"إنني فقط أبحث عن زاوية صغيرة أستطيع أن أتنفس فيها" كافكا

"الكلمة خنجر لايرى" سيوران

"أكتب لأن هناك صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث

"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الاثنين، 26 يناير، 2015

صورة ناقصة


فاطمة الشيدي
…………………

يصيببك الخطاب الفوقي الذي الذي تتحدث به أجهزة الإعلام العمانية وبعض المحسوبين على الثقافة عن مثالية الإنسان والمجتمع والدولة، بالعجب والاستغراب وربما بالقرف أحيانا، إذا تقدم الحال وكأننا نعيش في مدينة أفلاطون الفاضلة (اليوتويبا)  ملمعة الصورة برفعة مصطنعة،  وعمق غير حقيقي، وصورة حضارية كاملة.
هذه الصورة الإعلامية اللامعة والتي تتنافى كثيرا مع الحقيقة، والمصدرة بقوة أقنعت الإنسان العماني أنه مختلف، وعظيم، بل ووصلت للآخر الذي بدأ يطبل لهذه الصورة أيضا بعيدا عن التعمق الحقيقي في شخصية وروح الإنسان وفكره والتي تتباين من فرد لآخر، وتختلف من موقف لموقف، والتي عليها أن تحتكم للنقد الموضوعي لإصلاح الخلل وتلافي الهنات.
ومع كل الاحترام والتقدير للكثير من الجوانب للإنسان العماني أو بعضه على الأقل، من خلق ونبل وسلوكيات حضارية راسخة فعلا، إلا أن التعميم والمبالغة يفسدان الصورة، وويظهران بجلاء  نقائضها الكثيرة أيضا. فمع أنه يمكننا المراهنة على سمات عامة في روح الإنسان العماني مثل الطيبة  وعدم الميل للعنف بكل أشكاله، والتعايش السلمي مع الآخر مهما كان اختلافه عنه أو تدني تقديره الشخصي أو القبلي له، مما أدى ورغم تعدد الطوائف والأثنيات في المجتمع، واعتداد كل فرد أو جماعة بطائفته وأصوله، ورغم النزعة القبلية العنصرية المتجذرة في المجتمع وتقسيماته الفئوية غير العادلة المعروفة بين أفرادة، إلا أنه لم تظهر نعرات التفرقة والمشاحنة والخلاف الحاد بين أفراده لتلك الخصال الآنفة الذكر.
وكذلك ما يتميز به العماني من التواضع والحياء الذي يمنعه من البطر والتفاخر والعنجهية واحترام الغريب، والميل للعزلة غالبا وعدم الرغبة في الظهورالإعلامي، إلا أن هذه الصفات ليست مطلقة ولا عامة، أو حتمية عند الجميع، سيما وهو مجتمع متعدد الأمشاج والأعراق، كما أنه مجتمع له جذوره التاريخية من جهة، ويذهب سريعا في التجدد والارتقاء والحداثة من جهة أخرى، وبالتالي تظهر فيه أجيال متعاقبة ومتعددة المشارب في التربية بين الجديد والقديم.  (وإن كان ذهابه في الجديد أقل وتيرة من سواه لتشبثه بالعادات والتقاليد بنمط حياة اجتماعية قائمة على الجماعة والقبيلة) . فلايمكن التغافل على مثالب هذا المجتمع الراسخة مثل القبلية المقيتة وانعكاساتها الجلية على الأفراد والجماعات، بالوساطات والقرب والبعد عن مراتب السلطة واحترام الأفراد لبعضهم البعض ضمن هذه الصورة العنصرية فقط. والنفاق الذي يجعل البعض يخلط بينه وبين الطيبة والكرم والخلق النبيل، فما يظهره البعض من محبة وتقدير ليست صادقة غالبا، بل قائمة على النفاق أو المجاملة بحكم التربية، وقد لا يتورع عن السب والشتم والتجريح في الخلف.
وهناك  الحالة القطيعية الاجتماعية، بالانصياع  المطلق للجماعة والقبيلة، وأحكامها، والاحتكام للعادات والأعراف الجمعية المتوارثة بلا مسأءلة،  والتقليدالراسخ في البنية العميقة للمجتمع، والتسليم  والانصياع والتبعية لشيوخ الحياة والدين، بعيدا عن التفكير الحر والوعي الفردي، وعدم إعلاء روح الفرد أو احترام خصوصية الآخر. وذكورية المجتمع التي أفرزت النظرة الدونية المرأة، واحتكار أدوارها في الوظائف البيلوجية والاجتماعية التقليدية. وتحجيم أدوارها الحقيقية في المجتمع، وتعتيم حضورها في الحياة، ناهيك عن الحسد والأحقاد والضغائن المتوارثة والتي تسري في المجتمع كالنار في الهشيم وإن غلفت بالنفاق والمجاملة.
كما أن المشاكل العصرية المخيفة على تكوين المجتمع، بدأت تظهر على السطح لتجعله بعيدا جدا عن تلك الصورة المثالية المرادة له،  مثل الاهمال  واللامبالاة والتي أصبحت من صفات الشباب في هذا العصر . والبطر والفحش والبعد عن تقدير الكبير ، والعبث والفوضى وانعدام روح المسؤولية الذي يظهر  من خلال تصرفات مثل السرعة الجنونية في السواقة وما يتبعها من تجاوزات للقانون في الشارع، والتدخين في كل مكان، ورمي أعقاب السجائر والأوساخ في الأماكن العامة، والتفل في كل مكان غير مكترثين بالمظهر العام للبلد.  والحديث في السينما والأوبرا وملاحقة الناس بأعيننا والفضول مما يعكس غياب الروح الحضارية للإنسان.
بالإضافة للتصرفات الفردية مثل عدم الاهتمام بالمظهر والفوضى والثرثرة بصوت مرتفع في المطاعم والأماكن العامة. والغش والكذب وغيرها.
وهناك تصرفات  قبيحة ومستهجنة من قبل الآخر السائح والمقيم نتجت عن عدم وجود قوانين ضابطة، مثل تلاعب سائقي سيارات الأجرة بالأسعار، وغلاء بعض السلع خاصة التقليدية منها، لعدم تسعير هذه السلع وتركها للبائع والجدل الضروري في هذا الحالة والذي يضر بمصداقية البلد والقانون فيه.
ومع ان وجود الشر والخير والجميل  والقبيح، والنبيل والحقير هو ديدن المجتمعات والإنسان في كل مكان، وزمان إلا ذلك لا يعجب البعض ممن يقدم صورة مثالية للمجتمع والإنسان، متغافلين عن قيمة النقد في التغيير ، والرقي بالإنسان وهذا دور المثقف الحقيقي الذي عليه عدم الإذعان لصيحات الجمود، ودعوات التلميع.



الجمعة، 23 يناير، 2015

شجرة




"النظرة الطويلة إلى صمت الآلهة هي ثواب بعد تفكير"
بول فاليري

فاطمة الشيدي
…………………

ماذا أفعل بي
كل ما أقوله لا يشبهني
لم أقل بعد ولا كلمة واحدة مني
لم أسجل ولا فكرة مما يدور في رأسي
المرأة التي في المرآة ليست أنا
أنا تلك البعيدة التي كنتها في البدء
حين كنت يوما شجرة
سيدة العزلة الجريحة والصمت الأبدي
على مفارق الكون وسخرياته القاتمة
الشجرة التي بداخلي
يرعبها هذا الضجيج
تأكلها هذه الحياة الفارغة
التي تتسلق روحي كالعليق الطفيلي
الفراغ يكبر داخلي كل يوم
وأنا ألمح الطواويس بريشها المتقصف تتصدر الحضور
ويرتعبن من التغريد القادم من شجرة في زاوية قصية
والغربان تنكرت للحكمة
وصارت تحط على الياسمين الذابل بغية القليل من الرائحة
والعصافيرة الصغيرة تتعلم الطيران في ذات الفلك
تتبع حركة الأجنحة المتقصفة وتتمسح في القليل من الضوء
تعلمت لذة الهروب من هذا الصخب والانضواء في الظل
وفي كل مرة كثعلب جبان أخلع فروتي في وجوههم القبيحة وأهرب نحو الغابة
أرتدي هناك ظل كائن غريب
أتدلى من جذع شجرة موز
يرى الكون رأسي وهو يقترب من الأرض
يصافح جذور الأشجار والطين اللازب
أجلس لا حقا في رأس تلة مأخوذة بالرؤية البعيدة
أنظر للعالم بزاوية ما
يشتغل رأسي المولع بالتفاصيل والقلق
وأغيب في ضبابية الرؤية
وأعلم أنه في يوم ما سيقول العالم
هنا عبرت امرأة كانت تعيش كشجرة
وتكتب نصوصها على الماء





الثلاثاء، 20 يناير، 2015




فاطمة الشيدي
…………………
       
لماذا نكتب؟
الكتاب أكثر من القراء، والقراء القلة يبحثون عن مضامين وغايات ومعان كبيرة. وحكمة مفترضة. ولغة مبجلة. ودروس  لا نملك أن نقدمها .
فنحن كتاب العبث، أصدقاء العدم والمجهول، التافهون في حساسيتنا، توجعنا كلمة يابسة تسقط من فم أحدهم كما تسقط ورقة لفظها جسد أمها الممتلئ بالحياة .. يوجعنا تجاهل السماء لأحلامنا البسيطة، وغفلة الأرض عن دموعنا التي بلا سبب أو بلا سبب كاف
واصطدامنا المؤذي مع حواف الوجود، التي تدخل بقاياها لأرواحنا الهشة كشظايا حرب تاريخية وجودية لم ندركها.
نكتب عن وخزة هشة في الروح ووجع في الوريد ، فمن يأبه لتفاهاتنا؟
العالم يحترق .. يتكور على نفسه .. يذوي .. الأطفال يموتون بردا وجوعا .. ونحن نكتب بخفة عن الحياة وكأنها طفلة تعد القرميد وهي تتراقص في عبورها الدافئ للمدرسة، أو قطة متشردة لا تنظر للعالم بحقد، أو عجوز تبتسم وهي تلوح للمغادربن على عجل من شرفتها المطلة على الشارع كل صباح قبل أن تأخذها الغفوة.
نكتب عن الموت كأنه صديق قديم اختلفنا يوما على فكرة ما .. فمضى مغاضبا..  وقد يعود بعد قليل ليحتضننا ونبكي معا لساعات قبل أن نشرق بضحكاتنا أو نغص بها في غيابنا المتمنى.
نكتب عن الأشياء من خارجها/ داخلنا، وقد لانعي جيدا حقيقتها لأننا لا نعترك مع الحياة أصلا، نحن نهرب منها، نخاف من تجليها لنا، نعيش عزلتنا الداكنه، وهروبنا المضني، وصمتنا الناطق على الورق أو اعتراض مستمر وطويل مع كل شئ،  لا نمد جسورنا مع الحياة، ولا حواراتنا مع البشر، لا نستطيع ولا نحب، فالحياة معتركات موجعة ودروب متعرجة ومتاهات لا تفضي إلا للضياع والخراب، والبشر سكاكين مشحوذة ونحن شرايين عارية، وأرواح مجترحة بالضمني والبعيد أبدا، ولذا فقط نقيم علاقاتنا مع الطبيعة الخرساء، نتأملها ، نحاكيها ونحكي لها، نحب من يسمعنا بلا كلام مقابل، بلا اعتراض ولا مساءلة، ولا جدل، نحب أن نرى تجليات الجمال في الكون، في الماء والجبال والتيه والغابات، وانعكاس ذلك في أرواحنا.
ومع التاريخ في ثرثرته من جهة واحدة لا تخلو من الكذب والمبالغة والتزييف، ومع الموسيقى والأصوات الصادحة باليتم، واللون في صرخته المكتومة، ومع الشاشات المضيئة بلا بشاشة أو فرح.
نحن جبناء لا نستطيع الحياة، لا نقوى تجربة الألم، ولا مقارعة الظلم، ولا مواجهة الجوع .. نحن فقط نكتب عن ذلك ، نكتب الحياة من خارجها دون أن نعيشها أحيانا كثيرة.
نكتب بتجريد الأشياء من عمقها وقوتها لضعفنا وهشاشتنا، نكتب عن قامات الحرية، وزئير الجوع، وأنين الموتى، نكتب اللاشئ متقصما كل الأشياء.
أوجاعنا تكبر متحدة بأوجاع العالم الذي نحمله داخلنا.
الموت يباسنا القاتل، والحياة ظلنا المقيت
والعبث سرنا الجارح
نكتب لقارئ لا يقرأ
وحياة بلا حياة






فاطمة الشيدي
…………………

الرجل الذي أشعر بالأمان عندما أنظر في عينيه فقط
الذي أكلمه في غيابه لأخبره عنه
وفي حضوره لأخبره عني
الرجل الذي أحفظ تفاصيله عن ظهر فلب
خطوط وجهه .. شعيرات يديه
رائحة جسده .. لمسات أصابعه
بحة صوته.. ووجيب قلبه
الرجل الذي يحب الزهور الصفراء والزرقاء
ويجلب للبيت الزهور البيضاء التي أحب
الرجل المشرق كشمس نيسان
ويرتدي الألوان الغامقة ليجعل قلبه الطفل يبدو أكثر اتزانا
الرجل الذي يكبر في قلبي كل يوم
ويرفعني في ذرى العشق كل لحظة
يجعل الكرة الأرضية تهتز  قليلا
وتتوارى الشمس خجلا
كلما ابتسم في الصباح
وهو ينحني على وجهي ليقبله
قبل أن يمضي في لهفة الحياة
وأمضي في دوخة الحب

الأحد، 18 يناير، 2015

المثقف، والسلطة، والمجتمع

فاطمة الشيدي
القدس العربي - الأحد 18/يناير 2015
 
تعتبر الثقافة في عالمنا العربي حالة خارجية، أو شأنا شخصيا، يخص الإنسان وحدة، وكثيرا ما تعتبر مهنة من لا مهنة له، وقد يعتبرها الكثير من أفراد المجتمع رؤية خارجية، وبعيدة كل البعد عن حاجة الإنسان، وأولوياته الطبيعية الأكثر الحاحا واحتياجا كالأمان والرخاء المادي بما يحققه مستزلمات الحياة والمتعة والترفيه، بل وقد تصبح الثقافة مشكلة أحيانا كثيرة ينتقدها الإنسان ويعتبرها مصدر زعزعة للهدوء والسلام المجتمعي، الذي يفضله ويركن إليه، وخاصة مع المثقف الموضوعي أو المهتم بالشأن العام، والذاهب في النقد، والمسهم في حفر مستويات الوعي، وصناعة الرؤى المستقبلية للمجتمع والإنسان.
 
