الأحد، 28 أغسطس، 2016

شعرية الموت ودعائية الألم

 فاطمة الشيدي
القدس العربي


لم يكن عمران ـ الطفل السوري المنتشل من تحت الأنقاض والمصاب بجروح في وجهه قد تشفى، وأخرى في قلبه لا يعلم إلا الله وحده هل يمكن أن تشفى يوما ما أم لا ـ إلا حالة من حالات شعرنة الموت، ودعائية الألم والترويج الإنساني، التي تفرغنا لها أخيرا. فالطفل الذي عرضته الشاشات بتلذذ، وتاجر بصدمته البليغة، ودهشته الأكبر مما يحتمل قلبه الغض كل من استطاع ومن رغب أن يلصق بنفسه بعض النبل الزائف والإنسانية الجاهزة؛ كان عاجزا عن الفهم وعن الكلام وعن الصراخ في وجه هذا العالم الوقح، «اصمتوا أرجوكم، فقط اصمتوا. ودعوا لنا القليل من رهبة الحزن، وصدق الألم». وقبل عمران كان إيلان، الطفل الذي غرق في البحر، ووجدت جثته الصغيرة قرب الشاطئ، فتاجر الجميع بموته، وبحذائه الذي أشهره في وجه العالم انتقاصا وسخرية، فكُتبت له القصائد، ورُسمت له اللوحات.
وقبلهما وبعدهما الكثير من الأرواح التي تسلب وتزهق، وتنفى وتشرد في بقاع العالم الباردة كل يوم أو كل لحظة، بينما يقابل المجتمع العربي والإنساني الذي أصبح يعيش خلف شاشاته المتعالية والآمنة كل ذلك ببروده المعتاد، ودور المتفرج البعيد، فيحلل الموت، ويؤرشفه، ويؤرخه، وعبر وسيط اللغة والفن يحوّل الموت إلى قصائد هشة، والوجع إلى نصوص جاهزة، والألم إلى لوحات فنية أو أغنيات تشجي النفوس، وتطرب الآذان، فيحنّطه ليعيد إنتاجه مرة بعد مرة؛ ليكتب له الخلود. وهكذا يؤنسن الموت، وتعاد صناعته، وبرمجته بأشكال أخرى جديدة، أكثر عصرية وأكثر فنية وأكثر قابلية للتداول أو الخلود على حد سواء.
بل ربما أصبحنا نستفيد من الموت والألم، فنستنجد بهما لنكتب ونرسم ونعيش، فالموت أصبح قصيدة عميقة وجارحة، والأجساد الممزقة مادة فنية جاهزة للوحة عظيمة سيتناقلها الجمع بسرعة وبلا أدنى إحساس، فقد أصبحت شكلا فنيا، ومادة مستساغة للتداول. ولذا أصبح خبر موت آلاف البشر في قصف واحد بقذيفة غادرة ـ الخبر الذي كان بالأمس يروّعنا ويقضُّ مضاجعنا ـ خبرا اعتياديا، فليس أكثر من خبر عاجل مبثوث في قناة ما، أو شريط إخباري، نتشاركه على صفحات مواقع التواصل، لنخفف بعض أحزاننا عبر ذلك التشارك. وقد يشكّل مادة إلهام إبداعية لشاعر مغمور، أو فنان يعيد نسج ألوانه ليمنح نفسه قيمة ما على شاشات هذا العالم غير الآبه بشيء أو بأحد، والذي يتنافس الجميع لهاثا وركضا وراءه ليحققوا قيمة ما مهما كانت زائفة أو غير حقيقية للهروب من الموت قليلا. لأننا أبدا نظن أننا غير جاهزين له، ولسنا مستعدين بعد.
وهكذا أصبح الموت نصا جاهزا وقابلا للتحليل والقراءة بعمق وموضوعية وبأدوات فنية وتاريخية كما تقرأ قفلة لقصيدة، أو تتمة لقصة طويلة ومملة، أو نهاية مفتوحة وغير واضحة لفيلم سينمائي يحتمل التأويل. فتدرس الاحتمالات بكافة أوجهها، لمتلق خبير، أو مثقف ناقد في مكان ما، أو يقدم كفلسفة لحركة التاريخ «الذي يكرر نفسه» كما يقول ماركس، أو كعبرة آدمية للمؤمنين سيُكتب عنها لاحقا، وتتناقلها الكتب والتدوينات.
أما علي، فإنه يشاركك غربتك في بلاد من ذلك العالم الجديد الذي لا يشبهنا في شيء، ويسبقنا في كل شيء تقريبا، بلاد الحياة في مقابل حيوات الموت التي نحن منها، إذ كنت تجرجر خلفك ثقل هزائمك المكانية والتاريخية، وتسقط في فخ المقارنة والأسى الذي يدعوك له كل شيء تقريبا، كما تحاول أن تكتب نصك الخاص عن الموت والألم لتستمتع بإنسانيتك الكاذبة كالجميع تماما. ينتشلك هو بسحنة عربية طفلة وبلغة (تحتاج لترجمان) كما قال المتنبي الغريب الكبير، ليسألك: (ماذا تأكل؟)، فتعرفه خارج اللغة والمكان، وتبتسم له: (أنت عربي؟) وكنت تريد أن تسترسل من بلاد الوجع والقهر، (نعم، أنا سوري) . فتترقرق دمعة في عينيك وقلبك، سيلتقطها هو بحنان ويبتسم. لسيستمر الحوار بينكما ضمنيا أكثر من المنطوق، وكعراقيين سيحدثنا، لقربها (أي العراق) من لهجتنا، وقربها من جرحه. علي، الذي يعمل نادلا في مطعم تركي، يدّخر وجعه في قلبه المثقوب من كل زاوية، كي لا يهبه مجانا للغرباء ليأكلوا منه، أو كي يلمّعوا به شاشاتهم الرخيصة، أو ينسجوا به كتاباتهم الهشة، فيخبأه لحضن أم بعيدة، أو حبيبة قادمة، أو لقصيدة سيكتبها بدمه في زمن آخر.
خارج النص كنت أقول بحسرة: يا علي، ماذا تفعل هنا؟ لماذا تركت مقعدك الدراسي؟ وأصحاب المدرسة والحي والشارع؟ لماذا جئت إلى الغربة لتأكلك ببطء؟ ولتعقد المقارنات القاتلة ألف مرة كل يوم؟
كان علي حيا هذه المرة خارج الموت، ويمشي على قدمين خارج النصوص واللوحات والشاشات، خفيفا كطائر بحري، ما أن ينفض جناحيه من زبون، حتى يهرع لزبون آخر يدوّن الطلبات ثم يحضرها، فكانت وجبة الفلافل هي الأجمل من كل وجبات العالم المتقدم وطعامه لأنها مصنوعة بحب ووجع، وربما مغمّسة بعرق علي. وكانت ابتسامة علي وحركته أجمل من كل نصوص الدنيا الميتة السطحية والجارحة، ومن كل لوحات العالم القاتمة والمرحة، ومن كل شعاراته وشعرائه، ومن منظماته ونشطائه، ومن الكلام الفارغ الذي يغطي الشاشات بالكذب، ويطلق صفارات الإنذار والقلق فقط في مواجهة الموت.
علي، الشاب الصغير الذي قرر أن يعيش خارج كل نصوص الدنيا الباهتة، فلم يتحول إلى حكاية أو قصيدة تزيّن الشاشات، وتهب العزاء للنفوس العاجزة، ولم ينتظر معاش اللاجئ ليقتات به كالكثيرين، ولم يمدّ يده على أحد الأرصفة كما يفعل الكثيرون أيضا، الذين يتخذون وضعية السجود للمارة أو للقرش أو للألم والغربة.
اختار علي الوقوف خارج النص حيا، والعمل والسعي الحثيث ليقاوم أوجاعه بقوة، ويرمم أحلامه المنكسرة بدأب وتؤدة، ويهزأ بفكرة الاغتراب المقيت الذي يعرّش على الروح كنبات طفيلي يمتصها رويدا حتى تذوب منها حرارة الدفء والحب، وتخلف استسلاما ووجعا لا يبرأ، اختار أن يعمل كي لا ينتظر الموت، ولا ينتظر الوطن، وكي لا يتحول إلى شماعة لنص كوني يكتبه الخاسرون والمنتصرون على حدٍ سواء، بمهل زائف وحسرة كاذبة.
يتفرّع علي يوميا في الكونية خارج الشاشات، ويتكاثر خارج النص، ويتناسل في الحياة، يصبح وجوها تسبقك إلى المترو، وتركب معك القطار، وتجلس في المقاهي، وتسير بخطى هادئة في أمكنة قريبة منك، في بلاد البرد الخارجي والدفء الداخلي، وفي بعض بلاد البرد الداخلي والاحتراق الخارجي التي منعتهم أغلبها من المثول بين يديها. ستجد المهاجر واللاجئ يحاول التشبه بالمكان، في حركته ولبسه، ويخونه انكسار عينيه، ووجع كالقيد يثقل خطوته، وذاكرة ملتبسة ممتلئة لم تنظف بعد من طحالب العالم المريض الذي جاء منه. لذا فقد يبصق بعضهم في أي مكان، أو يسحق عقب سيجارته بعادية، فينظر إليه أهل المكان وبعض الزوار باستغراب، وستجد بعضهم يمتهنون ما يدرُّ المال كتجارة الجسد من طعام وجنس، فهذا ما خرجوا به من ثقافة القمع والعيب والحرام. ستعرفهم أحيانا من أصواتهم العالية، وضحكاتهم الفاجرة، وأشياء تعرفها جيدا، فهي ثقافة راسخة تحتاج الكثير من الوقت لتستبدل بثقافة أخرى. ستجدهم يترصدون أولئك الذين يحومون في الشوارع بملابس الرجال القصيرة، والخيمات النسائية المحكمة، والصخب الطفلي أحيانا، ينصبون شراكهم لأبناء المكان الذي خرجوا منه، والذين يحومون حول الجثث والطعام ببطونهم المنتفخة، وغرائزهم المسعورة والمشرّعة، ولذا يصبح كل مكان هو لذة مستبقة، ستنقضي لاحقا في مكان رخيص ليس آمنا بالحب.
ستجدهم في أي مكان، وفي كل مكان، أحياء يأكلون ويشربون وينامون. يبيعون ويشترون، يعيشون بأوجاع المنافي وأخطاء البشر، يحاولون الحضور في الحياة خارج النص، وخارج الشاشات، خارج التحسّر الكاذب، والزيف المصنوع، والمتاجرة الكونية بأوجاعهم التي تكبر كل يوم.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 23 أغسطس، 2016

