"الكلمة خنجر لا يُرى"
إيميل سيوران

16 يناير, 2012

نارة لسميحة خريس .. حكاية البنت الشقية التي تعري المجتمع وتكشف سوءاته

جريدة عمان ملحق شرفات
الثلثاء, 17 يناير 2012
فاطمة الشيدي
1.
البنت الشقية (من الشقاوة) المتمردة والمشاكسة، والمختلفة عن المجتمع ومعه، والباحثة عن الحقيقة بنفسها لأنها لا ترتضي الجاهز منها، والتي تسعى لكشف مستورها وبعيدها مهما كلفها ذلك من عناء وتعب، وحزن واختلاف، هي صورة متكررة في المخيلة السردية منذ ليلى والذئب وغيرها من الروايات التي تعالج صورة المرأة وتبحث في تفاصيل حياتها، لأنها المقارن الموضوعي للنوع الآخر من الروايات التي تعكس الرضوخ النسوي، والألم المرتبط بسيرورة حياة المرأة وضعفها وانتظار من يخلصها من براثن الظلم من الخارج كقوة غيبية أو خلاص خارجي، كسندرلا وبائعة الورد و غيرها من الحكايات التي يأتي الخلاص فيها من خارج إطار المرأة ذاتها.
وسميحة خريس اختارت أن تنحاز في روايتها "نارة" لهذه الفئة، أي للقوة الذاتية، والتمرد النفسي على المجتمع المشبّع بالظلم والقهر للإنسان البسيط والعادي بجنسيه، وبمختلف أطيافه الاجتماعية والمادية والنفسية، التمرد الذي لا يعني الرفض بقدر ما يعني الانتماء، والكشف الذي يشبه الوصول لحقيقة مدركة سلفا، ومجاهدة الذات قبل الآخر في العبور اليومي والذي لا ينتظر الكثير من هذه الحياة .
لذا علقت الكاتبة صوتها العالي، ووجعها ورفضها للكثير من أمراض المجتمع العربي الثقافية والاجتماعية والسياسية على مشجب صحفية ناشئة، قررت أن تعاند هذه الحياة التي تعاندها بأن تعيشها كما تريد هي، وترسمها من الداخل بقلم محايد تماما. نارة الطفلة التي ذاقت اليتم مع أول صرخة للميلاد، وعاشت حياة عادية وبسيطة، قررت أن تتمرد على هذه الحياة بأن تكتبها وتصدرها للقارئ رواية تحمل اسمها، وتفاصيل حياتها التي يشاركها فيها الكثيرون.
2.
الحكاية التي ترويها لنا "سميحة خريس" على لسان نارة تتلخص في أن بنتا صحفية مهمشة وعادية جدا وتعمل في صحيفة "يكاد لا يقرأها إلا أصحابها "، اعتقدت أن لديها حكاية مهمة، وأن حكاياتها هذه صالحة للكتابة، لذا قررت أن تبحث عن كاتب مهم ومشهور يقوم بهذه المهمة الصعبة، وبدأت تبحث عن أسماء كبيرة، تصلح لهذا الدور الكبير لكتابة قصة هامشية، مثل " خيري منصور" ومؤنس الرزاز"، و"إبراهيم نصر الله"، ولكنهم رفضوا كتابة حكايتها، ثم واصلت البحث حتى وصلت عند سميحة خريس التي رفضت الأمر في البداية ولكنها ألحت "كقرادة لاصقة على بدنها" ص18، فقبلت الكاتبة أن تصغي لهذه الفتاة التي نقلت إليها صورة كريكاتورية للمجتمع الذي تعيش فيه مضخّمة حجم مساوئه التي قد لا تراها العين المجردة والعابرة في هذه الحياة، ولكن "نارة" الساخطة والمجنونة والساخرة تنقل كل التفاصيل بشكل مبالغ فيه حتى تعري هذا المجتمع وتظهر عوراته الكثيرة.
ونارة الطفلة التي ولدت يتيمة بلا أب ولا أم، فالوالد ذهب لفلسطين ومات هناك، والأم لفظت روحها بحمى النفاس بعد مخاضها بهذه الطفلة التي ستربى في بيت عمها وزوجته العقيمين وجدها الذي يعاني من زهايمر العمر الأخير وصمته. وتعيش في حي شعبي بسيط يعرف فيه الجميع بعضهم، وفي بناية بسيطة، ومع هذا تختار مهنة المصاعب لتحقق حلمها الثالث، "حلم الطفولة الأول كان تلويث فستاني بالشوكلاتة إلا أنها لم تكن مادة سهلة المنال، فإذا ما توفرت رحت أمتصها ببطء مستبقية رطوبتها وحلاوتها في لساني مانعة أي قطرة أن تسيل خارج فمي، حلم الطفولة الآخر نوع من الصعلكة البريئة إذ طالما اشتهيت دعك ركبتي بتراب الحارة وتمزيق بنطالي على الإسفلت ولكني بنت لذا بدا حلمي الثالث "الصحافة" متاحا جدا، منطقيا ومقبولا" ص 5.
3.
شخوص نارة" كثيرة ومتعددة الطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهي متنافرة، وواضحة أحيانا ومقنَّعة أحيانا أخرى كما تريد لها نارة لأسباب مهنية وسياسية ورقابية، ولا رابط بينها إلا نارة، فهي الحدث الوحيد الذي يجمعها في نرجسية بوحية حكائية، شخوص تبدأ من المجتمع حيث يسحق المسحوق مسحوقا مثله، وحيث تنتشر الأمراض الأخلاقية والنفسية كالفطر العفن، فأهل الثقافة الذين يمارسون تشويه الفكر، ويعيشون المغالطات والكذب والمبالغات، والرسميات، وصناعة نجوم المواسم الثقافية، ولعق الأحذية، حتى الساسة بحذلقتهم وفسادهم وكذبهم، ورجال الأموال والأعمال الذين ينهبون خيرات البلاد والإنسان تحت مسميات كثيرة، فأهل الإعلام حيث تلميع وتبرير هذه الخلطة الزائفة للحياة، وتصدير الكذب بمسميات أخرى، ومن شخصيات "نارة" جدها أبو عدنان، والعم رمضان، وزوجة العم فتحية سليطة اللسان العقيمة التي لا تنجب، والتي أخذت طفلا خطيئة لتربيه في بيتها، وبذلك تنقذ أمه من فضيحة كبرى بسبب خطأ ارتكبه ابن الجيران، وشعبان الطفل الذي لفظه رحم ليتلقفه حضن آخر ليس حضن أمه، "وأم صبحي"، وزملاء العمل "كعب الكباية"، و"الماحي"، و"سحلية"، و"هيد آند شولدر"، و"منذر"، و"أمرك سيدي"، في تغييب للاسم وإظهار للصفة القاسية التي تنعتهم بها الروح المجنونة نارة.
4.
لا تريد "نارة" عقدة واحدة لتحيك حولها حكايتها، فهي ذاتها عقدة بجنونها ورفضها وسخريتها من هذه الحياة، وعملها الذي تعيش منه، وترى العالم من خلاله بفساده ونفاقه وكذبه ودهاليزه الكثيرة، من السياسة حتى الثقافة، فالمجتمع، وحجم الكذب الذي ينشر كل يوم في صحف تبيعه ويشتريه بشر بأثمان يمكن أن تسد جوع آخرين، الكلام الكثير الفضفاض الذي يسيل من كل مكان، هو عقدة أكبر تحكيها وتحكي عنها (معركة، حرب كلام وعضلات وخزعبلات على المنصات الوقورة) ص 45، وأسرتها عقدة أخرى، بالجد الذاهب في الصمت والنسيان، والخالة التي ليست خالة، والعم الذي أخذ بيتها نظير تربيته، والصمت المتقن في شبكة علاقات إنسانية مزوَّرة وباهتة، والعالم كله في تناقضاته الكثيرة،وفي جوعه وفقره ولا عدالته، ورفضه للإنسان البسيط وسحقه تحت عجلاته السريعة عقدة أكبر(ما أهمية التزايد المطرد لأعداد الجائعين والشحاذين وبائعي العلكة وفارشات السجائر الرخيصة" .
5.
الزمان والمكان في "رواية نارة" حاضران بقوة فهي تعيش وتحكي وترسم مشاهد يوميه في عام 2002- 2003 مستحضرة كل ما تقع عينها عليه،وهي تجوب عمّان جيئة وذهابا "من الجامعة الأردنية إلى جبل الحسين" فهي الصحفيَّة التي بحكم عملها تكتب في كل شيء من السياسة حتى الرقص الشرقي والموضة والغناء، وبالتالي تدخل في كل سراديب الحياة ومساربها "هذه النارة وبحكم جنونها ترتاد الأماكن الغريبة، التي تصبح بمرور الوقت أليفة، أكثر من سطح البيت الذي ذرعته آلاف المرات، إبان الاستعداد لامتحانات التوجيهي"، وتصف كل شيء بسخرية لاذعة وبكل جماليات الملل الحقيقي " أما الندوات، الجثث المحنطة، مومياءات ملفوفة بالبياض فوق جلد خشن وعظم متخشب، تنطلق الكلمات الجوفاء من أبواق واسعة".
6.
الحلم معادل الخلاص، لهذا تحيلنا رواية "نارة" فالطفلة الوحيدة اليتيمة الغريبة حتى بين صديقاتها في المدرسة، والتي تظن مدرساتها أنها متوحّدة، أو غريبة الطباع وجدت لها في حوارات طفلة أخرى مع لعبتها حلا لوحدتها، فاخترعت لها حلما وحبيبا وصديقا حنونا، اخترعت لها قلبا تناجيه، فكان "حسن" الشبح الصديق والحبيب، هو الروح التي تركن إليها تبكي على صدره كأم، وتشتكي له الحياة كصديقة، وتضع رأسها الثقيل بهموم البشر على كتفه كحبيب، إنه جنّة الخيال الذي صنعته المخيلة الخصبة، في عالم متهالك ومتآكل ومكلوم من رأسه حتى أصابع قدميه، وثروة الروح الباهظة الوجع والغربة والألم.
7.
وضمن هذه الخلطة العجيبة للحياة، تحاول نارة توضيح رأيها في أبسط مواقف الحياة وأعقدها، بالرفض والصراخ تارة وبالصمت تارة أخرى، وهو حقها الطبيعي في الكفر بكل هذا الزيف، وبكل ما تسمع وتنقل وتشاهد وتكتب أحيانا، متمسكة بخيط واهن من الأمل والإنسانية والانتماء العروبي والقومي، وأخلاقيات الإنسان التي تتهاوى في زمن العولمة، ولكن لم يكن لكل هذه الغربة الثورية، والثورة الحانقة، والألم البيّن في روح "نارة" أن تشفع لها الحياة بالتكوّن والتكوّر والفرح والمتعة، ولا أن تقنع القارئ بالتسامح والانسجام معها، لذا كان لابد من التحليق والغياب، ولا بد من رفض كل شيء فيها، والذهاب باتجاه السماء العادلة، ولا بد من نار تلائم "نارة" "حارسة الماء والنار"، وهكذا في لا وضوح تام ترشدنا الكاتبة بصمت "نارة" عن الحريق الذي أعده جدها في القبو، واستسلامها للقدر المحتوم بالغياب الأخير عن حياة لم تقدم لها الكثير، "كأني لا أعلم مسبقا بأمر الموت الذي يعده جدي الناسي، وهو يشعل النار في قاع القبو، لتمتد ألسنة حارة وكاشفة ومجنونة من قلب البناء، وصولا إلى البيت موصد البواب".ص 189
تعانق نارة النار التي انفجرت في البيت كله، وهي متكوّمة في وضع جنيني، لتغادر هذه الحياة بلا ألم ولا تمسك بها، في مقاربة سردية بين اسمها والنار، وبين الوضع الذي جاءت منه، والذي تذهب إليه، وتفتح أبوابها للغياب في السماوات، تاركة القارئ في لبس بين كاتبتين وحياتين وموت لا يعرف من اقترفه تحديدا، و حيرة مقلقة تشبه كذبة صغيرة تقولها أم لتجمّل الحياة لأطفالها، أو تشبه الكتابة والحلم إذا امتزجا معا. "كيف للمدونة الكاتبة أن تعلم ما شعرت به، إن ألّفت أو زوّرت على لساني مشاعر ومواقف تزعجني، كيف أعاتبها أو أنكر؟ أصبحت كلي ملكا لها، تقتلني كما يحلو لها فأموت مبتسمة، مسترخية." ص 188.

نارة: امبراطورية ورق، سميحة خريس، دار الشروق، عمّان، 2005.

02 يناير, 2012

مضى عام .. وجاء عام آخر!.. هكذا وبكل بساطة يحدث الأمر ويتكرر كثيرا

جريدة عمان - ملحق شرفات ، الثلثاء, 03 يناير 2012
فاطمة الشيدي


1.

مضى 2011بالكثير من الخراب والعمار، والقهقهة والصراخ، والحياة والموت، والرضا والحنق، والغضب والطمأنينة، مضى بعد أن خلّف الكثير من الدماء التي أنبتت ورودا، والكثير من الفوضى التي تشكّلت أغنيات وأهازيج وزغاريد، وهاهو ينظر إلينا من بعيد ملوحا بابتسامة تليق به، كما الشهداء الذين يرفلون في أثوابهم البيضاء في عرس السماء، والخوف الذي تحوّل فأرا صغيرا في جحر الكينونة في الذاكرة العربية المسكونة بالكثير من الهوان والذل والخوف والرعب.