ولذا فالثقافة في مجتمعاتنا العربية لا تعدو كونها حالة مكملة للمشهد العام، أو مجمّلة للصورة الكبرى للدولة والمؤسسات، أو -في أحسن مستوياتها- حالة إعلامية وترفيهية للبعض، غير مؤثرة وفاعلة في مصير الإنسان، وبعيدة عنه، وهو المشغول غالبا بقوته اليومي، وبالسطحي من الحياة والاهتمامات ومستوى التفكير، ولذا فهي محصورة في مجموعة محددة تمارس الفعل ذاته، وتوليه اهتمامها.
 
ولعل ذلك البعد والإقصاء المجتمعي للثقافة، يعود في العميق والبعيد من التحليل لخوف كل من السلطتين السياسية والدينية من فعل الثقافة، القائم أصلا على التنوير وإشعال الوعي، وبث روح المساءلة والنقد في كل المسلمات، ولجوءهما إلى تهميش دور المثقف، وتحجيم مسؤوليته في التغيير المجتمعي، وربما تشويه صورته وبث روح الذعر منه في المجتمع، بتوصيفه بكل المسميات الشيطانية التي تجعل منه مصدرا للرعب والخوف والكره؛ كالكفر، والعلمانية وغيرها من مسميات جاهزة، وغير مدركة أو مفككة في الوعي الجمعي العام.
 
ومع كل هذا البعد والإقصاء للثقافة والمثقف، لم تركن السلطة (السياسية والدينية) للأمان من المثقف الذي ظل يحاول التغيير، ويحاور الجمع بإصرار وصبر وثقة؛ لفتح كوة نور في جدار الظلام، وبث القليل من المساءلة في المسلمات والسائد بما يملك من أدوات شحيحة كالكلمة واللحن والريشة وغيرها، ولم تغض الطرف عنه، وتتركه في شأنه يمارس دوره التنويري والثقافي بهدوء وصبر أحيانا، وبإحباط ويأس أحيانا أخرى، وبثورة ورفض في بعض الأحيان،  بل وضعته تحت عينها، تراقبه وترصد تحركاته سرا وعلانية، والمثقف يدرك ذلك جيدا، والمجتمع أيضا، ورغم هذه الحالة المضطربة بين السلطة والمثقف على مر العصور، إلا أن ذلك لم يغير الكثير في صورته "المقلقلة" لدى المجتمع، لتجعله أكثر قربا منها، وتواصلا معها،  لكونه يتحرك كمسيح يحمل عنه آلام الصلب، وفعل المحبة، والإيمان بالتغيير.
 
ولعل اتساع مفهوم الثقافة في عالمنا العربي، وعدم وجود مسميات جانبية واضحة، أو جزئية عميقة، أو تكتلات جازمة الفصل، لفعل الثقافة، أو في الأقل عدم وعي الجميع بذلك،  بالإضافة إلى تعدد صورة المثقف، وتباينها، من مثقف السلطة السياسية، المتسلق، الطامح في الهدايا والهبات والجاهز للتلميع والتجميل، والنفخ والمسح، ومثقف السلطة الدينية الذي يقدّم الثقافة على أنها قيمة محصورة في الدين والنص المقدس فقط،  ورفض كل ما هو خارجها، وكل حوار ومساءلة من الأطراف الأخرى، لأنه يؤمن أن الثقافة التي يقدمها هي ثقافة إلهية، وكل ما هو خارجها أقل شأنها منها، وكل مساءلة لها ممنوعة، وكل حوار حولها كفر، أو عجز  مسبق عن مطاولة الكثير والكبير الذي يقدمه النص.
 
وهناك المثقف المأزوم، المحبط واليائس من التغيير، والذي ينظر بدونية واستخفاف وتجهيل للمجتمع، وبرفعة وغرور كاذبين لذاته ولغته، ويركن لبرج عاجي يكتب منه في معزل تام عن المجتمع والحياة، وقضايا الإنسان المتجددة، وبعيدا جدا عن دوره المفترض في التغيير والثقيف والبناء.
 
وهناك المثقف المهزوم، الذي لا يجيد تفكيك وتحليل الأمور، أو وضعها في نصابها لعقد نفسية أو اجتماعية طفولية أو ماضوية، ولحالة الغياب التي يعيشها غالبا، فلا يكتب إلا ذاهبا في الغياب العقلي والذهني، رازحا تحت وطأة ما يسعفه على ذلك التغييب المقصود عن العالم والإنسان، ليصبح مسيحا جديدا، يعاني من خذلان البشر، وقسوة الحياة، واضعا نفسه في موضع المعاناة القصوى، وحيدا ضئيلا أمام سهام الجميع من مجتمع وسلطة ودين، وبذلك يعيش سلطة الوهم، ومشنقة الكتابة، ومأساة الإنسان، وعدمية الوجود.
 
فهذه الصور وغيرها بما تحمله من حضور بوهيمي أو متمرد أو متعال للمثقف، شكّلت صورة مرتبكة له في عقلية إنسان الشارع، صورة يرفضها المجتمع والإنسان الذي تعتركه الحياة بكل معاناتها وظروفها اليومية ساعة بساعة، بلا رهبنة ولا تعالٍ ولا رضوخ. ووسعت الفجوة بين الثقافة والمجتمع، ومدت السلطة، بما يساعدها على خلق تلك الصورة المشوهة له بين الناس، وتوسيع الهوة بينه وبين مجتمعه.
 
وإن كانت الصور السابقة هي نتاج ضمني للقمع الذي عانى منه الإنسان بكل أطيافه وأحواله من السلطة (بكل أشكالها التاريخية) ردحا من الزمن، إلا أن على المثقف الحقيقي والذي يحمل فكرة التنوير والتغيير محاولة فهم ذاته أولا، وتحديد أهدافه وغاياته من فعل الثقافة الذي يمارسه ثانيا. ومن ثم العمل بإصرار وهدوء، وبإيمان بفعل التغيير والتنوير الذي سيؤتي ثماره يوما، مهما امتد الزمن، ليقنع المجتمع "بوسائله القليلة، مقابل إغراءات السلطة الكبيرة، وإملاءاتها الضاغطة" بما يريد أن يقدم له من توسيع مدركات، وصناعة وعي؛ ليستشعر الجمال المحيط به في الداخل والخارج، ويتحسس القيم الإنسانية الرفيعة كالحق والمساواة ويعيشها، ليكون لائقا بإنسانيته وعبوره القصير لهذه الأرض، دون أن يضع نفسه (أي المثقف) في مواجهة كلية مع السلطة بكل مستوياتها، أو في مقارنة بها، بل في حلم بعيد، إقناع هذه السلطة بأن دوره في التغيير والتنوير، ومحاربة الفساد، وخلق وعي جمعي يمكّن الناس من الحياة بحرية وعدالة، وأمان ورخاء، دورٌ موازٍ لدورها، يقوّم ولا يهدم، ويعترض فلا ينفي.

وداعا فتنة السينما العربية





فاطمة الشيدي
……………… ..

لا أستطيع إلا أن أحزن لوفاة السيدة فاتن حمامة،الجميلة التي علمتنا الحب والفن والجمال معا، أيقونة الأنوثة والرقة والعذوبة التي غرستها في أرواحنا بلا تكلف، لتغدو هي ذاتها معيارا عاليا وبعيدا لهذه المقاييس الجمالية الأنثوية الرفيعة، حركاتها اللينة، وصوتها الناعم، وضحكتها المغرقة في الفرح العذب كوليد نيئ الروح والجسد.
كانت المرايا تشهد لها، بصورنا الطفلية تحاول استنساخ تسريحاتها وفساتينها وكل ما يتعلق بأناقتها العالية والبسيطة معا، وكان  انسحابها من الموقف بغضب بتلك الركضة الشهيرة التي أصبحت لاحقا تقليدا سينمائيا عربيا معروفا، كتكنيك فني لغنج الزعل أو زعل الغنج لجميلات الشاشة، وهن يهربن من الأب أو الحبيب بكلمة (لأ لأ.. أو حرام عليك) ركضا على السلم حتى ينطرحن على الفراش..  ويكملن الدموع الهشة، والموقف المصطنع بنعومة يطيب للجميع تصديقها.  وللمراهقات تقليدها. وتلك الضحكة الطفلية الموغلة في الشقاوة، أهم ماخلفته من صورة في أذهان متلقي عربي كان لا يملك خيارات كثيرة، أمام شاشة تبهره بالجمال الذي لا يراه قريبا.
وكان الحب درسا أوليا نتعلمه على يديها ودموعها وقبلاتها وشقاوتها، بالإضافة للكثير من الحكمة والاتزان والقوة العميقة للمرأة والتي لا تتطلب عضلات وشنبات، كما تفعل البعض، بل قوة الحنان والجمال والذكاء التي قدمتها في أجمل صورها وأعظم أدوارها بفتنة أخاذة.
يا معلمة الحب والجمال، لروحك السلام والرحمة، ولفنك الخلود.

الجمعة، 16 يناير، 2015

نصف الحرية .. نصف الحقيقة

فاطمة الشيدي
………....
 
