"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الاثنين، 6 أكتوبر، 2014

«عزازيل» يوسف زيدان: شيطان الكتابة وغوايتها الجميلة!

فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
ما ان انتهيت من قراءة «عزازيل» ليوسف زيدان، هذه الرواية الرائعة والمتداخلة بين التاريخي والآني، وبين الفكرة والعاطفة حتى حدثت داخلي مقاربة موضوعية جبرية بينها وبين «اسم الوردة» لامبرتو ايكو، فكلتاهما تناولت البعد الديني الكنسي موضوعا لها، وكلتاهما تذهب بعيدا في ماضوية الزمن، وكلا الروايتين وازنت بين روح الوعي وظلامية الجهل، وبين المحبة والعنف في تقمص الأرواح للدين، وتعاطيها مع تعاليمه.
وكلتاهما ذهبت في البحث العميق والموضوعي التاريخي الجاد، فكانت كل رواية منهما بحثا علميا جادا، ولذا جاءت مليئة بالحقائق العلمية القائمة على الأرقام والأمكنة والشخوص، فهي توازن بدقة ووعي بين الفكرة المستمرة الصالحة لكل زمان ومكان، وبين ملامح الزمن القديم المتجسدة في الأسماء والأحداث والشخوص بكل تفاصيلهم وملامحهم، وهو أمر في غاية الدقة والعمق، ويتطلب جهدا واضحا للموازنة بين ظلال السرد التي يجب ان تظلل القارئ، ويذهب معها بجمال ووعي، وبين عمق الحقائق ودقتها ليحقق المصداقية التاريخية للنص، وهذا الأمر حدث بعمق وموضوعية في العملين.
يقول عزازيل «تحيا ياهيبا لتكتب، فتظل حيا حتى حين تموت في الموعد، وأظل حيا في كتاباتك، اكتب ياهيبا فمن يكتب لن يموت أبدا» ص 361
فإذن؛ إذا كان من مهام الشيطان ان يجعلنا نكتب، فهذه مهمة جليلة وجميلة وعلينا امتداحه فيها، فالشيطان في هذه الرواية هو المحرض على الشر الجميل الذي سيخرج «هيبا» من صمته ليحكي لنا حكاياته الكثيرة عن الدين، والظلم، والإنسان، والحب، والقهر، والفلسفة والموسيقى، عن العدالة الناقصة، والجشع الآدمي الذي لا يحده إطار، والعنف الذي لن تمنعه حظيرة الرب من التطاول والرسوخ.
الشيطان الذي رأى في هذه الحكاية الكبيرة بحكاياتها المتتابعة ضمنيا ما يستحق التدوين والقراءة لاحقا، عن نزوع الإنسان للشر والظلم باسم الرب، ليتفوق بذلك على الشيطان نفسه الذي يمارس ظلمه باسم المعصية، وباسم الخروج على قانون العدالة السماوية للرب، بلا ستار جاهز، أو أقنعة متغيرة كما يفعل الإنسان غالبا، وبذلك استحق سخط الرب وسخط خلقه على مر العصور والأزمنة والأمكنة، في حين تلفع الإنسان بأغطية البر والإحسان والخير والجمال في ممارساته الأبشع والأعنف والأكثر انحطاطا وسقوطا من فعل الشيطان أحايين كثيرة.
الشيطان الذي أعان هيبا في لحظات كثيرة على استكمال ما بدأ من كتابة، وعلى تدوين كل ذلك الوجع الذي يعتمل في صدره عن طفولته الغارقة في الوجع من قتل والده، وزواج أمه، وعيشه الذاهب في الألم والوحدة في بيت عمه، حتى التحاقه بالأبرشية والتعليم الكنسي وما شاهد في بقاع الأرض أثناء تنقله بين الأديرة والكنائس من قهر وظلم، أو نبل وحب وانسانية. مقررا بوعي شيطاني جميل ونبيل يستحق التقدير والاحترام- ووافقته عليه الكثير من الدراسات النفسية لاحقا- ان الكتابة شفاء للانسان من كل ما يعتمل في صدره سيما ان كان يمتلك أدواتِها، ويستطيع سبر أغوارها، وهي أيضا مصدر التوثيق والتأريخ لحياة الإنسان ومصدر العبرة للآخر على مر الأزمنة، وتعداد الأمكنة- كما وافقته على ذلك الدراسات الأركولوجية والانثربولوجية، فالكتابة لسان الإنسان والأرض والتاريخ الذي لن يجف بجفاف الأجساد وتآكلها. «و الكلمة قد تفعل في الإنسان مالا تفعله الأدوية القوية، فهى حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها، كما يقرر عزازيل بوعي جارح يستحق الامتداح، انه لا يهم الكاتب كثيرا، ولاتهم اللغة المكتوب بها، ولكن التاريخ بأحداثه الجسام الفارقة التي تغير حياة الإنسان على الأرض هو الأهم، وهذا هو دور الإنسان أو دور الكاتب تحديدا.
وحكاية «هيبا» كما قرر عزازيل- وكما نصدقه نحن الان- حكاية تستحق التدوين لربط حلقات التاريخ، ولتقديم الدروس العظيمة للإنسان اللاحق. أليس هذا هو دور ووظيفة وقيمة التدوين والكتابة على مر العصور والأزمان ياعزازيل؟! «انا لاوجود لي مستقلا عنك، انا ياهيبا انت، ولا أكون إلا فيك»
ولهذا اقتنع هيبا بهذا الدور الكبير الملقى على عاتقه، كأحد رسل التدوين ومشاعل الكتابة للتنوير والعظة، أولئك الذين يختارهم القدر ويضع في أصابعهم حبر الكتابة، ومسؤولية التدوين. فإذن لابد من امتداح عزازيل، الذي أضاء شعلة الكتابة في روح «هيبا» والمحرّض النبيل على قراءة هذه الرواية من قبلنا لاحقا.
وتدور الحكاية في رواية «عزازيل» حول راهب من صعيد مصر دخل إلى الرهبنة ليدرس الطب ويمارسه بإيعاز من عمه المريض الذي كان هو العائل الوحيد له بعد ان فقد والده على يد آثمة، وذهبت أمه في الغواية بزواجها ممن قتل والده، وتنقل في حياة الرهبان والكنائس ممارسا للطب، مسجلا ما يحدث له من تفاصيل جميلة أو بشعة على مضض وخوف في ثلاثين رقا، دفنها كي تقرأ بعد زمن طويل. محركا هذه الحكاية بالعديد من الشخوص الذين دارت بهم مجريات السرد؛ أبرزهم في ربط مفاصلها، وصناعة أحداثها هم: «الأسقف نسطور الذي التقاه في أورشليم وتعالقت روحاهما معا، وأوكتافيا المرأة الي ذاق معها حلاوة الحب والطمانينة وجمال الحياة لأول مرة، وهيباتيا الفيلسوفة التي سحلها الرهبان في الإسكندرية لانها وثنية، ومرتا المغنية التي عشقها وهام بها، وبالطبع عزازيل شيطان الكتابة.
وبالطبع كأي رواية ثرية، كان هناك أكثر من حبكة، تتبدى تباعا من عقدة الطفولة، وظلم الأم، حتى مقتل الفيلسوفة «هيباتيا» على يد جنود الرب في الإسكندرية، حتى عزل نسطور لانه لم يقل بألوهية المسيح، حتى وقوعه في غواية العشق، وأمر عزازيل له بالتدوين.
وأكثر من زمان ومكان، إذ تدور الأحداث في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي حيث تركها هيبا، والقرن الخامس الهجري حيث اكتشفها راهب عربي، و1997م عثر عليها في الخرائب الأثرية جهة الشمال الغربي من مدينة حلب، بين حلب وانطاكية، حيث كانت الكنيسة التي عاش فيها هيبا وعرف طبيبا وعشق مرتا. وبالتالي تتراوح حركة الرواية بين عدة أمكنة منها صعيد مصر، أخميم، وأورشليم، والاسكندرية وحلب وانطاكية وما بينهما.
ثم ترك لنا الراوي «هيبا» النهاية مفتوحة، إلا من فكرة الرحيل بعد انجاز المخطوط في رقوقه الثلاثين، فهل سيذهب لمرتا وينعم معها كما نصحه عزازيل؟، أم سيذهب لمكان آخر، يخلص فيه للرهبنة والمسيح؟ لا نعرف، وهو لم يرد لنا ذلك، وكانه شيء خارج الحكاية التي أراد إثباتها في رقوقه ومخطوطته.
اعتمدت الرواية على تقنية «الفلاش باك» أي استعادة الأحداث عبر كتابة النص بشكل استعادي للأحداث التي مر بها في أربعين يوما بعد ان أقنعه عزازيل بالتدوين، ويظهر ذلك عبر نص المترجم الذي ترجمه بعد ان تحصل عليه باللغة السيريانية وترجمه ليكون بين أيدينا لاحقا، المترجم الذي كان دوره محايدا في نقل الحكاية عبر ترجمتها من لغتها الأم «السريانية» الآرمية فقط، والذي يبدو ان الخوف والشفقة من هذه الرواية « الرقوق « قد شمله أيضا، الخوف الذي كان كبيرا منذ الراهب هيبا، في القرن الخامس ميلادي الذي بعد ان كتبها وضعها في صندوق ودفنها، فالراهب العربي الذي ترك عليها بعض الحواشي والتعليقات ولكنه أعاد دفنها كاتبا «أعيد دفن هذا الكنز، فإن أوان ظهوره لم يأت بعد» حتى المترجم الذي اشفق من ترجمته وأوصى ان تنشر بعد وفاته.
واعتمدت ضمير المتكلم في الحوارات المباشرة، كما استخدمت ضمير الغائب في الحكاية والاستحضارات البعيدة، والحوارات الذهنية الماضوية أو الهذيانية في رأس هيبا، وبذلك نوعت في التقنيات لتجعل المتلقي مشدودا حتى آخر لحظة بمجريات الأحداث ومتتبعا لغايات السارد ومفترقات السرد.
وكانت اللغة مناسبة للناطق والمنطوق بها، حيث أجرى الكاتب مستوى معينا من اللغة على لسان كل شخص حسب ثقافته واهتمامه ووعيه وطبقته الاجتماعية، وهذا يشكل بعدا مهما للغة، فلا يمكن لرجل الشارع ان يتحدث كطبيب، ولا لفيلسوف ان يحاور كشاعر أو راهب، ولذا كانت اللغة تتغير حسب الشخوص والوصف، وتتراوح بين العلمية والشعرية حسب الأشخاص والأحداث، وطبيعة الحال أيضا، فهيبا عندما يحكي عن فكرة لايستخدم ذات اللغة التي يكتب بها ترانيمه وأشعاره.
أما أهم مرتكزات الوعي السردي في هذه الرواية فهو تلك الرسائل الضمنية التي أرادت رواية عزازيل ان تقول الكثير منها حول عدة نقاط مهمة كانت ولا تزال جارحة في الوعي والذاكرة والروح الإنسانية، منها:
الدين بين روح الرب، وصناعة البشر:
حيث ركزت الرواية على فكرة الدين المرتبطة بروح الرب والمحبة الخالصة بين البشر، والذاهبة في التسامح والرحمة واللين والزهد في المال ومتاع الدنيا «لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه»، بعيدا عن الجشع والعنف والرغبة في المال والسلطان والقوة ،الأمر الذي ليس من الدين في شيء، وان اقترفه من هم في حظيرته ويتحدثون باسمه، كما حدث في الإسكندرية من قتل هيباتيا وأوكتافيا على يد أعوان كيرلّس، بطرس وجماعته، «فى الإسكندرية، ما هو أشد خطراً من الوحوش السارية ليلاً، والهائمة فجراً «.
فالدين روح قدسية ربانية، وليست صناعة بشرية قائمة على السلطة والسلطان والمال، أو على العنف والقوة والجبروت.
الحب معادل شرطي للانسانية:
قدم نص الرواية صورة عميقة لفكرة الحب الإنساني العظيمة المعادلة للإنسانية وربما الشرطية الواجبة لها، ومع ان الحب كان يتضمن فكرة الخطيئة في حياة الرهبنة، فالغالب ان على الراهب ان يتجنب النساء، إلا ان هيبا سقط في الحب مرتين مع أوكتافيا ومرتا، وفي المرتين راودته فكرة العودة للحياة وترك حياة الأديرة والرهبنة مزاولا لمهنة الطب ليعيش الحياة ممثلة في قيمة الحب، مما يدلل على ان القوة الداخلية التي يفجرها الحب لا تتعارض مع قوة الإيمان، بل وقد تتفوق عليها وتلغيها ان تعارضت معها.
الموسيقى والفلسفة
والتحريم/ التجريم الديني:
 
أظهرت الرواية كما يظهر الواقع فكرة تجريم وتحريم الأديان- كما نظّر لها رجالاتها عبر العصور- لمظاهر التجلي الروحي والجسدي والعقلي الواعية والعميقة والتي يلتذ بها الإنسان ويذهب معها في مراتب العلو والفرح والسكينة، وقد لا يستطيع الاستغناء عنها، والمتمظهرة في الجمال الكوني الذي من شانه «كما ينظرون» ان يحيق بالإنسان الخطر والفتنة.
ومن ذلك الموسيقى، ومع ان رئيس الدير قد أقر فكرة التراتيل الكنسية في أيام الآحاد، وطلب من هيبا كتابة هذه التراتيل وتلحينها وتدريب الفتية عليها، كما أحضر هو نفسه المغنية «مرتا» لذلك، وبعث في طلب قيثارة لتكون التراتيل ملحنة على وقع الموسيقى، إلا ان الكثير من الرهبان كانوا غير مقتنعين بذلك ومتذمرين منه، ويعتقدونه شرا محدقا بالكنيسة والديانة معا، وانه من عمل الشيطان ولا يرضى الرب عليه. بينما كان هيبا مولعا بالموسيقى مؤمنا بدورها الروحي «اعتقدت دوما ان الموسيقا صوت سماوي مقدس» ص 268
والفلسفة، التي عدها جماعة كيرلس في الإسكندرية من دواعي الوثنية، وعلومها، وانها خارجة على النص المقدس، وتدعو إلى إعمال العقل ومحاججة الفكرة بالبرهان وهذا ما لايجوز لانه عكس التسليم المطلق بالنص المقدس الذي هو لسان الرب ومنطوقه، وبالتالي دفعت هيباتيا عمرها ثمنا لهذه الاعتقادات.
المرأة:
تظهر لنا صورة المرأة في هذه الرواية بأكثر من لون يتراوح بين الحب والكره والخير والشر، والجمال والذكاء والدفء والحنان فهناك الأم التي أعانت على قتل زوجها وتخلت أم عن طفلها «هيبا»، وهناك أوكتافيا المرأة الطيبة التي تؤمن بالعلم والإنسان والحب.
وهناك هيباتيا العميقة الفيلسوفة التي هذبها العلم والفلسفة وأضفت عليها الفلسفة هالة من البهاء والجمال.
وهناك مرتا العذبة كالطفلة بصوتها الأخاذ وجمالها العظيم.. «فكأنها حورية هبطت إلى الأرض ملفوفةً بالنور السماوي لتمنحنا السلام، وتملأ الكون رحمةً بعدما امتلأ جوراً وظلماً. كان الضوء يؤطرها، يحوطها من كل الجهات، ويطغى على أطرافها فتبدو وكانها مغلفةً بالنور».
العلم وإعمال العقل ليس ضد الدين:
ركزت الرواية على قيمة العلم وإعمال العقل ومحاكمة الأشياء بمنطق في تعارضاتها مع الدين أو مع رؤية العامة، وظهر ذلك من هيبا الطبيب الذي كان يداوي الناس بالأعشاب والعلم المذكور في الرقوق مع كيرلس أمره بالمداواة بالكتاب المقدس فقط، ومن هيباتيا الفيلسوفة التي تلقي محاضراتها عن العلم والمنطق والرياضيات، وكان التجسيد الأكبر للفكرة في رفض نسطور لفكرة التجسيد الثلاثي للرب، وإيمانه بمعجزة المسيح الكبرى كمخلص بشري ولد من امرأة بشرية، «لايصح الاعتقاد بان مريم العذراء ولدت الله! فالله باق على كماله الأزلي الأبدي فهو الواحد الفرد، لا يولد ولا يموت، وهو يتجلى حينا، ويحتجب أحيانا بحسب مشيئته» الرأي الذي أدى إلى عزله من أسقفية القسطنطينية ونفيه.
كاتبة عمانية
 

