"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

سونيتات 11- 11

فاطمة الشيدي
شرفات جريدة عمان
1.
الشغف هو تلك الحالة التي تجعل الأشياء عالقة ومتعالقة بالروح، وتنشب أظافرها في العميق من الوجدان والذاكرة.
شيء يشبه اللذة الغامرة الملتبسة بين البهجة والحزن معا، شيء يحفر عميقا في مناطقك الخفية ولا تعرف أين تماما، يشبه رائحة ضحكة ولون ابتسامة، وحنينا غامضا يرجعك للبعيد البعيد خارج الزمن والمكان ربما.
والشغف هو روح العمل الفني بكل أنواعه ومستوياته وفنونه( أدب،سينما، موسيقى… الخ) وهو جماع العاطفة والوعي واللغة والفكرة معا، بحيث لا يمكنك فصلها أو تحديد موضع الجمال أو الخلل في النص. فهو نص رائع فقط، أو نص رديء وفقط أيضا. مهما لمع وقدم وانتشر وظهر فكلنا نعلم كم توجد من تصديرات، غير حقيقية للعمل، وكم من اعلانات لا يكون أصحابها قد قرأوا العمل أصلا. وكم من متصدر للنقد والقراءة بذوق عليل ووعي ضئيل.
إنه التذوق الذي تربى طويلا وجميلا ليهبك القدرة على الحكم وتلمس ذلك الشغف،ومتى ما تلبسك ذلك الشغف وأنت تقرأ عمل ستدرك أنه عمل عظيم يستحق الوقت الذي اهديته له طواعية، والعكس تماما ما تشعر به حين تقرأ رواية أو نصا لتجد نفسك تقرأ ما يصلح أن يكون تقريرا أو كتابة صحفية باردة، الحالة تشبه أن تأكل طعاما لا تتذوقه أو فيلما لا تشعر به . وكم من الأعمال الفنية والأدبية المشهورة والرائجة بلا طعم ولا تولد فيك حتى القليل من الشغف !
2.
ماذا يفعل مخطوو المدن والشوارع في بلادنا?
ماذا يعني أن تكون كل الشوارع واجهات لمحال تجارية ?
لماذا لاتوجد المناطق التجارية بشكل كامل، بعيدا عن الشوارع?
مثلا؛ لماذا لا تصبح منطقة الخوض التجارية، والقرم التجارية وغيرها مناطق مغلقة كمولات كبيرة. وتكون مواقف السيارات خارجها?
أين هم من المدن الكبرى والتخطيط العملي والمنظم?
لقد أصبحت الحركة في محيط بيتك معاناة حقيقية، في بلد تتكاثر فيه السيارات أكثر من البشر،حتى أن الإنسان أصبح يشك أن هناك سيارات بلا سائقين أصلا، خاصة مع تعدادنا الذي لا يزيد والمواصلات العامة التي تشبه حلم منتصف الليل.
ولا عجب أن أصبح الناس مجبرون على الخطأ والفوضى والتجاوز وتحيّن الفرص، والتعدي على حقوق الآخرين والابتعاد عن النظام وأخلاق القيادة.
إن الزحمة تربي الفوضى بإصرار، والإنسان العُماني يجتهد ليكون متحضرا ونبيلا في أقل الظروف، في حين لايدرك المسئولون معاناة البسطاء في زحمة الشوارع القاتلة، والدوارات المغلقة التي تفتقر لأبسط التسهيلات وهي الإشارات الضوئية، وعند معابر الآخرين المكتظة والمتجهمة في وجوهنا ومع هذا لابد منها دائما!
مدننا تختنق فانتبهوا، فنحن في أزمة تتزايد وتستفحل مع كل مناسبة، أسواقنا وشوارعنا ودواراتنا بحاجة لإعادة تخطيط، ومدننا بحاجة لرؤية عصرية تناسب التسارع في عدد السكان ومتطلبات الحياة.
وشوارعنا باتت لا تحتمل كل هذه السيارات، الزحمة في تزايد يومي، وتحتاج حلا عاجلا،وناجعا في ذات الوقت.
3.
في فيلم (Red Planet (-الذي يحكي عن رحلة علمية لكوكب المريخ، والصعوبات التي واجهت طاقمه من ارتباك في انفصال المركبة عن الجسد الأم، وبالتالي تغيير قائد الرحلة، وغيرها من مشكلات فنية وتقنية حدثت تباعا مثل: نقص الأوكسجين، وفقد الاتصال بالأرض، والكثير من موجهات الرحلة ومعيناتها الفنية، حتى موت طاقمها واحدا تلو الآخر، عدا واحدا عاد للأرض بالكثير من الأدلة العلمية عن الكوكب الأحمر، والكثير من الحيرة حول الكون والوجود-؛ كان سؤال العلم والإيمان هو الأهم، فالفيلم يعيد للأذهان تلك الجدلية الكبيرة بين المادي والروحي، بين الروح والعقل، بين البراهين والأدلة العلمية الواضحة، والرؤيا والحدس والتواصل الروحي مع الله.
لم يظهر الفيلم انحيازا لأحدى الفكرتين، بل أدرجهما ضمن حوار عميق بين البرفيسور العالم الذي استنفد طرق العلم، وصار مأخوذا بالفلسفة في الوصول لله، والتعالق مع روح الكون، وتلميذه الشاب الأقرب لروحانياته من باقي طاقم المركبة الفضائية، إلا أن الأول مات في بداية الرحلة، ونجا الثاني وحيدا بعد يأس ومحاولات كثيرة، كان مؤمنا بروح الكون المقتدة من روح الله والمتصلة معها، في حين كان صديقه الأقرب علميا مؤمنا بالنظرية القائمة على المنطق والأدلة والبراهين فقط، حتى آخر لحظة (وهو يموت، ويحمله أنبوب اختبار حول كائنات عشبية نمت على سطح المريخ، ليعود به للأرض كأحد نتائج تلك الرحلة العلمية).
عاد للأرض بعد أن شاهد كل متناقضات الحياة والموت في هذه الرحلة، ونجا بشبه معجزة جمعت بين العقل الذي استخدمه بحكمة، والقدرة الإلهية التي هيأت له أسباب النجاة، بين العلم المبصر، والبصيرة القائمة على الإيمان والتواصل مع الله عبر روح الأشياء في الكون أو العكس.
مجرد فتح هذه المنطقة الجدلية للحوار، وتقديمها كحيرة إنسانية وجودية قائمة أبدا، هو محتسب فني وفكري عظيم لدوْر السينما في طرح الأسئلة، وصناعة الوعي، لتغدو السينما أكثر جمالا ودهشة من تقديم حكايات جاهزة، أو أفكار رومانسية، أو أفلام رعب وأكشن ساذجة، كما يحدث غالبا وكثيرا في السينما التجارية، فالتأكيد على عدم مصادرة الآخر، وحق الجدل الفكري والاختلاف في الرؤى بين أي كائنين على هذا الكوكب، ضرورة فنية وإنسانية ملحة في هذا العصر الذي تغيب عنه الجدلية الفكرية وتتكاثر فيه الأشياء الجاهزة والسريعة.
4.
لم أكن أتوقع أن أذهب يوما في سياحة داخلية للمصنعة، تلك الولاية التي تقع في منتصف المسافة بين مسقط رأسي، و"مسقط" قلبي لأعبرها ذهابا وإيابا بين الفينة والأخرى، لكن هذا ما حدث، لتفاجئني بدورها، وتدهشني بحالة سياحية مذهلة، ومنتجع خرافي Millenium"" يأخذنا في أحضان البحر بجمالية عالية بين اللونين الأخضر والأزرق وصخب السياح، الأجانب منهم والعمانيين، الكبار والأطفال.
وكأنك في مكان آخر تماما غير ما تعرفه، والذي تتشابه فيه ولايات عجوزنا الباطنة في التفاصيل والمستوى والبساطة.
غير أنك تتذكر ببساطة أن البحر يستوعب كل الجمال المتناقض، ويحرّض على صناعة السياحة بأقل التفاصيل، وبهذا فساحلنا الممتد كله مشروع منتجعات ومناطق سياحية مبهرة للمواطن قبل السياح.
كنت أتأمل المكان بلذة ودهشة وإيمان عميق بعمان الجمال، وبكنوزها الخبيئة وممكناتها السياحية العالية، وبالغد الذي ستكون فيه السياحة المورد الأهم، ولكن هذا لن يكون كثيرا وحقيقيا فعلا إلا بفتح القليل من الأبواب المغلقة أو المواربة وتسهيل كل الامكانيات، وتيسير كل الصعوبات لصناعة حالة سياحية واثقة، وقادرة على جذب السائح الداخلي والخارجي في السهل والجبل والبحر.
5.
ماذا سنفعل لو لم يكن هناك مواقع تواصل اجتماعي; (فيسبوك، واتس أب، وتويتر) أفكر في الموضوع وأنا ألمح الجميع يغمد رأسه في جهاز ما، كنصل ران عليه الصدأ من فرط مكوثه، وفي كل مكان حتى فقد الانتظار المقيت خصيصة الملل، وأصبح ثمت دائما ما يمكن فعله ومعرفته ومطالعته في حالات الانتظار، بل لكأن الانتظار فقد حقيقته أو ذاته، فلا يوجد انتظار أصلا، فهو مجرد فراغ هامشي أو عابر أو ضمني يجد ما يملأه!
كما بتنا كائنات جمعية ضمن الفردي منا، ننتظر اقتراحات البعض لقصيدة أو مقطع فيديو أو نص أو أغنية لنعجب بها أو نشاركها أو نرفضها ونعلّق عليها سلبا أو نتجاهلها. تماما كما نعرف مايحدث عبر الآخر مباشرة من وطنه ورقعته.
وكائنات فردية ضمن الجمعي; نقترح، ونكتب، ونطير ترجمة لحظاتنا للآخر عبر نص أو صورة ونفرح وهو ينهب خصوصيتنا التي تركناها له مشاعا، -كما وهب لنا خصوصياته عن طيب خاطر- وبفرح حقيقي بمشاركته حيواتنا إعجابا أو تعليقا أو احتفاء .
كيف كنا سنتصرف في أوقاتنا الزائدة، هل سيأكلنا الملل بشهية حيوان بري جائع، أم سنخترع حيل جديدة وثرثرات طازجة، هل سنقرأ ونكتب ونستمع للموسيقى. ونتفحص الوجوه في غرف الانتظار ؟
هل سنمارس المشي والرياضة والكلام في أوقات الفراغ؟
هل سنزور أصدقاءنا وأهلنا، ونتحدث ونأكل كالإنسان الذي يبدو قديما خارج مواقع التواصل؟
هل سنضحك، وتعلو قهقهاتنا في مسامراتنا الليلية، وتحلق ونحن نلقي بها من طوابق شاهقة، وننظر إليها وهي تفنى في الفراغ الرحب، ونضحك أيضا؟
هل سنزرع بيوتنا وشرفاتنا ورودا ورياحين ونسقيها ونعتني بها، تماما كما سنعتني بأحلامنا وكلامنا النيئ الذي لن نكتبه هذه المرة، بل سنمضغه كعلكة رخيصة، ونلفظها حين تكون فقدت طعمها بلا نرجسية التدوين وفرصة الخلود.
وربما في أقصى الاحتمالات نطيرها في الجو كطائرات ورقية حمقاء في يد طفل أرعن، يتركها للريح حين تشتد على يديه، ويضحك وهو يلوح لها.
هل سنعيش اللحظات بصدق أكثر من حتمية تحنيطها في صورة ميتة تقول ببلاغة كاذبة أكثر أو أقل مما يحدث فعلا؟
لا أعرف فعلا ماذا كنا سنفعل، وماذا سنفعل الآن، لو سخطت علينا آلة التقنية المرعبة، وحرمتنا هباتها وبيوتها الأوهى من بيوت العنكبوت، وأصدقاءها الذين لم نرهم ولا نعرف كيف يصافحون الشمس، وكيف يعملون ويبتسمون وكيف يغضبون ويبكون وكيف يشتمون إلا ضمن ظلال الكلمات والصور، ومع هذا نهرع لبيوتهم ونفرح لرؤية صورهم، وننتظر تعليقاتهم و(لايكاتهم) ونعيش بينهم تماما في أسرَّتنا، وبيوتنا وأعمالنا، وقد نعرفهم أكثر من الجار الملاصق، وصاحب البقالة في آخر الشارع، وأكثر من كثير من الأصدقاء الذين ليس لنا حظ منهم سوى الصفة الباردة.
لا أعرف حقا، ولكن ضمن هذه الاحتمالات المباشرة لغيابها تبدو الحياة أجمل، لولا أن المدنيَّة، والرأس مالية ابتلعت الدفء، والضجر يبدو أقرب الاحتمالات للغياب!
6.
تمثل الكثير من أغنيات ميادة الحناوي الاتجاه الواقعي في الأغنية والذي يعبر عن محاولة تجسير العلاقة بين الإنسان والفن لخلق لحمة بينهما، حيث يعبّر الفن عن المعاش واليومي بكل ما يحمله من تفاصيل وأفكار وإشكاليات، وارتباكات حميمة وطبيعية، متداخلا مع الاتجاه النسوي بأبعاده الرافضة والثائرة لحد ما.
وصوت مياده الرصين والعميق قادر على ذلك المزج، بلا سقوط في البسيط والهش من الفن أو من الحياة. وإيصال كل تلك الرسائل والإشارات بقوة وفنية عالية، مخاطبة الإنسان في مستوياته العامة، والنخبوية.
7.
" الموسيقى وَحْيٌ يعلو على كل الحِكم و الفلسفات "
لودفيك فان بيتهوفن
 

السبت، 1 نوفمبر، 2014

ذكرى غياب سركون بولص… قصيدة الحياة في زمن الموت المجاني


 

 
 
فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
ثمة شعراء يتشكل وعيك بهم مرة واحدة، باكرا وغزيرا، وتمضي بهم لاحقا كمرجعية جمالية باهظة وجارحة، لا تقبل المفاوضة على الجمال، أو المهادنة في العشق، وكلما قرأت لهم لاحقا تدرك حقا كم يستحقون ذلك الانتباه الأولي، وذلك الشغف المستمر!
وهذا تماما ماحدث معي، ومع سركون بولص (1944ـ2007)، الذي حلت ذكرى رحيله منذ أيام لتشعل في عشاقه، وعشاق الشعر، فداحة غياب شاعر مختلف في رهافته، وعمقه، ولذة انثيال الشعر من بين أصابعه، وعلى لسانه. قرأته وأنا على مقاعد الدرس في الجامعة، متنازعة الروح بين العلمي المؤطر بكتاب جامعي صارم الحدية، وذهنية أساتذة كان القديم أولى لهم في التقديم والشرح والحث على هضمه وتذوقه، هذا إذا لم يشكل الجديد شرا مستطيرا، يدفعهم ليتغافلوا عنه، كي لا يفتحوا أذهاننا عليه؛ وبين الجمالي الممتد من لا نقطة البداية، حتى لا نقطة النهاية. ولكنني تمددت وتماديت في الاتجاه الثاني الأقرب لروح شاعر ينمو زغبه بمهل، قرأت بولص ضمن من قرأت من أساطين الحداثة العربية ورموزها الخارجين على الثابت، والداعين للهدم كوسيلة للتشييد، وكم هالني ذلك الغنى في نصه، وصوره، وجماليات قصيدته حتى ليشْكُل على قادم من وعي مغاير وثقافة تقليدية كل ذلك العمق.
وفي مسقط عام 1995 وأنا أخطو نحو الكتابة مرتبكة بإثمها، وفهمها، في بدايات التشكل والتكوين، كان لعشاق الشعر حلم لقاء دافئٍ ومباشر مع بولص، ليلقي قصائده في أحضان مدينة مسكونة بالبحر، والتاريخ، والعشق، والشعر، لتكتمل الصورة داخلي حميمية وحقيقية كما ينبغي للشعر والشاعر معا، يومها كنت في ذهول تام حين صافحتْ عيناه مقلتيّ، وهو بكامل وسامته، وأناقته؛ التي تليق بفتى الشعر الأبهى، أو بأحد أجمل آلهته. يومها كنت أتمنى ـ كأي مراهقة بلهاء تدّعي أنها من فصيلة الشعراء ـ أن أمسك بيده، أو أن أحدّق طويلا في عينيه، وأخزّن ابتسامته في روحي ثم أهرب به نحو أقصى الشعر والحلم.
كان هو متجليا ألقا بالشعر، فارعا في سماواته وسموه، يدس حلما في كل كف تمتد لمصافحته، ووردة في كل قلب يخفق لكلماته، وكان بسيطا وعذبا وغائرا كطعنة حين يطلِقُ جملته الشعرية، وكأنه يحفر المعاني في قلب زهرة غاردينيا، أويرشّها بالملح لنتذوقها بشهية لا تقاوم. وكان غائبا أو غائما وهو يلقي نصوصه، وكأنه كان يحلق على مسافة من رؤوسنا، أو كان يعلو في مساحات مأهولة بطيوف آلهة قديمة تهبه الشعر، أنيقا كضحكته التي يهب لنا شطرها فقط، وتأخذه معها لمساحات بعيدة، وحزن ممتد في الشطر الآخر، وكأنه ما سار يوما على الأرض، بل ولد بجناحين يطير بهما بخفة طائر، يتجاوز الأشياء والكائنات والكلمات.
وحين رحل سنة 2007، شعرت بتلك الغصة التي تصيبني كلما رحل شاعر جميل، شعرت أن الأرض نقصت جمالا، وحبا وفرحا، وأنها أصبحت أكثر ثقلا، وأقل دورانا، وهواء، وماء، فكتبت نصا قصيرا لأبتلع حزني الكبير كمرثية أو وداع: «إذ ترحل الآن/ فكل الحزن الذي أعرف يقف على فقرات أصابعي، يأمرني بالبكاء، فأهرب مني إليك/ إلى نصك المخبوء في روحي/ أستحم بفيض صلاتي/ وأتطهّر ببروق عينيك التي انطفأت منذ زمن قصير!/ حزينة جدا أنا الآن لغيابك/ ولو كان للحزن ألوانا لأخترت أجملها إذ رحلت/ ولو كان لي صوت بهيج، لغنيت صلاة رفيعة لعينيك الماسيتين/ اللتين كانتا تلمعان كانعكاس نجمة في الفرات/ والآن هاهما ذابلتان كزهرتي لوتس، اقتلعتهما يد طفل عابث/ مغمضتين كآخر قبرين من ماء/ إذ رحلت/ أصبحت الموسيقى تغفو حتى آخر مداراتها الناهبة للذة/ والعصافير تقف على ساقٍ واحدة أسوة باللقالق/ والبحر يحقد على كل الذين يقذفون أنينهم في جوفه لأنه الأشد حزنا/ والصحراء أصبحت تسفح عفتها على بوابات المدن المخضبة بالغدر والغرباء/ والتاريخ أصبح يسفك دمهُ على مسافةٍ تقرض الحنين احتراقا، وتكفّن أجساد عشاق الشمس في توابيت باردة/ والليل يشعل حرائقه حدادا/ الصبح كفرَ بالضوء/ والموتى كفوا عن الموت/ والغرباء شربوا دم الأرصفة/ وثمل الشعر في دم الشعراء / والعراق صار يغتسل بمائه من مضاجعة الموت بين كل فجيعة وأخرى!».(1)
وحين تعاود ذكرى الرحيل لشاعر يشكل لبنة وعي شعري مؤسسة في قلبك النابض بخفقات الشعراء، وروحك المستأنسة بحنينهم، وبكائهم، شعراء في جهة واحدة من الحب والقلب، وزمن ممتد من الجمال إلى الجمال، شعراء يزيدهم الموت حضورا في دمك، وفي دم القصيدة؛ ليس عليك إلا أن تشعل شمعة، وأن تقرأ ما تيسر منهم، فهذا فقط ما يداوي الفقد، ويرفو المسافة بين الغياب والغياب، ويشعل تلك الظلمة المتوهجة في العالم المحيط بك، ويشغله بالكثير من الأسئلة عن إمكانية القصيدة في بث الحياة في الحياة، في زمن الموت المجاني، ونفخ الكثير من الحب في الأرواح العامرة بالكراهية، ونفث الجمال والبهاء كتميمة خرافية، لا تنتهي ولا تزول في الكون المتململ من رائحة الدم، والمستوحش من العبث واللاجدوى التي تهربها الأقلام والأصابع في يأس قاتل.
وها أقرأه في حضرته الغائبة، وغيابه الحاضر، بمحبة وعشق قديم متجدد، وأحتفي به، بصوره وأساليبه، بلغته وفكرته، أتشربه رويدا رويدا لأنجو من بلاغة الصمت، وأسلوبية الخطاب، وألتذ به بلا تحليل يقتنص صورة ثابتة أو متحركة، أو يقف على ظاهرة أسلوبية، أو يوضح رمزاً أو انحرافاً لغوياً. فكل قصيدة هي انحراف عن السائد، وخروج على المألوف، وتصاعد في الحركة والصورة، وحفر في العميق من المشاعر واللغة. أقرأه بحب واحتفاء فقط، وتعالق كلي مع جمال اللغة، وروح الشعر الحقيقي؛ الجدير بالخلود، والمستحق للقراءة كلما تشظت الروح، أو أجدب الكون، أو جفلت اللغة، أو حلت الذكرى.
أقرأه وأضع نفسي في نصه مباشرة، أتخذ صورة «المرأة الجانحة مع الريح» التي بحث عنها طويلا، ولعل فعل البحث ما زال مستمرا هناك في الغياب، حيث الشعر أكثر حضورا، وأغزر جرحا، وأعذب قيامة، أقرأ الشاعر من أعماقه، وأبحث معه عن صورة المرأة الإنسان التي لا تصنعها المساحيق، ولا يعتّم على حضورها الجهل والقتل والوأد المتكرر، عن تفاصيلها الحميمة في الطرقات، وبين البيوت، وفي المدن القديمة، عن رائحتها التي تستجلي رائحة الأمهات، والطفولة، والأرض، والوطن، والشعر والغياب معا:
«لو رأيتَها، تلك المرأة
الجانحةَ مع الريح
وفي عينيها علائمُ زوبعة قادمة
وشعرها، منذ الآن، ينتفش في دواماتها،
لا
تترددْ
وخبّرني، فهي قد تكون ضالتي
قد تكون من ذهبتُ أبحث عنها في القرى
والأرياف البعيدة
حالماً أن أجدها في زقاق
مقفر، ذات يوم، تحمل طفلا بين
ذراعيها أو تطل من نافذة
أو حتى أن أعرف أنها هي
في ثمّة صوت، في ثمة أغنيةٍ على
الراديو
أغنية تقول أشياء جميلة
عن الحزن
أو الهجرة
وقد لا تراها
سوى في جناحي فراشة
ترفرف لازقةً في قار الطريق
عينيها الملطختين بمكحلة التاريخ العابثة
نهديها المثقلين بأنداءِ حزن أمة
وفاكهتها اليتيمة
كبضعة أحجار في سلة
تعود بها من سوق أقفلت دكاكينُها تصفر في أخشابها الريح
على أطراف بلدة
ولدنا فيها، وحلمنا أحلامنا الصغيرة
ثم هجرناها».(2)
أقرأ سركون بولص الشاعر، «حامل الفانوس في ليل الذئاب» الشاعر الذي رغم غيابه يؤكد أنه ما زال «الأول والتالي»، الشاعر الذي يسكن منذ الأزل وحتى الآن «مدينة أين»، وغيرها من نصوص تستحق القراءة بخشوع الصلاة ورهبة الغياب، وأمد روحي كلها تحية له في الرحيل والذكرى.
(1) كُتب هذا النصّ في يوم رحيل سركون بولص، وها ينشر في ذكرى رحيله.
(2) من قصيدة «المرأة الجانحة مع الريح»، مجموعة «عظمة أخرى لكلب القبيلة»، 2008.
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2014

سونيتات

 
 
شرفات - جريدة عمان
فاطمة الشيدي
1.
أيتها الذاكرة المكتنزة بالحنين والغياب؛ ليس على الوقت أن يأكل خبزك المعد للبعيد البعيد، والمعتّق برائحة الأزمنة والوله، والملطّخ بغبار الذكريات الحافية تركض بخفة في فرجان الشوق، وسكك القلوب الطيبة، ترهف السمع للنبض الرهيف كأغنيات لا تذبل، وتشبع من كلمة الحب التي تنثرها الأمهات غزيرة وعطرة في وجه الحارات، والأطفال، والنهارات المستيقظة على عجل، والليالي الآفلة بغنج الياسمين والطل كأقمار الفتنة، وضحكات الصغار، وحكمة الماء .
2.
أن ترقى جبل شمس في صيف لا يزال يمد أذرعه بحنان جم ليضم الحياة بين يديه، فهذا تحدٍ كبير للحر، كطفل يمد لسانه بمزاح لكل ما لا يعجبه. ستشعر بذلك والمطر يستقبلك بحفاوة، وينثر قطراته لتدغدغ روحك قبل أن تلمس زجاج السيارة، وحين ستنام ليلة باردة جدا بدون تكييف ستصرخ ملء روحك (الله .. يالجمالية المكان يا باشلار! ).
في جبل شمس تشعر أنك بت قريبا من السماء، وبإمكانك أن تمد يدك لتقطف بضع غيمة بيضاء تتهادى فوق رأسك بدلال وهي تبتسم لك وتعدك بالمطر الحنون .
وستشعر بالهيبة القصوى التي تطعن بها الطبيعة الروح تماما، مع كل تلك الجبال التي يستصغر الإنسان ذاته وقوته أمامها.
وتكثر وتمدد وأنت تذهب في جولة ممتعة في ارتقاءات الجبل وامتداداته المتصاعدة للأعلى، أمام كل تلك العظمة الشاهقة.
وحين تشهد أول غروب للشمس، وأول إشراق لها في المكان، ستشهق روحك ممتلئة بجمال خاص مفعم بالإذعان لعبقرية جمال الطبيعة، وتشعر أنك بت خفيفا أكثر مما ينبغي بحيث يمكنك التحليق، أو حتى التلاشي في ذرات الهواء أو في خيوط الضياء.
ذلك الجمال البعيد والمتوحش والقاسي أحيانا، والذي لا يعرفه الكثير من الناس سيصادرك لصالح الحالة والمكان والزمان، لتصبح مأخوذا به تماما، ومهووسا بمفرداته، ومولعا بعظمته ومجنونا بوجودك ضمنه.
ذلك الجمال غير السائد بدءا من اشتقاقات البني والرصاصي في كبد الجبال العظيمة المبتسمة برضا وحنان خاص، وهي تحتضن كل عناصر وكائنات الطبيعة بما فيها الإنسان بود وأمومة طافحة، مرورا بتلك الشجيرات النابتة في قلب الجبال والمكتفية بماء السماء، وليس نهاية بالحيوانات البرية التي تشعر بها متحررة ومنسجمة مع الطبيعة والمكان والطقس.
في جبل شمس حيث عبقرية المكان الآسر، والمضمّخ بعطر الطبيعة، والهدوء الجزل نظرا لقلة البشر، ينعتق الإنسان من كل شيء يثقله، ويتحرر من كل عوالقه ويعود بدئيا بسيطا متحدا مع الطبيعة الأم اتحاد جنيني رحمي حميم، لا يرغب أن ينفك منه، أو يغادر ارتباطه المشيمي العظيم.
كما يلتقي الإنسان مع ذاته في مرآة الطبيعة بشكل مباشر وحقيقي، وكأن ذلك يحدث لأول مرة بصدق وعفوية، ويتبادلان الأفكار والهواجس، ويرمي الكثير منها من أعلى قمة الجبل، ليعود خفيفا ونضرا كسمرة خضراء يراها لأول مرة.
وجاء المنتجع الذي كان تقليديا بشكل يسمح للإنسان بتذوق خصوصية المكان والانغماس فيه ليشكل إضافة حقيقة للحضور المكاني.
جبل شمس مكان يصلح لتطهير الذات من أدران الحياة العالقة في روح وجلد وأهداب الكائن، والعودة للجوهر الأصيل منه في شفافية قصوى، وإقامة حوار ممتد بين الطبيعة والإنسان لزمن يطول أو يقصر، إنه يعرّف الإنسان على ذاته، ويعيد ترميم علاقته بالكون والطبيعة، ويغير نظرته الكلية للجمال. ليعود منه مختلفا كثيرا عما ذهب إليه.
الخميس 9/10/20014
3.
وأنا أسمع صوت (رباب) الصوت الذي أعشق شجنه، وألتذ برائحته التي تشبه رائحة عطر عربي، الصوت المختمر بالحزن، والمعتّق بالألم مهما حاولت غناء الفرح،أفكر أن لكل صوت وقتا، وأن ثمة أصوات للفرح، وأصوات للحزن، أصوات للغياب، وأصوات للحضور. أصوات للمساءات المكتنزة بالتعب أو الوهم، وأصوات للصباحات المرتبكة بالخطوة الذاهبة في الحياة.
فلا يمكنك ولا ينبغي لك أن تسمع صوتا يجرح نهاراتك في البدايات، في الصباح أنت بحاجة لصوت برائحة عذبة وفرح ضمني وبهجة سرية، تسري لو ضمنا في أوصال نهارك وشرايين يومك. صوت يوصل حبائل روحك بأمل خفي، وقوة خارجية كيد الله البيضاء التي تأخذ بيديك.
أصوات كثيرة تصلح للنهارات، للبدايات الناعسة، تضخ القوة في العميق منا، وفيروز غالبا هي المحرك الأجمل للحب والأمل.
4.
يصلني بين فينة وأخرى -رغم تلكؤ البريد، وبعد المسافات، ومخاتلة الوقت- كتاب من صديق ما، في مكان ما من العالم، فرح كبير طري يوصل بين الأرواح رغم أنف المسافة، لغة الكاتب تأخذك لبلده أو لغربته، لصوته وحزنه وفرحه، فتند عن روحك ابتسامة مصحوبة بامتنان عميق «شكرا»، للمسافة والقلوب الطيبة، والثقة الإنسانية والإبداعية التي تجعل كاتبا يرسل بعض دمه ووهج روحه عبر البريد لكاتب آخر.
5.
لم يكن فيلم «The Equalizer» الذي أغرانا دينزل واشنطن للدخول إليه احتراما لمسيرته الفنية الخاصة والعميقة، سوى تكرار مقرف لفكرة البطل الأمريكي، وفكرة اليوتوبيا الأمريكية الجاهزة والتي ما زالت تثبت كذبها يوما بعد يوم، وفكرة الشر التي تطلقها على الآخر ومنه روسيا في حرب ثقافية وفكرية باردة، وضمنية تقوم على الإقصاء وتغيير في اتجاهات العالم لصالحها.
فـ « روبرت» الذي ظهر لنا في بداية الفيلم في صورة العامل البسيط الذي يحاول مساعدة الآخرين بروح طيبة، وقوة خارقة لا يمكن أن تتحقق إلا في المسيح أو الرب، حتى ظننت أن الفيلم يدور حول فكرة الممكنات الكامنة في الروح الإنسانية وكيفية استغلالها، متأثرة في ذلك بفيلم «Lucy « حول فكرة العقل الأكبر الذي شاهدته قبل فترة، والذي يحكي عن توصل عالم لأن الإنسان لا يستغل سوى جزء بسيط من عقله، ولو فعل لكان الأمر خارقا واستثنائيا، وهو الأمر الذي حدث مع فتاة وقعت ضحية لعصابة تصدر مادة تساعد على تكاثر خلايا المخ ، وتقوم بشحن هذه المادة في معدة ضحاياها، إلا هذه المادة انفجرت في معدتها وسرت في دمها، وبالتالي تكاثرت في عقلها ووصلت لذروة العقل وهو مستوى الإله كما يريد الفيلم أن يقول.
ولكن فيلم «المعادل « أو الموازن» يدشن فكرة مختلفة تماما، فروبرت العامل الطيب يقوده حظه لمقابلة بائعة هوى في المقهى التي يجلس فيه للقراءة وشرب القهوة، -لتكتمل صورة الجمال الداخلي المفترض للإنسان الأمريكي المحب للخير والسلام والصداقة- ليعرف أنها مستغلة من قبل مافيا روسية ضخمة متحكمة في الساحل الشرقي وتعمل في غسيل الأموال والجنس وغيرها من الممنوعات.
يذهب روبرت لتخليصها فيبيد بكل مهارة وحرفنة كل أفراد العصابة بكل قوتهم ومهاراتهم القتالية وأسلحتهم الجبارة، وبالتالي فالعصابة الروسية التي يديرها زعيمها من روسيا تغضب لمصرع أفرادها، وتكشر عن أنيابها وترسل من هو أكثر قوة وذكاء وسلاحا، ولكن البطل الأمريكي الخارق -الذي تكشف الأحداث أنه فرد سابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA وقد خرج منها بالتظاهر أنه مات بسيارة مفخخة – يبيدهم جميعا بمفرده، في تجسيد كبير للقوة الخارقة والذكاء والمهارة لأفراد هذه الوكالة .
كما أن تلك القوة الخارجية تحمل شفقة ورقة وعطفا داخليا كبيرا، فهذا البطل الذي يحمل كل تلك القوة العقلية والجسدية يحمل قلبا مرهفا مفجوعا بغياب زوجته الحبيبة، وحين تأسر العصابة زملاءه في العمل يأتي ليخلصهم في تضحية واضحة.
ولا يقف الأمر عند النصر في أمريكا، بل يذهب في مغامرة قصوى لقتل رأس الأفعى في روسيا ليحدث التوزان في العالم وليعدل كفة الخير على كفة الشر، وهنا تظهر فكرة العنصرية جلية، حيث زعيم العصابة اسمه «بوشكين» في عملية استغلال مباشرة لرمز ثقافي كبير، وهو شاعر روسيا العظيم «بوشكين» في لا أخلاقية عالية ليست مستغربة من الإمبريالية الأمريكية.
ثم يعود ليلتقي بتلك الفتاة التي تظهر امتنانها لفكرة أن «الإنسان يستطيع أن يكون ما يريد» التي يبثها منذ أول الفيلم، ثم يتركها للحياة الحقيقية التي تختارها، في لاغائية من مساعدة الآخرين سوى بث قيم العدالة والإنسانية، يعود ليقرأ ويكتب ويشرب القهوة ويسهم في مساعدة الناس بوصفه قديسا أو ابا أمريكيا طيبا.
الثلاثاء 7-10-2014
6.
كانت الرسالة (الواتسبية) الصباحية – عن «عبدالله» الشاب الذي قضى حتفه في العيد بسبب الحمى النزفية- بكل تفاصيلها الموجعة عن حياته، وذهابه للموت ببطء، كفيلة بانتزاع روحي من مكانها، وإغراق ماتبقى من يومي في حزن حاد، وتأملات جارحة، ووجع إنساني مفرط الحساسية والألم.
كنت أستحضر وجهه الذي شق طريقه بيننا عبر هذه الوسائل، بعد رحيله، ليخبرنا أن المسافة بين الموت والحياة غائمة جدا، وقصيرة جدا، وأن الموت المراوغ كامن في كل مكان، بين أضلاعنا،وتحت أظافرنا، وفي قلوب من نحب تماما. ومع هذا نتغافله ونمضي به في طريق الحياة حتى ينتصب في وجوهنا بقسوة جلاد، وجلافة حاصد للأرواح؛ فيأخذنا في طريقه، ويفجع القلوب بالرحيل الأخير. وتظل الحيرة تأكل الأحياء لماذا؟ وماذا لو؟ِ
كنت أتلبس روح أمه المفجوعة، وقلب والده وأخوته، وأعرف أنهم الآن يتمنون لو لم يذوقوا طعم اللحم في العيد، مقابل أن يظل هو بينهم. هو الذي لم يمض في الحياة كثيرا ليبرر للغياب فداحة الاقتناص المبكر. ولم يتحصل على فرصة التلويح المناسب التي تجعل الوداع أقل فجائعية ووحشة.
وأستحضر قول ابن الرومي :
ألا قاتل الله المنايا و رميها* *من القوم حبات القلوب على عمد
توخى حمام الموت أوسط صبيتي* *فلله كيف اختار واسطة العقد
على حين شمت الخير من لمحاته* *و آنست من أفعاله آية الرشد
طواه الردى عني فأضحى مزاره* *بعيداً على قرب قريباً على بعد
لقد أنجزت فيه المنايا وعيدها* *وأخلفت الآمال ما كان من وعد
لقد قل بين المهد واللحد لبثه* *فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد
ألح عليه النزف حتى أحاله* *إلى صفرة الجادي عن حمرة الورد
وظلّ على الأيدي تساقط نفسه* *ويذوي كما يذوي القضيب من الرند
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له* *ولو أنه أقسى من الحجر الصلد
وأولادنا مثل الجوارح أيها* *فقدناه،كان الفاجع البيّن الفقد
أفكر في كل هذا وأكاد أختنق بالصرخة التي تتصاعد في رئتي، والأسئلة التي تنهش روحي حيرة وتعجبا، لماذا التجاهل للحياة (هبة الرب للبشر) والتفريط فيها من قبل من يستطيع إبعاد وحشه قليلا عن الأرواح؟ وهل لابد من كبش فداء، وقرابين حياة لنتعلم ونعرف ونفهم ونحتاط؟ وتمتد الأسئلة، هل قدمت وزارة الزراعة فعلا كل ما يجب حول حماية الإنسان من حشرة القراد المنتشرة في المواشي؟ وهل قدمت وزارة الصحة كل مايلزم من إرشادات وتوجيهات للمواطنين حول علاقة المرض بالماشية وطبيعة انتقاله ونتائجه، وهي تعلم أن العيد قادم، وفي كل بيت عماني تذبح أضحية؟ وهل نظمت حملات تثقيف وإرشاد حول المرض في المستشفيات والمراكز والمجتمع ( فكما يتضح من رواية موته; حتى المراكز الصحية والمستشفيات لم تستطع تشخيص المرض لعدة أيام كانت كفيلة بتفشيه في جسده، وتمكين الموت من روحه البريئة .. مما يعني عدم وجود تعريف واضح ، وتشخيص محدد له حتى بين العاملين في الحقل الصحي) ؟ وهل أدت وسائل الإعلام الدور المناط بها في التنبيه عن أسباب انتشار هذا المرض، ونتائجه، بكل الوسائل المرئية والمسموعة والمقروءة؟ أم أن وظيفة معظم المؤسسات الرسمية في التحذير والتنبيه تبدأ بعد ظهور الحالات وانتشارها واستفحالها، وفقد عدة أرواح، وقبل ذلك يكون شغلها الشاغل تطمين الناس، ونفي حالات حدوث أي شيء، وتكذيب الشائعات، وتبييض الوجوه وتبرئة ذمة الوزارة والتأكيد على أن (الأمور طيبة، واحنا بخير).
إذن نحن في هذا العيد لم نكن جميعنا بخير .. عبدالله في الأقل (الشاب العشريني، الناجح في دراسته وعمله، والطيب بين أهله، قرة عين والديه، والمواطن الذي كان ينتظر منه الوطن الكثير) لم يعد بخير، وأهله وأصدقاؤه -منذ الآن وحتى آخر العمر- لن يكونوا بخير أبدا .
7.
«الشعر يداوي الجراح التي يحدثها العقل».
نوفاليس
 