لا يستطيع أحد ممن يمتلك حسا إنسانيا سليما إلا أن يتعاطف مع ضحايا الصحيفة الفرنسية شارلي ايبدو، بل ويقلق من تصاعدات الحالة الظلامية باسم الإسلام والقائمة على المصادرة للحرية والفكر بسلاح الموت تماما، ولكن في المقابل لا يستطيع كل من يملك حسا ثقافيا إسلاميا عميقا تقبل الأمر على أنه حرية محضة، أو رأي خالص، واستبعاد فكرة قصدية إهانة رمز مقدس لثقافة عريضة من العالم بهدف احتقارهم واستفزازهم في ذات الوقت،  بالإساءة لأعلى رموزهم المقدسة بعد الله،  والذي يمثل (أي النبي محمد)  المسلم العلماني، والمفكر الحر، والمثقف والعالم  والفيلسوف على مر العصور، أكثر مما يمثل جماعات متطرفة،  وأفكار رجعية تنسب للإسلام ظلما وعدوانية وجهلا،  وكان الأولى بهذه الصحيفة احترامها للثقافة الإسلامية على قدم المساواة مع كل ثقافات العالم، من منطلق احترام الإنسان ومعتقداته وحرياته، وعدم المساس بها، سيما في مجتمعات تعيش بتقاليد إنسانية وثقافية قائمة -ولو في الإعلام- على التعددية واحترام ثقافة الآخر والبعد عن التمييز والإقصاء.
ولا عجب أن حظيت هذه الحادثة باهتمام عالمي عام، وعربي إسلامي خاص، فشغلت الدنيا، وتصدرت الإعلام مسموعا ومرئيا ومقروءا، وتباينت ردات الفعل حولها،  فالمسلم في مشارق الأرض ومغاربها لا يستطيع إلا أن يشعر بتلك الوخزة الحادة في روحه ووعيه وثقافته وضميره، وذلك الشعور بالإهانة والضيم، وأنه مستقصد في مقدساته وثقافته ورموزه الروحية، من أنظمة تقدم نفسها على أنها تعيش في حرية ووعي، ولا يستطيع أن يعتقد إلا أن هذه الإهانة للضمير الجمعي العربي والمسلم قادمة من منطقة استصغار الآخر، وليس من منطقة الحريات العامة كما تريد أن تقنع الصحيفة العالم،  فليس بمقدور هذه الصحيفة أو غيرها مجرد التلميح لرمز ثقافة أخرى كاليهودية مثلا، المحمية بقانون غربي "معاداة السامية" والذي يوقع بالفرد أو بالمؤسسة أشد أنواع العقوبات والغرامات، بمجرد التلميح بذلك وليس الإهانة المباشرة، وهذا تماما ماتجنبته الجريدة بطرد أحد أبرز الصحفيين فيها بسبب كتابة مقال عن ابن ساركوزي التي قرر اعتناق اليهودية قبل الزواج من خطيبته اليهودية، والذي انتصر له القضاء لاحقا. 
وبالتالي ففكرة الحرية المطلقة التي تدعيها الجريدة ولم تتورع ضمنها من استفزاز الثقافة الإسلامية في الشرق والغرب بلا ترو وتعقل وتقدير للآخر المختلف، لم تكن موجودة وهي تطرد صحفيا مهما من عمله خوفا من ردة فعل الثقافة اليهودية المتنفذة في الغرب، بل كانت في غياب تام، وحضور للقمع والقهر، وكأن للحرية وجوه عدة، وهناك أنصاف حقائق وأنصاف حريات  تتعامل بها الثقافة الغربية الإمبريالية/ الرأسمالية مع الإنسان والثقافات والحضارات حسب قوتها وحضورها، وحسب فكرة الخوف  وحسابات الربح والخسارة.
فهل تستحق  الصحيفة هذا الجزاء والتنكيل المتطرف، لتطرفها المقابل في التعامل مع ثقافة الآخر؟
بالطبع لا يمكن للإنسان العادل والعاقل قول ذلك، بل كانت هناك ألف وسيلة يمكن للعرب والمسلمين استخدامها في الرد على هذه الإساءة مثل المظاهرات والكتابات وانتقاد المجلة والتنديد بفعلها، وغيرها من وسائل حضارية وثقافية، فالثقافة فعل وردة فعل مواز لها،  مهما تعددت مستويات جمالياتها أو قبحها، ولا تصل لمستويات القتل والتصفية الجسدية، بل تظل محكومة بأخلاقيات الثقافة العريقة القائمة على الوعي والقيم. 
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، ألم تكن هذده المجلة تدرك النتيجة القصوى من هذا الفعل القبيح، وقد سبق وكانت هناك نتائج مماثلة، وليست بعيدة عنها في التاريخ أو الجغرافيا؟! أم أن استفزاز الذاكرة الجمعية للمسلمين هو هدف غربي  مستمر ومتحرك بكل الاتجاهات في انتظار ردة الفعل الباهظة - من مجموعة متطرفة، تنظر للأمور بزاوية واحدة ولا تمثل إلا نفسها - لبثها ونشرها والتصفيق لها، لتمكنها لاحقا من تعميم أحكامهم الجائرة والأحادية على المسلمين.
إن التطرف يحرك التطرف المقابل، هذه حقيقة تاريخية على العالم والغرب تحديدا اليوم استيعابها جيدا، فالتطرف باسم الحرية ينتج التطرف باسم الدين، وكلاهما لا ينتجان غير المزيد من العنف والدم والخراب في عالم يعيش في قلق وقلاقل واسعة وممتدة أصلا، وسبق تجربة هذه التحرشات الغربية برموز الثقافة الإسلامية واختبار نتائجها الحادة على العالم شرقه وغربه إنسانه واقتصاده، منذ زمن وفي أكثر من بلد، وعلى أكثر من مستوى دينيا وثقافيا وسياسيا. 
ثم ماذا عن معاودة نشر صور مسيئة للنبي  محمد مرة أخرى بعد تلك الحادثة؟  هي حالة انتقام وثأر، ورفع الصوت باسم الحرية المتجاوزة للآخر، للبرهنة على ثبات الموقف وقوته؟  أم هي مجرد مماحكة طفلية من صحيفة كبرى يفترض أن مثقفيها -وبعضهم ضمن الثقافة الإسلامية - يدركون جيدا الحرارة  العاطفية لهذه الثقافة فيما يتعلق بالمقدس، ويعرفون عمق تأثير رمز ديني كالرسول محمد في ثقافة الشارع والإنسان، ليقدموا على تكرار الموقف القبيح بلا تقدير أو حكمة يفرضها الوعي، وتعمقها الثقافة كقيمة إنسانية كبرى تربط البشر، وتوسع نظرة الإنسان للكون والحياة، والمفاهيم الكبرى كالحرية والعدالة والتعددية والاختلاف. 
ثم ماذا عن المسيرة التضامنية العالمية مع ضحايا شارلي ايبدو التي نظمتها فرنسا، لتكون أشبه بمسرحية  كونية تاريخية عظيمة، اشترك فيها الجميع بما فيهم القتلة والمجرمون، ورؤوس القمع والقهر العربي اللذين ترزح شعوبهم تحت منظومات قهرية بكل المسميات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية؟!
فلماذا ؟..ومع من كانوا يتضامنون؟ مع ضحايا الصحيفة التي صنعوا قاتلي طاقمها بمأسسة الدين، وتربية الجهل وصناعة الإرهاب كبديل للحرية والوعي؟! أم مع شهداء الاحتلال في فلسطين المحتلة الذين كان القاتل يستعرض أنيابه وأظفاره بينهم على شاشات العالم، وأمام ماكينات الإعلام الحقيرة والكاذبة، والخادمة للرأسمالية الكونية التي فرغت الإنسان من إنسانيته وحولته لكائن حقير لا يشعر بما حوله إلا ضمن مصالحه الشخصية؟! أم مع الأسرى في سجون المحتل، والناشطين في السجون العربية من الماء للماء، اللذين يتم التنكيل بهم بلا رحمة، ولا احترام لمفاهيم العدالة والحرية التي كانوا يرفعونها أمام العالم في مسرحية هزلية، والذين خير من يمثلهم اليوم "رائف بدوي" الناشط السعودي الذي يدفع ثمن إيمانه بالحرية خمسين جلدة على جسده الهزيل كل أسبوع، لتصل لألف جلده في عقوبة جائرة لجريمة ملفقة من كل حدب وصوب، باسم الدين والسياسة معا. وغيره الكثيرين في فعل قمعي مستمر، يدل على أن العالم يكيل الحرية والحقيقة بمكاييل مختلفة.




الأربعاء، 14 يناير، 2015


فاطمة الشيدي
…………………

سأكتب عن الجمال هذه المرة
سأستحضره من الخرائب والشوارع والأرصفة
من المخيمات والأكواخ والهوامش المعتمة
سأستله من القريب من الألم
والبعيد عن الحياة
وأضعه (كدينار)  على مفرق القصيدة
وكوسام شرف على صدرها
لتتباهى به في زمن الهزائم والخسارات والأوبئة

عن أم في مخيمات اللاجئين تجوع لتطعم صغارها
وترتجف وهي تخبئ جسدها بينهم ليمتصوا الدفء ببطء
وطفلة نفخت في روحها صورة الأم باكرا
ليكبر أخوتها الأيتام على جذعها الصغير
ويشربوا عطر طفولتها وهي تذبل كل يوم

عن موظف آمن أنه نبي
وذهب في رسالته بلا توان
 مستلذاحمى التعب
ومشقة التبليغ

عن استاذ نبيل يدس الحب في القلوب
ويسرب الجمال عبر صوته المشفع في العلم
ويبتسم للخيبات وهو يضع لبنته القليلة العاجزة
ويسمي بالحلم وهو يغرس الأمل

عن جار طيب يزين الشارع
بالزهور والنخيل
ويكف يده وعينه
إلا عن تحية السلام التي تبلغ السماء بالأمان والدعاء

عن جارة تشغل  المساء بالعطر
 وترقيه برائحة اللبان وفيوض المحبة والحنان

عن أطفال يملؤون الكون طائرات ورقية
تغازل الغيم فينزل المطر

عن زوج يدفئ الأحلام في صدره
ثم يطلقها كعصافير في بيته فيزقزق الحب في زوايا العالم
وهن ينقرن شرفات الكون بالصدق والعشق
فيرتبك الخونة وأنصاف الرجال

عن زوجة تصنع كعك الحب طازجا وساخنا وتوزعه على الكون
وتحتسي شايا بالزنجبيل والعشق
وهي ترسم الفرح على الجدران ..وعلى وجوه صغارها
وقلبا مكتملا على صدر حبيبها الوحيد
لتثير غيرة الصفارد والنوارس
والبجعات في حيها القريب

عن باحث يبحث عن الكلمة  في بطون الكتب المنتفخة بالمعرفة
فيشحذها كالسيف برهافة الحدس
ورشاقة التأويل
ويقطع بها أوردة المستحيل
فيصبح العالم اكثر نضرة

هم وغيرهم يعيشون بيننا
يدوزنون الجمال على أوتار الحياة المرعبة
ويشربون المعنى العصي من مجاهل اللغة بمهل
ويشكلون منمنات المشهد الحقيقي للتشكل الحي
ويتصاعدون بخفة في خلفية الصمت
وكواليس الحضور الظلي الرفيع
ولذا يجب أن يذهبوا في حذاقة الكتابة
كما يليق بهم
ويسكنوا -باحتفاء- ملح القصيدة



الثلاثاء، 13 يناير، 2015


شرفات - جريدة عمان
13 يناير 2015

فاطمة الشيدي

1.

في حياة مثقلة بشروط الوهم
تسير في داخلك غالبا
تحمل إرثا من الخيبات الكونية والرؤية الناصعة
الموازية للأشياء المنتحلة البريق
تمضي نهب عوالم خفية بكائنات غريبة

 تتمايل روحك خفة على مدارج الرؤيا
أنت المثقل بأوزار الشك والمجهول
وفحيح الأسئلة في رأسك الثقيل
تتبصر حفيف القوم وهم يدوزنون نشازهم
خارج أرواحهم بلا تماس مع الحقيقة
محملين باللهفة الوارفة للأخذ والتصير
متلحفين صدارات الكذب المزركشة
متصنعين أدوار البطولات
كسيحة أحلامهم
يعبرون كل ذلك الزيف بيقين العارف
وماضر لو تريثوا قليلا؟!
لعلهم يدركون
أن المعجزات تحدث في الداخل
وأن للخفة ميراث الفرح
وأن الجمال صنعة الرب
والصدق رسالة الأنبياء

2.

أفكر -أنا عاشقة القهوة المنتمية بعمق ونوستالجيا مرضية أحيانا، للتاريخ والتراث والذاكرة القديمة، العريقة في الأماكن والحياة- لماذا لا توجد القهوة العمانية على قائمة المشروبات في المطاعم والمقاهي في بلادنا، ضمن أنواع القهوة الممثلة لكل أصقاع المعمورة شرقا وغربا، مع أنها موجودة بعشق وشغف لا يماثله شغف آخر، في كل بيت من بيوتنا في السهل والجبل والبحر والصحراء، ولم تعد حكرا على الكبار بل أصبح الشباب ينافسونهم بقوة في عشقها، والتلذذ بطعمها الخرافي الأصيل الأخاذ، القهوة العمانية التي تختلف قليلا أو كثيرا عن معظم أنواع القهوة حتى القهوة العربية، باختلاف البن وطريقة التحضير، وإن كانت تتشابه في طريقة التقديم في الدلة والفناجين مع القهوة العربية.

لماذا تتغافل المقاهي القهوة العمانية التي يمكن أن تُقدم مع التمر والرطب، أو مع الحلوى العمانية، التي بدورها تغيب عن قائمة الحلويات في المطاعم التي تتلذذ بتقديم كل غريب وبعيد منها، وتبتعد عن التواصل مع روح الإنسان، وقيمته وأهم ما يمثله في المكان. الحلوى العمانية التي يلتذ بها كل قادم للبلد، ويسأل عنها كل من يصادفك في مكان آخر، فتستحق أن تتصدر قائمة الحلويات في مطاعمنا.

كما تستحق القهوة العمانية صدر " المينيوهات " في مقاهينا قبل كل أنواع القهوة الأمريكية والفرنسية والإيطالية والتركية، ليس لطعمها الخرافي وقربها من المكان فقط، بل لكثرة عشاقها، ولأنها انعكاس ثقافي للمكان الذي ليس جاهزا ولا طارئا على التاريخ والحضارة ليكون بلا هوية، ولا ملامح ثقافية توضح قيمته يقصدها السياح، ويتلذذ بها الضيوف وأهل البيت.

3.

وقت السينما هو وقت قصير مستقطع من الزمن لصالح الصمت والتحليق، وربما تخليص الروح من بعض العتمة أمام الشاشة الكبيرة، ومن الكثير من المشاعر بتسريبها في الأحداث، والسينما الهندية هي روح الرومانسية الواهمة التي نصدقها برغبتنا، وربما نتشبث بها كأجنحة للأوهام الجميلة، ونزق المعجزات التي لا تحدث .

"الحب مهم للجميع" هكذا يقول بطل الفيلم الهندي في البداية، ولكنه يهرب من الزواج في آخر لحظة، ثم تهرب منه حبيبته في مرة لاحقة، إنه الرعب من الحب المشروط الذي هو ضد الحرية الإنسانية، الفيلم خفيف وغير مبهر، ولم يقل الكثير خارج هذه الفكرة التي أظنها لا تناسب الشرق بمجتمعاته الذكورية القائمة أصلا على استغلال المرأة التي تعيش فيها بلا تقدير عميق، أو حقوق واضحة أصلا. ومع هذا كان جميلا وعميقا في طرح مخاوف الإنسان من الأطر .

4.

أصدر المساء المطعون بالسهاد عارف الزياني، بصوته الممزوج بالدفء والعذوبة والزرقة، صوته الخاص والجارح والذي يشبه البعيد في اكتناه الغياب، واستحضار الأرق، واستيقاظ الغربة الغافية بدلال شوكة في العميق من الروح، ولهفة الحلم الجميل والهش والطري من ذاكرة مالحة وحميمة؛ ليقول عني القليل مما أخرسه الوقت، ويحمل عني الكثير من كلكل الليل الذي يربض على قلبي كالزمن.


5.

لا أعرف كيف يبدع أولئك المنظمون حتى الملل

الواعون حتى اليقظة

الأقوياء حتى الدهشة

الحادون الجادون الصارمون الواضحون

والكتابة الشقية تحتاج عكس كل هذا

6.