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

سونيتات

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
اللوحة للفنانة العمانية رابحة محمود
 
1.
عبقرية الألم التي تنتج الفن، أو عبقرية الفن التي تعيد إنتاج الألم ليتشاركه الجميع عبر الأزمنة واﻷمكنة من فيرونا إلى مسقط؛ هكذا تفكر بل وتشعر وأنت تشاهد عرض (أوبرا كابوليتي ومونتاجو ) «روميو وجولييت» في دار الأوبرا.
الألم الذي هو روح الفن والعشق والإنسان على مر العصور، وهو من أنتج القصص الخالدة في الذاكرة الإنسانية، كما أنتج الأعمال العظيمة التي سكنت الروح والعقل والوجدان الإنساني، الألم الذي يمثل الجوهري والعميق وربما الحقيقي من كيان الإنسان، ويرقّي شعوره ويهذب وجدانه تماما كالحب وحين قال أرغون: (لا يوجد حب سعيد يا حبيتي) كان يقصد هذا المعنى، وتلك العلاقة العميقة بين الألم والحب والإنسان، ولاحقا مع الفن الذي يعيد إنتاج الحب والألم في قوالب جمالية وفنية متجددة وقابلة للصعود والهبوط والسفر عبر حالات الإبداع وأشكاله وتقنياته الذاهبة في التغير والتجدد عبر الأزمنة والأمكنة.وحين احتفظت الذاكرة الشفهية الإنسانية بحكايات العشاق التي تنتهي بالموت أو الجنون كانت تختصر طبيعة الحب في الألم، وفكرة الألم في العشق الإنساني العميق، والذاكرة الخالدة كانت تستجمع جوهر الإنسان في بؤرتها ثم تعيد إنتاجها بأشكال جديدة ومتنوعة عير العصور والأقلام والرواة. ولذا كانت حكايات العشاق وآلامهم عبر العصور والحضارات متنوعة ولكنها حاضرة وكثيفة الألم وعميقة المدلولات الإنسانية والدلالات الفنية والفكرية.وليست روميو وجولييت الحكاية التي تنوعت رواياتها ومداخلها ونهاياتها عبر الكتابة والشعر والمسرح والموسيقى والسينما والتشكيل وغيرها من الفنون إلا إحدى هذه الحكايات الإنسانية التي وثقت العلاقة بين العشق والألم والفن. وكان العرض الذي جمع كل الفنون معا في عرض رائع وعميق؛ اللوحة والموسيقى والحركة الجسدية الممسرحة والصوت الغنائي الأوبرالي الذي كان يحفر الجروح والروح معا؛ يستدعي للأذهان تلك الحكايات الشفهية الكثيرة والمتعددة حول العشق والألم ، تماما كما يعيد لأرواحنا لغة شكسبير العظيمة والأعمال الفنية الخالدة. كما يستدعي تلك العلاقة المرتبكة في الأذهان – حتى الآن ربما- بين الحب والواجب المتمثل في (الشرف والفضيلة والقيم والعائلة) . وقيمة التضحية التي تكون غالبا بأغلى ما يمتلكه الإنسان وهي الروح، ليصبح الحب ليس مرادفا للألم في مقابل السعادة فقط، بل مرادفا للموت في مقابل الحياة.
2.
«ملح» النص الذي أشكل على الوعي الجمعي، وشكّل حالة من المساءلة والنقد العام، النص الذي حاكمه من يملك ومن لا يملك حق المحاكمة لنص، والفكرة ببساطة ليست في نص ينتقد من قبل من يختلفون مع فكرته أو محتواه؛ فكل نص عرضة للنقد سلفا (في الشكل أو المضمون) ما أن يخرج من المطبعة، وينفصل عن رحم كاتبه وأصابعه وروحه. واجتماع الجميع على فكرة ما، أو نص ما، أو لغة ما، هو أمر مستحيل بالضرورة. ولكن الفكرة التي يجب أن تناقش هي؛ مدى حرية العقل الفردي في التفكير والإنتاج، خارج السلطة بكل مكوناتها (السياسية والدينية والاجتماعية)، ومدى حرية التعبير في مجتمع يمثل هذه السلطات متحدة.
هل يوجد قانون يحمي الفردانية الفكرية؟ أو حتى يحدها؟
هل توجد معايير على المبدع (في كل المجالات) الالتزام بها، لتأطير وعيه ولغته وأجنحته بها؟ وفي هذه الحالة هل ستظل تلازمه فكرة الإبداع الذي يفترض الحرية والتفرد والإتيان على غير مثال؟
هل يصلح أن يكون المجتمع (بمستوياته المعرفية الضئيلة عادة) وصي على المبدع؟
وما هي حدود موضوعية النقد هنا؟
ومن المؤهل فعلا لنقد كتاب أو نص أو مبدع؟ وما هي حدوده الأخلاقية ليتصدى لهذا الفعل؟ لأن عليه أن يكون بلا خطيئة ليستطيع أن يرجم، وأن يكون بيته ليس من زجاج ليرميه بحجر؟
ثم هل الكتب في مجتمع لا يقرأ تشكل خطرا فعليا على الأخلاق العامة، تصل لهذا الرعب والحرب ؟
ومن المفترض أن يقيّم المستهدف من الكتاب كي لا يصل لفئة (تحت 18) الكاتب أم الأسرة والمؤسسة التعليمية؟
وهل الكتاب (مهما كثرت تجاوزاته) أكثر خطرا على الناشئة من الفن الهابط المنتشر كالفطر السام في الفضائيات التي تتجمع حولها الأسرة يوميا غالبا في بيوتنا بلا وعي ولا رقيب؟
وخارج كل هذا .. هل النص معيار للحكم الأخلاقي على الكاتب؟
وهل ما يكتبه الكاتب يعبر عنه وعن قيمه المعاشة؟
وما حدود النقد الأخلاقية؟ فهل من النقد التجريح الشخصي والأخلاقي؟
وهل من يعتبرون أنفسهم أوصياء على المجتمع وأخلاقه؛ لا يجرحون الأخلاق العامة والقيم الإنسانية والإسلامية؛ وهم يقدحون في أخلاقيات الإنسان وينتهكون فردانيته وخصوصيته ويتعدون على حياته الشخصية ؟
وهل يعتقدون أن الدين الذي يجاهدون به ضد الآخر يبيح لهم ذلك و(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)؟
وهل يفكر المجتمع الذكوري أن كتابة المرأة عورة تصدر عن عورة؛ ولذا فهي أشد إيذاء للوعي الجاهلي الراكس في العميق منه؟ وهل محاربتها أو نصها يصبح أشد ضراوة (كما حدث كثيرا من قبل والآن) لضعفها غالبا عن مواجهة تيارات المجتمع الذكورية المجرِّمة (بتشديد الراء) لكل تفكير نسوي حر؟ أم أنها محاولة جمعية حادة وقاسية لكبح جماح الفكر النسوي، ووعي المرأة الاجتماعي بشكل عام من أن ينمو ويتطور وينتقد ذكوريته وغطرسته فيما يخصها؟
أظن أن هذه الأسئلة وغيرها كثير؛ هي الأولى بالطرح لمواجهة المسكوت عنه في ثقافة ووعي المجتمع فيما يخص الحرية الذاتية والفردانية الشخصية لإنساننا القطيعي المتماهي في السلطات العرفية القبلية والثقافية والاجتماعية. والذي متى ما حاول تجاوز المناطق الملتبسة فيها -بأي مستوى حتى لو كان بدئيا وبسيطا- يجد الحراب موجهة له باسم الدين والأخلاق والعادات والتقاليد فيتراجع خشية التمثيل به، لأن هذه السلطة (المتحدة الزوايا) تختار أضحية أو كبش فداء بين الفينة والأخرى لتتوعد كل من يحاول الخروج عليها بذات المصير.
وبذلك فـ (ملح) لم يعد كتابا اختلف حوله، ولا كاتبة انتقدت بتجريح اجتماعي واسع الانتشار استخدمت فيه كل الوسائط والوسائل الحداثية الجديدة، وسقوط أخلاقي كبير لم يسهم التحدث باسم الله والدين في التقليل من حدته وفحشه؛ بل أصبح قضية فكرية علينا التفكير في ملامحها وملابساتها وإشكالياتها المعرفية والإنسانية، وأزمة ثقافية ومجتمعية علينا مواجهتها بالقراءة والتحليل لندرك أبعادها، وكيفية تجاوزها يوما ما؛ فهي تعنينا جميعا أفرادا ومثقفين، كتابا وقراء، منتقدين (بكسر الدال) أو منتقدين (بفتحها).
3.
أصبح المجتمع العربي يتفنن في إعادة إنتاج العنصرية الجمعية والعصبية القبلية في أشكال حداثية ورقمية جديدة -في حالة فريدة تحسب له في الوعي، وإعادة إنتاج وصياغة الفكر الماضوي في أشكال عصرية – فهو ينتج قبائل وطوائف ومذاهب في مسميات جديدة وحداثية جدا (ثقافية -ليبرالية-إسلامية- عسكرية-ثورية ) ولكنها بذات العصبية والانحياز الكلي للفكرة الجمعية (وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد) ، (من ليس… من شيعتي فهو من عدوي) وربما أشد تعصبا، وأكثر جهالة (من الجهل ضد الحلم، وليس ضد العلم) وإلغاء الآخر تماما، والإقصاء الكامل له حتى المناداة بسحقه وقتله واستباحة روحه وفكره وجسده غالبا، وعدم توفير أي فرصة لمحقه ثقافيا وإعلاميا لأنه خصم في الجهة الأخرى من الرأي (الصواب الحكيم الناجي) الذي تمتلكه الطائفة المصدّرة ﻷحكامها العنصرية وبذلك فهو الفئة الضالة التي تستحق الجحيم.
4.
في مدن الشمس و(الملح)، ليس ( للملح) والغبار إلا الماء؛ يزيل ما تراكم على العقول، وما ران على القلوب، فيجلو ما صدأ منها ، ويشع ما أعتم في ارتباكات الحلكة.
الماء نسغ التكوين، ورائحة الحكمة، ومصدر القوة والوعي، مزيل عوالق الظلام ومباهج العتمة، وفاضح ارتباكات الضوء، ومعري ملتبس المداخل، ومفند طقوس النميمة والكيد، وسابر حكايات الفتنة الغاربة وتفاصيل العبث اللاجدوى.
فالمجد للماء. . المجد للبحر صديق جراحنا وأحلامنا.
5.
ضجيج
والفراغ هو الفراغ
والسراب يبتلع الظمأ
مولعون بالرنين وبالبريق
بالخطابات الكبيرة
وبالصدى
كأننا ماغادرنا البيداء يوما
مازلنا رعاة نقول الشعر
في شرف القبيلة ونئد النساء
ويرعبنا التجدد والندى
6.
كل صباح نحتاط لأنفسنا بالتفاصيل، بقراءة الجمال الذي يفيض من الكون ويقطر من الوجوه التي تهدينا ملامحها الطيبة لنتفرّسها أو نمعن فيها، ونحيط أنفسنا بالمحبات التي تفيض من الأرواح الغضة والرهيفة كأرواح الأطفال والمسنين والمجانين، ونرهف السمع لأغنيات الكون، للفرح البعيد والعميق والجارح، والحزن النبيل، ونشمُّ على بعد دمعة ما تناثر من وعي جارح، أو غضب حنون أو ليلة حالكة، ونتلمس لمس الروح تشظيات الغربة، والمرهق من قسوة الوجود وحماقات البشر، ونستعذب صدى العذابات الجوانية، والشجن الخفي في لهفة الحنين الطافي على الوجوه.
ونمضي في الحياة بأقصى ما نستطيع من الأمل، وبأقل قدر من الخسارات واليتم، ونحن نضع ابتساماتنا الجاهزة بحجم جديد، ولون جديد ليوم جديد. ونستعذب نهار مالح وأزرق كصوت «خالد الشيخ» تماما وهو يغني «وأنا وياك، وانته وياي.. اشكثر هالدنيا تسوى»
7.
«لا أستطيع الاقتراب كثيرا من الناس المدللين الفارغين، عاشقي المظاهر الاجتماعية، كثيري الثرثرة والضجيج، ولا أجد بيني وبينهم أي لغة مشتركة»
«غادة السمان «