الثلاثاء، 21 أكتوبر، 2014

سونيتات

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
الثلاثاء 21 - 10 -2014

1.
في الأمسية الاحتفائية بكتاب سماء عيسى «شرفة على أرواح أمهاتنا»، والتي ما هي في الحقيقة إلا احتفاء مستحق بسماء عيسى الشاعر والكاتب والأب الروحي للثقافة العمانية الجديدة، بكل تجلياتها وفنونها ومدارسها وكتابها، سماء عيسى المتقاطع بمحبة عميقة مع كل الأشكال الأدبية، والأجيال المعرفية بتواضع ومحبة وجمال نادر الحدوث والاقتراب والتقارب، العميق بلا تكلف، والبسيط بوعي، الذي يقرأ الجمال بعين القلب، ويستدرك اللغة في ممرات الحياة التي أوجعته حد أنه استسكن منها الوجع في روحه متآخيا مع فكرة الغياب والموت، وتاركا ذاكرته اللغوية في متاهات ودروب حارات القرية العتيقة وبين أفلاجها ومتعرجاتها، متشبثا بحناناتها الراحلة في عمق الزمن. مراوحا الكتابة في زمن ذهب، ومكان ولّى، وعن أجساد تسكن التراب، وأرواح تحلّق فوق رأسه، وبين ضلوعه مطالبة إياه بكتابتها أو الكتابة عنها، تماما كأرواح أمهات بعيدات يستعذب نواحهن ويستلذ بكائياتهن، فيدونها في مخيلته وبين ضلوع أوراقه؛ حتى تخرج لنا لاحقا في كتابة ميثلوجية جارحة تحتفي بالمكان البعيد، والزمن الغائب، والأرواح المحلقة.
في تلك الأمسية كنت أنظر يمنة ويسرة بسرور داخلي عميق، فلم يكد يغيب اسما أو وجها ثقافيا إلا وحضر، وكأن الجميع اتفق بكل المحبات الممكنة، والتقدير الواجب على الحضور في أمسية لقامة أدبية بحجم وجمال سماء عيسى، الذي هو بدوره لا يترك فعلا ثقافيا حقيقيا، ولا احتفاء بكاتب أو كتاب إلا ويكون ضمنه وفيه، بهدوء وصمت، وحضور خفي جلي في ذات الآن.
تحية قصوى من ضمير الروح، ومن عمق الوجدان الإنساني والروحي والفني للشاعر سماء عيسى الذي علينا أن نشكر القدر أننا نتشارك معه بكل فخر الزمان والمكان واللغة.
2.
مع كل مناسبة (رمضان، العيد، المدارس وغيرها) يرعبك حجم التسوق الذي تقوم به الأسرة العمانية من الطعام حتى الملابس والحاجيات الأخرى، ورغم أن حجم الأسرة تقلص كثيرا مع العصرنة وتعقد ظروف الحياة، فلم يعد يتجاوز غالبا خمسة أطفال، إلا أن مستوى الاستهلاك في زيادة مستمرة مع تنوع السلع وإغراءاتها المتجددة، ومع عدم وعي الإنسان بالشراك المنصوبة له خلف واجهة المحلات وأمام شاشات العرض، والدعائية الإعلانية الكونية المتصاعدة على كل شيء، وكأننا في سوق كوني ضخم.
وتلعب التقنية ومواقعها (الواتس أب، والانستجرام)وغيرها، اليوم دورا اعلاميا ودعائيا مهما في توسيع رقعة نشر السلع وتسييل اللعاب لاقتنائها.
فالرأسمالية البغيضة لا تفتأ تنوع في الأساليب والطرق والمواد التي تدغدغ الغريزة البشرية بكل مستوياتها الواعية واللاواعية، وتحكم القبضة على الحيوان النائم في الأعماق لتحرك شهواته الكثيرة في كل الاتجاهات الربحية، مستخدمة كل الوسائل الممكنة والمتاحة والمرغوبة، والمجتمع الاستهلاكي يستجيب بانقياد تام.
3.
ها هو العيد يحزم أمتعته للرحيل ملوحا لنا لعام كامل من الغياب، حتى يعود في عام آخر ونحن بحال جديد في المكان والوعي، وكل ما يتصل بالإنسان من فكرة التغير، يذهب تاركا لنا القليل من الفرح والبهجة، والكثير من التساؤلات حول كل شيء.
طقوس العيد العامة (خارج اللحم والطعام) التي بدأت تتضاءل وتضمحل، كل تلك البهجة المشتركة التي يصنعها الجميع في (العيود) السوق المفتوح للصغار والكبار قرب مصلى العيد، والذي تتصدره الأطعمة التقليدية، والأزياء التقليدية، والأهازيج والفنون التقليدية التي بات يُخشى عليها بدورها من الغياب، لتتبلور لاحقا في حالة مصنوعة تكشف عدم الإتقان، أو الصنعة المختلقة، والجهد السريع في تقديمها في المواسم والمناسبات.
والتجمعات والتشكلات الإنسانية الحميمة التي تتشارك في كل شيء من الفرح واللقمة والخوف والحزن حتى ملامح العيد وبهجته الصادقة والكبيرة، روح المكان الكبير التي تشمل وتضم الجميع، القرية أو الفريج أو الحارة التي يعرف الجميع فيها الجميع، معرفة الأسرة الواحدة والبيت الواحد، ويتعاملون معهم بذات الحميمة والشفافية والصدق.
الحارة التي غابت في غابات الإسمنت التي أشعلت الفردي الأناني، والتوحد الجاحد، وغيبت الجمعي المؤثّر والحميم، أو ذابت في صدى الرجعية والعنصرية في الخطاب القبلي، الحارة التي لم تجد بديلا عصريا (كالحي أو التجمعات السكنية المتآلفة والمتعارفة والمتفقة على حيثيات المصلحة العامة، واشتراطات الحياة العصرية والمدنية معا ضمن عقود واضحة وتحديدات ملزمة) في مدننا المتشكلة بلا تخطيط، أو تنظير فكري ومدني عميق لصالح الإنسان والمكان معا.
تلك التساؤلات الحائرة التي تمتد لعاداتنا الاجتماعية المقتدة من الفكر الجمعي الذي تحدث الأشياء ضمنه بتراتبية زمنية غير واعية، وتقديس ماضوي عجيب ومزعج وموجع أحيانا، تلك العادات التي تحكمنا وقد تتحكم فينا، تلك الحالة من التحكم الضمني أو العرفي الذي قد يصادر حريتنا الفردية غالبا لصالح عادات جامدة بلا وعي منا، ولا محاولة تفكيك أو مساءلة «لماذا؟»
لماذا نتطاول في ذبح كل هذا العدد من الأضاحي، ونحن أمرنا بواحدة فقط، وهل نحتاج لكل هذا الكم من اللحوم مهما صغرت الأسرة؟ وهل نحقق غايتها ونلتزم بتشريعها الديني المقدس الذي تناسيناه لصالح الفكر الجمعي؟
هل تجمعنا محبة؟ أم عادة؟ هل نشتغل على تفهم وتفهيم المقاصد؟ وشيوع روح الفرح الحقيقي والحب العميق بكلمة وابتسامة وصدق جارح؟
هل التجمع الجمعي نبيل وصادق؟ أم أنه خارجي، ومراوغ وكاذب أحيانا؟
هل المباهاة جزء من الضمني الذاتي والجمعي المتوغل في اللاوعي منا؟
هل كسر العادات الميتة، والتي لا تفعل الكثير في توطين المحبة والنبل والمسؤولية جريمة؟
تلك العادات التي تتطاول في الزمن والمكان لتصل للمقدس من العرف، واستحالة الخروج عليه، بل وتغيير مساراتنا الفكرية والإنسانية وحتى الغايات الدينية لصالحها. فنحن نذبح لنأكل اللحم بلا تحقيق حقيقي وواع لهدف الأضحية بالتصدق بأكثرها، أو التفكر في قيمتها وغايتها، والماوراء الديني من أبعاد إنسانية وروحية.
فالاجتماعي الكبير يبتلع الإنساني العميق، والفردي الخاص الواعي، والجميع يسقط في هوة التناقض والارتباك أمام مجاملة، أو ود، أو عدم ومساءلة ووعي، كي لا يخدش روح العام الحميم، أو يقع في مواجهة الجمعي الصارم.
ويتلاشى البعد الانساني، والعميق الديني، في خضم الاجتماعي المتراكم والمتراكب في جبروته وسطوته من جهة، وجمالية الانصياع له والاندماغ في العام والتلذذ بالجمعي المتشاكل والمتشابه والمتماثل حتى الانصهار الآمن، فيتشكل، ويكبر، ويتصير ضمن المسكوت عنه، ونحن نتشكل، ونكبر، ونتصير فيه ومعه !
4.
القلوب الخفيفة العامرة بالحب ترهقها الحياة الثقيلة بالتفاصيل والوجع، فتحلق في اتجاهات أكثر رحابة بسرعة وخفة، الفنان خالد صالح يرحل باكرا جدا عالمنا المليء بالشر الذي لا يقوى الفن على مواجهته. فلك الرحمة وعليك السلام أيها المبدع والفنان الخاص والعميق.
5.
« Passengers»
لعل فكرة اختفاء الطائرة الماليزية التي زامن عرض هذا الفيلم؛ كان دافعا مهما لمتابعته، الفيلم الذي يبدأ بتحطّم طائرة، واستدعاء طبيبة لمساعدة بعض الراكبين، الطبيبة التي تحاول تقديم العون لمرضاها تقع في حب أحد الركاب، وتمر الأحداث وتتعقد لتكشف لنا لاحقا بأن الطبيبة كانت أحد ركاب الطائرة التي لم ينج منهم أحد، فهي وجميع الركاب موتى، وكل الأحداث تدور في تلك اللحظات البرزخية بين الحياة والموت، واقتناع الركاب بفكرة موتهم، وخاصة تلك الطبيبة التي أخذت فترة لتقبل تلك الفكرة، وتقبل فكرة الصعود للسماء، الفكرة التي تمثل فكرة دينية وثقافية لدى الآخر المختلف، حد أن تربك ثقافتك الواضحة في فكرة الحياة والموت.
14- مارس 2014
6.
لدى الجميع عقد كثيرة بعضها بسيط يسهل التحكم فيه، وبعضها مستحكم يصل لدرجة «الفوبيا» لا يمكن التنصل من مخالبه وحوافه كالخوف من الظلام والحشرات والأماكن العالية والضيقة والمغلقة، ولكن لدي أكثر العقد غرابة وهي عقدة «النجومية»، فلا أحب النجوم خاصة أولئك الذين يعتقدون أنهم كذلك من مغنيين وممثلين وحتى ناشطين وساسة وإعلاميين.
وكل هؤلاء في جهة والكتاب النجم في جهة أخرى، فالكاتب الذي يفترض في عمله ووعيه الكثير من الخجل الإنساني، والترفع الروحي والعمق والحساسية والنبل والعزلة والهدوء؛ لأنه يعمل على صناعة الوعي الجمعي وتهذيب العاطفة، والنحت المستمر الهادئ والخفي لرسم ملامح الوعي الجمالي والإنساني. فأن يتحول كل هذا لغطرسة خارجية وعنجهية مرضية؛ فهذا يكون مبعثا للسخرية وربما الاشمئزاز والقرف.
7.
أحيانا أفكر – أنا الكائن الليلي- أن الصباحات خيبة دافئة، تحاول أن تتصنع البهجة بخبث وهي ترفس اللحاف قليلا لتظهر فتنتها، وليس علينا إلا أن نبتسم في وجهها قليلا، ونحن ندعي تصديق محاولاتها البائسة في إقناعنا بضرورة النشاط والأمل ومتعالقاتهما المترددة غالبا، ونرشقها بالأغنيات لتقشر رعونة الضوء الفج، وتظهر لنا كائنا غائما قليلا بالصمت والهدوء والفرح النبيل، والقليل من العبث، بعيدا عن الضوضاء والفوضى الكونية والإنسانية.
بقوة الحب وصوت الست يمكن لكائن ليلي أن يفتتح الصباح ليتغلغل في شرايين النهار بلذة مباركة، وحنين خرافي، ورائحة مخضلة بالعطر الصاخب.
12-3-2014
8.
أ.
شاقة هي المهمة عندما يولد الانسان امرأة
مايا انجلو
ب.
المرأة منذ البدء هي تلك التفاصيل الصغيرة، حالة الإدهاش المستمرة التي تعمد لصناعتها والاعتناء بها بصبر وتأن مثابرة، مضحية بكل الوقت والجهد في سبيل تحقيقها، ضمن حالة فطرية من الاهتمام بالجزئيات والحيثيات والهوامش، والركون النفسي للبسيط من الأشياء والتفاصيل التي تخلق الفرح، وتصنع العالم المحيط بها بمهل وجمال وعذوبة.
كل عام والمرأة بخير، وقدرة على الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، وتربية الدهشة والجمال من حولها؛ لمواجهة القبح المستشري في الكون.
ج.
«المرأة هي الأم، والأخت، والزوجة، والابنة، والزميلة» بالاعتراف بهذه الأدوار وتثمينها، وتفعيلها في الحياة، وبمعاملة المرأة بالمساواة اللائقة بها في الأسرة والمجتمع يجب أن يتم الاحتفال بيوم المرأة فعلا، خارج المظاهر الخارجية، والتي قد تصدر عن أعتى العقليات الذكورية القامعة للمرأة في العميق والموارب من الفردي والجمعي.
17 أكتوبر .. كل عام وإنساننا بخير ووعي ونبل
9.
«عليك أن تصالح نفسك عشر مرات في النهار؛ لأنه إذا كان في قهر النفس مرارة، فإن في بقاء الشقاق بينك وبينها ما يزعج رقادك»
نيتشه