ثلاثية الزمن والمكان والذاكرة

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
23- 8- 2016


الذاكرة هي فتيل الروح، تلك الجذوة التي تبقيك على قيد الحياة، إنها المدفأة التي تلجأ إليها حين يحاصرك البرد، والنور الذي تتّبعه حين تتغلّق المصابيح الحلمية في زمنك، ومهما حاولت التملص من الذاكرة فلا شيء يستطيع منحك الفكاك من شراكها الزمنية، كل لحظة تعيشها في زمن ما هي خيط رفيع ينسج كينونة حياتك ووعيك، ينسج روحك بمهل العشق وشفاعة الزمن، نحن لا ننسى بل ندخر كل شيء في ثقوب الزمن وتعرجات الذاكرة للحظة تذكر أو ذكرى، الرائحة تجلدنا بسياطها كلما دنونا من المكان/‏‏الذاكرة، رائحة ضحكة غافلة، ورائحة حنين قديم، ورائحة زمن يتجلى بكل مفرداته، ليأخذك من زمنك هذا لزمن آخر سيأتي، لم تظن في لحظتها أنك كنت فيه سعيدا، لكنه الآن هو الجنة المفقودة.
وعليك أن تؤثث ذاكرتك دائما عبر الزمن بالحب والأمكنة لتحوّل لحظاتك الآنية الممتلئة بالزمن لزمن آخر أوسع من زمنك، زمن برائحة، زمن من أزمنة الذاكرة تلك التي لا يغيّبها النسيان، ولا يرعبها الغياب. هكذا يشعر عشاق السفر أبدا، وهكذا يحملون مصابيح الفرح ليقتحموا الأزمنة الموصدة بأزمنة جديدة أكثر بهجة ورائحة، أزمنة حية، وهكذا يواجهون الذاكرة ببلل الروح وأغنيات المستقبل والأمكنة الجديدة.
كل هذا وأكثر يتداعى لروحك ما أن تصل إلى فيينا، بعد أن تتملكك أغنية أسمهان «ليالي الأنس في فيينا» فتمشي على نغم حضورها في دمك وسمعك وذاكرتك. فمنذ المطار وثمة إحساس ضمني يشعرك بالأمان، رغبة عميقة في الركض لمعانقة كل شيء، ولذا تتريث قليلا وأنت تخرج من بوابة المغادرين، فلا تريد أن تترك المطار بسرعة، المطار اللامكان بكل اتساعه وشجنة له رائحة غامرة وجاذبة في فيينا، ولذا تلجأ ورفيقك لأقرب مطعم لتحظى بإفطار بطعم المكان المختلف. أنت الذي تركت عاداتك الآسرة خلفك، بحثا عن الجديد الضمني أينما وجد.
تتركا المكان لاحقا عبر القطار (المترو) نحو البلاد، ثم تلوذا بصخب المدينة ومقاهيها لتكون القهوة مفتتح البدايات، ومفتاح الدخول لهذا العالم الجديد. وهناك تنتظركما صدفة عربية محضة لسائق عراقي أرمني بلسان عربي مبين. يأخذكما للفندق. الفندق « wandl» البسيط لولا فخامة التاريخ الذي يخبرك أنه ولد القرن الثامن عشر، حيث كانت أوروبا تخلع شرنقة الجهل وتذهب في الجمال والعلم بسرعة. وهناك تبدأ معك رمزية الرقم ثلاثة القديمة الجديدة، ثلاثة، رقم حضورك لهذه الحياة، رقم الحظ، ورقم المكان ورقم الذاكرة غالبا، ففي كل مكان تذهب إليه تجده ينتظرك ليرمّز حياتك بعجائبية الصدفة التي لا تنتهي أبدا. إذن الغرفة في الدور الثالث، فتبتسم في سرك وتنتظر بعدها الكثير. وبعد سقوط مدوٍ في هوة النوم السحيق، تفتح أجنحتك للمدينة برفقة قلبك الذي توحد معك في سيرة المكان، ويتوحد معك عبر سرده في الضمير والمعنى وفي الزمان والمكان والذاكرة. وتخرج لتنهب خطواتك الساحات الواسعة والشوارع المتداخلة، والمباني التاريخية والحداثية في تناغمها الآسر، والوجوه التي جاءت من كل قارات العالم البيضاء والصفراء والسوداء والأجساد العارية والتي تغطيها قماشات هشة وقليلة وواسعة، وتسترها الحرية فقط وهي تهبها إمكانية الحضور كما تريد، حرية أن تلبس ما تشاء، وتعيش كما تشاء، وتحترم خيارات الآخر في أن يفعل ما يشاء أيضا.
سيأخذك التعب في بداية اليوم التالي لتقضي بداية نهارك في الفراش، وبعدها تخرج مجددا للشارع لتأكل أجمل غداء لم تتذوق مثله في مطعم منذ زمن طويل، فينحني له ذوقك المحكوم بالصحّي والمنكّه من الطعام، وفي أول شارع من الفندق التي تسكن إليه، الصدف التي لا تنتهي وتجعلك روحك الفرح تلهج بالشكر والامتنان لرب الروح.
تخرج بعدها للمدينة، التي تهديك صور موزارت ابن المدينة المدلل في كل زاوية من قلبها المفتون به فتنة الأم بصغيرها النابغة، فتأخذك الدهشة لكل هذا الجمال الباذخ، فالسياحة الثقافية بشكل عام والموسيقية بشكل خاص، الأكثر شيوعا وحضورا، السياحة الأكثر رقيا وعذوبة، فتذاكر الحفلات تباع في كل مكان، وفي كل زاوية، كما الحفلات التي تقام في كل مكان، ناهيك عن عازفي الشوارع الذين يعزفون على كل ناصية ومفرق. كما تنتشر المتاحف والمعارض الفنية بمختلف الأنواع متحف الأدب، متحف تاريخ الموسيقى. ومتحف تاريخ المسرح، وهناك متاحف خاصة بفنانين معينين مثل «كليمت» الطفل الثاني المحبوب لقلب المدينة، وقد يحضر معه «بيكاسو» و«مونيه» من ثقافات أخرى. وهناك التماثيل التي تستحضر التاريخ وتجلسه بين البشر يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق بل ويتربع على عرش المكان وفي واجهة الشوارع، التاريخ الذي يصنعه المنتصر، وربما يحمّله الإنسان أكثر مما يحتمل بل وقد تستغله الرأسمالية ليغدو ذاكرة مدفوعة الثمن سلفا. ومع هذا فتلك الرائحة (العطنة)، وذلك البهَتَان اللذيذ يكسب كل شيء قيمة إضافية، وولعا خاصا وعمقا خرافيا يشتهيه الباحثون عن الجمال، المتتبعون لحرفة نحت الزمن بقايا وجوده في الذاكرة ويأخذ بتلابيب روحك حتى المنتهى.
كانت الحفلة الموسيقية التي حضرناها في قاعة بسيطة قد اختصرت لنا الكثير من تاريخ الموسيقي عبر مقطوعات كلاسيكية راقية متعددة، وأصوات أوبرالية مدهشة، ورقص باليه يجعل الروح تسمو في حضور الموسيقى والفن. في حين كانت وجبة «الفلافل» التي قدمها لنا «علي» الشاب السوري في شوارع فيينا غصة في قلوبنا، علي الذي يضحك والحزن يتحشرج في صوته ويترقرق في عينيه، بينما تبيع طفلة ورداتها بكل رقي واحترام وعدم إزعاج للسياح، ويمدّ شحات كوبَه لتضع فيه ما تجود به نفسك من عملات ترن في الكوب الذي يفرغه أولا بأول سواء استحقها أم لا.
في اليوم الثالث تتعرفك المدينة أكثر، فتستوطن شيئا منك، وتصبح أنت منها أقرب حيث تتسرب أشياء منها داخلك، وتعلق في ذهنك بعض مفرداتها وأسماء مدنها الغريبة، وتألف رحلة «المترو» في النقاط المحددة التي تخدم تحركاتك، ثم تنهي النصف المضيء ليومك في قصر بيلفيديرBelvedere Palast حيث التاريخ يحكي سردياته المدهشة عن الحياة والموت والقوة والضعف، وحيث الفن يخلّد الحكايات والوجوه والزمن في تلازمية مدهشة، لوحات من كل العصور والحقب ويتصدر «كليمت» بلوحته التاريخية «القبلة» المكان، تستقبلك وتودعك بذات القبلة، في حين يحكي المكان عن الزمن والخلود وما بينهما من حيوات وبشر.
وحين يخذلك جسدك المرضوض من المشي بعد حيوات أتقنت الخمول والركون للداخل، تلجأ لوجبة ليست لذيذة جدا، ولذة الفراش قليلا، قبل أن تستأنف التجوال في سكون المدينة وضجيجها عبر فنجان قهوة، وتعود لتختبر حزنك على فرق التوقيت الهائل في الحضارة والإنسانية والحرية بين مكان جئت منه ومكان أنت فيه الآن. وأنت تتأمل أناقة المكان، والبشر خاصة النساء والمقاهي المنتشرة في زاوية تفيض بالكلام والحب والغزل والحزن والشجن والحكي.
تستأنف رحلتك الصباحية التي تبدأها بالقصر الملكي «الهوفبورغ» ومتحف سي سي زوجة الملك وترى الزمن يحتفظ بمفردات حيواتها الأنثوية والبيتية من أوان وكؤوس وتفاصيل دقيقة، في حين غيّب الموت عالمها وجسدها، ثم لمتحف (ألبرتينا) حيث يتربع الفن في المكان عبر حيوات الملك انتهاء بالفن من مختلف للمدارس كالانطباعية وما بعدها كالتكعيبية وغيرها، ليحتل «مونيه» و«بيكاسو» المكان الأهم واللائق بهما.
بعدها تعود لمطعمك المفضل القريب من الفندق، وتستأنف رحلتك المسائية في زاويتك اليومية في مقهى تاريخي يعود لمنتصف القرن الثامن عشر، حيث تحتجز التاريخ في روحك ويحتجزك في أحلامه الوردية بفتنة الخلود.
وبعد أن صالحتك فيينا مع شمسها الدافئة لزمن ما، عادت لتبلل قلبك بالمطر في مساء اليوم الرابع ثم تغسلك تماما في نهر الدانوب في اليوم الذي يليه، (الدانوب الأزرق) الذي ألقيت فيه أحمالك وأسرارك وأوجاع قلبك واستبدلتها بضحكة نضرة وحيّة، وزرعت في قلبه الأزرق أمنية عذبة وأنت تذرعه من (ملك) حتى (كرمس)، لتعود لفيينا الحسناء منتشيا فيكمل المطر الصيفي قصيدته بالقرب من قلبك الصحراوي الجاف تماما، وعلى مقربة من طعام الشرق الذي اخترته ليلة وداعها. وأنت تذرع الشوارع حتى تصل للقطار الذي سيحمل جسدك وأحلامك ورغبات انعتاقك لـ(براغ) هذه المرة، وسيختار القطار أن يرجع بك القهقرى في طريقه في صدفة غريبة، ليجعلك تلوّح لفيينا تلويح عاشق لا يقوى على الالتفات الكلي عن المكان حتى آخر لحظة، حيث يشعر أنه ودّعها وداع مضطر، فيهرّب لها كل حنين الروح، ويظل الشوق فراغ الذاكرة الأزلي، فتغتسل عيناك في السهول الخضراء الممتدة حتى تصل.
نصل براغ، براغ الفرح والجمال الذي يؤنسن المكان ويشعل الحواس، والتي لم يكن استقبالها لنا بالمطر إلا بداية كل العناقات والتصاعدات التي تذهب بنا إليها تماما. أعادتني براغ إلى ذاتي إلى الفرح الذي افتقدته طويلا، إلى الحب الذي يشمل الكون والوجود والإنسان والتفاصيل، وكان نهر (فلتافا) الذي يطل عليه الفندق بداية الأخذ بها، مطر ونهر، فأي لذة كانت تعد براغ الروح بها.
استمر الفرح حيث اكتحلت الخطوات بذلك التيه الجميل الذي يمتد من عنفوان التاريخ في مبانيها حتى مباهج الحياة العصرية، والتعددية الأوروبية التي تشمل اللباس والطعام والوجوه والأشكال، بلا تنميط ولا أنماط. ذرعنا المدينة وتناولنا العشاء في مطاعمها ومقاهيها التي تنبت على الطرقات كالزهور والعشب في كل مكان.
وفي اليوم الثاني كنا نعانق التاريخ على جسر (تشارلز)، الجسر التاريخي الذي يقصده السياح من كل مكان، وحيث تصدح الموسيقى وتنتشر الألوان واللوحات ويحتضن المكان بحب كل المواهب، وكان المطر رفيق المكان والزمان والأرواح حتى أنه يقيّد حركتك السياحية المحدودة ويحتجزك لنفسه وحناناته الخاصة والعميقة.
وتحت شجن المطر زرنا متحف كافكا الحزين المتوجع، كافكا الذي عاش في لغته الخاصة وأثر في أجيال كثيرة من الكتاب ومازال يفعل، كافكا صديق الروح المتوجعة، والإنسان الطفل، ثم متحف الشمع (Grevn) حيث استحضرنا روح شخوصه، وتجلى خلودها الفني في أرواحنا، المتحف الذي جسّد الكثير من شخصيات براج والشخصيات العالمية، وكان قبلة مهمة للحالة السياحية في براغ. (براها) حبيبة الجواهري، ومدينة قلبه وعشقه.
وفي المساء اتحد الليل والنهر والموسيقى في حالة خرافية من الجمال، حيث قضينا سهرة خاصة (sweet praha) في سفينة تبحر عباب النهر لمدة 3 ساعات مع عزف مباشر على البيانو وغناء ينساب في الماء وفي قلوبنا بشجن، فحلّقت أرواحنا في جو راقٍ ورفيع من الجمال والدهشة.
ولأنها براغ فكان لابد من زيارة (متحف الشيوعية) التي يتحدث بالصور والمنحوتات وفيلم تصويري عن تاريخ الشيوعية في براغ فتنقلت عيوننا بين تراث فكري عالمي كان ينشد العدالة والحرية بشخوصه وأفكاره وأحلامه المتهاوية مع الزمن. ثم استعذبنا التيه في شوارع براغ الخلفية، تناولنا قهوة على شرف عازف البيانو في مقهى (piano kafe) وعانقنا نهر (فلتافا) طويلا وكثيرا وغازلنا بجعاته وطيوره التي صحبتنا طوال رحلة المكان فتعلقنا بها وتعالقنا معها. وتركنا لأجسادنا وحواسنا التمادي في عناق كل شيء حتى ساعة متأخرة لوداع المكان المولع بالحب. كنا نفتتح النهارات أمام نهر فلتافا، نلوّح له فيلوّح لنا بيد مائية كبيرة وقلب عذب، وتلوّح لنا السفن التي تمخر عبابه، والسياح الذين يذرعون جسده، والأطفال والدراجات والأحلام والأحزان، كل شيء يحدث في الوداع كما في الحضور، لنحزم حقائبنا في منتصف النهار. بأمل أن نعود ذات يوم لننعم بهذا الجمال مجددا.
لنهرع لميونيخ عبر رحلة القطار القصيرة نسبيا التي قضيناها في حديث شجن ومتوجع عن هجوم نيس الإرهابي في فرنسا، وعن الإرهاب الذي يتطاول بيده البشعة، وعنفه الأسود في العالم أجمع، وعن انقلاب تركيا القصير الذي هلل له العرب وكبروا.
لم تستقبلنا ميونيخ بالكثير من الود، كانت جافة وباردة في أول ليلة، وكان الكثير من العبث والفوضى في الشارع الذي سكنّا فيه، وللأسف بفعل بني جلدتنا، كانت أمكنة العبث والعفن التي يبحث عنها البعض تطوّق المكان، فهربنا نحو قلب المدينة، ففتحت لنا أحضانها حين شعرت بأننا نبحث عن قيمة المكان وذاكرته التاريخية، فقررنا أن نتعرف عليها عن كثب عبر القطار السياحي الذي عرّفنا على تفاصيلها الحضارية والتاريخية الخالدة، ولذا كان لابد من زيارة تلك التفاصيل، «نهر isar»، و«الحديقة الإنجليزية»، و«متحف الفن الحديث»
ميونيخ الجميلة التي بعد أن فارقناها بساعات فقط روّع قلبها بعملية إرهابية، وهي التي تموج بالعرب من مواطنين وسياح (بالجمال والقبح الخاص بنا معا) كأنك في أحد بلدانهم إلا ما يتعلق بالقوانين والحرية والنظام، والتي تثبّت في كثير من مواقعها لافتات بالعربية، لمطاعم ومحلات ومتاجر عربية، كأنها تلاطف قلبك المتعب من اللافهم للغتها ببعضك وبحروف من شغافك.
ميونيخ البشوشة كطفلة طيّبة، أو أم حنون، التي يقف إنسانها ليسألك (هل أساعدك؟ لمجرد أن يراك محتارا في شيء) وما أن تبادره بالسؤال حتى يشرح لك بانفعال كل ما تريد وأكثر بصدق ومحبة، ثم يقول Thank you .. good bye..كأنه يرقيك ويحفظك.
ميونيخ التي أكلنا من خبزها، وتبعثرت خطانا في شوارعها، وتماهت روحانا مع جمالها وفنها، وانفعلنا مع مغنيّيها وعازفيها في الشوارع والزوايا، وركضنا خلف دقائق قطاراتها، والتي حزنّا ونحن نفارقها ووّدعناها قبل قليل من وقت حادثها المريع، باحتضان دافئ وأمل في لقاء قريب. كما شعرنا بالحزن والخوف عليها كأننا هناك تماما.
عدنا وقد توردت الذاكرة عبر الزمن من 7-22 يوليو 2016، والأمكنة الثلاثة (فيينا- براغ – ميونيخ) بالكثير والدهشة والحب، ليظل حفيف الزمن والمكان خالدا في الذاكرة.

الثلاثاء، 9 أغسطس، 2016

موراكامي : كاتب الموسيقا


فاطمة الشيدي
جريدة عمان ملحق شرفات
الثلاثاء
9-8-2016

الزمن هو قضية الإنسان الوجودية الكبرى، الفكرة التي شغلته أبدا ولم يستطع القبض التام على جميع مفاصلها، تلك المسافة التي يعبرها الكائن عبر الممكن والمستحيل من الأحلام والذكريات والأفكار، حرية الروح في مسارات عبورها المؤطّر بالمكاني، والذي تظل تحاوره، وتحاول الانفكاك منه للتحليق في مداها الزمني البعيد الماضي (الذاكرة) ومداها الزمني البعيد المستقبلي (الحلم) بوسائلها الخاصة وأدواتها المتغيرة عبره.