السبت، 20 سبتمبر، 2014

ازدواجية الإنسان العربي

فاطمة الشيدي
القدس العربي

يقول نزار قباني: «لماذا نحن مزدوجون إحساسا وتفكيرا؟/ لماذا نحن أرضيون.. تحتيون../ نخشى الشمس والنورا؟/ لماذا أهل بلدتنا يمزقهم تناقضهم؟/ ففي ساعات يقظتهم، يسبّون الضفائر والتنانيرا/ وحين الليل يطويهم/ يضمّون التصاويرا!».
وضمن هذه الفكرة تماما، يعيش الإنسان العربي الكثير من الإزدواجية بين روحه وجسده، بين ما يؤمن به وما يفعله، بين ما يريد وما يستطيع، بين نفسه والآخر من مجتمع ووظيفة وسلطة. وهذه الازدواجية الفكرية والنفسية والمجتمعية تبدأ من لحظة الميلاد غالبا، وقد لا تنتهي حتى لحظة الحتف، إلا مع القليل ممن يتصالحون مع ذواتهم وأفكارهم، ليعيشوا ما يؤمنون بشكل صادق، خارج مظاهر النفاق المجتمعي.
وأبسط مستويات التحليل تقودنا إلى أن الفرد العربي كان ولا يزال محكوما بثلاث دوائر أساسية، تحرك دائرتان منهما الأخيرة، وإن كانت الثالثة ليست في معزل عن أسباب التردي والسقوط: الدائرة السياسية، والدائرة الدينية، والدائرة المجتمعية. ومما لاشك فيه أن هذه الدوائر مجتمعة هي من أنتج هذه الشخصية المرتبكة، والتي أنتجت بدورها هذه الكوارث المتلاحقة، فالسياسة العربية القائمة على القهر والقمع، وتكميم الأفواه، وخنق الحريات؛ أدت إلى الحجر على الوعي، وجعله مقيدا يراوح محله، وربما تراجع قرونا عديدة بعيدا عن ماضيه الحضاري المشرق، وبعيدا عن الحضارة المعاصرة بالبعد عن أسبابها مثل: القراءة، والتفكير، والبحث العلمي، مستخدمة في ذلك أعتى أداتين وأمضاهما وهما «الجهل والفقر». ولا بأس بالكثير من العنف لكل من تجاوز هاتين العقبتين باتجاه الحياة، محاولا الخروج على مصادراتها المزمنة بالتفكير الحر والوعي الرافض، وبالتالي أنتجت هذه السياسات القمعية شعوبا راضخة، وخائفة من كل شيء.
ثم لجأت بعد ذلك لاستخدام سلاح أمضى، وأكثر فاعلية في ترويض العقل وتدجينه، ألا وهو الدين، سيما وهي تدرك أنه الطاقة الروحية الأعلى المتمكّنة من روح الإنسان العربي، بل ويشكل منظومته القيمية والأخلاقية المطلقة، لذا كانت مأسسة الدين، وتفريغه من محتواه الروحي، وسيلة سهلة لتحقيق غاياتها ومآربها، بتجييره لصالحها، وجعل مهمته الأساسية إغلاق العقول ومنعها من التفكير، والدوران الأعمى في دوائر الحلال والحرام، أي الخوف والطمع في الدنيا والآخرة، وبالتالي صناعة رقيب خارجي متصل بالسلطة السياسية والدينية، وبمفاهيم قيمية جاهزة ومعلبة، وغير قابلة للتعاطي الحياتي معها ضمن سلطة القانون.
ولأن لا قيم للعربي خارج الدين، فلا يتم تربيته قيميا، بحيث تكون قيم مثل الصدق والأمانة واحترام الآخر وغيرها، أصيلة وعميقة وراسخة في وجدانه ووعيه خارج أي محفزات أو رقيب خارجي، كما لا يتم غالبا اختبار ممارساته القيمية في معمل الحياة اليومي خارج الشكلانية المتعارف عليها دينيا، والتي قد تكون بذاتها مظهرا من مظاهر النفاق الاجتماعي، وبالتالي لا يتم معرفة مدى تطبيقه الفعلي لهذه القيم بقناعة إنسانية، ووظيفية مجتمعية.
وبذلك وجدت الإزدواجية العربية المعروفة بين داخل الإنسان وخارجه، وأمام الذات وبين الناس. الأمر الذي رسخ كل الانحدارات الأخلاقية، والفساد المجتمعي، من غش وسرقة ورشوة ومحسوبية، بل وسوغها أحيانا بمسوغات اجتماعية وإنسانية لأنها أصبحت عامة وشائعة، كما تفشت أراض نفسية كالحقد والحسد ومراقبة الناس في أدق خصوصياتهم، وصُدّرت صورة العربي المشوهة أخلاقيا للخارج.
كما أن الدين (المؤسسة، بشكل خاص ومحاصِر)، استخدم لإستهداف المرأة، لتتصدر مسائل الحيض والنفاس والطهارة والمحرم وما شاكلها، قراءات وفتاوى الفقهاء وأحاديث المجالس، بعيدا عن مشكلات المجتمع المتجددة، وقضاياه المستحدثة كل يوم، ليصنع من المرأة «العورة» محرّماً (تابو) كبيراً يفكر فيه الإنسان العربي المقهور، والمكبوت جنسيا داخليا، ويعمد لتغييبه خارجيا. كما يحظر الكلام فيه أمام الناس، ليشتغل فقط في خلفية المشهد في رأسه وشهوته، ولتصبح المرأة صيدا مترصَّد الاقتناص من جهة، وعورة واجبة الإخفاء من جهة أخرى. وبذلك غابت صورة المرأة نصف المجتمع (الأم، والأخت، والصديقة، والزميلة، والجارة) لتحضر المرأة العورة فقط. وهكذا جوّف الدين من جوهره الروحي الكبير، وتحول لمؤسسة متحجرة هدفها الأساسي تفريخ أصنام، وفتاوى جنسية، ولا عجب أنه أصبح لاحقا معملا لتصنيع الإرهاب وآلة للموت والخراب.
وضمن مدخلات هاتين الدائرتين المتحالفتين تمت صناعة الدائرة الثالثة، وهي المجتمع ومخرجاته الإنسانية، لتنتج لنا مجتمعا مزدوج القيم والأحكام، يرفض كل المحظورات علانية، ويبيحها خفية، ويصادر حق الإنسان في الاختلاف في أبسط نواحي الحياة، ليخلق بذلك معاييره القيمية الخاصة، والخاطئة أحيانا كثيرة، ويحاكم أفراده ضمنها. ولينتج بالتالي إنسانا مزدوجا فكرا وروحا، أو إنسانا فصاميا بأبسط الأحكام.
وللأسف لم يشتغل المثقف بكل مستوياته الإبداعية والفكرية، غالبا، للنجاة من شراك هذه الازدواجية، بل سقط فيها، وعاش حياتين أحدهما مثالية في اللغة والكتب، وأخرى كاذبة وملتبسة في المجتمع؛ بل وكثيرا ما كان أداة تلميع للسلطة المؤسسية، السياسية والاجتماعية والدينية، وتقديم فعلها القائم على القهر والكبت على أنه نموذج للحرية والنبل.
ولعل قراءة سريعة في مواقع التواصل الاجتماعي تعكس لنا هذه الازدواجية، فلا يوجد (إلا نادرا) من يضع حالته الاجتماعية على أنه متزوج، ناهيك عن أن يضع صورة زوجته، التي تتحول إلى أم فلان في معرض حديث عابر. ربما خوفا من حكم الآخر/المجتمع، أو لأن مشاريع التصيَّد الضمنية قائمة، كما يبتعد التنظير السياسي والديني والاجتماعي والنفسي (الانطباعي) عن النقد الحقيقي للسلطات الثلاث، ويذهب (غالبا) نحو التمجيد وصناعة الأصنام. كما تتقدم المثالية الفجة كل شخصية افتراضية، في حين تشهد تصرفاتهم بما يخفون من شخصيات مزدوجة.
فمتى نتجاوز هذه الصورة المضطربة ونتصالح مع ذواتنا ومع الآخر؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي على كل فرد منا أن يحاول الإجابة عليه أمام نفسه فقط، بكل صدق وموضوعية.
كاتبة عُمانية
 

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

سونيتات 2

فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان

1.
أ.
أسرفنا في الامتثال للضوء، والاهتداء إليه، أسرفنا في تتبع ينابيعه الرقمية، كرعاة يذهبون وراء صوت بعيد، يحلمون أن يوصلهم للمراعي، وحين يصلون لا يجدون شيئاً، أو حطابي فرح يهرعون خلفه بلذة السعي وراء المجهول.
أصبحنا أو كدنا نتحول لأرقام ومفاتيح، ننحسر داخل أجهزة صغيرة كموجة لا تقوى على الامتداد في المدّ، وننحصر في ذواتنا بعيداً عن الوجود الحقيقي إلا من عوالم بلا حياة.
أصبحنا لا نسمع صوتاً يشج الروح بحناناته، ولا نصافح يداً لنتقاسم معها خبز الحياة، ونشم عطر الأرواح عبر حوارات حقيقية.
ابتعدنا عن تأمل الوجوه، صرنا منكسي الرؤوس في الأجهزة التي بين أيدينا، لا نترك لصدورنا أن تتعبأ بزرقة البحر وملوحته، أو بهواء التيه، أو تتشرب أعيننا اخضرار المسافات، صرنا نتقلص على أنفسنا كأجنة في رحم الضوء.
نعرف عن طريق رسائله، وأمكنته التي أصبحت تتكاثر كالفطر السام، من يموت ومن يولد، ومن يفرح ومن يحزن، ونرسل بالتالي رسالة باردة بكلمات جافة أو وجها إلكترونيا جامدا، للتهنئة أو التعزية لا فرق. أبدا.
أصبحنا كائنات إلكترونية قليلة الكلام إلا المكتوب منه، قليلة الفعل أيضا، تجمدت أجسادنا خلف أجهزة ميتة، وكأنها مربوطة بأسلاك معدنية وكهربائية لهذه الأجهزة.
قلَّ المشي، وقلَّت الحورارات الجادة والعميقة، وقلَّت القراءة الحقيقية، أصبحنا نتحاور كتابة على عجل في هامش ضوئي ضيق، ونقرأ همهمات وتهويمات وشذرات تكتب على عجل أو كيفما اتفق بدافع الوقت والضوء. فكل شيء في العوالم الرقمية يسلق على عجل، ويمر بسرعة كالوجبات السريعة، جاهزة ومعلّبة، وصالحة للقليل من الوقت، صرنا نحب ونتكلم ونعيش، ونذرف الدموع، ونكتب، على عجل، ونقرأ لنضع «لايكا» على عجل، مجاملة لصديق، أو امتثالا لقانون الضوء وعوالمه الباهتة.
لم نعد نعيش ونمارس ونستمتع بالحياة بكل ممكناتها وطاقاتها كما ينبغي، لقد أربكنا الضوء كثيراً، أتعب أعيننا بشاشاته، وسرق عمق أفكارنا بسطحيته، وقلل اتساع رؤانا بضيق عوالمه، وأربك ثبات خطواتنا بسرعته، لقد تعلّقنا بعوالمه الرقمية أكثر مما يجب .. وعلينا أن ننتبه قليلا لهذا!
ب.
كلما دخلت مواقع التواصل الاجتماعي أتفكر في كل تلك المثاليات المطروحة والتي يفتعلها الكثيرون، الجميع هناك مثاليون، ليس هناك نقص ولا عيب في أحد، الجميع ينتقد ويعترض ويبدي رأيه بوعي وعمق، الجميع عميق وطيب، وواع ومتسامح، ونبيل وجميل.
فقط تتساءل، إذن من أين يأتي كل هذا الخراب الخارجي، ومن وراء كل هذه التركيبة الاجتماعية العربية المرتبكة ثقافيا ودينيا وسياسيا، مادام الجميع بكل هذا الوعي السياسي والمسؤولية الأخلاقية؟!
2.
قتل هنا .. وقتل هناك
جثث تتدحرج بلا عد ولا عدد
ودم يسيل بلا حساب
والموت وحده يبدو متجلياً في ما يشبه هيستيريا كونية
والغابة تستعيد أمجادها شرقا وغربا في زهو قديم
والخراب هو الخراب في العميق والخارجي من الإنسان والكون
«قتل الإنسان ما أكفره».
3.
فيما مضى كان كل ذي وعي وروح حرة ومرتكزات ثابتة يكره الكلمات الكبرى مثل: بطل وخارق وعبقري وكبير، وغيرها من مرادفات التفرد والعبقرية والتفوق، وتثير حنقه وربما غثيانه. لأن من يمتلك جوهر هذه الكلمات وفعلها العميق والحقيقي في أي مجال من المجالات المعرفية والفكرية فعلا، سيكون أبعد ما يكون عن انتعال الأوصاف الجاهزة، وارتداء الألقاب المجانية بشكل برستيجي يثير القرف. بل وحتى الرضا بتقلدها كوسام شرف رخيص، وممنوح من سلطة ما، وإن كانت سلطة الجماهير والعامة والدهماء!
أما اليوم وللأسف فحتى كلمات كان لها يوماً هالة إنسانية رفيعة تدفع على التقدير والاحترام مثل: (حر، ومناضل، ثوري)، وأخرى لها مرتقى روحي وسماوي يبعث على الإجلال والرهبة والخشية والسكينة مثل (شهيد) أضحت تثير القرف، وربما السخرية أيضا، لفرط مجانيتها والتباس معانيها!
4.
الغريب في بلادنا أن الحالة الثقافية والفنية والإبداعية بشكل عام تنشط في مواسم العمل، وتخمل (تأخذ إجازة) في موسم الإجازات، وبالتالي يسود الملل والسأم وتتكدس الأوقات الفارغة فوق رؤوس أصحابها الذين تعبوا طوال عام من العمل وكانوا يحلمون بالقليل من المتعة والترفيه في فترات إجازاتهم، فلا يعرف الناس أين يتجهون وأين يقضون إجازاتهم في جحيم جغرافي ومناخي أصلا، فلا متنزهات ولا بحر ولا نزهات تصلح في هذا الوقت من العام، وبالتالي يبقى البشر (ممن لا يملكون مشروعات السفر للخارج لسبب أو لآخر) رهن المكيفات في المولات والأماكن المغلقة القليلة أصلا، لتمتص حيويتهم وتقتل انطلاقهم النفسي والروحي.
وكان يمكن للحالة الثقافية أن تشكل تعويضا ومتنفسا رائعا للناس بتفعيل الجهات الثقافية والفنية جدولها بأكثر وأكبر قدر ممكن من الفعاليات والحفلات والأمسيات والمعارض والمهرجانات الثقافية (الحقيقية) التي تشبع الروح وتقتل الفراغ.
ولكن هذا لا يحدث فالأوبرا والنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، ووزارة الثقافة، والجمعيات الأهلية (الكتاب، والعود، والمسرح، والفنون التشكيلية) ومؤسسات المجتمع المدني بكل اتجاهاتها، وغيرها من الجهات الفنية والثقافية المسؤولة عن الفعاليات الثقافية والفنية تخمل في الوقت الذي يبدأ الناس فيه التحرر من ربقة الوظيفة، ويتسع الفراغ ويتحكّم المناخ في كل المشروعات فيحدها ويحددها، وتحتاج الأرواح للكثير من ماء المعرفة والمتعة والترفيه كي لا تذبل في الفراغ، وتحترق في لهيب الحر.
فلماذا؟ وما هي المبررات المنطقية لهذا التحالف مع الحر والفراغ؟! وإلى أين يمكن أن يمضي البشر ممن لا يملكون القدرة أو الرغبة في الفرار خارج هذا الجحيم بأرواحهم المرهقة، وأمنياتهم المؤجلة، ومشروعاتهم الناقصة؟ وأين وكيف ينفضون تعب عام كامل من العمل؟
5.
RAILWAY MAN»»
الفيلم قال الكثير عن الحرب والعذاب الذي يخلّف عقدا موازية للحياة، إذا لم تصبح هي الحياة التي يعيش ضمنها الإنسان مأزوماً ومهزوماً، وغير قادر على تجاوزها، لكنه أيضا قال أكثر وأجمل عن الحب الطريق الوحيد للحياة، ولتجاوز الشقوق والرضوض والتشظيات الداخلية لإنسان «منتهك حرب» ووحشية بشرية.
فالشاب (المحارب الشريف) المولع بالقطارات بالبعد الرومانسي للفكرة التي لا تخلو من شجن وذهاب وراء الماوراء، يسقط بين أنياب من لا يرحم تحديدا وفقط لهذا الولع والتعلق والتعالق بصرير السكك الحديدية، وصفير العجلات وجماليات الداخل المتتبع لما يحب.
ولكنه رغم الهزيمة النفسية والوجودية الكبرى، والإحباط الإنساني والكوني الذي يشمل كل خلاياه ووعيه وزمنه، ويأكل أجمل سنوات عمره، لم يتخل عن ذلك الولع العذب بما يحب «القطارات»، الولع الذي سيقوده للحب، الحب البسيط الذي يحدث مرة واحدة، أو دفعة واحدة، كما يحدث الحب غالبا، ومن أول لقاء تستشف فيه الأرواح تقارباتها، وتتلامس أجنحتها، وتتعارف لغتها وفيوضها، وفقط ومتى ما حدث هذا التقارب سقطت الأرواح في الحب، الحب لا يحتاج للتعقيدات «وأسئلة الهوية والكينونة الاجتماعية المتحجرة وملابسات أكثر حضورا منه» كما في أماكن الظلام التي نعرف.
يحدث له الحب (مع امرأة جميلة «ممرضة حرب» تعبر بمحاذاته في سياق قدري جميل، لتصبح شريكه هذا القدر وشريكة الحياة بكليتها) ليكون الحب بعد ذلك قادرا على تجاوز الماضي بكراهيته وبشاعته وعقده «على الكراهية أن تنتهي في وقت ما»، وتجاوز الإحباط من الكون والبشر وكل ما بينهما، وذلك فقط لأن الآخر أصبح موجودا معه، فالحياة تستحق أن تعاش، وكل شيء أقل قيمة من وجوده في حياة صاحبه.
وكأنه كان يقول :
(فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ)
«إذا صح منك الود فالكل هين .. وكل الذي فوق التراب تراب».
6.
من المبادرات الشبابية الرائعة التي تجعل المرء يفخر بإنسان هذا الوطن دائما، مبادرة «فك كربة»، فهي مبادرة إنسانية يحتضنها بنبل وإنسانية وشجاعة مجموعة من المحامين الشباب، بهدف إنقاذ بعض الغارمين والمعسرين، الذين أفضى بهم الديْن للسجن، بعض الأشخاص الذين ضاقت بهم الحياة والمعيشة، وأثقل كواهلهم ضيق ذات اليد، وعناء حمل متطلبات الحياة والأهل، فذهبوا في طريق الديْن بنية العودة منه سريعا، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في طريق طويل من الشدة ينتهي بالسجن بلا حيلة وبلا أمل، إلا الدعاء والحزن.
وكم منا من تأخذهم الحياة للديْن، تجبرهم الظروف والحاجة، وربما الأهل والجوع، فيذهبون فيه وهم يظنون أنهم قادرون على العودة من طريق مظلم ووعر، ولكنه طريق لا يفضي إلا لطريق مثله، أو أشد وعورة وإظلاما خاصة مع الفقير والمعسر. فيولّد الديْن دينا، وتخلف الحاجة حاجة، وهم ماضون في ذلك، يغرر بهم الأمل في انكشاف الغمة، وزوال الضيق، فلا ينتبهون إلا والحديد يقبض على أرساغهم ومعاصمهم، فيذهبون في ظلمة السجن، وقد ضاقت بهم الأرض بما وسعت.
وكم من موجوع بثقل الدين على كاهله! وكم من إنسان أجبرته الحياة على المضي في طريق لا يريده، – وهل يذهب في طريق الديْن إنسان برغبة ورضى، أو بفرح واختيار؟! – إن هي إلا الحياة بتعقدها وتشابك خطوطها، وجبرية حدوثها وحوادثها، تجعل الإنسان يبحث عن أقصر الطرق – وإن كان أصعبها لاحقا – لفك عسرته وحلحلة ضيقه ودينه، والمشي وراء الأماني أحيانا حتى تنفرج الحالة ويتغير العسر ليسر، ولكنه قد يذهب في عسر أشد، وضيق أبلغ.
ولذلك يحاول هؤلاء الشباب أن يكونوا -بمساعدة ذوي الأيادي البيضاء- بعض حيلتهم وبعض أملهم، واستجابة الله لدعائهم ودعاء أهلهم وذويهم، يمدون أياديهم لهم بالمساعدة والعطاء، ليمد الله لهم يد البشرى بجنة عرضها السماوات والأرض.
هؤلاء الشباب هم الأمل والفرح، لمساندة هؤلاء المعسرين والمديونين الذين أفضى بهم الدين للسجن، والذين هم منا وفينا، فقد يكون جاراً أو أخاً أو ابن عم، إنهم بعض أفراد المجتمع الذين لم يرتكبوا جرماً، ولم يتعدوا حدود الله، ولم يقترفوا إثما، وليس إلا الحاجة وضيق اليد ما أوصلهم إلى براثن السجن، وعتمته الموحشة.
ولذا فهم تحيروا أن يكونوا أحد أسباب اليسر الذي يغلب العسر، ويفك الكرب، ويبهج خافق طفل أو أب أو أم بخروج رب أسرة أو ابن ليكون بين أهله، إنهم بعض يد الله البيضاء التي تحمل القليل من ثقل الغرامة ووجع الدين. فما أجملهم! وما أعظم مبادرتهم النبيلة!
7.
أ.
«لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله: فلكل امرئ طريقته وصلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا، بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا».
ب.
ذات يوم كان لي ألف رغبة، لكنهم تلاشوا جميعا في رغبتي الأكبر أن أعرفك .. أعرفك وحسب!