السبت، 18 أكتوبر، 2014

ثقافة الطفل العربي هي الحل

فاطمة الشيدي
 
يتساءل البعض اليوم في خضم هذه التراجعات العربية عن السبيل الأمثل للخروج من الأزمة، والذهاب نحو الغد إنسانيا وحضاريا بشكل أجمل، وليست هناك سوى إجابة واحدة لا تقبل الجدل أو الخلاف وهي أن المستقبل هو الطفل. فالطفل العربي الذي يعيش اليوم ـ للأسف- ظروفا أقل ما يقال عنها أنها قاسية، قد تؤثر على مستقبله وعلى مستقبل المنطقة كلها بإنسانها وجغرافيتها وتاريخها، وذلك لأن الطفل هو لبنة البناء، والسبيل الوحيد للذهاب للغد بفداحة أقل، ولذا على الجميع من منظمات ومؤسسات ومجتمعات وأفراد الإنتباه جيدا لمستقبل هذا الطفل.
إن توفير جو مناسب للحياة الطبيعية من حيث الإمكانيات المادية والمعنوية في الأسرة؛ كالسقف والطعام، والأمان، وغيرها من الحاجات الأساسية للإنسان، وتوفير الحد المناسب من فرص التعليم، والتثقيف للطفل العربي الذي يعيش في وطنه، أو ذلك الذي شرّد منه بكل الطرق الممكنة، هو صمّام الأمام لمجتمعات تتهاوى في ظل كل هذه التمزقات السياسية والدينية. كما يجب علينا أن ننتبه كي لا يتشرب أطفالنا ثقافة العنف والدم والموت المجاني باسم الله أو باسم سياسة أو دين أو شخص، لأن ذلك يعني جيلا ممتدا من العنف والدمار والخراب. فمن المعروف أن ثقافة الطفل هي إنعكاس مباشر لثقافة المجتمعات وروحها، وتمدنها، ووعيها، ورقيها أو غير ذلك.
إن ثقافة الطفل ـ ببساطة ـ هي ثقافة الإنسان الشاملة في كل الجوانب وبكل الممكنات المتاحة قلت أو كثرت، وبناء هذه الثقافة يعني بناء منظومة إنسانية جمعية لهذا الطفل تتضمن:
ـ تنمية الجوانب الفكرية أو العقلية: وتُعنى بالمعرفة، وطرق اكتسابها.
ـ تنمية الجوانب الروحية والنفسية: وتعني بترقية الحواس والمتعة والتسلية والفنون.
ـ الجوانب السلوكية والحياتية، وتعنى بطرق التعامل مع الناس في الحياة العامة، وأساليب الكلام، وجوانب التربية والرقي والتهذيب والذوق.
ولابد لتحقيق هذه الثقافة من العمل في الاتجاهات الثلاثة، من خلال كل الجهات التي تخدمها محلياً أو عالمياً، فعلى المؤسسات التعليمية أو من يقوم بدورها، أن تهتم بتنمية الجوانب العقلية والتعليم بأعقد الطرق أو بأبسطها، وبشكل رسمي أو غير رسمي وبشكل فردي أو جمعي، كما على المؤسسات الثقافية والمكتبات، ودور الفنون كالمسرح والسينما، والإعلام بجميع برامجه وفضائياته والمثقفين، وكل ذي وعي ورسالة؛ الاشتغال بجد على تنمية الجوانب الروحية والحياتية بتعليم المهارات الإنسانية، وتقديم البرامج الداعمة والمثقِفة، وتقديم النماذج المحتذى بها باستقدامها من التاريخ أو من الحضارات الأخرى، وتصحيح السلوكيات الخطأ نظريا وعمليا.
وينبغي على الأسرة تحمل الدور الأكبر في بناء وعي هذا الطفل، وضمان حفظ إنسانيته وحمايته بأقصى ما تستطيع، ثم يأتي دور المجتمع بكل شرائحه ومؤسساته وأفراده لحمل هذه المسؤولية، كل حسب طاقته، وحسب الإمكانات المتاحة، والأدوار المهيأة لها. فعلى جميع الجهات التي يقع على عاتقها مسؤولية تثقيف الطفل أن تقوم بأدوارها على أكمل وجه، و ألا تتنصل من المسؤولية بحجة أنها غير معنية بهذا الدور بشكل مباشر، أو بحجة ضعف الإمكانات المتاحة، لإننا لابد أن ندرك الخطر من عدم تعليم الطفل وتثقيفه في هذا العصر الذي يشكّل تحديا حقيقيا. ويجب أن لا نكل هذه المسئولية للبيت والمدرسة فقط؛ لأن الكثير من الأسر دون مستوى ثقافة العصر، ودون مستوى الإمكانات المطلوبة لمواكبتها، هذا إذا وجدت هذه الأسرة بشكل متكامل وطبيعي أصلا. كما أن العديد من المدارس لا تملك حتى مكتبة لتثقيف هذا الطفل، خاصة في مراحله الأولى التي يكون فيها بداية الإدراك لقيمة الكتاب ومعنى الثقافة. هذا ناهيك عن أطفال لا يجدون البيت أو المدرسة بفعل الفقر أو الحرب.
ولذا يجب أن تكون هناك دائما جهة مسؤولة مسؤولية واضحة ومباشرة عن الطفل وبرامجه (وزارة أو لجنة أو هيئة) وطنية أو عالمية، بحيث تكون المظلة الأشمل التي ينبغي أن تستظل تحت فيئها كل برامج الطفل التي يحتاجها، وتعنى بتثقيفه دينيا وصحيا وحياتيا ومعرفيا. وهي حاجات ملحة وضرورية لطفل هذا العصر، ويجب أن تقدم من قبل مختصين (موظفين أو متطوعين) يمتلكون المعلومة والقدرات النفسية والعلمية التي تؤهلهم لمخاطبة الطفل، وإقناعه بأكثر الوسائل إثارة وبهجة.
كذلك يتوجب توفير الأنشطة والبرامج الفنية والترفيهية كالأفلام والمسرحيات وغيرها من احتياجات متعوية وترفيهية، وتهتم بأدب الطفل المقروء (مجلات وكتب)، والمرئي والمسموع (برامج تلفزيونية، وإذاعية، ومسرحيات، وأفلام سينمائية) وكل مقتضى معرفي يمكن أن ينمي ثقافة السؤال لدى طفل هذا العصر الذي تلدغه الأجوبة، وتحاكمه الكونية، وتجلده المعرفة في تسارعاتها المرعبة، وتستلبه التقنية بكونها المتسع والكبير الذي يختصر ذاته في جهاز صغير. وقد لا يكون لديه من المربين من يساعده على فهم وشرح كل هذا التسارع والحرية والوعي في العالم، وكل هذه الاضطرابات والكبت والقهر في عالمه، وكيف يستطيع الموازنة بين كل الثنائيات التي تحتاج التوفيق بينها كالعلم والدين، والقيم والتقنية والحرية والمسؤولية وغيرها من ثنائيات الوجود التي تفرض نفسها كثيرا وعميقا في هذا العصر.
كما أن تنمية ثقافة السؤال وعدم الاعتماد على الأجوبة الجاهزة هي الأهم، لبناء جيل قادر على وضع علامات استفهام والبحث لها عن إجابات تخصه وحده، ليست إجابات قطعية وجاهزة أو متوارثة، لأن أجوبته ستختلف بالضرورة عن أجوبة آبائه وأجداده، وعن أجوبة الآخر القريب أو البعيد.
إن صناعة الغد هي في بناء إنسانه وتزويده بكل المهارات والوعي والثقافة التي تمكنه من الذهاب للمستقبل، وتغيير هذا الواقع المرعب الذي نعيشه (جهلا وفقرا وقيدا) لواقع أجمل وأكثر اتزانا وحرية وجمالا، وهو التحدي العربي الكبير والجدير بخوضه من قبل كل من يستطيع، وكل من يعتقد بإمكانية التغيير، وضرورة الحلم فردا كان أو مؤسسة في كل بقعة من الوطن العربي الكبير.
كاتبة عُمانية

الاثنين، 6 أكتوبر، 2014

«عزازيل» يوسف زيدان: شيطان الكتابة وغوايتها الجميلة!