والكتابة هي تاريخ الكائن في الزمن، ذلك التسجيل الراسخ، أو النقش الجارح (بكل الأشكال اللغوية المتاحة) للعبور، ولذا فحين تنهي رواية تشعر بأنك عدت من سفر طويل أو قصير ممتع وملهم، عدت بذاكرة جديدة اتحدت مع ذاكرتك القديمة، واندغم زمنك في زمنها، وتاريخك في تاريخها، وشخصك في شخوصها، تعود ممتلئا بتفاصيلها الزمنية والمكانية، فإذا كانت الرواية من مكان آخر فهما سفران، سفر داخل اللغة، وسفر في المكان الآخر البعيد، توغّل في ثقافة أخرى، فيتحدث ذلك التوحد عبر اتحاد الزمني بالزمني، والمكاني بالمكاني، فإذا كانت الرواية (جنوب الحدود غرب الشمس)لـ«هاروكي موراكامي»؛ فقد عدت من ثلاثة أسفار، فهناك سفر آخر لمكان بلا حدود، وزمن يبدأ فلا يتوقف، إنها الموسيقى.
إن هذه الرواية الممتعة تتخذ من الزمن حليفا لها في رقصتها اللغوية المتصاعدة في اللذة والافتتان، واغتسالاتها الضمنية عبر لجج لا تنتهي من الموسيقى المتصلة الحلقات، المتواصلة الحضور، المتصاعدة اللهفة، اللاهثة التشكّل، المتحكّمة في سير الأحداث، والمحرّكة للشخوص، ولذاكرة السرد وللمكان والزمان معا، الموسيقى التي تتحد مع القديم والجديد، عبر الذاكرة والحلم، فتنفصل وتتصل، وتفصّل كل الأحداث عبر لحن قديم، أو أغنية تشعل الذاكرة، أو قطعة موسيقية تصنع الحدث، فالموسيقى هي روح السرد، ومحرّك الأحداث، بل هي الحدث الأهم للسرد، وهي الباعث الأساس لكل في مفاصل الرواية وآفاقها ومجرياتها وأحداثها.
هذه الرواية التي حيكت ببساطة متناهية، وذكاء لغوي شديد، بحيث لا يسرد المؤلف رواية خارقة، عن شخصية فارقة، ولا حتى يريد تخليد حدث استثنائي، أو معالجة قضية كبيرة؛ بل يبني موراكامي روايته على استحضار شخصية متكررة في الحياة والمجتمع، شخصية بسيطة، تشبهه ربما مؤلفها، وتشبه الكثير من القراء، ليصنع من أحداث حياتها الزمنية المتناهية العادية حكاية لا عادية، ورواية فارقة في التشكيل السردي، والصنعة الفنية.
إنها حكاية الفتى الصغير وحيد والديه «هاجيمي» الذي ولد في يناير 1951، «الأسبوع الأول من الشهر الأول من السنة الأولى في منتصف القرن العشرين. شيء للذكرى، وأظن أن هذا سبب تسمية والديّ لي «هاجيمي» أي البداية باليابانية، غير ذلك كانت ولادة طبيعية مائة بالمائة، كان والدي يعمل في مكتب سمسار بورصة كبير، وأمي ربة بيت عادية. أثناء الحرب جُنّد والدي الذي كان تلميذا وأرسل ليحارب في سنغافورة. بعد الاستسلام، قضى بعض الوقت في مخيم أسرى الحرب، حرق بيت والدتي في غارة جوية لطائرات ب-29. لقد عانى جيل والديَّ كثيرا، من الحرب الطويلة، مع ذلك عندما ولدت ما كان لأحد أن يعرف أن حربا دارت رحاها ههنا. لا أثر لحريق ولا وجود لجيش احتلال» ص5
هاجيمي الذي عاش وتربى وحيدا، وكأي طفل عادي دخل المدرسة في سن السادسة، وهناك تعرّف على الطفلة الوحيدة شيماموتو وأصبحا صديقين فزارها في البيت، لتنقل له ثقافة أسرتها وهي الاستماع للموسيقى، فأخذا يستمعان معا للموسيقى لتبدأ من هنا حكايته الخاصة وروايته المتفردة عبر الحب والموسيقى «في سن السادسة ذهبت إلى المدرسة الابتدائية، حيث كانت هناك طفلة أخرى وحيدة فقط، لذا أذكرها (نعم كانت بنتا) كان عليّ أن أتعرف عليها جيدا، فرُحنا نتكلم عن أمور شتّى، فهمنا بعضنا بعضا، ويمكن القول أنني أحببتها أيضا. كان اسم عائلتها شيماموتو. أصيبت بعد مولدها بوقت قصير بشلل الأطفال، مما جعلها تجر ساقها اليسرى جرا، علاوة على ذلك، انتقلت إلى مدرستنا في نهاية الفصل الخامس. مقارنة بي كانت تتحمل عبئا نفسيا فظيعا وتكافح ضده، غير أن هذا العبء جعلها رابطة الجأش وأصلب عودا بشكل يفوق ما تخيلت لطفلة وحيدة. لم تنتحب قط ولم تتذمر» ص 7
ارتبط هاجيمي بشيماموتو ارتباطا طفليا وإنسانيا خاصا وعميقا «وكلما تكلمنا أكثر اكتشفنا ما يجمعنا: حبنا للكتب والموسيقى، دون أن نغفل القطط. كما كنا نجد صعوبة في التعبير عن مشاعرنا للآخرين» ص10
تعرف هاجيمي على شغفه في بيت شيماموتو، واكتشف نفسه، لتتخذ حياته بعد ذلك مسارات كثيرة ومتفرعة، ولكن كلها تدور حول الموسيقى «كان في بيت شيما موتو جهاز ستيريو جديد في حجرة المعيشة، وكنت أذهب إلى هناك للاستماع للموسيقى… لم يكن في بيتنا أسطوانات ولا جهاز لتشغيلها. لم يهتم والداي بالموسيقى، لذا كنت أستمع للموسيقى عبر مذياع بلاستيكي صغير، روك أند رول الموسيقى المفضلة لدي، لكنني صرت أستمتع بالموسيقى الكلاسيكية التي عند شيما موتو» ص 12
تغلغلت الموسيقى لوجدانه، واقترنت بالحياة الداخلية والخارجية لديه، ومنذ البدايات حتى النهاية سيكون هناك موسيقى في كل مكان يسكنه، وكل مرحلة يعيشها «كنت أجلس وإياها مرة أو مرتين في الأسبوع على الأريكة نشرب الشاي الذي تعده أمها لنا ونقضي بعد الظهر في الاستماع إلى استهلالية روسيني، وريفية بتهوفن، ولحن بيير جينت الأوركسترالي… ومن بين أسطوانات والدها كلها، كان تسجيل لكونشيرتو بيانو «ليست» المفضل لدي» ص13، كانا يتكلمان، ويكبران، وتتفرع أحلامها، وتهدأ نفسيهما، ويذهبان في الزمن عبر الموسيقى التي طوقت روحيهما، وأشعلت فتيل الحب في روحيهما الصغيرتين «في البعيد نات كينيج كول يغني «جنوب الحدود» الأغنية عن المكسيك، لكني لم أعرف آنذاك. لكلمات «جنوب الحدود» وقع مغر. كنت مقتنعا بأن شيئا رائعا يكمن جنوب الحدود. عندما فتحت عيني، كانت شيما موتو لا تزال تحرك أصابعها على تنورتها، شعرت في مكان عميق داخل جسدي بألم حلو رائع». ص18
ولكن الزمن المتحرك باتجاهاته القدرية التي كثيرا ما تجيد صناعة الألم، أحدث هزته الأولى، فانتقل هاجيمي من المدرسة وبالتالي انقطعت علاقته مع شيماموتو، رغم أنه ظل يحلم بها كل الوقت، ومع الألم والحلم والذاكرة مضى في الحياة، ووصل للمرحلة الثانوية بعيدا عنها، لكن ظل شغفه الخاص متجددا «أحببت القراءة والاستماع إلى الموسيقى، فلطالما أحببت الكتب ولقد عزز حبي لها صداقتي مع شيماموتو. بدأت في الذهاب إلى المكتبة العامة والتهام كل كتاب تقع عليه يدي، حين أشرع في قراءة كتاب لا يمكنني تركه. كانت القراءة مثل الإدمان أقرأ وأنا أتناول الطعام، أقرأ في القطار، في الفراش حتى ساعة متأخرة من الليل، أقرأ في المدرسة، حيث كنت أخفي الكتاب حتى يمكنني القراءة أثناء الدرس … كنت قد اشتريت جهاز استيريو قبل فترة، وصرت أقضي كل وقتي في حجرتي أستمع إلى أسطوانات الجاز لم تكن لدي رغبة في الحديث مع أحد حول ما أجنيه من الكتب والموسيقى، شعرت بالسعادة لكوني أنا نفسي وليس أي شخص آخر» ص24
وفي الثانوية تعرف على مع زميله «وصار عندي صديقة… كان اسمها أزومي» ولم تكن جميلة جدا فـ«مع بعض الاستثناءات القليلة لا تثيرني النساء الجميلات عادة… والممثلات الساحرات وعارضات الأزياء لا يثرن اهتمامي، لا أدري لماذا لكن الأمر هكذا. بالنسبة لي كان الحد الفاصل بين العالم الحقيقي وعالم الأحلام دوما ضبابيا، وكلما رفع جمال فاتن رأسه، لم يكن الوجه الجميل كافيا لإثارتي… لم أنجذب دوما لجمال خارجي قابل للقياس، بل شيء أعمق، شيء مطلق» ص47
ولكنها «فترة المراهقة» التي يتخذ فيها الجسد محور كل العلاقات ومبعثها، ولذا كان يحلم بجسد «أزومي» كثيرا ولكنها كانت متحفظة في العلاقات، ولذلك أقام علاقة جسدية مع أول امرأة تعرّف عليها وهي ابنة عمها، وحين كشفت أزومي علاقته بها تركته فظل يشعر بالذنب، وهكذا ظل يتنقل في ذاكرته بين «شيماموتو» و(أزومي) حتى ما بعد المرحلة الجامعية فلم يكن قادرا على إقامة علاقة جديدة في الجامعة وما بعدها، بل وتبع شيماموتو ذات يوم دون أن يعرفها، لأنه شاهد امرأة تعرج في مشيتها.
عمل بعد تخرجه في صناعة الكتب المدرسية، ولم يكن سعيدا البتة، بل كان يشعر أنه يفنى ويحترق في عمله فقط من أجل كسب لقمة العيش، حتى التقى بزوجته يوكيكو وتزوجها لما شعر به من أمان وسكينة في روحها، فساعده والدها في افتتاح بار خاص به، ثم توسع واشترى بارا آخر وشقة لأسرته التي كبرت فقد أنجب طفلتين.
كانت حياته تسير بهدوء لا يخلو من رتابة، ولكن شيما موتو كثيرا ما تطرق ذاكرته، وفي يوم ما عمل لقاءً في مجلة، وكان يحلم بلقاء أصدقاء المدرسة القدامى بما فيهم شيماموتو، والتقى بالكثير من زملاء الدراسة فعلا، حتى حدثت اللحظة الفاصلة فحضرت شيماموتو للبار، والتقيا بعد زمن طويل، بعد أن أصبحت أجمل وأكثر جاذبية، وهناك بدأت علاقة غامضة بينهما، أو ربما تجددت علاقة طفلية جارحة، لكنها كانت قادرة على قلب حياته رأسا على عقب، فلقد تعلّق بها كثيرا، ولمس وجعها، كما لامست روحه ملامسة الحلم البعيد، والمختلف المفتقد.
– «قالت: «جنوب الحدود، غرب الشمس»
– «غرب الشمس»؟
…- سألتها « لكن ماذا يوجد هناك غرب الشمس»
هزت رأسها ثانية: (لا أعرف، ربما لا شيء، أو ربما شيء ما، وبأية حال هو مختلف عن جنوب الحدود) حين بدأ نات كينج كول يغني «تظاهر» راحت شيما موتو كما كانت تفعل منذ زمن طويل تغني معه بصوت منخفض. (تظاهر أنك سعيد عندما تكون حزينا، عمل ذلك ليس صعبا). ص199
ولكن شيماموتو عادت فاختفت بذات الغموض الذي حضرت به، اختفت بعد أن تركت في جسده وروحه فقدا كبيرا وألما فجا، وصدعا في علاقته بأسرته، لم تكن الحياة قادرة على محوه بسهولة، حتى لمح يوما أزومي وقد تحولت لكائن آخر بلا أي تعبير، كائن له ملامح الموتى تماما، وكان يا طالما شعر بالذنب تجاهها لأنه السبب في ذلك، كانت تلك الصورة الموجعة لأزومي، فقط قادرة على إخراجه من جُب المجهول الذي يسمى شيماموتو، وكأن الفقد لا يعالج إلا بفقد، أو لشعوره بأنه حصل على عقابه المستحق على خيانة أزومي. ليعود لبيته وطفلتيه يحلم بيوم جديد سيظل فيه غير قادر على التنبؤ بمصير الكائن، وتغيراته وتقلباته وأنه قد يذهب به الأمر مجدد لذات الحالة، أو لحالة أخرى أكثر رهافة أو أكثر ألما، فلا فرق فهذه هي الحياة.
في منتصف الرواية ستقول لنفسك، ماذا يفعل بنا هذا الكاتب؟! إنه لا يقول شيئا جديدا، إنه فقط يحكي حكاية بسيطة جدا، لرجل عادي جدا، ليس فيلسوفا، ولا كاتبا ولا حتى مجرما كبيرا، ليس مثاليا، ولا رأس مالي كبير أيضا، إنه ببساطة ليس بطلا بل هامشيا لدرجة أنك لا تراه في الحياة إلا إذا تقاطعت معه شخصيا لسبب ما، فلماذا يرغب في تخليده عبر اللغة في رواية كاملة؟! وربما تفكر بجدية في ترك الرواية وعدم إكمالها. ولعل هذا تحديدا ما أراده موراكامي، حيث يريد أن يقدم لنا شريحة إنسانية بسيطة، تحب وتعيش وترتكب الأخطاء البسيطة، تأكل وتشرب وتفقد وتعتذر.
فالفيلسوف الكاتب قال عبر هذه الرواية، وعبر تأملاته الفلسفية العميقة والجارحة الكثير من الأفكار، فلا يُذهِب الماضي سوى الماضي، ونحن نحب الماضي ونتعلق به لأننا لم نختبره، ولذا دائما نحتاج للمصالحة مع الأشياء عن قرب. والموت حالة محتملة كالحياة تماما، فهو جزء منها وغير طارئ عليها، نحن الذين نمشي في الحياة ونحن نحمل عبء أقدارنا الجارفة.
قال كل شيء عن الحب والحياة والزمن والموسيقى، بلغة بسيطة، ولكنها كانت قادرة على حَبك كل التأملات الشعرية بعذوبة تشبه الموسيقى تماما، قادرة على جذبك لزوبعة من الجمال الشهي، والجنون الجميل، لغة كالفكرة العامة للرواية السهلة والبسيطة ولكن الضمني منها كان موغلا وجارحا وعميقا لدرجة أن يدفعك للبكاء أو الرقص أو كلاهما معا.إنها رواية تستحضر رفعة الأفكار التي تنبثق عبر التأملات الجوانية التي تدفعك للتحليق في عوالمها.
والحب هو الفكرة الكبرى للرواية، الحب الأول، والحب الثاني، والحب الحقيقي الذي هو الأخيرغالبا، حب الحياة والأسرة والعمل والوجود الكبير، تستنطق الرواية روحك ووعيك، حضورك وغيابك، نزقك وحكمتك، في حين تستشعر أن ثمة خلفية موسيقية ترافقك في النص من أول صفحة حتى النقطة الأخيرة، لتستمع لهاندل وموزارت وبيتهوفن وآخرين، منذ العنوان حتى آخر قطعة موسيقية في الرواية أو آخر كلمة فيها.
..........................................................

*جنوب الحدود غرب الشمس، هاروكي موراكامي، ت: صلاح صلاح. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب.ط2، 2007.


الجمعة، 5 أغسطس، 2016

الجوائز الثقافية والمبدع

تحقيق الشاعر عبد يغوث العُماني
 جريدة العربي الجديد
5-8-2016

فاطمة الشيدي
"المبدع العربي ككل المبدعين يستحق الاهتمام والتقدير لنتاجاته المائزة، خاصة بعد زمن من معترك الإبداع وعدد من النتاجات الوازنة، والجوائز حالة طبيعية موجودة في كل العالم فهي تثمين وتتويج لجهد مبدع خاص من اجترح جديدا في مجال ما، أو قدم عميقا وخلصا ومختلفا وبارزا،  لتمنحه الحضور والإعلام والانتشار وربما الخلود، إضافة لشيء من الرخاء المالي يمكن أن يستثمره في توفير الوقت للعملية الإبداعية خارج محرقة العمل، وروتين الكدح من أجل لقمة العيش، ولكن مدى مصداقية هذه الجوائز في عالمنا العربي محكومة بالمربك والجدلي في كل شيء غالبا، كمدى استحقاق مبدع ما لهذه الجائزة والعلاقات الماورائية التي تحرّك جائزة ما أو تحكمها، وفكرة المحاصصة الجغرافية، وهناك مدى مصداقية لجان التحكيم التي تصب في هذه الفكرة أيضا والتي لا يمكن أن يحدث عليها إجماع لأن الموضوعية نسبية، والإجماع على شخصية ثقافية هي حالة شبه مستحيلة. وغيرها من الارتباكات غير الظاهرة على السطح، فالحالة العربية حالة مرتبكة ومربكة في الحكم، فكلما أردت أن تطلق حكما تتحرز من الضمني والالتباسات الأخلاقية البعيدة والخفية،  فالعالم العربي يمر منذ فترة بتعرجات ثقافية وسياسية كبيرة وخطيرة ليس هو مسؤول عنها فقط، ولا أريد أن أستحضر كثيرا فكرة "المؤامرة" ولكن لابد منها أحيانا، ولذا وخاصة فيما يخص الجوائز العالمية سألجأ لوضع احتمالات جارحة للوعي العربي لعل منها ماهو حقيقي ومنها تخيلات وتوهمات، ومن ذلك: عدم رغبة الآخر في منح العربي هذه الصورة المشرقة للحضور الثقافي البارز، تآمراتنا المريضة على ثقافتنا وعلى مبدعينا وعلى بعضنا، قلة الوعي والعدل الإنساني في الحكم واحتكام الوعي العربي للعنصرية الطائفية أو المكانية أو العرقية، وتقزيم، بل والتمثيل أحيانا بكل من يكون من الفئة المقابلة، إنها الأنانية العربية، فإذا لم أكن أنا أو طائفتي أو بلدي لا أحد يستحق.
ومع هذا فهناك جوائز أثبتت مصداقيتها يوما بعد آخر، بمصداقية المبدعين المتحصّلين عليها.
وكل مبدع مخلص للفكرة، ومجتهد في الإبداع، ومتفانٍ وصادق في غايته وطريقه الإبداعي،  يستحق التكريم والجوائز يوما ما". 

الاثنين، 1 أغسطس، 2016

وجوه

فاطمة الشيدي

1.
 قلقة لا تعرف من أين تبدأ، وأين تذهب، وماذا تريد،  كل شيء يبدو أمامها مضطربا كبندول ساعة معلقة في الفراغ، الحب والموت وجهان لقلب واحد ، واللعنة تحتكم كقبضة أو بصقة كل لحظة.
لا وقت كي تبرر أوهامها الكثيرة، أو تكتب ذاكرتها المهترئة، أو تراوغ كل هذا المستطيل الذي يضيق عليها، والذي يشبه القبر تماما.
تتشبث بالحب كي تنجو من براثن الضياع ، ومع ذلك يبدو  الفرح وحتى في لحظاته الكاذبة سخيفا وغير جدير بالعناء.
الحلم الذي يكبر ويصغر على مقاس روحها الهشه، يلتف حولها كأغنية نحاسية، ويأخذها نحو أروقة العدم، هناك حيث تصافح سيوران المرة بعد المرة.
ماعاد الصمت مجديا وصرخة واحدة لا تكفي لتسعف كل هذا الخراب الخارجي والداخلي،  وموت واحد لا يكفي وعيد واحد لا يكفي أيضا وأبدا. 