السبت، 6 سبتمبر، 2014

نموذجان للرواية الناقدة في عُمان

فاطمة الشيدي
جريدة القدس العربي
 
تمثل الرواية في هذا العصر ركيزة هامة من ركائز صناعة الوعي وتوصيل الأفكار، وذلك لسهولة حياكة مراميها وأفكارها في بنية سردية متناغمة تجذب المتلقي، وتتغلغل في وعيه، وتسهم في توصيل الأفكار إليه بسهولة وعذوبة، ومن ثم تسهم في تغيير اتجاهاته بيسر وعمق ضمني، خاصة وأنها تشهد الإقبال الأكثر والأوسع بين الفنون الأخرى.
والرواية الناقدة هي الرواية القائمة على نقد الأفكار المتوارثة، أو الكليشيهات الشائعة، بتحليلها، وبيان مواضع الوهن والخلل في المجتمعات والمؤسسات التي تصدّرها، وتفتـــيت المنظومات الفكرية والأخلاقية المتراكبة، والتي تحتاج للمراجعة والتحليل بين الفينة والأخرى لتوضيح ملامح الخلل بشكل جوهري يشكّل هدفها وغايتها الأساسية عبر حدث سردي متتابع بكل مكوناته الفنية، وهي جزء من كلية السرد، وأنواع الرواية المتنوعة الغايات والأهداف بين الذاتي، والتاريخي، والاجتماعي وغيرها من الأشكال والأنواع.
وتشهد رواية النقد المجتمعي في العصر الحــــالي رواجا كبيرا؛ لأنها تستطيع معالجة الكثير من المسكوت عنه، ورفعه على طـــاولة المساءلة الواعية، ووضعه أمام مبضع الــــرؤية، وفكـــرة التحليل، بلا كثـــير معاناة أو تحمل مسؤولية، إذ يجوز للسارد مالا يجوز لغيــــره، وبالتالي فتحقيق هدف النقد الاجتماعي يصبح أوضح وأكثر انتشارا، وأقل ريبة ومساءلة.
ورغم عدم اتساع رقعة المشهد الروائي في عمان أفقيا في الكم، أو عموديا في الزمن، إلا أن الرواية العمانية باتت حاضرة في المشهد الثقافي العربي حضورا متنوعا وعميقا بكافة أغراضها وأنواعها الذاتية والرومانسية والناقدة. وهنا وضمن فكرة رواية الأفكار القائمة على نقد المجتمع؛ بأفكاره أفراده ومؤسساته أطرح للقراءة روايتين عمانيتين تمثل نقد المجتمع والأفكار خير تمثيل.
الأولى هي رواية «أيوب شاهين» للكاتب العماني سالم آل تويه، الصادرة عن دار الفارابي، بيروت، 2011، والتي تمثل صرخة رفض علنية وصريحة لكل مظاهر العنصرية والظلم والقهر المتمثلة في بعض التقاليد والأعراف البالية، مثل تقسيمات المجتمع العرقية والتي يترتب عليها الكثير من الإجحاف والظلم وعدم المساواة، حيث تعمد هذه الرواية إلى تفتيت منظومة المجتمع العرقية والإثنية، وبيان مواطن إجحافها في حق الإنسان وإخلالها بوجوب عدالة المواطنة. السرد يفصّل حكاية أيوب شاهين، المواطن العماني الطيب والبسيط الذي حُرم من حبيبته حميدة لأن والدها يحيى صقر رأى في أصله «البلوشي» ما يجعله أقل من أن يزوجه ابنته، رغم كل جمال روحه، ونقاء سريرته، وطيب سيرته، زاعقا في وجه والده مراد شاهين: «مهما سويتوا انتوه ما من هذي البلاد. الله خلق الناس درجات. لا ترفعوا روسكم فوق. انتوا أقل منا. وطنكم مكران». ذلك جعل أيوب يرفض الحياة تماما، ويرفض الاستمرار فيها، ويذهب في المرض الموجع حتى يسلم روحه لبارئها، وهو لما يفهم فكرة هذه العنصرية المقيتة التي حرمته من الحياة متمثلة في المرأة التي أحب.
كما تمثل هذه الرواية من زاوية أخرى بقعة ضوء كبيرة على ظواهر الخلل الكثيرة، والبيروقراطية المفرطة، والروتين الفاسد، التي تنتشر في الكثير من المؤسسات الحكومية التي تحكمها الرشوة والمحسوبية، وما ينعكس على الإنسان فيها من قهر وظلم يؤدي به للموت كمدا في بعض الأحيان. وهذا تماما ماحدث مع أيوب شاهين في مستشفى «إبرا» حين تعامل الأطباء مع حالته ـ لكونه مواطنا بسيطا ـ بمنتهى الإهمال وعدم الاهتمام، وسوء التشخيص لمرضه، سرطان الغدة اللمفاوية، حتى قضى في المستشفى وحيدا متألما، ليس له إلا رحمة رب كبير كان يؤمن حتى آخر لحظة، وعائلته الطيبة التي وقفت معه متألمة وليس في يدها ما تقدمه له، وهي الفقيرة من المال والسلطة، لتجنيبه بعض ذلك الألم الكبير نفسيا وجسديا، وبعض أفراد القرية التي عكست الرواية وجود الخير والنقاء فيها، وبساطة العلاقات بين أفرادها، وتقبلها للغريب وجعله في مكان لائق بينهم، كما حدث مع الطبيب حسن.
كما تناولت الرواية البعد التاريخي للثورة على الظلم والذي عكسته «جبهة تحرير ظفار» وأهدافها التي كان يؤمن بها الثوار، من خلال صوت لقمان عم أيوب المسترجع في الذاكرة التي كان يفقدها أيوب شاهين تدريجيا، وهو يحكي له عن أهدافها الكبرى: «ياولدي الثورة ضد سلطة القبائل والأسر الحكمة والعصابات ووكلاء الاستعمار، وتحكمهم في خيرات الشعوب، الثورة تلغي القبيلة والألقاب والامتيازات الخاصة وتحرر المرأة والمجتمع من التخلف والاستعباد والقهر وتساوي بين الجميع».
أما الرواية الثانية فهي «سفينة نوح»، للكاتب سلطان العزري، والتي صدرت عن دار نينوى في دمشق، 2012، وتدور أحداثها حول استحضار حالة الموت والرعب التي حاصرت العمانيين في إعصار «جونو»، مجسدة الأحداث والإطار النقدي للرواية عبر معاناة عائلة عمانية صغيرة، زوج وزوجة وطفلتهما، ثم بتفرعاتها الكبرى داخل وخارج مسقط، الوالدة والأخوة وعائلاتهما، وبعض الأصدقاء في التعامل السريع والعاجل مع الغرق المفاجئ. وهذا حدث لم تهتم وسائل الإعلام بتوضيح صورته للمواطنين بشكل جلي وفي الــــوقت المناســـب ليأخذوا حذرهم، بل كانت تمـــوّه حول الأمر، وتهوّن القادم حتى اطمأن الناس ولم يكترثوا، حتى تفاجأوا بالـــهول الكبير الذي عاشوا معاناته من جهتين: غضب الطبيعة، وجشع التجار ومالكي العقارات.
وبالتالي عاشت هذه العائلة ـ في مقايسة تصلح للجميع ـ ظروفا قاسية لعدة أيام، بلا ماء ولا كهرباء ولا وسائل نقل، وغيرها من ممكنات الحياة الطبيعية، في مواجهة استغلال وغلاء أسعار بشع لا يمكن مجاراته، حتى انتهاء تلك المحنة، التي امتدت آثارها على آخرين لفترة أطول بعد أن فقدوا بيوتهم، وكل ملامح الحياة الآمنة والمستقرة التي كانوا يعيشون فيها، وعاشوا في ملاجئ وبيوت غير صالحة للحياة أصلا. كل هذا في مقابل تجاهل المؤسسات المعنيّة بالتعويض والإصلاح لهم لفترات طويلة، حتى جاء التعويض غير المناسب غالبا، وكان الأشد والأنكى أن هذه الظروف الموجعة من شدة الرعب والتعب قوبلت بحالة من التلميع الإعلامي الغزير للصورة، وبثها للعالم الخارجي بشكل براق، حتى ليشعر الإنسان أنه لم يحدث شيء يستحق الانتباه والمساعدة.
وتظهر فكرة النقد في هذه الرواية عبر شخصية الراوي المتأفف والمتذمر والغاضب أحيانا كثيرة، والثائر على منظومة الأفكار والعادات المجتمعية من جهة، وعلى المؤسسات الحكومية والخدمية التي لا تقدم الحالة الخدمية بشكل احترافي في حين تقدمها عبر وسائل الإعلام مثالية وكاملة. «اسمع لا يغرك كل هذا الترويج، الإعصار أظهر مدى هشاشة الوضع ومدى الغباء، ومدى الضحك على اللحى.. يا رجل أنت ما تلاحظ انه في كل مؤسسة وزارية أو عسكرية أو حتى شبه رسمية هناك دائرة كاملة أو قسم كامل للإعلام، كلهم يلمعون الصورة البراقة للحكومة وللمؤسسة وللمسئول عن تلك المؤسسة مع غياب مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات البحثية وغياب قوى التعدد والأحزاب، من أين تنتظر مؤشرات المصداقية والشفافية المتغنى بها، المواطن البسيط وش بيسوي لمواجهة كل هذا التيار الجارف والتلميع ليل نهار.. وحده بيستوي يلمع الصورة أكثر من غيره .. يحتاجوا وقت ياصديقي ليفهموا كيف تحرك الدمى من بعيد.. لحد الحين لا في أصوات حرة، ولا صحف حرة، ولا إعلام حر.. كله على بعضه كلام فاضي».
وتمثل مثل هذه الروايات قراءة حرة وصادقة للمجتمعات، وبالتالي فهي تشبه دراسات سوسيولوجية لظواهر المجتمع وحيثياته العميقة والخفية في فترة ما؛ يمكن أن يأخذ بها منظرو علم الاجتماع والباحثون لدراسة مواضع الخــــلل وإصلاحها، أو لتجديد منظوماته الفكــرية والأخلاقية، ومساءلة مؤسساته ومحاكمة مواضع القصور والوهن فيها.
وأظنها اليوم الأكثر انتشاراً بسبب تعطش الإنسان للفهم ومحاورة الأفكار الجديدة منها والبالية، وتقصي مواضع خلل المنظومات الأخلاقية والمؤسساتية وعقلية الفرد ومرجعيته الفكرية في المجتمعات العربية تحديدا، في حالة الانزلاق والتراجع التي تعيشها. وبالتالي على كتّاب الرواية الالتفات لها بوفرة في مشاريعهم الإبداعية، والانتباه لتعميق المساءلة وتكثيف النقد فيها، لما له من أثر مستقبلي مأمول في التغيير.
 