فاطمة الشيدي
القدس العربي
 
ما ان انتهيت من قراءة «عزازيل» ليوسف زيدان، هذه الرواية الرائعة والمتداخلة بين التاريخي والآني، وبين الفكرة والعاطفة حتى حدثت داخلي مقاربة موضوعية جبرية بينها وبين «اسم الوردة» لامبرتو ايكو، فكلتاهما تناولت البعد الديني الكنسي موضوعا لها، وكلتاهما تذهب بعيدا في ماضوية الزمن، وكلا الروايتين وازنت بين روح الوعي وظلامية الجهل، وبين المحبة والعنف في تقمص الأرواح للدين، وتعاطيها مع تعاليمه.
وكلتاهما ذهبت في البحث العميق والموضوعي التاريخي الجاد، فكانت كل رواية منهما بحثا علميا جادا، ولذا جاءت مليئة بالحقائق العلمية القائمة على الأرقام والأمكنة والشخوص، فهي توازن بدقة ووعي بين الفكرة المستمرة الصالحة لكل زمان ومكان، وبين ملامح الزمن القديم المتجسدة في الأسماء والأحداث والشخوص بكل تفاصيلهم وملامحهم، وهو أمر في غاية الدقة والعمق، ويتطلب جهدا واضحا للموازنة بين ظلال السرد التي يجب ان تظلل القارئ، ويذهب معها بجمال ووعي، وبين عمق الحقائق ودقتها ليحقق المصداقية التاريخية للنص، وهذا الأمر حدث بعمق وموضوعية في العملين.
يقول عزازيل «تحيا ياهيبا لتكتب، فتظل حيا حتى حين تموت في الموعد، وأظل حيا في كتاباتك، اكتب ياهيبا فمن يكتب لن يموت أبدا» ص 361
فإذن؛ إذا كان من مهام الشيطان ان يجعلنا نكتب، فهذه مهمة جليلة وجميلة وعلينا امتداحه فيها، فالشيطان في هذه الرواية هو المحرض على الشر الجميل الذي سيخرج «هيبا» من صمته ليحكي لنا حكاياته الكثيرة عن الدين، والظلم، والإنسان، والحب، والقهر، والفلسفة والموسيقى، عن العدالة الناقصة، والجشع الآدمي الذي لا يحده إطار، والعنف الذي لن تمنعه حظيرة الرب من التطاول والرسوخ.
الشيطان الذي رأى في هذه الحكاية الكبيرة بحكاياتها المتتابعة ضمنيا ما يستحق التدوين والقراءة لاحقا، عن نزوع الإنسان للشر والظلم باسم الرب، ليتفوق بذلك على الشيطان نفسه الذي يمارس ظلمه باسم المعصية، وباسم الخروج على قانون العدالة السماوية للرب، بلا ستار جاهز، أو أقنعة متغيرة كما يفعل الإنسان غالبا، وبذلك استحق سخط الرب وسخط خلقه على مر العصور والأزمنة والأمكنة، في حين تلفع الإنسان بأغطية البر والإحسان والخير والجمال في ممارساته الأبشع والأعنف والأكثر انحطاطا وسقوطا من فعل الشيطان أحايين كثيرة.
الشيطان الذي أعان هيبا في لحظات كثيرة على استكمال ما بدأ من كتابة، وعلى تدوين كل ذلك الوجع الذي يعتمل في صدره عن طفولته الغارقة في الوجع من قتل والده، وزواج أمه، وعيشه الذاهب في الألم والوحدة في بيت عمه، حتى التحاقه بالأبرشية والتعليم الكنسي وما شاهد في بقاع الأرض أثناء تنقله بين الأديرة والكنائس من قهر وظلم، أو نبل وحب وانسانية. مقررا بوعي شيطاني جميل ونبيل يستحق التقدير والاحترام- ووافقته عليه الكثير من الدراسات النفسية لاحقا- ان الكتابة شفاء للانسان من كل ما يعتمل في صدره سيما ان كان يمتلك أدواتِها، ويستطيع سبر أغوارها، وهي أيضا مصدر التوثيق والتأريخ لحياة الإنسان ومصدر العبرة للآخر على مر الأزمنة، وتعداد الأمكنة- كما وافقته على ذلك الدراسات الأركولوجية والانثربولوجية، فالكتابة لسان الإنسان والأرض والتاريخ الذي لن يجف بجفاف الأجساد وتآكلها. «و الكلمة قد تفعل في الإنسان مالا تفعله الأدوية القوية، فهى حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها، كما يقرر عزازيل بوعي جارح يستحق الامتداح، انه لا يهم الكاتب كثيرا، ولاتهم اللغة المكتوب بها، ولكن التاريخ بأحداثه الجسام الفارقة التي تغير حياة الإنسان على الأرض هو الأهم، وهذا هو دور الإنسان أو دور الكاتب تحديدا.
وحكاية «هيبا» كما قرر عزازيل- وكما نصدقه نحن الان- حكاية تستحق التدوين لربط حلقات التاريخ، ولتقديم الدروس العظيمة للإنسان اللاحق. أليس هذا هو دور ووظيفة وقيمة التدوين والكتابة على مر العصور والأزمان ياعزازيل؟! «انا لاوجود لي مستقلا عنك، انا ياهيبا انت، ولا أكون إلا فيك»
ولهذا اقتنع هيبا بهذا الدور الكبير الملقى على عاتقه، كأحد رسل التدوين ومشاعل الكتابة للتنوير والعظة، أولئك الذين يختارهم القدر ويضع في أصابعهم حبر الكتابة، ومسؤولية التدوين. فإذن لابد من امتداح عزازيل، الذي أضاء شعلة الكتابة في روح «هيبا» والمحرّض النبيل على قراءة هذه الرواية من قبلنا لاحقا.
وتدور الحكاية في رواية «عزازيل» حول راهب من صعيد مصر دخل إلى الرهبنة ليدرس الطب ويمارسه بإيعاز من عمه المريض الذي كان هو العائل الوحيد له بعد ان فقد والده على يد آثمة، وذهبت أمه في الغواية بزواجها ممن قتل والده، وتنقل في حياة الرهبان والكنائس ممارسا للطب، مسجلا ما يحدث له من تفاصيل جميلة أو بشعة على مضض وخوف في ثلاثين رقا، دفنها كي تقرأ بعد زمن طويل. محركا هذه الحكاية بالعديد من الشخوص الذين دارت بهم مجريات السرد؛ أبرزهم في ربط مفاصلها، وصناعة أحداثها هم: «الأسقف نسطور الذي التقاه في أورشليم وتعالقت روحاهما معا، وأوكتافيا المرأة الي ذاق معها حلاوة الحب والطمانينة وجمال الحياة لأول مرة، وهيباتيا الفيلسوفة التي سحلها الرهبان في الإسكندرية لانها وثنية، ومرتا المغنية التي عشقها وهام بها، وبالطبع عزازيل شيطان الكتابة.
وبالطبع كأي رواية ثرية، كان هناك أكثر من حبكة، تتبدى تباعا من عقدة الطفولة، وظلم الأم، حتى مقتل الفيلسوفة «هيباتيا» على يد جنود الرب في الإسكندرية، حتى عزل نسطور لانه لم يقل بألوهية المسيح، حتى وقوعه في غواية العشق، وأمر عزازيل له بالتدوين.
وأكثر من زمان ومكان، إذ تدور الأحداث في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي حيث تركها هيبا، والقرن الخامس الهجري حيث اكتشفها راهب عربي، و1997م عثر عليها في الخرائب الأثرية جهة الشمال الغربي من مدينة حلب، بين حلب وانطاكية، حيث كانت الكنيسة التي عاش فيها هيبا وعرف طبيبا وعشق مرتا. وبالتالي تتراوح حركة الرواية بين عدة أمكنة منها صعيد مصر، أخميم، وأورشليم، والاسكندرية وحلب وانطاكية وما بينهما.
ثم ترك لنا الراوي «هيبا» النهاية مفتوحة، إلا من فكرة الرحيل بعد انجاز المخطوط في رقوقه الثلاثين، فهل سيذهب لمرتا وينعم معها كما نصحه عزازيل؟، أم سيذهب لمكان آخر، يخلص فيه للرهبنة والمسيح؟ لا نعرف، وهو لم يرد لنا ذلك، وكانه شيء خارج الحكاية التي أراد إثباتها في رقوقه ومخطوطته.
اعتمدت الرواية على تقنية «الفلاش باك» أي استعادة الأحداث عبر كتابة النص بشكل استعادي للأحداث التي مر بها في أربعين يوما بعد ان أقنعه عزازيل بالتدوين، ويظهر ذلك عبر نص المترجم الذي ترجمه بعد ان تحصل عليه باللغة السيريانية وترجمه ليكون بين أيدينا لاحقا، المترجم الذي كان دوره محايدا في نقل الحكاية عبر ترجمتها من لغتها الأم «السريانية» الآرمية فقط، والذي يبدو ان الخوف والشفقة من هذه الرواية « الرقوق « قد شمله أيضا، الخوف الذي كان كبيرا منذ الراهب هيبا، في القرن الخامس ميلادي الذي بعد ان كتبها وضعها في صندوق ودفنها، فالراهب العربي الذي ترك عليها بعض الحواشي والتعليقات ولكنه أعاد دفنها كاتبا «أعيد دفن هذا الكنز، فإن أوان ظهوره لم يأت بعد» حتى المترجم الذي اشفق من ترجمته وأوصى ان تنشر بعد وفاته.
واعتمدت ضمير المتكلم في الحوارات المباشرة، كما استخدمت ضمير الغائب في الحكاية والاستحضارات البعيدة، والحوارات الذهنية الماضوية أو الهذيانية في رأس هيبا، وبذلك نوعت في التقنيات لتجعل المتلقي مشدودا حتى آخر لحظة بمجريات الأحداث ومتتبعا لغايات السارد ومفترقات السرد.
وكانت اللغة مناسبة للناطق والمنطوق بها، حيث أجرى الكاتب مستوى معينا من اللغة على لسان كل شخص حسب ثقافته واهتمامه ووعيه وطبقته الاجتماعية، وهذا يشكل بعدا مهما للغة، فلا يمكن لرجل الشارع ان يتحدث كطبيب، ولا لفيلسوف ان يحاور كشاعر أو راهب، ولذا كانت اللغة تتغير حسب الشخوص والوصف، وتتراوح بين العلمية والشعرية حسب الأشخاص والأحداث، وطبيعة الحال أيضا، فهيبا عندما يحكي عن فكرة لايستخدم ذات اللغة التي يكتب بها ترانيمه وأشعاره.
أما أهم مرتكزات الوعي السردي في هذه الرواية فهو تلك الرسائل الضمنية التي أرادت رواية عزازيل ان تقول الكثير منها حول عدة نقاط مهمة كانت ولا تزال جارحة في الوعي والذاكرة والروح الإنسانية، منها:
الدين بين روح الرب، وصناعة البشر:
حيث ركزت الرواية على فكرة الدين المرتبطة بروح الرب والمحبة الخالصة بين البشر، والذاهبة في التسامح والرحمة واللين والزهد في المال ومتاع الدنيا «لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه»، بعيدا عن الجشع والعنف والرغبة في المال والسلطان والقوة ،الأمر الذي ليس من الدين في شيء، وان اقترفه من هم في حظيرته ويتحدثون باسمه، كما حدث في الإسكندرية من قتل هيباتيا وأوكتافيا على يد أعوان كيرلّس، بطرس وجماعته، «فى الإسكندرية، ما هو أشد خطراً من الوحوش السارية ليلاً، والهائمة فجراً «.
فالدين روح قدسية ربانية، وليست صناعة بشرية قائمة على السلطة والسلطان والمال، أو على العنف والقوة والجبروت.
الحب معادل شرطي للانسانية:
قدم نص الرواية صورة عميقة لفكرة الحب الإنساني العظيمة المعادلة للإنسانية وربما الشرطية الواجبة لها، ومع ان الحب كان يتضمن فكرة الخطيئة في حياة الرهبنة، فالغالب ان على الراهب ان يتجنب النساء، إلا ان هيبا سقط في الحب مرتين مع أوكتافيا ومرتا، وفي المرتين راودته فكرة العودة للحياة وترك حياة الأديرة والرهبنة مزاولا لمهنة الطب ليعيش الحياة ممثلة في قيمة الحب، مما يدلل على ان القوة الداخلية التي يفجرها الحب لا تتعارض مع قوة الإيمان، بل وقد تتفوق عليها وتلغيها ان تعارضت معها.
الموسيقى والفلسفة
والتحريم/ التجريم الديني:
 
أظهرت الرواية كما يظهر الواقع فكرة تجريم وتحريم الأديان- كما نظّر لها رجالاتها عبر العصور- لمظاهر التجلي الروحي والجسدي والعقلي الواعية والعميقة والتي يلتذ بها الإنسان ويذهب معها في مراتب العلو والفرح والسكينة، وقد لا يستطيع الاستغناء عنها، والمتمظهرة في الجمال الكوني الذي من شانه «كما ينظرون» ان يحيق بالإنسان الخطر والفتنة.
ومن ذلك الموسيقى، ومع ان رئيس الدير قد أقر فكرة التراتيل الكنسية في أيام الآحاد، وطلب من هيبا كتابة هذه التراتيل وتلحينها وتدريب الفتية عليها، كما أحضر هو نفسه المغنية «مرتا» لذلك، وبعث في طلب قيثارة لتكون التراتيل ملحنة على وقع الموسيقى، إلا ان الكثير من الرهبان كانوا غير مقتنعين بذلك ومتذمرين منه، ويعتقدونه شرا محدقا بالكنيسة والديانة معا، وانه من عمل الشيطان ولا يرضى الرب عليه. بينما كان هيبا مولعا بالموسيقى مؤمنا بدورها الروحي «اعتقدت دوما ان الموسيقا صوت سماوي مقدس» ص 268
والفلسفة، التي عدها جماعة كيرلس في الإسكندرية من دواعي الوثنية، وعلومها، وانها خارجة على النص المقدس، وتدعو إلى إعمال العقل ومحاججة الفكرة بالبرهان وهذا ما لايجوز لانه عكس التسليم المطلق بالنص المقدس الذي هو لسان الرب ومنطوقه، وبالتالي دفعت هيباتيا عمرها ثمنا لهذه الاعتقادات.
المرأة:
تظهر لنا صورة المرأة في هذه الرواية بأكثر من لون يتراوح بين الحب والكره والخير والشر، والجمال والذكاء والدفء والحنان فهناك الأم التي أعانت على قتل زوجها وتخلت أم عن طفلها «هيبا»، وهناك أوكتافيا المرأة الطيبة التي تؤمن بالعلم والإنسان والحب.
وهناك هيباتيا العميقة الفيلسوفة التي هذبها العلم والفلسفة وأضفت عليها الفلسفة هالة من البهاء والجمال.
وهناك مرتا العذبة كالطفلة بصوتها الأخاذ وجمالها العظيم.. «فكأنها حورية هبطت إلى الأرض ملفوفةً بالنور السماوي لتمنحنا السلام، وتملأ الكون رحمةً بعدما امتلأ جوراً وظلماً. كان الضوء يؤطرها، يحوطها من كل الجهات، ويطغى على أطرافها فتبدو وكانها مغلفةً بالنور».
العلم وإعمال العقل ليس ضد الدين:
ركزت الرواية على قيمة العلم وإعمال العقل ومحاكمة الأشياء بمنطق في تعارضاتها مع الدين أو مع رؤية العامة، وظهر ذلك من هيبا الطبيب الذي كان يداوي الناس بالأعشاب والعلم المذكور في الرقوق مع كيرلس أمره بالمداواة بالكتاب المقدس فقط، ومن هيباتيا الفيلسوفة التي تلقي محاضراتها عن العلم والمنطق والرياضيات، وكان التجسيد الأكبر للفكرة في رفض نسطور لفكرة التجسيد الثلاثي للرب، وإيمانه بمعجزة المسيح الكبرى كمخلص بشري ولد من امرأة بشرية، «لايصح الاعتقاد بان مريم العذراء ولدت الله! فالله باق على كماله الأزلي الأبدي فهو الواحد الفرد، لا يولد ولا يموت، وهو يتجلى حينا، ويحتجب أحيانا بحسب مشيئته» الرأي الذي أدى إلى عزله من أسقفية القسطنطينية ونفيه.
كاتبة عمانية
 

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

سونيتات

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
اللوحة للفنانة العمانية رابحة محمود
 