في كل جمع كبير، تذهب للداخل بعيدا، فتصطدم بالمرايا الداخلية على حين غرة، لتبصر شخصا يتصدر روحك، يبتسم لك بحنان لا يخلو من القليل من الخبث، إنه يعرفك جيدا، إنه يشبهك تماما في الملامح والتفاصيل، لولا حذافير الوهن، وإشراقات الهشاشة وحكة الوعي، ورأسك الذي أصبح كبيرا بحيث ثقل كثيرا، وصار يتدلى من رقبتك كثمرة ناضجة وعلى وشك التعفن، وملامح الموتى الباهتة التي تعلو محياه وكأنه كائن من عالم آخر، جاء للتو ليتحد معك، لينتشلك منك، ليسمعك أو ليحكي لك لفترة وجيزة، ربما تسأله من أنت؟ هو سيصمت شامتا ومستغربا، أنك لا تعرفه مع ابتسامة صفراء، تحك ذاكرتك لتتذكره، كل السياقات تذكرك به، رائحة الحليب، الطفولة الخاصة، والكذب العفوي، والحزن غير المبرر، والإسراف في كل شيء، الحنين المضاعف، والمراهقة المتأخرة، ومشتركات الأقران، والأثواب المنسدلة، والحب الأول، والموت الأول، والماء الكثير الذي ينز من الروح، والملح الغافي على الأهداب، والكثير الكثير، لولا فروض الاغتراب، إنه يشبهك ويشبه الجمع معا، وأنت الآن في منتصف المسافة بينهما .. بينكما.

منذ متى أنت هنا؟  أو منذ متى لم تعد هنا؟ لماذا كبرت كل هذا العمر الروحي، وكل من حولك أطفالا يسيل حليب الدهشة من أشداقهم؟ ولماذا لازلت يافعا، وكل حواك هرموا ؟

لماذا استطالت بعض أعضائك وضمرت أخرى، في حين احتفظ البشر بهم كما هم يكبرون بشكل مطرد، ويكذبون بلا خوف، ولا رعشات كالتي تصيبك بلا كذب. يأكلون بشهية، ويضحكون بشهية، ويبكون بحذر، وينسون بلا نية مسبقة.

بين الجمع الهائل من البشر تتحسس حواسك المتحفزة للقراءة والتسجيل، وتستشعر جاهزية قرون الاستشعار لإرباكك بفعل الغربة العظيم، ورائحة الاختلاف المقيت، فستحضرك للداخل خفيفا بعيدا غريبا، إلا من حس إنساني، ومشاركة وجدانية، وغير كثير من مشتركات الفعل الإنساني الحقيقي والنبيل، خارج تراتبية الجمع، وتماثلهم الحتمي، ومشروعاتهم المتشابهة، ووعيهم المغلق، وذهابهم الحثيث في التفاصيل والوهم،ستدور في ذهنك أحاديث كثيرة عنه وعنك، قبل أن تؤكد له أنك لا تعرفه وتتبرأ منه، وكلاكما يذهب بخسارته الحادة.

7.

"الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها. إذا افلح المرء في ذلك لا يعود يفاجئه شيء، يسمو فوق كل ما يحدث، يصبح الضحية التي لا تقهر"

سيوران

 

 

السبت، 10 يناير، 2015


فاطمة الشيدي
…………………

أكتب أقل لأبصر أكثر
كعجوز تهمهم بالكلام
لتدرأ عنه البرد
تدثره داخلها
تمضغه بتأن بين فكيها الأدردين
ثم تلقي بالمعنى البسيط في خفة الغياب لمحدثها
وتمضي في الضحك وهي تضع يديها (المتكرمشتين) على وجهها

كأم تشوي الأحلام في الفرن
كي تقدمها مقرمشة لصغارها
وخالية من الكرستول

كجد يحرث أشجار الحديقة كل صباح
كي يتشرب روح الأرض
ورائحة الليمون
وحين تقف الطيور على رأسه
وهي تحسبه خيال مآته
يغني معها أغنيات الحصاد والهجرة

فالكتابة أفيون يحول بيننا وبين حقيقة الأشياء
من سيوف العالم اللامعة
وخيباته الرفيعة
وجنونه الغزير
وقبحه الوفير

أكتب أقل
لأشعر أكثر
وأحب أكثر
وأتألم أكثر




الثلاثاء، 6 يناير، 2015

شرفات - جريدة عمان 6 يناير 2015
فاطمة الشيدي
1.
أكتب كراقصة باليه عرجاء
تتخبط في الحركة، ولكنها لا تتنازل عن حلمها
كسلحفاة بحرية تعيش في حوض سمك
ينظر لها الصغار بغبطة
كعازفة بيانوعمياء
تتحسس المفايح بروحها المبصرة
كشحاذ على طريق مجهول
يدرك أنه لن يتحصل على المال
ولكنه يلتذ بالانتظار
كعامل نظافة عجوز يرى في الشارع بيته
وفي كل عابر ابن سيحتضنه يوما
أكتب الحياة بزاوية النقص
وبدمعة تترقرق في العيون
لأن الكمال وهم
والسعادة فكرة
2.
2014 كنت كثيرة وجميلة لتكوني ولادة جديدة حقا للقلب والعقل، فشكرا لك، وشكرا لكل يد بيضاء، وقلب نابض بصدق أضاء أية لحظة من لحظاتك بفرح أو أمل. وأهلا بك 2015 ولتكوني لائقة بانتظار المترقبين، وأحلام الحالمين، وأوجاع الغرباء.
3.
ليلة رأس السنة
نقف في البرزخ الزمني بين عامين
نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة
كأم على فراش الموت توصي صغيرتها
وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء
تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها
بخشونة وألم
عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا
وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة
فأشعلت لحظاتها بالفرح
وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر
عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم
والكثير من الحب الذي أضاء قلوبا خدرها الوجع
عن صرخات أقلقتها
ونظرات أربكتها
ودموع أرهفت لها السمع
عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير
وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب
بصعوبة وحشرجة تقص 2014 حكايتها الطويلة
لطفلتها القادمة 2015
ربما على سبيل العبرة والعظة
وما هي إلا لحظات وتنفلت يد من يد
لنتمرأى صورنا في مرآة منكسرة بينهما
نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام
ونصلي ليكون القادم أجمل
قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد
ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث
4.
كان الحفل الموسيقى «شدو المقام» الذي قدمته جمعية هواة العود في قاعة عمان بفندق قصر البستان 23 -12، ارتقاء للروح وصعودا بها في مدارج اللهفة والشجن، واغتسالا من أدران المادة وماران على الحواس من صدأ اللهاث في معترك الحياة، وحفرا لينا لأخاديد اللذة، وبؤر النشوة الدافئة، وأجنحة نبتت من الحميم العميق لتحلق بنا في الرفيع الشفيف من المطلق، حيث كانت تجليات الموسيقى شدوا يخترق الروح، ومقامات تحرك الوجدان، وكانت المقطوعات الكلاسيكية والعربية التي عزفت بمهارة واحتراف، تدغدغ الدواخل فتتمايل معها الأجساد، وتذهب في شغف الهيام بكل لون موسيقي، وتتعالق مع صوت كل آلة، وأصابع كل عازف. حتى لكأنها نهر عذب يسقي يباس الأرواح، ويسري عن آحزانها، فتنبسط القلوب كلما قبض عازف على وتره، أو أرخى ريشته أو تمايل مع آلته، وتتحد الأرواح بلغة يفهمها الجميع، ولذة يتشاركها الكل كلغة الابتسامة أو الدموع التي لا تحتاج مترجما ولا تفترض دليلا أو مرشدا.
وكان العود سيد الآلات، وروح الموسيقى العربية يتهادى بخيلاء الأجمل والأقرب، ليفرض حضوره المهيمن بوضوح ودلال، ليأخذ الجميع في مداه الواسع رضوخا واستعذابا وانبهارا، فتتصاعد أرواح الحضور مع صدى لهفته، وانبعاثات رقته، وتتثنى مع انبثاقات اللحن من ثنيات أوتاره، وحفيف ريشته، لتستعيد الذاكرة تاريخه، وحضوره، ونجواه في قلوب عشاقه على مر الأزمنة والأمكنة.
فبوركت الموسيقى لغة القلوب، وهمس الأرواح، وبورك صناع الجمال أينما وجدوا، الذين يغيرون وجه العالم للأجمل دائما، ويرفعون إنسانه للأرقى والأبهى.
5.
مواقع التواصل الاجتماعي أشبه بحفلة تنكرية، الجميع يرتدي ملابس مختلفة، ليس بالضرورة أن تكون أجمل، يكفي أن تكون مقلوبة أحيانا، أو باهتة من شدة الغسيل، أو لامعة بشكل مبالغ فيه كذاهب لعرس شعبي، أو داكنة كاستعداد لحفل تأبين.
اللقاء في هذه الحفلات يكون هادئا أحيانا كابتسامة صفراء بين عابرين، أو تلويحة خاطفة بين صديقين على عجل من أمرهما، وأحيانا قليلة يكون ذلك اللقاء حميما وصادقا بين من نعرف أو من نبحث عنه،ولكنه غالبا يكون صاخبا بخلفية موسيقية عالية تعيق الفهم كحوار فلسفي في مرقص، أو حديث بين مجموعة من الصم، كل يقول ما يخطر على باله، ولا أحد يدرك مسعى الآخر، أو يحاول فهمه لينطلق منه في الرد عليه.
في تلك الحفلات الجميع يغير زواياه بين الفينة والأخرى، ليحظى بأكبر قدر من الانتباه أو المتعة، وربما يرفع صوته ليجذب السامعين، أو يرفع نخب أحدهم ليشاركه الحضور.
وصدفة وربما بعد زمن، تنتبه لوجود عازف أو عارف في زاوية ثابتة، مخلص للفكرة، يؤدي صلاته/مقطوعته باتقان وصبر، كنبي يدعو لرسالته بوعي وإيمان، معتزلا الجمع، قابضا على مضمون رسالته. هناك فقط، عليك أن تخرج للشرفة، وتوليه روحك لتستمع بشيء حقيقي.
وقد يحدث هذا كثيرا وجميلا، ففي الحياة وهذه المواقع يتوالد الجمال وتتجدد الرسالات، ويحظى المؤمنون المخلصون بالخير والحب والجمال، بدهشة الاكتشاف وحبور الرؤيا كلما خرجوا لشرفة الكون، واستعذبوا عزفا ما أو صدقوا عارفا ما.
6.
أحببت التفاصيل التي صنعها بمهارة وحب جماعة اللسان العربي في الجامعة ضمن برنامج احتفالهم باليوم العالمي للغة العربية المتنوع والحافل بالفعاليات، ففي قراءة موازية جعلوا اللغة مهمة لحياة الإنسان كالماء، حلوة كقطعة حلوى، وخالدة كمقولات ونصوص لا تنسى، وتشكل عصب اللغة وذاكرتها الحية.
هذه التفاصيل قد لا تفيد العربية، ولكنها تعبر بشدة وجمال عن حبهم لها، وترسخ يوم 18-12 في الذاكرة الجمعية «ضمن الحيز الجغرافي المتاح لهم» وتذكر بأهمية الاهتمام بالعربية والفخر بها، وهي بزاوية مقابلة ترصد الحماس الروحي لهذه المرحلة العمرية بأي فكرة نبيلة؛ وكيفية التعبيرعنها بالمحبة والتفاصيل الدقيقة. فاللغة كائن حي تتنفس وتحيا بمحبتنا وحرصنا عليها، فلنكتبها ولنعيشها بحب ووعي وعمق.
7.
«إن كل ما في الأرض من شراب اللوز والتفاح والورود .. لا يعدل في لذته لحظة واحدة من سكينة القلب»
مصطفى محمود

الخميس، 1 يناير، 2015

تناسخ


فاطمة الشيدي
....................

