييز بين إلقاء الشعر كفن شفهي خالص والإلقاء الدرامي المرتبط بالمسرح لفن شفهي بصري مع التشرب الكامل لمعاني القصيدة وفكرتها قبل اعتلاء المنبر لإلقائها.


الأربعاء، 8 مارس، 2017

الكتابة السياسية فن عظيم، لا يستتطيعها إلا القلة ممن عاشوا في دهاليزها أو عرفوا تنظيراتها المرعبة عبر المطالعة والمتابعة، ولذا فالكتابة عن دهاليزها الموغلة هو الذهاب مع قبح العالم وقذارته، وكشف المستور عن توحش الإنسان وبشاعته ما أن يصل للسلطة، أو يحتجز لنفسه فيها مكانا.
ولكن أن يحوّل كل هذا لعمل روائي خالد بفنية مدهشة ورؤية شاملة ليصبح عملا خالدا فهذا أمر نادر جدا، وهذا مانجح فيه جورج أورويل في رائعتيه (مزرعة الحيوانات) التي عالج فيها على لسان الحيوانات فكرة تحول الثورات عن أهدافها العظيمة التي سعت إليها بدءا والسقوط في فخاخ القهر السياسي والتسلّط الذي قد يفوق ما خرجت عليه تلك الثورات والعودة لنقطة الصفر تماما بل ربما لنقطة أبعد منها.
وليست 1984 ببعيدة عن هذه الأجواء أيضا فهي تعالج فكرة الحزب الواحد التي يحكم الإنسان ويبلور حياته وتفكيره ووعيه عبر مفاهيم ذلك الحزب، ويستنزف طاقاته عبر حرب طويلة وهمية، يتغير فيها الخصم، وعلى الجمع الخضوع لسلطة الحزب مهما كانت تعسافته وأحكامه وقراراته لأنه مراقب في كل لحظة في كل ما يقول ويفعل ويفكر ويتنفس.
أما من تسوّل له نفسه الخروج على الحزب أو على أحكامه، أو حتى يفكر مجرد التفكير في ذلك فإن الطريقة التي سيعالج بها أمره بشعة حتى يشك في وجوده وحقيقته وتاريخه وفي كل شيء عاشه حتى يخرج من هناك مخذولا  ذاهبا في الغياب جاهزا للموت.

الاثنين، 6 مارس، 2017

في السرد العالمي

1. الأفق لباتريك موديانو




إذ  تذهب مع صاحب نوبل 2014 باتريك موديانو في روايته (الأفق) فعليك أن لا تكتفي بقراءة واحدة لتجمع مع بوسمان قصاصات حياته الغامضة والطويلة في باريس أثناء الحرب العالمية، والتي تنتهي في برلين متتبعا أثر حبيبته فرنسية الأم والتي ولدت في برلين لأب ألماني، موبسان الذي كان يعمل في مكتبة، ويهرب من أمه وأبيه اللذان يتابعانه ليأخذا منه المال،  وصدفة التقى مارغريت التي تعمل في مهن حرة ومتعددة؛ منها الرقن على الآلة الكاتبة والترجمة للألمانية وجليسة أطفال- فأصبحا صديقين ثم فقدها لظروف الحرب والتوجس،  بعد أن عاشت فترة في باريس خائفة ومرتبكة.
ولسوء الطالع أيضا فقد ترك هو العمل في المكتبة التي اتفقا على اتصالها به فيها للتواصل بينهما.
وبعد أربعين عاما شاهد المرأة التي كانت تعمل مارغريت لديها مربية لطفلها، وتم القبض عليها هي وزوجها الطبيب، ومن ثم اختفت مارغريت بعد أن استدعيت للاستجواب بدورها.  وقد أصبحت -أي المرأة-  عجوزا، فاستدعى الموقف ذكرى حبيبته في نفسه وذهب للبحث عنها في برلين وبدأ بمحرك البحث عبر النت،  فوجد عنوانها بسهولة وعرف أنها تعمل في مكتبة وتوصل لعنوان تلك المكتبة، وهناك قرر الذهاب إليها مع أنه يدرك أنها لن تعرفه بسهولة بعد هذا الزمن الطويل، في مدينة (برلين) التي تمثلهما وقد استعادت حياتها بالكامل بعد دمار الحرب، هذا ناهيك أن مدة علاقتهما كانت قصيرة أصلا، ولكنه شعر بالأمان والسكينة التي افتقدها منذ غابت عنه.
العمق الإنساني لرسم الشخصيات في الرواية، حيث إبراز مشاعر  الخوف والحب والحيرة التي تمثل ملامح تلك الشخصيات بقوة هو أبرز ما يميز الرواية، إضافة لرسم معاناة الإنسان في الحرب بين التشرد والفقر بمواربة بعيدة، وبلا وضوح ناصع بل عبر رسم انعكاساتها على ما رغريت تحديدا، ولغة الرواية العميقة والداخلية/النفسية إلى حد كبير، وحركة الأحداث بين التصاعد والارتداد في خطين زمنين متباعدين قبل وبعد أربعين عاما من علاقتهما، وعبر أمكنة كثيرة وعلاقات متداخلة مع الشخصية الرئيسة،  والتأملات النفسية الجارحة، والبعد عن الحبكات الحكائية الجاهزة او السائدة أو حتى الواقعة ضمن المتوقع الإنساني القريب؛  كل هذا شكّل خصوصية فكرية ولغوية ونفسية للرواية وأظهر تعقّد مضمونها بشكل إيجابي، وأضفى عليها هالة من الغموض الفني العميق والرؤية البعيدة التي تليق بسارد متمكن ومبدع عالمي.

الجمعة، 3 مارس، 2017

صلاة



فاطمة الشيدي
1-3-2017



لم يا الله أبدا كنا هناك
في كفّة الحزن
في كفّة الصمت
نتحسس جرح الأزل
ونصطنع ما يرجّح الكفة الخاسرة...
نفتش بأظافر محمومة عما يشبه طعم الضياع
ليرخي قليلا قبضة الأسئله الكبرى
عن عنق اللذة العاثرة
كدعابات الموتى
أو حنين الأصفياء للعزلة العازلة
أو صداع الحنين
لطيْف شقي وماضٍ مريض بتلويحة الريب
شيء يشبه قلوبا تخترع الحب كي تداوي قروح العدم
وتبتذر الأمال
كي تحيا يوما جديدا
وحيدا
دون دموع
ودون انقسامات
ودون ألم
شيءيشبه اغترابات المسافر في غياهب الوعي واللاوعي
غارقا في سديم البعيد
يمضي قلقا مما لا يجيء
فلا تسعفه الكتب
إلا كما تسعف وصفات الطبيب المحتضر
لماذا؟
قسمتنا من الفرح تقلُّ كلما أوغلنا في الشائك من دروب القطيعة
كقسمة الماء والعدل
ولماذا يصرّ الحب تحت أحذية الذاكرة
وينام وحيدا في عراء أرواحنا التي مزقها الألم؟
لماذا حكمت أن الأمان والطمأنينة زاد البسطاء والعاثرين
وأن الحب والفرح زاد الصغار
أليست تلك قسمة ضيزى يارب القلق

الثلاثاء، 28 فبراير، 2017

كنت في البدء شجرة


فاطمة الشيدي تصدر «كنت في البدء شجرة» –
عن دار الانتشار العربي أيضا أصدرت الشاعرة والروائية فاطمة الشيدي ديوانا شعريا جديدا حمل عنوان «كنت في البدء شجرة». وتحلق فيه الشاعرة في سماوات الإبداع ففي الوقت الذي تمسك فيه الشاعرة بزمام اللغة وبلاغتها عبر الاستعارات وبناء الصورة الشعرية نجد الرؤية الفلسفية حاضرة في الكثير من النصوص التي يضمها الديوان. من نصوص الديوان نختار هذا النص:
قصيدة مستحيلة
...
في دمي قصيدةٌ لن تكتب
قصيدةٌ سائلةٌ جدا
حارقةٌ أحيانا
وباردةٌ أحيانا أخرى
قصيدةٌ لها حموضةُ شجرةِ الليمون في سهلِنا الممتد
ومرارةُ قطعةِ (الشيكولا) حين ينتشي الحزنُ تحت جلدي
فيعبث داخلي بريشتهِ الباهرةِ كفنانٍ عظيمٍ
أو عازفٍ يأكله الشغفُ، فيشمخُ وجه الأوتارِ بارتعاشةٍ حرى
قصيدةٌ تشخب أبدا، كجرحٍ لا يبرأُ ولا يتخثر
قصيدةٌ أشدُ ملوحةً من بحر عمان (الحدري)
الذي يستضيف العشاقَ والعارفين على مقاهي صدرهِ الغافي كل مساءٍ
يتبادلون الضحكَ والنكاتِ السمجةَ والكثيرَ من القبلات والآهات
إنها لك أيها الطائرُ الجبلي الذي حطَّ في دمي أخيرا
أيها الطائرُ الغريبُ الذي وقفَ على غصنِ قلبي بين فصلين وجرحين وذاكرة
ثم استطابَ المكوث
فاردا أجنحتَه للريح والمسافةِ بيننا
واضعا حبةَ كرزٍ -تحمل تعويذةَ أجدادِنا السحرةِ – في فمي بمنقارهِ
فأغلقتُ عينيَّ لأتذوَّقها بلذةٍ
فلها طعمٌ مختلفٌ لا يوصف ولا يستبان
كنت أتلمظُها على مهلٍ، حين ذهبتَ أنت في الغناء
فأخذتني الغفوةُ والحب!
http://omandaily.om/?p=435614


السبت، 25 فبراير، 2017

في معرض مسقط للكتاب 2017



احتفاء بالشاعر ضيف شرف جناح بيت الزبير نطلق فعالية: شجرٌ في القلب، وطن في الروح



الأربعاء، 22 فبراير، 2017

محمد عيد العريمي: المبدع الذي جعل مذاق الصبر شهدا




شهادة في مرايا الكاتب الإنسان

فاطمة الشيدي



كتب نزار قباني في الاحتفاء بمئوية طه حسين:

أرمِ نظارتيك! ما أنت أعمى

إنما نحن جوقة العميان»


لا مذاق للصبر إلا المر، ولا طعم للوجع إلا الألم، كلنا يدرك ذلك، لكن محمد عيد العريمي الأكثر شجاعة، والأكثر إنسانية اختار الأصعب، اختار ذلك المرار الذي يتدفق في القلب فيجعله ينبض، ويدفع الكثير من الدماء في العروق، فتصل لليد التي تقرر أن تكتب، تقرر أن تقاوم وتحمل معول البناء لتصنع طريقا آخر، وقد غاب الطريق الأساس، أو أصبح بعيدا لا يمكن المشيء فيه.