مضى؛ وهاهو ينظر إلينا بعد أن أنجز مهمته العظيمة قبل الرحيل المقدّس، فلقد علم اللسن الخرساء الكلام، والأصابع المعقوفة الكتابة، والرايات المنكّسة الشموخ، وأعاد سيرورة الوجود بعد انحراف طويل، والذاكرة الخالدة التي كانت حلقاتها التاريخية قد صدأت واصلت الالتحام.
مضى؛ بعد أن شحذ الحناجر كالسيوف، ورفع الهامات كالرايات، وجعل الجمع الكبير يملك الدفة والسفينة ويوجه الريح أيضا.
فوداعا أيها العام الجليل: لا بأس عليك، ارقد الآن في نعش التاريخ الخالد، فالموت أغنية الميلاد، والغياب بداية الحضور، والحضور بداية الغياب، ارقد فكل أجسادنا وأحلامنا وذاكراتنا، وأصواتنا تحرسك، وكل أمنياتنا معلّقة كتميمة خالدة عند قبرك، وكل أغنياتنا ستظل تلهج بذكرك ما شاء التاريخ والحضور والزمن.
نم بهناءة، فقد علمْتنا لذة النشيد، وقبلك كنا نتذرّع بالصمت، ونهرّب أحلامنا للفضاء، ونأكل من خبز الأمس المعدُّ للغرباء لنشبع قليلا، فأضفت إلى ذاكرتنا الكثير من الملح والذكريات، ولأحلامنا الكثير من الأمل، وللتاريخ الكثير من الصفحات والمداد، فهنيئا لك هذا الحضور العظيم، وهذا الغياب الخالد، وهنيئا لنا أننا سجلنا أعمارنا في صفحاتك البيضاء.
2.
ها قد مر عام على وجودنا في هذا الكون، على أفراحنا الصغيرة، وضحكاتنا المرهقة، على دوارنا وحنيننا، على فوضانا وعبثنا، على أحلامنا وهزائمنا، على آخر ضحكة من القلب، وآخر دمعة جرحت الروح، ها قد مر عام، انسل من أعمارنا خلسة كقطرة ماء معلّقة في سرة غيمة مرهقة، ذرفتها كدمعة أخيرة، مر العام ونحن لا نزال نمشي، ونمضي نحو الهاوية، ونعيش على قيد الأمل، نسحب جثثنا خلفنا كظل يراقب ما يحدث بعجز وصمت في الوجود العظيم الذي لسنا سوى هياكل صغيرة تحركها الأقدار بخيوطها الخفية فيه، كل شيء يمضي ونحن أيضا؛ نسير بخطىً كسيحة في هذا الوجود، نعرج في عبورنا الهش والبسيط لأنه علينا أن لا نتوقف ولأننا "محكومون بالأمل" وربما محمومون به، مضى عام .. وجاء عام آخر، هكذا وبكل بساطة يحدث الأمر، ويتكرر كثيرا!
3.
تمر السنوات ونحن نلهث وراء ما لا يأتي، وبين التفاؤل والتشاؤم هناك خيط رفيع نعيشه بحذر، أو بتناوب الحضور، نكْبِر أشياءً تصغر مع الوقت، ونحسن الظن في أشياء فيسوء مع الوقت، نرسم صورا بألوان فاقعة فتبهت مع الزمن، نشبك أصابعنا في عناق حميمي مع الفرح فتتراخى الأصابع رويدا رويدا مع الزمن وندرك أننا أصبحنا مع الغياب، تتحقق بعض الأمنيات، وتتسرب بعض الأحلام من الثقب الكبير في القلوب، تتغير ألوان الضحكات، وطعم الدموع، وطول القامات المنتصبة التي يخذلها الانحناء، ولا يحدث أكثر من ذلك.
ربما نتعلم بعض الدروس الكثيرة التي تتلوها الحياة على أرواحنا وأجسادنا بسياطها الطرية، فنمتثل للمدرسة الأم وندرك الكثير من الحكمة والمعرفة ولكن بعد مضي الوقت، أو بعد فوات الأوان، نعرف ألوان القلوب، وأحجام الضمائر، وأخلاق البشر، نعرف معاني جديدة، ونعرف معها أننا كبرنا، وأننا لم نعد نحتفظ بذلك الجهل الجميل، والهشاشة العفوية، والبياض الخصب، والجنون النبيل، فنبدأ في تطبيق الدروس الكثير عنوة، ونجبر أرواحنا الطيبة على الامتثال لحكمة الزمن، نلوي عنقها لتكون أكثر خضوعا لنا، وصرامة في التعامل مع الخارج "الجحيم"، نعاملها كشخص بعيد، نعزز فيها ما قدمت، ونحاسبها على ما قصرت، وعلى ما اقترفت من حماقات عذبة، وهزائم حنونة، وبالقليل من محاولة لملمة أشلائها، وتقدير منجزاتها، ندرك أننا أنجزنا الكثير من الأشياء الجميلة، وعرفنا القليل من الأرواح الطيبة،والقليل من الأرواح الخبيثة، وعشنا بعض السقطات المؤلمة، والخيبات الضاربة في الأعماق، وتمرأينا في مرايا طيبة فأصابنا نور بياضها، وأخرى مشوّهة هربنا من عتمتها كي لا توقظ صداع التعب، وفوضى الخسارات المجيدة، وثالثة عاكسة، فلم يرنا من تمرأينا في مرايا أرواحهم، بل كانوا يرون وجوها أخرى، وقلوبا أخرى أكثر نصاعة وقربا، لأن مراياهم عمياء وقلوبهم مشمّعة بالشمع الأحمر.
استمعنا لأكاذيب كثيرة، ولصدق قليل، عشنا أحزانا طازجة، وسخّنا أفراحا بائتة كنا قد وضعناها في الثلاجة للحظات السغب، كي نستشعر دفء الفرح حين يأكل الحزن أطراف أرواحنا. بكينا كثيرا نخب الألم الجليل، وضحكنا قليلا في صحة الروح، ومضينا كأشباح لا يرى منها إلا ظلال العبور .. ومضينا ..!
4.
مر قطار العمر تاركا محطة جديدة من محطات الوجود نحو القبر، تركها بكل خيباتها ودهشتها، الدهشة الجيدة من حجم الجمال في لحظة ما، والدهشة المستنكرة من قبح قلب في لحظة ما. ومعه غادر كل منا المحطة وفق ما هو عليه "تماما" بقبح وجمال، أو بتشظيات وانكسارات خفيفة، بأحلام سامقة أو بخيبات قاتمة.
وبين المحطتين كان كل منا يأخذ نفسا طويلا، ويمد يدا نحو دفء غيبي ما، ليكتب في الصفحة الأخيرة من "روزنامة" العام، عن شيء ما، هو أكثر ما حدث له خلال ذلك العام، عن يتم يشبه الفقد، أو حنين يشبه الوجع، أو فرح يشبه صرخة طفل غضة، ولاشيء أكثر من ذلك يحدث في تلك اللحظة الفاصلة بين عامين، لا يحدث سوى أننا نحصي أفراحنا وأتراحنا، هزائمنا وانتصاراتنا، ونضحك كثيرا على كل مرة سقطنا فيها، ننظر لها من جميع الزوايا من الأمام والخلف وعن اليمن وعن الشمال، قبل أن ننفض ملابسنا كطفل خجل، ونعاود المشي على رصيف الأمنيات المسمّى حياة، نفعل ذلك كثيرا ودائما، نفعل ذلك لأننا لا نملك غير ذلك، لا نملك خيارات الحياة، ولا حتى خيارات الموت.
5.
الحياد مجددا، الحياد الذي يأخذ أرواحنا نحو السأم، ذلك الحياد القاتل الممل، السقيم، الباهت، المريض، الذي بلا طعم، ولا لون، ولا رائحة، الحياد الذي يقع في منتصف الأشياء تماما، تلك النقطة البؤرية البشعة بين المتضادات، بين الفرح والحزن، بين الصمت والكلام، بين الحياة والموت. الحياد الذي يشبه العدم، الحياد الذي تغيب فيه وصوفات الأشياء، ومقايساتها، وأحجامها وألوانها حتى الغثيان، وتلتقي فيه المتضادات بتلاحم خفي متآمر، الشر يوازي الخير، والقبح يوازي الجمال، والحنان يوازي القسوة، والحب يوازي الكره، لحظة إعدام ضمني لكل شيء داخلي وخارجي، لحظة تتوقف فيها سيرورة الوجود والذات والطبيعة والكون، لحظة تحتاج فيها أن تعلّق روحك في مشنقة خفية، لتلفظ ذلك الغثيان مع آخر نفس يخرج من جسدك!
لو كان الحزن!
لو كان الفرح!
لو كانت الحياة!
لو كان الموت!
لو أي شيء متطرف يدفع الحياة لدروب التعاسة الحقيقية، أو الفرح الطازج، لو أي شيء غير هذا الحياد.
لكن ليس إلا الحياد ونحن نستقبل العام الجديد على "الفيس بوك"، ببرودة لا تليق بعام جديد، يحمل حقيبته المكتنزة بالأحلام لعام كامل، ونهدي الآخرين ورودا إلكترونية، وقهوة باردة، ونحتفل مع الأشباح والموتى، نسترجع الأغنيات الموجعة، والقصائد الذابلة، ونجوب ممرات الذاكرة الخربة نحو الغياب، نتذكر المطر الذي انهمر في غفلة من الوقت، نتذكر الفراشات الملوّحة، والحقول الميتة، نتذكر الورود والأشواك، نتذكر الضحكات الصادقة من القلب، والأرواح الممسوسة بالهذيان، نتذكر بحياد تام لا يقوى حتى على الألم.
6.
في كل عام تغير الأقنعة مقاساتها وحسب، والوجوه التي تتشبث بالأقنعة تخفي كل شيء، الكذب المتقن على مساحات الوجوه، والكلام النيئ الذي يسيل من جوانب الفم، ومن هامش الصفحات، ومن بطون الأقلام، الكلام السهل المغمّس باللعاب والسم، الكلام الذي يخرس عند المواقف، ويتلاشى عند الصمت، ويغيب بخزي أمام فكرة رفيعة، أو مبدأ عظيم.
وفي كل عام ترتفع الأشياء العظيمة، والقلوب الصادقة البيضاء المنفتحة على الحياة والحب والصدق، القلوب التي تسيل حرية كالماء، وتُظهر مكنوناتها بفرح طفلي كأحلام البسطاء، وكالأرصفة التي تشرق عليها الشمس نقية ونظيفة، أو النوافذ التي ترسل قبلتها في الهواء للشمس كل صباح فتتمسك بظلها وظلالها ونورها وإشراقها بإيمان عميق، بينما تتساقط الأشياء المعتمة، والقلوب المظلمة، وتختبئ كالجرذان في جحورها، وتظهر منها رائحة نتنة تشعرك بضرورة الابتعاد ألف خطوة للوراء، وهكذا تعيد ترتيب أوراقك ودواليبك الداخلية، تعيد تنظيف روحك، وتنظيم حضور الآخر في دمك، ورغم أن الكثير يسقط والقليل يبقى، إلا هذا ما يجب أن يحدث كل عام .
7.
مضى عام، رحل من رحل، رحلت الأجساد، ورحلت القلوب، ورحل الأحلام، وجاء عام جديد لا يزال يضع قناعا كبيرا على جسده ليكشف لنا يوما بيوم، وساعة بساعة ولحظة بلحظة عن كل ما يخبئه من تقاسيم الفرح والحزن والحياة وربما الموت التي سيعزفها على أجسادنا وأرواحنا. عام استقبله الجميع بفرح غامر لأنه يحمل لنا في حقيبته الكثير من الهدايا والمفاجآت التي سنظل نراوده عنها عاما كاملا، والتي ليست بالضرورة أن تكون هدايا مفرحة، استقبلنا العام الجديد في بيوتنا وأحلامنا وخططنا وأهدافنا، وفي أرواحنا وأجسادنا، لأنه يسكن في تفاصيل حياتنا من الصحة حتى المرض، ومن الدمعة حتى الدهشة، نستقبله ونستحلفه بكل رجاء الحنان والأمان والصحة والفرح .. فرفقا بنا أيها العام الجديد!

31 ديسمبر, 2011

على أعتاب العام الجديد !

مجلة المسار
أعد الملف الحسن الصبحي، حسن اللواتي

مر عام 2011 بكثير من الأحداث الدرامية على مختلف المستويات سياسية واقتصادية وثقافية، فالربيع العربي اجتاح دول عربية وما تزال تلك الدول تبحث عن الطرق المناسبة لتنظيم عملها السياسي والاقتصادي للمرحلة المقبلة، والانتخابات أكدت عودة التيارات والأحزاب الإسلامية في الدول العربية التي أجريت فيها الانتخابات بعد الثورة، كما أن اقتصاد أوروبا ما يزال في أزمته وهو بحاجة إلى 200 مليار يورو للإنقاذ، بالإضافة إلى الصراع العربي والإسرائيلي، والوضع العراقي المتعثر بالرغم من انسحاب القوات الأمريكية منه بشكل نهائي، أما ثقافيا فإن حرق المجمع العلمي في مصر مؤخرا هو أكبر انتكاسة مرت على الشأن العربي الثقافي خلال عام 2011م।
واليوم نطوي صفحة عام أحزن أمة وأفرح أمما أخرى، وربما الأحداث المفصلية التي اجتاحت العالم العربي ستغير من رسم الكثير من السياسات على المستوى العالمي اقتصاديا وسياسيا.. فما أبرز أحداث عام 2012م؟
المسار تفتح ملفا حول أحداث عام 2012م في ظل التغيرات التي صاحبت عام 2011م وذلك من خلال المحاور الآتية:
فاطمة الشيدي
- ما توقعاتك لمستقبل عام 2012م على المستوى السياسي؟
الزمن الآن يسير في مواجهة شاملة، السنوات والأيام ليست هي التي تحرك الحالة، الحالة هي التي تحرك الزمن، لذا سيواصل مد الحرية زحفه، وستواصل الشعوب العربية المضطهدة والمكتومة الصوت حديث الطلقة الحرة في الهواء، وسيجد الساسة أنفسهم في مواجهة حية مع الأحداث التي لم يكن يتوقعوها، لقد أخذلت الحال التوقعات، وأخرست الأحداث اللسن، الفوضى مرحلية، ولكن ثقافة الحرية والتغيير ماضية، ليس هناك مجال للتسيّد الواحد على خارطة المشهد سواء كان التسيّد الديني أو الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي، التعددية هي الخلاص، تعدد وجهات النظر، والنظر قبل كل للشعب للإنسان لكل ما يهمه، وما يفيده.
المرحلة المقبلة مرهقة قليلا للشعوب وللساسة، هم أيضا لم يعتادوا النظر في مرايا الشعوب، لم يعتادوا العدالة في الميزان، والمحاسبة، ولكن هذا ما يجب أن يحدث، حتى لو بعد مخاضات كثيرة سيدفع الكثير من الشهداء والأحرار ثمنها، كي يقنعوا الزعماء بضرورة التغيير وجدواه على الحكومات والشعوب بأجسادهم مباشرة، كي تكون هناك حالة سياسية حقيقية في المنطقة العربية، لأن ما كان قبل هذه المرحلة لم تكن حالة سياسية، كانت السياسة تابو يمنع الاقتراب منه، وكانت مصدر رعب، وخوف، في حين أن السياسة في الحقيقة منهج وفكر يدرس في الجامعات، والسياسة حالة تمتد من الخبز حتى الدواء فالكرسي الذي يفترض أنه وضع لخدمة الشعب ضمن مسؤولية جسيمة استحقها صاحبها على أساس الثقة والمسؤولية.
لا يزال الوقت مبكرا جدا للتوقع حول تبلور ووضوح السياسة العربية في ظل هذه المتغيرات والرياح العاتية التي لا تزال في بداياتها، وأتوقع 2012 سيواصل مسيرة شقيقة المنصرم في استحضار روح "الربيع العربي" الذي يجسد السعي نحو الحرية والديموقراطية التي تطلبها الشعوب العربية بعد خريف وشتاء طويلين.
- ما توقعاتك لمستقبل عام 2012م على المستوى الاقتصادي؟
سيتعثر الوضع كثيرا قبل أن يستقيم، إنها حالة طفل مريض يحاول المشي لأول مرة بعد كساح طويل، سيفعل ذلك في البداية ببطء، حتى يتسنى له الأمر، لكنه سيجري يوما بلا شك، وهذا حال الوضع الاقتصادي في الوطن العربي.
ثروات العالم العربي كانت محتكرة في أيدٍ قليلة، وموجهة ومستغلة من قبل قوى خارجية، وجاء الربيع العربي فساهم في انهيار الاقتصاد وشل حركته، ولكن مع تحقق فكرة العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وإشراك الشعوب في التنمية، ووضع الإنسان المناسب في المكان الذي يستطيع من خلاله إصلاح أطر الصورة المتداعية، ومع استغلال كل ثروات البلدان المهملة أو الموجهة في غير إطارها الصحيح، سيتغير الحال.
الوطن العربي غني بالثروات لذا فالمستقبل مشرق بإذن الله حتى لو كان هذا المستقبل بعيدا، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا، وحتى لو عانى في البدء من التعثر الاقتصادي الكبير كما هو الآن وكما سيستمر لفترة أخرى حتى تبدأ عجلة الاقتصاد في الدوران بقوة.
- ما الأولويات التي يجب أن تحرص عليها الحكومات العربية خلال عام 2012م؟
الإنسان، والحرية والإصلاح، الإنسان: من كافة جوانبه الفكرية والروحية والجسدية، التعليم والصحة والثقافة، لابد أن تركز الحكومات العربية هذه الفترة على صناعة الإنسان، ليستطيع الذهاب للمستقبل بوعي وحرية وقوة، فيكون هو أداة التغيير للعالم، ويتواصل مع أخيه الإنسان على هذا الكوكب بعد أن تأخر كثيرا.
والحرية: حيث لابد أن تشعل فتيل الحرية في الفكر والعلم والثقافة، ويكون التعبير عن الرأي والنقد هو سلاح الإصلاح لهذه الأمة التي تأخرت كثيرا عن ركب الحضارة.
والإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي يبدأ بمحاربة الفساد والغش والواسطة، وكل الأمراض الاجتماعية والثقافية العربية لخلق إنسان جديد، قادر على مواكبة العصر بمتغيراته وسرعته.
- هل ستتواصل رياح التغيير في عام 2012م عربيا وعالميا؟
أظن أنه لابد أن تتواصل حتى تكنس كل المخلفات والعُصابات التي كانت تغشى عيون الناس، لا يزال الطريق طويلا، ولا تزال الهمم لم تفتر في سعيها الحثيث للحرية، وعليها أن لا تفعل، لابد أن تكون رياح التغيير سلوكا في المجتمعات العربية لمحاربة الفساد والمفسدين، ولابد أن تأخذ الديمقراطية والحرية مكانهما الطبيعي والمناسب في مواقف شعوب هذه المنطقة وسياساتها ليصبح التغيير حقيقيا مع الزمن.
- كيف ستكون النظرة إلى الشباب العربي من قبل حكوماتهم بعدما استطاعوا قيادة دفة التغيير في العديد من دولهم؟
ستكون كما كان ينبغي أن تكون، وكما هي بالفعل خارج حالات التهميش والاستبداد والظلم والقهر، الشباب هم قوة التغيير وطاقة الغد الخلاّق، هم القادم، لذا لابد أن يؤخذوا بعين الاعتبار في البناء والصناعة والخطط التنموية، وفي العمل والتعليم، لابد من إعدادهم الإعداد المناسب لثقافة العصر بكل نواحيها لبناء الدول العصرية والإنسان الجديد، ولابد من الاستفادة من طاقاتهم وعدم هدرها أو تحييدها أو إهمالها لتصبح طاقة غير مستغلة، وبالتالي فهي جاهزة لتكون طاقة مضادة، فتصبح طاقة للشغب والهدم وتعطيل مسيرة الشعوب والحكومات، أو قوة ضغط مكبوتة تعاني وتنتظر الفسحة للانفجار والتدمير كما حدث في "الربيع العربي". الشباب هم عمود الأمم وأظن أن الحكومات تعي ذلك، وأصبحت الآن تعيه بشكل أفضل.