كأنني لست أنا حين أكتب
تتلبسني روح أخرى
بل أرواح كثر
كأن السماء تقترب أكثر
والأرض تستدير أكثر
صوتي يصبح أعلى
وعيني تصبح أوسع
وأصابعي تستطيل كشجر الغابات الاستوائية
وتثمر فواكه مختلفة اللون والطعم والرائحة
حين أكتب أصبح كائنا مختلفا
كائنا فضائيا من كوكب آخر
له حواس إضافية وقلب إضافي
بل مجموع كائنات كثيرة تتناسخ على الورق

 

السبت، 27 ديسمبر، 2014

زنجبار في سيرة امرأتين من عُمان: التاريخ والجغرافيا وحضور الإنسان في المكان

 

فاطمة الشيدي


ما أن وقع في يدي كتاب «العائدون حيث الحلم» للكاتبة والناشطة العمانية حبيبة الهنائي، حتى أجهزت عليه في فترة متقاربة جدا، وهو الذي لن يضن عليك بذلك لصغر حجمه، ووضوح فكرته. وهو عمل تدفعك لقراءته عدة أسباب، أهمها موضوعه الذي يشكل ذاكرة عمانية تحيلك لجزء منك تاريخيا وجغرافيا، مع ما يحركه من شجن الفقد، وذكرى الغياب، وما يثيره في نفسك من فضول المعرفة والرغبة في فهم دواعي الحضور، ومسببات النهاية هناك.
والكتاب يحكي حلم عائلة عمانية في العودة لأرض الوطن، ومعاناتها في الهروب من زنجبار إلى عمان بعد الانقلاب الذي حدث هناك عام 1964، والذي استقصد العرب والمسلمين بشكل خاص، وتفاصيل ذلك الهروب بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في عمان 1970، وفتح الباب للمغتربين من العمانيين في أصقاع المعمورة هربا من ضنك المعيشة، وسوء الأحوال الاقتصادية؛ للعودة والعمل في بناء عمان الجديدة.
قسمت الهنائي الكتاب إلى أربعة أقسام، بعد المقدمة التي تحدثت فيها عن فكرة الكتاب ومضامينه الإنسانية، وطريقة حصولها على المعلومات التي حدثت غالبيتها قبل ولادتها أو في فترة طفولتها المبكرة جدا. وقد تناولت في القسم الأول «المكان والإنسان والحياة»، متحدثة بنوع من النوستالجيا عن سلطنة زنجبار بطبيعتها الخلابة، وممكناتها المعيشية الكثيرة والمريحة، ورغدها الاقتصادي، وتقدمها الخدمي في الصحة والعلم والسياحة وغيرها من المجالات الحيوية، كما تناولت وضع العمانيين مفرقة حسب ما جرت العادة هناك بين من ولدوا في عمان وجاءوا إلى زنجبار، أو من ولدوا في زنجبار، وتفاصيل حياتهم، وطقوسهم المعيشية، ولغتهم، وعلاقتهم مع الوطن الأم.
وفي القسم الثاني «العيد وحميمية الليسو»، تناولت ثقافة الحياة والناس هناك، وتفاصيلها الممتدة من الليسو وهو غطاء الرأس للنساء، والطربوش الذي يستخدمه بعض سكان زنجبار كعلامة على التحضر والتمدن ممن يسمون أنفسهم عربا، أكثر من كونهم عمانيين منتمين بذلك للثقافة العربية، أو المصرية تحديدا، ومتعالقين معها، حتى مظاهر العيد في زنجبار وطقوسه المتعددة والمتنوعة بين الريف والمدن، والمختلفة بين عائلة وأخرى حسب أصولهم وانتماءاتهم العرقية: التعليم الذي يجمع بين الديني والعام، والمهن التي يمارسها السكان مثل «الزراعة وصيد الأسماك وتربية المواشي وتجارة القرنفل والنارجيل»، والطعام بأنواعه وكيفية إعداد بعض أصنافه وحفظها، وعادة دفن الموتى، والوسائل الترفيهية مثل دور السينما والفرق الموسيقية، والانفتاح على المدنية الغربية في اللباس والحياة بتأثير المستعمر البريطاني.
وفي القسم الثالث، «في الميلاد والمعاناة والألم»، تتحدث الهنائي عن حياتها الشخصية بما في ذلك ولادتها التي جاءت بعد عام واحد فقط من الانقلاب، بقيادة كارومي وحزبه الأفروشيرازي بدعم من الإنكليز، والذي حول حياتهم رعبا بسبب انتماءاتهم العرقية العربية التي استهدفها جيش كارومي ذلا وجوعا وعنتا وملاحقة وسجنا وتعذيبا.
وفي القسم الرابع، «في العودة والوطن والحلم»، تتحدث الكاتبة عن العودة بعد أن قام رجال كارومي بزيارتهم وطلبوا من أسرتها التخلي عنها للانضمام للفرقة الموسيقية العسكرية للنظام، مما عجّل بمخطط الهرب الذي كان حاضرا في ذهن العائلة منذ أول لحظة للانقلاب، وهذا ما حدث فعلا فعبر مركب صيد تتقاذفه الرياح والأمواج خرجت الأسرة على مرحلتين سرا في مخاطرة جسيمة متنقلين من بيمبا إلى تانجا، إلى دار السلام ومنها إلى تنزانيا ثم القاهرة فدبي فعمان.
ولم تكن عمان في ذلك الزمن بالحلم، إلا لفكرة الوطن، وحضنه الحنون مهما قلت ممكناته، والأمان لهارب من جحيم سعار دموي للقتل كما في جيش كارومي، فلم تكن بها أبسط وسائل الحياة العصرية، لذا عانت الأسرة الكثير، وذكرت الكاتبة بوصف تفصيلي الظروف الإنسانية الصعبة التي عانتها الأسرة بعد العودة.
ولقد جمعت الهنائي في الكتابة بين ذاكرتين، ذاكرتها الطفلية، وذاكرة عائلتها ـ التي تورع الكثيرون عن الاسهاب في تفاصيلها خوفا أو رغبة في نسيان تلك المعاناة، كما أوضحت في المقدمة ـ فنقلت صورة عامة عن زنجبار «الفردوس العماني المفقود» كما يحلو للبعض تسميته، والتفاصيل الدقيقة للهروب والعودة للوطن، وهو الأمر الذي لم يمنحها مساحة كبرى للكتابة من الداخل بتشعب أكثر، فجاء الكتاب في 108 صفحة من الحجم الصغير فقط.
ويمكننا القول أن زنجبار لم تكن يوما غائبة عن الذاكرة العمانية القديمة والجديدة، فبالإضافة إلى انتماء الكثير من أبناء الوطن بعلاقات وأعراق وذاكرة متينة مع ذلك الجزء الأفريقي، هناك العديد من الكتابات التي صدرت قديما، وحديثا؛ توضح تلك العلاقة التاريخية بين زنجبار وعمان، ولذا فما أن انتهيت من قراءة هذا الكتاب حتى استحضرت الكتاب الأكثر حضورا وشهرة وتفصيلا للحياة من جميع نواحيها؛ الإنسانية، والسياسية، والثقافية للحضور العُماني في شرق أفريقيا، أي «سلطنة زنجبار». الكتاب الأسبق زمنيا في الفترة التأريخية للحياة هناك، وهو «مذكرات أميرة عربية» للسيدة سالمة بنت سعيد، أو «البرنسيسة»، أو إميلي رويتي كما أصبح اسمها فيما بعد.
سبب الاستحضار يعود ربما لوجود امرأة راوية في كلا الكتابين، تنطلق من سيرتها الذاتية، لتقدم وصفا أشمل وأعم للإنسان والمكان هناك. تحكي السيدة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان، سلطان عُمان وزنجبار والتي عاشت بين (1844-1922) تقريبا، بضمير المتكلم، قصة حياتها في خمسة وعشرين فصلا وفي 317 صفحة. والكتاب ـ الذي لا يخلو من النوستالجيا المكانية والإنسانية لامرأة عربية، وافرة الحظ والمال والجاه، فارقت حياة الترف والقصور، لحياة أقل منها، مهما كثرت مغرياتها واتسع مداها في الحرية والمعرفة والمدنية، تبقى مختلفة تماما عن حياتها السابقة في العادات والتقاليد، والطبيعة الإنسانية والمكانية ـ كُتب باستعادة حنينية لكل مظاهر الطفولة والصبا، بكل التفاصيل الممكنة التي تتيحها الذاكرة المتعلقة بالزمن، والمتعالقة مع المكان، بعد زمن ليس قصير من حياة أخرى تماما، حيث تتحدث عن بيوت أو قصور والدها السلطان « بيت الموتني، وبيت الواتورو، وبيت الساحل»، مفصّلة الحديث عن شخص السلطان وسماته، وعلاقته بأهل بيته ونسائه وأطفاله وحاشيته، وتعامله المتسم بالدماثة والمحبة مع الجميع، ممتدة في الحديث عن العادات والتقاليد المتعلقة بالنساء والأطفال والخدم والعبيد وطقوس الحياة والسهر، والحياة واليومية بكل تفاصيلها الدقيقة والمتشابكة، والعلاقات الإنسانية القائمة على المحبة حينا، والحسد و النميمة والمصالح أحيانا أخرى بين أهل هذه البيوت، وتربية الأطفال وتعليمهم، وأزياء النساء، والنزهات في المزارع وغيرها من أمور حياتية وإنسانية.
كما تناولت علاقة زنجبار بعمان، والحالة السياسية في عمان وزنجبار، ورحلة السلطان إلى عمان بين فينة وأخرى لإقرار الأمان، وردع كل من تسول له نفسه زعزعة الأمن في الوطن الأم، وكيف توفي في إحدي هذه الزيارات، وصراع أبنائه على السلطة، ورغبة ثويني في الثورة على أخيه، والتفاصيل السياسية لمحاولات الانقلاب الفاشلة تلك، وأسهبت في ذكر بعض أخوتها وأخواتها من أبناء السلطان.
وذكرت ـ بنوع من التجميل الذي يحرّكه الحنين والاغتراب ـ وضع المرأة في الشرق، والخطوبة والزواج في بلاد العرب، والرقيق، وبنوع من الموضوعية التي يظهر للقارئ أنها تحاولها جاهدة، وإن خانتها في كثير من المواضع نظرا للشوق والحنين والتعلق بالمكان الذي يحركها، وصفت الزيارات بين النساء، ومجالس الرجال، والطب والعلاج، والصيام والأعياد، والمؤامرة والفتنة التي شاركت فيها ضد أخيها ماجد مع برغش محبة لأختها خولة وانصياعا لرغبتها، وتورعا عن خذلانها لمكانتها العالية في نفسها، وما حدث لها بعد فشل تلك المحاولة، من هروب نفسي وانقطاع عن الآخرين، ثم المصالحة مع السلطان ماجد وكسب وده مجددا.
ثم روت كيف خرجت من زنجبار للزواج من الشاب الألماني هذريخ روث، ووفاته بحادث بعد ثلاث سنوات من زواجهما فقط، تاركا لها ثلاثة أطفال، وتركة كبيرة من الوحدة والأسى، التي حاولت معها محاولات جادة وحقيقية العودة لوطنها، إلا أن أخيها برغش وقف ضد ذلك الحلم، ومنعها منه، وكذلك خذلتها الدبلوماسية الإنجليزية في ذلك المسعى حين لجأت لهم لمساعدتها في تحقيقه، لأنه لامصلحة لها في ذلك، بل لعل العكس هو الصحيح، فتصالحها مع أخيها وعودتها للوطن بعد وعي ومعرفة الوضع الأوروبي ليس في صالح بريطانيا.
ثم تصف السيدة سالمة في الفصل الأخير من كتابها، كيفية تحقق ذلك الحلم العظيم برعاية ألمانية أخيرا، وتفاصيل رحلتها لزنجبار، وتنقلها ـ على مضض من أخيها وكراهية منه ـ في وطنها وبين أهلها بفرح جم، والكثير من الحب الذي تحصّلت عليه من الناس هناك، والذي جعلها تختتم هذه السيرة الحنينية ببعض النصوص الشعرية. تماما كما فعلت حبيبة الهنائي أيضا في استشهادها بنص يجمع بين اللغة العربية والسواحيلية، لبيان عمق وحميمية التلاقي المكاني عبر الإنساني واللغوي، وترسيخ لعمق الذاكرة التاريخية التي تظل شاهدة على حضور الإنسان في المكان، وحضور المكان في الروح واللغة الإنسانية معا.
حبيبة علي الهنائي: «العائدون حيث الحلم». دار الانتشار العربي، بيروت 2013. 108 ص.
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 23 ديسمبر، 2014