الأحد، 31 يوليو، 2016

ثقافة السفر

فاطمة الشيدي



السفر ثقافة، يهبك مالا يهبك كتاب أو حتى مكتبة، لأنه تماس حقيقي ومباشر مع الحياة ومع الجمال ومع الآخر بكل وعيه أو لا وعيه. السفر وعي كبير يتسرب عميقا حتى يستحوذ على كل وجدانك. تلك المقارنات لصالح الآخر أو ضده هي صناعة لوعي الإنسان العميق والمختلف والجارح والناقد. تلك الاختلافات الضمنية التي تدهش الروح في الأمكنة والبشر والحياة والفنون تجعل الإنسان ممتلئا ومدركا لبعض الحقيقة.
السفر الذي يعلمك دروسه بخفة بلا تلقين ولا إجبار، فلا يثقل على روحك وكاهلك بمعارف ولا بمعلومات. يكفي أن تحمل نفسا تواقة للجديد، محبة للغير، منفتحة على المغايرة والاختلاف. يكفي أن تفتح قلبك وروحك للكون وأجنحتك للتحليق، ووعيك للجمال وللآخر، يكفي أن تأتي للمكان بحثا عن الراحة والاسترخاء ليفتح لك هو قلبه ويديه، ويعلمك أكثر مما تطمح له، أو تحلم به.
لا يهم أين يسافر الإنسان، المهم أن يكسر الرتابة وتلك الأفكار الجاهزة عن عدم جدوى السفر، ويمتطي عزمه ليخوض مغامرة جديدة، يربي حسه الجمالي، وإحساسه النقدي، ويفتح حواسه على الحياة والوجود، ليتعلّم من كل شيء، من الطبيعة بجمالها المتنوع بين البيئات العذبة والمالحة (الأنهار والبحار، والغابات والشواطئ)، ومن المدن بمبانيها وطرزها العمرانية التاريخية الحضارية أو الجديدة العصرية، ومن الإنسان بثقافته المغايرة في الملبس والمأكل والمشرب والحياة، ومن الفن بكل أنواعه وأشكاله القديمة والجديدة، ليرى أنه جزء صغير وصغير جدا من هذا الكون الفسيح، وأن عليه أن يتأمل فيه، وأن يستشعر جماله وجمال صانعه، فتتسع روحه ويسمو وجدانه، ويستشعر عظمة الخالق وعظمة الوجود معا، فتهدأ نفسه، وتنمو ثقافة الحب والسلام محل ثقافة القلق والخوف والكراهية والتنافس المريض، والقتل بمسمياته المتعددة.
والسفر يكشف طبيعة الإنسان ووعيه وثقافته واهتمامه، فهناك من يذهب بحثا عن جمال الطبيعة فيرتاد الأماكن الطبيعية، وهناك من يذهب للتسوق، فيبحث عن كبريات المتاجر والمحلات، أما المثقف فلا يمكنه أن يكتفي بالسطحي من المدن، والخارجي من البلاد، والقليل من المكان، بل يسعى لاهثا خلف العميق من الجمال ومن التاريخ فتجده يبحث عن المتاحف والمسارح والآثار الخالدة، وعن معارض الفنون، وحفلات الموسيقى، وعن الجمال الخالد الذي يخلفه الإنسان المختلف الذي يعبر هذا الوجود بخفة، فيترك آثاره دلالة عظيمة على عبوره الراسخ فيتعالق معه، ويتحد فيه.
المثقف المشغول بهواجسه وأفكاره عن الفن والوجود والإنسان، والذي يحمل وعيه ومشاريعه حتى في الإجازات والسفر، بل لعله يدخر الكثير من تلك المشاريع للإجازات تحديدا، فيجعل السفر ضمن مشروع ثقافي ما، أو سياحة ثقافية مخطط لها. وهي حالة مشروعة وهامة لمشروعه الإنساني والثقافي الطويل والممتد من نقطة الصفر حتى نقطة الصفر، ويظل في سفره أسير الفتنة الخارجية والداخلية معا، فكل ما يراه يتخلّق فكرةً في وعيه أو لا وعيه، ويعزز مشروعاته التي لا تنتهي، ولا يريد لها أن تنتهي، ومشاغله الوافرة والمتناسلة من رحم الوقت والمكان، والتي قد يحمل الكثير منها في حله وترحاله، كقراءة رواية لصديق يريد رأيا، أو قراءة كتاب لصالح فعالية، أو ورقة علمية، أو يراجع جزءا من رسالة علمية، أو يكتب فصلا في رواية أو كتاب أو قصيدة من المكان، أو كل هذا معا، إضافة إلى كتابة طارئة تشغل رأسه فيسفحها على صفحات جهاز رقمي أصبح الدفتر والكتاب معا، فيجعل افتتانه بالمكان متصلا بداخله وخارجه.
المثقف الذي لا يستطيع أن يتجرد من ذاته، أو يتبرأ من وعيه في السفر، بل لعل ذلك الوعي يتأجج ويتوهج في تلك المقارنات الكثيرة والموجعة بين بلاده و»بلاد الكفار» كما يسميها المتأدلجون، الذين يعيشون في خرائب عقولهم، وأمراض قلوبهم، وانغلاقات وعيهم، سادين الطرق نحو كل جمال ووعي. وفي أبسط مقارنة عادلة نجد أن لدى «بلاد الكفار»، التي ما فتئوا بجهلهم وحقدهم يحملون إليها الموت والدمار، كل أسباب الحياة للإنسان، من المحبة والسلام حتى أسباب الحياة الكريمة، من طرق سهلة، ومواصلات عامة في غاية الدقة والاتقان، ومن الملامح الثقافية كالمكتبات التي تنتشر كزهور الطرقات في كل مكان أو كالخبز والجياع كثر، حتى المقاهي والأرصفة، والمدارس التي تخرج أجيالا حرة وواعية وعميقة المعرفة، والمستشفيات التي نلجأ إليها مضحين بالغالي والنفيس بحثا عن الشفاء إذا أعيتنا الحيلة في مستشفياتنا التي وكأنها مخصصة لزهق الأرواح، وقتل الأمل، في بلداننا التي تتكلم باسم الإسلام وهو منها بريء. حتى الجامعات التي يهاجر إليها أبناؤنا مفاخرين بدراساتهم في أقوى الجامعات الغربية، وأكثرها علمية ومصداقية، فالبحث العلمي الذي يهبنا كل يوم اختراعا يخفف علينا عبء الحياة، أو يداوينا من مرض عضال، أو يحمينا من كارثة كونية، وليس نهاية بالحرية والأمان، والكرامة ولقمة العيش، حيث لا يموت أحد جوعا، فيكفي أن يحمل موهبته كريشته أو آلته الموسيقية أو أي موهبة يملكها، ويقف على ناصية ما ليحصل على قوت يومه. يكفي أن تكون لديه «دراجة هوائية» ليحوّلها لوسيلة لنقل السياح، بلا تراخيص، أو تعميمات أو حجر على الأرواح والعقول، ناهيك عن الفرح والجمال والأمل، فكل شيء يمكن أن يمتع الإنسان البسيط والطيب والمتشبث بالحياة حتى آخر رمق.
«بلاد الكفار» التي تعمل لصالح الإنسان في كل خططها ومشاريعها بلا تضييق ولا احتكارات لصالح شخوص أو مؤسسات أو فئات أو نفوذ أو سلطات، بل الإنسان أولا وأخيرا، فيستشعر هو دوره في الحياة، فيتعلم ويعمل، لصالح نفسه وبلده.
البلدان التي تدرك جيدا أن السياحة اليوم هي أهم مصادر التدخل، فتسعى لتطويرها وإشراك الإنسان ابن المكان في تفاصيلها الدقيقة من الأكل حتى الفنون، فيتفنن في جذب السياح. السياحة التي تتخذ أشكالا أكثر عصرية وجمالا من السياحة المكانية والترفيهية فقط، فهناك السياحة المعرفية أو العلمية وهناك السياحة الطبية، وهناك السياحة الثقافية والفنية التي تغزو العالم اليوم بالجمال والفن والموسيقى والبهجة الاحترافية. تشتعل الأوبرا في الصيف، وتتحفز الفرق الموسيقية، وتبتهج دور العرض والمسارح، وتتجلى المتاحف الفنية بكل أنواعها الجديدة والتاريخية لتخبر العالم عن تاريخ الإنسان وفنه، وعن المكان وحضارته. بل وتصبح الأرصفة معارض فنون وإتيليهات، وتتوزع الفرق البسيطة والفردية في كل مكان لتشكل ظاهرة ثقافية وحضارية وإنسانية، ويصبح المكان متحدا بإنسانه، مبتهجا بالزائر الجديد، راغبا في تعريفه على أكثر ما يمكنه من المكان تاريخا وحاضرا وثقافة.
تمخر المراكب والعابرات بين المدن، وتعلو صافرات القطارات برحلاتها اليومية لتضم وجوها غريبة لا يسألها أحد من أنت؟ ولا من أين جئت؟ إنها تأتي وحسب، تأتي محملة بضجر عام طويل من العمل والجهد، وحر صيف جهنمي لا يحتمله الحديد فكيف بالجسد الآدمي. تأتي من ثقافة ليس لديها ثقافة السفر، فتكسر كل تلك القيود، وتتسامى في الحالة الإنسانية والثقافية والمعرفية، وتتماهى في روح المكان الجديد حبا وفرحا، وتنسجم مع كائناته نبلا وإنسانية، وتتبتل في المتاحف والمعارض الفنية، وتتماهى مع الموسيقى، وتتصاعد بخفة مع جمال الطبيعة، وتشرئب مع المطر، وتذرع الأرصفة لتتعلم لغة التماس مع الوجود والأرض والحياة، خارج العلب التي جاءت منها، وخارج ثقافة العيب والحرام والموت التي تصر على إثبات دمويتها يوما بعد يوما.
وتتعلم الحرية كأهم دروس السفر، الحرية التي تقرأ عنها وتسمع عنها، ولكنك تلمسها في السفر لمس اليد، الحرية التي تعلمك الاختلاف، وتقبّل الآخر، وتقبّل نفسك كما هي، فلست مسؤولا عن أحد، ولا أحد وصي عليك، الجميع راشد بما فيه الكفاية، الجميع مشغول بنفسه، بداخله، بمشاريعه، بأفكاره بجسده، مشغول لدرجة أنه لا يراك، وفي هذه اللارؤية تكمن الحرية الحقيقية، فلا أحد يراقبك، ولا أحد يؤوّل تفكيرك، ولا أحد متأهب لتنميط وعيك، ووضعك في خانات (رجل، امرأة، متدين، ملحد). لا أحد يهتم باعتقادك، أو بعقيدتك، بجسدك، بلبسك، بطعامك، بشرابك، بكل ما تملك أو لا تملك. فأنت حر وهو حر، مالم يطلب عونك، أو تسأله شيئا.
الحرية التي نفتقدها في بلاد التشاكل الجمعي، وفي ثقافة العنف، والجهل والمراقبة التي ننتمي إليها، ثقافة الموت تحت كل الذرائع والمسميات والتي أصبحت تنمو وتتمدد خارج بلادها للأسف لتقضّ مضجع الأبرياء بالخوف، والهاربين بالتشكيك والريب. تعود من السفر وأنت تحمل في داخلك روحا حرة تواقة، منفلتة من كل الأطر والممنوعات، وفقط تحلم أن تمتد إلينا دروس السفر، وثقافة الآخر.
٭ كاتبة عُمانية

الأحد، 24 يوليو، 2016

سلطان

فاطمة الشيدي
24-7-2016


الحب العميق والمغيّر، والدافع للأمام والذي يجب البحث عنه بصدق، والدفاع عنه باستماتة ما أن نجده. هو روح السينما الهندية ورسالتها الكبيرة، الحب الذي يعادل الإيمان، ويساوي الحياة تماما في كل معانيها الرفيعة والسامية. الحب الذي يهب القوة لمحاربة كل ضعف وشر، فيغنيك به، ويفتح أمامك مغاليق الحياة التي تحلو به، وتتسع مهما كانت ضيقة، الحب الذي يمثل الانعتاق من سطوة الضجر، ومن إغماءات اليأس المتكررة، ويشعل جذوة القلب أبدا بالجمال والسلام والمحبة لكل شيء.
وسلمان خان تحديدا من أجمل من يجسد هذه القيمة، بكل معانيها الخاصة والعامة، وفي فيلمه الجديد سلطان كان الحب هو البطل، بطل الحياة والحكاية معا.  سلطان الفتى الهندي القروي الطيّب البسيط الذي عشق فتاة قوية ومتعلّمة، فرفضت حبه، واحتقرته لأنه لا يحمل حلما، ولا يسعى لتحقيق هدف ما، بينما هي تعمل على تحقيق حلمها الكبير في نيل الميدالية الذهبية الأولمبية في المصارعة بجد وإخلاص، فيحوّل احتقارها له لدافع كبير فيربي جسده الوهن عبر رياضة شاقة، ليفوز بميدالية الولاية ويتحدى من يفوقه وزنا، حتى يفوز بقلب حبيبته ويتزوجا.
ولكن ما أن يصل لسلم المجد والشهرة والظهور حتى يصيبه الغرور، ويعتد بذاته، ويترفّع على الجميع، بل وحتى على حبيبته دون أن يشعر، فيتركها وهي تلد بطفله الأوّل، ويسافر ليحقق حلمه في الشهرة، بعد أن تخلت هي عن حلمها لتصنع لهما حلما مشتركا بالحب، ولا يستجيب لرجائها أن لا يذهب.  فيموت الطفل الذي يحمل فصيلة دم أبيه النادرة وهو بعيد عنهما، فتطلب منه أن يبتعد عنها، فقد أقام رحيل طفلها بينهما سدا منيعا.
تذهب هي في الحزن على صغيرها وتستمر في التدريب، بينما يسقط هو في آخر دركات اليأس والألم بعد أن فقد حبيبته وطفله، ويتخلى عن المصارعة، ويسعى لتأسيس بنك دم باسم ولده المغادر على عجل، ولكن الأمر ليس سهلا مع مماطلة الحكومة، وعدم اهتمامها.
حتى يأتي له مستثمر ليشجعه على العودة للمصارعة ليحقق ذاته، ويحصل على ما يكفي من المال لبناء بنك الدم. فينظر له الجميع بازدراء كشخص فقد أهليته الجسدية للمصارعة، ولكنه يدرك أن المصارعة التي فتحت له طريقا لقلب حبيبته، هي التي ستعيدها له، فيصارع ذاتها ليهزم غروره الذي أفقده إياها، فيتحدى الجميع ويفوز بعد إخفاقات قليلة قابلها بالإصرار ورباطة الجأش، وفي غمرة ظهوره يحكي عن زوجته للجميع والإعلام ليسترضي قلبها ويستجدى حبها.
فتعود إليه بعد سقط في آخر جولة، وتحثه على إحراز البطولة رغم إصاباته الخطيرة، فينتصر بحبها على نفسه، وعلى كل شيء، ويعودان معا لينجبا طفلة رائعة ويدللان على قيمة الحب كجوهر وأساس للحياة.

فتنة الهامش

فاطمة الشيدي
1.
في المتبقي من العمر تحزنا الوجوه الأخرى للأشياء، المعاني البعيدة والغامضة، المفاهيم المرتبكة والمزيفة، الأكاذيب المستندة لزلالها وزلاتها.
تطعننا بشفافية جارحة، بخفة متعرجة كاستواء نبض قلب عليل.
تقتص بشراهة نبيلة من أحلامنا البسيطة،فتصبح المعاني المباشرة ترفا أو سذاجة، لا نجيد التصالح معها، ولا نفتتن بها.
ويرهقنا التأويل، إذ يصبح الفرح مشوكا، والحزن مستديرا بلذة، والحب مراوغا والوطن دمعة تترقرق في مكان ما من القلب أبعد من طعنة أو لهفة.
ولا وقت لنستعيد طاقة الوضوح، فلا الزمن يقبل بلاهاتنا الأولى حين كان كل شيء بلا لون، الضحكات والدموع وحرقة الألم.
وﻻ الوقت يستنفد عمق الرؤى الباهتة التي أغرت لهاثنا بالمعرفة.
ولا مسافات يمكن اختصارها بين زمنين حيث عثراتنا التي ما علمتنا سوى الحنين.
وكم يوجعنا الحنين الآن! يوجعنا الآتي، ويوجعنا السراب القديم، ويرعبنا السراب الجديد،ويوجعنا ما لا نعرف، ومالا نفهم.
ويوجعنا أكثر ما نفهم وما نعرف.
يرعبنا فهمنا لحقائق الأشياء كالحرية والعدل كما هي، وكما ليست هي.
وكما يربونها على مهل كشجرة بيذام لا تحتاج الكثير من الماء لتثمر ما لا يسمن ولا يغني من شجن.  ويقتسمونها بينهم كأرغفة من شعير وزبد وما يسمن من سم رعاف وما يغني من موت خفيف.
الموت الذي وحده بلون واحد، أما الحياة قبله وبعده فهي بألوان شتى، وأحجام شتى، والكل وقبضاته وأصابع الأخطبوط على كل شيء.. على غناءات الليل، وعلى صوت العندليب ورائحة النعنع،  وعلى أرصدة البنوك، وكمية الهواء، ورنين القيد، وعلى السندات، وصرخة المقهورين، وعلى الأراضي والأحلام.
هكذا يربكنا كل شيء كما يفعل العيد.