لقد اختار محمد عيد أن يجعل المر شهدا. فلم يستسلم لقدر كان يمكن أن يجعله هامشيا، بل قرر أن يصبح أكثر حضورا، وأكثر فاعلية في مجتمعه وللإنسان بشكل عام، فأصبح كاتبا ومترجما رائعا، وأصبح من أهل الورق واحتراف اللغة.

  هكذا كانت النهاية فماهي البداية؟

 كان الشاب العماني قد تخرج من أكبر الجامعات في أمريكا في تخصص هندسة النفط وهو من أرقى التخصصات العلمية، وعاد إلى وطنه ليسهم في بناء نهضته وخدمة إنسانه، عاد إلى بيته عاشقا فرحا، ممتلئا بالأحلام والشباب والأمل، ولكن القدر الذي كان يعرف أنه أقوى من الإنسان العادي، وأجمل من اعتياديات الحياة الرتيبة، كان قد أعد له طريقا أصعب، لا يحتمله إلا من هو بإرادة وإنسانية محمد عيد العريمي، فحادث سيارة كان كفيلا بقصم عري الأحلام، وجمل سارح في التيه كان مأمورا أن ينيخ الرحلة في بداياتها، ويمنعها أن تكتمل.

وهنا بدأ الألم، وبدأت المعاناة، فالشاب الذي يفتح ذراعيه للحياة كحقل شغف في الربيع، وترتفع سنابل حلمه كأغنيات يتداعى لها الكون ولا يحدها شيء، تغلق الحياة في وجهه كل دروب الأمل فجأة، بلا مقدمات ولا شروحات، ولا مبررات كافية، وتسد الطريق أمامه بعجز كلي بلا توطئة ولا رحمه، لتجعله يعاني من شلل رباعي يقعده عن عشق الحياة بشكل مقيت وصارم وفجائي.

 ولكن العاشق للحياة، المؤمن برب الخير والجمال والإنسان، لم يستسلم بل قرر تغيير الرحلة فقط، فاستبدل الخرائط، وجهز عدة التحليق الجديد، وبدأ من نقطة الصفر حيث الصبر المر هو زاد الرحلة الكثير، وبوصلتها الوحيدة. وهكذا اجترح العريمي معجزته الخاصة، وعاود الحياة برداء آخر، وطريق آخر، لم يكن أقل جمالا إن لم يكن أكثر سعة وعطاء، فأصبح كاتبا ومترجما وقبل كل ذلك قارئا جميلا وإنسانا عميقا، قرأ داخله بوعي وصبر وعزم، فقرر المواجهة والتحدي، وقرأ الحياة بأمل فناقش واعترض، وقرأ الكتب فأصبح كاتبا يسرد التفاصيل، ويترجم الروائع، فأصدر الروايات والمجموعات القصصية الواحدة تلو الأخرى.

وكي يتحقق ذلك القدر الجميل بشكل حقيقي، كان لابد في البدء من التصالح من الإعاقة، ولابد من تقديمها كقدر متقبل، أو بديل لا مفر من أن يعيشه المرء ويعيش ضمنه، فكانت "مذاق الصبر" هي شرارة الاعتراف، وسيرة الوجع، ونقطة الانطلاق في السرد، فجاءت الرواية/ السيرة لتحكي بكل صدق وشفافية سيرة الإعاقة وسيرة الإنسان قبلها وضمنها وبعدها.

إن كتابة السيرة الذاتية بحيادية ومصداقية وجرأة ليست بالأمر الهين في واقعنا العربي المملوء بالتناقضات من النرجسية حتى الفصام، حيث معاول الآخر المرفوعة دائما كي تكسر كل عود يرتفع ليواجه السماء بخفة وأمل، أو جناح يحلم بالحرية، فمثل هذا القرار يحتاج لشجاعة خاصة، كما يحتاج لرسالة سامية يوصلها للمتلقي، في هدف أكبر من تعرية الذات أمام الآخر في محاولة للتصالح معها مثلا، أو رصد ملامح الحياة البسيطة التي يمكن أن تشكّل درسا للآخر، بل تحتاج لهدف أسمى يسعى الكاتب له، وغاية كبرى يريد توصيلها، أو مفترقات حياة حقيقية يسعى لتخليدها.

وإذا كان الإنسان في الغرب والدول المتقدمة يعتبر السيرة الذاتية ضرورية لتخليد حياة الإنسان على هذا الكوكب بأقل المنجزات، فإننا -في عالمنا المريض بالعقد - نعتبرها ترفا ونزقا ونرجسية لا تهم الكثيرين، ولذا فلا عجب أن تكون أقل الفنون الكتابية حضورا، كما لا عجب أن نجد معظم الكتاب يقنّعون ذواتهم في سير روائية قد يُستدل عليهم من خلال أحداثها وقد لا يستدل.

ولكن مع سيرة محمد بن عيد العريمي التي بدأت من «مذاق الصبر» لا ينقص الكاتب/الإنسان هذا الهدف الأسمى، ولا تعوزه الغاية الراقية والعظيمة، لأنه يضع المتلقي أمام معضلة ذاتية، ومحنة إنسانية كبرى يسعى الكاتب/ الإنسان لمواجهتها بين يديه، وربما يستعين به على سردها وتقبلها والتعايش معها، أو يعين بها آخرين ممن يعيشون أو سيعيشون تلك التجربة المرة ذاتها، بتقديم نموذج للصبر وأمل في الحياة بطريقة أخرى، إنه يجعل المتلقي وجها لوجه في مقابل حالة يتحول فيها الإنسان بكل أحلامه ووهجه وعنفوانه وشبابه وإقباله على الحياة إلى كائن مختلف وناقص ربما أو بالضرورة من وجهة نظر البعض، كائن يتخوّف البشر من التعامل معه، «مواقف هؤلاء الناس أو انطباعاتهم تجاه المعوقين يمكن تلخيصها فيما يأتي: الشعور بالشفقة والأسف والرثاء تجاه الشخص المعوق والذي يسفر عنه تصرف أقرب إلى التعالي أو التفضل بهذا الشعور، والافتراض بأن الإعاقة الجسدية تنسحب على القوى العقلية، وانزعاج شخصي وقلق من الوجود إلى جانب المعوق، والافتراض بأن المعوق يحتاج دائما لمد يد العون».

هكذا للأسف ينظر الناس في مجتمعاتنا العربية الهشة والسطحية إلى المعاق، حيث بالقليل من النبل المصطنع يتحول الإنسان بكل ممكناته، وقيمته الفكرية والعقلية ما أن يصاب بإعاقة في عضو ما من جسده لكائن يستحق الشفقة فقط، وهي نوع من المشاعر السلبية الخادشة لكرامة هذا الإنسان وروحه وفكرة لأنها فعليا تنتقص من إنسانيته الكاملة بمكوناتها الروحية والفكرية والشعورية، وتحجم ذاته في «النقص الجديد الطارئ» وهو شيء (أي الإعاقة) كثيرا ما لا يمس إنسانية الإنسان الحقيقية الفكرية والروحية بل يتصل فقط بمعطياته الخارجية، وحواسه المعينة وأدواته التعبيرية، أو بالأعضاء البيولوجية الحيوانية كالحركة والكلام والنظر والسمع وغيرها، وهو شيء خارج عن إرادته، وعن مقدرته على تغييره وإلا فعل، كما أن توحيد فكرة الإعاقة، وليس التعامل مع كل حالة على حدة، مع تضمين فكرة النقص هي محنة الإنسان المعاق فعلا، ولو فكّر كل منا قليلا لوجدنا أن كل إنسان على هذه الأرض ناقص وبالتالي معاق، ولعل نقص عضو أقل بكثير من نقص مكوّن إنساني حقيقي معرفي أو روحي أو خلقي أو فكري، ومع هذا فهو نقص -للأسف- مسوَّغ ومقبول للكثيرين ممن يعيشون بيننا بإعاقات ضمنية، ولا يقدح في إنسانيتهم الناقصة، بينما يجعلون الإعاقة العضوية قصورا ونقصا وقدحا إنسانية المعاق جسديا، الكامل روحيا وفكريا وخلقيا.