سونيتات 23-12

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات

1.
في رمال الشرقية؛ لم أفهم فيم كانت تفكر المرأة الحامل وهي تضع يدها على بطنها، وتتلفت يمنة ويسرة قبل أن تدلف لأي مكان في المكان
هل كانت ترقي جنينها؟ أم تسأله الوجهة التي يريد أن تسلكها كبوصلة عشق داخلية
كما لم أفهم نظرة الرجل العجوز للطفل الذي كان يسبح في الرمال كأنه البحر تماما، وللطفلة التي تحلق كفراشة على دراجة تحرث الرمل
تبادر لذهني أنه يغبطهما لكل تلك الخفة
ولكن دائما ثمة احتمالات أخرى
تماما كما لم أفهم النشيج الغريب في صوت المغني، وهو يغني أغنية جارحة لطلال مداح
ولا الضحكات المتناثرة في المدى، وعلاقتها بهديل الحمام الذي كان يشتعل في خلفية رأسي ما أن أسمعهم
ولا حتى الفرح البادي على محيا السماء، بينما تكركر الأرض كأم ممتلئة تحت أقدام الصغار
كما لم أستوعب الكثير من الجمال العالق في أهداب السمرة الحسناء التي كانت تلوّح لنا، وتبتسم بغنج أخاذ في غابة السمر المحاذية للمكان ونحن نغادر
ولا حتى ذلك الكائن الوديع الذي اختار الموت -بتوقيت دقيق لعاشق قرر الانتحار من فرط اللهفة- على حد عجلاتنا التي كانت تصفر وتغني جذلانة على صوت فيروز
ربما لأنني كنت مشغولة طيلة الوقت بحديث جانبي طويل وشائق مع الرمل، عن الغزاة والليل والحب الذي مر على المكان عبر الزمن
2.
السفر؛ تلك الأجنحة التي نستزرعها بين فينة وأخرى
اللهفة التي نربيها كلما تبلدت المشاعر
أو أعتمت الحياة
أو تقلّصت المسافات بيننا وبين الجديد
ال(هناك)؛ الذي نسعى إليه كلما ران على أرواحنا الضجر
أو تكدس الثلج على عتبات قلوبنا التي لا يدخلها أحد
أو أسنت بحيراتنا الدافئة في مواسم العشق
أو غامت الشمس عن سماواتنا الطروب بالأمل
وفرغت قلوبنا وحقائبنا من الدهشة
واستبد بنا الحنين لما لا نعرف
البعيد الذي يدلل حضورنا خارج ال(هنا)
كلما أورق الفراغ في الحنايا
وأينعت الوحشة في الدروب
المجهول الذي نسعى إليه مقامرين كضربة حظ جذلى
إذا تكور المعلوم ثقيلا
كهم يرزح بثقله على مسامات الخفة داخلنا
النبيل كيد بيضاء لا نعرفها تمسح على جراحنا بحنانات أم
كلما كثرت الطعنات وتعاظم الوهن
العذب كرشفة قهوة عجلى على ناصية غربة ما
المربك كتلويحة عاشق في البدايات
اللاشيء الذي نسعى إليه بشغف الظمآن للماء
كلما أكل الصدأ قلوبنا، واستشرت الحرائق في الجوانح
وليس إلا قليلا حتى نسقط من دواخلنا الوحشة الغامرة
على أرصفة البعيد
ونضحك كثيرا بفرح قصي، ونحن نتشرب صوت ارتطامها المدوي
رويدا رويدا
ونستكشف السراب
لنعود فارغين من الضيم والألم
ممتلئين بالحنين والشوق
نعود جاهزين لرحلة أخرى من اللهاث والعبث
تنتهي باللاجدوى والسعي للبعيد من جديد
3.
أصبح وجود كتاب في المنهج الدراسي؛ يُعنى بغرس القيم الرفيعة وأساليب التعامل الحضارية والإنسانية (الصدق والأمانة والرحمة والعدل والمساواة والتعددية واحترام الآخر وغيرها من القيم) في الوعي المبكر للطفل؛ ضرورة تعليمية حتى يشتد عوده مؤمنا بها ومطبقا لها.
كتاب تشتق قيمه من الدين والحياة معا، ويدرّس بشكل منهجي نظامي إجباري، ويكون متنوعا بين الفعل والتنظير، لننجو بغدنا من تهاوي القيم والتناقض العميق في التكوين الإنساني بين التنظير والتطبيق.
4.
ماذا لو أن كل مسجد في بلادنا (مهما كان صغيرا) يحوي مكتبة تخدم الحي الذي بني فيه، مكتبة متنوعة وغزيرة المعرفة، لكل الفئات العمرية، والتيارات الفكرية الحديثة والماضوية، يمكن أن يساهم أبناء الحي والمنطقة في إثرائها.
ويكون المؤذن هو أمين المكتبة فلا يقصدها الناس وقت الصلاة لأنها تغلق، وربما شجعهم الأمر على الصلاة إذا كانوا يقرؤون بها وحان وقت الصلاة. مكتبة للقراءة العامة، ويمكن استعارة الكتب مجانا لوقت محدد، أو فرض رسوم قليلة تعود لصالح العناية بالمكان أو راتب مساعد لأمين المكتبة.
هنا سيتعدد دور المسجد بين الدنيا والدين، وسيعود للمسجد دوره التاريخي في التثقيف والتنوير والتفكير، فسيكون دوره أكبر من مجرد مكان لأداء العبادة وهي حالة روحية تخص الفرد نفسه. بينما المكتبة حالة مجتمعية تفاعلية، وربما تلقى فيها بعض المحاضرات الثقافية والصحية وكل ما يتعلق بالحالة المجتمعية العامة.
وهنا سيكسب القائمون على المسجد أكثر من أجر ببناء دار عبادة من جهة، ومصنع بناء عقول تذهب بالمجتمع للغد الأجمل من جهة لا تقل أهمية عن الأولى، ولأننا كيانات اجتماعية سياسية في المقام الأول والأخير فكم نحتاج لقرار سياسي لتفعيل هذا الشق القديم والعظيم لدور المسجد!
5.
ليس من ضرورات الوعي ولزوميات الثقافة الخروج على الدين، تماما كما أن الخروج على الحياة والمدنية والثقافة والرجوع للخلف ليس من ضرورات الدين ولزومياته إطلاقا (كما جاء في كتاب الله في الأقل). ولذا يمكن لهما أن يجتمعا ضمن المكونات العميقة والمتعددة للإنسان المتكامل.
فالدين مكون روحي والأجمل أن يظل كذلك، ولذا فليس هناك ضرورة لوجود جبهات متعددة يحارب كل منها في اتجاه (وما يحارب إلا الطواحين) أو يحارب كل منها الآخر، فالدين ليس ضد الحياة، والمدنية ليست ضد الدين.
وباستيعاب هذه الفكرة، ومنح مساحة للكيفية التي يتم بها التعبير عن ذلك، وكل بطريقته وبحرية تامة، يمكن لأم الصدع في ثقافتنا العربية المتشظية منذ زمن بين تيارين يتفرعان أبدا وتكثر الجداول والفئات ويكبر الشرخ كل يوم.
6.
Super Hibrid، لم يكن هذا الفيلم مختلفا عما شاهدته (جبريا حسب العرض)، على مدى شهر ونصف تقريبا من أفلام الأكشن، الذي يبدو أنها الرائجة في دور العرض هذه الأيام، ربما وفقا للطلب وسياسة (الجمهورعايز كدا).
الفيلم الذي يدور حول السيارة الوحش أو الكائنات الغريبة التي تتقمص شكل سيارة وتتنوع في موديلات وأشكال مختلفة منها، وتهاجم البشر وتلتهمهم حين تجوع، في تنويع أمريكي على الغرائبية والخيال العلمي التي تبدو أحيانا كثيرة سمجة ومملة وغير محتملة التصديق، والتي أي هذه الكائنات أصبحت عصرية جدا كما يبدو لتتخذ شكل سيارة.
هذه السيارة/الكائن الذي يجوع ويبحث عن طريدة لالتهامها بين الفينة والأخرى، وبعد عدة حوادث غريبة في الشارع تلتهم خلالها مجموعة أفراد، تصل لكراج سيارات وتبدأ في التهام العاملين فيه حتى يتم التعرف عليها من خبيرة سيارات ذكية، ومن ثم يحاول الفريق التصدي لها ولكنها في النهاية تلتهم أغلب العاملين فيه، قبل أن يتم قتلها ببعض الحكمة والكثير من الحذر من تلك المرأة.
يظهر الفيلم فكرة أن القيادة هي الوعي والحرص على الفريق ومحاولة انقاذه، ولا تتطلب قوة جسدية في المطلق، فالمرأة قد تكون القائد الأنسب أحيانا، وليس التسلط كما يظهر بشكل سلبي في شخصية صاحب الكراج العسكري المتقاعد، المهووس بفكرة السيطرة والقيادة، وتغليب مصلحته ورغبته في الظهور، والتفرد بنشر خبر السيارة للحصول على المال، ولو كلفه ذلك حياة كل طاقم العمل، والذي للأسف خسر حتى فكرة الظهور والتفرد بظهور أكثر من سيارة من ذات النوع.
المشكل في هذه النوعية من الأفلام هو تقديم فكرة الموت بشكل مجاني وبسيط، وربما مبرر لصالح حياة فرد (البطل) أو فكرة، وكأن ثمة أفراد يستحقون الحياة وآخرين لا، أو حتى بشكل متفاوت ضمن هذا الاستحقاق الممنوح من قبل الرب أصلا، وهذا ما يعيشه العالم اليوم بعنف وقسوة حيث القتل الجماعي المجتث لصالح فرد أو فكرة قد تكون قبيحة أو بشعة، وحتى لو كانت نبيلة فهي أقل من أن تكون مبررا لحصاد كل هذه الأرواح، إن هدف الفن ووظيفته كما يفترض هو رفع قيمة الإنسان وإعلاء قيمة الحياة، فمن ينتبه لصناعة الموت التي تحاصرنا وتصدر الموت بكل هذه المجانية والسهولة!؟
7.
«لا عرش لي إلا الهوامش»
محمود درويش

الاثنين، 15 ديسمبر، 2014

القصيدة ليست كلمات فقط
هكذا أخبرتني ذات همس
القصيدة هي تلك الشجيرات التي تنمو على حواف الروح
والأمكنة
عناق الزرقة
وتلبس الاخضرار
رقصة عفوية تحت المطر
وحفيف الموسيقى في الجسد
تسري برفق فيتثنى بخفة وليونة
تلك الارتعاشة  الجارحة والمغتسلة بالدمع
حين تزهق روح أو تسفك قطرة دم
في مكان ما من العالم
هي تلك الغمامة من الحزن الطاعن حين يختنق العدل في مكان ما
أو يمنع الخير
أو تكبل العدالة
القصيدة تشبه مواءقطة مشردة في شارع جانبي معتم
أو نباح كلب يحرس الليل
وتشبه عجوز حالمث تبتسم ابدا لقوس المطر
وترقب شروق الشمس كل يوم
وتشبه جرة فخارية أقدم من التاريخ في زاوية مهملة من مطعم للوجبات السريعة
القصيدة نزوة رجل يريد أن يختبر مشساعر الحب في التسعين
وامرأة تدفن قلبها مع عشيقها وهي في ريعان الصبا
القصيدة كون واسع الاحتمالات والجمال

السبت، 13 ديسمبر، 2014

الحياة خارج الحياة

 

فاطمة الشيدي
بين مقولة ماركيز «تعلمنا كل شيء عن الحياة، إلا كيف نعيشها»، وعنوان رواية كونديرا «الحياة في مكان آخر»، يلخص حال مجتمعنا العربي المريض بكل أنواع العقد، وأشكال التأزمات النفسية الناتجة عن الذهاب المطلق وراء الأعراف والتقاليد البالية التي نقدسها ونعيش ضمنها، حتى أصبحنا نعيش حياة خارج الحياة تماما، أو لعلنا لم نتعلم يوما كيف نعيشها فعلا. ومع أننا نحب الحياة كما قال درويش، إلا أننا لم نستطعها بشكلها الناصع والجميل بعد، فنحن لم نعرف، ولم نحاول أن نعرف، كيف نتعامل مع أنفسنا، ومع الآخر، ومع الحياة بحب، أو كيف نحيّد الآخر لنعيش بجمال وصدق مع الذات، وكيف نخلق أسباب الحياة البسيطة والصادقة لنحيا بها حياة سليمة وصحيحة.
إننا نعيش الحياة كما فرضت علينا، أو كما رسمها الآخر «السياسي/ الديني/ الاجتماعي» لنا، تلك الحياة التي لا نريد، ولا نحب، ولا تناسب أفكارنا وتوجهاتنا وأحلامنا الإنسانية، لذا نموت ونحن لم نعش الحياة أصلا.
بل والكثيرون منا لم يفكروا يوما في مفهوم السعادة، ومدى تحققها في حيواتهم، ولا يستحضرونها إلا بتحقيق الصورة النمطية التي يقرها المجتمع بأعرافه البالية، وإنسانه الذي لا يقرأ، ولا يبحث، ولا يتعلم، ولا يسافر، ولا يحاكم المألوف، ولا يفكك الجاهز، ولا يرتاب في السائد، ولا يسأل عن المجهول، ولا يحاكي الآخر البعيد بجماله العميق والبسيط معا. السعادة التي تعني غالبا لدى الغالبية منا، الكثير من المال المكدس، والنفاق الاجتماعي، والتصنع في كل شيء، والقليل من الحب والخيارات الفردية، والمعايير الذاتية.
الأمر الذي انعكس سلبا على حيواتنا بكل جوانبها، من أجسادنا التي تخضع للسلطة الجمعية في ما نضعه في جوفها، وما نلبسها إياه، وما نهمله من حركة ورياضة تحتاجها، حتى عقولنا التي ران عليها السبات خارج فكرة الوعي والقراءة والمساءلة والفهم، وداخل التحزبات العرقية والجغرافية والتاريخية والدينية والطائفية. لنتحول إلى بشر مستنسخين، نستنسخ بشرا لاحقين، ليتحد ثلاثة أجيال في الشكل والمضمون، دون أن نفكر في حاجاتنا وحاجاتهم، وعصورنا المتفاوتة. ولا نفكر لحظة في آليات الخروج من هذا الحال، أو الاستمتاع بالحياة بشكل آخر مختلف وحقيقي، متخففين من أثقالنا الكثيرة، وقيودنا الكبيرة، وكذبنا الوفير، بأن نمشي حفاة على البحر مثلا، أو نلعق الآيسكريم في شارع مزدحم بالمارة دون أن نأبه بهم، أو نقهقه بصوت عال، وبفرح حقيقي حين نحتاج ذلك أو يعن على أرواحنا نزق محبب وجذل عميق، أو نلعب الكرة مع أطفالنا في مكان عام بكل أريحية وبساطة، أو نمسك يد من نحب في مكان عام، أو نمازح عامل النظافة في الشارع القريب من بيتنا بخفة وبساطة، لنخفف عنه ثقل يومه ونذكره بإنسانيته التي قد ينساها في خضم عمل ليس له سوى نظرة الاحتقار، أو نمشي الهرولة في الزقاق المؤدي لبيتنا، دون أن نخشى نظرات الجيران المتلصصة بريبة الجنون، أو نخرج ونحن نرتدي «بيجامة» لنشتري الحليب في الصباح من أبعد محل عن البيت، أو نزرع شتلات الورد بأيدينا أمام البيت في مواسم الزهر، أو.. أو.. من أمور يراها البعض طبيعية جدا، وبسيطة جدا، وقد تصل لدرجة التحريم والتجريم في مجتمعاتنا المعقدة والمحكومة بالنفاق. فأن نشاهد شخصا يركض، أو عاشقين يشربان القهوة بكل دفء وحميمية، أو عائلة تأكل في مكان مفتوح بكل فرح وبساطة، أو رجلاً يقرأ على البحر أو يمشي مع كلب أو قطة وغيرها من مظاهر الحياة البسيطة والمتاحة كحق للجميع… لا يبدو الأمر في مجتمعاتنا طبيعيا جدا، ولا حتى مألوفا وسائدا، بحيث يشكل ظاهرة يومية، بل قد يبدو أحيانا كثيرة عجيبا ودخيلا ومريبا حتى يستنجد البعض بكل الأعراف المجتمعية والدينية في داخله، ويحاكم هذه المظاهر الطبيعية بأنها آثمة وآبقة وخارجة على قوانين الركود والكذب، وعلى ثوابتها، وكسر لقيودها.
وكأننا نعيش في قواقع نراقب بعضنا بعضا عبر نوافذها، ونرتاب لكل جديد، ونكفّر كل خارج على أي نمط من أنماط الحياة السائدة، غيرة وحسدا، وخوفا، لأننا لا نستطيع القيام بتلك الخطوة التقدمية في الخروج والمبادرة، ولذا فالأسهل الانتقاص والسخرية من الآخر في لباسه الجديد، أو نمط حياته المختلف. أو محافظته على صحته الجسدية أو النفسية أو العقلية، والتمتع بكل مظاهر الحياة الطبيعية والإنسانية والإبداعية.
فالجميع متمترس خلف سمت وهمي، وهيبة مصطنعة، وأخلاق كاذبة، في حين يخون كل هذا في الخفي والبعيد من أعين الناس، بل يخون حتى نفسه أحيانا.
وحين جاءت الثورات السياسية في الزمن القليل الآفل، والتي كان الواعون من المجتمع ينتظرونها ثورات عميقة ومغيرة لكل هذه الأحوال المريضة، كانت ثورات جمعية أيضا، فأغلبية من خرجوا إليها لم يكونوا على مستوى الوعي والفهم الفردي الجدير بالثورة، بل خرجوا تضامنا مع الآخر، دون تفكير ولا وعي في أهدافها وغاياتها، بل بخضوع ضمني للمستبد الجمعي الضمني الذي يحركهم، والذي تتغير ضمنه القبيلة الجاهلية، من مستواها القديم، لمستوى جديد فقط، فخرج أغلبية الجمع نصرة لأصدقائهم، وليس إيمانا بفكرة عظيمة، حركتهم عواطفهم الجمعية، وليس وعيا معرفيا بقيمة وأهمية الثورة على الظلم، والانحياز للحق والخير والعدالة، ولذا كانت الحالة الدينية القائمة على التحزبية المذهبية هي المجرى الذي صبت فيه هذه الثورات حركتها، وقضت على خياراتها المنتظرة، وسقطت بها في فكرة الرضوخ للأطر الجاهزة مجددا.
إن الثورة الفردية هي الأهم، ووجود وعي فردي هو الأساس لأي تغيير، ثورة داخلية متجذرة بوعي عميق، وحرية تامة، وفهم خاص للحياة بكل مفاهيمها وألوانها، ثورة قائمة على رفض الفرد للجمعي الآمن، والكلي المحتجب وراء كليته بدءا، ليتشكل لاحقا وعيا جمعيا قائما على وعي فردي عام.
كاتبة عمانية
فاطمة الشيدي

الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

سونيتات -9-12

شرفات -جريدة عمان
فاطمة الشيدي
 

1.
كلما مات مبدع أشعر بالحزن
تتملكني تلك الغصة التي تقبض على الوريد تماما
لأن العالم فقد نجما كان يعصمه من الظلام قليلا
وإذ لم أقرأ ما يكفي من كتبه لأودعه توديع عاشق عارف
أدرك الآن أنني أصبحت قارئة كسولة
ولكنني قرأت كثيرا فيما مضى
قرأت روايات لكتاب كبار
وقصائد لشعراء مجهولين
ومقالات في مجلات وجرائد مهملة
قرأت وجوه البشر وأحاسيسهم الخفية
كما قرأت ذاكرة الطرقات والأمكنة
وأحاديث البشر المزيّنة بالنفاق والتباهي والقليل من الصدق
قرأت سير العظماء والبسطاء
الأحاديث الراعفة بالوهم
وتلك المرهفة بالحلم
قرأت حنانات الطبيعة الطيبة
كنخلة أم تربي صغيرتها على مقربة من قلبها
وحموضة كبد الليمونة وهي تعطر دم الكون برائحتها
وقطة تلعق جسد أطفالها كل يوم
قرأت صوت الغراب الحكيم في بكاء اخوته الموتى
وبكائيات الحمام الهادلة بالعشق على نافذة الليل
وتراتيل الصمت الهادر برائحة الطل عند الفجر
قرأت سطور اللقاء الجارف العشق بين الرمل والمطر
وقرأت لهفة البحر للقمر وارتعاشاته المزبدة في حضرته
قرأت عنفوان الجبل حارس المسافات والوهن
الرازح بكهولة العالم وطفولته النيئة
وامتدادات التيه بين سراب وماء
قرأت شقاوة الأطفال
ودفء الأمهات
وارتباكات العشاق
وحكمة الزمن في التجاعيد
وتمعنت في صور الكتاب والشعراء الجانبية الممتزجة بالاغتراب والقلق
سمعت نشيجهم في خلفيات القصائد
ولمست جراحاتهم الشخصية بين السطور
بحثت بخبث امرأة فيما وراء الكتابة عن صور حبيباتهم
وملامح عشاقهن
وكعالم حفريات ماهر كنت أقرأ نقوشهم في المنطقة الأبعد من الكلام عبر مقابلة أو موقف
لأتعرفهم عراة من اللغة ضمن الحقيقي والشفيف من التكوين
كنت أصدم غالبا وبزاويتين متقابلتين جمالا وقبحا
قرأت الكثير ولكني أشعر بالجهل والمرارة كلما مات مبدع
وأنا لم أقرأ له ما يجعلني أنحني لعبوره الكثير بمعرفة تامة لرحلته المعرفية
التي فيها أشعل روحه شمعة لتضيء العالم
قبل أن يرتقي موكب النور في الغياب الأخير
وها أنا بخجل شديد أقول وداعا رضوى عاشور
2.
رحلت عن عالمنا صباح أخيرا، بعد أن أستبطأ من يعرفها ومن لا يعرفها موتها، واستكثر عليها من يحبها ومن يكرهها الحياة التي يعيشها الجميع بما فيهم المجرمون والقتلة، والأفاقون والمنافقون، رحلت بعد الكثير من القيل والقال، والجد والمزاح حول حياتها الخاصة التي لا تخص أحدا سواها، صباح المحكومة بالفرح والحب حية وميتة، فبعد أن عاشت بكل الحب والفرح الممكن والذي لم تدخر جهدا للتحصّل عليه، والاستمتاع به في الحياة، كانت وصيتها أن يكون الفرح والحب هما طريقها للوحدة والغياب الأخير الذي يتساوى فيه لاحقا الجميع، وقد حدث هذا كسابقة عربية في ثقافة تعلي قيمة الحزن والخوف على ثقافة الفرح والحب في الحياة والموت معا. رحلت صباح وظلت أسطورتها الجميلة كفنانة وإنسانة كانت محكومة بالحب والفرح والجمال حية وميتة.
3.
كان فيلم Escape Plan الذى يقوم ببطولته أرنولد شوارزينجر، وسيلفستر ستالون؛ مما شاهدته في قاعة السينما التي أحب صخبها الفني، وإظلامها المكاني، والتي لا أوفر فرصة حضور بين فينة وأخرى، ولكني بالطبع أكره صخب الحاضرين من جمهور السينما الذي يفترض أن يكون راقيا ومثقفا، وقهقهاتهم وهمهماتهم وأحاديثهم الجانبية التي تكون سخيفة أحيانا كثيرة.
ورغم أنني لا أحب أفلام الأكشن إلا أنني تورطت في هذا الفيلم لأنني كنت محكومة بالوقت. تلك الورطة التي خفت وطأتها مع المضي في الأحداث، لتصبح متعة ذهنية وروحية مع ظهور فكرة عبقرية البطل في الهروب من السجون، فقدرة الإنسان الخاصة والخارقة، تأسرني سواء عبقرية العقل أو الروح أو الجسد.
وتدور أحداث فيلم Escape Plan حول المهندس العبقرى راي بريسلن «سيلفستر ستالون» الذي يهرب من كل سجن يوضع به، وانتهى به الأمر لتأليف كتاب حول طرق الهروب من السجون.
ولذا يتم اختياره في مهمة خاصة مدفوعة الثمن الباهظ لاختبار سجن محكم لمعرفة ثغراته وعيوبه، ليعرف لا حقا إنها مؤامرة كبرى عليه، أو مهمة صعبة كما سنعرف آخر الفيلم، فيزج به خلف قضبان سجن محكم البناء،ومستغلق الثغرات بل اعتمد صاحبه في بنائه على كتابه في تجاوز ثغرات السجون (وهو ليس إلا سفينة عملاقة كما اكتشف هو لا حقا) وبالتالي فمن الصعب وربما من المستحيل تتبع ثغراته للهروب منه، وفي ورطة أكبر يعرفه رئيس السجن، فيبدأ وأعوانه تدميره جسديا ونفسيا، ومع هذا يقرر راي الهروب للانتقام من الذي زج به خلف قضبان السجن، مستخدما ذكاء شديدا لمعرفة مكان السفينة على الساحل المغربي، ومواطن ضعفها وبمساعدة السجين سواتروتماير الذي يؤدي دوره أرنولد شوار زينجر، الذي نكتشف أخيرا أن ابنته عقدت تلك الصفقة ليخرج والدها من ذلك السجن. يهربان بل ويدمر السفينة ويحرقها .
السجن الذي تخبرنا الأحداث أنه للإرهابيين، لم يعف العرب من خلال لغتهم المبثوثة في المكان كخلفية لبعض الشجارات، ولا الإسلام من خلال مشاهد الصلاة؛ من هذه التهمة الكبيرة التي أصبحت ملتصقة بنا، والتي تتفنن السينما والإعلام الغربيين في ترسيخها في عقول العالم، كما تساهم بعض الجماعات (الدينية كما تسمي نفسها) في تحقيق مآربهم في تعميقها، هذا إذا لم تكن هذه الجماعات جزء من المخطط الغربي التشويهي للدين والحضارة الإسلامية أصلا.
4.
علينا أن نعيش الحياة كضرير عاشق؛ نتلمسها، ونشمها، ونتذوقها بعمق جارح، وببطء عميق، ونصيخ السمع لهمسها، ووشوشاتها الباطنية، بهدوء وسكينة، وإيمان بالجمال والحب البعيد، والذي لا تدركه الأبصار، لنستطيع أن نكتبها من أعمق نقطة فيها، لنكتب صلواتنا الداخلية كعاشق متصوف أدرك السر فهام، أو ممسوس مجنون سبر الكثير ليقول القليل.
5.
الأوصياء يغيرون جلودهم كل مرة، فنحن عالم لا يعيش بلا وصاية، فكل فرد وصي بشكل ما على الآخر، الوصاية التي تفترض الرعاية والعناية، ولا بأس بالحجر الصحي أحيانا كثيرة.
وأن تكون في مجتمعات الوصاية فأنت محكوم بها، فكل وصاية فوقها وصاية تكبرها، وتحتها وصاية أصغر، وكل إنسان فوقه وصي وهو وصي على سواه، والجميع يفترض في الجميع سوء النية، وقلة الدراية، وضرورة الوصاية من أكبر رأس لأصغر فرد.
الموظف في جهة حكومية يمارس وصايته، وسائق السيارة في الشارع أيضا، ناهيك عن المعلم، والشرطة والأسرة .أدوار شرطية مملة ومرعبة ومقيدة، لذا لا عجب أن تجد فعل الوصاية يتجدد ويتناسل، ودوائره تتعاظم، ومخرجات أمراضه تتفاقم، وأحابيل أكاذيبه المريرة تتعالى.
فكل شخص في مجتمعاتنا مريض نفسيا بعقدة الاستحواذ والوصاية من جهة، والأحكام الجزافية وعقدة الرأي الأصوب والأنا الأعظم من جهة أخرى. وكلما عظمت السلطة زادت دوائرها في الوصاية، وكلما ضعفت الشخصية زادت عليها دوائر الأوصياء، ولذا لا عجب أننا نفرح كائنات جديدة بلا رقيب داخلي محكومة بفعل الرقابة الخارجية فقط، وفي غياب القانون يغيب الضمير أيضا.
6.
«إن ضيق أفق الإنسان الحديث يتجلى أكثر ما يكون، في اعتقاده بأنه لا يرى أمامه لغزا, كأن حكمته هي مجموع علمه وجهله معا. إنه جهل, ولكن الإنسان غير واعٍ به؛ حتى إنه يتقبله باعتباره معرفه, ففي مواجهة أعظم لغز يتصرف بعنجهية وغرور, حتى إنه لا يرى المشكلة، وفي هذا يتجلى الحجم الحقيقي لجهل الإنسان وتعصبه»
علي عزت بيجوفيتش