27 ديسمبر, 2011

بدر شاكر السياب: ذكرى وذاكرة

الثلثاء, 27 ديسمبر 2011
ملحق شرفات - جريدة عمان
فاطمة الشيدي

1.
في الرابع والعشرين من هذا الشهر حلت ذكرى رحيل شاعر العراق وشاعر العربية بدر شاكر السياب، الشاعر الفارق في مسيرة الشعر العربي المعاصر، ومؤسس الشعر الحديث، ليس للريادة التي لم تحسم تماما لصالحه تماما، ولكن للمستوى الشعري الذي كتب به، والذي أسس به حالة من الفرادة والتميز والمزج بين الجديد والقديم، وبين الشرق والغرب، نظرا لسعة ثقافته، وتعدد روافد معرفته، طبعا بعد روحه الشفافة القلقة، والتغيرات الجذرية في حياته والتي ساقته للحتف في ريعان شبابه.
ذهب تاركا لنا: (أزهار ذابلة 1947م - أعاصير 1948- أزهار وأساطير 1950م- فجر السلام 1951- حفار القبور 1952م. قصيدة مطولة- المومس العمياء 1954م. قصيدة مطولة- الأسلحة والأطفال 1955م. قصيدة مطولة- أسمعه يبكي- أنشودة المطر 1960.- المعبد الغريق 1962م.- منزل الأقنان 1963م- شناشيل ابنة الجلبي 1964م.0 سفر أيوب.
في المستشفى.)
2.
ولد بدر شاكر السياب في العراق عام 1926 بقرية جيكور جنوب شرق البصرة، وذاق اليتم المبكر حين فقد أمه، وتركه والده بعد أن تزوج بأخرى، يقول في ذلك "أبي.. منه جردتني النساء وأمي.. طواها الردى المعجل، ومالي من الدهر إلا رضاك فرحماك فالدهر لا يعدل".
وهناك أكمل دراسته ماقبل الجامعية، ثم انتقل لبغداد حيث دخل جامعتها دار المعلمين العليا والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته. وهناك عاش تجربة الحب الأول الذي لم يكتمل، ثم مال للسياسة فذاق مرارة السجن أكثر من مرة، وكان مهتما بقضايا الإنسان المصيرية والوجودية كالفقر والجوع والمعاناة. كما سافر لأكثر من البلد للتداوي ولحضور بعض المؤتمرات وكل ذلك خضب تجربته بالخصوصية والفرادة والعمق.
3.
عاش السياب الكثير من المفارقات الحيايتة والإنسانية من اليتم حتى تدهور مستوى العائلة المادي من الغنى للفقر، حتى الفشل في الحب الأول، فالذهاب جهة السياسة التي أودت به للفصل من الجامعة، فالسجن والشظف والكثير من التقلبات الحياتية التي ذهبت به إلى معاناة المرض الذي أخذه إلى الموت في ربيع حياته التي عاش أكثرها في معاناة وألم وشعر خاص يمثل بصمة شعرية جارحة في ذاكرة التاريخ للشعر العربي.
لذا اتسم شعره بالمراحل المتنوعة، ففي الفترة الأولى بدا متأثرا بالرومانسية والقصيد العمودي وتنويع القافية، ومنذ 1947 انساق وراء السياسة وبدأ اهتمامه بقضايا الإنسانية متأثرا بإليوت في أزهار وأساطير وظهر ذلك في ديوانه "أعاصير"، ثم ظهرت محاولاته في الشعر الحر ويرى بعض النقاد إلى أن قصيدته "هل كان حبا" هي أول نص في الشكل الجديد للشعر.
ويتميز شعر السيّاب بالأصالة في الروح، والشفافية في المعنى، والعمق في الصورة، والجزالة في الأسلوب، واستحضار المكان، والرموز الخالدة في الذاكرة العربية، فهو نص مثقف وعميق ويحتاج لقارئ متبحر وعميق للوصول لروحه ومفاصله وتفاصيله، وينطلق فيه من مكانه الخاص (العراق) ومن ذاكرته الأولى ليذهب عميقا وبعيدا في الزمان والمكان.
ويظهر الصوت الداخلي للسياب بعمق في كل قصائده حيث تجلده الذاكرة والغربة والألم في عمق الروح، فيهرع للكتابة الشعرية بوعي جارح وغياب مرير، فيصف التفاصيل الصغيرة للمشهد الثابت والمتحرك للحياة والبشر والأمكنة، مستحضرا كل ما تلتقطه عينه من زوايا خاصة به مازجا بين الطبيعة والمكان والروح التي تشتعل فيها الغربة وسط الضوضاء والضجيج، فيعلو صوته الداخلي بألم شعري جارح هو كل ما كتبه السياب في الحب والطبيعة والسياسة والمرض.
وتتميز نصوص السياب بذلك الزخم الهائل من الصور العميقة المتتابعة، والتي تشبه كاميرا سينمائية تسجل الصورة الشعرية من زوايا عديدة وبشعرية متناهية الرهافة والعمق، كما تتميز نصوصه بالعمق الموغل في اللفظ والمعنى معا.
يقول في واحدة أجمل قصائده وهي "في السوق القديم" في مقطع منها حيث يصف المشهد العابر للكثيرين، بكل دقة وحضور روحي متألم، موازيا بين المكاني والذاتي، وبين المحسوس وغير المحسوس في صور متدفقة ومتتابعة هي أكبر من إحصائها لترسم مشهد السوق بدقة وجمالية خاصة يستحضرها الإنسان :
الليل، والسوق القديم
خفتت به الأصوات،إلا غمغمات العابرين
وخطى.. الغريب
وما تبثّ الريح من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم
الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين
والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب
مثل الضباب على الطريق
من كل حانوت عتيق
بين الوجوه الشاحبات
كأنّه نغم يذوب
في ذلك السوق القديم
ويقول في قصيدته غريب على الخليج، محدثا الكثير من التمازج بين غربة الروح وغربة المكان،واصفا كل زوايا المشهد المكاني والإنساني، مؤاخيا بين الطبيعة والإنسان في حديث هامش ينفجر بصورة جزعة يشفع لها النداء لتدل على الجزع الداخلي للشاعر المسكون بعراقه:
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشّر للرحيل
زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوّابو بحار
من كل حاف نصف عاري
و على الرمال، على الخليج
جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج
و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي عراق
و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه
في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
ويقول في قصيدة "الشاهدة" وعلى لسانها، وكأنها تدعو العابر للتأمل في مصير العباد، والبكاء على من يرقد تحتها، بل ويبدو كأنه متنبئا بموته، داعيا القارئ للتواصل معه كأخ وصديق في الإنسانية والمصير والكلمة، عبر تجربته وذاق مراراتها للبكاء عليه هو أسير المرض، ثم الراحل في ربيع شبابه:
يا قارئا كتابي
ابك على شبابي
شاهدة بين القبور تبكي
تستوقف العابر يا صحابي
غضوا الخطى و لتصمتوا إن القرون تحكي
في جملة خطت على التراب
من نام في القبر ودود القبر
يسأل لا ينطق بالجواب
سيان عنده ائتلاق الفجر
و ظلمة الليل بلا ثياب
بلا طعام لا هوى لا حقد
4.
تستحثني الذاكرة لأخبرها متى كان اللقاء بالسيّاب، فيكون ذلك تماما هو زمن الالتقاء بالشعر، لا أعرف تحديدا متى حدث ذلك، ولكنه حدث ربما مع أول قطرة مطر نزلت على كف صغيرة مفتوحة لتلتقط حباته وهي تردد (مطر.. مطر.. مطر) والتي ستخذلها لاحقا فروج الأصابع فيشتعل الحزن، ولا يزال يحدث ويتجدد كلما نزل المطر فيوشوش الروح:
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع كالحبّ كالأطفالِ كالموتى – هو المطر
وكالشعر أيضا "أيها السياب" هو المطر

فدوى طوقان : ذكرى .. وذاكرة

الثلثاء, 27 ديسمبر 2011
جريدة عمان ملحق شرفات
فاطمة الشيدي

1.
في الثاني عشر من ديسمبر حلّت ذكرى رحيل الشاعرة فدوى طوقان عن هذا العالم الفاني، بعد رحلة قضتها في النضال ضد المحتل والكتابة والشعر، والرفض للمجتمع التقليدي ونظرته للمرأة، ومحاورة الحرية الداخلية للإنسان، والخارجية ضد المحتل، جاعلة حياتها قلما، وروحها وردة جبلية، أو ضوءا يخترق العتمة، ويهدي الذاهبين في مسارات الوجود الخاص والهش، ذهبت تاركة ثمانية دواوين وذاكرة خصبة من الشعر والعشق للأرض والكون والإنسان. فيكتب على قبرها قصيدتها المشهورة:
كفاني أموت عليها وأدفن فيها
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأبعث عشباً على أرضها
وأبعث زهرة إليها
2.
ولدت الشاعرة الكبيرة فدوى طوقان في مدينة نابلس سنة 1917 لعائلة عريقة غنية ومحافظة جداً، وتلقت تعليمها الابتدائي، ولم تكمل مرحلة التعليم التي بدأتها في مدارس المدينة، فقد أخرجت لأسباب تتعلق بانغلاق المجتمع ونظرته الضيقة للمرأة، وشكّل حرمان فدوى طوقان من التعليم جرحا كبيرا في ذاكرتها وروحها، حيث كان هذا الحرمان حرمانا من الحب والتعليم مرة واحدة، وفي كتابها "رحلة جبلية، رحلة صعبة" تستفيض في الحديث عن ذلك بأسى وحزن ووجع لكل ذلك الظلم الذي حدث بقوة ومرة واحدة، تقول: " كان غلاماً في السادسة عشرة من العمر. ولم تتعد الحكاية حدود المتابعة اليومية في ذهابي وإيابي. فما كان لمثلي أن تزوغ يميناً أو شمالاً. كانت الطاعة من ابرز صفاتي. وكنت مسكونة دائماً بالخوف من أهلي. كان التواصل الوحيد الذي جرى لي مع الغلام هو زهرة فل ركض إلي بها ذات يوم صبي صغير في (حارة العقبة) وأنا في طريقي إلى بيت خالتي. ثم حلّت اللعنة التي تضع النهاية لكل الأشياء الجميلة.
كان هناك من يراقب المتابعة، فوشى بالأمر لأخي يوسف ودخل يوسف علي كزوبعة هائجة: (قولي الصدق)..وقلت الصدق لأنجو من اللغة الوحيدة التي كان يخاطب بها الآخرين، العنف والضرب بقبضتين حديديتين، وكان يتمتع بقوة بدنية كبيرة لفرط ممارسته رياضة حمل الأثقال.
أصدر حكمه القاضي بالإقامة الجبرية في البيت حتى يوم مماتي، كما هددني بالقتل إذا أنا تخطيت عتبة المنزل، وخرج من الدار لتأديب الغلام.
قبعت داخل الحدود الجغرافية التي حددها لي يوسف، ذاهلة، لا أكاد أصدق ما حدث. ما أشد الضرر الذي يصيب الطبيعة الأصلية للصغار والمراهقين بفعل خطأ التربية وسوء الفهم"
إلا أن عودة أخيها إبراهيم طوقان بعد أن أكمل دراسته كان الفرج الإلهي ويد القدر التي رسمت لها حدودا أوسع مما تتخيل لتصبح من أشهر شاعرات العربية، حيث كان الأخ الأحب إليها، وكان يحنو عليها منذ الصغر وفتح لها بابا للمعرفة والشعر، وكانت تحبه لجرأته وانفتاحه وطيبته، لذا أصبح أستاذها ووهب لها بابا جديدا للولوج للحياة، فقد بدأت في تعلّم الشعر ونظمه على يديه، ثم إلقائه في ملتقيات ثقافية، ومن ذلك الباب عادت لها الحياة مرة أخرى تقول " ها أنا أعود إلى الدفاتر والأقلام والدراسة والحفظ. ها أنا أعود إلى جنتي المفقودة. وعلى غلاف دفتر المحفوظات تلألأت بعيني هذه الكلمات التي كتبتها بخطي الرديء. خط التلميذة في الثالثة عشر من العمر الاسم- فدوى طوقان الصف - شطبت الكلمة وكتبت بدلاً مكنها "المعلم" : ابراهيم طوقان"
توفيت فدوى طوقان عام 2003 تاركة ذكرى عبورها وخلودها على هذه الأرض شعرا وأوسمة وكتبا منها المجموعات الشعرية: ( أنا وحدي مع الأيام، دار النشر للجامعيين، القاهرة 1952م - أعطني حبا ً- أمام الباب المغلق- الليل والفرسان، دار الآداب، بيروت، 1969م- على قمة الدنيا وحيدا ً- تموز والشيء الآخر- اللحن الأخير، دار الشروق، عمان، 2000م)
وكتبا نثرية هي: (أخي إبراهيم، المكتبة العصرية، يافا، 1946م- رحلة صعبة- رحلة جبلية (سيرة ذاتية) دار الشروق، 1985م- الرحلة الأصعب (سيرة ذاتية) دار الشروق، عمّان، (1993) ترجم إلى الفرنسية.)
3.
تميز شعر فدوى طوقان بأنه كان صرخة قوية ضد المحتل، وقصيدة خالدة للإنسان والروح
ولذا فإن أبرز اتجاهين في شعر فدوى طوقان هي:
- صرخة رفض ضد المحتل: فقد تأثرت فدوى طوقان باحتلال فلسطين بعد نكبة 1948، وخاصة بعد احتلال مدينتها نابلس خلال حرب،1967 فذاقت طعم الاحتلال والقهر وانعدام الحرية، وشاهدت الظلم جليا في الكون، وسمعت روحها ثم قصيدتها فيما بعد أنين المظلومين، وقهر المشردين، وموت الشهداء وجسدته في كلمات ثائرة وحرة وغاضبة.
- صرخة المرأة ضد المجتمع: هي التي ولدت ونشأت في مجتمع تقليدي تحكمه التقاليد والعادات البالية، حيث المرأة بلا حرية ولا حقوق يتحكم المجتمع، والأسرة في تعليمها وزواجها، وحقها في المشاركة في الحياة العامة، لذا كانت قصائدها ثورة ضد الظلم والتمييز الاجتماعي ضد المرأة، تدعو فيها إلى تحرر المرأة وإعطائها حقوقها واحترام حقها في الحياة والحضور والعطاء في كافة الميادين الثقافية والإجتماعية والإنسانية والعلمية.
وتميز أسلوبها بالبساطة في اللفظ والعمق في المعنى، والتعبئة الروحية والنفسية للألفاظ بكل المشاعر والأحاسيس التي تتدفق في الروح، فهي صاحبة رسالة إنسانية تريد أن تصل للإنسان فيستوعبها ويستشعر صداها في روحه.
تقول في مواجهة المختل في رسالة مباشرة وجريئة:
أتغصب أرضي؟
أيسلب حقي وأبقى أنا حليف التشرد أصبحت ذلة عاري هنا
أأبقى هنا لأموت غربياً بأرض غريبة
أأبقى ؟ ومن قالها؟ سأعود لأرضي الحبيبة

وتقول في قصيدة "لن أبكي" موضحة رفض الإنسان الفلسطيني لهذا الظلم والوقوف ضده بكل عزيمة وقوة، ودون خذلان وتخاذل أو هزيمة وانكسار:
على أبواب يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور
بين الردمِ والشوكِ
وقفتُ وقلتُ للعينين :
قفا نبكِ
على أطلال من رحلوا وفاتوها
تنادي من بناها الدار
وتنعى من بناها الدار
وأنّ القلبُ منسحقاً
وقال القلب : ما فعلتْ
بكِ الأيام يا دارُ ؟
وأين القاطنون هنا
وهل جاءتك بعد النأي، هل
جاءتك أخبارُ ؟
هنا كانوا
هنا حلموا
هنا رسموا
مشاريع الغدِ الآتي
فأين الحلم والآتي؟ وأين همو ؟
موضحة الظلم الذي عاشه الإنسان البسيط على أرضه، بأن ينتزع منها انتزاعا ويخلف مكانه للصدى والذكريات.
ورغم كل هذا البعد النضالي والقضية التي شغلت فدوى طوقان، إلا أن روح المرأة العاشقة والمتألمة والمغرقة في الحلم والألم معا، كان حاضرا وبقوة في قصائدها، فنجد الحبيبة العاشقة، ونجد المرأة المغدورة المتألمة، والمرأة الحائرة بكل نجواها وحنينها:
تقول في رسم صورة للغياب والفقد للمشاعر:
لقيتك أمس، ولكن عينيّ
أنكرتاك، فلم تعرفاك
ورحت أسائل قلبيَ عنك
وهل مرّ حقاً عليه هواك
تلمّست جدرانه علّ فيها
بقايا غرام بقابا صور
فما نبضت من غرامك ذكرى
هناك، ولا لاح منه أثر
وحين مددت يدك إليّ
تصافحني، كنت أي غريب
ورحت أمدّ إليك أصابع
مات الشعور بها واللهيب
وحين تعثّر اسمك في –
شفتيّ وأرسلته في صعوبة
بدا باهتا لا جمال
يلوّنه، لا صدىً، لا عذوبة
أحقاً حببتك يوماً؟ وكيف ؟
4.
لا تزال الذاكرة مشتعلة بفدوى طوقان كامرأة شاعرة، وكشاعرة قضية، وهي ذاكرة قديمة مؤرخة بإحدى المراحل الدراسية، حيث كانت قصيدة "حمزة" مقررة في منهاج اللغة العربية وهي لا تزال على قيد الذاكرة:
"كان حمزه
واحدا من بلدتي كالآخرين
طيبا يأكل خبزه
بيد الكدح كقومي البسطاء الطيبين
قال لي حين التقينا ذات يوم
و أنا أخبط في تيه الهزيمة
اصمدي لا تضعفي يا ابنة عمي
هذه الأرض التي تحصدها نار الجريمة
والتي تنكمش اليوم بحزن وسكوت
هذه الأرض سيبقى
قلبها المغدور حيا لا يموت
هذه الأرض امرأه
في الأخاديد وفي الأرحام سر الخصب واحد
قوة السر التي تنبت نخلا وسنابل
تنبت الشعب المقاتل"
تلك كانت البداية الأولى لتعرفي على فدوى طوقان، إحدى الشاعرات اللواتي تركن بصمة في الروح والذاكرة معا، وفي عام 1999 كنت يومها أظنني كبرت، لأنني كنت أعد بحث الماجستير وعلى وشك أن أناقشه أيضا، ولي إصدار شعري وهن، حين سمعت أن فدوى طوقان في عمان، سأراها إذن، سأرى صاحية الكلمات دما ولحما، تقلّص جسدي حتى عدت تلك الطفلة التي كانت هناك تفتح عيونها وفاهها دهشة، وهي تتأمل تلك الصورة المدهشة والمؤلمة لحمزة، طفلة بضفيرتين فاحمتين وخجل كثير يمنعها من طلب صورة مع امرأة تسكن قلبها وذاكرتها عمرا طويلا، طفلة تحايلت على خجلها ومدت يدها مصافحة لها بكل محبة وإكبار (وهي التي كانت تتمنى أن تعانقها عناق أمومي وربما تبكي في أحضانها بحرقة تشبه الشعر والحلم والانكسار والثورة معا) موضحة لها أنها تشكر الرب أن أتاح لها هذه الفرصة لتسكن صداع الحنين لهذه الروح، وأنها تسكن روحها وذاكرتها كما تسكن ذاكرة الشعر العربي.
وحين ماتت فدوى طوقان شعرت فعلا باليتم، لذا كان نصي يومها مرتبكا، وهشا لكنه قال قليلا مما سقط في غفلة الروح من الدمع والحزن

20 ديسمبر, 2011

الشيخ .. والطريقة!

عن نجيب محفوظ في مئويته
الثلثاء, 20 ديسمبر 2011
فاطمة الشيدي:-
1.
- لو لم نصل للمعنى العام لا جدوى لكتاباتنا.
- علاقتي بالنص تنتهي لحظة أن أسلًمه إلى المطبعة.
- العقل الواعي هو القادر على احترام الفكرة حتى ولو لم يؤمن بها.
- المرأة أهم رابطة تربطنا بالحياة.
- الحرية ذلك التاج الذي يضعه الإنسان على رأسه ليصبح جديرا بإنسانيته.