الأحد، 31 أغسطس، 2014

أنت عمري



كالكثير من الأغنيات هي التي تقترح ذاتها لنهارك، حيث تستيقظ وطرف منها عالق في روحك وبقايا منها ملتصقة بشفاهك، وثمة مساحة خفية أو ورائية في البعيد منك والقصي داخلك منشغلة ومشتعلة بترديدها، ولا تجد فكاكا من شراكها العذبة فتستسلم لها بلذة، وتتصاعد في غاياتها وغيابها، وتتشظى في معانيها ولحنها، وتستجمع ذاتك في رحم الصوت الرؤوم لأم كلثوم، باعثا بها في رسالة ضمنية لقلبك الخافق بين أضلعك بلهفة (أنت عمري).

السبت، 30 أغسطس، 2014


منذ جئت لهذا العالم المرعب -من أصابعي وليس من رأسي تماما
وبعد أن رفضت النزول في وضوحه طويلا
فغنت لي أمي أغنية الغراب والبحر – في استدراج خبيث -
وأنا أشعر بثقل غريب في رأسي
وكأن الكثير من الكائنات تعيش في قارته الكبيرة
فهناك امرأة مجنونة تسكن تحت جلدي وتتقمص صورتي كلما عنَّ لها
ألمحها فقط حين أنظر في مرايا الظلام (وهو فعل محرم في قانون العقلاء)
امرأة تثير حنقي باختلافها القصي عني في مداه
نزقة. .رعناء. .خفيفة.. مشفقة. .ودودة.. جريئة.. وقحة
تخرج كل مساء لتتجول في الطرقات الخفية بروحها المتجذّرة في الرفض
وهيئتها المتحررة من القيود
وهي تحمل في خرجها الكثير من التمر والتين لتوزعها على الجن والغرباء
وتغني بصوتها المبحوح أغنيات يسارية قديمة عن الحرية والعدل والمساواة
وتبصق في وجوه السارقين والقتلة والمتلفعين بالكذب والرياء
تدغدغ الريح كل ليلة لتقهقه معها بصوت مشجوج
وتجمع الأصداف والحصى الصغيرة من خاصرة الكون
وتعود لتصفها في أشكال جميلة على مدخل المجرة كحلم مراهقة قبيحة
وهناك طفل متوحد متشبث بروحي بمخالب تجرحني
يحاكم هدوئي
ويفرض على دهشته وانفعالاته المبالغ فيها
يبكي لأتفه الأسباب ويفرح لأتفهها
وعلى هدهدته بقصيدة أو حك ظهره بأغنية حتى ينام
وهناك مغنٍ عجوز مخمور ومعطوب دائما
يحمل آلته الموسيقية
يقف على ناصية الوجع يعزف حتى يستثير قلق الليل
ويوسعه بحمى الريبة والألم
وعلي أن أشاركه طقوس البكاء
وثمة فتاة تذهب في العمر الأول تحمل كاميرا سيئة
تهتم بمظهرها بشكل كبير وساذج
وتتربص المارة لتلتقط لهم صورا بشعة
ثم تضحك ملء قلبها
ولاحقا تبكي بحرقة
و……………………………..
و……………………………..
وكل صباح أنفض رأسي بقوة ليتساقطوا واحدا واحدا
وأمضي -محاولة- كخنجر شره يقطع أوردة النهار بخفة
لا يحدث أبدا أن تكون كاملة التكوين
فدائما ثمة ذيول وبقايا متناثرة هنا وهناك
وما أن يحل المساء حتى يهبطوا بأجنحتهم الرمادية
وأحذيتهم المشوكة
ويتناوبون على الرقص عند مدخل روحي تماما
فتبدأ ورشة العدم
بالقليل من التدوين والكثير من العبث
فتستحيل الخفة الثقيلة ثقلا خفيفا
ويشتعل الرأس بالحكة والألم
 

الثلاثاء، 26 أغسطس، 2014

شذرات جارحة

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
26- 8 -2014

1.
الكون يتحول لمسرح عبثي هائج، ولا يمكنك أن تفهم شيئا أو تستوعب كل هذه السقوطات المتكررة، وهذه الفتنة المترامية من الماء للماء؟!
كيف يرى البشر المعايير معكوسة؟! وكيف يحيدون عن الجمال والوعي والحرية باتجاه القبح والقيد والذل وداعش وما شابهها؟!
أي عصابات وغشاوات جاهزة صنعها الزمن والبشر، حتى لم يعد البعض يستوعب نصاعة الألوان ووضوح الرؤية؟!
(وليس يصح في الأذهان شيء ** إذا احتاج النهار إلى دليل)
رفقا بنا يا الله فنحن نمشي للوراء منذ زمن طويل بلا نور ولا دليل ولا أمل في الانتباه، وليس إلا خطوات عن الهاوية، وبين كل هذا التراجع والسقوط مسافة لا ينتبه لها أحد!
2.
الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا شك فيها، أما الحياة فهي رحلة ممضة من الريبة ومحاولات الفهم الناقصة والجزئية والمحكومة بمدى الرؤية والوعي، واشتراطات العبور والاستنارة المتاحة لكل منا حسب محاولاته وظروفه والتجارب الداخلية والخارجية.
وصدق أبو العلاء حين قال:
ضجعة الموت رقدة يستريح الـ **جسم فيها والعيش مثل السهاد
3.
المتسقون مع واقعهم، مع أفكارهم، مع رؤيتهم الجانبية/الكلية للحياة، مع أحلامهم الطبيعية، وحضورهم الممتزج بالأخطاء والجهل، والمعجون بالحياة بكل حلاوتها ومرارتها، يضحكون حين يستوجب الضحك، ويبكون مع موجبات الألم في وقت سينتهي لا محالة بلا سعي للمثالية أو التفرد أو حتى المغايرة، وبلا إيغال في الحالة أو امتداد في الملتبس منها وبلا سعي ضمني وراء المختلف والموجع..
ما أسعدهم!
والخارجون على السائد، المنسلّون من المباشر والحتمي والجبري في طقوسه وملابساته، الذاهبون وراء البعيد والماورائي والحالم والمتخيل، المأخوذون بالتحليل والتفكيك والتعليل لكل ما يعبر أرواحهم وأجسادهم، ممن يفندون الأشياء ويختبرون مالا يدركون، ويوجعهم الجاهز والخارجي والسطحي، ويتّحدون مع الجوهري والموغل من الحزن والفرح ومن الحقيقة والوهم.
من يبحثون بأظافر الروح عن مخابئ الألم ليلتذّون بالتشظي على نصاله بعمق ووعي، ويحلمون بضحكة تقطع شرايين القلب لشدة عذوبتها غير مكترثين بالمناطق الوسطى والخفيفة من المشاعر وملامسة الأشياء.
الذين يعيشون على هامش الحياة وفي قلب الأشياء الصغيرة والبسيطة منحازين للهشاشة والوهن والاختياري لا الجبري من التفاصيل، منسلّين من الأشياء الكبرى والجامدة للغائم والمرتبك والبعيد من كل شيء.. ما أشقاهم!
4.
العمة الطيبة الحنون التي عبرت هذه الحياة بخفة وهدوء، بلا ضجيج أو افتعال، أو تعال أو تصنع، أو ترسم أو ترسيم لحضور أو غياب؛ كانت تضحك بلا مبرر كاف، وتبكي بلا مبرر جارح، وتحب بلا مبرر عميق، تحب كثيرا ووفيرا لأن الحب هو كل ما تستطيعه وتجيده وتعرفه وتؤمن به.
كانت تحب بقلبها الذي يتسع للجميع، وحتى حين ثكل ذلك القلب باكرا وكثيرا في صغيرها الأحب، لم يضق بل اتسع أكثر ليتحد مع الموجودات والوجود، والحياة والموت معا، ولتصبح زيارة المقبرة طقس حنون، وفضفضة يومية بين أم وابنها عن البشر والحياة على فنجان قهوة أو وجبة طعام، لا يمنعها أنه تحت التراب وهي فوقه.
وكانت تحب بلسانها الذي يذوب الكلام عليه فلا ينطق بسوى (أماه وأبوي) للأصغر والأكبر بلا عناية بالكلام ولا ترصيع له بالكذب والمباهاة والتصنع.
وكانت تحب بأقدامها التي تذهب في طرق الحب للجميع بلا (شره) عتب، ولا مجازاة ولا محاباة، تذهب مشيا على أطراف قلبها، فهي تحتاج الحب فتذهب إليه.
وتحب بيدها، يدها التي تبث بها الحب في الكون بحنان جم، وهي تزرع شجرة ليمون أو بيذامة ستقيها حر القيظ، وسيتسلقها أطفالها ممن أنجبهم قلبها وليس رحمها غالبا، وهي تلامس وجوه الكائنات التي تربيها بحنان يفوق تعامل أم مع أطفالها، وهي تتلمس بحنان أعمى الوجوه التي تحبها، وهي تحضّر اللبن، وهي تضع لقمة خبز مغموسة بالدهن في فم صغير أو مريض.
العمة التي عبرت هذه الحياة بصمت وقناعة وانحياز كلي للظل والداخل، ذهبت في طريقها في الحياة مؤمنة بالرب والحب والإنسان، ومضت فيها هانئة وراضية مرضية، وحين سرقت منها الأيام فرحها الأكبر والأثمن؛ لم تذهب في الحزن والعزلة كما يفعل العاجزون والناقمون؛ بل ذهبت في الحياة والحب تماما، أورقت كسدرة كبيرة تظلل الجميع بالمحبة وتمد أطرافها لتضم الجميع لصدرها رغم أنها كانت تذوي في العميق منها، ويأكلها المرض بتؤدة وصمت، ومع ذلك كانت ترمم روحها بالحب، وتحتمي بالمودة وتنتمي لوشائج الرحم، وذوي القرب، وتعمد القريب والغريب بشفاعة الود ونور البهاء الروحي الذي يطل من شرفات روحها النبيلة، فكانت تسارع للخير وتعانق قلوب المرضى والأقارب وتوزع ترياق الأدعية على كل من تعرف ولا تعرف.
العمة التي يفترش الآن جسدها التراب في قريتها الصغيرة هادئة راضية بالقرب من أحبابها (أبنها الأحب وزوجها)، وتبتسم روحها في اﻷعالي لكل من مر على روحها الطيبة وأدى فروض المحبة، ولكل دعاء أصابها بالفرح، ولكل رحمة نزلت على روحها بسلام واطمئنان، وكل طفل كبر بالقرب من قلبها أطعمته بيدها أو مسحت على رأسه بحنان وأودعته الكثير من المحبة والسلام بكلامها الليّن الرقراق، ولكل مكان وروح عانقتها في حضورها الطيب على هذه الأرض، ولكل التفاصيل التي تركتها الآن، وهي ترفرف للأعلى بخفة غير متعلقة بشيء وغير متعالقة إلا مع الحب والخير والسلام الذي شملها حية وميتة.
أيتها النائمة في التراب، والسابحة في الأعالي لروحك الرحمة ولقبك السلام هنا وهناك
5.
«فهي لم تكن تملك, في مقابلة عالم التفاهة الّذي يحيط بها , إلا سلاحاً واحداً : الكُتب !»
ميلان كونديرا
 