2.
مسقط مدينة الحكي.. هل ثمة مدينة للحكي؟ نعم هي مسقط، مدينة تفضّ مغاليق روحك، وترفع منسوب شجنك، وتحيك الحكاية في قلبك بحرارة ليطفح بالشجن، والحب والوجع والحكي. ثم تجلس القرفصاء بين يديك لتسمعك بهدوء وصبر.  وبعدها تربت على رأسك وتلملم اغتراباتك الوجودية والمكانية، فتنساب مدا مع بحرها، وتتصاعد لهاثا مع جبالها، وترتمي بين أحضانها ملفعا برائحة الياسمين والغاف معا.
تختصرك مسقط في أزمنتها البعيدة، وتوزعك في تشظيات جسدها المتعرج نبضا حنينيا دافئا، وتعتق روحك في روحها، فتتوحد معك، وأنت تحاول أن لا تفعل. ولكنك لا تملك إلا أن تفعل.
مسقط ساحرة ما أن تنظر في عينيها حتى تصاب بها، يأخذك سحرها نحو أحوال أخرى، تتغير سحنتك كل يوم، ويتغاير تاريخك مع نفسك كل فترة وأخرى، ولكنك تظل مفتونا بها، بروائحها الممتزجة كشهوة لا تبارحك، بأصوات نوارسها، وبدفق الحنين الساخن من قلبها، هي تأخذك إليها صغيرا، صامتا ، تعلمك الحب والكلام، وتظل تعلمك كل شيء فلا أنت ترتوي ولا هي تمل.
في كل غياب تشعر بفقد غزير في مكان ما لا تعرفه، أنت لا تتذكرها، لكنها داخلك، محفورة كوشم قديم، أو كندبة صامتة، وحين تعود لا تفتح أحضانها بل تتركك تصل بخدرك المجنون ببطء نحو قلبها المفتوح على الماء تماما. حتى تقبض عليك في حضنها، فلا تفلتك  حتى تبدأ الحكي الكثير ، الحكي اللذيذ .. وبارتباك قلبك الشغِف تبتسم لها،  وسط الكلام الذي لن ينتهي أبدا، لتقول لها بالقليل من الخفر : اشتقنا!

3.
أظن أن المرأة في العالم أجمع تنضج بسرعة ووعي أكثر من الرجل، لأن المرأة هادئة وعميقة في تعاملها ورؤيتها للحياة، صادقة عادلة، تحركها العاطفة لكل الوجود ولذا لا تميل للعنف، ويحركها الجمال فتسعى إليه، في جسدها، وبيتها وأطفالها وكل ما حولها ولكنه الجمال الداخلي والخارجي معا تنظر لجمال الرجل كما تنظر لجمال شجرة أو طفل فلا تنظر للجسد منفصلا عن الروح، ولا الخارج منفصلا عن الداخل، ولا تحركها الرغبة فقط؛ فتسعى خلفها متنقلة وهائمة، حتى تفقد البوصلة إلا من الجسد. بل قد ترجّح كفة الجمال الداخلي مع مايراه الآخر قبحا خارجيا إن كانت في حالة تخيير، تحب الاستقرار والأمان، ولا تميل للقلق والاضطراب، وتهتم بالتفاصيل حتى تؤرقها.
البعد الإنساني  والحس الجمالي لدى المرأة أقرب للطبيعة، للماء والشجر والكائنات الحية في عمق بساطتها،  ولذا هي مندمغة في ذلك الحال كثيرا.  وإن أقبح امرأة وأكثرهن شرا، لا تصل للقليل مما فعله الرجال،  وتبرهن مواقع التواصل الاجتماعي اليوم على ذلك، فهن ينشرن الجمال بعيدا عن أي أذية، بل ويتحملن حماقات الرجال بهدوء وتجاهل، كما برهنت الحياة على ذلك طويلا .
المجد للمرأة !

الجمعة، 22 يوليو، 2016

إلى ميونيخ

ميونيخ الجميلة التي فارقناها قبل ساعات فقط .. ميونيخ التي تموج بالعرب من مواطنين وسياح (بالجمال والقبح الخاص بنا معا) كأنك في أحد بلدانهم إلا ما يتعلق بالقوانين والحرية والنظام، ميونيخ التي تثبّت في كثير من مواقعها لافتات بالعربية، لمطاعم ومحلات ومتاجر عربية، كأنها تلاطف قلبك المتعب من اللافهم للغتها ببعضك وبحروف من شغافك.
ميونيخ البشوشة كطفلة طيّبة، أو أم حنون، التي يقف إنسانها ليسألك (هل أساعدك؟ لمجرد أن يراك محتارا في شيء) وما أنا تبادره بالسؤال حتى يشرح لك بانفعال كل ما ...تريد وأكثر بصدق ومحبة، ثم يقول  Thank you ..  good bye..كأنه يرقيك ويحفظك.
ميونيخ ياصديقتي التي أكلنا من خبزها، وتبعثرت خطانا في شوارعها، وتماهت روحانا مع جمالها وفنها، وانفعلنا مع مغنيّيها وعازفيها في الشوارع والزوايا، وركضنا خلف دقائق قطاراتها، والتي حزنّا ونحن نفارقها ووّدعناها قبل قليل وقت، باحتضان دافئ وأمل في لقاء قريب.
كلنا حزن الآن لأجلك ياعزيزتي.. وكلنا خوف عليك كأننا هناك تماما .. أما إذا كان مروعو أمنك وناسك منا; فإنّا ننحني خجلا أمام دمعك، وأمام جمالك المغدور، وإمام إنسانك المخذول بعد كل ما قدمه للعرب وللمسلمين.. فهم ليسوا منا، نحن الذين ننتمي للحرية والإنسان فيك، وفي كل مكان. ونتبرأ أمام الله وأمام رعشة قلبك الخائف الآن منهم .. فإن كانوا منا فتقبلي اعتذارنا، (اعتذار العربي والمسلم الإنسان من الماء إلى الماء)، وأما إن كانوا من غيرنا من المعاتيه والجبناء ممن يلتذون بالدم، ويقتاتون على شهوة الظهور، وهم كثر في هذا العالم المريض، فنشدُّ على يديك ونهدي لقلبك العزاء، ونبعث لروحك السلام فكلنا اليوم أبناء الخوف.

الثلاثاء، 19 يوليو، 2016

الرجال أيضا يكتبون أدبا نسويا

جريدة العرب
20-7-2016
حاورتها حنان عقيل

- أسألك عن البدايات.. ما الذي جعلك تتجهين صوب الكتابة الإبداعية والأدبية؟
تحدث البدايات بلا وعي ولا تخطيط غالبا، هكذا كحكة في الأصابع، كلام مزدرد في الحنجرة، رغبة في البوح، محاكاة لكتابة ما، رغبة في قول شيء ما بطريقة مختلفة، كل شيء يجعلك تذهب في اتجاه الكتابة رويدا رويدا حتى تصبح يوما ما كأنها الأهم والأكثر قابلية للتشبث بها والتعبير عن ذاتك فيها. ثم تتدرج في الانغماس الكلي حتى تصبح لاحقا هي الحقيقة الأكثر جدوى، والواقع الأكثر جمالا وبهاء.

- ما سبب تعدد اهتماماتك الفنية والأدبية؟ وفي أي حقل تجدين نفسك أكثر تميزا؟
لا أظنني متعددة جدا، أنا فقط كاتبة تراوح منطقة النص بكل ممكناته الفنية وتصاعداته الموضوعية أو ما يمكن أن يسمى بالتعددية الشكلانية، ولأنني لا أنتمي للأشكال سلفا، بكل معطياتها الجمعية الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية وأسعى جاهدة لتجاوزها أو الخروج عليها، فهذا ما يحدث في النص. ولذا طرقت الكثير منها لأبني عبرها أو عبر ما يناسبني منها ما أريد قوله بطريقة معنائية، بلا تحديد مسبق لشكل البناء، المعنى هو المهم بالنسبة لي، والقبض على الفكرة في تجسيداتها الجوانية وليست البرانية هو الأكثر مصداقية وفنية، ولا أظن أن ثمة شرطية حرفية للتعاطي مع الشكلانية النصية ضمن شكل موحد أو محدد، بل علينا الاهتمام بالروح النصية وفق مع يناسبها من الأشكال.
كما أنني قارئة قبل الكتابة، وبعدها، وبين مفاصلها الجوهرية، أنا قارئة أولا وأخيرا، وأهتم أن أظل كذلك ولذا أقدم أحيانا المقروء النصي عبر نص جديد لأفسره أو أنتخبه لقارئ قادم، أو حتى أعترض عليه بصيغة فنية ما قراءة أو نقدا، فهل هذا ما يسمى التعددية؟ فهو بالنسبة لي فقط أنني أكتب وأقرأ، بلا تمايز ولا تميز ولا سعي واع لذلك.

- برأيك.. إلى أي مدى نجحت القصيدة العربية الجديدة في التطوير من نفسها والانطلاق نحو أفق أكثر رحابة؟
لقد فعلت القصيدة العربية ذلك بقوة، وخرجت على كل الأطر الجاهزة ثقافيا وتاريخيا، القصيدة العربية الجديدة عميقة جدا وجارحة وإنسانية واستفادت من التاريخ والآخر والثقافة التي تنتمي إليها والثقافات الجديدة، استفادت من كل المعطيات الدينية والحضارية  والميثلوجية والعصرية بما ذلك الوجع الإنساني، والظلم والقهر وكل التفاصيل، والحالة الرقمية أيضا. هذه القصيدة هي التي تستلذها الذائقة الراقية، ويستعذبها المتلقي، شاعرا وناقدا ومتذوقا، وهي بالطبع ليست كل ما يكتب، أو حتى كل ما ينشر، ولكن هذا يحدث دائما في كل عصر وفي كل الثقافات، إنها الخلاصة الصافية، إنها القليلة الممتلئة وليس الكثيرة الشائعة، ولكنها ناجحة وعميقة.

- كتبتِ الشعر والرواية.. برأيك ما الذي يمنحه الشعر للكتابة السردية؟ هل الكتابات الشعرية تسهم في ترسيخ التجربة السردية بشكل أفضل؟
الشعر فعل ساحر، فعل الجمال والتغيير، وما وجد الشعر في عمل أو إنسان إلا وجعله جميلا وخاصا ونبيلا، وبالتالي فنعم يؤثر الشعر في الرواية، فيمنحها الخلود، ويمنحها الجمال، يمنحها الشغف واللذة يمنحها الفارق الجوهري بين تراتيبية الحكاية وشعريتها، بين سيرها المثقل البطء بالحكي والاحداث، وبين تحليقها العذب، وخفتها الرشيقة، وتناغم سيرها الراقص، وبالتالي يحيلها من سرد طويل ممل إلى عذوبة حقيقية، وهكذا يضيف الشعر عمقا للسرد، ومتعة للمتلقي، وخلودا للعمل.

- كتبت رواية واحدة وعدتِ بعدها إلى كتابة الشعر.. ما الذي دفعك نحو كتابة الرواية؟ وهل تخليتِ عن كتابة الرواية أم أنك ستكتبينها لاحقًا؟
أنا نسبيا متأنية في النشر على الأقل فيما مضى، كما أن كتابة الرواية ليس بالأمر بالهين بالنسبة لي، ويستدعي الكثير من الوقت والكتابة الجادة، والبحث والاشتغال على روح النص ومفرداته وتفاصيله، عكس الشعر الذاتي، أو النص السردي القصير والذي يمكن تشكيله بعد الدفقة الأولى بسهولة ويسر.
 كتبت الرواية ذات يوم لأنه كانت لدي حكاية عميقة في رأسي، أوسع من النص والشعر وبها شخوص وحبكة وتفاصيل لن يستوعبها أي شكل آخر غير الرواية، وماتزال لدي حكايات في رأسي أظنها تريد أن تتشكل روايات يوما ما، لا أعرف متي، ولذا أنا لم أتخل عن كتابة الرواية، ولكنني لا أدري متى سترى روايتي الجديدة الضوء.

-في زمن أطلق عليه "زمن الرواية".. ما هي مكانة الشعر في الوقت الراهن؟ ولم شهد تراجعًا برأيك في مواجهة الرواية؟
الشعر منذ البدء فن نخبوي، متعال ورفيع، وليس للعامة، وليس على الجميع فهمه وتذوقه، بل هو لتلك الأرواح الشاعرة، وللمتذوقين لرهافته، والمستشعرين للذته وجماله، وهنا أقصد النص العميق غير المنبري ولا الإعلامي الذي يريد توصيل فكرة ما، فحتى في العصور التي كان فيها الشعر "ديوان العرب"، كان هناك شعر للتأمل والالتذاذ والرقي الفكري خاص بالقلة المتذوقة، وهو الشعر الخالد، وبالطبع كان هناك أيضا شعر مدائحي للتكسب، وشعر إعلامي عام يقوم مقام أجهزة الإعلام اليوم، وهو الأكثر انتشارا والأقل قيمة، وهناك شعر غنائي للتسلية والترنم والترويح عن النفس في الخلوة في السفر وعلى ظهور الدواب.
 أما اليوم وقد وُجدت أجهزة الإعلام فالشعر تخلى عن فكرة الإبلاغ نحو روح البلاغة المحضة، كما أن المدائحية أضحت عارا معيبا على الشاعر الحقيقي، مع وجودها طبعا، والغناء أصبح فنا مستقلا له شعراؤه كلماته التي غالبا تأتي من الشعر الشعبي، أو من النصوص السهلة المكتوبة أصلا للغناء، فبالتالي فالشعري الراهن لم يعد يحتمل صفاقة الإبلاغ، وفكرة البث، ولم يعد يحفل بالتكسب، وناء بعيدا عن بساطة الغناء والترنم فأصبح بلاغيا فقط، ولكن المتلقي العام  لم يستلذ هذا النوع من الشعر الرفيع، ولم يستوعبه أو يتذوقه، ولذا ظل يبحث عن السهل والممكن من الكلام.
 إذن لم تتغير مكانة الشعر، ولكن دوره تغير من الإبلاغ إلى البلاغة، وبالتالي فلم يتراجع ولم يفقد مكانته، ولكنه فقد قاعدته الجماهيرية التي تخلت هي عنه، بعد أن تخلى هو عن تجسيد أحلامها وأفكارها ومعطياتها الهشة والجاهزة والمنبرية بالدفاع عن بعض أفكارها، أو ترديد أحلامها كأغنيات جمعية، فالتراجع كان للمتلقي وليس للشعر، وعاد الشعر ليكون نخبويا كما هي حقيقته وكما يليق به،
ولا ينبغي مقارنته بالحكاية، التي كانت منذ القدم ابنة الجماهير العامة باختلاف ألسنتهم وتجمعاتهم وظروفهم المعيشية، فهي قصص حيواتهم المحكية، ووسيلة تعليمهم، وترفيههم، ومسامراتهم، فهي تنبثق من حيواتهم، وتقوم على تفاصيلهم، وحكاياتهم. فهي تجسد الواقع مطعّما ببعض الكذب والمبالغة والخيال، فلا عجب لمكانتها الحالية التي ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الإنسان والطبيعة والفكرة والخوف والأساطير . لا ينبغي المقارنة بينهما لأن لكل منهما مجال وقراء وعشاق.

-ما رأيك في تصنيفات الأدب ومنها الأدب النسوي والاتهامات التي قد تلحق بالكثيرات من جراء كتابتهن عن عوالم المرأة؟
أولا: الكتابة في انبثاقها الجوهري والحقيقي تنطلق من الذات، وتعبر عن مشاكلها وقضاياها وإحساسها بما ومن حولها، ولذا فلا ضير ولا ضرر أن تكتب المرأة عن قضاياها، لأنها الأكثر إحساسا بها، واستشعارا لقهر المجتمع لها، فهذه لغتها وتلك حياتها. ولكن ليس علينا التعميم بحيث يكون كل ما تكتبه المرأة يدرج ضمن فكرة الأدب النسوي، بل هناك روايات كثيرة كتبتها نساء وأبطالها رجال، وفكرتها بعيدا تماما عن قضايا المرأة، فهذه لا تدخل من باب الأدب النسوي.
ثانيا :هناك تصنيفات عديدة للرواية أو العمل الأدبي؛ فهناك الرواية التاريخية، وهناك الرواية السياسية، والبوليسية، وغيرها من التصنيفات، فلم لا يكون هناك الرواية النسوية، إنها ليست وصمة بل هي تصنيف فكري حسب الموضوع الذي تطرحه الرواية، لذا نعم يمكننا أن نطلق فكرة الرواية النسوية على الروايات التي تهتم بقضية المرأة، وبمحاولة كشف الظلم أو القهر الذي تتعرض له المرأة في مجتمعاتنا أو في أي مجتمع آخر، أو حتى تكون بطلة الرواية امرأة لها فكر نسوي، تريد بثه لتحريك قضية المرأة باتجاه ما انطلاقا من مظلوميتها الاجتماعية والثقافية والإنسانية القديمة والتاريخية ربما، ولكن بالطبع التعميم هو مشكلة في عالمنا العربي، فليس كل ما تكتبه المرأة أدبا نسويا، بل أحيانا بعض مما يكتبه الرجل يمكن أن يدخل في تصنيف الأدب النسوي، وهكذا فالتقسيم ينبغي أن يكون للفكرة المعالجة، وليست لكاتب النص.