"نجيب محفوظ"
2.
يحتفل العالم هذه الأيام بالذكرى المئوية لنجيب محفوظ الكاتب، والروائي العربي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل، حيث يسلّط العالم أضواءه على الكاتب الكبير في احتفاء مستحق لتجربة خالدة في الوجدان البشري، والعربي خاصة مع توالي مخاضات الربيع العربي في المحروسة التي يحاول أبناؤها الحفاظ على ملامح ثورتهم.
ونجيب محفوظ الذي ولد في 1911، ورحل في 2006، عاش حياة حافلة بكل شيء من البساطة والمحبة والهدوء، والبعد عن الأضواء، فالتجاهل والإهمال والفقر، والعمل في أكثر من وظيفة حتى الكره والحقد والتنكر الإنساني والأخوي له، فمحاولة الاغتيال الحاقدة باسم الدين والدفاع عن الأخلاق والقيم، فالتكريم العالمي الذي توّج بجائزة نوبل، كما ترك إرثا ثقافيا وحضاريا كبيرا يستحق معه سمة الخالدين.
فمن يقرأ حياة نجيب محفوظ لا يجد سرا، ولا نبوغا ولا تفوقا ولا تميزا عن أي إنسان عادي إلا فيما يخص عشقه للكتابة وإخلاصه لها، فلقد عاش في حي من أحياء القاهرة، ينتمي لأسرة متوسطة ويعيش حياة بسيطة تبدأ من كونه أصغر أخوته، حتى إكمال دراسته الجامعية، ومساندة أهله والتكفّل بمساعدتهم في ظروفهم المعيشية التي لم تكن ميسورة بطبيعة الحال.
ولعل هذا تماما هو سر تلك الخلطة الفنية في كتاباته، وذلك الاقتراب من الإنسان بشكله البسيط واليومي والهامشي، ذلك التماس الحقيقي والتعالق الطبيعي والمباشرمع الشارع والإنسان، هو الذي مكّنه من خلق عوالمه النصية الروائية بذهابها في لحم وعظم المجتمع، بتفاصيلها المغرقة في الإسهاب والإطناب، والموغلة في التفاصيل بدقة وتأنٍ وحنكة.
كان نجيب محفوظ يكتب في المقهى، بل كان يعيش فيه، ويرسم فيه تفاصيل وأحداث وشخصيات رواياته وقصصه، إن هذا القرب والتمازج الإنساني مع روح المكان وروح الإنسان، مع همومه ومشاكله وتفاصيله وملامحه كان هو سر نجيب محفوظ، إنه يكتب من ذات النقطة تماما حيث الأرض والإنسان، لا من نقطة أعلى قليلا، وكأنه يحمل في مخيلته وقلمه عدسة تصوير جبارة تجعله يلتقط التفاصيل بدقة، ويدونها بحرفة حكّاء شهي يجيد السرد ورسم الملامح والوقفات والصمت.
لم يكن يكتب بقدر ما كان يحكي، ولم يكن يبدع بقدر ما كان يرسم ويصور، ثم يعيد تشكيل كل تلك الصورة الرهيبة الواضحة بأحزانها وأوجاعها، بجبروتها وآلامها في تشكيل لغوي آخر مختلف، بسيط، وقريب، كامل وناقص، باهت وواضح، كل شيء تجده في صفحاته وكتاباته، لذا لا عجب أن يحبه الجميع، ويقرأه الجميع، رجل الشارع قبل المثقف، والمرأة قبل الرجل، إنه يكتب عنا، يكتب ما يشبهنا، ما يعنينا ويربكنا، عن خفقة القلب الأولى، عن تعلق الأم المرَضي بطفلها، عن جبروت الرجل الشرقي وضعفه في نفس الوقت، عن تلك الثنائيات والفصامات الحادة والموجعة في مجتمعاتنا المتجمّلة والمنافقة، ولكنه يملك السكين التي تصل للعظم فيكشفها، يكتب عن السياسة كما يكتب عن الحب، ويكتب عن المرأة كما يكتب الرجل .. إنه ببساطة يكتب الحياة كما هي دون رتوش ودون تلميع.
3.
كانت كتابات نجيب محفوظ بمثابة الدرس السردي الأول للكثيرين منا، أو متعة القراءة الأولى حيث لم ينج أحد في بداياته من الاشتباك مع حكاياته وقصصه، كما لم ينج من الإعجاب بأحد قصصه الواقعية ورسوخها في الذهن، ولاشك أن القارئ لنجيب محفوظ يخرج بثلاث ملاحظات:
أ. رهافة الحس، وعدم تعمد البلاغة:
فالشيخ الذي شغل العالم بحكاياته وقصصه لم يكن يميل لتجميل اللغة، ولا صناعتها، كان يكتب برهافة وردة تعانق الصباح على مرأى من الكون، بلا تجمل ولا خفاء، يكتب عن الأرواح والأجساد، عن الحب والخطيئة، والسياسة والفقر في ذات الوقت، يقول كل شيء بلا مبالغات ولا بلاغات، يكتب وهو يشعر بكل كلمة يقولها لذا تنتقل روح الكتابة لكل من يقرأها بكلها، يكتب بلا تعقيدات لغوية جاهزة، وبلا مزايدات على البلاغة والصورة والتقنيات الفنية التي يعمد إليها البعض .. يكتب كما يريد وكما يجيد فلكل شيخ طريقة، وهذه هي طريقته.
ب. الواقعية الاجتماعية:
كان المجتمع والشارع والحياة هي أمهات بنات أفكار نجيب محفوظ، لم يكن يبحث عن طاقات ذهنية، ولا حالات فلسفية تولد لديه قصصا وحكايات وشخوصا وحبكات، إنه يتأمل ما يحدث في الحياة والشارع فتأتي لها الفكرة طواعية، فيأخذها إليها، يطوّع جمالها لصالح قصته، ويشذب رعونتها لتجلس على ناصية حكاياته ولغته، كل شيء خرج من هناك، ولذا كل شيء كان يصل بسلاسة وصدق.
ج. البعد النفسي:
كانت بعض قصصه ورواياته تميل لسبر أغوار النفس وتقصّي ارتباكاتها، وفضح عقدها، في محاولة تحليل قصصية للجوانب المظلمة في الأعماق السحيقة للذات، ضمن الحبكة الواقعية، وهي ليست كثيرة على كل حال.
4.
ولعل ما يعبر عن فكر نجيب محفوظ، عن حبه للإنسان، واقترابه منه، عن تلك العظمة الروحية التي تجعله ينتمي لأرضه وعالمه البائس الفقير، انتماء المحب الناقد في ذات الوقت، انتماء يصدّر معه في أكبر محفل ثقافي في حفل تكريم جائزة نوبل أفكاره وأحلامه وأحزانه وثمرة تجربته عن العالم العربي، وأوجاعه وآلامه والقيود التي يرزح تحتها، ليوجه أنظار العالم إليه، ولطلب مساعدته، والخروج به من نفق الظلام، إنها روح المنتمي للأرض وللإنسان وللثقافة العربية بكل أحلامها وإحباطاتها وبكامل أرضها الحرة والمغتصبة، كوحدة إنسانية وفكرية وثقافية واحدة، تحمل أوجاع بشر ينتمون لذاكرتهم وثقافتهم ولغتهم كما ينتمون لأرضهم، يقول:
"لعلكم تتساءلون: هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجــد من فـراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون في أفريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفى الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة ـ رجالا ونساء وشبابا وأطفالا ـ تكسيرا للعظام وقتلا بالرصاص وهدما للمنازل وتعذيبا في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليونا من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين فى السلام الشامل العادل أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصا؟ ولكن من حسن الحظ أن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فأنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره وفى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن نتلاشى أنات البشر فى الفراغ. لا شك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب. وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعى فعل المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقى"
كان نجيب محفوظ متفائلا في حياته وكتاباته وفكره وسيرورته في حياته كلها رغم كل الاحباطات، كان متفائلا في تغيير مصير العالم والإنسان كل بطريقته، وبقدرته وبوعيه، التغيير الذي يبدأ من الكلمة كفعل حقيقي وقادر على إعادة رسم الكون بشكل أجمل، والإنسان بوعي أكثر. وكان مؤمنا بالإنسان كمحرك لهذا الكون، والمثقف كفاعل في التصدي للأمراض الأخلاقية في المجتمعات، لأنه أدى هذا الدور كثيرا ودفع ثمنه من روحه وحياته .. عاش مؤمنابه .. ومات مؤمنا به.. وخلد مؤمنا به.
5.
ذهب نجيب محفوظ تاركا لنا إرثا ثقافيا كبيرا، وكتابات لا يمكن للثقافة العربية سوى الاحتفاء بها؛ منها فقط :" مصر القديمة- همس الجنون- عبث الأقدار- رادوبيس- كفاح طيبة- القاهرة الجديدة- خان الخليلي- زقاق المدق- السراب- بداية ونهاية- بين القصرين- قصر الشوق- السكرية- اللص والكلاب- السمان والخريف- دنيا الله- الطريق- الشحاذ- بيت سيئ السمعة- ثرثرة فوق النيل- أولاد حارتنا- ميرامار- تحت المظلة- خمارة القط الأسود- حكاية بلا بداية ونهاية- شهر العسل- المرايا- الحب تحت المطر- الجريمة- الكرنك- حكايات حارتنا- قلب الليل- حضرة المحترم- ملحمة الحرافيش- الشيطان يعظ- قشتمر"
تاركا لنا فكره عن تمجيد الإنسان والمحبة والكتابة، كدرس خالد ومستعاد لكل من يريد السير على نهج الشيخ وطريقته.

13 ديسمبر, 2011

شجون «القص» بجامعة السلطان قابوس

جريدة عمان- الثلثاء, 13 ديسمبر 2011

دخول العامية وخصوصية المكان أشياء تُقلق جماعة الخليل للأدب
فاطمة الشيدية: القصة متعددة الاتجاهات لكونها وليدة الذاكرة الذاتية والمكانية والجمعية
كتبت - هدى حمد
انطلقت مساء أمس الأول بجامعة السلطان قابوس فعاليات الملتقى الخامس للقصة القصيرة الذي تنظمه جماعة الخليل للأدب ضمن خطة أنشطتها لهذا العام الجامعي، وذلك تحت رعاية الدكتور بدر بن هلال العلوي عميد شؤون الطلاب.
اشتملت الجلسة الافتتاحية على ورقة نقدية، قدّمتها الدكتورة فاطمة الشيدية حملت عنوان (القصة العمانية اتجاهات وملامح وأساليب)،أشارت بادئ الأمر إلى رائد القصة العمانية عبدالله الطائي، الذي بدأ الكتابة منذ أربعينات القرن الفائت، إلا أنه لم يُنشر إلا متأخرا..تبعه في الستينات والسبعينات من ذات القرن محمود الخصيبي وأحمد بلال، وسعود المظفر وغيرهم..ثم أكدت فاطمة الشيدية على أنّ "حقبة الثمانينات كانت هي بداية القصة القصيرة الموثقة في عمان حيث تعد مجموعة "سور المنايا" لأحمد بلال المجموعة الأولى التي تم نشرها 1981". بعدها عمدت إلى تقسيم القصة في عُمان إلى ثلاثة أجيال من الناحية الزمنية والفنية، بدأت بتتبع جيل الثمانينات، فوجدت المجموعات القصصية فيه تميل إلى الذاتية في الكتابة وتتراوح اللغة بين لغة المحكي الاجتماعي العام، والكتابة القائمة على السرد المباشر، وتقل فيها التقنيات الفنية، ويحضر الزمن بشكل موارب بينما يظهر المكان بوضوح، وتميل أيضا لتوظيف الموروث، وذكرت عدّة أمثلة من كُتاب هذه المرحلة منهم:أحمد بلال، محمود الخصيبي، أحمد الزبيدي، وغيرهم. ثم انتقلت للحديث عن جيل التسعينات، ورأت الشيدية أنّ مرحلة التسعينات هي مرحلة التكوّن القصصي الأكثر امتثالا لشروط السردية، بلغتها، وشخوصها وحبكتها والأكثر قربا من المذهب الواقعي الاجتماعي، وقد ربطت ذلك بظهور بعض التعقيدات في المجتمع الانتقالي من المرحلة القروية إلى مرحلة المدينة، تخلصت في هذه المرحلة اللغة من مباشرتها واستحدثت تقنيات أكثر في فنية الحوار والوصف والحبكات،وذكرت الشيدية الكثير من الأمثلة على هذه المرحلة من مثل: حمد رشيد، محمد علي البلوشي، يونس الأخزمي، يحيى سلام المنذري،سالم آل توية وغيرهم. ثم تحدثت فاطمة الشيدية عن جيل ما بعد الألفية الثانية،حيث شهدت القصة العمانية نضجا فنيا وأسلوبيا، كما شهدت إقبالا شديدا، وحضورا بارزا لكتابها في المشهد الثقافي الداخلي والخارجي،ربطت ذلك بأن المجتمع العماني أصبح أكثر وضوحا في تياراته الثقافية، "قلّت الكتابة الذاتية المصدّرة لفعل الألم والصدمة إلا فيما يخدم فكرة النص، كما قلّت الكتابات الإنشائية التي لا تربطها فكرة، ولا تخدم غاية السرد"، ومن مجموعات هذه الفترة "حد الشوف" لسالم آل توية، "ربما لأنه رجل مهزوم" لسليمان المعمري، "أغشية الرمل" لـ محمد الرحبي، "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل" لجوخة الحارثية، وغيرها الكثير.

ملامح القصة العمانية
انتقلت الشيدية لاحقا للحديث عن ملامح القصة العمانية قائلة:"القصة العمانية متعددة الاتجاهات والملامح والأساليب، ومن هذه الاتجاهات: شعرية القص: بين الفكرة والأسلوب، مشيرة إلى الاتجاه الذاتي أو الرومانسي، وذكرت على ذلك مثالا.. قصة "ربما لأنه.. لأنه ربما" لـ سليمان المعمري، حيث حالة من حالات القلق الإبداعي والحياتي الذي يعيشه المبدع،"النص يُقدم حالة تذمر إنسان من سلسلة الأفعال اليومية المملة حتى في يوم إجازته من الوظيفة، والنص نفسه سياق نفسي للمرسل والرسالة والمتلقي". وأيضا ذكرت أمثلة أخرى على هذا، وهي مجموعة الخطاب المزروعي "لعنة الأمكنة"، و"لا يفل الحنين إلا الحنين"
لـ عبدالعزيز الفارسي...وغيرها من المجموعات.
بعدها تناولت الرمز والأسطورة في القص العماني، شرحت الرمزية لنا بقولها: "إظهار غير المرئي أو المعني عن طريق ما هو مرئي". والرمز هو قوة المخيلة في صناعة عوالم سردية وشعرية أكثر خصوبة وجمالا أمام التابوهات الكثيرة (الجنس والدين والسياسة) في العالم العربي تحديدا، وذكرت على ذلك مثال نص خديجة لـ محمد اليحيائي من مجموعته "يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها"، فالنص يمثل قصة أكل الذئب لامرأة بدوية ذهبت تبحث عن نعجتها التي تأخرت على العودة إلى البيت، لكن لا يمكن للمتلقي أن يقف عند حدود هذا المعنى المباشر، وإنما يذهب باتجاه المعنى الأكثر توغلا وبعدا.

المجتمع مصنع القصة
أخذتنا الشيدية لحديث شائق عن القصة الواقعية، التي تتناول حقيقة من الواقع لا حقيقة مطلقة، بل جزءا من الحقيقة وقعت للناس في المجتمع, ولكنها تتخذ لها شكلا جديدا في اختيار الواقع بدون تفصيلات مملة، ومن أمثلة ذلك قصة "رسائل" من مجموعة "لا يفل الحنين إلا الحنين" لعبد العزيز الفارسي، حيث يُطلق الرجل زوجته برسائل نصية قصيرة، وهو أمر اجتماعي أصبح شائعا للأسف، وهو هنا ينتقد الفعل بصورة غير مباشرة، وكذلك قصة "الرجل الجاني نائم" حيث يسرد لنا حمود الشكيلي قصة الرجل الذي قتل عامل مزرعته برصاصة لأنه رآه يتسلل لإحدى غرف بيته، ولكنه لم يدافع عن نفسه سوى بكلمة "يستاهل".. وأيضا يدخل التاريخ والسياسة ضمن لعبة القص-كما تقول الشيدية- حيث يبسط التاريخ، ويقدمه بحبكة فنية، ويدون أحداثا سياسية كبيرة وعظيمة ولكن دون أن يقدمها بشكل جاف،ومن ذلك مجموعة أحمد الزبيدي" انتحار عبيد العماني".
باب النقاش
عندما فتح باب المداخلات والنقاشات..تساءل عميد شؤون الطلاب الدكتور بدر بن هلال العلوي، "هل استفاد الدارس العماني من الحكايات الشفهية أو تلك التي ترويها الجدات؟"، فأجابت فاطمة الشيدية: "القصة فن غربي، وعلينا أن نفرق بين القصة والحكاية، وفي عُمان توجد الكثير من الحكايات الشفهية الشعبية التي لم تنل حظها من التدوين إلى الآن، ولكن هنالك من فعل ذلك، وضمن الحكاية في نص قصصي جديد، أيضا روايتي "حفلة الموت" تقوم على حكاية "المغايبة" التي سمع بها أغلبنا.. المسألة لا تقف عند غياب تدوين الحكاية، فكم من الشعر الشعبي الذي يرويه من لا يقرأ ولا يكتب غائب عن التدوين أيضا،ويمكنه أن يذهب بغمضة عين من أيدينا بمجرد موت هذا الشيخ العجوز، أو المرأة العجوز..أتفق معك أن مشروع التدوين مشروع في غاية الأهمية، حتى وإن بدأ الآن بالتسجيل الرقمي على الأقل من أجل حفظه". حمود الراشدي تساءل عن عدم ظهور روح المكان في مجموعة "الذاكرة ممتلئة تقريبا" لمازن حبيب،فأغلب النصوص تدور أحداثها في الخارج.أجابت الشيدية قائلة:"قصدت المكان بمعنى أي مكان وليس المكان العماني". وتساءل أحمد الراشدي عن الأسباب التي تقف وراء تجاوز القضايا النسوية في القصة العمانية..هل لأنّ الكاتبة ابنة مسقط، ولديها وظيفة وحياة مستقلة، بينما هنالك نساء أخريات يعشن المعاناة؟ أكدت الشيدية أن من إحدى مهام الكاتب نقد المجتمع، والمرأة إلى اليوم بحاجة إلى من يعبر عنها وعن اضطهادها. عاود أحمد الراشدي التساؤل حول انقطاع أجيال كانت تكتب منذ أيام السبعينيات، والثمانينات؟ فقالت فاطمة"أنا أيضا أبحث عن إجابة لهذا السؤال، ربما هي الإحباطات التي تختلف عن إحباطات جيلنا، وربما البعض لم يكن يتعامل مع الكتابة على أنها مشروع حياة كامل". الطالبة هالة الريامية تساءلت: "نشأتُ في المدينة، ولا أعرف الكثير عن الحياة في القرى، لا أعرف الكثير عن عاداتهم وتقاليدهم.. هل يعني هذا أنّ قصصي ستفتقد لروح المكان؟" قالت الشيدية:"المكان ليس هو القرية وحسب، قد يكون الشارع...الجامعة...البيت.. ما نعيشه الآن سيتحول إلى تراث بعد عشرات السنين، وهكذا هي الحياة". ليلى النبهانية تساءلت: أيهما أفضل أن اكتب بالفصحى أم بالعامية؟ أجابت الشيدية:"هذا موضوع كبير وضخم.. موضوع الفصحى والعامية، وقد اختلفت الآراء بين من يتطرف بضرورة ذلك، أو يتطرف بالرفض، وثمة طرف ثالث يقع في المنتصف يؤيد الحوار بالعامية متى ما كان توظيف ذلك في مكانه الصحيح". تساءلت طالبة عن غياب أنسنة الجماد من القصة العمانية، فقالت فاطمة ذلك يتطلب اشتغالا خاصا، لا يستطيعه أي شخص، وذكرت قصة مفتاح سليمان المعمري كدليل على الأنسنة. عائشة المعمرية تساءلت عن غياب الوعظ من القصة العمانية؟ فقالت فاطمة: "الوعظ شيء، وأخذ العبرة من القصة شيء آخر.. فالقصة والشعر لم يعودا يحتملان الوعظ"، وتابع القاص سليمان المعمري الرد على نفس السؤال:"طغت القصة الوعظية فيما سبق لقلة الخبرة الكتابية، ونقص في الأدوات، وبرأيي الشخصي إذا دخل الوعظ من الباب خرج الفن من الشباك. وغياب الوعظ يحسب لصالح النص. .. ثم تساءل.. ما الفرق بين الرسالة وخطبة الجمعة إذن..ثم قال حتى إن دعاة اليوم انتبهوا لضرورة التخفف من الوعظ في القصة واستخدام أساليب جديدة في الخطاب". وأكدت فاطمة الشيدية على أن الوعظ ارتبط بالزمن التعليمي، أما الآن فالمدرسة تعلم والإعلام يُعلم والوسائط التكنولوجية الحديثة تُعلم أيضا، فلا حاجة للوعظ عبر القصة. وقال القاص وليد النبهاني: "القصة في عمان لم تمر بتيارات الكتابة التي عرفها الغرب"، ورأى البعض أن لا ضرورة لذلك إذا كانت القصة قد واكبت آخر مستجدات تفنياتها في العالم، فليس عليها أن تبدأ من الصفر، بل من حيث انتهى الآخر، فيما ختمت فاطمة الشيدية بقولها: "نحن لا نستحدث شيء وننتظر ما يصلنا من الآخر دائما".
ثم تلى ذلك قراءات في القصة القصيرة قدّمها كل من الكاتبة والقاصة هدى حمد والقاص وليد النبهاني، حيث تناوبا معا على قراءة قصص من أعمالهما بين المنشور منها وغير المنشور.