السبت، 23 أغسطس، 2014

داعش وأخواتها

فاطمة الشيدي
القدس العربي
23- 8 - 2014
 
 
يقف الإنسان وسط هذه المعمعة من العبث والجنون والفوضى التي تحدث في الحالة العربية من الماء إلى الماء، والتي لا تندرج تحت أي مستوى من الفهم أو التحليل أو التنظير، بعجب واستغراب ودهشة، متسائلا لماذا يحدث كل هذا؟ وكيف أصبحت «داعش» وأخواتها بديلا عن الحرية والعدالة الاجتماعية التي نادت بها الثورات العربية؟
وكيف تخرج علينا هذه الجماعات الغريبة من بيننا، من مجتمعاتنا البسيطة التي يعبد أفرادها الله بفطرتهم السليمة، ويسعى معظمهم وراء لقمة العيش والستر وقلوبهم مليئة بالإيمان، وعامرة بالتوحيد؟ وكيف تنبثق هذه الحالة الدموية العنيفة من أنبل فكرة شهدتها المجتمعات العربية، وهي ثورات الربيع العربي التي رفع شعاراتها مجموعة من المقهورين والفقراء والمظلومين، الراغبين في الحرية والعدالة والإنسانية؟
هذه الجماعات التي لا تنتمي إلينا، ولا تشبهنا، بل كأنها عاشت وربت أفكارها بعيدا عنا، وربما بعيدا حتى عن الحياة والبشر والعصر، ثم خرجت علينا بهيئتها ووعيها الغريب، لتتحكم فينا وتقتل، وتعيث في الأرض فسادا باسم الرب، منادية بما لا يقبله عقل ولا منطق ولا وعي.
فمن هي داعش؟ ومن صنعها؟
هل هي جماعات دست بيننا من (الآخَر) المعروف بكل أهداف وأطماعه، والذي لا يريد لنا التقدم والتغير، لأن ذلك يهدد مصالحه الاقتصادية والعسكرية، وترعرعت بيننا على مدى طويل من الزمن والفكر الممنهج لصناعة العنف والموت والتخلف؛ لدرء كل ممكنات التحضر والعصرنة والذهاب في الوعي والحرية التي تسعى إليها المجتمعات العربية بعد زمن طويل من التخلف والابتعاد عن ركب الحضارة، وبالتالي فهدف هذه الجماعات قطع الطريق أمام إنساننا المقهور للحرية والعدالة، ومنعه من الخروج من شرنقة الذل والاستعمار والركود الإنساني والعلمي والحضاري، وتأخير ذهابه نحو المستقبل وإعاقة استعداده للتقدم، بشغله بحروب جانبية، وفوضى وعبث لا سبيل له للخروج منها بسهولة ويسر.
أم أن هذه الجماعات تهدف ـ بتلك الأفكار الغريبة على الإسلام وعلينا ـ إلى إضعاف الدين في قلوب الناشئة والمجتمع، وتفتيت القيم النبيلة والعظيمة التي يدعو لها الإسلام، والتي بات الغرب يعرف جيدا أنها متى ما طبقت بوعي ومسؤولية فهي قادرة على تحرير الإنسان من رواسب الجهل، وحثه على تعمير الكون؟
وبالتالي فهدفها تحطيم وتشويه تلك الصورة النبيلة للإسلام، وتقديمه على أنه شر محض؛ ليبتعد عنه الشباب والناشئة وربما الجميع، وبالفعل فالصورة المعتمة والبشعة التي يقدّم بها الإسلام اليوم في كل مستويات الإعلام لا تدفع أحدا لاعتناقه والتمسك به، بل ربما تدفع الإنسان المتديّن لمراجعة موقفه من حقيقة هذا الدين، وذلك الإيمان!
وهذا الهدف (تشويه صورة الإسلام) وارد جدا ومنطقي، سيما إذا أخذنا في الاعتبار ظاهر معالجاتهم للمسائل الدينية، بعيدا عن أي تأويل وقراءة وعمق، والوقوف عند تفاصيل واهية، ومسائل بعيدة كل البعد عن جوهر الدين الإسلامي وحقيقته الكبرى، وأفكاره العظيمة، ورسائله الإنسانية والفكرية، كختان النساء، وجهاد النكاح، وفرض الجزية وغيرها من المسائل التي لا تتجلى إلا في الأدبيات الغربية «المشوّهة» عن الدين الإسلامي، والتي تنطلق من رؤيتهم الناقصة، وتركيزهم على المجتزأ والهامشي منه. وهذا تماما ما تفعله داعش وأخواتها الآن!
كما أن قوتها العسكرية التي تهزم جيوشا مدربة ومكتملة التجهيزات تدعو للريبة، إذا أخذنا بالاعتبار كونها مجرد جماعات غير منظمة، أو منضوية تحت أي بلد أو تنظيم استراتيجي، أو حتى خارج أي دعم مادي من حكومات أو مؤسسات مالية كبرى، وبالتالي فالذهاب وراء عقدة المؤامرة وامدادات الآخر تصبح أكثر منطقية وأشد تصديقا هنا.
أم هل هي امتداد ونتيجة لحالة التحجر الفكري الديني العربي، بمنع التأويل، وتحريم الاجتهاد، ومحاربة الفكر والمفكرين وتكفيرهم، وإبعاد الناس عن محاولات فهم الدين العميقة، وتتبع غاياته الجليلة، وإدراك مراميه العالية، وأهدافه الرفيعة، وتوطين التبعية الفكرية الدينية المطلقة لرجال الدين بلا مناقشة ولا تفكير، بسير العامة خلف رجل الدين مهما كانت قدرته على التحليل، واستنباط الأحكام، وتفهم حالة العصر والبشر، وربطها بأحكام الدين عن طريق الاجتهاد في الفتوى. الأمر الذي أنتج حالة من الفهم الخاطئ أو القاصر أو الناقص للدين عند العامة من الناس، والوقوف عند ظاهر القول من الأحكام.
وبالتالي فداعش وأخواتها هي حالة أو جماعات فكرية ودينية أفرزتها الحالة الدينية العاجزة عن التفكير والتحليل، والرافضة للتأويل، والمانعة لمحاولات الفهم العميق للدين في عالمنا العربي المريض بالكبت والمنع والقهر.
أم أن داعش وأخواتها ببساطة هي صناعة الحكومات العربية التي هيأت لها أسبابها من الجهل والفقر؟ فالإنسان العربي البسيط اللاهث وراء الرغيف ليس لديه الوقت للتفكير ومحاكمة الأفكار، فهو مشغول حتى الوجع بلقمة العيش، فإذا انبرى من يوفرها له، فسيذهب خلفه بلا تفكير ولا مساءلة، كما أن وعيه الذي لم تتحقق له مسببات النضج الذي يساعده على التمحيص للقبول أو الرفض لن يدخل أي فكرة في محاورة أو مختبر شك، فلقد تربى على التبعية الفكرية والانقياد الطوعي المباشر لكل من هو أعلى منه، ضمن أي مستوى من السلطة (الحكم أو المال أو الفكر) وبالتالي فهو لا يملك فعل المقاومة للجاهز أو الطارئ من الأفكار.
كما أن المواطن العربي البسيط لا يقرأ كي يفنّد اليقينيات، أو يزحزح الثوابت، أو يفهم الرياح القادمة من كل حدب وصوب في هذا العصر المليء بالأفكار والمتغيرات. وهو أيضا ـ للأسف الشديد ـ لا يثق بالمفكّر الذي يمكن أن يساعده على فهم ما يجري بتوضيح وتفتيت بعض الكوامن الخفية على فكره ووعيه الذي يتعامل مع المباشر والخارجي من الظواهر، أو يحذّره من عواقب الانصياع لكل جديد مجهول، أو قادم طارئ قد يجره نحو الهلاك، وهذه هي مسؤولية المفكر نحو الأمة والإنسان، وهذه وظيفته لتفكيك وتحليل الظواهر، ومحاولة إيجاد مسببات الطارئ منها، واقتراح حلول للتعامل معها، والخروج بتنظيرات فكرية تساعد المجتمعات والأفراد على تجاوز المعضلات والأزمات الاجتماعية والفكرية.
إلا أن المفكر العربي قد حيّد عن هذا الدور من زمن طويل، كما وأحدثت قطيعة جبرية بينه وبين الشارع، وشوّه كل منهما في عين الآخر، فقُدّم المفكر للمجتمع على أنه كفر محض وشر مستطير، وتربى المواطن العربي على أن يثق إلا برجل الدين والسياسة فقط، فابتعد المفكر لداخله أو لأبراجه البعيدة.
وبالتالي فظاهرة كداعش وأخواتها قدمت بتأطير ديني ـ وإن كان خارجيا وشكليا فقط ـ فهي مدعاة قبول عند المواطن العادي، الذي يحكم على البواطن من الظواهر، وعلى الداخلي من الخارجي غالبا، بلا تمحيص ولا تدقيق، فهو سهل التصديق للغايات المعلنة، والأهداف الظاهرة من الأمر، بل قد يأخذها بإيمان مطلق، ويذهب فيها كل مذهب بدافع التقرب للرب، وتحقيق رسالته، وتصديق من يتكلمون باسمه.
وبذلك فكل فرد عربي هو مشروع إنسان «داعشي» تابع، يتربى على الذهاب الأعمى وراء كل فكرة باسم الدين، ووراء كل محرك أو قائد يقود الناس نحو فكرة معينة باسم الرب، ويسند لهم أدوارا معينة لقتل الناس، وتدمير الحياة، والعودة للخلف قرونا من الزمن، ممنيا لهم بمغريات الحياة الدنيوية من السلطة والمال والنساء «السبايا»، والحياة الأخروية من الحوريات والجنة.
وهكذا تتعدد الأسئلة حول داعش وأخواتها ـ التي باتت كابوسا عربيا مرعبا للإنسان الذي كان يحلم بالذهاب وراء المستقبل في قريب الأيام، ليجد نفسه عائدا في الزمن والحضارة، بعيدا في الماضي بشكل مرعب ومخيف ـ ولا إجابات واضحة أو محددة لها تماما، إلا أن الغالب أن داعش وأخواتها نتيجة كل هذا معا، من فقر وجهل، وكبت وقهر، واحتكار الدين والفكر داخليا، تغذيها وتمدها بالقوة والسلطة أيدٍ خفية خارجية.
وبالتالي علينا جميعا أن ندرك أن داعش وأخواتها جماعات إرهابية طارئة مدسوسة بيننا، يرفضها جوهر الدين الإسلامي، وجسد المجتمع العربي الذي يحتاج تجاوز الحاضر للغد بقوة وسرعة، ولا يحتاج من الأمس إلا جمالياته وتاريخه وحضارته، كما علينا أن نربي في إنساننا البسيط جماليات الوعي، ومحاكمة السائد والجديد معا، بكل الممكنات والوسائل الإعلامية المتاحة التي تصل إليه، حتى لا ينخدع بكل دعوة تحمل اسم الرب، وإن كانت في حقيقتها عدوانا وإثما، ونزرع في جيلنا القادم روح الدين الحقيقي القائم على القيم الرفيعة؛ كالتسامح والمحبة والعدل. ليدرك أن داعش وأخواتها لا تمثل حقيقة الإسلام، وأنها ليست دولة، وليست إسلامية.
كاتبة عُمانية
 

الأربعاء، 20 أغسطس، 2014

وردة : قلبي سعيد وياك ياحياتي

أغنية في رأسي، تنام معي، تستيقظ قبلي، تهزني بعنف «هيا قومي لنغني ما»، تدرك أني لا أحب الصباحات الباكرة، لكنها كطفلة عنيدة تجبرني على النهوض، على الانصياع لجنونها المطلق، أهب روحي للمسافة تنهبها، للصمت وللقليل من الحذر، تقشّر خوفي، تتمكن من قلبي تماما، تستحوذ على ممكنات الفرح، تدغدغ الجراح الغافية على أجنحة الوقت، فتتحرك بخفة، كنورس يجس نبض الماء باحتراف، أو كشجرة طيبة تذهب في السماء الشاهقة بحنان مجيد للأرض، تتحرك في مسارات الدهشة، أغنية بيضاء كزنبقة، خضراء كقلب أشفق من مهاترات الكون وحروبه التافهة، فتعطر بالمحبة ونام.
أغنية «قلبي سعيد وياك ياحياتي» بصوت وردة التي تزرع في شغاف الروح حقل ورد بلدي، وتستقرئ فرح الروح بشفافية مطلقة، وتمنحها أجنحة لتحلق في سماوات زرقاء بعيدة.
أفكر أنه ينبغي أن يعلق هذا الصوت في أقدام حمامة زاجلة بيضاء، أو يوضع في زجاجة يحكم إغلاقها وتلقى في بحر عمان؛ كرسالة طويلة جدا وأبدية، ثم يقرأ عليها كل تعاويذ السحرة والمغايبة في جبال الحجر لتصل لكل العاشقين والمجانين والطيبين فترأف بهم، وتنعش أرواحهم الهائمة وقلوبهم القلقة بفعل المحبة العظيم.

الثلاثاء، 19 أغسطس، 2014

نثارات الفرح

 

جريدة  عمان - ملحق شرفات
الثلاثاء 19 - 8- 2014
فاطمة الشيدي
1.
المرأة والرجل الأكثر خفة من قطين مشردين
تبادلا النظرة الطويلة الساهمة عبر رصيفين متقابلين ذات سغب للحب
أو طائرين غريبين التقيا صدفة في جزيرة مجهولة
فأرخى كل منهما جناحيه المتعبين لفكرة الوطن
الرجل والمرأة اللذان جاءا لهذه الحياة من طريق معتم وبعيد
وعاشا في زاوية خلفية للمشهد الكبير على ضوء شمعة وألم
كانا يكبران في الظل
رافضين حدود الترسيم الباهت للسائد
أو فجاجة الغفلة الناعمة
مؤمنين بالجوهري والمعتم والأصيل من الجراح
والموغل والعميق من الجذور
صامتين عبر الحياة حتى اليباس
ضامئين في خدور الغيم حتى العطش
متوارين في العتمة المورقة
يكنزان الأحلام ويربيان الوجد
ويشفّعان الكتب والأغنيات في لسعات الحنين والوجد
ويهربان قلبيهما المتعبين في رواية أو فيلم
ويقفزان فوق النتوءات
يختبران الأشواك والعواصف
ويرتقان ثقوب الشراع من الصدمات، واللهفة العابرة
الرجل والمرأة (المذكوران أعلاه)
أصبحا يتورطان كل يوم أكثر في شراك التفاصيل الصغيرة
التي تقيدهما لبعضهما وللحياة بشكل مربك
فأصبحا يضحكان بلا سبب مقنع تماما كلما التقيا
ويصمتان حيث ينبغي الكلام
ويثرثران في مناطق هشة ودافئة ربما تعاليا عليها زمنا
بل لقد نفخ كل منهما منطاده القديم عائدا
ملوحا للغيم (على الأرض ما يستحق الحياة)!
2.
أيها الفرح المستأنف صلاته عند ما تبقى من حنين المشارق والجهات
الذاهب -ما حلا للهفة- في تراتيل البهجة والأمل
وفي شهوة التفاصيل الصغيرة والكثيرة
وفي ارتدادات الصدى بين الخيبة والرجاء
وفي المدى
ها أترك لك باب العمر مفتوحا
ادخل على أطراف أصابعك
كلص محترف سيسرق براعم الأحلام الصغيرة
ويخبئها في حدائق قلبه ليورق بالروح والريحان
وبالندى
لا تحدث الكثير من الضجيج كي لا توقظ أحلام الموتى الغافية عند مدخل العمر
ولا تجمع الأصداف اللامعة في الممر الضيق
فهي تستحضر رائحة البحر لتضيء لقلبينا عتمة الاقتراب
ولا تتلفت كثيرا
سترشدك الموسيقى لما يجب أن تحمله معك بخفة
وستغمز لك اللوحة الجدارية الضاجة بالحياة
عما خلفته الحياة من ندوب في القلب الذي تسعى إليه
امسح عليها كما يفعل نبي أو قديس على رأس يتيم
وابتسم كساحر يخرج من أكمامه سحابات الفرح ومن قبعته أرانب الدهشة
لا تتمسح في الزوايا
فالتقديس لا يليق بالمجانين ولا بنساء المرايا والوهم
فقط استبح المزامير والزبر وغنِ
واحمل ألواحك للبحر
وأكتب بملحه ما يحلو لك على وجه السماء
وابحث في زرقته عن تلك اليد الوحيدة
ستجدها ممدودة على اتساع الشغف
وعلى مد الجنون
خذها إليك بحنان جدة تعطي الحب بلا مقابل
وحينها ستفتح هي لك المزاليج المغلقة
وتدلك على كنزها المخبوء
هناك ستعثر على أمشاط شهرزاد وعلى بقايا الحكايات على فمها
وعلى تفاصيل لم يذكرها الرواة في المتون المدهشة
وعلى ما تسرب من غناءات الجواري في المدى الممتد بين شفتين وقبلة
وعلى رائحة العطر المعتق في قوارير اللهفة
وعلى خمر العشق و(طيب العناق على الهوى)
ضم كنزك لقلبك وارفُ شقوقه الكثيرة
ليعود أبيض أبيض
سعيدا لم يمسسه سوء
 

الاثنين، 18 أغسطس، 2014

في تاي لاند .. بين مدينتين


أ.
في السفر والغياب؛ ثمة فرح ظاهر، وشجن خفي، وبينهما مسافة موغلة من الصمت الذي لا يريد أن يقول شيئا، ورائحة بلا ملامح توحد بين الأمكنة والوجوه في دائرة الحنين لما لا نعرف، وثمة انغماس كلي في كل شيء بلا نية كاملة لأي شيء، وكأن ثمة تواطؤ ضمني وحميم على الالتذاذ بالمجهول كيفما اتفق.
ب.
في تايلند وفي الصباح الذي ليس باكرا تماما دعوت المدينة على فنجان قهوة في بهو الفندق -الذي أسكنه مع شريك العمر، وصديق الروح في رحلة حلم داخلية أكثر مما هي في المكان- على أن نتمشى قليلا بعدها لتخبرني عن تفاصيلها الدقيقة، وجنونها المغري وهيئتها التي تبدو مدهشة بتمازج فوضاها الخارجية ونظامها الداخلي؛ حين التقينا كانت تبدو شبه ناعسة، تتثاءب بدلال امرأة، تنسل من الفراش بهدوء ثم تبدأ يومها على عجل، تمشي في الشوارع وتسكن الأكواخ وتحيا بين الناس، لا يقلقها الصخب المحيط بها، ولا حركة السياح الكثر الذين تركوا بلادهم الحارة سعيا وراء كل هذا التنوع الثري في الحياة والبشر والطبيعة. كنا هي، وقلبي الـ(سعيد) وأنا، نتمشى معا تحت رذاذ المطر في شوارع «بانكوك» حيث الحياة تبدو أقرب للأرض، وللإنسان، وللكائنات، ولله معا، هي تخبرنا عنها، ونحن نصغي باهتمام يليق بها وبنا.
ج.
في (بوكيت) مدينة الغرق والعشق؛ لأربعة أيام استثنائية بين (بوتنج بيتش) وجزيرة (جيمس بوند) ومصنع اللؤلؤ الطبيعي والأحجار الكريمة، ومزارع الكاجو، والشطآن الممتدة من القلب للقلب. كانت أرواحنا تطفو في محراب الدهشة والجمال الطبيعي والإنساني،ثم تجثو أمام عقل الإنسان الذي هيأ كل السبل لصناعة الحياة وتهيئة المكان؛ لتكون السياحة مصدر الرزق الأهم، مستعينا بكل الممكنات من جمال الطبيعة وخيراتها، واستثمار سعي الإنسان للبقاء بكل طاقته ووده ولطفه وبكل الكائنات اﻷخرى، وتعمد لبث الجمال في كل خلاياك، وسلبك ما تستطيع من مال لصالح حالتها السياحية وأنت تبتسم بفرح، وتراها وهي تعمد لتوزيع الأدوار والتعاون العميق والنظام الدقيق المقر سلفا بعرف اجتماعي واقتصادي غير معلن بين أبنائها بلا احتكار ولا جشع ولا قوة بطش.
بوكيت المدينة التي يدللها الماء (البحر والمطر) فتمد يدها لتدلل غرق السياح الهاربين من العتمة والضوء ومن الضجيج والهدوء معا .
بوكيت التي لوحت لنا بابتسامة ودودة وزخات مطر كثيفة كأجمل ما يكون اللقاء والوداع معا.