لكن محمد عيد تجاوزهم جميعا، متعاليا بإنسانيته الراقية على كل شيء، وحقق ذاته عبر اللغة، وقدم صورة الإنسان الحقيقي في كل ما أصدر من كتب، وما خطّ من مقالات اهتمت بالمعاق/الإنسان أولا وأخيرا، وطالب بتقديم كل المعينات المناسبة التي تعينه على حياة لم يخترها بصفته إنسانا، أولا ومواطنا معاقا ثانيا، جاعلا بذلك معاناته شمعة تنير حياة الآخرين، وتجربته المريرة وسيلة لخدمة الإنسان والمجتمع عبر الزمن.

وهكذا تقدم محمد عيد العريمي عبر نصه السردي المحكم، ومقالاته الفكرية، وتفاعله مع الكثير من المواقف الإنسانية في وطنه العربي الكبير، مبدعا حقيقيا، وإنسانا فاعلا استطاع أن يجعل من العبور الطارئ والمؤقت لهذه الحياة ملحمة إنسانية عظيمة وحضورا فكريا راسخا يفوق به أصحاء البدن ومكتملي القدرات الجسدية، ليقدّم للبشر جميعا أكبر الدروس في الصبر والحب والنبل والإنسانية، ويترك إرثا ثقافيا سيقرأه الجميع بلا استثناء.






الثلاثاء، 21 فبراير، 2017

رحلة مع طه حسين

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - شرفات
الثلاثاء 21 فبراير 2017




يشعر المرء أنه لن يمسك بتلابيب المعرفة ما لم يحط ببعض الكتّاب إحاطة تامة، ويطّلع على كل ما تركوا اطلاعا جادا، وهذا ما شعرت به طويلا، ومضيت في تحقيقه أخيرا، سيما اليوم والمعرفة تسّهل طرقها لكل طالب علم، وراغب في المعرفة الشاملة، حتى لتصبح متاحة ووافرة، مجانية في كثير من الأحايين كالماء والهواء – كما أراد طه حسين للعلم يوما أن يكون- بل وتتخذ لنفسها طرقا وأشكالا أكثر إغراء وجاذبية وسهولة مما كنا ننتظر، حتى ليشعر المرء بحتمية أن يذهب مع هذه الفرصة العظيمة كل مذهب، ويستغل كل ما هو متاح، فيقرأ ويستمع ويشاهد كل ما يمكنه من معرفة، و يتحصّل على كل ما يرغب به من علم وجمال وفن خاصة لأهم أستاذة الشغف والعلم والمعرفة.
ومن هؤلاء الكبار طه حسين، المبدع والناقد الذي مهما قرأنا له لن نحيط بكل ما ترك من نتاجات فكرية مائزة، ولن نستوعب تماما كل ما اجترح فكره التقدمي، ووعيه المشاكس من إبداعات نقدية وسردية فريدة، عبر خروجه المبكر على مؤسسة الدين ونقده الصارم والصادم لكل ما قرأ من تاريخ وفكر وأدب ونقد.
فلقد مضيت معه في رحلة طويلة امتدت لأشهر، كنت فيها أمضي برفقة هذا المبصر الضرير محاولة أن استوعب كل آثاره استيعابا تاما مشوبا بالإعجاب كما يستحق ويجدر به. وأن أهتدي إلى بعض حكمته عبر تأمل بصيرته المتوقدة ولغته المتجذرة في الثابت من القديم، والذاهبة في المحدث من كل جديد.
هذا المفكر الناقد الذي لا يأتي على نص حتى يشبعه بحثا ونقدا، ولا يكتب عن موقف أو شخصية حتى يصوّرها أبدع تصوير؛ لأنه ذلك المتمكّن من الأدوات والتأسيس اللغوي والفكري الراسخ بدءا، والمنطلق في التأمل والبحث عبر الجديد المستمر لاحقا، المثقف الذي يمضي منتضيا قوة الحقيقة ونزاهة الحكم وعمق الوعي التي تتجلى لك ما أن تهرع لكتبه، وتمثل بين يدي روائعه الخالدة، بدءا من عمله الإشكالي الذي أثار الكثير من المعارك، وحرّك ضده المؤسسة الدينية والاجتماعية والسياسية، وعلى أثرها تحرك ضده الشارع ممن قرأ له أو لم يقرأ، ألا وهو كتابه النقدي الجدلي في (الشعر الجاهلي) أو (في الأدب الجاهلي) كما سمي لاحقا بعد أن أضاف إليه وغير فيه، والذي اتّبع فيه الشك الديكارتي منهجا، وأسبغ على بحثه من المعرفة بالتاريخ والأنساب والقبائل واللغات والاجتماع الكثير مما يثير الإعجاب ويوجب الإيمان بثقافته وسعة اطلاعه، وطبعا وقبل كل شيء معرفته الدقيقة باللغات العربية والشعر، الأصيل منه والمنتحل أو المكتوب في أزمنة لاحقة لأغراض العصبية القبلية أو السياسة أو الدين أو الشعوبية أو غيرها من الأسباب الوجيهة التي يسوقها ويفنّد عبرها وجهة نظره تفنيدا علميا دقيقا. ولذا فلا عجب أن تقتنع – كثيرا أو قليلا – بما كتب فيه، وتمضي مشدوها بسحر حججه، وعمق تفنيداته واتساع معرفته وقوة ثقافته.
كما تجد النقد في كتابه (حديث الأربعاء) حيث يستل سيف قلمه ويجرده لمعارك حقيقية أسبوعية يقرأ فيها قراءة ناقد واع، ويقدّم فيها تقديم مثقف خبير ومطلع على كل جديد في الثقافة المصرية، وهي مقالات نقدية سبق ونشرها في الصحف وأثارت ما أثارت من جدل وخصومات لم يأبه بها يوما، فقد كان فيها يكتب مبتعدا كل البعد عن المجاملة والرياء وعن النفاق والشللية، فيضفي صفة الجمال بتجرد وموضوعية على كل جميل ويذكر محاسنه مهما تضاءل حجم كاتبه وقلّ ذكره وخفي حضوره، ويعدد مثالب العمل مهما عظمت مكانة صاحبه وارتفع شأنه، وكثر ذكره بين الناس.
ومنها أيضا (جنة الشوك) وهي محاورة جادة وعميقة في الفكر والفلسفة والثقافة والحياة بين طالب نجيب ومعلم أريب، يتبادلان المعرفة عبر صيغة السؤال والجواب، و(حديث الشعر والنثر) بين من يطلق عليه صفة المثقف ولكنه يعمّد لتفنيد تلك الصفة، وتجريده منها عبر زعزعة ثقته بثوابته التراثية الهشة، وثقافته الضحلة وهو المأخوذ بنفسه، فيقرأ عليه نصوصا شعرية عميقة من الشعر القديم موصلا بينها وبين الجديد العالمي، و(مستقبل الثقافة في مصر)، و(في مرآة الصحفي)، وهي تسير في ذات المنهج الفكري النقدي التحليلي للظواهر الثقافية والأدبية في المجتمع المصري في ذلك الوقت.
إضافة لدراسته الشعرية والفكرية العميقة والممتدة في الزمن طويلا وعميقا لزميل الوعي والبصيرة وفقدان البصر (أبو العلاء المعري) عبر مؤلفيه (مع أبي العلاء في سجنه)، و(في تجديد ذكرى أبي العلاء). حيث تناول فيهما حياة وفكر أبي العلاء بوعي مشوب بالإعجاب الضمني والاقتداء الجاد لهذا المبصر العظيم، والعالم الجليل، والشاعر الفذ والفيلسوف المفكر، والناقد الحانق على الوجود والإنسان معا، وإن كان يختلف معه في تلك النظرة التشاؤمية للحياة والبشر الذي صبغت حياة وفكر أبي العلاء، وقلّت وربما انعدمت عند طه حسين المتفائل المقبل على الحياة، التي وهبته أكثر مما وهبت صاحبه من الفرص، وأهدته من الحب والهدوء والسفر أكثر مما أعطت حكيم المعرة.
وهناك سردياته العظيمة والكثيرة وأوّلها سيرته الرائعة (الأيام) التي سرد فيها حياته الشخصية كطفل أصيب بالعمى نتيجة للجهل والمرض، وحمل على عاتقه لاحقا نشر العلم وجعل التعليم كالماء والهواء، وكل ما يتعالق مع تلك السيرة من سيرة المكان كالقرى التي عاشت فيها أسرته، والقاهرة حيث تعلم في الأزهر، وسيرة أسرته وقريته وإخوته وأصدقائه، محررا كل موقف وشارحا كل شخصية حتى لكأنك تراها رأي العين، بل ويمتد لداخلها حيث يعمد لمحاولة تحليل نفسية عبر الزمان والمكان والعادات. و(المعذبون في الأرض) وهي بورتريهات قصصية يسرد فيها حكايات شخصيات من الريف المصري أرهقهم الفقر وأتعبهم العوز والحاجة حتى لأن بعضهم يفقد حياته لهذا الفقر، وللعادات والتقاليد التي تقيّد الفقير غالبا، وكلها حكايات حقيقية استقاها من ذاكرة المكان والإنسان الذي يسقي الأرض بدمعه ودمعه ككل البسطاء على هذه الأرض.
وهناك السرديات الطويلة الأقرب للرواية أو الحكاية أو السيرة الغيرية مثل (شجرة البؤس) التي تحكي قصة صديقين تاجرين قررا تزويج ولد الأول الجميل، من بنت الثاني القبيحة حفظا للمال والعلاقات والأواصر الاجتماعية وبدافع من الشيخ الذي أشار عليهما بذلك، فكان أن ذاقت كلا العائلتين ثمرة تلك الشجرة حتى آخرها، وهي رواية ممتدة في الزمن والأجيال ذهب فيها طه حسين في سرد قيمة الدين في حياة إنسان القرية المصرية مهما عظم شأنه ومكانته وماله، وأثر شيخ الدين (سيدنا) في توجيه مصائر البشر وربما رسمها، كل هذا بمحبة وتقبل وامتنان من الإنسان البسيط الذي يعتمد على بركة هذا الشيخ في كل شيء في حياته من تزويجه وحتى تسمية أبنائه ورزقه وعمله ومرضه وشفائه. ومن تلك السرديات الحكائية أيضا (دعاء الكروان)، و(الحب الضائع).
وهناك السيرة الغيرية مثل قصة (أديب) التي تحكي قصة كاتب مصري صقل وعيه بالقراءة والفكر وبات مختلفا عن جيله وصحبه، متمردا على المجتمع وعاداته وأفكاره، وكان يرغب بقوة في السفر لباريس حتى أنه طلق زوجته ليحصل على شروط البعثة. وذهب هناك كل مذهب في المتعة واللذة والابتذال الأخلاقي حتى انتهى به الحال للجنون.
إنها تلك السرديات العظيمة التي نقلت لنا بإسهاب وعمق ودقة واقع الحياة المصرية بين الريف والمدينة في صورة دقيقة للمجتمع المصري في بدايات ومنتصف القرن العشرين، فشكّلت بذلك مادة سردية خصبة نهلت منها السينما المصرية كثيرا وتجسدت منها الكثير من الأعمال السينمائية الجميلة التي رسخت في الذاكرة الشعبية المصرية والعربية على حد سواء.
طبعا هذا إضافة لإسلامياته الشهيرة والمعروفة والتي تناول فيها بالتحليل والتعليل والتفنيد الكثير من الشخصيات الإسلامية والتاريخ الإسلامي والتي يقع كل كتاب منها في عدة أجزاء غالبا، وهي (الفتنة الكبرى عثمان، والفتنة الكبرى علي وبنوه، وعلى هامش السيرة، ومرآة الإسلام، والشيخان، والوعد الحق).
وهكذا وما أن تعود من رحلتك الطويلة مع هذا المعلم الكبير حتى تشعر بالامتلاء به وبأعماله وأفكاره ونتاجاته المتنوعة والثرية والكثيرة، فتتحقق لديك حالة من الاستناد لذاكرة ووعي أستاذ كبير، أستاذ للشغف بالعلم والمعرفة والحقيقة والحياة، أستاذ لا يمكن ولا ينبغي لك ولأي كاتب أو باحث أو قارئ يرى في نفسه شغف المعرفة والرغبة في المضي على طريقها تخطي آثاره الراسخة، أو تجاهلها، بل عليه أن يمكث طويلا في خيمته الكونية وبين يديه في حلقة الدرس الأبدي التي لا تنتهي بل تستمر ما استمرت الحياة والعلم والمعرفة، وما استمر القارئ باحثا عن الحقيقية مولعا بها. فتحية تقدير وامتنان لهذه القامة الكبيرة ولهذا الأستاذ العظيم لأنه عبر هذه الأرض وترك لنا من دمه وفكره ووعيه ومكابداته الإنسانية والمعرفية بعض ما يشفي غليل المعرفة ويمنح لنا أسباب الحياة للسير على خطاه.