- ما الهواجس التي تحرك قلمك؟ وماذا تنتظرين من الكتابة؟ وما هو الدور الذي يتعين على الكتابة أن تقوم به؟
هذه ثلاثة اسئلة قوية، كل شيء يحرك قلمي، أعصاب الكاتب الحقيقي هو مثل سلك كهربائي سافر جاهز للاشتعال مع أي شرارة، ولذا فكل قضية إنسانية، وكل وجع داخلي، وكل هزيمة وجودية أو قومية، وكل قهر ووجع ودمع يحرك قلمي.
أما ما أنتظره فهو أن يكون لدينا قرّاء، قراء من كل طبقات المجتمع من سياسيين وإعلاميين وعلميين وفنانيين وكتاب، أنتظر أن يكون الكتاب أداة تغيير في مجتمعاتنا النائية عن الثقافة اللاهثة وراء المادة بشكل مخجل، أنتظر أن نرقي ونتغير ونتحرك للحقاق بركب العالم المتحضر الذي أصبح بيننا وبينه بون شاسع جدا بفعل القراءة.
ولذا على الكتابة أن تكون حقيقية وناقدة وعميقة، وليس بروازا أو تشريفا أو مجدا زائفا يسعى إليه البعض، أن تكون هي السلطة الأولى في تغيير الوعي، وفي محاكمة السلطات وفي تغيير الوضع الجمعي. فهذا دور الكتابة، وهذه مهمة الكاتب.

-هل لك طقوس معينة للكتابة تتطلب منك تقمص حالات وجدانية ما لتخرجينها على الورق؟
طقوس كلمة بروتوكولية نوعا ما، وبها هالة من الرسمنة الخارجية، يمكنني أن أقول أن لدي إملاءات داخلية أكثر منها طقوس، فلا يمكنني أن أكتب إلا حين تريد الكلمات أن تسقط على الورقة، وأن تتشكل عبر الكتابة لنص علي الامتثال التام لحضوره ولتدوينه في تلك اللحظة، وإلا غادر وظللت في تعب وإرهاق، خاصة في الشعر والنص.
وفي الحقيقية أنا لا أذهب إلى الكتابة بل هي التي تأتي إلي، تأمرني فأنصاع، لأتحصل على فرح داخلي، وخلاص حقيقي من كل شيء، الكتابة تحررني مني ومن اليومي البليد، ومن الداخل والخارج ومن كل شيء .بالطبع أن أفكر  كثيرا في الكتابة، فالكاتب مشغول أبدا بهواجسه وأحلامه وموضوعاته التي يريد أن يخطها الآن أو يوما ما، ولكن مع تلك الإملاءات الغيبية قد أكتب شيئا آخر تماما ما أن تحين لحظة التدوين، الكتابة ليس ترفا وليس شرفا، إنها معاناة حقيقية وإن كانت معاناة لذيذة ومدهشة، ولكنها تظل معاناة وحالة تحكّم قصوى وجذرية للتكون النصي حتى يتخلق بعد مخاض عسير.

-لك عدد من الكتابات النقدية.. ما الذي أضافته دراستك للنقد لتجربتك الإبداعية؟
لدي إصدار نقدي، وعدد من الدراسات والمقالات النقدية والفكرية، وهذا مجال دراستي وعملي ووعي، أما ما أضافته لي الكتابات النقدية فهو كثير، كالضبط والموضوعية والوعي الفني، ومحاكمة النص عبر أدوات فنية عميقة ومتجددة، فتتكوّن لديك القدرة على تقييم النصوص، والاستمتاع بتحليلها، وكشف مخبوءاتها، وبيان مفاصل جمالياتها وضعفها، وكل هذا يعمق لديك تجربة القراءة والوعي بالمقروء. ودقة الملاحظة، وعمق الرؤية، كما يجعلك دائما في حالة حرص على متابعة الجديد نصا ونقدا.
وكل هذا يصب في تجربتك الخاصة فيجعلك أكثر حرصا على نصك، وأكثر شجاعة في الحذف، ورصانة في التشكيل، ويسهم في التخلّص التدريجي من تحليقات الكاتب وتهويمات الكتابة، والحلمية المفرطة التي هي ميزة ولكنها سلاح ذو حدين. فالنقد يضيف الحكمة والاتزان للمشتغل به، عبر قراءة نتاجات الآخر العميقة ورؤيته السابرة، ومحاورته للنص، وبالتالي تتلافى لاحقا الكثير من الهنات والضعف فيما تكتبه، بحيث يكون لنصك تقييم ذاتي أكثر رصانة وموضوعية وقسوة أحيانا.

- وما تقييمك للمشهد النقدي في عمان؟
المشهد الإبداعي في عمان عريق وجزل، ومتنوع الإبداعات، ومتعدد المشارب والتوجهات، وهو حاليا مندفع بقوة الدماء الجديدة، والمحاولات المستمرة من أجيال متلاحقة تكتب جميعها في مشهد واحد، ولكن المشهد النقدي حديث وناشئ خاصة فيما يتعلق بالناقد العماني، ولذا ربما ما يزال أسير البدايات الجديدة بحكم التكوّن المتأخر، وقلة الأقلام المتخصصة، فهو يتحرك ببطء وخجل. ولذا ورغم تعاضد بعض الحراك الداخلي والخارجي لصناعة مشهد نقدي ما، ورغم بروز بعض الأصوات النقدية الشابة إلا أنه مازال يحتاج زمنا من المحاولات والدراسات والاشتغالات الجادة للنهوض والتبلور والتحقق، ليستطيع تقديم صورة نقدية فعلية توازي بشكل ما المشهد الإبداعي أو تستطيع اللحاق به لتقديمه وتقييمه.

-أخيرًا.. ما هي مشاريعك القادمة؟
المشاريع كثيرة، والكاتب مشغول أبدا بفكرة ما، أو مشروع ما، ولذا فلدي الكثير من المشاريع الناقصة، والكتابات غير المكتملة، والكتب شبه الجاهزة التي تطالبني بوضعها بين غلافين، شعرا وسردا ونقدا، ولدي القليل من الوقت، والكثير من المشاغل، والكثير من التريث، والكثير الكثير من الأفكار حول لا جدوى النشر، ولذا أتحرك أبدا بارتباك وثقل بين إغواء النشر، واللاجدوى منه، وسأذهب حتما مع إحداهما ذات لحظة جنون أو يأس.


الجمعة، 15 يوليو، 2016

انقلاب وانبلاج

الانقلاب الفاشل في تركيا الذي حدث ليلة15- 7-2016 والذي انتهى بعد ثلاث ساعات فقط، حيث وجه أردوغان رسالة عاجلة للشعب فخرج للشارع كان صفعة تركية حقيقية للعرب الذين ما فتئوا يعلّقون خيباتهم وأمراضهم على الشعوب الواعية.
صفعة للمتأسلمين، وللعسكر على حد سواء، لمصدري الإرهاب، وللمستعبدين. فلقد انتصرت الديمقراطية الحقيقية التي اختارها الشعب خيارا حقيقيا للحياة، وقال الشعب كلمته، أولا عبر صناديق الاقتراع ذات يوم، وها هو يؤكد عليها وعلى خياره الديمقراطي، بلا خضوع ولا رهبة ولا استسلام.
تركيا ليست العرب بإسلامها وجيشها وشعبها والانتصار الذي حدث في تركيا لم يكن للإسلام، ولا لأردوغان بل للديمقراطية، للشعب وللإنسان، للحرية والكرامة التي يختارها الشعب ويعي أسبابها تماما، والهزيمة ليست للجيش، بل للاستبداد والاستعباد أينما وجد وكيفما كان، للانقلابات الفئوية، والعنف تحت كل المسميات وبكل الأشكال ..  فمتى يفهم العرب هذا؟؟
متى يفهمون أن الإسلام ليس ضد التطور الطبيعي للأمم والقوانين والمؤسسات بل أسس لها، ولكن وللأسف الحالة الإسلاموية العربية بعيدة كل البعد عن هذا، لقد شوهنا الإسلام واحتجزناه في الموت والجزئيات الصغيرة والاختلافات الطائفية، وابتعدنا عن جوهره العظيم ورسالته الكبرى.. لقد أصبحنا أمة شعارات وشكليات. وهنا علينا أن نتذكر (وتلك الهتافات والتكبيرات الساذجة التي صدحت من حناجر العرب في كل مكان) أن أردوغان وحزب العدالة وصل للحكم عبر صناديق الاقتراع وليس عبر خطب المساجد. وشرعيته جاءت من الشعب واستمراره عائد إليه، وأنه حاكم عصري وليس حاكم شرعي. وأن الشعوب الواعية هي من تقرر بوعي ومسئولية وحرية مهما كان المنتخب، وتتحمل نتيجة ذلك، لأنها تدرك أن من يأتي عن طريق الصناديق ما يلبث أن يغادر.  وعي الشعوب وحريتها هما سبيل الخلاص من الاستعباد والإرهاب معا، ونحن نفتقدهما للأسف.
فالمجد للشعوب الواعية، وللحرية التي ليس لها دين أو عرق أو لون. أما نحن فلنتفرج ونمصمص شفاهنا كل حدث إرهابي، ولننقسم بين من يقول (هذا لا يمثل الإسلام)! وبين من يقول (كفار يستحقون الموت)! قبل أن يعد لنا التاريخ متحفا كبيرا أو حتى حاوية فارغة، أو يأخذ الله بيدنا بمعجزة من عنده;  لعلها تكون بجيل جديد تماما !

السبت، 2 يوليو، 2016

رسل الأمل

القدس العربي

فاطمة الشيدي




في البدء قد يتساءل البعض هل من الجائز لنا الحديث عن الأمل، أو عمّن يصنع الأمل، في هذا الوقت بالذات؟ زمن انعدام الثقة في الفكر والثقافة، والحكومات والإنسان، زمن الموت المجاني، والإعلام الرديء، والقبح المنتشر، والعنجهية المرضيّة، زمن صناعة العنف من كل حدب وصوب؛ من البيت حيث يتخذ بعض الآباء العنف وسيلة للتربية، وقد بتنا نسمع اليوم عن قتل بعض الآباء لأطفالهم، وفي المدرسة حيث الكثير من المربين للأسف يحتاجون لدروس في التربية سلفا؟ حتى المسجد الذي يعلو فيه صوت رجال الدين بالويل والثبور وقليلا ما يذكرون الرحمة والمغفرة، فوسائل الإعلام التقليدية والرقمية التي باتت تنعق بالخراب والموت في كل لحظة، فتنقل لنا أبشع الجرائم بدم بارد، ولذا فلا عجب أن تتكاثر جرائم القتل والاعتداء في كل مكان، لأن البشر اعتادوا العنف والقتل والموت، وأصبح مألوفا ولكأنه الحال الطبيعي، حتى ليتساءل المرء برعب وحرقة عن الغد، وعن مستقبل الأطفال بعد ذاكرة البشاعة الموت التي عاشوا فيها في هذا العصر.
هل يحق لنا الحديث عن الأمل الذي أصبح غصة في الروح، وحرقة في النفس، وأصبح الحديث عنه بابا من الهرطقة أو المجاز؟ الأمل الذي يساوي الوعي الحقيقي بالوجود وبالإنسان. وهذا مما ليس جوهريا في محيط الإنسان العربي المشغول بالمظاهر والقشور في كل شيء من الدين حتى السياسة وبينهما الحياة التي يعيشها الإنسان خارج أدنى مستويات التفكير؟ وليس أدل على ذلك من تعاطي معظم الناس مع شهر رمضان المبارك، ومفهومهم الناقص حول العبادة، ففي بداية الشهر كتبت في صفحتي على فيسبوك أن القراءة حياة، خاصة في رمضان مع الوقت الفائض، ولفتني تعليق أحدهم «طبعا قراءة القرآن». كنت أريد أن أقول له، بل وقراءة الكتب أيضا، كل الكتب المتاحة، فرمضان شهر العبادة، والعبادة هي الإحسان، الإحسان للذات بمنحها اتساعا رؤيويا، ووعيا إنسانيا، باستغلال الوقت فيما يفيدها، وللإنسان بمبادرات آخرها الطعام، الذي لن تجد مبادرات للخير في رمضان خارجه، كالخيم الرمضانية المنتشرة في كل مكان. فرمضان بالنسبة للكثيرين شهر طعام تفيض به البيوت، وحاويات القمامة لاحقا، في مخالفة تامة لهدف الصيام، وفي تناسٍ تام للجياع حول العالم ممن تطحنهم الحروب أو المجاعات. كنت أريد أن أقول له، أن المبادرات النافعة الأولى في رمضان هي ندوات القراءة، ومسابقات الرياضة، والتوعية في كل مجالات الحياة لاستغلال أوقات رمضان الفائضة بالمفيد والممتع معا والمتقبل من الله، الله الذي في كل وقت، وفي كل مكان، الله الذي حصروا التقرب إليه بالأدعية والابتهالات التي تصبح «موضة» وسائل التواصل كل رمضان. كنت أريد أن أقول له كما قال كزنتزاكيس: «لا يجدي البحث عن الله في بيوت العبادة، وقد أضعناه في قلوبنا». ولكني صمتّ، لأن الكثير من الحوارات مع وعي مغلق باتجاه فكرة جاهزة ليست أكثر من جدل عقيم.
ولكن مع كل هذا نعم، يمكننا الحديث عن الأمل، بل يجب الحديث عنه، لأنه الرصيد الوحيد المتبقي لنا، والضوء البعيد في آخر النفق، الذي علينا أن نؤمن به ونتبعه، فصناعة الأمل في عالمنا العربي تمثل اليوم التحدي الحقيقي للإنسان على المستوى الفردي قبل الجمعي لصناعة التغيير الممكن، إنه الانتصار للخير على الشر، وللجمال على القبح، وللين على العنف، وللحب على الكراهية، وللتواضع على الكبر، وللعطاء على المنع، وللإنسان على كل شيء.
الأمل الذي يمدنا بالطاقة على الاستمرار، وبالثقة في أن هناك دائما من يصنع الأمل في كل زمان ومكان، أولئك الذين يبذرون الخير بصمت وهدوء، ومثابرة، كالأمهات والآباء الذين يجعلون أعمارهم شموعا لأطفالهم لخلق جيل جديد أجمل، والمربين المؤمنين بالتغيير عبر طلابهم، والمثقف الذي لا يكل ولا يمل من الدعوة للتغيير مهما كان الثمن غاليا، والشعراء الذي يدفئون حياتنا بحطب القصائد المفعمة بالحب والأمل، والمفكرين الذين يفككون الفكرة ويحاورونها بمنطق لندرك قيمتها سلبا أو إيجابا، والكتاب والإعلاميين المؤمنين بقيمة الكلمة في التغيير، والعمال الذين يجمّلون حياتنا بما يؤثثون به تفاصيلنا اليومية في الظل بلا رغبة في الظهور. كل واحد من هؤلاء هو رسول للأمل، وسيجد المؤمنين برسالته يوما ما، وسيكثرون ويتكاثرون ليكون التغيير الجوهري الذي ننتظره هو الحصاد، وليصبح كل فرد منا رسولا للأمل في محيطه بطريقته وأدواته وقدراته.
وإذ كان هناك من شاهد حقيقي، ومثال لرسل الأمل، فهو أحمد الشقيري، الشاب الذي قرر أن يحمل رسالة الأمل، ويبلغها بكل مصداقية وإصرار للعالم العربي أجمع بلا تفرقة أو تمييز، ليقول لنا ببساطة أنه يمكنك البدء من أي نقطة في الزمان والمكان والعمر والقوة، وبأية إمكانات متاحة مهما كانت بساطتها لتذهب نحو صناعة التغيير وخدمة الكون والإنسان.
إنه ليس خارقا ولا سياسيا، ولا ثريا، ولا ثوريا، هو فقط مؤمن بالأمل، لم يضع يده في جيبه ليتفرج، أو يدفن رأسه في التراب، أو يتذمر في مكانه مثل أغلبنا، بل انطلق بخفة طائر نحو التغيير، محمّلا بإيمان راسخ برب الإحسان والبر والخير والجمال، وبالإنسان الذي مهما كثر تخريبه في الكون إلا أنه هو خليفة الله الذي عمّر الأرض، ولذا ما فتئ يقدّم الحلول، ويخترع أسباب التغيير، ويفعّل دور الشباب بثبات وبمسؤولية إنسانية، بل وبعصرنة رائعة تناسب سرعة العصر وسرعة إنسانه وكائناته الرقمية الجديدة التي لم يعد يناسبها الوعظ والتلقين، والهتاف والصراخ من المنابر. وعبر سنوات طويلة وبلا كلل ولا ملل يأتي الشقيري (المسلم الحقيقي) كل رمضان ليقدّم لنا صورة ناصعة للإسلام ولحقيقته العميقة وليست الشكلانية القشرية التي تتشبث بها الأغلبية مهملين الجوهري والراسخ منه، وصورة للمسلم الحقيقي بقيمه ووعيه ونبله، يأتي عبر برنامج توعوي رفيع الهدف والغاية ليطرق كل موضوعات حياتنا وتعقيداتها، بوسائل جديدة ومبتكرة كل عام، لتنشيط إنسانيتنا، وتنبيه غفلتنا، وتذكير نسياننا بدورنا في هذه الحياة، بالتغيير الواجب علينا عبر الخير والإحسان وبأقل ما يمكننا من جهد لنليق بإنسانيتنا، وبغاية وجودنا على هذه الأرض. وهو بذلك يعيد القليل من الهدوء والثبات لاهتزاز العالم حولنا، ويعدّل قليلا الصورة المتداعية أمامنا، ويرتق الشرخ الذي يكبر داخلنا كل يوم بالقليل من الصبر والأمل.
أما الوسيلة الأبلغ والأنجع والأوسع لتبليغ رسائل الأمل (في مجتمع لا يقرأ، بل وتعد الأمية أكبر داء يحد من حركته ونهوضه) فهي الإعلام الهادف، إذ يشكل هذا الإعلام القيمة الأكثر إلحاحا وضرورة للإنسان العربي أمام التحديات الكونية الداخلية والخارجية، فهو يضع إصبعه على الجرح، ويستشعر الألم، ويحلّل الجاهز، ويخلخل الجامد، ويغير السائد، ويجدد الآسن، ويفسّر الداء، ويقترح الدواء. وبذلك يحدث التغيير عبر أحدث الوسائل العصرية السهلة والجاذبة والصادقة. وبذلك يربي ويعلّم بهدوء ويسر بعيدا عن الثغاء والنهيق المنتشر، والاستعراضات البهلوانية، والجعجعة التي لا تخلف طحنا.
إن برامج مثل «قمرة»، و«مدارك»، و«الصدمة» هي ما نحتاج إليه، إنها تمثل الإعلام الرصين الذي يحفّز الهمم، ويبحث عن القدرات الكامنة فيستنهضها، وعن الطاقات الخاملة فيشجعها، وعن المشكل من المسائل فيحللها ويحلحلها. إنه الذي نحتاج إليه، ويجب صناعته وتقديمه بكل الوسائل الممكنة والقنوات المتاحة سواء التقليدية أو الرقمية، فهو الإعلام الذي يربّي الأمل.
أخيرا..»ألست طوباويا لتقول: لابد للشر أن يرضخ في الأخير إلى قوة الخير المطلقة والبطيئة والأكيدة؟ لو لم يكن هذا القانون الغريب هو الذي يقود مصير الانسانية لانهزمت الروح أمام المادة واختنقت الحرية والسلام بالخوف الأكبر».. هكذا قال كزنتزاكيس، في مناجيات الكاتبة العراقية لطفيّة الدليمي له، التي هو وهي من رسل الأمل.
كاتبة عُمانية