محاضرة وحلقة عمل ومسابقة

ومن الجدير بالذكر أنّ الدكتور إحسان صادق اللواتي قدّم محاضرة نقدية مساء الأمس في الملتقى لمن حضر من الطلاب والمهتمين،بينما تقام الليلة حلقة عمل في كتابة القصة القصيرة قدّمها كل من سليمان المعمري وهلال البادي، وقد حدثنا المعمري عن حلقة العمل قائلا في حوار سابق: "ستتناول النصوص المشاركة والفائزة، واهتمامات الطالب الجامعي المتطلع لكتابة القصة، كما ستتناول من جهة أخرى وصفا للقصة في المشتركات العامة في كتابة القصة القصيرة في الجامعة، وسيكون المجال مفتوحا لتبادل الأسئلة والإجابات حول القصة العمانية بشكل عام، والقصة القصيرة في الجامعة بشكل خاص"، وأكد هلال البادي أنّ الجلسة ستكون ارتجالية ومفتوحة من دون تحديد محاور ثابتة وجامدة، إلا أنّها ستدور في فلك:"كيف يمكن كتابة قصة قصيرة متكاملة فنيا".
كما أنّ اللجنة المنظمة إلى جوار ما سبق، حرصت أيضا على إقامة مسابقة قصصية لطلاب الجامعة،وذلك ضمن فعاليات الملتقى حيث شهدت إقبالا كبيرا للمشاركة فيها، وقد تمّ تشكيل لجنة تحكيم لتقييم النصوص المتقدمة تتكون من سليمان المعمري وبشرى خلفان، وقد أخبرنا المعمري "أنّ المنافسة قائمة الآن بين ما يربو على الأربعين نصا قصصيا من أكثر من كلية".

أسئلة صغيرة جدا:
• غياب جمهور جماعة الخليل للأدب..لماذا؟
• الطالبات أكثر من الطلاب عددا، وأكثر من يطرحن الأسئلة؟
• هل من الضروري أن تحمل الكاتبة العمانية "القضايا النسوية" على عاتق نصها؟
• ما سر اختفاء كُتاب السبعينات والثمانينات عن الساحة اليوم؟
• جمع التراث الشفهي الشعري والحكائي॥مهمة الكاتب أم المؤسسة؟


11 ديسمبر, 2011

الملتقى القصصي الخامس بجامعة السلطان قابوس


ملتقى القصة الخامس بجامعة السلطان قابوس
قراءات وحلقات عمل وأوراق نقدية ومسابقة قصصية
جريدة عمان -كتبت - هدى حمد
تنطلق مساء اليوم بجامعة السلطان قابوس فعاليات الملتقى الخامس للقصة القصيرة الذي تنظمه جماعة الخليل للأدب ضمن خطة أنشطتها لهذا العام الجامعي، وذلك تحت رعاية الدكتور بدر ابن هلال العلوي عميد شؤون الطلاب।تشتمل الجلسة الافتتاحية المقرر إقامتها مساء اليوم على قراءة نقدية تُقدمها الدكتورة فاطمة الشيدية، تحمل عنوان (القصة العمانية اتجاهات وملامح وأساليب)، قراءة في القصة العمانية وستُعرج الشيدية في ورقتها على مجموعة من المجموعات القصصية العمانية.
وستلي ذلك قراءات في القصة القصيرة يقدمها كل من الكاتبة والقاصة هدى حمد والقاص وليد النبهاني، حيث سيتناوبا معا على قراءة قصص من أعمالهما بين المنشور منها وغير المنشور، التي تُلائم الثيمة العامة للورقة।كما يشتمل الملتقى الذي سيستمر حتى مساء الثلاثاء القادم على محاضرة نقدية للدكتور إحسان بن صادق اللواتي، وحلقة عمل في كتابة القصة القصيرة يُقدمها كل من سليمان المعمري وهلال البادي، وقد حدثنا المعمري عن حلقة العمل قائلا: (ستتناول النصوص المشاركة والفائزة، واهتمامات الطالب الجامعي المتطلع لكتابة القصة، كما ستتناول من جهة أخرى وصفًا للقصة في المشتركات العامة في كتابة القصة القصيرة في الجامعة، وسيكون المجال مفتوحًا لتبادل الأسئلة والإجابات حول القصة العمانية بشكل عام، والقصة القصيرة في الجامعة بشكل خاص)।وأكد هلال البادي أنّ الجلسة ستكون ارتجالية ومفتوحة من دون تحديد محاور ثابتة وجامدة، إلا أنّها ستدور في فلك: (كيف يمكن كتابة قصة قصيرة متكاملة فنيا)।من الجدير بالذكر أنّ اللجنة المنظمة إلى جوار ما سبق، حرصت أيضا على إقامة مسابقة قصصية لطلاب الجامعة، وذلك ضمن فعاليات الملتقى حيث شهدت إقبالا كبيرا للمشاركة فيها، وقد تمّ تشكيل لجنة تحكيم لتقييم النصوص المتقدمة تتكون من سليمان المعمري وبشرى خلفان، وقد أخبرنا المعمري (أنّ المنافسة قائمة الآن بين ما يربو على الأربعين نصا قصصيا من أكثر من كلية)।






08 ديسمبر, 2011




لتحميل أعمال نجيب محفوظ



http://abooks.tipsclub.com/index.php?act=category&id=154




07 ديسمبر, 2011

آليات السرد لأمبرتو إيكو

مقدمة:


أن يقوم كاتب بشرح وتوضيح أعماله السردية في كتاب فهذه كتابة أخرى، خاصة إذا كان هذا الكاتب عالما وباحثا سيميائيا أصلا ،لأنه لاشك سيضفي عليها لمسة نقدية أكثر جمالية وفكرا، فإذا كان هذا الكاتب أنتج أعمالا تذهب في العمق والفلسفة والصنعة والنحت كل مذهب كأسم الوردة ،فلاشك أن هذا عمل ينتظره القراء ليفهموا بعض ما استغلق، وأشكل عليهم، وينتظره كتاب السرد ليفهموا سر هذه الخلطة الروائية السردية ليحاولوها أو يحاوروها بطريقة أو بأخرى، ولعل هذا ما أراده تماما إمبرتو إيكوا كحالة تدريب للكتاب باعتبارهم قراء له ॥ "بالتأكيد ليس من حق المؤلف أن يؤول। ولكنه من حقه أن يحكي لماذا وكيف كتب ماكتب" ص25، وهذا مانجده في كتاب آليات السرد لإمبرتو إيكو..
أولا : المقدمة :سعيد بن كراد السيميائي يترجم ويكتب بعشق ممزوج بين السرد والسيمياء عن شريك المهنة والفعل، وصديق اللغة والكتابة الكاتب والسيميائي امبرتو إيكو، إنه يقدم للكتاب بإعجاب ومحبة ولكن لا يريد أن يشرحه، أو يقدم وصوفات أو تحليلات له أو عنه، إنه فقط ، يكتب نصا على نص، يكتب عن نص صديق، يكتب بمحبة قصوى متعمّقا في كتابته عن الكاتب والكتاب، محاولا لم شمل العالم السيميائي الفيلسوف، على السارد الحالم في معاضدة ومناصرة ومؤازرة لمحاولة الكاتب نفسه لهذا الجمع يقول "في سن الخمسين وبعد رحلة طويلة قاربت الثلاثين سنة في شعاب البحث السيميائي بدأ إيكو كتابة الرواية، لم يطلّق السيميائيات، ولم يتخل عن البحث في حياة العلامات، ولكنه آثر أن يمنح "البحث" نفسا حكائيا تمثُل من خلاله المفاهيم في الذهن من خلال وضعيات إنسانية تتغذى من العوالم الممكنة باعتبارها بناء ثقافيا يستمد مضامينه من التجربة الواقعية ومما تأتي من عوالم المتخيل" ص7ثم يصف هذا الانحراف الجميل نحو السرد، والذي أنتج هذه الروائع السردية القائمة على الصنعة والوعي والكتابة المتأنية والدقيقة، والحافلة بالاستشهادات والقائمة على البحث والتأويل والتأريخ عند أيكو :"لقد جاء إلى الرواية مثخنا بجراح السيميائيات، وبجراح سنوات عمر يجري دون توقف،فكانت رواياته مزيجا من التأمل الصوفي والرؤية الحكائية الطويلة النفس والرصد الاستكشافي لحياة العلامات، كما يمكن أن تتحقق في المسارات السردية المتنوعة، وفي كل أشكال التشخيص التي تمنح الزمن وجها ومظهرا।"فالسرد في نهاية الأمر وبدايته هو احتفاء بالزمن، إنه محاولة لتلمس آثاره على الذات والأشياء।" ص7ونجده يقدم للكتاب كقارئ نخبوي يدرك حقيقة السرد من خلال ثقافته السيميائية والسردية معا، "إنه يتحدث عن السرد باعتباره تصريفا مشخصا لكميات زمنية لا يمكن إدراكها إلا من خلال الحكي"، و"يكشف فيها إيكو عن "الصنعة" الفنية تتطلبها كتابة رواية ما لا كما يتصورها روائي فحسب بل أيضا كما يمكن أن يعيشها سيميائي حرفته البحث في ذاكرة العلامات عما لايراه الآخرون"ص9
المبحث الأول :"حاشية على اسم الوردة":


يقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :


* العنوان والمعنى: يتحدث ايكو في هذا الجزء عن الرسائل التي وصلت إليه والتي تحمل في مجملها تساؤلات عن دلالة البيت الشعري التي تختتم به الرواية، وعن كيفية انبثاق العنوان عنه؟ ويوضح أنه كان يرد أن الأمر في مجمله يتعلق ببيت شعري مأخوذ من كتاب لبرنار دو مواليكس "حول أشياء الحياة الهشة"، وهو راهب من القرن الثاني عشر الميلادي وقد اشتقت الفكرة القائلة "إذا كانت كل الأشياء آيلة إلى الزوال، فإننا نحتفظ منها بأسماء خالصة".
* حكاية السيرورة :يقرر إيكو بقوة أن كتابة الرواية هي حالة من السيرورة، وضمن خطوات منطقية ومتتابعة آخرها الكلمات، وهو يعمل على كتابة الرواية كما يعمل باحث، يقول إيكو "إن المؤلف يكذب عندما يقول لنا إنه يشتغل تحت تأثير إلهام ما، إذ لا يشكل الإلهام سوى 20% في حين يشكل المجهود 80 في المائة"ص25، بل ويقرر أن كل كاتب أو فنان يعمل وفق قواعد السيرورة حتى لو يعرفها ، كالطفل الذي يتكلم اللغة وهو لا يعرف قواعدها، وبذلك فهو ضد فكرة العبثية والعدمية والتماهي في الكتابة، حين يقرر أنها عملية منظمة ودقيقة وقائمة على سيرورة منطقية.