الأربعاء، 15 فبراير، 2017



أأن تمضي مع ديستويفسكي في رحلة طويلة لا تعرف لها حدود فأنت تدرك سلفا أنك ستكون متوزعا بين الفلسفة والشعر والموسيقا، وستبحر عميقا في دواخل النفس وعلائقها الواعية واللاوعية وستجازف بقراءة تشظيات الإنسان من داخلك تماما.
فأن تبدأ بقراءة (الإنسان الصرصار أو مذكرات قبو) فذلك يعني أن تذهب عميقا في تأملات داخلية لشخص متميز علميا، ولكنه غيد قادر على الذهاب خارج ذاته التي يعيش فيها ويكتبها ويعاملها، وحتى يقرر التواصل مع أصدقائه في حفلة نهاية خدمة أحدهم ينهي الحفلة بالذم والشتم والاختلاف معهم، لينتهي في حانة مع بائعة هوى تدعى (ليزا) يحاول جاهدا نصحها بالعودة لعالمها وأسرتها وأهلها، كي لا تنتهي بائسة في قبر يحتقرها الجميع بعد أن يسلبوا حياتها وجسدها وكل قواها الداخلية والخارجية.
وبعد أن يظهر لها الكثير من العطف يقدّم لها عنوانه، ولكنه ما أن يصل لبيته حتى يتملكه الفزع من ذلك، ويفكر كيف سيتعامل معها لو حضرت فعلا، وإذ تحضر يعنّفها ويزدريها ويطردها من بيته، ثم يقدم لها بعض الأموال فتتركها وتخرج من بيته حزينة مضطربة، وحين تخرج يفكر كثيرا في اللحاق بها والاستغفار منها، ولكنه يعدل عن رأيه لأن يعرف أنه في قرارة نفسه لا يريد ذلك، ولو حدث وعادت لعاد لتقريعها وطردها.
إنه يكتب عن اختلال النفس في فهمها لنوازعها وإرادتها وعدم معرفة ما تريد، وانهيار ثباتها وزعزعة مرتكزاتها الخارجية، واستسلامها للألم والوهم والقلق والذهاب في ارتباكة العدم.
أما (حلم. رجل يضحك) فهي تنطلق من وجع الندم لرجل مرتبك نفسيا حتى أن الجميع ينظرون إليه على أن رجل مضحك، بل ويدرك هو ذاته أنه رجل مضحك ولكن أنفته وغروره تأبيان عليه التسليم بذلك والاعتراف به أمام الناس أو حتى نفسه، هذا الرجل المضحك قرر أن ينتحر وعزم على ذلك بقوة، بل وحمل معه المسدس وكل ما يعينه على الانتحار، ولكن ظهور طفلة صغيرة تستنجد به وتتعلق في قدمه للحصول على مساعدة ما، رفض هو تقديمها بقوة وقسوةظ؛ غيّر حياته، وشغله عن الانتحار، إذا ظل يفكر كثيرا في ذلك الأمر الخيّر الذي كان يمكن أن يقدمه ولكنه لم يفعل، أثناء ذلك ذهب في النوم ليحلم أنه انتحر فعلا ومات وأخذه ملك الموت للبعيد حيث وجد عالما آخر ، عالم نبيل وجميل وبه الخير والسلام وأهله من الطيبة والجمال والخير بأنهم يعيشون أجمل حياة فحنوا عليه وأكرموه وعاملوه معاملة الأخ.
وحين استيقظ من النوم عرف أنه كان حلما، وقرر أن يبحث عن الطفلة ليساعدها لأنه أعطته قيمة للحياة وأجلت موته قليلا.
وحين تصل للأخوة كرامازوف فأنت تدرك أن الحكاية لا تكون بين الخير والشر فقط، فهناك مساحة واسعة بينهما، وليس أليوشا الفتى الطيب إلا نموذجا له، والأب فيودور ليس إلا نموذجا للانحطاط والجشع والأخ ديمتري نموذج للرجل التابع لرغباته، وإيفان نموذج للعلمانية أو العقلية العلمية.
الرواية التي تتفرغ في حكايتها كجداول كثيرة لنهر كبير يحافظ على مجراه الأساس وحكايته الكبرى بين الأخوة حين يتهم ديمتري بمقتل والده، ويلقى به في السجن، فيقف معه أخوه حتى يحكم له بالبرأءة.