الثلاثاء، 12 أغسطس، 2014

غزة شوكة في القلب.. توجعنا ..ونعبدها

 
جريدة عمان -  ملحق شرفات
الثلاثاء 12- 8 -1014
فاطمة الشيدي
 
1.
غَزَّ غَزَزْتُ ، يَغُزّ ، اغْزُزْ / غُزَّ ، غَزًّا ، فهو غازّ ، والمفعول مَغْزوز:
• غزَّ الثوبَ أو الجسمَ بالإبرةِ ونحوِها وخَزه وَخْزًا « غزَّ يدَ صديقِه بالإبرة (الوسيط)
- غزَّ سيفًا في عدوِّه «  أي طعنه (معجم اللغة العربية المعاصر) .
وهل «غزة» اليوم إلا طعنة في القلب العربي، والضمير الإنساني ؟!
2.
غزة دائما ومع كل انتفاضة تعيدنا إلينا، لقضيتنا، لإسلامنا وعروبتنا، لتاريخنا وجذورنا، وهي تفعل ذلك الآن بقوة -وسط هذه المعمعة من اللافهم والاختلاف حتى على ما كان لا يجب الاختلاف عليه وهو الله والإنسان والوطن.
لقد جعلت قلوبنا -من الماء للماء- تخفق معها بل تغلي وتحترق، وتتحفز وتتابع وتدعو لها بالنصرة كأضعف الإيمان الذي يستطيعه الفرد العربي المسلم، لقد أيقظت الإيمان الحقيقي المغروس في قلوبنا بقيمة الوطن الكبير، وجددت إيماننا بقضية الحق والعدل الواضحة تماما بلا خلاف ولا اختلاف حولها وبلا رتباكات و تعدد زوايا الرؤية.
بل لقد جددت قيمة صيامنا هذا العام، وجعلتنا نشعر بروح الإيمان الحقيقي التي تجمعنا في رمضان بعد أن كنا نمارس الأشياء برتابة لا عمق فيها، وصرنا مع كل قطرة دم ومع كل صرخة ومع كل خفقة قلب نشعر بأننا منها وفيها ولها، فتلهج أرواحنا مع البشر والحجر هناك «الله أكبر» .
3.
ياغزة :
دمعة واحدة نغرق فيها جميعا من المحيط للخليج
سكين واحدة تذبحنا جميعا من الوريد للوريد
صرخة واحدة تشق أرواحنا ونشفق منها معا
ولكن لا عزاء لك أو لنا
4.
حين يقتل أخوتنا في غزة باسم دين آخر، وبتفويض دموي قاتل من عقيدة أخرى لشعب يرى نفسه «شعب الله المختار» بعد أن احتلوا أرضهم وسرقوا أمانهم ومستقبلهم؛ علينا أن نكون مسلمين وفقط .
وأي حديث عن أي مراجعات للفكري الديني وما أنتجته الحالة الإسلامية «خارج المنهج الإسلامي الصحيح» من تخلف وبشاعة، وكل ما يدور من لغط وربما جنون لا يقبله أي عقل أو وعي، «يأتي فيما بعد»، وخارج غزة وفلسطين تماما؛ لأن غزة هي «المقاومة» لشعب محتل يقتل كل يوم بتعدد الأساليب بين حصار وتهجير وهدم منازل وغيرها، وأبسط أنواع المؤازرة بالقلب والمشاركة باستشعار حالهم، أما الحديث عن الإسلام السياسي وفظائعه التي لا ينكرها ذو عقل فلا ينبغي الزج به وغزة تقتل من عدو محتل. فالأمر بساطة أن فلسطين محتلة والمقاومة فيها من كل الفصائل فعل حياة واستمرار.
5.
ياغزة
خذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح أطفالك
ملحا للتاريخ الأسود
كفنا من ماء
صرخة في وجه الصمت العربي
ذاكرة من دم وتراب
حدثينا أحاديثك الراعفة بالعزة
وقصي علينا بعض القصص عما يستعصي على الفهم الآن
اجمعينا ضوءا بين رموشك
حزنا للزعتر والزيتون
صلاة للبرتقال وللبحر
قصائد من عصبية رعناء
وجهل غض أمرد
اجعلينا كلمات بلا معنى
تقول بعض الأشياء عن العروبة والدين
أضيفي لنا ما تجاسر من المعاني على القواميس كالكرامة والشرف
رددي علينا بعض الحماقات عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد
دعينا ننام في حضنك الدامي لنحلم بالحرية
قدمي لنا دروسا حية عن القومية والعدل
اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصة واليأس خرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبورا لشهدائك
كورينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزا أسمر يأكله الشهداء على عجل
حررينا من العجز الذي يكبلنا
ادرئي ولو قليلا هذا الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون
نحن أبناء التاريخ السذج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللغة الخضراء
نحن العزل إلا من قلوبنا ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق وبالإنسان
6.
لو كان المسلمون يدا واحدة وقلبا واحد بالمال والعتاد والمواقف السياسية والوطنية مع فلسطين الجريحة؛ لكانت هذه الهبة الباسلة من غزة كفيلة بتحرير الأقصى وطرد بني صهيون الجبناء حتى آخر جندي من اﻷرض الطاهرة.
فقد اجتمعت لها كل مسببات النصر من رمضان شهر الصيام والرحمات حتى تلاقي خفقات قلوب المسلمين في كل مكان ووعي الشباب بالعدو الأول، ووقوف العالم كله اليوم معها فقد أصبح يعرف أصحاب الأرض ويدين هذا العدوان الغاشم متحررا من طنين كذب الساسة والملمعين وأصحاب رؤوس اﻷموال.
ولكن الطريق إلى غزة محاصر بعجزنا وضعفنا، وموصولا بداعش وأشباهها من المدعين الذين يعيثون في الأرض والعباد فسادا وظلما ويتجاهلون فلسطين التي تعري انحرافهم عن الدين وبعدهم عن الله والوطن.
7.
ليست غزة أجمل المدن
ليس شاطئها أشد زرقة من شواطئ المدن العربية
وليس برتقالها أجمل برتقال على حوض البحر الأبيض
وليست غزة أغنى المدن
وليست أرقى المدن وليست أكبر المدن، ولكنها تعادل تاريخ أمة. لأنها أشد قبحا في عيون الأعداء، وفقرا وبؤسا وشراسة. لأنها أشدنا قدرة على تعكير مزاج العدو وراحته، لأنها كابوسه، لأنها برتقال ملغوم، وأطفال بلا طفولة وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات، لأنها كذلك فهي أجملنا وأصفانا وأغنانا وأكثرنا جدارة بالحب.
…………………….
محمود درويش .. الذي تأتي ذكرى رحيله هذا العام (9/8) وغزة كما كتب عنها وأكثر، وشعره روح كل انتفاضه، وقوة كل صرخة، ومصدر كل تحدي ومقاومة.
 
* "العنوان تنويع على مدخل قصيدة: عاشق من فلسطين ـ لمحمود درويش
"عيونِك شوكةٌ في القلب
توجعني… وأعبدُها
وأحميها من الريحِ
وأُغمدها وراء الليل والأوجاع… أغمدها
فيشعل جُرحُها ضوءَ المصابيحِ...

ويجعل حاضري غدُها"
 

الثلاثاء، 10 يونيو، 2014

تراتيل سيدة الحزن والجراح في مجموعة «على الماء أكتب» لفاطمة الشيدي

 

هاشم الشامسي
لا يمكن أن نفصل حالة الحزن التي تغمر الإنسان عن حالة الوجود والكون الذي يعيشه، مهما اختلفت الأمكنة والأزمنة، والحزن الذي يحمله الإنسان ناتج عن حالة التشظي التي يمر بها منذ الولادة وحتى الموت مهما اختلفت الحالة المسببة له، وأن حالة الفقد والفجيعة التي تحملها الروح هي أساس هذا الألم الدفين والجرح البعيد الذي يرافق الإنسان. ذلك أن الواقع الذي يتشظى كل يوم يغرس حالة من الصمت والفقد في الروح، ويرسم جانباً كبيراً من سلوك الإنسان وتفكيره.
إن الجرح الذي يرتسم في ذاكرة الشاعرة يحمل دلالة مأساوية غائرة في قلبها الحزين، وأن علاقة الشاعرة في البحث عن الحرية والعدالة المفقودة تعمل على تحديد نمط حياتها ووعيها وتفكيرها السياسي والاجتماعي، فكل شيء يتماهى في هذا الغياب.
هكذا تأخذنا الشاعرة فاطمة الشيدية في مجموعتها الشعرية (على الماء أكتب) الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت عام 2014م.
المجموعة تقع في ثلاثة أبواب، الباب الأول (نفاف القلب) ويحمل عدد ثماني قصائد، أما الباب الثاني (مسوَّدات الغرق) فحمل عدد ستة قصائد، أما الباب الأخير «من الماء إلى الماء) فحمل إحدى عشرة قصيدة.
إن ثيمات مثل الحزن والجرح والتمرد تكتسي بها مجمل قصائد المجموعة الشعرية وإن توزعت أدوارها في الأبواب الثلاثة المذكورة، ذلك أن الحزن الذي تحمله الشاعرة والجرح الدفين ما هو إلا انعكاس للحرية المكلومة في صدرها، وتحمله تراتيل أحرفها المتمردة والمضمخة بالجراح والدم والدموع الحمراء وهي تتكئ على حواف الحزن كي يغتسل القلب من إثم الكلام.
تحمل الشاعرة حزناً لا تحده مسافة أو زمن، فهي تقول (كلما تحسسنا قلوبنا اشتعل الحزن؟) ص 23. الحزن كامن في قلب الشاعرة وذاكرتها، وكما تقول (وسأدفنُ القلب في دمعة كبيرة كي يغفو وحيداً) ص 16.
الدمع، اليتم، النزف، الدم، القبر، الغياب، الحنين، الفقد، العتمة، الموت، وغيرها من المفردات الدالة على الحزن والجراح، هي كامنة في روح وجسد الشاعرة، وترشح في دمها فتقول (ومن يسوي بيني وبين كل هذا الحزن الذي يرشح في دمي) ص 24.
إنه الوجع الرهيف الخطى الذي تحاول الشاعرة أن تجد له خيوطاً من الغيم تصعد به سلماً كي تجد سماءً أخرى أو فرح آخر تغتسل به بعيداً عن رائحة الخيانات والفقد، فهي تحمل نداءً مغسولاً بالدمع والحنين، ترتل أغنيات برائحة السلام، لعلها تفوز بقليل من البهجة، أو بحميمية الروح.
في قصيدة تعويذة حمراء تتصاعد نبرة الاستياء والحزن، فهي كما تراه (في الدمع المولع بالجمر والنار المستعرة في الصدر) ص 37، أو (في رائحة الدم والندم) ص 38، (في الصمت الحاد، والنشيج المكتوم) ص 38، وفي (العين المغرورقة بالماء والشجن) ص 40.
في الباب الثاني (مسودات الغرق) تتصاعد نبرة التمرد، فهي لا تأمن حتى من الضوء الذي يرعبُ رأسها، وكل الضجيج الذي يدق طبولَ العواء في داخلها تستقيظ كائناتُ الفجيعة في دمها، تبحث عن هواء لصدرها.
(أصرخ لألملم صوتي المزدرد في حباله لأطلقه بحجم صرخة تغرقُ الكون في ضجيج لا يفنى) ص 60.
لكنها تبقى أسيرة لحزنها وجراحها، ترتل صلوات اليتم والوله والتهجد،
(وحزني الذي أطمئنّ إليه كوجه حبيب بعيد أو أيقونة للصلاة) ص 70.
إنها تحمل ذاكرة مليئة بالوحدة الداخلية والمرايا المعتمة بالدموع، ودم مليء بعواء الليل والوهن ووحشة مكتنزة بالحنين والصمت، أنوثة تبحث عن فجر يغسل القلب كي يسكنه وطن، تبحث عن شراع تعبر به عند اكتمال القمر، عن رائحة اللبان الصاعد من شرفات الحروف وعن آخر يلوح عند بحر عُمان بنص آخر.
تحاول الشاعرة في قصيدة تفاصيل العطش ص 75، أن تتمرد على قيد السجَّان الذي فرضه على الأنثى طوال آلاف السنوات حيث ظلت حبيسة أسواره ورغباته ومحرماته، تحاول أن تخلع قلادات الأسر التي كانت تمثل لها ذاكرة التبعية والنقص، تحاول أن تقول إنها ولدت حرة من رحم أمها، وأنها ملك نفسها وجسدها وضحكتها وعقلها وحبها، فهي كلها لها، رقصتها، نايها، وحتى الهواء الذي يغازل ستائرها، كل التفاصيل لها، تتأبط حريتها حين تهمّ بالخروج. إنها صرخة تطلقها لتعم الكون، لترفع صوتها بالغناء وتعانق البحر وتلتحف الصمت.
في الباب الثالث (من الماء إلى الماء) تأخذنا فاطمة الشيدية إلى أغنية الماء الحزينة، تفتش عن أصوات لها رنين الطفولة، تزهر أشجاراً في قلبها، لعل ثمرها مذاقاً لحبيب قادم، تفتش عن أوطان تسكن الشمس حرة، تحلم بضحكات لا تهرم وحب لا يفنى، تحاول أن تسمو وتجمل جراحها وذاكرتها وغربتها بحنين أكثر بهجة وألقاً.
تمضي الشاعرة وهي ترسم لها أصالة أكثر جمالاً وبعداً، تشق طريقاً مغايراً كي تصنع حلماً يلامس سماء العزة والكرامة، بصمت الوجع والحزن، امرأة تمقت مجتمع النقص والقصور وذاكرة القبيلة والمرأة المطيعة الزاهدة أنثى الببغاوات.
(كل شيء في حياة أنثى الشرق يؤثثُ الروح بالخراب).
ومتى نفيق من هذا الرقاد الطويل؟ ص 108.
إنها امرأة الأسئلة العصية، امرأة الماء، تكتب على دموع أحزانها وجراحها والغيوم المتجمعة عند مدخل قلبها، وهي تهطل بحروف الدمع الغاصة بالحنين، تحمل بوصلة الفقد بذاكرة ملبّدة بالهزائم والأحلام المستباحة. امرأة الصمت المنسل من مكابدات الأزمنة، الموارب خلف بوابات العجز والدموع والبكاءات المغلّفة بصمت يدق بمطرقته الطويلة رؤوس الصباحات والمساءات، الصمت المطوَّق للخيانات والانكسارات والعثرات.
(في صميم كل هذا الصمت
يتعثّرُ الوقت
يشتعلُ الموت
يبتسمُ المدى
وتتكاثرُ الأسئلة!) ص 116.
يبقى الحزن هو ثغرةُ الكلام والنداء إلى الحياة التي نقع في براثن غيابها وفقدها وأسفارها المرتعشة بالحنين، الحياة التي تغادرنا بقلوب غاصة بالنحيب والبوح المبلل بماء الحزن. الحزن هو أغنية لنداء الأم التي تمنحنا قيثارة الأخيلة ونايات العشق والمساءات الممطرة، الحزن الذي يصعد بنا نحو السماء بغيوم كحدقات عيون الأطفال، كرعشات الماء المملوء بكؤوس العاشقين، بالجراح المشتعلة ببراثن الغياب. إنها هذا النداء:
(يا قرابين الرؤيا العمياء
يا حدقات الغيم الواسعة كدهشة الأطفال أمام الجوع
يا رائحة الانكسارات المتسامق كنخلةٍ في الصحراء
يا شهيق الليل المدلهم
المتألهِ بالرهبة والشعر
حتى القصيدة وحتى البوح) ص 122.
تحمل الشاعرة شموعاً دامعة، إنها فنتازيا الدماء المضمخة بالمجازر والمقابر والملاحم، هكذا تلوح بنواح الحتف لشهداء الربيع العربي المبلل بالعرق والضحك والبكاء، إنه كما تقول:
(وسياط الليل تجلد اللحم النيئ
ورائحة العفن تكنس روائح الياسمين
في البلدة الخضراء) ص 132.
إنها تراتيل عشق الماء الصاعدة من خفقة القلب إلى حدود المسافات لتوقظ المصابيح من غفلتها، إنها صرخة طفل منكسرة في وجه العدالة الناقصة، عن لعنة الحدب من تائه في رحاب البسيطة، عن صلوات تسأل الرب عن رغيف من منجل يدمي وجه الشمس.
هكذا تحمل الشاعرة تراتيل أحزانها بعيون مفتوحة، وحناجر ملؤها الصراخ نحو الحرية، وكلما تعددت الطرق ضاقت المسافات بالعتمة، لم يتبق غير نهار كالح محبط بالهزائم والخيبات والحرية المغسولة بالدم وخراطيم مياه الخوذات.
هذه النظرة السوداوية التي تحملها الشاعرة عن واقع مأساوي دموي، وحلم كارثي تنهشه وحوش الغدر والخيانات كما تعبر عن ذلك فتقول:
(الزواحف تجلس قرب نوافير الدم
تشرب بلا ظمأ فالدم وفير
وحيوانات تعدوا في الأزقة والطرقات
بمخالبها تنبشُ القبور وتأكل الموتى
كي لايرووا الحكايات الصادقة) ص 144.
تمضي الشاعرة وهي توقد حروفها، فهي سندها، تتكئ عليها في كل خطواتها، فهي الأرض التي تمضي عليها، هي الروح التي تصعد بها نحو الحرية والصفاء، هي الخنجر التي تغرسها في وجه الغدر والخيانة، وهي نافذة الحب والجمال المفعمة بالوهج والعطاء، هي الماء العذب الذي تبلل بها ذاكرتها، تعانق بها من حفروا في ذاكرتها دفء الحميمية والكرامة والعزة، إلى جدها والد الماء والدم فتقول:
(أيها الماء العذب
المتدفق برفقٍ من تغضّنات العينين
تستعيدُ الرؤيا كلما ادلهَمَ الغسق
ومن انزمام الشفتين
تبثَّ حديثاً قديماً
ومن تجاعيدِ اليدين ترعى السواقي) ص 151.
تبقى الشاعرة دائماً رفيقة وشقيقة من روت مياه أفئدتهم وعطروا بعبق أرواحهم تراب هذا الوطن، ورووه بمياههم الدافقة، كي ينبتوا الزهر في القلوب، ويعيدوا للنخل شموخه وللصرخة الممزوجة برجفة الوطن عزته، تعزف أغنيات الخلود على الأرواح الطاهرة، للأمهات الراجفات بعيون الانتظار، للمياه الراعشة برضاب العشق، والدروب الراعفة بخطى الأحزان، تحمل دموعها المغسولة برائحة شجر السدر والسّمُر، وخطوات تستنفر مزامير الحلم باتجاه بوصلة القلب المضمخة بروح التمرد والقابضة على جمر الرغبات، لعلها تفوز بلغة لها رجفة الحُب والبهجة، أو تشد بحميمية على يد صديق له رائحة غابة.
يونيو 9, 2014