*القرون الوسطى، بكل تأكيد :يوضح لنا إيكو القادم من السيميايئات والفلسفة والعلم الصارم أنه تحول للسرد بقرار نفسي صارم وجازم يقول: "لقد كتبت رواية لأنني رغبت في فعل ذلك وأعتقد أنه هذا سبب كاف لكي نخوض في سرد أحداث" بل ويوضح لنا ببساطة فكرة أكبر وأول عمل له "اسم الوردة" أنه كانت لديه فكرة بسيطة تمخض عنها هذا العمل الروائي الكبير الذي أخذ منه الكثير من الوقت والجهد، وهي الرغبة في تسميم راهب، ويعتقد أن الرواية يمكن أن تولد من فكرة كهذه، أما الباقي فهو لحم يضيفه الكاتب أثناء الكتابة، بل ويقرر أن تكون هذه الرواية في القرون الوسطى كحالة أكثر عمقا وتحفيزا وربما أكثر غرائبية للقارئ المعاصر ، يقول "تبادر إلى ذهني في لحظة من اللحظات: بما أن القرون الوسطى هي متخيلي اليومي، فلماذا لا أكتب رواية تجري أحداثها في القرون الوسطى، فأنا لا أعرف الحاضر إلا من خلال شاشة التلفزيون، أما القرون الوسطى فأنا أعرفها دون وسائط." ص29 وهكذا أنشب أظفار وعيه وفكره في لحمة السرد، ليقدم لنا روايات خاصة وعميقة، وتحتاج قارئا ماهرا.
* القناع:لقد كان إيكو القادم من منطقة النقد خائفا من المواجهة المباشرة مع القارئ ليقدم له حكايته، لذا وليشعر أنه محمي أعطى الكلام لأدسو، وبذلك فهو قرر أن يكون الكلام والسرد والرؤية على لسان إخباري عاش في تلك الفترة ويستطيع أن يلبسه قناعها في الكلام والأسلوب والطريقة. يقول:"لقد كنت أخجل من القيام بالسرد. لقد كانت حالتي تشبه حالة ذلك الناقد المسرحي الذي يجد نفسه فجأة تحت أضواء الخشبة أمام أعين كل هؤلاء الذين كانوا إلى عهد قريب شركاءه خارج الخشبة"31.وهنا كان أدسو يحكي وعمره ثمانون عاما بلغة وروح ابن الثامنة عشرة، فإيكو أراد أن يفعل ذلك النزاع بين الوعي والخبرة، فيحكي من يعرف كل الحقيقة بلسان من يجهلها، ليعرف أيهما يبرز أكثر في لعبة لفظية مزدوجة بين الفهم واللافهم، وبين الحجب والظهور.
*الرواية بصفتها واقعة كوسمولوجية:ويشير إيكو في هذا الفصل أن كتابة الرواية تفترض بناء عالم كثيف في أبسط جزئياته، خاصا في أساليب السرد، ثم تأتي الكلمات فيما بعد من تلقاء نفسها، ولهذا فقد قضى السنة الأولى في بناء هذا العالم من خلال جمع كل ما يمكن أن يفيد السرد من كتب ولوائح لأسماء وشهادات ميلاد والصور المعمارية .ولهذا قال ماركو فيريري ان الحوارات كانت في "اسم الورة" سينماتو غرافية، ويوافق إيكو على ذلك، لأنه يصمم الحوارات حسب الزمن والمسافة بين مكانين، حتى إذا وصل المتحدثان ينتهي الحوار، إنه يصنع روايته بدقة وإتقان،ويرى بوعي فلسفي ضرورة الإلتزام ضمن شروط العمل والصنعة ليصبح الكاتب أكثر تحررا ومصداقية "أنه علينا أن نقيد أنفسنا بإكراهات لكي نبدع بحرية" .ص35
* من يتكلم – التعريض:وهو هذا الجزء يصف لنا ضرورة توافق فعل الكتابة في الرواية التاريخية مع حالتها، ومع معطياتها الزمانية والمكانية ومع أسلوب السرد، حيث يكون الحكي من أجل تنوير الناس وإخبارهم بما حدث، فالروائي لا يجب أن يتحدث بشكل مباشر، لذا عليه أن يلجأ للتعريض، أي أنه سيفعل ذلك بطريقة إخبارية على لسان أحدهم، لان ذلك ما يحدث في تلك القرون، وسيكون من يتحدث بلسانهم وعلى طريقتهم (أدسو – اسم الوردة).
*النفس:تحتوي الرواية على مقاطع تعليمية كثيرة وطويلة وقد تكون مملة لبعض القراء، ولقد أشار الناشرون عليه بحذف المائة صفحة الأولى، ولكنه كان يرى أن يرغب في دخول الدير والمكوث به سبعة أيام، عليه أن يتحمّل هذا الإيقاع، وإذا لم يكن في استطاعته ذلك، فلن يتمكن من قراءة الكتاب كاملا، إنه يعتبره تدريبا وامتحانا واستئناسا يقول "إن الدخول إلى رواية شبيه برحلة إلى الجبل يجب اختيار نفس وإيقاع للسير" ص47، إنه يعتقد أن مستوى وإيقاع كتابته كان متناسقا مع أحداث الرواية " فالرواية العظيمة هي تلك التي يعرف مؤلفها متى يسرع ومتى يتوقف، وكيف يقدّر درجة الوقفات أو الإسراع ضمن إيقاع أصلي ثابت"إن السرد لدى إيكو هو "تفكير بالأصابع" حيث يمارس الكتابة السردية كمن يكتب بحثا، حيث أنه يحتفظ بالكثير من الجذاذات والقصاصات إلى جواره ثم يحولها إلى لغة محكية. تحمل أفكار وتاريخا.
*بناء القارئ:ويرى إيكو أنه يكتب بهذه الطريقة من أجل القارئ،لأننا نفكر في قارئ ما أثناء الكتابة يقول: "فماذا يعني التفكير في قارئ نموذجي قادر على تجاوز العوائق التي تخلقها المائة صفحة الأولى؟ إنه يعني كتابة مائة صفحة بهدف بناء قارئ مناسب للصفحات الي ستأتي بعد ذلك." ويقرر أن الكاتب يكتب من أجل قارئ ما بالضرورة، "هل هناك كاتب يكتب فقط من أجل المستقبل؟ لاوجود لكاتب من هذا النوع حتى وإن أكد هو ذلك" ص51، ويقرر أن مهمة الكاتب الحقيقي "أن يكشف لجمهوره ما يرغب فيه، حتى وإن كان هذا الجمهور لا يعرف ذلك، إنه يريد أن يعرّف القارئ بنفسه"
*الميتافيزيقا البوليسية:لا يمكن أن نطلق بصورة مباشرة وفجة على اسم الوردة نعت الرواية البوليسية، ولكن في المقابل لا يمكننا أن ننسى ذلك أيضا، هذا بالطبع ما يريد أن يقوله لنا إيكو، ولكنها رواية بعيدة عن الفكرة المباشرة في الطرح والتماثل مع الروايات البوليسية يقول "وليس صدفة أن يبدأ الكتاب كما تبدأ الروايات البوليسية، وليس صدفة أيضا أن تخدع الرواية القارئ الساذج حتى النهاية لدرجة أنه لا يدرك بأن الأمر يتعلق برواية بوليسية حيث لا يكتشف أي شيء ولا يصل المحقق إلى أي شيء" ص55، إنها رواية بوليسية ولكنها من طراز مختلف، ضمن حبكة وشخوص وفكر أكثر استغلاقا مما يبحث عنه عشاق الروايات البوليسية.
* مابعد الحداثة، السخرية والمحبب:يناقش إيكو في هذا الفصل المقولة الشائعة "مابعد الحداثة" ويرفض الحالة الشائعة لها والتي أصبحت تشمل كل شيء، يقول: "ولكن للأسف فإن كلمة مابعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية تصدق على كل شيء (وانظر إلى ما بعد الحداثة كما اقترحها الأمريكيون أي باعتبارها مقولة أدبية وليس المقولة التي جاء بها ليوطار. أعتقد أن هذه المقولة يستعملها كل حسب هواه." ص63ولكنه يستنتج رأيا مستخلصا من الكتابات السابقة يقول" إن ما يهمني في الأمر هو الخلاصات التي خرج بها منظرو هذا الاتجاه من مقدماتهم :(في تصوري لا يقلد الكاتب مابعد الحداثي أحدا، ولا يتنكر لا لآبائه في القرن العشرين، ولا لأجداده من القرن التاسع عشر...)" ص67* الرواية التاريخية:يقرر إيكو في هذا الجزء أن هناك عدة أنواع للرواية التاريخية، الرواية الرومانسية، ورواية الفروسية، أو تلك الروايات المصنوعة من أجل فهم أفضل للتاريخ، وضمن هذا النوع يدرج روايته يقول " إن كل مشاكل أوروبا تشكلت كما نحياها الآن في القرون الوسطى.......إنالقرون الوسطى هي طفولتنا التي يجب العودة إليها باستمرار لكي نحتفظ بذاكرتنا" ص70
المبحث الثاني: كيف أكتب ؟


ويقسم إيكو هذا المبحث إلى عدة أجزاء وهي :


*البدايات البعيدة: يسرد أيكو في هذا الفصل بداياته السردية حيث يورد أنه كان صاحب بدايات في السرد والمحكيات والروايات في سن مبكرة مابين الثامنة والخامسة عشر، وتوقف ليعاود الكتابة في الخمسين "وقبل هذا الانفجار الوقح كنت أعيش لما يقارب الثلاثين سنة حالة من الخجل المفترض" ص79ثم يتحدث في هذا الفصل عن كيفية تخطيط وهندسة النص قبل كتابته، حيث يأخذ الورقة ويكتب العنوان، ويضع اسم الناشر أسفل الورقة، ويبدأ بعد ذلك بتعبئة الأحداث لأنه يعتقد أن الكلام سيأتي بنفسه إذا تم كل شيء على مايرام .
*الناقد والسارد:لقد انتصر الناقد على السارد في إيكو لثلاثين عاما، وأقنعه بعمله الجيد والعلمي، بل كان يستخف بالشعراء "بل أعتبر باستخفاف أفلاطوني أن الشعراء أسرى أكاذيبهم، محاكين للمحاكاة وعاجزين عن الوصول إلى تلك الرؤية البالغة السمو التي كنت وفقها أنا – الفيلسوف- أمارس تجارة يومية طاهرة وهادئة" ص85ولكنه مع ذلك كان يمارس رياضات سردية من خلال رواية الحكايات لأطفاله، وكتابة اليوميات، ومن خلال التعامل مع كل محاولة نقدية تعاملا سرديا. ثم يقرر أن يعود خطوة إلى الوراء ويبدأ في الكتابة لأن الكتابة السردية لديه "أن نعود خطوة إلى الوراء"، بل شعر أن " كل بحث يجب أن يحكى" هكذا بعمق فلسفي يبرر مشروعه السردي الخاص والعميق.
* من أين ننطلق:كتب إيكو في بين السادسة والأربعين والثامنة والأربعين أولى رواياته اسم الوردة، لأنه كان لديه رغبة أن يكتب رواية، وهو يعتبر ذلك سببا كافيا كمبرر لهذا الفعل، ولكن ما يحدث بعد ذلك من فعل الكتابة هو المهم، حيث يؤكد على أهمية بناء عالم روائي أولا قبل الشروع في الكتابة، ثم الانتقال من العالم إلى الأسلوب والكتابة بالكلمات.
*الإكراهات والزمن :وهي فكرة يركز عليها إيكو في كتابه هذا فهي أساسية ومهمة مثل الوصف الدقيق للشخصيات، والحوارات المحكمة، والحبكة والإحالات، وهذه الإكراهات الخاضعة للمنطق والزمن قد تغير فكرة أو زمن الرواية، أو حركة الشخصيات أو أدوراها، وبالتالي هي التي تتحكم في الكاتب لاحقا، ولكنها ينبغي أن تأتي وأن تكون منطقية ودقيقة حتى تشبع القارئ ويتحصل الكاتب على المصداقية.ويواصل إيكو وصفه للكتابة ضمن عنوان رئيس كيف أكتب؟ حيث يركز على جمع أدواته فقط أما ما يخص الوقت والطريقة فيقول: "لا أمتلك طريقة ولا يوما ولا ساعة ولا فصلا " متحدثا عن أهمية الحاسوب الذي يقضي معه أوقات الإجازات في البيت الريفي حيث يستغل الوقت لكتابة فصول ومن ثم مراجعتها، لتصل للقارئ الذي يعده ويدربه ليعرف كيف يقرأ وإلى قارئ مستقبلي، ساخرا من أولئك الذين يدشنون فكرة الكتابة للذات فقط "فالشيء الوحيد الذي نكتبه لأنفسنا هو لائحة المشتريات"
المبحث الثالث:سخرية التناص ومستويات الكتابة:


ويركز أيكو في هذا الفصل على مستويات التناص، حيث يعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك نصا جديدا كليا، فكل نص يحمل ذاكرة نصية قديمة وممتلئة، ولذا فإن عملية القراءة ينبغي أن تكون عميقة وحاذقة للحصول على أكبر قيمة من النص دلاليا وجماليا "إن السخرية التناصية وهي تؤسس لإمكانية قراءة مزدوجة لا تدعو القراء إلى الوليمة ذاتها، إنها تنتقي وتفضل القراء الحاذقين من الناحية التناصية دون أن تقصي الأقل تسلحا"، ويحدد في هذا الفصل نوعين من القراءة "الجمالية والدلالية" والتي تختلف حسب ثقافة القارئ التناصية، فهو يعلي في هذا الجزء من شأن الاستشهادات، يقول "باعتباري مؤلف روايات تلعب كثيرا على الاستشهادات النصية كنت سعيدا بقدرة القارئ على التقاط الإحالة" ص155

آليات السرد لأمبرتو إيكو، ترجمة سعيد بن كراد، دار الحوار ،2009

06 ديسمبر, 2011

فناجين قهوة .. نخب إمبرتو إيكو

الثلثاء, 06 ديسمبر 2011 شرفات - جريدة عمان
فاطمة الشيدي

1.
" الحقيقة أفضل من الخيال، فالشيء إذا كان حقيقيا فهو حقيقي ولا ذنب لك في ذلك "
إمبرتو إيكو
2.
المكان: مقهى سكند كب بالقرم
الزمان:29نوفمبر 2011
الوقت: 8-10 مساء
الشخوص : مجموعة من عشاق الكتب، ومحبي القراءة، أصدقاء للمحبة، وللجمال،وللكتب، وللبساطة، وللقهوة، وللحرية، وللنور ولكل مبهجات الحياة الحقيقية، أعداء للجهل المضمر، والضغينة المترسبة في الأعماق، والنرجسية المرضية، والرسمية المقيتة، والشكليات الجاهزة، والبروتوكولات السمجة। وكل منغصات الحياة البشرية الكثيرة والممتدة من المجتمع حتى السياسة والمؤسسات، والجماعات البشرية من الخلق حتى البعث.

३.
سماء عيسى الحميم استهل الأمسية بمقدمة حميمة عن الحميمية، حيث كنت أتلقف ما كتب بخجل وامتنان، لأن الكتابة المُحِبة هي فقط ما يشعرك بالفرح، هي من تجعلك تراوغ مطر الدموع المتكوّنة في روحك وقلبك كي لا تذهب أبعد من ذلك، وتنعكس في مرايا مقلتيك مثلا؛ فيشاهد الجميع كل ذلك الفرح، لذا عليك أن تواريه بأنانية طفلية لأنه فرح قليل وخاص، ويعنيك وحدك، وعليك الاحتفاظ به ما أمكن ومن استطعت، تحتفظ به لتدلل روحك وشجنك الخاص، أو لتهب ذاتك مبررا جديدا وصغيرا للاستمرار في حادثة الحياة الصعبة، وحادثة الكتابة الأشد وطأة، ولتشعر أنك لست وحيدا في هذه المتاهة الكونية الكائنة قبلك وبعدك، فأنت مسنود بالأصدقاء والكتب والفرح القليل، والتقدير الخاص ممن يستوعب كل هذه المحنة الوجودية الكبيرة.

4.
كان عشاق الكلمة يتداخلون بوعي ممزوج بثقافة عالية، ووعي جارح، يدركون (وهم يتلمظون طعم القهوة) جماليات التحليق في زمن خارج الزمن، وفي مكان خارج المكان، مع كتاب وكتّاب، ومهتمين بالفعل الثقافي على حقيقته لا كما يبدو، لذا فهم يشابكون أفكارهم وأحلامهم، يتقاطعون، ويختلفون، يحلّقون، ويهيمون، وبين الحالة والحالة صمت دفين، وتأملات تذهب أبعد من القراءة والمعنى لتحدث ذلك الشرخ الحميم في ذاكرة تؤثثها الحياة على مهل حتى الغياب.
الحادثة: صالون القراءة في دورة جديدة من دورات القراءة، "آليات السرد لأمبرتو إيكو" ، حاشية على اسم الوردة، كتاب جديد، وأرواح مرهفة السمع والبصر، ومتحفزة العقل للنقاش والجدل والمشاكسة أحيانا.

05 ديسمبر, 2011

في مجلة تايكي


تايكي): محور الشعر النسوي الأردني
05/12/2011
عمان - شروق العصفور
صدر حديثا عن امانة عمان الكبرى العدد 44 من مجلة تايكي وهي مجلة ثقافية تصدر كل شهرين وتعنى بالابداع النسوي.
يحتوي العدد الذي يقع في 144 صفحة من القطع الكبير على كلمة الافتتاح لرئيسة التحرير بسمة نسور، محور الشعر النسوي الاردني في الالفية الثالثة ويحتوي المحور على دراسات كل من راشد عيسى حول الشاعرات الشابات في الاردن، هيا صالح حول شعر مريم شريف، رفقة دودين قراءة في نصوص امينة العدوان وحسين الهاشمي حول امال رضوان رحلة الى عنوان مفقود.
وملف خاص بمها العتوم هوية الشعر ودراسات حول الملف لكل من حكمت النوايسة، عماد الضمور، نضال قاسم، اسراء صافي وشهادة مها العتوم ونبيلة الخطيب.
ويشمل العدد ايضا حوارات شعرية لكل من الزميل رسمي الجراح حوار مع الشاعرة والقاصة السورية سوزان ابراهيم، محمد المومني مع الشاعرة نوال الملاعبة، احمد الدمناتي مع الشاعرة بهيجة ادلبي، ومحمد البشتاوي مع الشاعرة فاطمة الشيدي.
وبيليوغرافيا الشعر النسوي في الاردن من اعداد نزيه ابو نضال، محور شعر ونصوص لكل من رانة نزال بعنوان معراج الريش، نبيلة الخطيب... ياشوق صبرا، مريم شريف.... الاشياء التي تلمسها فتحيا، وشعر روز مصلح بعنوان ذاكرة الرماد، «نشتهي نسيانه» لدلال مقاري، «نمنمات» لاسمهان سلحب ونص «نهاية» لنتالي حمارنه.
ويتطرق العدد لملف التشكيليات في الاردن اعداد نور الرشدان حول رجوة علي، منى السعودي، فخر النساء زيد ووجدان علي، والانوثة قيمة جمالية لراتب غوثاني.
وفي زاوية المكان «قصة بديع يعيش في اللويبدة» اعداد ايمان مرزوق، و»ملتقى عمان الثالث للقصة: تكريم رواد واستذكار راحلين» من اعداد الزميل جعفر العقيلي.
يحتوي ملف المسرح الاردني على:»ملتقى المسرح العربي في الاردن» اعداد هيئة التحرير، «الفنانة سميرة خوري» اعداد فراس الريموني و»راشيل كوري من المقاومة السلمية الى المسرح» لعواد علي.
وفي حقل السينما «البجعة السوداء» فيلم سيكولوجي حول عالم رقص باليه لمحمود زواوي.
وتحتوي مكتبة تايكي على مجموعة من اصدارات الكتب من اعداد هيئة التحرير وتحتوي ايضا على حفل توقيع قصص جعفر العقيلي من تقديم سامية العطعوط ومجموعة من المتابعات الثقافية بالاضافه الى «الرواية العربية المعاصرة» لاياد نصار.
والكلمة الاخيرة للباحث في التاريخ الاجتماعي جهاد المحيسن بعنوان:»ميثيولوجيا الخصب»।




04 ديسمبر, 2011

فاطمة الشيدي في حوار خاص بمجلة "تايكي" – فصلية ثقافية – الأردن

فاطمة الشيدي في حوار خاص بمجلة "تايكي" – فصلية ثقافية – الأردن
حاورها الصحفي .. محمد البشتاوي

1. عناوين الشيدي الأدبية مسكونةٌ بالموت، والفقد، والألم، في "هذا الموت أكثر اخضراراً - شعر" و"دمدمات- نص مفتوح"، و"حفلة الموت – رواية"، فما السبب؟، وهل ثمةَ جمالية لـ "الموت" لكي يحظى بكل هذا الاحتفاء؟.

الموت هو حالة فقد حتمية، سواء كانت نهائية أو مستمرة أو مؤقتة، والشاعر يعيش المجاز حتى في الواقع والحقيقة، المجاز والبلاغة والمبالغة هي لسان حال الشاعر وودمه ولغته، إنها صنوان وجوده المادي والنفسي على هذه الأرض، إذن فكرة الموت هي معادل نفسي لفكرة الفقد، وهي فكرة فلسفية ووجودية ميتافيزيقية بقدر ما هي فيزيقية وطبيعية وواقعية، فكل غياب موت، وكل موت هو فقد، وكل فقد ألم ترقى به روح الشاعر وترتبك وتذهب من خلاله في النص المعين الوجودي الوحيد والحميم لذا وكما يقول نيتشه "الموت قريب بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة" .

2. مفردة اللون تكرر أحياناً في قصائدك، وكتاباتك، علاوةً على ارتباط مجموعتين لك باللون، وهما "هذا الموت أكثرُ اخضراراً"، ومجموعة "خلاخيل الزرقة"، فما علاقة اللون بالشعر، والشاعرة؟، وهل من دلالات ترتبط بطبيعة عُمان؟

روح الشاعر مرآة تتمرئى فيها كل الصور والأحداث والأمكنة والأزمنة والأشخاص، وتترك بصماتها في الذاكرة النصية التي تتخطى فكرة القصدية في الفعل اللغوي، إلى حالة من الكتابة المتسربة كالماء من بين شقوق الروح، بلا محاولات جادة وصارمة للفعل ذاته، إنها الكتابة التي تنبثق كالدم من الوريد، في انفجار يظهر كل مكونات الذات ومكنونات الذاكرة، إن كل ما هو ثابت وراسخ هناك سيظهر؛ مكان المولد والمكان البعيد الذي ذهبت إليه، كمزرعة ترعرعت فيها، أو بحر نبتت أهدابك على شواطئه، أو جرح تدفق منه الدم حتى قبل أن تعرف التسميات.