الجمعة، 1 يوليو، 2016

الاغتراب الثقافي

بعد حوار ممتد مع فنان مسرحي سوري على إذاعة مونت كارلو التي أتابعها باحترام موشى بالمتعة والفائدة معا، فأما الاحترام فناتج من احترامها لمستمعها وعدم تصدير الكذب الثقافي والسياسي والاجتماعي التي تفتعله افتعالا قنواتنا العربية الكبيرة وتبث الغثاء على أسماعنا بلا حياء، وأما المتعة والفائدة فهي ناتجة من ذلك التنوع الكبير في الموضوعات والبرامج المتباينة بين الفن والفكر والسياسية، وكل ما يفيد الإنسان في وجبات صغيرة وسهلة الهضم وبأساليب جديدة وجميلة في طريق سريع وحياة أسرع.
أقول في متابعة البرنامج كان الحوار حول المسرح والإنسان، وبالتفرع خارج الموضوع  والتعريف المباشر بالفنان والمسرحية كانت فكرة اغتراب المثقف والفنان الجوهري عن مجتمعه وعن جمهور الفرجة أو حتى جمهور الشارع والكتاب يشع من بين ثنيات الحوار.
وافق الموضوع هوى في نفسي وعقلي،  فهذا ما نعيشه اليوم جميعا، ذلك الاغتراب الكبير الذي يجعل هناك هوة كبيرة بين المجتمع والنخب، سواء كانت النخب الثقافية أو الفنية إذا جاز لنا الفصل بينها وتقسيمها بهذه الصورة الاعتباطية، فالمجتمع لا يقيم وزنا للنخب التي يظنها تعيش في أبراج عاجية بعيدة  كل البعد عن حيواته ومطالبه وحقيقته، وقد تشيطنها على اعتبار أنها خارج منظومة الدين والقيم الاجتماعية التي يؤمن بها المجتمع ، والنخب تأخذ بدورها جهة مقابلة  فتجهّل المجتمع، وترميه بكل التهم الجاهزة كالتخلف والتراجع والتآمر مع السلطات الدينية والسياسية.
والأنكى أننا نجد  محاولات إلغاء الآخر بارزة خاصة من القاعدة للرأس، الكثير من الفئات المجتمعية تسعى للنيل من بعض الفنانين، والفنانات تحديدا وتشويههم بأبشع التهم دون معرفة حقيقية، أو حتى براهين دامعة، مع أنهم يعتاشون على نتاجاتهم الفني في حيواتهم العادية ، وقد امتد الأمر لبعض الكتاب  والمفكرين حيث باسم الأخلاق والدين يتم تشويه البعض ومصادرة حرية الرأي والتعريض بنتاجاتهم الفكرية بل الوصول الجارح لحيواتهم الشخصية
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة من الذي خلق تلك الفجوة الواسعة  بين المجتمع والنخبة، فأفسد تلك العلاقة القائمة على التعاطي الضمني المتصل، من الذي شكّل الوعي العربي بهذه الصورة المتباينة  بين الوعي الجمعي والوعي النخبوي.
ومن هم النخبة هل هم القراء أم المعرفة والفن، ألا يفترض أن يكون المجتمع هو مرآة النخبة، والنخبة أبناء المجتمع، ولمن يبدع النخب أليس للمجتمع؟
وكيف يتغير المجتمع أليس بواسطة النخبة ؟

الخميس، 23 يونيو، 2016

سيدة الحلوى

فاطمة الشيدي
23-6-2016

المرأة الماهرة في الطبخ، التي تصنع كل أنواع الحلويات بشكل أفضل من كل المخابز، ومحلات الحلويات في البلد، وتتفنن في الألوان والأشكال والروائح.
حلويات بنية، وحلويات بيضاء ووردية، وحلويات زرقاء وحمراء، حلويات كبيرة ومتوسطة وصغيرة. حلويات مستديرة، وحلويات مربعة ومستطيلة، حلويات بالشكولاتة، وحلويات بالمكسرات أو بالقشطة والجبن.
حلويات غربيّة وأخرى شرقية، حلويات عربية وحلويات محلية، حلويات لذيذة ولذيذة ولذيذة.
كل من تذوق حلوياتها يأخذه الطعم نحو أعالى المتعة، يشهق يالله! لا أحلى و...لا ألذ. كل من ذاق الطعم أغراه بالتكرار، بل والمجازفة مرات ومرات، إذ كانت كل محاولة تعمّق الطعم، وتكثف طراوة اللذة، وتكشف عمق الإبداع الذي لا يتكرر في تلك الأصابع المدهشة الصنعة.
ولذا يظل الجميع يطلب المزيد والمزيد خاصة في رمضان شهر الحلويات، الجميع يقبل عليها، ويزور مائدتها، وينتظر طبق الحلوى الذي يطرق الأبواب قبل الأذان كل يوم كموعد لا يخلفه، وكصدقة دائمة ومرغوبة من الأغنياء قبل الفقراء، ومن الأهل قبل الجيران، ومن المقيمين قبل العابربن.
وكم تمنى الجميع أن تفتح محلا خاصا بها كي يتجنبوا حرج اللامقابل الذي يأتيهم به الحلوى غالبا، هي التي رفضت كل العروض المغرية لصناعة الحلوى لبعض المخابز المعروفة، والفنادق المشهورة بمقابل مجزٍ، وهي تردد : "لالا ..أنا فقط أصنع الحلوى لمن أحب، وخاصة في شهر الخير، وأستمتع بكل قطعة أصنعها، ولذا أريد أن أشعر بهم وهم يتذوقوه. إنها هدايا للأحباب والأصحاب فقط.
الجميع يستمتع بالحلوى النادرة التي تعدها ببراعة خاصة من الأقرباء والغرباء، والصغار والكبار، والجيران والأبناء، ويطلب المزيد بشراهة ولذة. أما هي فتتأكد جيدا أنها أخذت إبرة الأنسولين قبل أن تتذوق طعم الخلطة بطرف سبابتها فقط قبل أن تدخلها الفرن.

الاثنين، 20 يونيو، 2016

سور الحنين



فاطمة الشيدي
20-6 -2016
15 رمضان

تغير كل شيء فيها تقريبا،  ألوان  الثياب،  وشحوب الوجوه، وبحة الأصوات، وضحكات المارة، وهمسات العشاق، وخشخشة وريقات الشجر تحت الأقدام، وضجيج الشوارع، ونداءات الصيادين، وباعة الفجل وليلام الملابس القادم من مدن أكثر مدنية، ورنين الأساور في أيد يرهقها الصمت وتلتذ بالحنّاء والذهب،  ورائحة (النخي والفراخ وقرن السبال:  الحمص والفشار والفول السوداني)  الذي يوزع في (الطوق طوق:  القرنقشوه) بعد صلاة العشاء.
تغيرت تعرجات الدروب، ورائحة البهارات المنبعثة من دكان (الحاج حمد)  ومداخل القلوب، ومخارج الأحلام، وسحنات الأطفال الذين كانوا يتعثرون في الأثواب الطويلة والحكايات المالحة، ويكركرون خلف الجدران المتقشّرة بفعل الملوحة، ويذرعون الشوارع المتربة رفقة الفرح والعبث والجهل النبيل.
كل شيء تغير في البلدة العجوز الدافئة بحاراتها الضيقة، ومداخلها المستديرة على نفسها كأم أرهقها حملها المتكرر، فكانت تحوقل كلما باغتها طفل شقي من خلفها، أو تذكرت ما ينقص بيتها من شئون، أو وكز صبي عابر بخفته صيادا عجوزا أرهقته حسابات ديون أهل البلدة الذين لا يملكون ثمن السمك الطازج الذي يأتي من البحر مباشرة، أو لوّح لها تاجر لئيم بدين قديم، أو ودّعت مسافر قد لا يعود.
كل شيء تغير في البلدة التي كانت تفتقد كل شيء، إلا الحب والفرح، فقد كانت تحب أهلها، وتصنع الأفراح بشقاوة طفلة ولهفة عائد مشتاق، كانت تحتفل كثيرا في (عق المناخل، والقرنقشوه والعيود والأعراس والختان ودخول محرم ) وغيرها من مناسبات تتناسل كل يوم عبر تعدد الثقافات الدينية بمذاهب ثلاثة متداخلة،  والعرقية، ومناسبات عديدة بلا مناسبة  يختلقها البشر ليحيون بفرح وحب.
تغيرت كثيرا، تغيرت البيوت فصارت أكبر، وتغير البشر  فصارت القلوب أضيق، ذهب من ذهب، وغادر من غادر، كبر الصغار، وصاروا أكثر بهاء ونضرة ، ومات الكبار أو أقعدهم المرض، وصاروا أكثر خفوتا وعبرة.  أصبح  كل شيء مصنوعا، ومتكلّفا، وقد كان بسيطا وهشا ومرحا وعذبا وطازجا من الطعام حتى الضحكات والدموع والأحلام، كل شيء تغيّر في البلدة العجوز إلا أنها مازالت تحب أهلها من مختلف الطوائف والمذاهب والثقافات والأعراق، ومازالت تحتفظ بضحكة عجوز ترن في قلب طفلة كلما غازلها البحر،  ومازالت تحب الفرح وتقدّم لأطفالها الهدايا كل مناسبة. وتزدحم شوارعها بالمرح والضحكات في القرنقشوه وسائر المناسبات والأعياد.

شيء كأنه الذكرى

فاطمة الشيدي
20-6-2016


ليس على الزمن أن يتوقف، بل عليه أن يسير بخفة لتعبر السنوات المرحة على ظهره المحدودب بخطواتها الراقصة في متواليات الدهشة والحب، وكأن لاشيء يحدث أبدا، أو لكأن كل شئ يحدث دائما، أو يحدث مرة واحدة، منذ الزمن البعيد وحتى الأبد، لأن ما حدث كان لابد أن يحدث في مكانه وزمانه.
وليس على الأمكنة أن تغير خرائطها الراعفة في القلب بل عليها أن تترك على جذع غافة قديمة حرفين متجاورين، وقلب يخترقه سهم ساذج، كتعب...ير بسيط وصادق عن الحب الذي يحدث عبر كل الزمان والمكان، وكل الوعي بتلك البساطة ذاتها، بلا تنظيرات ولا أساطير ولا كيوبيد ولا أغنيات ولا أفلام بل(قلب وسهم وجذع شجرة طيبة).
وليس على الحلم أن يتكوّر خارج رحم الشغف ليتخذ أشكالا أخرى، أو مسميات شتى، مستنجدا بالكلمات وربها وأربابها، بل عليه أن يتجلى بعفوية ورعونة وعبث للقلوب الطيبة والصادقة والتي تبحث عن وطن كالسماء لتتصير له نجمة أو فراشة أو زهرة، وحينها وفي كل ذكرى تصبح الكلمات حامضة أو عاجزة بلا معنى، بينما يتجلى الحب في أبسط صوره كضحكة من القلب، أو وردة تبذل نفسها في العشق تماما ( ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ،, في حبِّ منْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ) ويظل الشغف نيئا أبدا .
20-6
وردة: قلبي سعيد ♪♪️💙💙
https://youtu.be/h5RhhHVzSSg