1.
عبقرية الألم التي تنتج الفن، أو عبقرية الفن التي تعيد إنتاج الألم ليتشاركه الجميع عبر الأزمنة واﻷمكنة من فيرونا إلى مسقط؛ هكذا تفكر بل وتشعر وأنت تشاهد عرض (أوبرا كابوليتي ومونتاجو ) «روميو وجولييت» في دار الأوبرا.
الألم الذي هو روح الفن والعشق والإنسان على مر العصور، وهو من أنتج القصص الخالدة في الذاكرة الإنسانية، كما أنتج الأعمال العظيمة التي سكنت الروح والعقل والوجدان الإنساني، الألم الذي يمثل الجوهري والعميق وربما الحقيقي من كيان الإنسان، ويرقّي شعوره ويهذب وجدانه تماما كالحب وحين قال أرغون: (لا يوجد حب سعيد يا حبيتي) كان يقصد هذا المعنى، وتلك العلاقة العميقة بين الألم والحب والإنسان، ولاحقا مع الفن الذي يعيد إنتاج الحب والألم في قوالب جمالية وفنية متجددة وقابلة للصعود والهبوط والسفر عبر حالات الإبداع وأشكاله وتقنياته الذاهبة في التغير والتجدد عبر الأزمنة والأمكنة.وحين احتفظت الذاكرة الشفهية الإنسانية بحكايات العشاق التي تنتهي بالموت أو الجنون كانت تختصر طبيعة الحب في الألم، وفكرة الألم في العشق الإنساني العميق، والذاكرة الخالدة كانت تستجمع جوهر الإنسان في بؤرتها ثم تعيد إنتاجها بأشكال جديدة ومتنوعة عير العصور والأقلام والرواة. ولذا كانت حكايات العشاق وآلامهم عبر العصور والحضارات متنوعة ولكنها حاضرة وكثيفة الألم وعميقة المدلولات الإنسانية والدلالات الفنية والفكرية.وليست روميو وجولييت الحكاية التي تنوعت رواياتها ومداخلها ونهاياتها عبر الكتابة والشعر والمسرح والموسيقى والسينما والتشكيل وغيرها من الفنون إلا إحدى هذه الحكايات الإنسانية التي وثقت العلاقة بين العشق والألم والفن. وكان العرض الذي جمع كل الفنون معا في عرض رائع وعميق؛ اللوحة والموسيقى والحركة الجسدية الممسرحة والصوت الغنائي الأوبرالي الذي كان يحفر الجروح والروح معا؛ يستدعي للأذهان تلك الحكايات الشفهية الكثيرة والمتعددة حول العشق والألم ، تماما كما يعيد لأرواحنا لغة شكسبير العظيمة والأعمال الفنية الخالدة. كما يستدعي تلك العلاقة المرتبكة في الأذهان – حتى الآن ربما- بين الحب والواجب المتمثل في (الشرف والفضيلة والقيم والعائلة) . وقيمة التضحية التي تكون غالبا بأغلى ما يمتلكه الإنسان وهي الروح، ليصبح الحب ليس مرادفا للألم في مقابل السعادة فقط، بل مرادفا للموت في مقابل الحياة.
2.
«ملح» النص الذي أشكل على الوعي الجمعي، وشكّل حالة من المساءلة والنقد العام، النص الذي حاكمه من يملك ومن لا يملك حق المحاكمة لنص، والفكرة ببساطة ليست في نص ينتقد من قبل من يختلفون مع فكرته أو محتواه؛ فكل نص عرضة للنقد سلفا (في الشكل أو المضمون) ما أن يخرج من المطبعة، وينفصل عن رحم كاتبه وأصابعه وروحه. واجتماع الجميع على فكرة ما، أو نص ما، أو لغة ما، هو أمر مستحيل بالضرورة. ولكن الفكرة التي يجب أن تناقش هي؛ مدى حرية العقل الفردي في التفكير والإنتاج، خارج السلطة بكل مكوناتها (السياسية والدينية والاجتماعية)، ومدى حرية التعبير في مجتمع يمثل هذه السلطات متحدة.
هل يوجد قانون يحمي الفردانية الفكرية؟ أو حتى يحدها؟
هل توجد معايير على المبدع (في كل المجالات) الالتزام بها، لتأطير وعيه ولغته وأجنحته بها؟ وفي هذه الحالة هل ستظل تلازمه فكرة الإبداع الذي يفترض الحرية والتفرد والإتيان على غير مثال؟
هل يصلح أن يكون المجتمع (بمستوياته المعرفية الضئيلة عادة) وصي على المبدع؟
وما هي حدود موضوعية النقد هنا؟
ومن المؤهل فعلا لنقد كتاب أو نص أو مبدع؟ وما هي حدوده الأخلاقية ليتصدى لهذا الفعل؟ لأن عليه أن يكون بلا خطيئة ليستطيع أن يرجم، وأن يكون بيته ليس من زجاج ليرميه بحجر؟
ثم هل الكتب في مجتمع لا يقرأ تشكل خطرا فعليا على الأخلاق العامة، تصل لهذا الرعب والحرب ؟
ومن المفترض أن يقيّم المستهدف من الكتاب كي لا يصل لفئة (تحت 18) الكاتب أم الأسرة والمؤسسة التعليمية؟
وهل الكتاب (مهما كثرت تجاوزاته) أكثر خطرا على الناشئة من الفن الهابط المنتشر كالفطر السام في الفضائيات التي تتجمع حولها الأسرة يوميا غالبا في بيوتنا بلا وعي ولا رقيب؟
وخارج كل هذا .. هل النص معيار للحكم الأخلاقي على الكاتب؟
وهل ما يكتبه الكاتب يعبر عنه وعن قيمه المعاشة؟
وما حدود النقد الأخلاقية؟ فهل من النقد التجريح الشخصي والأخلاقي؟
وهل من يعتبرون أنفسهم أوصياء على المجتمع وأخلاقه؛ لا يجرحون الأخلاق العامة والقيم الإنسانية والإسلامية؛ وهم يقدحون في أخلاقيات الإنسان وينتهكون فردانيته وخصوصيته ويتعدون على حياته الشخصية ؟
وهل يعتقدون أن الدين الذي يجاهدون به ضد الآخر يبيح لهم ذلك و(كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)؟
وهل يفكر المجتمع الذكوري أن كتابة المرأة عورة تصدر عن عورة؛ ولذا فهي أشد إيذاء للوعي الجاهلي الراكس في العميق منه؟ وهل محاربتها أو نصها يصبح أشد ضراوة (كما حدث كثيرا من قبل والآن) لضعفها غالبا عن مواجهة تيارات المجتمع الذكورية المجرِّمة (بتشديد الراء) لكل تفكير نسوي حر؟ أم أنها محاولة جمعية حادة وقاسية لكبح جماح الفكر النسوي، ووعي المرأة الاجتماعي بشكل عام من أن ينمو ويتطور وينتقد ذكوريته وغطرسته فيما يخصها؟
أظن أن هذه الأسئلة وغيرها كثير؛ هي الأولى بالطرح لمواجهة المسكوت عنه في ثقافة ووعي المجتمع فيما يخص الحرية الذاتية والفردانية الشخصية لإنساننا القطيعي المتماهي في السلطات العرفية القبلية والثقافية والاجتماعية. والذي متى ما حاول تجاوز المناطق الملتبسة فيها -بأي مستوى حتى لو كان بدئيا وبسيطا- يجد الحراب موجهة له باسم الدين والأخلاق والعادات والتقاليد فيتراجع خشية التمثيل به، لأن هذه السلطة (المتحدة الزوايا) تختار أضحية أو كبش فداء بين الفينة والأخرى لتتوعد كل من يحاول الخروج عليها بذات المصير.
وبذلك فـ (ملح) لم يعد كتابا اختلف حوله، ولا كاتبة انتقدت بتجريح اجتماعي واسع الانتشار استخدمت فيه كل الوسائط والوسائل الحداثية الجديدة، وسقوط أخلاقي كبير لم يسهم التحدث باسم الله والدين في التقليل من حدته وفحشه؛ بل أصبح قضية فكرية علينا التفكير في ملامحها وملابساتها وإشكالياتها المعرفية والإنسانية، وأزمة ثقافية ومجتمعية علينا مواجهتها بالقراءة والتحليل لندرك أبعادها، وكيفية تجاوزها يوما ما؛ فهي تعنينا جميعا أفرادا ومثقفين، كتابا وقراء، منتقدين (بكسر الدال) أو منتقدين (بفتحها).
3.
أصبح المجتمع العربي يتفنن في إعادة إنتاج العنصرية الجمعية والعصبية القبلية في أشكال حداثية ورقمية جديدة -في حالة فريدة تحسب له في الوعي، وإعادة إنتاج وصياغة الفكر الماضوي في أشكال عصرية – فهو ينتج قبائل وطوائف ومذاهب في مسميات جديدة وحداثية جدا (ثقافية -ليبرالية-إسلامية- عسكرية-ثورية ) ولكنها بذات العصبية والانحياز الكلي للفكرة الجمعية (وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشد) ، (من ليس… من شيعتي فهو من عدوي) وربما أشد تعصبا، وأكثر جهالة (من الجهل ضد الحلم، وليس ضد العلم) وإلغاء الآخر تماما، والإقصاء الكامل له حتى المناداة بسحقه وقتله واستباحة روحه وفكره وجسده غالبا، وعدم توفير أي فرصة لمحقه ثقافيا وإعلاميا لأنه خصم في الجهة الأخرى من الرأي (الصواب الحكيم الناجي) الذي تمتلكه الطائفة المصدّرة ﻷحكامها العنصرية وبذلك فهو الفئة الضالة التي تستحق الجحيم.
4.
في مدن الشمس و(الملح)، ليس ( للملح) والغبار إلا الماء؛ يزيل ما تراكم على العقول، وما ران على القلوب، فيجلو ما صدأ منها ، ويشع ما أعتم في ارتباكات الحلكة.
الماء نسغ التكوين، ورائحة الحكمة، ومصدر القوة والوعي، مزيل عوالق الظلام ومباهج العتمة، وفاضح ارتباكات الضوء، ومعري ملتبس المداخل، ومفند طقوس النميمة والكيد، وسابر حكايات الفتنة الغاربة وتفاصيل العبث اللاجدوى.
فالمجد للماء. . المجد للبحر صديق جراحنا وأحلامنا.
5.
ضجيج
والفراغ هو الفراغ
والسراب يبتلع الظمأ
مولعون بالرنين وبالبريق
بالخطابات الكبيرة
وبالصدى
كأننا ماغادرنا البيداء يوما
مازلنا رعاة نقول الشعر
في شرف القبيلة ونئد النساء
ويرعبنا التجدد والندى
6.
كل صباح نحتاط لأنفسنا بالتفاصيل، بقراءة الجمال الذي يفيض من الكون ويقطر من الوجوه التي تهدينا ملامحها الطيبة لنتفرّسها أو نمعن فيها، ونحيط أنفسنا بالمحبات التي تفيض من الأرواح الغضة والرهيفة كأرواح الأطفال والمسنين والمجانين، ونرهف السمع لأغنيات الكون، للفرح البعيد والعميق والجارح، والحزن النبيل، ونشمُّ على بعد دمعة ما تناثر من وعي جارح، أو غضب حنون أو ليلة حالكة، ونتلمس لمس الروح تشظيات الغربة، والمرهق من قسوة الوجود وحماقات البشر، ونستعذب صدى العذابات الجوانية، والشجن الخفي في لهفة الحنين الطافي على الوجوه.
ونمضي في الحياة بأقصى ما نستطيع من الأمل، وبأقل قدر من الخسارات واليتم، ونحن نضع ابتساماتنا الجاهزة بحجم جديد، ولون جديد ليوم جديد. ونستعذب نهار مالح وأزرق كصوت «خالد الشيخ» تماما وهو يغني «وأنا وياك، وانته وياي.. اشكثر هالدنيا تسوى»
7.
«لا أستطيع الاقتراب كثيرا من الناس المدللين الفارغين، عاشقي المظاهر الاجتماعية، كثيري الثرثرة والضجيج، ولا أجد بيني وبينهم أي لغة مشتركة»
«غادة السمان «

الجمعة، 26 سبتمبر، 2014

ثلاث أغنيات: للحب، والحياة، والموت

فاطمة الشيدي
مجلة نزوى
العدد 79


تحضر بذاكرة بيضاء غسلتها للتو في البحر
ترتدي شعرا مستعارا لولادة بنت المستكفي
وتضع خاتما كبيرا للخنساء
في حين يحضر هو مثقلا بالهواء والحب والقليل من الندم
يرتدي زي القراصنة ويحمل منظاره البعيد
لينقش صورة حبيبة غائبة على صدر الموج
ويختبر سرعة الرياح والقلق
يحومان حول فكرة الغرق
ولا يجيدان السباحة أو الموت
موسيقى أندلسية تغمر المكان
زرياب والموصلي يتهامسان
وبينهما يصدح فريد الأطرش بأغنية (زمان ياحب)
فيقبض بليغ حمدي على أوتار عوده بوله
وأم كلثوم تغني في الخلفية أغنية (الأطلال)
ينهق حمار على مقربة من البحر
ويلقي المتنبي قصيدة عصماء عن الاغتراب
ويسخر امرؤ القيس من ارتباكة الليل على صدرهما
ومن كل الكلام الذي يمشي حافيا بلا وزن ولا قافية في رأسيهما المثقلين
ويشرب أبو العلاء القهوة في المسافة بين الصمت والكلام
ويسخر بمرارة من كل شيء
يسقط غراب بالقرب من يديها
فتقدم له طبق البطاطا المقلية
وربما لعق بحكمته القليل من الآيسكريم بطعم الحلم البارد
يشربان الماء في صحة الألم
ويضحكان كمجنونين خانتهما الإشارات الضوئية
وإشارات أبي حيان التوحيدي
يجلس إليهما أدباء وشعراء وبحارة
ينزلون بمظلات ملونة
ويرتفعون بأجنحة الرؤيا تباعا
امرأة تقلب أوراق النسيان بينهما بمهل
وتحيك صدارا ربيعيا لأطفال الحب
ونحات ينشر الخشب ليصنع تمثالا للوقت ولنسوة الليل
يحمل هو نثارات الخشب إلى بيته
وتحمل هي نظارتيه وصورة التمثال
ويحملهما البحر إلى البعيد
وتزجرهما الأمهات لاحقا عن كل هذا الخراب
يتبددان كفقاعتي صابون
يتلاشيان في أضواء السيارات
ويكمل العشاق مواعيدهم الخائبة على نفس الطاولة
وتكبر الضحكات التي كانت تحرس الليل نيابة عنهما
2.
سنمضي معك أيتها الحياة
نحن أبناءك المخلصين
لن نتوقف .. لن يفصلنا عنك سوى طفلك المدلل الموت
حتى ذلك الحين سنتقاسم مع الشمس أرغفة الضوء
وسنغني أغنيات الحصاد والماء
وستركض في دروبك المتعبة بكل لزوجتها وحفرها وعثراتها
بلا دليل
سنتعشق التيه
ونحاول الفرح
وسنقوم ونقاوم بعد كل سقوط لننفض التراب والنعاس
سنتفرس في كل الوجوه المعتمة كثيرا لنتعلم دروسك القاسية
وسنلعن الحظ أحيانا في مخاضاته المتعسرة
وسنضحك على كل شيء أحيانا أخرى كغجر لا يفقهون فكرة الأمان
وسنظل نحاذي نهرك المتسخ بأدران البشر
ونلهث خلف شعرك الطويل
كعميان مفتونين بالسراب
محاولين دمج رحلتنا القصيرة في رحلتك الطويلة
حتى حين
فلا تغلقي عينيك عن خطواتنا المرتبكة
إذا لم تباركيها؛ فاستمعي فقط لأحاديث اللهاث والعبث
وابتسمي لها ولنا قليلا كل صباح
لنظل على قيد القهوة واﻷمل
3.
الموت القبيح ذو الوجه المجدور
المملوء بكل البثور والدمامل والحفر
الذي تستعيذ منه الشياطين والمرايا
الموت القصير القامة الذي يتعثر في ثوبه الطويل
القمئ كشبح في مسرحية هزلية يتهادى برعونة عمياء
أو كشيخ متصابي يتتبع عورات الليل بلزوجة ودبق
أو ككائن بلا ملامح في فيلم رعب رخيص يستثير الغثيان والسأم
هو ذاته الذي يمشي بيننا بكل عنجهية وبطر
يضحك من مشاريعنا المؤجلة
وأحلامنا المنضدة في أدراج الأمل
وفي خزائن الحياة
ومن أمنياتنا الصغيرة بضحكة مشقوقة الجيب
أو لهفة نيئة تغذي خيالاتنا الواهمة
الموت الذي ينشط في الحروب
ويوظف الكثير من المعاونين والسيافين والقتلة
ويشحذ أنيابه كل نازلة مثل دراكولا نهم ليعض على أعناق الضحايا
ثم يرقص منتشيا بالدوار والدم
ويكمل دورته بخيلاء طاووس حقير
أو زهو جلاد قديم
يقول للأطفال سيصحبهم في نزهة ليشتري لهم المثلجات
قبل أن يشق صدورهم ويبتلع قلوبهم وهي لا تزال تنبض بالفرح
يتخفى للحسناوات في رداء العاشق
قبل أن يسحب أرواحهن بشغف
يغني للجدات كي يطربن؛ فيعلق أرواحهن في طرف الأغنيات
ويومئ للآباء والأمهات نحو أبنائهم؛ ثم يسحب مديته نحو صدورهم الراجفة
ويرمي خطافه للشعراء في منقار طائر يحمل سنبلة أو زهرة برية
فيضحكون من حيلته البلهاء
ويكايدونه بالقصائد والأمل
ولكن ولأنهم يحبون المغامرة
لاحقا يلتقطون الطائر والموت معا
ويذهبون بضحكة ناقصة