3. هل يمكن القول إن كتابك "دمدمات: قبور الوحشة وذاكرة الفراغ"؛ هو نتاج مزاوجَتَكِ لكتابة الشعر، والسرد؟، أم هي تجربة مختلفة تندرج في إطار من التجريب لإنتاج نص مفتوح عابر للأجناس؟
أدرك بالوعي المثقف أن الإجابة الأولى هي صحيحة، ولكنني أميل بالوعي الكتابي للإجابة الثانية، إنه نص آخر، نص جديد يجرّب حضوره بدم جديد وقامة مختلفة، وأقدام تنغمس في تربة الكتابة لتتشكل من صلصالها لاحقا بما يشكل نصا خاصا وقويا ومتينا، كل شيء كان في البدء لاشيء، كل النصوص وكل الأسئلة وكل الإجابات، لم يخلق الله الشعر إذ كسا العظام لحما، لكنه كان محاولة وتجريب من أحدهم أو بعضهم، كذا النص المفتوح حالة كتابية تزرع أظافرها في لحمة الكتابة مستقيمة على عظمها لتمضي في الحلم بالتكوّن والاستدارة والاستقامة على سوقها بشكل يعجب الزراع والكتاب والنقاد.

4. التكرار عنصر قائم في قصيدتكِ، كأنما هي محاولة لتعويض الإيقاع الذي تفتقدهُ قصيدة النثر، بيدَ أن كثرة التكرار قد تقتل سلاسة النص، فكيف تتعاملين مع هذا الأسلوب؟.
ربما ! كل نص بالنسبة لي حالة تجريب قائمة بذاتها، لدي بعض النصوص التي تعتمد مشروعية فعل التكرار في النص لغاية في نفس الناص، لا أعمد من خلالها للتعويض عن فقد أفترضه مسبقا، وقد يكون التكرار هو ذاته سببا رئيسا للسلاسة والانثيال اللغوي، أيضا النص الشعري لدي صارم ومتزن، ولكن لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء والتكرار والعبث الجسيم أحيانا، إنها نصوص أريد أن تقول ما تريد بلا تدخل من الشاعر المتعالي الذي يفترض شكلا للنص، هذه هي النصوص المفتوحة والمنفتحة على الروح والفكرة والقارئ.

5. الانزياح في اللغة نحو الشعر، يغلب على روايتكِ "حفلة الموت"، وفي النص المفتوح "دمدمات" أيضاً؛ فهل هو استلاب في اللا – وعي للأصل – باعتبار أن الشعر جاءَ أولاً –، أم أن الشيدي تفضل سَبْكَ سردها بلغة شاعرية؟.
لكل صانع في هذا العالم الكبير أدواته، وكذلك الكاتب والشاعر واللغوي، وأنا أدواتي خرجت من رحم الشعر، ومع كل احتفائي بالفكرة والمعنى، إلا إنني أميل للعمق في شكل فلسفي موغل وجارح عميق، أميل للغة المشتغل عليها بحفر ونبش وتجريح واشتعال، ليأتي النص متصفا باللغة الحية والصورة الحيوية والضاجة والناضجة، والثرة والثرية بالشعر والجمال والفلسفة، وفي كل ما أكتب وبلا قصدية أحيانا، وأظن أنني لست بدعا في ذلك فهناك الكثير من الكتاب والفلاسفة الكبار ضمن هذا الإطار.

6. هل كانت قصيدة النثر بمثابة بطاقة عبور لكتابة الرواية؛ بعبارةٍ أخرى.. كانت مرحلة تمرين كتابي؟.
لا إطلاقا، منذ البدء وحتى النهاية أترك النص أن يولد يأتي، أو كما يشتهي، وأعرف أنني أريد أن أكتب في أجناس متعددة، أنا أكره الأطر، والجمود والشكلانية والثبات العقيم، وأحب التجريب والتجديد وهذا ما أنتج أشكالا مختلفة من الكتابة أحب أن أقترفها بقوة وبفعل.

7. ألا توافقيني الرأي، أن تخصصك في مجال اللغة، وتوجُّهك نحوَ الدراسة النقدية، وكتابة الرواية، قلَّص لديك مساحة الشعر؟.
من جهة ما نعم وجدا، وأنا حزينة لذلك، ومن جهة أخرى لا فالشعر هو لغتي التي أنثرها في أشكال أخرى، ولا زلت أكتب الشعر، ولكن يبدو أن المرء كلما تقدم في التجربة والعمر قل إنتاجه وخاصة من الشعر، وبدا أكثر هدوءا وصمتا وتريثا في الكتابة.

8. في كل قراءة جديدة اكتشاف لوجه آخر للمعنى، وكما قال ابن رشيق القيرواني "لكلِّ كلامٍ وجهٌ وتأويل"، وسمة النص الحديث تتكئ على هذه الثيمة، وفي هذا الصدد؛ فإن نصَّ الشيدي جمعَ البساطة إلى جوار المعنى المركب، الغامض بشكلٍ شفاف، وليسَ المُنغلق في معناه، والسؤال هنا؛ كناقدةٍ وكاتبةٍ للنص، كيفَ تنظرين إلى ثنائية المعنى (المضمون) والمبنى (الشكل)؟.
عني أميل للموازنة الحقيقية بين الشكل والمعنى، المعنى مهم جدا في النص شعرا كان أو نثرا، لأن الكاتب والشاعر يكتب ليُقرأ، لا يوجد شاعر يكتب لنفسه وإلا فعليه أن لا ينشر، ولكن بالطبع هناك قارئ أو قراء لكل شاعر وكاتب، إذن المعنى مهم وفكرة الطلاسم والحجب التي بدأت تظهر في القصيدة الجديدة هي حالة تجريب لم تثبت جدارتها، ولكن في المقابل علينا أيضا أن نهتم بالشكل بقوة السبك، واللغة التي ترقى بالقارئ، إن العلاقة بين الشكل والمضمون هي العلاقة بين الروح والجسد، بين الخارج والداخل، ولا ينبغي الإخلال بأي منهما.

9. الشيدي موزَّعة بين حقول مختلفة من الإبداع؛ الشعر، السرد، المسرح، النقد، والكتابة الصحفية؛ فهل هي محاولة لتطبيق مقولة "المبدع الموسوعي"، أم أن العملية هي فتح لآفاق متعددة من التعبير بشكل أوسع؟.
لا أبدا ، إنما هي محاولة طويلة ومضنية وعميقة للإجابة عن أسئلة تكبر مع كل عام يخطو فيه هذا الجسد نحو الهاوية، وهذا الروح نحو الصمت، وهذا الوعي نحو الفهم، إنها محاولة جادة وموجعة ودامية أحيانا كثيرة لردم هوة القلق الإنساني والوجودي العميق في هذه الذات، بأشكال ومضامين متعددة.

10. أخيراً، يقال "الشعر منبر ذكوري"، و"الرواية فعل غير جنسوي"؛ الشيدي كيف تنظر إلى التصنيفات الجنسوية للأدب؟.
الشعر والرواية والنص وكل كلمة وكل حرف هي هبة إلهية كما الكون والطبيعية بكل ما فيها من مخلوقات من طيور وزهور وبحر وسماء وكل الأشياء المحيطة بنا، وكل الأشياء التي تسكننا، وكالمحبة والأخلاق الرفيعة والإنسانية النبيلة، التي هي موجودة في الذكر والأنثى وللرجل والمرأة، فالكون واللغة والإنسانية لا تقبل القسمة والتوزيع لصالح التقسيمات السياسة المكانية أو الذكورية الاجتماعية، أو الأعراف البالية، أو التحزبات اللونية والعرقية والشكلية وغيرها من التقسيمات المشوهة والمغلوطة، إنها وسيلة للإنسان (رجلا كان أو امرأة) للتعبير عن ذاته ووعيه حسب همومه ونضاله الشخصي لصالح فكرة أو حلم أو ألم ما بحرية وهو يرتعش كما قال سيوران" لا يمكن لأحد التمتع بالحرية دون أن يرتعش" .






30 نوفمبر, 2011

إلى ماجدة الرومي:

أنا أحبك! أحب صوتك السامق كنخل بلادي، وكأرز لبنان، أحب شموخك الرفيع، هل ثمة صوت شامخ؟ نعم صوتك شامخ وناهض وباعث ورفيع كسماء ثامنة يأخذني إليه بكلي كلما استمعت إليه، لقد أحببتك منذ زمن الطفولة الغضة حين كنا نتهادى صوتك في سفطات سمعية لندلل طفولتنا ومراهقتنا، ونشبع تكويننا بك لنكتمل خارج الأطر السائدة، والبراقع الجاهزة، يومها كنت أشبهك، كانت ملامح وجهك ترتسم في وجهي، من حبي لك، حتى يشبّهني كل من يعرفني عليك، وكانت أغنية "كن صديقي" هي نبراس يضيء أحلامنا الآخذة في التكور والتكوين، تعلمنا على يديك معنى الرفض والنسوية المبكرة، نريد حبيبا يفهم أرواحنا، ويهتم بتفاصيلنا، لا نريد سجانا يلبسنا البراقع والخرق، ويعد خطواتنا ويرسم أحلامنا نيابة عنا، وكنا نتكوّن أكثر حين عانقناك حتى الصبح على مسرح الجامعة والخوف يكبّل أرواحنا من ذوي الأقفال والعقول المغلقة، يومها شعرت أنني أحتضنك وأحتضن الموسيقى معا، كنا نشهق مع امتدادات صوتك، ونرفع أصواتنا بالغناء والحرية والفرح، كنا نتعلم فلسفة التحرر والانعتاق على يديك والموسيقى كما على يد الشعر والفلسفة والتاريخ والحياة।
هل تعرفين؟ أنني كلما سمعت أغنية (ابحث عني) أشعر أن ثمة امرأة تنسلخ من حدود الصوت، امرأة من نور الحكمة، ومن نار الأجساد، من ذاكرة العطر، ومن حنين الرؤى الغامضة والغاصة بالفقد، امرأة خاصة مقدودة من منطقة الحلم في مخيلة شاعر، تسكن بؤرة ضوئية في زاوية ما من هذا العالم الرمادي، لها أجنحة شفافة تكاد لا ترى، وكأنها مستعدة أبدا للغياب، أو للغرق في بحيرة زرقاء، لها هالة خرافية من نور ممزوج بالحلكة تجعلها متألّهة بالحزن، وكأنها نورسة مجنونة استشرفت خذلانات العالم، وابتهجت برنين العزلة في منطقة خارج البحر واليابسة معا، أو بجعة بريش باهت بين الأزرق والأخضر والرمادي، لها لون خارج اللونية السائدة أو المتعارف عليها.
امرأة تجمع كل الضديات في نظرتها الشاردة، وفي ضحكتها الغامضة التي تخرج من بوتقة الروح التي صهرت في بؤرتها كل الانفعالات حزنا وفرحا وغيابا وكرها وعشقا، لتخرج ممتزجة بالسمو والعبث الحنون والوجع الرؤوم.
امرأة بشعرها الداكن وعينيها الغائرتين تجلس في بهو بيت متواضع، وبأصابعها الطويلة والناحلة كشموع في نسغ الليل، أو كمراود من فتنة تغزل الكروشيه بإبرة فضية براقة صدارا لعاشق لن يأتي، وتعود لتنكث غزلها كل صباح لتلتذ بفتنة الانتظار، في النهارات تستحم بالضوء، وتختبئ في عيون أطفالها العشرة، وفي الليالي تحضّر العشاء لحبيب لا يأتي، ثم تعانق المرايا، وتذرو قصاصات من الورق الملّون على دروب الحلم، وتمد يديها نحو رغبة التحليق، وتغني(ابحث عني)!
عزيزتي: لقد سمعتك في أكثر من مقابلة تقولين أنا لا أفهم في السياسة، أنا أيضا لا أفهم شيئا فيها! ومن يمكنه أن يفهم أن يقتل الإنسان أخاه من أجل فكرة ما، أو من أجل منصب ما، أو من أجل أي شيء، من يمكنه أن يستوعب كل هذه الوحشية في الصراع الدائر في كل مكان، من يمكنه أن يشرب من السلام الذي في عينيك ولا يجاهر بالرفض لكل هذا الدم المسال في كل بقعة من هذا الجسد العربي المثخن بالجراح.
وكأننا قررنا منذ زمن أن نعمي أعيننا عن الحقيقة، ونصم آذننا عن نداءات المظلومين، عن الوجع العربي الممتد من الماء إلى الماء، عن القهر، والفقر والموت والخراب؛ لنحتمي بويلات الحروب ونتسابق على أمجاد زائفة وكراس مشلولة.
سيدتي: أوحد بينك الآن وبين لبنان، وأردد لك منك لـ "نعترف أمام الله الواحد، أنا كنا منك نغار، وكان جمالك يؤذينا"، ومن لا يغار من الفرح والحياة، من البهجة والجمال، من الثقافة والنور، من لا يحلم أن تصبح الأوطان كلها لبنان، والأرواح كلها لبنان، من لا يحلم أن يتحد الأخضر والأزرق ليعيدا تشكيل الكون بينهما، من لا يحلم أن يتصدر الوعي كينونة الكائن في عبوره اليومي الهش والبسيط والمباشر، من لا يحلم أن تصبح الذاكرة بكل خصوبة النور، ووعي الأسئلة.
سيدتي: المجد لك، لصوتك المبجّل، لإحساسك العظيم، المجد للبنان السلام والمحبة والخضرة والجمال، لفيروز أسطورة الأرز، حارسة الهيكل، المجد للإنسانية الذابلة على مد التوحش التاريخي، المستأنفة حضورها الحقيقي على يد رسل السلام والمحبة كأنت، المجد لكائن خلقه الله ليعمّر الأرض، ليزرعها بالجمال، والخير والسلام، المجد لدموع الأطفال على أرصفة التاريخ يرصفون الشاشات بوجوههم الملوّنة بالحزن الباهت والموت المجاني، للأمهات الثكّل يغسلن الكون بدموعهن ليطهر من أدران الحقد، المجد لأوجاع الفقراء في أحلامهم البسيطة بالرغيف والدواء والغطاء، المجد للعشاق وللشعراء، المجد للنور والثقافة والعلم، للجمال المتأله بقيمه القصوى وأخلاقه الرفيعة، المجد للحرية والنور، المجد للشعر، وللموسيقى، للفنون التي تصنع الحضارات والثقافات، المجد للفكرة تتأجج في مدارات جديدة كل إشراقة، للروح تسمو نحو بياض حقيقي ونور سرمدي يحقق إنسانية الإنسان، ورفعته وضرورة خلقه واستمراريته ككائن مختلف। المجد لـ "بيروت ياصديقتي حيث المطر".









29 نوفمبر, 2011

هكذا .. أو بشكل آخر

الثلثاء, 29 نوفمبر 2011
شرفات - جريدة عمان

فاطمة الشيدي

1.
"ما في العالم إلا صور"
محيي الدين ابن عربي
2.
الانتظار هو حالة ترقب طبيعية لهذا الكائن المقدود من رحم المجهول والآيل إليه لا محالة، ولكأن حياة الإنسان فراغ هائل بين انتظارين، حالة لهاث حادة مشفوعة بحالات فقد أو خيبات متراكمة في انتظار انفراجها الذي قد لا يأتي، ويمتد الانتظار منذ لحظة الصفر، حتى لحظة الصفر!
وهو أيضا بهجة المجهول القادم من مساحات قصيّة، والتي تمنح الوقت تميمتها للاستمرار، وتمنح الكائن رقية الصبر حتى تحين ساعات الانفراج أو الحضور للمرتقب.
الانتظار تلك الحالة المطاطية المدى، المتوحشة الفرح، الغائية الأفق، المستشرية ببهجتها البعيدة في الحيوات الحاضرة والغائبة، الماثلة والسرية. وهو كائن متعدد المسميات، فهو الأمل أيضا! أكذوبة السادر في الغي، الصورة الأخرى الأكثر حدة وتلميعا واخضرارا للرغبة في انفراج عتمة الانتظار، وهو الأمنيات ببهجتها البيضاء لغد مسيّج بلهيب الشوق، "الشوق" المسمى الأكثر حرقة لمشقة الانتظار، وهو الحلم غابة السلام الذي يقيم الانتظار بين حدقاتها المستشرفة للآتي مشبعا بألوان مشعة، وحرقة أقل.
الانتظار ببساطة هو ظل الكائن الذي يتقدمه ويركض خلفه/يهرب منه ويهرب إليه، في ذات الآن، هو اليد التي تمنحنا ظلال الغد وإشراقاته بكلمة "تقدم/ تعال" هو التعويذة التي نحيا بها، وربما لها فقط، وقد نهرب منها إلى سواها فور ما تتحقق، وقد نعيد صوغها أو صياغتها بأشكال وأحجام وألوان مختلفة، وبمسميات أخرى أكثر استدارة أو استطالة.
إذن: وربما! حقيقة أو وهما نحن نشكّل بالانتظار أرواحنا، ونصوغ به أعمارنا، ونلوّن به أحلامنا، ونغير من خلاله براويز أيامنا لنستمر، لأن كل ما يمكن أن نفعله خارج الانتظار هو أن نسير للعدم أو النهاية والفناء.
إننا ننتظر كل شيء، ننتظر ما ينقصنا لنكتمل، وما يجرحنا لننزف، وما يؤلمنا لنكتب، ننتظر ما عشناه لنحياه مرة أخرى بصورة أخرى، وما لم نعشه لنتذوقه ونخبر طعمه ولونه، ننتظر ما نعرفه لأننا نحبه، وما لا نعرفه لنعرفه، ما لدينا لنستزيد منه، وما ليس معنا ليكون لنا..إذن كأننا ننتظرنا في أشكال أخرى، أكثر عتمة تارة، وأكثر ضوئية وبهجة تارة أخرى.
ويكون الانتظار بأن ننتظر ونحن نعيش الحياة تارة، وفي تلك الحالة تكون حلاوة الانتظار ليست قصوى لأنها هامشية أو ناقصة، فنحن ننتظر ما يكملنا فقط ولكننا ماضون في الاستمرار، ولكأن فكرة الانتظار هنا عاجزة ودون فكرة الخلاص، فأن ننتظر أو لا نتتظر سواء، وقد ننتظر ونحن نضع على حيواتنا كلها علامة (قف) لأن المنتظَر هو كل شيء، هو نحن تماما، حيواتنا الجامدة التي تنتظر الوقود لتتحرك، الفرح العاجز الذي ينتظر ما يشعله، الحزن الممطر الذي ينتظر ما يستبيحه، وهنا يصبح المنتظِر ما سوى ظل يعيش خارج الحالة/ خارج الحياة، يعيش على رحابة الأمل وفوضى الانتظار، يكون ما سوى حالة انتظار فقط، لذا يكون الانتظار كاملا، وحالته قصوى وكليّة، فالانتظار هو المتن، والمنتظَر هو النجاة والخلاص، وهذه الحالة للانتظار هي الحالة الوجودية والفلسفية للكائنات التي تتلاشى في متاهات الغياب وتعيش فسح الوقت في هوامش الحلم، هي ثقافة الوعي الجارح المدجج بفكرة الخلاص الأجمل. أو بفكرة الانتظار الأعمق ، كحلم هو أقصى ما يمكن أن يعاش في حد ذاته، حالة وجودية متحققة في ذاتها، ولذاتها، يصبح الانتظار تلذذا بفكرة الانتظار ذاتها كمعادل للاستمرار والحياة، معادل للآتي الذي قد لا يأتي، وقد يكون الموت هو ذلك الآتي الأجمل المنتظر، وقد يكون اللاشيء هو المنتظر الذي قد يأتي.
إنه فقط الانتظار/الأمل/ الحلم/ وفق مساحة الوعي المتحركة خارج دوائر الثبات، وحول محاور الارتكاز النفسي الكارثي والجنائزي، لكائنات لا تملك خياراتها خارج فكرة المطلق للأشياء، وخارج اجتراحاتها العبثية لفلسفة الوعي الموغل.