السبت، 11 فبراير، 2017

نسوة الظل

فاطمة الشيدي
 القدس العربي



1.
أتذكرها الآن (بلا سبب) واللاسبب هو أكثر الأسباب منطقية. كانت جميلة، بيضاء كمعظم نساء ذلك المكان، مربوعة القامة، تتمتع بالحيوية والنشاط وهي في مرحلة الأطروحة للحصول على درجة الدكتوراه. كانت تعد لنا أنا وهي (المعمول) لنتسلى به في المحاضرة المسائية، وكنا نمشي كل يوم ساعة تقريبا لنشتري الكستناء الدافئ والقهوة الحارة من البائع المتجول لنكايد البرد، ثم نعود لنذرع ربوع الجامعة حفرا في الذاكرة وذهابا في الغد الذي لا ندرك هل سيأتي، في شتاء كهذا الشتاء في الوقت ولكنه أشد في الحضور والتحقق.
حدثتني كثيرا بأمل عن الدورات التي تحضرها في البرمجة اللغوية العصبية وعلم الطاقة لتستمد القوة من الداخل، كنزنا المخبوء المتوهج بالجمال، فالخارج مجرد انعكاس لذلك العمق، كما قالت. هي التي تعيش على هامش الصدفة، خارج الزمن، بلا هاتف نقال، ولا تعرف عن هذا العالم إلا بمقدار ما يعرف هو عنها من اغتراب ووحدة.
كانت تحب السمك المشوي، والمشي في الهواء الطلق، والثرثرة مع الغرباء وكبار السن والأطفال؛ لتبرهن على وجودها الحقيقي في حياة عابرة. قالت: «سأعزمك على مشوي سمك من إيدي ذات يوم». ثم فتحت قلبها المتوجع أكثر للغريبة التي لا تعرفها إلا في مساحات الابتسامة والمصافحة وزمالة الدرس المؤقتة، الغريبة التي كانت وما تزال تحث الغرباء على البوح بالإصغاء والتوحد مع السارد والمسرود.
حدثَتْها عن ليل طويل، ووحدة جارفة، ثم أسرفت هي في وصف عنف الرجال، ومصلحية العلاقات، والدم الذي يستحيل ماء، والقرب الذي يستحيل اغترابا، ولاحقا تداعت ألما ووهنا وهي تتحدث عن غطرسة العالم في وجه الضعفاء، وعن شراسة المرض الخبيث في جسد امرأة جميلة تجابهه بكل الممكنات والمستحيلات ولكنه يستطيل بلا هوادة، ويكبل العزم على الاستمرار، فلا تملك سوى الاستسلام للوهن، وينحسر الأمل لصالح الألم، وتسري قوانين الجسد الخائر على الروح المتقدة عزما، والنفس العالية.
لم تحدث عزومة السمك، ولم نمش لاحقا في المساء الذي نحب معا، ولا أعرف أيهما انتصر على الآخر هي أم السرطان، وها أنا أتذكرها الآن كما يتذكر الغريب الغريب، حين ينحت الشتاء في الذاكرة والبرد في الأجساد، وأبكي; لأنني لم أحتضنها يومها وأبكي كما كان يجب أو كما كان ينبغي أن أفعل، بل اكتفيت بالبكاء داخلي حتى شعرت بالدموع تخرج من مسامي كجمرات حمى أشعر بها الآن عرقا ووهنا على مسافة زمنين ومكانين ووجعين وذاكرة.
2
المرأة الماهرة في الطبخ، التي تصنع كل أنواع الحلويات بشكل أفضل من كل المخابز، ومحلات الحلويات في البلد، وتتفنن في الألوان والأشكال والروائح. حلويات بنية، وحلويات بيضاء ووردية، وحلويات زرقاء وحمراء، حلويات كبيرة ومتوسطة وصغيرة. حلويات مستديرة، وحلويات مربعة ومستطيلة، حلويات بالشكولاتة، وحلويات بالمكسرات أو بالقشطة والجبن. حلويات غربيّة وأخرى شرقية، حلويات عربية وحلويات محلية، حلويات لذيذة ولذيذة ولذيذة.
كل من تذوق حلوياتها يأخذه الطعم نحو أعالي المتعة، يشهق يا الله! لا أحلى ولا ألذ. كل من ذاق الطعم أغراه بالتكرار، بل والمجازفة مرات ومرات، إذ كانت كل محاولة تعمّق الطعم، وتكثف طراوة اللذة، وتكشف عمق الإبداع الذي لا يتكرر في تلك الأصابع المدهشة الصنعة.
ولذا يظل الجميع يطلب المزيد والمزيد خاصة في رمضان شهر الحلويات، الجميع يقبل عليها، ويزور مائدتها، وينتظر طبق الحلوى الذي يطرق الأبواب قبل الأذان كل يوم كموعد لا يخلفه، وكصدقة دائمة ومرغوبة من الأغنياء قبل الفقراء، ومن الأهل قبل الجيران، ومن المقيمين قبل العابربن.
وكم تمنى الجميع أن تفتح محلا خاصا بها كي يتجنبوا حرج (اللامقابل) الذي تأتيهم به الحلوى غالبا، هي التي رفضت كل العروض المغرية لصناعة الحلوى لبعض المخابز المعروفة، والفنادق المشهورة بمقابل مجزٍ، وهي تردد: «لا لا.. أنا فقط أصنع الحلوى لمن أحب، وخاصة في شهر الخير، وأستمتع بكل قطعة أصنعها، ولذا أريد أن أشعر بهم وهم يتذوقونه، إنها هدايا للأحباب والأصحاب فقط».
الجميع يستمتع بالحلوى النادرة التي تعدها ببراعة خاصة من الأقرباء والغرباء، والصغار والكبار، والجيران والأبناء، ويطلب المزيد بشراهة ولذة. أما هي فتتأكد جيدا أنها أخذت إبرة الأنسولين قبل أن تتذوق طعم الخلطة بطرف سبابتها فقط قبل أن تدخلها الفرن.
3
الصديقة التي ذهبت باتجاه الليل، التي تركت قلبي للبرد، أتذكر صوتها وروحها الآن، أتذكر جمالها أيضا، جمالها الداخلي والخارجي، فالجسد مرآة الروح، أتذكر ضحكتها التي كانت ترن كأغنية يتيمة لا يجود بها الدهر كثيرا، وهي تلعن الجميع، الرجال والعادات والتقاليد والنساء التافهات كعلكة رخيصة حسب تشبيهاتها الدقيقة، أتذكرها وهي تحكي لي بدقة تفاصيل رواية جيدة قرأتها مؤخرا وهي كانت قارئة رائعة تثير حسدي وغيرتي بالتهامها الكتب، الأجمل من ذلك كله أنني أتذكرها وهي تخبرني عن أغنية جديدة لمطربة قد لا أعرفها، أنا المنكفئة خلف متاريسي الجمالية الخاصة، وهي تلح: «أرجوك بس سمعيها، وبعدين حكمي». كنت غالبا أحب ذائقتها في اتجاه ما؛ الصوت أو اللحن أو حتى الصورة، لكنها كانت تنتصر في النهاية وأسمع الأغنية وأظل أرددها طويلا، أتذكرها الآن في كل هذا البرد، الشتاء كان فصلنا الأثير، وكنا نزهر معا كزهور الطرقات التي لا تنتظر من يعتني بها في الشتاء، نتورد كزهرتين نادرتين أو كطائرين مهاجرين غريبين يعرفان ذلك، ويتذمران قليلا قبل أن يهاجرا لبلد آخر.
في البرد فقط كنا نحرص على أن نمشي حافيتين على شاطئ البحر، ونرفع صوت الأغنيات في الشارع، ونغازل نادل القهوة الأسمر النحيل وهو يقدم لنا القهوة من نافذة السيارة، ويتباطأ ليخزن عطرنا في رئتيه، ونوزع قهقهاتنا على دروب الحارات الضيقة، ونخزن رائحة شجرة الليل في أرواحنا لحزن ما، ونتبارى في نفخ العلكة لأكبر بالونة ممكنة، ونثرثر عن أكثر فيلم شاهدناه منفردتين، وننتخب حبيبا لليلة الأكثر بردا في ذلك الشتاء.
في البرد كنا نبكي بصمت ونحن نحتضن بعضنا كل لقاء أو فراق وكأننا ندرك أن الأيدي ستفترق مهما طال تشبثها في دفء اللحظة، وحرارة الصدق الذي كان أكثر وأكبر من حياة كاذبة تأكل كالغرغرينا أطراف الصدق النابت في دفء العمر الفائت.
أتذكرها الآن وأنا أسمع أغنية صباح «يانا ..يانا»، تتحرك في مدارات الزمن الشتائي بين يدي، على أوتار عوده، هي الشقية كروح صباح والعذبة كعذوبة الأغنية.. فعليها السلام والبرد أينما كانت.
4
لم تنتظر الشارع بكل مدنيته وسياراته الفارهة والبسيطة أن يقف إجلالا لشحوبها، وتقديرا لعمقها الإنساني وكائناتها الطيبة، بل قطعته بكل قوة وعمق لتجبر المدنيّة أن تنحني تقديرا للطبيعة وحضورها الأول، وتشكيلها البدئي السابق لكل هذا التبهرج الميت. كانت تسوق أغنامها أمامها بكل انسجام وتناغم، وكأن حوارا ممتدا يدور هناك، ويسوقها قدرها الذي رفضته إلى التيه، خارج غابات الإسمنت بكل حيوية وجمال.
كانت خطواتها الواثقة تجعل حديدنا المركّب يقف ـ متخذا علامة الحذر بأربع إشارات ضوئية تنبض كقلب فاجأه العشق دفعة واحدة ـ مشدوها أمام جبروت عبورها وسعة يقينها، ونبذها حياة الأطر الجاهزة للأفق الأوسع، مؤاخية السمر والنحل والجبال.
الراعية التي اعترضت الزمن هذا الصباح، لم تخرج من الحكايات والكتب الصفراء، بل كانت تعبر شارع (الخوض) في مسقط العامرة بيقين ساحرة تغير مجرى الحبكات الكونية التافهة، لنهاية أكثر دهشة مما يعتقد أبناء القرن الحادي والعشرين.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