فاطمة الشيدي\
\ شاعرة واكاديمية من عُمان

السبت، 20 سبتمبر، 2014

ازدواجية الإنسان العربي

فاطمة الشيدي
القدس العربي

يقول نزار قباني: «لماذا نحن مزدوجون إحساسا وتفكيرا؟/ لماذا نحن أرضيون.. تحتيون../ نخشى الشمس والنورا؟/ لماذا أهل بلدتنا يمزقهم تناقضهم؟/ ففي ساعات يقظتهم، يسبّون الضفائر والتنانيرا/ وحين الليل يطويهم/ يضمّون التصاويرا!».
وضمن هذه الفكرة تماما، يعيش الإنسان العربي الكثير من الإزدواجية بين روحه وجسده، بين ما يؤمن به وما يفعله، بين ما يريد وما يستطيع، بين نفسه والآخر من مجتمع ووظيفة وسلطة. وهذه الازدواجية الفكرية والنفسية والمجتمعية تبدأ من لحظة الميلاد غالبا، وقد لا تنتهي حتى لحظة الحتف، إلا مع القليل ممن يتصالحون مع ذواتهم وأفكارهم، ليعيشوا ما يؤمنون بشكل صادق، خارج مظاهر النفاق المجتمعي.
وأبسط مستويات التحليل تقودنا إلى أن الفرد العربي كان ولا يزال محكوما بثلاث دوائر أساسية، تحرك دائرتان منهما الأخيرة، وإن كانت الثالثة ليست في معزل عن أسباب التردي والسقوط: الدائرة السياسية، والدائرة الدينية، والدائرة المجتمعية. ومما لاشك فيه أن هذه الدوائر مجتمعة هي من أنتج هذه الشخصية المرتبكة، والتي أنتجت بدورها هذه الكوارث المتلاحقة، فالسياسة العربية القائمة على القهر والقمع، وتكميم الأفواه، وخنق الحريات؛ أدت إلى الحجر على الوعي، وجعله مقيدا يراوح محله، وربما تراجع قرونا عديدة بعيدا عن ماضيه الحضاري المشرق، وبعيدا عن الحضارة المعاصرة بالبعد عن أسبابها مثل: القراءة، والتفكير، والبحث العلمي، مستخدمة في ذلك أعتى أداتين وأمضاهما وهما «الجهل والفقر». ولا بأس بالكثير من العنف لكل من تجاوز هاتين العقبتين باتجاه الحياة، محاولا الخروج على مصادراتها المزمنة بالتفكير الحر والوعي الرافض، وبالتالي أنتجت هذه السياسات القمعية شعوبا راضخة، وخائفة من كل شيء.
ثم لجأت بعد ذلك لاستخدام سلاح أمضى، وأكثر فاعلية في ترويض العقل وتدجينه، ألا وهو الدين، سيما وهي تدرك أنه الطاقة الروحية الأعلى المتمكّنة من روح الإنسان العربي، بل ويشكل منظومته القيمية والأخلاقية المطلقة، لذا كانت مأسسة الدين، وتفريغه من محتواه الروحي، وسيلة سهلة لتحقيق غاياتها ومآربها، بتجييره لصالحها، وجعل مهمته الأساسية إغلاق العقول ومنعها من التفكير، والدوران الأعمى في دوائر الحلال والحرام، أي الخوف والطمع في الدنيا والآخرة، وبالتالي صناعة رقيب خارجي متصل بالسلطة السياسية والدينية، وبمفاهيم قيمية جاهزة ومعلبة، وغير قابلة للتعاطي الحياتي معها ضمن سلطة القانون.
ولأن لا قيم للعربي خارج الدين، فلا يتم تربيته قيميا، بحيث تكون قيم مثل الصدق والأمانة واحترام الآخر وغيرها، أصيلة وعميقة وراسخة في وجدانه ووعيه خارج أي محفزات أو رقيب خارجي، كما لا يتم غالبا اختبار ممارساته القيمية في معمل الحياة اليومي خارج الشكلانية المتعارف عليها دينيا، والتي قد تكون بذاتها مظهرا من مظاهر النفاق الاجتماعي، وبالتالي لا يتم معرفة مدى تطبيقه الفعلي لهذه القيم بقناعة إنسانية، ووظيفية مجتمعية.
وبذلك وجدت الإزدواجية العربية المعروفة بين داخل الإنسان وخارجه، وأمام الذات وبين الناس. الأمر الذي رسخ كل الانحدارات الأخلاقية، والفساد المجتمعي، من غش وسرقة ورشوة ومحسوبية، بل وسوغها أحيانا بمسوغات اجتماعية وإنسانية لأنها أصبحت عامة وشائعة، كما تفشت أراض نفسية كالحقد والحسد ومراقبة الناس في أدق خصوصياتهم، وصُدّرت صورة العربي المشوهة أخلاقيا للخارج.
كما أن الدين (المؤسسة، بشكل خاص ومحاصِر)، استخدم لإستهداف المرأة، لتتصدر مسائل الحيض والنفاس والطهارة والمحرم وما شاكلها، قراءات وفتاوى الفقهاء وأحاديث المجالس، بعيدا عن مشكلات المجتمع المتجددة، وقضاياه المستحدثة كل يوم، ليصنع من المرأة «العورة» محرّماً (تابو) كبيراً يفكر فيه الإنسان العربي المقهور، والمكبوت جنسيا داخليا، ويعمد لتغييبه خارجيا. كما يحظر الكلام فيه أمام الناس، ليشتغل فقط في خلفية المشهد في رأسه وشهوته، ولتصبح المرأة صيدا مترصَّد الاقتناص من جهة، وعورة واجبة الإخفاء من جهة أخرى. وبذلك غابت صورة المرأة نصف المجتمع (الأم، والأخت، والصديقة، والزميلة، والجارة) لتحضر المرأة العورة فقط. وهكذا جوّف الدين من جوهره الروحي الكبير، وتحول لمؤسسة متحجرة هدفها الأساسي تفريخ أصنام، وفتاوى جنسية، ولا عجب أنه أصبح لاحقا معملا لتصنيع الإرهاب وآلة للموت والخراب.
وضمن مدخلات هاتين الدائرتين المتحالفتين تمت صناعة الدائرة الثالثة، وهي المجتمع ومخرجاته الإنسانية، لتنتج لنا مجتمعا مزدوج القيم والأحكام، يرفض كل المحظورات علانية، ويبيحها خفية، ويصادر حق الإنسان في الاختلاف في أبسط نواحي الحياة، ليخلق بذلك معاييره القيمية الخاصة، والخاطئة أحيانا كثيرة، ويحاكم أفراده ضمنها. ولينتج بالتالي إنسانا مزدوجا فكرا وروحا، أو إنسانا فصاميا بأبسط الأحكام.
وللأسف لم يشتغل المثقف بكل مستوياته الإبداعية والفكرية، غالبا، للنجاة من شراك هذه الازدواجية، بل سقط فيها، وعاش حياتين أحدهما مثالية في اللغة والكتب، وأخرى كاذبة وملتبسة في المجتمع؛ بل وكثيرا ما كان أداة تلميع للسلطة المؤسسية، السياسية والاجتماعية والدينية، وتقديم فعلها القائم على القهر والكبت على أنه نموذج للحرية والنبل.
ولعل قراءة سريعة في مواقع التواصل الاجتماعي تعكس لنا هذه الازدواجية، فلا يوجد (إلا نادرا) من يضع حالته الاجتماعية على أنه متزوج، ناهيك عن أن يضع صورة زوجته، التي تتحول إلى أم فلان في معرض حديث عابر. ربما خوفا من حكم الآخر/المجتمع، أو لأن مشاريع التصيَّد الضمنية قائمة، كما يبتعد التنظير السياسي والديني والاجتماعي والنفسي (الانطباعي) عن النقد الحقيقي للسلطات الثلاث، ويذهب (غالبا) نحو التمجيد وصناعة الأصنام. كما تتقدم المثالية الفجة كل شخصية افتراضية، في حين تشهد تصرفاتهم بما يخفون من شخصيات مزدوجة.
فمتى نتجاوز هذه الصورة المضطربة ونتصالح مع ذواتنا ومع الآخر؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي على كل فرد منا أن يحاول الإجابة عليه أمام نفسه فقط، بكل صدق وموضوعية.
كاتبة عُمانية
 

الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2014

سونيتات 2

فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان

1.
أ.
أسرفنا في الامتثال للضوء، والاهتداء إليه، أسرفنا في تتبع ينابيعه الرقمية، كرعاة يذهبون وراء صوت بعيد، يحلمون أن يوصلهم للمراعي، وحين يصلون لا يجدون شيئاً، أو حطابي فرح يهرعون خلفه بلذة السعي وراء المجهول.
أصبحنا أو كدنا نتحول لأرقام ومفاتيح، ننحسر داخل أجهزة صغيرة كموجة لا تقوى على الامتداد في المدّ، وننحصر في ذواتنا بعيداً عن الوجود الحقيقي إلا من عوالم بلا حياة.
أصبحنا لا نسمع صوتاً يشج الروح بحناناته، ولا نصافح يداً لنتقاسم معها خبز الحياة، ونشم عطر الأرواح عبر حوارات حقيقية.
ابتعدنا عن تأمل الوجوه، صرنا منكسي الرؤوس في الأجهزة التي بين أيدينا، لا نترك لصدورنا أن تتعبأ بزرقة البحر وملوحته، أو بهواء التيه، أو تتشرب أعيننا اخضرار المسافات، صرنا نتقلص على أنفسنا كأجنة في رحم الضوء.
نعرف عن طريق رسائله، وأمكنته التي أصبحت تتكاثر كالفطر السام، من يموت ومن يولد، ومن يفرح ومن يحزن، ونرسل بالتالي رسالة باردة بكلمات جافة أو وجها إلكترونيا جامدا، للتهنئة أو التعزية لا فرق. أبدا.
أصبحنا كائنات إلكترونية قليلة الكلام إلا المكتوب منه، قليلة الفعل أيضا، تجمدت أجسادنا خلف أجهزة ميتة، وكأنها مربوطة بأسلاك معدنية وكهربائية لهذه الأجهزة.
قلَّ المشي، وقلَّت الحورارات الجادة والعميقة، وقلَّت القراءة الحقيقية، أصبحنا نتحاور كتابة على عجل في هامش ضوئي ضيق، ونقرأ همهمات وتهويمات وشذرات تكتب على عجل أو كيفما اتفق بدافع الوقت والضوء. فكل شيء في العوالم الرقمية يسلق على عجل، ويمر بسرعة كالوجبات السريعة، جاهزة ومعلّبة، وصالحة للقليل من الوقت، صرنا نحب ونتكلم ونعيش، ونذرف الدموع، ونكتب، على عجل، ونقرأ لنضع «لايكا» على عجل، مجاملة لصديق، أو امتثالا لقانون الضوء وعوالمه الباهتة.
لم نعد نعيش ونمارس ونستمتع بالحياة بكل ممكناتها وطاقاتها كما ينبغي، لقد أربكنا الضوء كثيراً، أتعب أعيننا بشاشاته، وسرق عمق أفكارنا بسطحيته، وقلل اتساع رؤانا بضيق عوالمه، وأربك ثبات خطواتنا بسرعته، لقد تعلّقنا بعوالمه الرقمية أكثر مما يجب .. وعلينا أن ننتبه قليلا لهذا!
ب.
كلما دخلت مواقع التواصل الاجتماعي أتفكر في كل تلك المثاليات المطروحة والتي يفتعلها الكثيرون، الجميع هناك مثاليون، ليس هناك نقص ولا عيب في أحد، الجميع ينتقد ويعترض ويبدي رأيه بوعي وعمق، الجميع عميق وطيب، وواع ومتسامح، ونبيل وجميل.
فقط تتساءل، إذن من أين يأتي كل هذا الخراب الخارجي، ومن وراء كل هذه التركيبة الاجتماعية العربية المرتبكة ثقافيا ودينيا وسياسيا، مادام الجميع بكل هذا الوعي السياسي والمسؤولية الأخلاقية؟!
2.
قتل هنا .. وقتل هناك
جثث تتدحرج بلا عد ولا عدد
ودم يسيل بلا حساب
والموت وحده يبدو متجلياً في ما يشبه هيستيريا كونية
والغابة تستعيد أمجادها شرقا وغربا في زهو قديم
والخراب هو الخراب في العميق والخارجي من الإنسان والكون
«قتل الإنسان ما أكفره».
3.
فيما مضى كان كل ذي وعي وروح حرة ومرتكزات ثابتة يكره الكلمات الكبرى مثل: بطل وخارق وعبقري وكبير، وغيرها من مرادفات التفرد والعبقرية والتفوق، وتثير حنقه وربما غثيانه. لأن من يمتلك جوهر هذه الكلمات وفعلها العميق والحقيقي في أي مجال من المجالات المعرفية والفكرية فعلا، سيكون أبعد ما يكون عن انتعال الأوصاف الجاهزة، وارتداء الألقاب المجانية بشكل برستيجي يثير القرف. بل وحتى الرضا بتقلدها كوسام شرف رخيص، وممنوح من سلطة ما، وإن كانت سلطة الجماهير والعامة والدهماء!
أما اليوم وللأسف فحتى كلمات كان لها يوماً هالة إنسانية رفيعة تدفع على التقدير والاحترام مثل: (حر، ومناضل، ثوري)، وأخرى لها مرتقى روحي وسماوي يبعث على الإجلال والرهبة والخشية والسكينة مثل (شهيد) أضحت تثير القرف، وربما السخرية أيضا، لفرط مجانيتها والتباس معانيها!
4.
الغريب في بلادنا أن الحالة الثقافية والفنية والإبداعية بشكل عام تنشط في مواسم العمل، وتخمل (تأخذ إجازة) في موسم الإجازات، وبالتالي يسود الملل والسأم وتتكدس الأوقات الفارغة فوق رؤوس أصحابها الذين تعبوا طوال عام من العمل وكانوا يحلمون بالقليل من المتعة والترفيه في فترات إجازاتهم، فلا يعرف الناس أين يتجهون وأين يقضون إجازاتهم في جحيم جغرافي ومناخي أصلا، فلا متنزهات ولا بحر ولا نزهات تصلح في هذا الوقت من العام، وبالتالي يبقى البشر (ممن لا يملكون مشروعات السفر للخارج لسبب أو لآخر) رهن المكيفات في المولات والأماكن المغلقة القليلة أصلا، لتمتص حيويتهم وتقتل انطلاقهم النفسي والروحي.
وكان يمكن للحالة الثقافية أن تشكل تعويضا ومتنفسا رائعا للناس بتفعيل الجهات الثقافية والفنية جدولها بأكثر وأكبر قدر ممكن من الفعاليات والحفلات والأمسيات والمعارض والمهرجانات الثقافية (الحقيقية) التي تشبع الروح وتقتل الفراغ.
ولكن هذا لا يحدث فالأوبرا والنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، ووزارة الثقافة، والجمعيات الأهلية (الكتاب، والعود، والمسرح، والفنون التشكيلية) ومؤسسات المجتمع المدني بكل اتجاهاتها، وغيرها من الجهات الفنية والثقافية المسؤولة عن الفعاليات الثقافية والفنية تخمل في الوقت الذي يبدأ الناس فيه التحرر من ربقة الوظيفة، ويتسع الفراغ ويتحكّم المناخ في كل المشروعات فيحدها ويحددها، وتحتاج الأرواح للكثير من ماء المعرفة والمتعة والترفيه كي لا تذبل في الفراغ، وتحترق في لهيب الحر.
فلماذا؟ وما هي المبررات المنطقية لهذا التحالف مع الحر والفراغ؟! وإلى أين يمكن أن يمضي البشر ممن لا يملكون القدرة أو الرغبة في الفرار خارج هذا الجحيم بأرواحهم المرهقة، وأمنياتهم المؤجلة، ومشروعاتهم الناقصة؟ وأين وكيف ينفضون تعب عام كامل من العمل؟
5.
RAILWAY MAN»»
الفيلم قال الكثير عن الحرب والعذاب الذي يخلّف عقدا موازية للحياة، إذا لم تصبح هي الحياة التي يعيش ضمنها الإنسان مأزوماً ومهزوماً، وغير قادر على تجاوزها، لكنه أيضا قال أكثر وأجمل عن الحب الطريق الوحيد للحياة، ولتجاوز الشقوق والرضوض والتشظيات الداخلية لإنسان «منتهك حرب» ووحشية بشرية.
فالشاب (المحارب الشريف) المولع بالقطارات بالبعد الرومانسي للفكرة التي لا تخلو من شجن وذهاب وراء الماوراء، يسقط بين أنياب من لا يرحم تحديدا وفقط لهذا الولع والتعلق والتعالق بصرير السكك الحديدية، وصفير العجلات وجماليات الداخل المتتبع لما يحب.
ولكنه رغم الهزيمة النفسية والوجودية الكبرى، والإحباط الإنساني والكوني الذي يشمل كل خلاياه ووعيه وزمنه، ويأكل أجمل سنوات عمره، لم يتخل عن ذلك الولع العذب بما يحب «القطارات»، الولع الذي سيقوده للحب، الحب البسيط الذي يحدث مرة واحدة، أو دفعة واحدة، كما يحدث الحب غالبا، ومن أول لقاء تستشف فيه الأرواح تقارباتها، وتتلامس أجنحتها، وتتعارف لغتها وفيوضها، وفقط ومتى ما حدث هذا التقارب سقطت الأرواح في الحب، الحب لا يحتاج للتعقيدات «وأسئلة الهوية والكينونة الاجتماعية المتحجرة وملابسات أكثر حضورا منه» كما في أماكن الظلام التي نعرف.
يحدث له الحب (مع امرأة جميلة «ممرضة حرب» تعبر بمحاذاته في سياق قدري جميل، لتصبح شريكه هذا القدر وشريكة الحياة بكليتها) ليكون الحب بعد ذلك قادرا على تجاوز الماضي بكراهيته وبشاعته وعقده «على الكراهية أن تنتهي في وقت ما»، وتجاوز الإحباط من الكون والبشر وكل ما بينهما، وذلك فقط لأن الآخر أصبح موجودا معه، فالحياة تستحق أن تعاش، وكل شيء أقل قيمة من وجوده في حياة صاحبه.
وكأنه كان يقول :
(فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خرابُ)
«إذا صح منك الود فالكل هين .. وكل الذي فوق التراب تراب».
6.
من المبادرات الشبابية الرائعة التي تجعل المرء يفخر بإنسان هذا الوطن دائما، مبادرة «فك كربة»، فهي مبادرة إنسانية يحتضنها بنبل وإنسانية وشجاعة مجموعة من المحامين الشباب، بهدف إنقاذ بعض الغارمين والمعسرين، الذين أفضى بهم الديْن للسجن، بعض الأشخاص الذين ضاقت بهم الحياة والمعيشة، وأثقل كواهلهم ضيق ذات اليد، وعناء حمل متطلبات الحياة والأهل، فذهبوا في طريق الديْن بنية العودة منه سريعا، إلا أنهم وجدوا أنفسهم في طريق طويل من الشدة ينتهي بالسجن بلا حيلة وبلا أمل، إلا الدعاء والحزن.
وكم منا من تأخذهم الحياة للديْن، تجبرهم الظروف والحاجة، وربما الأهل والجوع، فيذهبون فيه وهم يظنون أنهم قادرون على العودة من طريق مظلم ووعر، ولكنه طريق لا يفضي إلا لطريق مثله، أو أشد وعورة وإظلاما خاصة مع الفقير والمعسر. فيولّد الديْن دينا، وتخلف الحاجة حاجة، وهم ماضون في ذلك، يغرر بهم الأمل في انكشاف الغمة، وزوال الضيق، فلا ينتبهون إلا والحديد يقبض على أرساغهم ومعاصمهم، فيذهبون في ظلمة السجن، وقد ضاقت بهم الأرض بما وسعت.
وكم من موجوع بثقل الدين على كاهله! وكم من إنسان أجبرته الحياة على المضي في طريق لا يريده، – وهل يذهب في طريق الديْن إنسان برغبة ورضى، أو بفرح واختيار؟! – إن هي إلا الحياة بتعقدها وتشابك خطوطها، وجبرية حدوثها وحوادثها، تجعل الإنسان يبحث عن أقصر الطرق – وإن كان أصعبها لاحقا – لفك عسرته وحلحلة ضيقه ودينه، والمشي وراء الأماني أحيانا حتى تنفرج الحالة ويتغير العسر ليسر، ولكنه قد يذهب في عسر أشد، وضيق أبلغ.
ولذلك يحاول هؤلاء الشباب أن يكونوا -بمساعدة ذوي الأيادي البيضاء- بعض حيلتهم وبعض أملهم، واستجابة الله لدعائهم ودعاء أهلهم وذويهم، يمدون أياديهم لهم بالمساعدة والعطاء، ليمد الله لهم يد البشرى بجنة عرضها السماوات والأرض.
هؤلاء الشباب هم الأمل والفرح، لمساندة هؤلاء المعسرين والمديونين الذين أفضى بهم الدين للسجن، والذين هم منا وفينا، فقد يكون جاراً أو أخاً أو ابن عم، إنهم بعض أفراد المجتمع الذين لم يرتكبوا جرماً، ولم يتعدوا حدود الله، ولم يقترفوا إثما، وليس إلا الحاجة وضيق اليد ما أوصلهم إلى براثن السجن، وعتمته الموحشة.
ولذا فهم تحيروا أن يكونوا أحد أسباب اليسر الذي يغلب العسر، ويفك الكرب، ويبهج خافق طفل أو أب أو أم بخروج رب أسرة أو ابن ليكون بين أهله، إنهم بعض يد الله البيضاء التي تحمل القليل من ثقل الغرامة ووجع الدين. فما أجملهم! وما أعظم مبادرتهم النبيلة!
7.
أ.
«لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله: فلكل امرئ طريقته وصلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا، بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك أو الطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين، بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا».
ب.
ذات يوم كان لي ألف رغبة، لكنهم تلاشوا جميعا في رغبتي الأكبر أن أعرفك .. أعرفك وحسب!