الأربعاء، 14 مايو، 2014

يا أساتذة الجامعات.. أين أنتم فعلا؟!

من تحقيق صحفي في ملحق شرفات بجريدة عمان
يا أساتذة الجامعات.. أين أنتم فعلا؟!

http://main.omandaily.om/?p=108474
.........................................................

رغم عقبات المؤسسات.. ليسوا كتلة واحدة

 من جانبها تتحدث الدكتورة فاطمة الشيدي عن سؤال التحقيق، فترى أن الأكاديميين ليسوا كتلة كاملة أو حزمة يمكن التعامل معها بشكل جمعي عام، الفردانية الإنسانية هي التي عليها أن تؤخذ في الحسبان رغم ...الحالة العامة التي يمكن النظر إليها بشكل كلي، فهناك أكاديميون يشتغلون ـ رغم الانشغالات التدريسية والعقبات المؤسساتية ـ على صناعة الوعي الجمعي النوعي، وتشكيل فكر المجتمع الحر بالمشاركة الفاعلة في نشاطاته واهتماماته وأطروحاته الاجتماعية والثقافية المتجددة؛ سواء بشكل فردي من خلال كتابة المقالات، والقراءات، والمراجعات النقدية والمتابعة الواعية والحثيثة لكل ما يدور في الحقلين الاجتماعي والثقافي لمجتمعاتهم من ظواهر تستحق التمحيص والتدقيق والتفكير. أو من خلال الاسهام في نشاط المؤسسات الحكومية والمدنية بين الفينة والأخرى.وتضيف الشيدية أن الأكاديميين قد يشكلون حضورا لافتا وفارقا أحايين كثيرة، وبالطبع هناك من هم بعيدون تماما عن الحضور والمشاركة والملاحظة أو حتى الاهتمام بالمجتمع وأنشطته وتوجهاته وتغيراته الإنسانية والفكرية المتجددة، لذا تجدهم يدورون في مداراتهم الخاصة، وعملهم الأكاديمي البحت (التدريس) خارج أي اهتمام أو مشاركة، وبالتالي يمكن وصفهم بأنهم يعيشون فعلا في أبراج عاجية، وربما هم محتجزون في أوهامهم وأفكارهم المتبناة نتيجة تراكمات فكرية وإنسانية معينة.لكن الدكتورة فاطمة الشيدي تعود لتقول أن الفكرة ليست ظاهرة كبيرة في مجتمعنا العربي لصغر حجم ودور الأكاديمي في صناعة التوجه الفكري للمجتمع أصلا، أو بناء الوعي أو تجديده، فغالبا السياسة والإعلام هما من يحركان المجتمع وليس الأكاديمي أو المؤسسة الأكاديمية البعيدة عن هذه الأدوار غالبا، ضمن المنظومة العامة لوعي المجتمعات بجهاتها السياسة والجمعية، وبالتالي صدقت المؤسسة الأكاديمية ذلك، ونأت بنفسها عن الاضطلاع بأدوار جبارة وفارقة في تشكيل الوعي وصناعة الإنسان.لكن مع الإصرار على أن هذه الظاهرة موجودة أو على الأقل هناك الكثيرون يشعرون بها تقول الدكتورة فاطمة: “إذا سلمنا – جدلا- بهذه الفكرة، (أي بعد الأكاديمي عن المساهمة في صناعة الوعي الجمعي والمشاركة في أنشطة المجتمع) فلا يمكن التعامل مع معطياتها الخارجية فقط، بل هناك أسباب كثيرة وكبيرة معلنة وخفية وراء بعد أو تحجيم دور الأكاديمي، ومنها السياسة التي لا تريد له أو للمؤسسة الأكاديمية دورا كبيرا أو أكثر من التدريس، والمجتمع الذي لا يهتم بهذا الدور أصلا ولا يسعى إليه، ولا يهتم بما ينتج الأكاديمي والمثقف من أفكار، ومطارحات ومناظرات للسائد من الافكار الجمعية أو حتى مواجهتها ومصادمتها بغرض زعزعتها وتغييرها أحيانا كثيرة، وبالطبع يتحمل الأكاديمي عبئا كبيرا في ذلك، فهناك الأكاديمي المأخوذ “ببرستيج” الحالة الأكاديمية، ويتحرك بخيلاء وزهو يمنعه من المشاركة والانخراط في هموم المجتمع وقضاياه، والتعاطي المباشر مع مشكلاته وحركاته ووعيه، وهناك الأكاديمي المحبط نوعا ما من كل شيء والمتقوقع على نفسه وفكره وعمله وتدريسه، وتتحمل المؤسسة الأكاديمية الكثير من العبء لتحجيم دور الأكاديمي في تشكيل وعي المجتمع، وتقليل قدرته على العطاء الاجتماعي، فقد لا تؤمن هي ذاتها بضرورة المشاركة الفاعلة للأكاديمي في المجتمع، وأثره في التغيير والتقدم، وقد لا تمنحه الكثير من الوقت أو توفر له بعض الفراغ ليذهب في المساهمة بصناعة مشروع وعي اجتماعي، أو تثقيفي أو مشاركة فاعلة في صناعة الإنسان والوعي. وبالتالي تختلف الظاهرة حسب زاوية الرؤية، والفكرة وإن كانت لا تخلو من الكثير من الصحة، إلا أن الأسباب المشكلة لها كثيرة وعميقة، وتحتاج الكثير من التفكيك والتحليل الموضوعي، تماما كالكثير من الظواهر الثقافية والاجتماعية المطروحة على الساحة”.

الثلاثاء، 13 مايو، 2014

الاثنين، 10 مارس، 2014

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ... تكتب على الماء

 
                                                   
 
راسم المدهون
جريدة الحياة
10 مارس 2014
 
 
في مجموعتها الشعرية الجديدة «على الماء أكتب» (دار الانتشار العربي – بيروت – 2014 ) تختار الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي ضمير المتكلم سياقاً لعصفها الشعري الناعم والمشبع برذاذ الماء كي تبوح قصائدها التي تشاء منذ البداية أن تضعها تحت عناوين ثلاثة «نفاف القلب»، «مسوَدات الغرق» و «من الماء إلى الماء». فاطمة الشيدي في قصائد هذه المجموعة الجديدة تنحني على أقنومين رئيسين لتنهل من ينابيعهما معاً: الحنين والذاكرة وتمزجهما بمشاهد الراهن وما فيه من موجودات تبدأ بالطبيعة ولا تنتهي بمفردات الأسى والحب والعيش.
قصائد تنتمي في صورة صافية لما يمكن أن أسميه هنا «صوفية معاصرة»، فالشاعرة إذ تحتفل بالحياة تفعل ذلك على طريقتها الخاصة التي تقارب أناشيد بالغة الذاتية تمتزج خلالها اللغة الإنشادية بأفق «واقعي» يجد معادله الفني في استقراء الصورة الشعرية ومنحها مكانتها الأعلى والأهم في البنائية الشعرية كلها. فاطمة الشيدي إذ تبوح وتسرد تلتصق بكل ما هو داخلي حميم لا يغيب إلا لكي يحقق وجوده في جماليات فنية تنتمي لشاعرية البساطة التي لا تفتعل ولا تتكلَف في تعبيريتها المباشرة ولكن المنسوجة من رؤى شفيفة:
«سأستفيض فيك وفيَ
في ظلام اليأس
وفي عافية الموت
سأطرز ثوب الحقيقة بمنمنمات الغياب
ولن أبكي حين يغرغر الطائر من لهفته»
أكاد أقول هي قصائد مائية بمعنى ما فالشاعرة تكتب سطورها بكلمات من رذاذ حيث يستدعي الشعر لغة مختلفة تنتبه لما في البوح الأنثوي من وشائج مع الحياة الطافحة بغزارة حدثها، والتي تثقل على الشعر إن لم تتداركه المخيلة الجامحة واللغة البسيطة، المكثفة والنابضة بحياة لها شكلها الفني المختلف. فاطمة الشيدي في كتابها الشعري «على الماء أكتب» تختار الصعب حين تنحاز الى تعبيرية جمالية تمزج السردية الشعرية بأفق العاطفة المباشرة والتأمُل، وتأمُلها لا يبتغي «حكمة» ما، أو «خلاصات قول» قدر رغبتها في استقصاء المديات البعيدة للألم. هي تكتب من هناك بالذات، من مساحات الألم الفردي في مسارات الحلم والواقع معاً، وقصيدتها لا تكتمل تماماً بل هي ترسم للقارىء باباً يفضي للمخيلة يحتاج أن يدخله القارىء بذائقته ووعيه معاً:
«كأنها ليست أنا
تسرق كل التفاصيل من سرَة الليل
تسردها لعميان الرواة
وتشرح الأسرار حين تفيض
وحتى المنتهى...».
ليست القصيدة في كتاب فاطمة الشيدي الشعري الجديد سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.
فاطمة الشيدي في هذه التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

السبت، 8 فبراير، 2014





فاطمة الشيدي

ماذا نفعل؟
نكتب
نخيط العدم، ونرتق ثقب المستحيل الكبير
نداري سوءة الحظ ونكتم أنين الدموع
ماذا نفعل؟
نغني لشهوة الحكايات النيئة، نبارك قيامات المقابر في الصفحات...
نحنط التفاصيل في لجج الفراغ
ونصطنع الخطوات المباركة للشلل النبيل
ماذا نفعل؟
نمشي على قفا خطوات الموتى،
على جمر النهايات والنكايات والعبث
وننتعل حرقة الصحاري القائظة
نشتم على بعد رحيق الجراح، نعتقها في جرار اللغات
أو نخبئها في مزارات أرواحنا الميتة
نتعفف عن الحياة بجملة من سراب النحيب
ونلهث، ونلهث خلف طقوس العواء
ماذا نفعل؟
نغني للخيبات قليلا كي تنام
ونسند انكسارات الشجر الميت في أعماقنا بنصب الكلام
وببعض الشجن
ندجج حرفة الشوق في شقوق الأصابع
وننتظر الماء خفيفا مريضا في مقل العيون
ماذا نفعل؟
نتهافت مع المتهافتين على لذة الفقد
ونتشرب عنفوان الرواء من قصعة الليل
ثم نشرئب في ابتهاج الغياب
ننسج حنينا في المدى الذي لا يطال
ونهرف بما لانعرف على صدور الهوامش والحواشي والبعيد
نردد خلف جوقة المجهول أناشيد الفتنة الغاربة
ونكبل أصابعنا بخواتم اللعنة في ردهات الشاشات والصفحات والغي
ونكتب نكتب
عما ليس هنا، وعما لا يجيء
نخبئ أفراحنا في صرة ونحكم الربط
ونصطنع دهشة كاذبة، وضحكة عابسة ،ونمضي بخفة مع الركب
نغني للقافلة كي تكمل رحلتها في السراب
ونستأنس بنحيب الكلاب
ونكتب .. نكتب
لننشر كل عام كتابا