تجليات المكان في الرواية المعاصرة


1. «حمرة الغياب».. سردية المكان والإنسان


فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
7-2-2017



تمثل رواية «حمرة الغياب» للكاتب سالم ربيع الغيلاني، سردا عمانيا مغايرا، وربما تأسيسيا لنضج التجربة الروائية العمانية بعد الكثير من التجارب المحاوِلة لصناعة الرؤية السردية العميقة والجادة حول المكان والإنسان والذاكرة، حيث تفترع هذه الرواية ذاكرة سردية عميقة للمكان والإنسان باتجاهين زمنيين؛ زمن متخيل وآخر واقعي ومكان واحد وهو مدينة صور. وتتقدم الرواية في زمنيها (القديم والآني) بشكل متواز سرديا، بحيث يمضي القارئ في حكايتين متوازيتين تماما؛ ليكتشف في نهاية الرواية أن الزمن الثاني (الحاضر) ما هو إلا امتداد زمني للأول الماضي، عبر حكاية تحاول رصد حضور المكان (صور) وتشكّله في الزمن.
ففي الحكاية الأولى يخبرنا «خميس الراوي» -بصفته الراوي العليم- حكاية الجد الأكبر «الغالي» عبر اقتناصات سردية قصيرة كتبت بلغة تقريرية تقريبا، تسبق كل فصل من فصول الرواية، حيث يحكي لنا كيف وصل الغالي الذي كان قادما من العراق ليذهب للهند للاستقرار هناك بعد زمن طويل من الترحال والسفر، ولكن الريح تشتدّ به وتحطّم مركبه، وتشتت بحارته وترمي به في أرض فضاء تحيط بها الجبال والبحر من كل جانب، ولكنه بعد أن استعاد وعيه شعر بالسكينة تجتاح روحه وقرر أن يتخذ من تلك البقعة وطنا، تلك البقعة التي عرف لاحقا أن الجن يسكنون فيها، وهناك خرجت له جنية جميلة «قالت له لا يمكن أن يسكن هذا الخلاء بشري ما لم يكن له نسب مع سكانه من الجن. انتفض ولوّح بعمته في السماء. نظرت إليه وتبسمت، فسرت بين ضلوعه رجفة، وشعر بخدر لذيذ يجتاح جسده.
قالت له: لا تلوّح بعصاك، فأنت ونحن موعودون بهذا المكان منذ الأزل .. نعم أنا وأنت من سيشكل هذا التحالف، وعلى أحدنا أن يترك جانبه؛ ليعيش في الجانب الآخر حتى يتم هذا العهد.. ولأجلك سأترك عالم الجن، وأذوب في عالمك. سأنجب لك الأطفال، وستولد مع كل طفل منهم أسطورته. سيرثون منك القوة، ومني الجمال ومن كلينا الشقاء.»
ولكن الرجل فيه يدفعه يوما للزواج بأخرى، وهنا تحذره الجنية، وحين لم يصغ لها، تركت له الأولاد وهجرته للأبد، وحاول كثيرا بعد ذلك استرضاءها ولكنه لم يفلح، وهكذا أصبحت نقطة ضعف أبناء الغالي هي قلوبهم التي تجرّ عليهم المتاعب، وتذهب بهم في اللوعة والعشق والفناء.
وفي مقابل هذه الحكاية القديمة فإننا نشهد مع السارد المتجدد الحكاية الأكبر التي تتفرع وتنمو عبر فيها الأحداث في المكان الحاضر، حيث نشهد تبلور شخوصها التي تتقدم في بناء الحدث الدرامي، ونعيش معهم حكاياتهم التي تتفرع وتتلاحم وتبني الحكاية الأكبر. فعبر ثلاث عائلات كبيرة تتداخل فيما بينها في المكان والنسب والدم (وهي ولاد الغالي والخبابيط وولاد الصفار أو الميادير) تتفرع الحكاية لحكايات كثيرة، ولكنها تدور غالبا حول عائلة الغالي التي قررت الجن أن كل نسله يرزأون في قلوبهم وحول قوانين المكان الاجتماعية التي تحكم الإنسان وتشرع له حياته وقد تحددها أيضا.
إن أبرز ما يضفي قيمة فنية خاصة على هذه الرواية هو رسم الكاتب لشخوصه الكثيرة بدقة من الخارج للداخل، ثم رسم دورها العميق في صنع الحدث والذهاب في الحكاية نحو أفقها المكاني الخصب الذي يموج بالحركة والشخوص والأحداث، فكل شخصية في الرواية متحدثة أو صامتة، فاعلة بشكل كبير في بناء الحدث السردي أو توضيح دلالة روح المكان وثقافته بكثافة ووضوح. ومن تلك الشخصيات «الجدة رحمة بقوتها وحناناتها، والتي يهابها الجميع ويحبها أيضا من البنيان حتى سادة القوم، والتي بدأت معها الحكاية وانتهت بموتها.» جاءت تجرّ نفسها إلى حيث مصدر الصوت وعندما رأت حفيدتها مسجّاة بثياب عرسها على الأرض؛ أطلقت أنّة مكتومة وأخذت تردد: لقد قتلنا البنت.. لقد قتلنا البنت .. قبل أن تسقط مغشيا عليها» ، وحمود الصفار ابن خالتها التاجر القوي الذي كان يحبها لولا أن أعراف القبيلة حرمته منها، فتزوجت بابن عمها (محمد) الذي اختارته والذي كان يصغرها بسنتين، ثم مات في البحر بعد زمن قليل، فرفضت كل زواج بعده حتى من حمود الذي تعلّم السحر، ليحصل عليها، وربما كان له دور في موت زوجها. وأولادها بشير بهدوئه وقوته، وزيد بجنونه وعبثه ومجونه، ومهرة الدلاس الطفلة العذبة الذي خطبها زيد وتزوجها من المصنعة بعيدا عن أهله، وماتت بعد زمن قصير لأنه أهملها ومضى في عبثه مع النساء مخلّفة حسرة وألما في نفسه، وفقدا في العائلة جميعا حتى في نفس شقيقه بشير، بعد أن أنجبت له ثلاثة أطفال منهم شمسه الطفلة أغرمت بابن عمها الذي كان يصغرها فاهتمت به وتعلقت به أيما تعلق ثم ماتت حين زفّت لغيره «أدركت شمسة خلال مرض أحمد إلى أي حد هي متعلقة به، وهو متعلق بها، رأت ذلك في عينيه اللتين تنكسر حدتهما، وتشرق فيهما كواكب ونجوم عندما تلتقيان بعينيها، الخدر والسكون اللذان يحلان عليه عندما تمسح عناقيد العرق من على وجهه ورقبته.. رفضه الطعام إلا من يديها، المتعة التي تشعر بها وهي تقضي ساعات الليل الطويلة ساهرة بقربه. السعادة التي تملكتها عندما بدأت العافية تدب في جسده الهزيل. الرعب الذي يمزقها إن مرّ خاطر فقدانه في ذهنها. كل ذلك جعلها تدرك أن أحمد حياتها.» ، وبشارة زوجة بشير، وسعادة الدهانة التي حوّلتها الظروف لمومس، وابنتها راية التي أغرم بها ناصر الغالي وما كان لبنت مومس في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد أن تجد السعادة إلا عبر طريق لا يمت للستر بصلة، ولكنها رفضت أن تعيش قدر والدتها فهربت مع سعدون العبد الذي أحب ابنة حمود الصفار فضربه وقيده بالسلاسل حتى أصيب بالجنون بعد أن زوجها لابن أخوالها ونفاها بعيدا عنه «قبل بزوغ الفجر حملت الصندوق الذي ورثته عن أمها وتسللت من غرفة الجدة رحمة إلى المخزن الذي أصبح مسكنا لسعدون، وجدته متكوّما على نفسه، هزته برفق ففتح عينيه، قالت: «هي نهض، وتبعها دون أن يبدي أي اعتراض، اخترقا الأزقة وغاصا في ظلام الغياب.» ، وسبيت الخانب الابن غير الشرعي لعبدالله الصفار شقيق حمود، و(معرس ينيه) الذي عشق جنية فأصابته لوثة بين الجنون والسحر، وسعيدة الدّاه، التي كانت تمضغ التنباك وطلقت زوجها كدلالة على قوة المرأة في المجتمع إن رغبت في التنكر لأعرافه.
هذه الشخصيات وغيرها تمثل نماذج إنسانية متعددة ومكررة للمكان (صور) الذي هو محور هذا العمل السردي بكل ما رسمه الكاتب من عادات وملامح وفنون ولهجة خاصة. فهذه الرواية تجعلك تعرف المكان كأنك عشت فيه، المكان الذي يمثل نقطة تفرد الكاتب ومحليته التي تصبغه بالتميز والعالمية، وهذا ما فعله سالم الغيلاني الذي رسم لنا بوضوح طبيعة المكان وخصائصه وثقافته ووعي وإنسانه وملامحه. المكان الذي استمد كل شيء من علاقته بالبحر والتصاقه به. «صور مدينة تعشق الفرح، وتحترف التعبير عنه. تعلمت من البحر أن لا شيء دائم، فالهدوء يعقبه صخب، والسكون يمكن أن يتحول إلى هيجان. فهذا الأزرق الذي أجج لدى أهالي المدينة الرغبة في الاكتشاف، وأطلق ألسنتهم بقول الشعر، فتغنوا على هدير أمواجه بالهولو واليامال، وفجرت تقلبات مزاجه في دواخلهم الخوف والشك وتوقع كل شيء. هذا الأزرق هو سرهم ومن أراد أن يعرفهم فعليه أن يعرفه أولا.
لقد وضع البحر لهم دستور حياتهم، ومنحهم الفرح، وجلب إليهم الفواجع ينظرون إلى زرقته تارة فيرون الحياة وازدهار الآمال، وينظرون إليه تارة أخرى فيرون الفواجع وفقدان الأحباب. علمهم بحنو أمواجه، وهدير عصفه أن اللحظة التي يعيشونها هي الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن يؤمنوا بها، وأن هدر الوقت في اجترار الأحزان حماقة كبيرة، وخطأ لا يغتفر، لذلك فإنهم يقدسون لحظات الفرح، ويجلّون طقوسها، فالرزحة عنوانه، وأفضل وسائل التعبير عنه»
إن حمرة الغياب رواية ناضجة بكل المعايير الفنية للكتابة الروائية (من عمق المضمون، وجماليات السرد، ورسم الشخصيات وتطور بنائها، وتعدد الحبكات، والنهاية الصادمة للقارئ)، وإن كان عليها ألا تسلم من المآخذ كأي عمل إنساني فهو ذلك الانشطار بين حكايتين، الذي لن يدرك القارئ فكرته إلا حين ينهي النص، إضافة إلى كثرة تضمين اللهجة التي قد تقف عائقا للقارئ من خارج المكان.