السبت، 6 سبتمبر، 2014

نموذجان للرواية الناقدة في عُمان

فاطمة الشيدي
جريدة القدس العربي
 
تمثل الرواية في هذا العصر ركيزة هامة من ركائز صناعة الوعي وتوصيل الأفكار، وذلك لسهولة حياكة مراميها وأفكارها في بنية سردية متناغمة تجذب المتلقي، وتتغلغل في وعيه، وتسهم في توصيل الأفكار إليه بسهولة وعذوبة، ومن ثم تسهم في تغيير اتجاهاته بيسر وعمق ضمني، خاصة وأنها تشهد الإقبال الأكثر والأوسع بين الفنون الأخرى.
والرواية الناقدة هي الرواية القائمة على نقد الأفكار المتوارثة، أو الكليشيهات الشائعة، بتحليلها، وبيان مواضع الوهن والخلل في المجتمعات والمؤسسات التي تصدّرها، وتفتـــيت المنظومات الفكرية والأخلاقية المتراكبة، والتي تحتاج للمراجعة والتحليل بين الفينة والأخرى لتوضيح ملامح الخلل بشكل جوهري يشكّل هدفها وغايتها الأساسية عبر حدث سردي متتابع بكل مكوناته الفنية، وهي جزء من كلية السرد، وأنواع الرواية المتنوعة الغايات والأهداف بين الذاتي، والتاريخي، والاجتماعي وغيرها من الأشكال والأنواع.
وتشهد رواية النقد المجتمعي في العصر الحــــالي رواجا كبيرا؛ لأنها تستطيع معالجة الكثير من المسكوت عنه، ورفعه على طـــاولة المساءلة الواعية، ووضعه أمام مبضع الــــرؤية، وفكـــرة التحليل، بلا كثـــير معاناة أو تحمل مسؤولية، إذ يجوز للسارد مالا يجوز لغيــــره، وبالتالي فتحقيق هدف النقد الاجتماعي يصبح أوضح وأكثر انتشارا، وأقل ريبة ومساءلة.
ورغم عدم اتساع رقعة المشهد الروائي في عمان أفقيا في الكم، أو عموديا في الزمن، إلا أن الرواية العمانية باتت حاضرة في المشهد الثقافي العربي حضورا متنوعا وعميقا بكافة أغراضها وأنواعها الذاتية والرومانسية والناقدة. وهنا وضمن فكرة رواية الأفكار القائمة على نقد المجتمع؛ بأفكاره أفراده ومؤسساته أطرح للقراءة روايتين عمانيتين تمثل نقد المجتمع والأفكار خير تمثيل.
الأولى هي رواية «أيوب شاهين» للكاتب العماني سالم آل تويه، الصادرة عن دار الفارابي، بيروت، 2011، والتي تمثل صرخة رفض علنية وصريحة لكل مظاهر العنصرية والظلم والقهر المتمثلة في بعض التقاليد والأعراف البالية، مثل تقسيمات المجتمع العرقية والتي يترتب عليها الكثير من الإجحاف والظلم وعدم المساواة، حيث تعمد هذه الرواية إلى تفتيت منظومة المجتمع العرقية والإثنية، وبيان مواطن إجحافها في حق الإنسان وإخلالها بوجوب عدالة المواطنة. السرد يفصّل حكاية أيوب شاهين، المواطن العماني الطيب والبسيط الذي حُرم من حبيبته حميدة لأن والدها يحيى صقر رأى في أصله «البلوشي» ما يجعله أقل من أن يزوجه ابنته، رغم كل جمال روحه، ونقاء سريرته، وطيب سيرته، زاعقا في وجه والده مراد شاهين: «مهما سويتوا انتوه ما من هذي البلاد. الله خلق الناس درجات. لا ترفعوا روسكم فوق. انتوا أقل منا. وطنكم مكران». ذلك جعل أيوب يرفض الحياة تماما، ويرفض الاستمرار فيها، ويذهب في المرض الموجع حتى يسلم روحه لبارئها، وهو لما يفهم فكرة هذه العنصرية المقيتة التي حرمته من الحياة متمثلة في المرأة التي أحب.
كما تمثل هذه الرواية من زاوية أخرى بقعة ضوء كبيرة على ظواهر الخلل الكثيرة، والبيروقراطية المفرطة، والروتين الفاسد، التي تنتشر في الكثير من المؤسسات الحكومية التي تحكمها الرشوة والمحسوبية، وما ينعكس على الإنسان فيها من قهر وظلم يؤدي به للموت كمدا في بعض الأحيان. وهذا تماما ماحدث مع أيوب شاهين في مستشفى «إبرا» حين تعامل الأطباء مع حالته ـ لكونه مواطنا بسيطا ـ بمنتهى الإهمال وعدم الاهتمام، وسوء التشخيص لمرضه، سرطان الغدة اللمفاوية، حتى قضى في المستشفى وحيدا متألما، ليس له إلا رحمة رب كبير كان يؤمن حتى آخر لحظة، وعائلته الطيبة التي وقفت معه متألمة وليس في يدها ما تقدمه له، وهي الفقيرة من المال والسلطة، لتجنيبه بعض ذلك الألم الكبير نفسيا وجسديا، وبعض أفراد القرية التي عكست الرواية وجود الخير والنقاء فيها، وبساطة العلاقات بين أفرادها، وتقبلها للغريب وجعله في مكان لائق بينهم، كما حدث مع الطبيب حسن.
كما تناولت الرواية البعد التاريخي للثورة على الظلم والذي عكسته «جبهة تحرير ظفار» وأهدافها التي كان يؤمن بها الثوار، من خلال صوت لقمان عم أيوب المسترجع في الذاكرة التي كان يفقدها أيوب شاهين تدريجيا، وهو يحكي له عن أهدافها الكبرى: «ياولدي الثورة ضد سلطة القبائل والأسر الحكمة والعصابات ووكلاء الاستعمار، وتحكمهم في خيرات الشعوب، الثورة تلغي القبيلة والألقاب والامتيازات الخاصة وتحرر المرأة والمجتمع من التخلف والاستعباد والقهر وتساوي بين الجميع».
أما الرواية الثانية فهي «سفينة نوح»، للكاتب سلطان العزري، والتي صدرت عن دار نينوى في دمشق، 2012، وتدور أحداثها حول استحضار حالة الموت والرعب التي حاصرت العمانيين في إعصار «جونو»، مجسدة الأحداث والإطار النقدي للرواية عبر معاناة عائلة عمانية صغيرة، زوج وزوجة وطفلتهما، ثم بتفرعاتها الكبرى داخل وخارج مسقط، الوالدة والأخوة وعائلاتهما، وبعض الأصدقاء في التعامل السريع والعاجل مع الغرق المفاجئ. وهذا حدث لم تهتم وسائل الإعلام بتوضيح صورته للمواطنين بشكل جلي وفي الــــوقت المناســـب ليأخذوا حذرهم، بل كانت تمـــوّه حول الأمر، وتهوّن القادم حتى اطمأن الناس ولم يكترثوا، حتى تفاجأوا بالـــهول الكبير الذي عاشوا معاناته من جهتين: غضب الطبيعة، وجشع التجار ومالكي العقارات.
وبالتالي عاشت هذه العائلة ـ في مقايسة تصلح للجميع ـ ظروفا قاسية لعدة أيام، بلا ماء ولا كهرباء ولا وسائل نقل، وغيرها من ممكنات الحياة الطبيعية، في مواجهة استغلال وغلاء أسعار بشع لا يمكن مجاراته، حتى انتهاء تلك المحنة، التي امتدت آثارها على آخرين لفترة أطول بعد أن فقدوا بيوتهم، وكل ملامح الحياة الآمنة والمستقرة التي كانوا يعيشون فيها، وعاشوا في ملاجئ وبيوت غير صالحة للحياة أصلا. كل هذا في مقابل تجاهل المؤسسات المعنيّة بالتعويض والإصلاح لهم لفترات طويلة، حتى جاء التعويض غير المناسب غالبا، وكان الأشد والأنكى أن هذه الظروف الموجعة من شدة الرعب والتعب قوبلت بحالة من التلميع الإعلامي الغزير للصورة، وبثها للعالم الخارجي بشكل براق، حتى ليشعر الإنسان أنه لم يحدث شيء يستحق الانتباه والمساعدة.
وتظهر فكرة النقد في هذه الرواية عبر شخصية الراوي المتأفف والمتذمر والغاضب أحيانا كثيرة، والثائر على منظومة الأفكار والعادات المجتمعية من جهة، وعلى المؤسسات الحكومية والخدمية التي لا تقدم الحالة الخدمية بشكل احترافي في حين تقدمها عبر وسائل الإعلام مثالية وكاملة. «اسمع لا يغرك كل هذا الترويج، الإعصار أظهر مدى هشاشة الوضع ومدى الغباء، ومدى الضحك على اللحى.. يا رجل أنت ما تلاحظ انه في كل مؤسسة وزارية أو عسكرية أو حتى شبه رسمية هناك دائرة كاملة أو قسم كامل للإعلام، كلهم يلمعون الصورة البراقة للحكومة وللمؤسسة وللمسئول عن تلك المؤسسة مع غياب مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات البحثية وغياب قوى التعدد والأحزاب، من أين تنتظر مؤشرات المصداقية والشفافية المتغنى بها، المواطن البسيط وش بيسوي لمواجهة كل هذا التيار الجارف والتلميع ليل نهار.. وحده بيستوي يلمع الصورة أكثر من غيره .. يحتاجوا وقت ياصديقي ليفهموا كيف تحرك الدمى من بعيد.. لحد الحين لا في أصوات حرة، ولا صحف حرة، ولا إعلام حر.. كله على بعضه كلام فاضي».
وتمثل مثل هذه الروايات قراءة حرة وصادقة للمجتمعات، وبالتالي فهي تشبه دراسات سوسيولوجية لظواهر المجتمع وحيثياته العميقة والخفية في فترة ما؛ يمكن أن يأخذ بها منظرو علم الاجتماع والباحثون لدراسة مواضع الخــــلل وإصلاحها، أو لتجديد منظوماته الفكــرية والأخلاقية، ومساءلة مؤسساته ومحاكمة مواضع القصور والوهن فيها.
وأظنها اليوم الأكثر انتشاراً بسبب تعطش الإنسان للفهم ومحاورة الأفكار الجديدة منها والبالية، وتقصي مواضع خلل المنظومات الأخلاقية والمؤسساتية وعقلية الفرد ومرجعيته الفكرية في المجتمعات العربية تحديدا، في حالة الانزلاق والتراجع التي تعيشها. وبالتالي على كتّاب الرواية الالتفات لها بوفرة في مشاريعهم الإبداعية، والانتباه لتعميق المساءلة وتكثيف النقد فيها، لما له من أثر مستقبلي مأمول في التغيير.