السبت، 4 يونيو، 2016

ذاكرة المحو

فاطمة الشيدي
القدس العربي
4-6-201


لم يكن الخلل الذي أصاب حاسوبي إلا بداية الرعب الذي داخلني حول فكرة غياب كل ما كتبت دفعة واحدة، وبداية التفكير في فكرة المحو المتعددة الأوجه، وتداعياتها الكثيرة التي يعيشها الكائن في هذا العصر عبر الحياة الطبيعية أو الكونية الرقمية التي يعيش الجميع تقريبا ضمنها بوعي أو لا وعي، حيث ينفتح العالم بين أيدينا، وتنفجر المعلومات في وجوهنا حتى لا نكاد نستطيع اللحاق بها، أو السيطرة عليها، بل وقد تسيطر علينا هي بكامل إرادتنا.
إنها الكونية الرقمية القائمة على المحو سلفا، والتي أصبح الكائن الهش يعيش عبرها الحياة كل لحظة دون أن ينتبه لذلك أو حتى يحفل به. غياب الوعي المخدّر من جهات عدة، غياب الوقت الذي لم يعد يحسب له حسابا أمام تداعيات الحالة، وشغف مواقع التواصل الاجتماعي الذي تمكّن من الكثيرين منا، غياب القيم الكبرى تدريجيا، غياب الحس الجمالي بالتذوق الرفيع للنص والفن والموسيقى، غياب الخصوصية حيث يكتب الأغلبية تقريبا على الملأ مباشرة. وغياب الحرية حيث يكتب البعض نصه تحت وصاية الرقيب تماما، الرقيب الداخلي الذي تربى بقسوة وخوف ضمن معطيات ضمنية كثيرة، أو الرقيب الخارجي الذي يحضر كتابة النص والكاتب يدرك أو لا يدرك سلطة وجوده، بل وقد يضع تحت كلمةٍ ما (قد لا يقصد الكاتب المضمون الذي ذهب إليه) خطا أحمر، فـهو أي الرقيب معه وبين يديه، يقرأ ما يكتبه ليكتب عنه لاحقا، ليضعه ضمن فكرة المحو والغياب في أي لحظة.
لقد  أغرت الكونية الرقمية الجميع، وأفرزت حالات كثيرة بين سلبية وإيجابية، وكلها غالبا مؤقتة، وحاضرة ضمن فكرة الغياب، ما لم تتأصل بوعي ومسؤولية، ومنهم الحالمون بفكرة التغيير الطوباوية، الذين ما فتئوا يرفعون أصواتهم عاليا في وجه الفساد والظلم والقهر، حَمَلة شعلة التنوير الذين نالهم من المحو والخطر الكثير في مقابل فكرة التغيير المحدودة التي ينادون بها أمام جماهير نفعية غالبا أو مسيّسة أو مندفعة بقوة الجهل والتعتيم، فتأتي الثمرة دون التغيير المنشود، ليقول لهم لسان حال الكونية بفصاحة «على من تقرأ زبورك يا داؤود». فتظل فكرة التغيير حائرة بين المثقف المؤمن بالفكرة، والآخر في عتمته التي يدافع عنها بشراسة.
كما أفرزت الكائنات، المتربصة بصفة شخصية أو بصفة وظيفية، ذلك الذي يقبع في صفحتك في مواقع وسائل التواصل الاجتماعي، يراقب تنفسك، وأصابعك، وحزنك وغضبك، ملتحفا بأقنعة شتى كهدهد ينتظر أن يأتي إلى سليمانه بخبر يقين، سواء كان هذا السليمان ينتظر هذا الخبر أو لا، وبنظير مادي أو بفخر مكتشف جبان، ليحمّلك وزر الكلمة أكثر مما تطيق، أو تطيق أنت، ليضعك في قيد أوسع من سأم، وأضيق من ضمير الكلمة، في حين تمهد له أنت هذه الطريق، وتهب له صوتك وصورك ويومياتك بسذاجة إنسان يلتذ بالمقابل البسيط، وهو فكرة الصداقة الكونية وعربونها «اللايك» أو «التعليق» الذي يرضي غرور الكائن الاجتماعي بطبعه كما يرى ابن خلدون. الهدهد الذي قد يكون صديقك أو زميلك أو طالبا من طلابك، أو مثقفا كبيرا، أو كاتبا يثير الحنق وهو يتلوّن كحرباء قديمة، ويقفز فوق المعطيات ليحقق لذاته مجدا زائفا، ومكتسبات بالية بلغة مهترئة ووعي زائف.
كما أغرت الكثير من البشر بالصفات والأسماء، فهذا شاعر الشعراء، وهذا حكيم عصره، وهذا المثقف الجهبذ، وكلها مما يبعث القرف، ويثير الغثيان أمام كشف عورات المجتمعات العربية التي لم تعد كل شجر التوت قادرة على إخفائها. كما يضعها على المحك الواضح ضمن فكرة الغياب والمحو الحادث يوما لا محالة، والتي عليك أن تختارها بين محو علني وحضور ضمني جارح وحقيقي وعميق. فالحقيقة أسطع من كل هذه الظواهر النيئة، ومن كل هذه الأضواء المؤقتة، فللحقيقة جذورها الممتدة، وللوعي جباله الراسخة التي تقنع التاريخ وغرباله العتيد بالمكوث في الأرض، ونفي الزبد. ولذا فكل الراسخ من القول والعمل والأسماء في سجلاته الخالدة كان لأصحاب المواقف وللمؤمنين بالأفكار والمنافحين عنها، في حين كان السقوط والإهمال للمتصيدين وللصائدين في المياه العكرة.
لقد أرهقنا هذا المحو الكوني الحاصل اليوم بلا مبرر، وهذه الحيوات المحمّلة بالضجيج والرعب، حتى كدنا ننسى كل شيء، وقد كنا حتى الأمس القريب في براءة الحضور، وجمال الأمل، وروعة السكون الذي يأتي مشفوعا بالتأني، والوقت الفائض، والبطء النبيل، والحس الجمالي، والرؤية المتعمّقة، والخصوصية الفكرية، والحرية الذاتية حيث نكتب أفكارنا وننقحها، قبل أن نطلقها للنشر. كنا نهتم بالتدوين والحفظ، والآن يعتني بنا المحو، كانت صورنا قليلة ومضمّنة ألبومات مرتبة، ونصوصنا نادرة وثمينة وبعيدة عن الأعين حتى تصلح للنشر، ووعينا رصين وحكمنا متأن. أما اليوم فليس للبعض منا الوقت الكافي حتى ليصحح الأخطاء الإملائية أو النحوية أحيانا، فالجميع يكتب مباشرة، يكتب كثيرا، يكتب كل ما يخطر على باله، يكتب كما يتكلم، وكما يفكر أحيانا، بل وقد يجمع البعض هذه الترهات لاحقا لتصبح كتبا.
إننا بحاجة اليوم لإعادة النظر في قيمة الحيوات الرقمية؛ مواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، وفي طريقة تعاملنا معها بهدوء وروية ووعي ومسؤولية، لننتج عبرها وعيا جوهريا، وتغييرا جذريا يجلي قيمة الحياة والثقافة والإنسان. فثقافة الإنسان هي بوصلة التغيير الحقيقي الناضج والمسؤول، وعليها أن تكون واضحة ودقيقة، فالثقافة لا تعني التعليم بالضرورة، فنحن ندرك اليوم أن هناك الكثير من المدارس والمعاهد والجامعات التي تخرج أفواجا من حملة الشهادات، ولكننا نعرف جيدا أيضا أن هذا لا يعني خلق مثقف واحد، بل ولا يسهم في صناعة وعي جاد، أو بلورة ثقافة مستنيرة. فالثقافة هي ما يرقى بروح الكائن عبر القراءة والفن العميق والجارح، وعبر النقد الدقيق والواعي للفكرة والحياة والإنسان، النقد غير المتعالي أو الوقح. فهناك الكثير من الانتفاخات في مجتمعاتنا المريضة، والتي لم تسهم سوى في توسيع الفجوة بين المثقف ورجل الشارع، الأخير الذي قد يكون سبق الأول في مضمار الحياة الحقيقية، وفي قيمة العمل الذي يقدمه، في حين ظل (المثقف؟) يدبّج لنا معلقاته على مواقع التواصل التي لن تسهم في تقدّم المجتمعات إلا بمقدار ما يتم عبرها من تغيير وهذا نادر الحدوث للأسف، خاصة ما يتعلق بالنضج الكافي والوعي الجمعي، ولذلك عليه تغيير أدواته دائما، وقراءة معطيات الوعي الجمعي لإحداث التغيير المطلوب، بلا عنتريات وبلا أبراج عاجية.
إننا اليوم بحاجة لتعميق قيمة العمل، ونشر ثقافة الإخلاص كلٌّ في مجاله، ودور المثقف دائما هو ترسيخ مثل هذه القيم والأفكار التي ترقى بالمجتمعات والإنسان عبر الكتابة الجادة، وعبر إضاءة مناطق العتمة بالجمال والوعي وتشجيع القراءة، وإعادة قراءة التاريخ وتحليل الحاضر لصناعة الفرد الناضج أولا، الفرد الذي هو أساس المجتمعات المتحضّرة والذاهبة في التغيير. علينا أن نعمل بهدوء وروية لنحاصر المحو الذي يحكم حلقاته على حيواتنا، ولنصنع الذاكرة الجديدة، الذاكرة العصية على المحو بمقتنياتها الأصيلة، وجوهرها النبيل، التي هي نتاجات المرحلة الدقيقة التي يمر بها وجودنا الإنساني في الزمان والمكان بكل ارتباكاتها وأحلامها.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 31 مايو، 2016

أفلام مايو 2016


فاطمة الشيدي

31- 5 -2016


 GO WITH ME
31- 5

الفيلم الذي يعالج قصة بسيطة  وهي وصول فتاة (ليليان :  جوليا ستايلز  ) لبلدة كانت تعيش فيها مع والدتها، لتعيش في بيتها القديم بعد أن ماتت أمها، وخسرت هي حبيبها الذي أخذ منها كل مدخراتها، لتقرر السكن والعمل في بلدتها الأولى، ولكن رجلا شريرا يعترضها ويحاول الاعتداء عليها بكل السبل، فتقرر أن تشكيه للشرطة (الشريف) الذي يخبرها أن القانون غير قادر على حمايتها منه، وأن عليها الرحيل عن البلدة أو اللجوء  لشخص آخر ليحميها منه، لتدرك أن الرجل الشرير (بلاك واي ) هذا أكبر مما تظن فهو يتحكم في البلدة بشروره وبيعه للمخدرات والدعارة وقهر البشر بلا مانع من قانون أو قوة أخرى، بعد أن كان مساعدا للشريف ذات يوم.
يقرر الرجل العجوز (ليستر : أنتوني هوبكنز) الذي فقد ابنته منتحرة، وهجرته امرأته مع طبيب أسنان، بمرافقة شاب معاق (نايت)  مساعدة الفتاة للتخلص من ذلك المجرم، وتخليص البلدة من شروره التي لم يسلم منها أحد، ويتم لهم ذلك، بعد مغامرة طويلة للبحث عنه، وتقصي أمكنته المشبوهة، وأنشطته الخارجة على كل القوانين.  وبعد صراع مرير معه.
رسالة الفيلم الضمنية تقول أن لكل قوة نهاية مهما استفحلت في الشر والظلم والقهر، بل لعلها تكون على يد أقل وأضعف الكائنات  (امرأة، ومعاق ومسن)، وكما ذكر هوبكنز ، الحياة مليئة بالشر والموت والقهر والظلم ويمكن للإنسان أن يخفض رأسه ويعبرها، ولكنه في بعض الأحيان يجد القوة ليرفع رأسه  ويغير الوضع ببسالة وقوة.
الفيلم من إخراج دانيال ألفريدسون.

2.

MONYY MONSTER
26- 5
الرأسمالية "الحقيرة" تمد أذرعها الأخطبوطية لأحلام البسطاء لتقضي عليهم تماما، يالله كم مسكين "كايل" الذي خسر كل ماله في البورصة بعد أن باع بيت والدته ليقامر بـ 60 ألف دولار دفعة واحدة، هي كل ما لديه، ليعيش مع حبيبته وطفله القادم كما يحلم، ولكن الأحلام محرمة على البسطاء في دنيا القذارة الإنسانية التي لها حسابات لا يدخل فيها البعد الإنساني أو الأخلاقي. والتي تديرها ماكينة الإعلام الأحقر القائمة على مبدأ الربح مقابل كل شيء، فهي لا تعترف بأحلام البسطاء، وأوجاعهم والعمر الذي يبعثره الفقر هباء منثورا، ولاحقا يقضي السفلة على فكرة الحلم قبل أن تتحقق، ويقوضون الأمل حتى لا يبقى سوى اليأس.  الذي دفع الشاب البسيط لاختراق مبنى القناة التي روّجت لتلك الشركة المالية الكبيرة، وأقنع المذيع الوسيم " جورج كلوني" البسطاء للاستثمار فيها لأنها تتصاعد في أرباحها  فلا تخسر أبدا.
الشاب الذي يقرر أن يحقق العدل الكبير بنفسه وبأدواته البسيطة عبر خدعة كبيرة حيث يدخل إلى الأستوديو ليقنع الجميع بأنه إرهابي ويحمل أحزمة ناسفة، قاصدا المذيع، ورئيس الشركة الذي هرب من المواجهة، مبررا الخسارة بأنها شائبة أصابت أجهزة الحاسوب، وهي ما كانت سوى خدعه منه، بعد أن تلاعب بالنظام للحصول على 800 مليون ليدفعها لإضراب عمال مناجمه في جنوب أفريقيا، الرأسمالي الكبير المحمي بالقانون يدرك عمق الرأسمالية وقوتها وتحكمها في مصائر الإنسان، ولذا يصر حتى آخر لحظة  أنه لم يخترق القانون ولم يرتكب خطأ، لينجو بفعلته بينما يفقد الشاب حياته على يد رجال الشرطة ممثلي القانون. رغم محاولة مخرجة البرنامج (جوليا روبرتس)  وطاقمها بما فيهم المذيع لي غيتس، مساعدته، إلا أن النهاية حتمية لمن أراد الخروج على قانون الغابة الكونية القائمة على القوة والمصلحة. 
ليقول لنا الفيلم ببساطة أننا في عالم وحوش الرأسمالية البغيضة بمخالبهم النتنة وفسادهم الكبير، أولئك الذين لا يقيمون حسابات حقيقية للإنسان إلا بوصفه مستهلكا وأداة لتعزيز أرصدتهم البنكية، وأن العدل لا معنى ولا مصداقية له في هذا العالم القائم على الطبقية والاستغلال والنهش في لحوم البسطاء، وأن القانون خلق ليحمي الأقوياء فقط، أو  ليخترق بأسماء مستعارة للقوة، وليسحق الضعفاء تحت عجلته القاتلة إن تمردوا على دورهم الاستهلاكي ومد الكبار بما يعزز قوتهم ويوسع ممتلكاتهم، ويسعف أحلامهم الجشعة التي لا تنتهي.
سيشعر كل ذي حس إنساني في هذا الفيلم بالحزن بعد أن يشعر أنه متعاطف وربما منتم، أو متوحد تماما مع هذا الشاب الذي لم يعد لديه ما يخسره، بعد أن سرقوا أحلامه دفعة واحدة، كما سرق الفقر حياته بالتقسيط قبل ذلك. وحين يسقط على الأرض ميتا تسقط معه كل قيم العدالة والإنسانية والقانون، ويعلن الفيلم الواقعي انتصار القوة، وسحق الرأسمالية المدعومة بالقانون للإنسان البسيط بأحلامه وأوهامه التي يظنها مشروعة لتصبح طريقا ممهدا لنهايته دون أن ينتبه أحد، بل يعود الجميع (كما انتهى الفيلم كسخرية قاتمة) من حيث بدأوا عبر مواصلة أعمالهم الطبيعية، وتأدية أدوارهم العادية في الحياة، فالحياة لا تنتبه للبسطاء وهم فيها أو حين يخرجون منها.


1. هيبتا
19- 5

الحب وهج الروح الذي تتجلى عبره، شرارة الخلق، حادثة الكون الأعظم، حكايات البشر، نصوص الشعراء، فلسفة الوعي واللاوعي، السعادة والشقاء معا، الآخر الذي يسكن أرواحنا، ثمرة القلب، .ووعاء العقل، معيار الوجود الإنساني. 
كان هذا هو موضوع فيلم هيبتا الفيلم المصري الذي شاهدت منشوراته على جسر 6أكتوبر، عبر الطريق من القاهرة حتى الاسكندرية والعكس، شعرت أن مصر كلها تشاهد هذا الفيلم، ذهب عقلي مباشرة نحو هيبيتيا أول فيلسوفة في التاريخ وهي العالمة الاسكندرانية، فكنت أريد أن أشاهد الفيلم بقوة . 
وحين عرض الفيلم في عُمان هرعت لمشاهدته، كان يتحدث ببساطة عن الحب وكان الاسم الفخ هو رقم سبعة، أو ايبتا باليوناني، كان البرفسور الذي يقدم محاضرة عامة يتحدث عن مراحل الحب السبعة عبر أربع قصص لأربع شخصيات، لنصل في النهاية أنها شخصية واحدة عبر أرابع مراحل عمرية، والتي لن تكون في النهاية إلا شخصيته أو حكايته هو ذاته، في مرحلة الطفولة حين أحب صديقته الصغيرة حبا رائعا ليتقاسم معها اللعب والطعام والاهتمام، ولكن موت أمه منتحرة أدخله في عالم من الحزن لم تستطع الطفلة الصغيرة مشاركته فيه ، ثم المراهقة ليحب زميلته في الثانوية، لتتركه تحت ضغط أمها،  وفي الشباب إذا أصبح رساما ووقع في غرام امرأة مخطوبة وأغرم بها ثم تزوجها وبعد موت طفلته انقطع الحب بينهما بفعل الألم، و أخيرا المرأة التي التقى بها لتأخذه إليها بجنون ما بعد النضج ، كما يحدث لكل منا حين يقع في الحب  مرات وفي كل مرة ويظن أن ذلك هو الحب، وفي كل مرحلة ينظر للحب السابق ويبتسم ويعرف أنه تجاوزه وأن الإنسان قادر على الحب أبدا، وأن الحب هو الروح ذاتها.
الفيلم سجل حضورا واسعا (لم يكن متوقعا إطلاقا) في الأوساط السينمائية العربية، حسب ما قرأت، وتحديدا في مصر، والحقيقة يعتبر الفيلم  قراءة عميقة وسابرة جدا للروح الإنسانية، لفكرة الحب أو مراحله التي تناولها ابن حزم والكثير من المتصوفة.  كما أن تلك البساطة في الطرح هي سر نجاح الفيلم،  الأستاذ (شكري مختار)  الذي وزّع حياته في أربع شخصيات  وسبع مراحل عشقية في الحقيقة ما هو إلا كل فرد منا .
الفيلم مصري تم إنتاجه في سنة 2016 وهو مأخوذ عن رواية محمد صادق ، من إخراج هادي الباجوري ومن بطولة ماجد الكدواني و ياسمين رئيس و عمرو يوسف و نيللي كريم و أحمد بدير.