السبت، 4 فبراير، 2017




جازف لتحيا حياة حقيقية.. جازف بكل شيء بمالك، بروحك، هذا هو الحل الوحيد، فليس لديك إلا حياة واحدة، فعشها كما ينبغي لك، وكما ترغب، وكما تتوق لذلك. اتبع حلمك البعيد والغريب والمجنون والعبثي.. اتبع قلبك وثق بمن يثق بهم من حبيب ومن صديق فهم وحدهم سيبقون أوفياء لك، وسيسندون عثرتك الكبيرة والعالم كله يتخلى عنك ويشهّر بك ويشمت فيك، فلن تندم على تلك الثقة إن أحسنت اختيار من تثق به.
هذا ما يقوله هذا الفيلم الرائع.. عبر بطله الذي كانت شركته المختصة بالتعدين على وشك الإفلاس، فيسافر للبحث عن الذهب في أندونيسيا، وهناك يقابل الباحث المتعمق في البحث عن الذهب، ومعا يبحثان عن الذهب الذي كان هو الإنسان في الحقيقة؛ الحبيبة الصادقة، والصديق المخلص لعهده، والإنسان البسيط الذي وفّر له الماء النقي. عبر رمزية عالية ورفيعة للفيلم .
أما الذهب فقد كان مصيدة للشركات الكبرى لجنى الأرباح من جيوبها التي تمتص دم الإنسان البسيط بلا مبرر.





الآن أتذكره بين ثلاث مدن إذ في وفرة البياض يمضي مشفوعا بعجز اللغة عن التعبير عن ماوراء الغياب.
تعرفت عليه في (البحرين) ٢٠٠٧ ، وكنا في ضيافة ملتقى الوعد الثقافي والأصدقاء حسين الجفال وزكي الصدير وغيرهم من أشقاء الشعر والماء، وبرفقة الشاعر زهران القاسمي أزهقنا معه أيامنا القليلة بين دروب البحرين وزرقتها المتاخمة للسماء والبحر شعرا وموسيقا وفنا متعدد الأوجه والفضاءات.
ثم في (مسقط2012) في أمسية تأ...بين الراحل أحمد راشد ثاني، ( أنا التي كنت هناك أقيم حوارا افتراضيا مع روح الشاعر البعيدة)، أدركت أن علاقته بالمكان أكثر إيغالا في الزمن مما تسع الذاكرة فهو شقيق الأرواح المضرجة بالحنين والملح في كل مدنها المحفورة في القديم والمنتفضة في مرايا الجديد هشاشة وصخبا تحت مسميات جديدة محفوفة برنين الذهب الأسود، موغلا في كل ما يرفو الروح في حنينها البعيد والممتد والأبدي للحرية والجمال.
ثم في (الشارقة2013) في ملتقى السرد حيث نحن أبناء البحر واللغة لا نحتاج لشفاعات الصداقة إذ نلتقي .
فعرفت اشتغالاته التراثية الجارحة في ذاكرة المكان والإنسان وتشبثه بالأرواح المضرجة بالمختلف والسابر من الوعي والمحبات.
ولكن حين جاءني اتصاله الذي لم أتوقعه يوما وهو يفيض بالمحبة الأخوية الصادقة التي ترشح كغيمة مطرا إنسانيا فائضا بالنبل، ويدعوني وشريك النص الحياتي الكبير لنقضي بعض الوقت معه ومع زوجته.
كان ذلك إيذانا بالرسوخ حتى الغياب في الروح والذاكرة معا.
لقد تأخرنا في اللحاق بكرمك أيها الجليل، وقد سبقتنا لكل جمال
فالرحمة والسلام لروحك الطيبة الرفيعة العالية التي تمضي للبياض وتتركنا نلهث خلف حلكتنا الآسرة هنا الآن ودائما.





السينما  متنفس جيد لسكان مدن الملح مع الكتب والمقاهي والمتع الصغيرة غير السائدة في مجتمعات الموت ..
هذا الأسبوع شاهدت هذين الفيلمين: - الأول يتحدث عن الرأسمالية الحقيرة التي لا تأبه بشيء من روح الإنسان، حتى فساد المجتمعات، وصراعها مع الدين،  وتسليط الضوء على جماعة ( كو كلوكس كلان) داعش المسيحية،  الفيلم الذي لن تعجب سوى ببعض الجوانب الإنسانية فيه كالعلاقات الأسرية والحب (حب الله وحب الأبناء وحب المرأة)
الحب  الذي يتملّك على الإنسان نفسه، ويحرّك  ذاته ويحكم قراراته مهما بدت خاطئة للآخرين.
أما الفيلم الثاني فهو فيلم "الصمت" لمارتن سكورسيزي والذي قضى ربع قرن لإعداد وبلورته، وهو عبارة عن ملحمةٍ دينية مرهقة، تعرض لفكرة صمت الرب أمام عذابات المؤمنين به وهو يتعرّضون لأبشع أنواع التعذيب، بل حتى الرهبان الذين يسيرون على نوره ويحملون رسالته لا يتدخل لنجدتهم.
وهو فيلم عميق في أطروحته البعيدة حول صمت الرب عمّا يتعرض له الإنسان في هذه الحياة، ويتناول فكرة التبشير المسيحي في اليابان،  والقهر والقتل الذي تعرّض له الإنسان المسيحي والرهبان هناك في القرن السابع عشر تحديدا، وفشل هذه المهمة(التبشير) تماما هناك.  بل وارتداد رهبانين عن دينهما حفاظا على حياتهما. بسبب عدم تقبل المجتمع للدين المسيحي إضافة لمحاربة السلطة القاهر له، ورغم كل هذا ظل الرب صامتا.
هذا الفيلم يبدو ظاهريا مسيحيا بامتياز ، وربما يقف ذلك بينك وبين الإعجاب به، إلا أن للفكرة الكبرى التي يحملها وهي صمت الرب عن كل ما يتعرض له المؤمنون به من قهر وظلم في سبيل ذلك الإيمان، حيث تجد حيرة الإنسان أمام صمت الرب كل هذا الوقت أمام كل القهر الذي يستشري في العالم.
كما يعرض لحاجة البسطاء للتشبث بحبائل الرب والإيمان المطلق بخلاصه القادم لا محالة دون أي صدى أو تساؤلات تتعلق بضعفه وشكه إلا من رجل واحد يطلب الاعتراف بعد كل خطأ يقوم به في حق الرب فهذا هو الإنسان الحقيقي خائف ومرتبك وجبان أحيانا ولكنه يحمل الله في قلبه غالبا.  أما مرتكز الفيلم فهو صمت الرب فيما مقابل الإيمان والتضحية في سبيله (الموت أو الرجوع عن الدين) هو  للمسيح وللعمل على تحقيق مشيئته والاقتداء به. طبعا ناهيك عن روعة الإخراج.
حين تخرج منهما ستكون ممتلئا بالاسئلة حول الله والدين والتوحش الرأسمالي .. وستشعر كم  هي الأديان  متشابهه في كل شيء.  وكم تحكّم الدين في حيوات الإنسان طويلا، وكم قتل وظلم وشرد باسمه، وكم حُمّل  الله - الذي يسكن في قلب الإنسان فقط -الكثير من هذا وهو منه برئ.






الأربعاء، 1 فبراير، 2017


حالة استشعار العبث واللاجدوى من كل شيء تكبر داخلي وتتمدد مع الزمن، ولذا أجدني أتراجع عن أشياء كثيرة كنت أحبها أو أفعلها في الأقل حتى دون تفكير كبير .
ولكن الآن يكفي أن أفكر فيها لأقول لنفسي حسنا وماذا بعد؟!!!!!!
وكان آخر ما امتدت إليه حالة العبث واللاجدوى هذه حفلات توقيع الكتب، تساءلت بقوة هل يهم القارئ توقيعي فعلا؟ وهل يهمني أن يشتري القارئ كتابي فقط ليحصل على توقيع (غبي) ثم يركنه في زاوية مهملة من بيته أو مكتبته؟! هل يأبه القارئ الحقيقي لتوقيع الكاتب، وهل يأبه الكاتب لقارئ شكلاني يبحث عن بصمة حضور؟ وحين تصاعد الغثيان في روحي إذ لا إجابات قررت في كتبي الأخيرة أن لا أقيم حفلة توقيع. لقد وقّعت سلفا بدمي. فأنا أكتب به وبكل وتر مشدود من أعصابي، أنا أكتب كتبي بروحي وليس بقلمي أيها القارئ العزيز، وهكذا فأنت لديك مني نسغ الكلمات وروحها فلا حاجة بك للقشور والزيف.