3.
"كن كشجرة العود تعطر فأس قاطعها" كم أحببت هذا المعنى حين أرسل لي في "رسالة نصيّة قصيرة "ما أصعب هذه الترجمة العربية لـ"مسج" إنها تماما مثل شاطر ومشطور، لا علينا -كنت أريد أن أقول- لقد سكرت بهذا المعنى النبيل في التسامح، ولم استيقظ من سكرتي إلا على الصدمة الإيجابية لصوت صديقتي الحانقة والغضبى وهي ترد علي، حين أرسلتها لها: "لا ، لا أستطيع أن أكون إيجابية مع من يجرحني، أنا آسفة" شعرت أن لديها كل الحق، وأن كلتا الفكرتين متساويتين تماما في الفعل والإنسانية والنبل واحترام الذات ولكن لمن استطاع للأولى سبيلا، لذا قررت أن أقلب قول غاندي "أغفر॥ ولا أنسى"، لــ "أنسى.. ولا أغفر"।



27 نوفمبر, 2011

غازي القصيبي : ذو الثلاث وزارات

يحيلك اسم غازي القصيبي على الشعر كما يحيلك على السياسة، السياسة التي هي ضد الشعر تقريبا، بل وضد الكتابة بكل أشكالها وطقوسها وطبيعتها المتمردة والثورية، وربما ليس سهلا أن نتخيل الشاعر "الصعلوك المفترض" يجلس على كرسي وثير، كما يصعب أن نتخيله حسن الهندام، غالي الثياب، معطّر، كما يصعب بشكل أكثر أن نتخيله هادئ الروح متزن العقل، بعيدا عن القلق والتشتت والتذمر، بل ومنسجم مع السياسة والسلطة فهو ابنها وعليه واجبات كثيرة تجاهها؛ أهمها الطاعة والالتزام بنواميسها ومحدداتها الوظيفية والحرص على تطبيقها.
ولكن غازي القصيبي فعلها، بل وجمع إلى السياسة والكتابة بشقيها الشعري والسردي، العلم الأكاديمي المتخصص، فهو الأستاذ الأكاديمي قبل أن يكون السفير والوزير، فإذا كان ابن زيدون ذي الوزارتين، فيمكننا أن نقول أن غازي القصيبي ذو الثلاث وزارات: الأدب (الشعر والسرد)، والعلم، والسياسة. بل واستطاع أن يقدم في كل منها الكثير والكثي خين ذهب عن عمر يناهز السبعين عامًا في يوم الأحد 5 رمضان ،1431 الموافق 15 أغسطس 2010 تاركا لنا حياة حافلة بالعشق والأدب والشعر والسياسة والكثير من الكتب، وقد وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ستين مؤلفاً، منها: في الرواية والقصة: "شقة الحرية"، و"دنسكو"، و"أبو شلاخ البرمائي"، و"العصفورية"، و"سبعة"، و"سعادة السفير"، و"الجنيّة"، و"سلمى"، و في الشعر دواوين: "معركة بلا راية" و"أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"للشهداء" و"حديقة الغروب". وله إسهامات صحافية متنوعة أشهرها سلسلة مقالات في عين العاصفة، كما له مؤلفات أخرى في التنمية والسياسة: منها: "التنمية"، "الأسئلة الكبرى"، و"عن هذا وذاك"، و"باي باي لندن" ، و"الأسطورة ديانا"، و "100 من أقوالي غير المأثورة" و"ثورة في السنة النبوية" ،و"حتى لا تكون فتنة" ومقالات أخرى. ويعد كتاب حياة في الإدارة أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية، كما ترجم كتاب للمؤلف ايريك هوفر باسم المؤمن الصادق.
ذكره معلمه الأديب العماني الراحل عبد الله بن محمد الطائي ضمن الشعراء المجددين في كتابة (دراسات عن الخليج العربي) قائلا:"أخط اسم غازي القصيبي، وأشعر أن قلبي يقول ها أنت أمام مدخل مدينة المجددين، وأطلقت عليه عندما أصدر ديوانه أشعار من جزائر الؤلؤ الدم الجديد، وكان فعلا دما جديدا سمعناه يهتف بالشعر في الستينيات، ولم يقف، بل سار مصعدا، يجدد في أسلوب شعره، وألفاظه ومواضيعه".
ورغم تعدد الحيوات التي عاشها القصيبي وثرائها وتنوعها إلا أن الشاعر كان هو الأكثر حضورا في تكوينه النفسي والثقافي، كان شاعرا يمارس السياسة، وكان شاعرا يكتب الرواية والإدارة، وكان شاعرا يحلم بالحرية والقومية العربية، وكان شاعرا ينتقد الأوضاع السياسية حتى فقد وظيفته، لقد شاعرا حالما ومتألما، لذا فأغلب شعره ينبع من الذات المتوهجة بالأمل والمتكتظة بالحزن والألم، والمنتقدة والرافضة، لذا فإن هموم الذات وآمالها وآلامها، وهموم الأمة وعثراتها كان أهم مايشغله، وينظمه شعرا .
يقول في القضية الفلسطينية:
سلام!
على قاتل الغيد و الأبرياء.. السلام
على بائع الأرض و الكبرياء.. السلام!
و بوركتما تصنعان السلام!
و بوركتما تنثران الحضارة في مربع الجهل
تبتسمان و تعتنقان و ترتجلان
ألذ الكلام
سلام!
*
وداعا.. وداعا
فهذا هو القدس ضعنا وضاعا
فها هي ذي ضفة النهر في يدهم
أمة اشتروها و باعا
وداعا.. وداعا
ويقول في وصف رحلته الذاتية المرهقة والتي يعيشها بقدر كائن لا يستطيع التراجع، ولا التقهقر رغم الألم والضعف والخذلان من الأصدقاء، ورغم حروب الأعداء، ورغم رعونة الزمن الذي يمرر عجلاته وسنواته على جسده وروحه :
خـمسٌ وسـتُونَ.. في أجفان إعصارِ** أمـا سـئمتَ ارتـحالاً أيّها الساري؟
أمـا مـللتَ مـن الأسفارِ.. ما هدأت** إلا وألـقـتك فـي وعـثاءِ أسـفار؟
أمـا تَـعِبتَ من الأعداءِ.. مَا برحوا** يـحـاورونكَ بـالـكبريتِ والـنارِ
والصحبُ؟ أين رفاقُ العمرِ؟ هل بقِيَتْ** ســوى ثُـمـالةِ أيـامٍ.. وتـذكارِ
بلى! اكتفيتُ.. وأضناني السرى! وشكا** قـلبي الـعناءَ!... ولكن تلك أقداري
ويصف تغير مزاج الكائن، وتبدل أحواله وقلبه وعواطفه مع الزمن، وضياع الدهشة والشغف من القلب والروح، والوصول بالشعور لمنطقة الظل الرمادية:
أوَ تدرين لماذا
كلما قربنا الشوق نما ما بيننا
ظل جدار؟
ولماذا
كلما طار بنا الحلم أعادتنا
إلى الأرض أعاصير الغبار؟
ولماذا
كلما حركنا الشعر غزانا النثر
فالألفاظ فحم دون نار؟
أوَ تدرين؟
لأن القلب ما عاد كما كان
بريئا
طيبا كالنبع.. كالفكرة.. في الليل
غازي القصيبي اسم لا يسع الذاكرة الجمعية العربية عامة والخليجية خاصة إلا أن تتلذذ بذكره لما قدم من أعمال أدبية وثقافية ولاتصال تلك الذاكرة بالروح والمكان والقضية والإنسان، ولا نستطيع نحن الذين عانقنا كلماته في مراحلنا العمرية والدراسية المبكرة إلا نجتر تلك الذاكرة، تماما كما نستعذب رجع أغنية "يارا" بصوت الفنان خالد الشيخ:
مالت على الشعرات البيض تقطفها
يارا و تضحك: لا أرضى لك الكبرا
يا دميتي! هبك طاردت المشيب هنا
فما احتيالك في الشيب الذي استترا؟
وما احتيالك في الروح التي تعبت؟
و ما احتيالك في القلب الذي انفطرا؟
و ما احتيالك في الأيام توسعني
حرباً.. وتسألني: من يا ترى انتصرا؟!
يا دميتي! حاصرتني الأربعون مدى
مجنونةً.. وحراباً أدمت العمرا!
فمن يرد لي الدنيا التي انقشعت؟
ومن يعيد لي الحلم الذي عبرا؟
وما بكيت على لهوي ولا مرحي
لكن بكيت على طهري الذي انتحرا

26 نوفمبر, 2011

يحبهم الله، ونحن ...؟؟؟

نشرت بملحق نوافذ تربوية - جريدة عمان
فاطمة الشيدي



الطفولة معنى عظيم يجسد علائقية الإنسان بالروح والجمال، وبالمحبة والطهر، فتلك البراعم التي تتفرع من أرواحنا، وتنمو بين أيدينا وترقبها عيوننا، وتفيض علينا إحساسا جميلا تحمله نفوسنا نشوة وفرحا، وحلما يكبر يوما بعد يوم، تنتظر منا الكثير من التربية والعطاء والإعداد. ولذا فعلينا أن نتساءل: ماذا ينبغي علينا كأفراد ومؤسسات أن نقدّم لهذا الطفل كي يكبر بشكل سوي ليكون دعما للمجتمع والوطن؟ وما متطلبات نموه المادية والمعنوية؟ وما الأدوات والوسائل المنظّمة والدقيقة التي يجب أن تعمل بها المؤسسات لإعداده؟
إن كل هذه الأسئلة تجعلنا نتأمل الأدوار الإنسانية الواجبة لصناعة الطفل كمشروع إنسان صالح ومفيد لمجتمعة وللبشرية جمعاء، ولذا فإن تحديد آليات سد الاحتياجات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذا للطفل هي مسؤولية الجميع أفرادا ومؤسسات، بدءاً من الأسرة كمؤسسة أولى تهتم وتسهم في بناء الروح والجسد والعقل لهذا الطفل، ووفق متطلبات معرفية وإنسانية عليا لابد أن يتمتع بها الوالدين، ولابد من تنميتها بالقراءة والاطلاع والمعرفة والحرص والمتابعة، فالمؤسسات الاجتماعية والعلمية والدينية.
إن الطفل يحتاج إلى كل ما من شأنه أن يسد احتياجاته الخاصة جدا، من الحاجات الأساسية كـ (الخبزة، والدمية، والدفء، والسقف) حتى الحاجات الأهم كالأمان والحرية والوعي والتربية والتثقيف، يحتاج الأكل والشرب والغطاء والبيت والدواء، تماما كما يحتاج الحنان والرعاية والتربية والمرح والتسلية والكثير الكثير لينموا نمواً طبيعياً. وكل هذا سينعكس على تكوينه ويصنع إنسانيته الكاملة والمتزنة والثابتة.
و لكن في غياب المنظومة الأسرية والرعاية الاجتماعية المتكاملة والناضجة تغيب هذه المتطلبات الأساسية، أو تحضر بشكل سلبي أو ناقص أو جزئي مما قد يضاعف حالات الضياع والتشرد، أو يخلق إنساناً لا سوياً نفسياً واجتماعياً، ولذا فإن الجانبين المادي والمعنوي عنصران أساسيان في التنشئة السوية للطفل، لأن غياب أو نقص أحدهما يؤثر في تنشئة الأطفال، فبغياب المادة أو المستوى الاقتصادي المناسب ينشأ الطفل لا سوياً من الناحية البنيوية الجسمية والصحية نتيجة نقص التغذية، أو الإنسانية حين يعيش في شظف فيضطر للعمل لإعالة نفسه أو أسرته، فينشأ ممتهن الكرامة، غير سوي النفس والشعور، يشعر بالعجز والإهانة وعدم مشاكلة الآخرين فيما يتمتعون به من حقوق إنسانية، وقد يداهمه المرض، فيكبر ضعيفاً هشاً وينعكس ذلك عليه من الناحية الفكرية خللا وتراجعا. أما الجانب المعنوي فهو سر التنشئة النفسية الصحيحة فالحنان والحب والرعاية والنصح والإرشاد بلا عنف ولا تقريع ولا ظلم أو ضيم حاجات أساسية لابد من سدها لينشأ الطفل سليما صحيح البنية والنفس.
إن احتياجات الطفولة الكثيرة تمثل تحديا كبيرا للمربين والمنظرين على حد سواء، وللأسرة والمجتمع والدولة معا. لذا فلابد أن تتكاتف المؤسسات الاجتماعية ( أسرة- مؤسسات ما قابل مدرسة – المسجد – المدرسة ) وفق منظومة متكاملة لتحديد احتياجات الطفل، ومن ثم تحديد آليات سد تلك الاحتياجات من مرحلة ما قبل وجوده كمشروع إنسان، فلابد من التخطيط للزواج وتكوين أسرة، ثم التخطيط للحمل والإنجاب، ثم التخطيط لكيفية تربية هذا الطفل لرفد المجتمع بفرد صالح ومنتج ومفيد، وذلك من خلال مؤسسات الإرشاد الاجتماعي التي يجب أن تعني بتقديم دورات نفسية واجتماعية وتربوية في الاستعداد للزواج والإنجاب وتربية الطفل كي لا يغدو الأمر عشوائيا، ويصبح إنجاب الطفل وتربيته عبئا على الأسرة والمجتمع لاحقا.
ولأن الأوضاع المادية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحتكم إليها بعض الأسر تمثل عائقا فولاذياً بين الطفولة والحياة السوية والقادرة على تكوين حالة إنسانية راقية، بدءا من تدني مستوى المعيشة ودخل الفرد، فالتفكك الاجتماعي نتيجة الطلاق أو كبر حجم الأسرة المتعددة الأمهات، وتخلخل الكثير من الأطر والقيم والمفاهيم الاجتماعية مثل قرب الوالدين وتفهمهما الذي ينعكس بالضرورة على بناء هذا الطفل/الإنسان المستقبل، فلابد أن تهتم جميع الدول والحكومات والمؤسسات في السياسات والخطط التنموية المتجدد بزيادة الاهتمام ببناء الطفل من خلال دعم الأسر ذات المستوى المادي المنخفض، وتوفير المؤسسات التي تعين الوالدين على التربية مثل مراكز الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية المناسبة والمتنوعة والتي تشمل جميع الأطفال، كتوفير حضانات ودور أطفال في كل بيئات العمل الخاصة بالنساء، وأماكن للعب والترفيه في كل مراكز التسوق، والنوادي الصحية والحدائق العامة والمكتبات في كل حي تقريبا لدعم نموه العقلي والروحي، كما لابد من وجود القوانين الداعمة لنمو الأطفال نموا صحيا سليما، وتجريم كل من يقوم بالاعتداء على الأطفال جسديا أو نفسيا بأشد العقوبات، أو من يحرمهم حقهم في التعليم والصحة والأمان والحياة الكريمة سواء من داخل الأسرة أو خارجها.
وإذا كانت سوء الحالات الاجتماعية والاقتصادية تشكل المشكلة الأهم في حيوات أطفالنا في العالم العربي إلا أن المشكلة الثقافية والفكرية هي المشكلة الأبلغ في خطاب الطفل العربي، فكم من سقف يحوي الأسرة ذات المستوى المادي المناسب، ولكن لا يتوفر لديها من الوعي الفكري والثقافي ما يسد حاجات هذا الطفل المادية، والمعنوية، والصحية، والتعليمية، والتربوية، والغذائية، واللعبية والتوعوية، والثقافية، وبذلك ينشأ الطفل في جوع شديد لكل هذا، فقير لكل النواحي التي تشكل إنسانيته وتدعم وجوده المستقبلي، وبذلك يذهب في الضياع ويتشكل إنسانا لا سويا في هذا المجتمع الذي هو اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى للسواء، والفكر الخلاق.
إن تربية الطفل هي مسؤولية مؤسسية كبرى لإعطاء هذا المشروع الإنساني كل الاهتمام وإيلائه كل العناية القائمة على الحب والعطف، والرعاية المستندة على معرفة حقيقية بذاته وعقله ونفسه وكيفية تنميتها وصوغها بما يتوافق وطبيعتها، والمرحلة العمرية التي يحياها، والمستجدات العلمية والتقنية والمعرفية الحديثة، بشكل يجعل منه إنساناً ناجحاً وصالحا وآخذا بيد مجتمعه نحو التقدم والازدهار .