*
شاهدت كلا منهما على حدة في معرض الكتاب، وزير برتبة إنسان، الأوّل كان يمشي في المعرض بتأنٍ وروية كمن يتفقد حال الجمع ويطمئن على أن كل شيء في مكانه، فهو يدرك أن هذه هي امتيازات وظيفته الحقيقية، فهي وظيفة خدمية أولا وأخيرا.
والثاني كان يمشي مع طفلته وقد اقتنيت بعض الكتب ويبدو أن حوارا شائقا حول القراءة كان يدور بينهما.
ابتسمت داخلي وتجاهلت عبورهما المشع بالجمال، فليس لي أعترض طريق الإنسان هناك. رغم معرفتي العميقة القائمة على تقدير المعرفة والإنسان بكل منهما.
المجد للإنسان الحقيقي خارج أي هالة جانبية تحت كل المسميات والأشكال والألوان بما في ذلك السلطة والثقافة أيضا.

*
عدو المرأة راغب هزمته قوة إحداهن، وعدّوة الرجل حالمة خانها الحظ . وهي حالات فردية، على الفرد فيها تمحيص حالته في ظل السواء الإنساني واختيار الحل المناسب، والواقع المريح له خارج التعميمات والندب والغضب.
في حين هناك قضية اجتماعية حقيقية لا ينبغي القفز فوقها في مجتمعاتنا الذكورية تشمل المهمّشات من النساء والمعنّفات والمحتاجات لمصدر دخل. المقيدات بالعوز والحاجة أو الخاضعات لقهر الرجال، قضية يجب النظر إليها بوعي سياسي وفكري واجتماعي وليس بالشفقة أو الصدقة كما في الخطاب الديني،... ولا بالعنف والمكابرة كما في الخطاب الذكوري ولا بالضعف والاستسلام والبحث المريض عن ظل رجل كحلم أخير كما في الخطابات المجتمعية الرجعية العربية، بل عبر تجديد الخطاب النسوي بما يناسب العصر وانفتاح الأفق الإنساني، وتمكين المرأة من التمتع بالقوة الذاتية التي تمكنها من اقتحام هذا العالم وحيدة أو مع الآخر لا فرق المهم أن تجد ذاتها وتتحد مع مكامن قوتها، وذلك عبر تمكينها بقوة القانون من حقوقها الإنسانية كالتعليم والعمل مما يجعلها ندا للرجل في القرار الذي تتخذه لحياتها أو الطريق الذي تسلكه فيها، مع الرجل أو بدونه.


الثلاثاء، 31 يناير، 2017

كيف يصنع الإرهاب؟




يمكننا القول أن الإرهاب صناعة اجتماعية وسياسية، فما هو غالبا إلا نتيجة لتربية العنف في نفس الإنسان من الأسرة -إن وجدت- فالشارع والمجتمع والحكومات، العنف الذي يشمل الروح والجسد والوعي. والذي ينتج عن حالة من اليأس والخذلان واللاأمان النفسي، ويحدث شرخا كبيرا وزعزعة عميقة في النفس تنتج عنها عدم رغبة في الحياة وعدم ثقة في جميع البشر فتصبح الحياة مرفوضة ورخيصة بل مجرد وسيلة للانتقال لحياة منتظرة. وهي -أي الحياة الأخرى-وإن كانت غيبية فهي أجمل وأكثر عدلا وأمانا....
الإرهاب فكرة تزرع في النفوس الضعيفة والمخذولة والخصبة بالكراهية للحياة وللبشر ، عبر انعدام أسباب الحياة مع قلة الوعي، ثم تسقى بماء الحلم البعيد الذي يدغدغ الروح بمهل وهدوء، حتى تغدو عميقة ومتجذرة بالحقد فتؤتي ثمارها السامة بالقتل واقتلاع الخير والجمال من الكون وإزهاق الأرواح البريئة.
وما يجب أن يواجه به الإرهاب في كل مكان هو الحب ؛ حب الحياة بطبيعتها وجمالها وعدلها، وحب الإنسان، (كالرفيق والصديق والأخ والزوجة والطفل) كي لا يتحولوا لمشاريع للموت، وربما قرابين لفكرة ما أو لثأر ما. وكي لا يعيشوا الحياة بكل معانيها ومفرداتها على عجل في رغبة عارمة لحياة أخرى موعودة. في فهم ناقص لكل شيء.
الحب الذي يبدأ من الأمان والثقة بالحياة وبتوفير متطلباتها الأساسية، الحب الذي هو عدو الجهل والفقر، فهو بيئة حاضنة للجمال طاردة للشر، بينما هما -أي الجهل الفقر - البيئة الصالحة للضغينة والحقد فالإرهاب.

الاثنين، 30 يناير، 2017

الأرواح المعذبة




الألم والمعاناة دائما نتيجة حتمية للذكاء المفرط والقلب الكبير.
أعتقد أن الرجال العظماء هم أصحاب الحزن العظيم على وجه الأرض.
الأخوة كرمازوف
أفكر في الأرواح المعذبة المنذورة للألم ولذة التشظي على نصال الكون الجارحة، عبر رهافة الإحساس، ودفق الوجع المنسكب من داخلها كحليب طازج أبدا، تلك التي يسكنها شيطان الحزن وتمضي معه ممعنة في التحليق نحو البعيد من كل شيء، ذهابا وراء الوهم بكل تجلياته حتى غبار الجحيم غير آبهة بالمنطقي من الفعل الوجودي التافه، كأرواح الفنانين والشعراء الحقيقيين الذين ينسجون لوحاتهم ولغاتهم بدمائهم وبماء أرواحهم تماما، هي التي تستحق التوقف في مدارات مداها ومدادها في هذا العبور الهش الحافل بالمرارات والعبث. أما دون ذلك فالمضي قدما في غبش الرؤية واللا انتباه لفوضى الحجارة المزروعة للعثرات، وللسيرك الكبير بأرواحه الكالحة أولى وأجدى.
الأرواح المعذبة، الأرواح الحائرة والمتعبة التي تهيم في سماوات الوجود بحثا عن الحقيقة، الحقيقة التي لا يعرفها أحد، الحقيقة التي لعل الله هو أحد تجلياتها، الحقيقة المطلقة كالروح، والخير والشر والوهم والجمال والقبح وغير ذلك مما يستعصي على التجلي ويمتنع من التشكل.
تلك الأرواح القلقة التي تعبر العالم المادي إلى اللامادي، بنية الكشف والفهم بحثا بكلها الذي يتناهشه السؤال، والبحث، عن مالا تدرك إلا فكرة وعذابا أصيلا ودائما في روحها، لتسجل بين عذاب وعذاب إشراقة ما تنطلق منها ...في بحث أكبر، تلك الأرواح الجائعة أبدا للمس شيء ما، سيتلاشى لاحقا أمام ضآلة المكتشف في زمن لاحق سيكون فيه الوعي جارحا وحادا كالفكرة المطلقة، وتظل ذاهبة في مداها المتصل غير المحدد الوجهة، ضالة في الهيام، هائمة في الظلال، مشغولة بالسؤال موجوعة بالحقيقة.
تلك الأرواح الرهيفة التي تمضي إلى الوجود بشفافيتها المطلقة، كجرح مفتوح، أو عصب مكشوف، كل شيء يثير حساسيتها، ويوسع تصدعاتها، ويشعل حرقتها، كل شيء يوجعها حتى العظم، هي التي لا تجيد المناطق الوسطى أو الحلول الوسطى، أو المشاعر الوسطى، الحادة في الفرح والوجع، والتي تتعامل بأقصى ما لديها من شعور، ويوجعها السطحي والكاذب، يوجعها العام، وتطمح لسبر أغوار الروح والوجود بمسبار خارق، أو مثقاب حاد لتتحصل على أعمق درجات المعنى، والشعور. تلك التي تتأمل كل شيء حتى تفسد حياتها أحيانا، "فالتأمل في الحياة يزيد من أوجاعها" .
الأرواح التي تحتاج للطمأنينة حاجتها للماء، وترفضها سعيا وراء حكة السؤال، وحرقة المطلق الذي لا يتبدى بسهولة، ولا يتجلى كليا، كالروح تماما، الروح الطيبة والخبيثة، البيضاء والسوداء، التي تهب العقل حكمته أو خفته، وتهب للإنسان جماله أو قبحه، وتهب للحياة إمكانياتها أو استحالتها.
أرواح الشعراء، والفلاسفة (كتبوا أو لم يكتبوا) والدراويش والهائمين، والعارفين، والباحثين والمحزونين، والمجانين كأجمل تلك الأرواح وأصدقها.
فالمجد للأرواح المعذبة، التي تغيب لتحضر، وتتعذب لتتجلى، وتبحث لتركن، وتهفو لتعشق، وتسأل لتكشف، وتمضي في عذاباتها أبدا في رحلة سرمدية من الصفر للصفر، المجد لها في خفتها بثقلها، في سعادتها بشقائها، وفي طمأنينتها بقلقها، المجد لها في عذابها الأبدي، وبحثها المؤبد.


الصورة من عرض أوبرا (يوجين أونيجين) عن نص بوشكين وموسيقا شايكوفسكي الاوبرا
21 يناير 2017