سونيتات 2-12

فاطمة الشيدي
ملحق شرفات - جريدة عمان
 

1.
«الخريف فصل الغياب، وموسم الهجرات، واستنهاض الحنين»؛ لعل هذا بعض ما تهمس به الوريقات الصفراء لبعضها في التداعي، الوريقات الصفراء التي تنسلخ من جسد الشجرة الأم بلا إرادة، أو باستجابة حمقاء لدغدغة الهواء، وجنون التحرر من ربقة الانتماء، لتذهب في جنون الوقت، وفوضى المواسم، ولتصبح في مهب الريح والأقدام، وهو أيضا بعض ما تسرّه الطيورالمهاجرة للأفق.
الوريقات الصفراء، والطيورالمهاجرة؛ تلك التي تشبه بعض البشر، في قدر المنافي والاغترابات الوجودية والكونية.
2.
رحلة رقم G9117 الشارقة- مسقط
على متن الغيم تحلق الأرواح في رحلتها الطائرة إلى الماء، وفي الماء حياة وفي اللغة ماء،ليست الرواية وهمومها وأشجانها وأحلامها سوى مدخل ما لتتلاقى الأفكار والأرواح، القليل من الكلام يتصدر الجلسات ويعتلي المنصة، والكثير منه يجلس في بهوالفندق، ويذهب في المشاوير، ويتقدم الجميع على طاولات الطعام، نقاشات تخلع عباءة التوجس والتربص والحذر، وتخفف حدة الجدية الآثمة أمام الفرجة التي تنتظر منك أن تأتي بفتح مبين.
الشارقة كأم فاتنة تفتح ذراعيها على البحر تماما، الشارقة الدافئة كمسقط بموازاة خط الاستواء، فتحت لنا قلبها المبتهج بالفرح والتاريخ والوعي والثقافة، للشارقة رائحة عبقة لا تخطئها الأرواح، رائحة عريقة مهما تمدنت، مزيج بين الصندل والماء والزعفران والعود، لعلها تختصر رائحة الجزيرة والبحر، وغناء الصيادين، وحكاية النسوة عند السيف في انتظار المحبوب.
ولها رائحة الكتب العتيقة، رائحة التاريخ والعبق الذي تتنفسه الأرواح في غنائها الذاهب في الحلم، ووعيها المتصاعد في الذاكرة والعقل. ولها حكايات البحر والتاريخ التي تثرثر بها الأمكنة أينما جلست، ليحكي لك عنه وعن تاريخه، وعن حاضره الجميل.
في الشارقة والماء والكتب ليس عليك أن تتكلم كثيرا، عليك أن تصمت لتسمع فقط وهذا ما كان في الكثير من الوقت، والقليل من الزمن قبل أن أغير الرحلة وأعود على جناح السرعة في رحلة مضادة «الشارقة – مسقط» هذه المرة.
3.
جناح رقم «3» سرير رقم 11
فجأة وعلى غير ترقب أو توقع أو حتى هاجس يخطر في بالك؛ يطعنك القدر في روحك، ويأتيك خبر أن «روحك» أصبحت في العناية المشدّدة، وأنت بين السماوات والأرض، تتحرق روحك الأرخص جنينا وخوفا لروحك الأغلى، هكذا تحدث الأشياء غالبا في مخططات القدر العجيب، هو لا يستأذنك الوقت ليصيبك في مقتل، ولا يخبرك سلفا لتتدبر أمورك، ولا يتفاوض معك لتأخذ احتياطاتك الزمنية والمكانية، إنه يطعنك في السويداء تماما وفقط.
إذن أمي ترقد في سرير المرض وأنا بعيدة عنها، يدي بعيدة عن يدها لتشدَّ عليها، وتؤنس وحشتها وتقول لها: «كل شيء سيكون بخير ياغالية»، وعيني بعيدة عن عينها لتقول لها أنا هنا بين يديك «وعينيك الأغلى من كل الكون ستكونين بخير»، وجسدي بعيد عن جسدها ليضمها بلهفة ويهدئ قلقها كما كانت هي تفعل طيلة العمر.
غيّرت رحلة السماوات للأرض، وعدت لقلبها لأطمئنه بقلبي الذي سيسكن في قلبها تماما، لتهدأ بعد عملية قاسية، أنا الخائفة أكثر منها، أنا التي لا تثق في كل شيء غالبا، ماذا فعلوا لها، وماذا سيحدث بعد ذلك؟
كنت متوجسة وقلقة وكنت أراقب عن كثب الأطباء والممرضات يعملون كخلية النحل، بجدية وإنسانية وتفان منقطع النظير، في الليل والنهار على حد سواء، ومع الجميع بذات الروح القائمة على الرحمة والحياد والهدوء لدرجة البرود أحيانا، في مكان الخطأ فيه ممنوع؛ لأنه يساوي روحا بشرية.
أتأمل المكان الذي يعيد ترميما ولأم تشظيات وجروح وكسور ووهن الأجساد الخائنة لأرواحها المتشبثة بحبائل الرحمة والأمل؛ أدرك كم أن الطب مهنة عظيمة، بما في ذلك كل الطاقم الطبي، وملائكة الرحمة.
إنهم ينقذون الأرواح ويرأفون بها، ويخففون تعبها، أمام كل هذا القتل المجاني، وقسوة الإنسان والطبيعة في كل مكان. وهل يوجد ما هو أجمل وأعظم من ذلك!
وقد جرت العادة أن نرفع أصواتنا جهرا بالقدح والذم فقط، ونكتب في الشأن العام كمن يحرك سبابته بالعنف والتعنيف، وقد تبدو حالة المديح مخجلة، كمن يتغزل بصورته في المرآة. ونمضي في الحياة مرددين قول درويش»لاشيء يعجبني»، ومستحضرين كراهية المداحين الذين علينا أن نحثَّ وجوههم بالتراب كما أمرنا الرسول الكريم.
لكن في وقت ما يجب أن نستشعر الامتنان ونقدم الشكر ونلهج بالمديح فعلا. وقد كان عليَّ أن أفعل ذلك، أنا التي صرخت بصرامة في وجه أخوتي عبر المسافات البعيدة خارج المكان؛ «لا يمكن أن تعمل عملية في محل الجزارة ذلك أبدا.عليكم أن تأخذوها لمستشفى خاص» مستحضرة كل القصص التي تناقلتها الألسن والأجهزة عن الموت الجاهز المتواري خلف مبضع الأطباء في أبسط عملية جراحية يقومون بها فيه، وتتهادى أمامي روحا جدي وجدتي المغادرين قبل وجع قريب. ولذا وحين كان لابد أن يوقعوا؛ فعلوا دون أن يخبروني لأن الطبيب رفض أن تخرج من المستشفى؛ لأن ذلك خطر على حياتها، ولكنني بعد أن رجعت لأقيم معها كانت الصورة تختلف تماما .
أخجلتني تلك الابتسامة على كل وجه يواجهك في مرايا المكان، وتلك التحية الرائعة من ملائكة الرحمة؛ وكلمة أمي التي تنادي بها بعض الممرضات أمهاتنا الكبيرات الضعيفات في وضع المرض. وحضورالأطباء بحنان الكبير واهتمام أغلبهم بالتفاصيل الصغيرة للمريض، والإصغاء لتأوهاته بلا ضجر ولا ملل. وأشياء أخرى كثيرة .
كانت أمي النائمة بين أيديهم تشعر بالطمأنينة .. وأنا أشعر بها .
نعم إنهم يستحقون الثقة والتقدير والمديح. إنهم ملائكة الرحمة ويد الله البيضاء في هذا العالم المتشح بالكراهية السوداء في كثير من الأحيان في مقابل القليل من الحب والرحمة. يقومون بأدوارهم الإنسانية بصدق ومحبة خارج نفعية المادة، أو حتمية الفعل القائم على الجبر أو التملق.
إنساننا الجميل يبهرنا دائما، ويوثق علاقتنا بالحب والخير والجمال، خرجت أمي من المستشفى، وظلت ذاكرة المرض والموت عالقة بالجناح الذي لن يحلّق بل سيستقبل الأرواح الخائفة من التحليق نحو الغياب، وبالسرير الذي سيتقبل مريضا آخر، جسدا موجعا وروحا خائفة، وأملا بالشفاء على يد جند الله المجهولين في المستشفيات.
4.
«الحياة معسكر تدريب للوصول للحياة الأخرى، لكن التدريب يكون أحيانا أكثر مما ينبغي»
كانت هذه العبارة الرائعة من فيلم Odd Thomas والتي تصلح حكمة إنسانية عميقة وجارحة، هي أجمل ما قيل في هذا الفيلم، على لسان بطله، ستورمي اود، الذي يتمتع بقدرات خارقه في رؤية الأرواح الشريرة التي تحكم العالم ضمنيا، ولا يراها الجميع، بل أفرادا تنتقيهم العناية الإلهية لمساعدة البشرية في مواجهتها، ووأد «الغريب» منها، ولذا آمن برسالته في تخليص العالم من شرها، وحاول بكل صدق مواجهتها، وتحديها، حتى خسر حبيبته، وتوأم روحه في تلك المواجهة الكبيرة والتي انتصر فيها، ونجح في مهمته العظيمة.
بينما لم يقل فيلم «Babadook» الذي يعرض في السينما حاليا شيئا، مع أنني كنت أحاول جاهدة أن أخرج بفكرة صغيرة أو فائدة ما، توازي قيمة مبلغ التذكرة، والوقت الذي قضيته في محاولة فهم الرسالة التي يريد الفيلم أن يقولها لنا، خارج الشتات الذي أوحى لنا به بين المرض النفسي للطفل، ثم للأم نتيجة فقد زوجها، ليصل بنا في النهاية لفكرة أنهم يعيشون في بيت مسكون، تتحكم فيهم روح شريرة تحاول النيل منهما، ولكنهما يواجهانها بكل قوة وثبات وإيمان، وهي فكرة باتت مكرورة وجاهزة جدا، حتى يستحيل تقبلها واستيعابها ناهيك عن التعاطف معها أو تقديرها. ومازلت أتساءل عن جدوى صناعة أفلام كهذه، وتصديرها للعالم لرؤيتها، وعن المعايير التي يجب على القائمين على اختيار الأفلام في دور السينما وترجمتها للعرض في بلادنا، سيما والكثير من الأفلام التي تعرض، تخرج منها وأنت خاوي الوفاض، وحزين على مبلغ المال والوقت الذي أضعته.
5.
كما كانت تبدو عظيمة وهي تقاوم السقوط لتموت واقفة، وتستسلم للقضاء، وتحتسب بخشوع، وتذهب للموت بإيمان وصبر، لتقدم درسا كونيا لكل عابر لها، وتجبره على التوقف والتدبر في النهاية. تلك الشجرة منكسرة الظهر والروح، التي أخذ الإنسان منها حاجته وقرر التخلص منها، كي لا تؤثر على مظهر كيانه الإسمنتي الجديد، ولكنها تأبى ككل الأشجار إلا أن تموت واقفة،كالأمهات اللاتي يكسرهن الزمن والأبناء أحيانا.
6.
نفس الابتسامة التي طالما سحرتنا على الشاشة، ذلك الدفء الكامن في الروح، والذي ينبثق من الثغر كشمس خرافية محملة بالبهاء، والطاقة والفرح. ناهيك عن أدواره الكبيرة التي كتبت تاريخا من الفن والوعي والجمال في الذاكرة العربية.
أمير السينما السورية «جمال سليمان» في عمان ذات يوم .. وفعلا لكل امرئ من اسمه نصيب.
7.
«يستطيع أي أحمق جعل الأشياء أكبر وأكثر تعقيدا، وأكثر عنفا. ولكن الأمر يتطلب لمسة من العبقرية والكثير من الشجاعة، للتحرك في الاتجاه المعاكس»
إرنست شوماخر

الجمعة، 5 ديسمبر، 2014




 القهوة مدامة قلبي
شقيقة الوقت المتسع الشروخ
صديقة الصباحات الثقيلة والمساءات الغائمة
تدلف عبر صحاري الروح
فتروي عطشها وتشفع لليباس
وتسكن فوضى المحبرة السرية
ترسم خطوط الحظ في قعر الفنجان
وتدل الأقدار عليها
تتقدم النهارات بخطوة
وتلوح للمساءات الثقيلة بقبلة في الهواء
وتحتاط للضحكة الناقصة 
برشفة 
وقصيدة 
وبقايا حنين



السبت، 29 نوفمبر، 2014

محمد الحارثي في «تنقيح المخطوطة»: الرواية بلا حكاية والشخوص كتّاب أنفسهم

 

فاطمة الشيدي
القدس العربي
الرواية ليست حكاية متنامية الأحداث والشخوص، واضحة الحبكة والنهاية، ولا حتى حكايات عدة متداخلة ومشتبكة في مؤدى واحد، يحركها الروائي أو عبر انتقاء سارد عليم، بل هي حالة لغوية متصاعدة ومتداخلة ومتناقضة أحيانا كثيرة، وشخوص عدة ـ ليس عليهم أن يكونوا حقيقيين تماما ـ يسهمون في كتابة روايتهم بأنفسهم، فلا يكتفون بدور المتحرك السردي عبر لغة الراوي أو السارد، إنهم ذاتهم كتّاب الرواية ومحركو أحداثها باتجاهات فنية واجتماعية تخصهم، وهم بكل حمولاتهم الاجتماعية والثقافية والنفسية، وكل مرموزاتهم الفنية، أصابع وكلمات متمردة على النص والكاتب، بحيث لا تكتفي بدور المتفرج على الأحداث من بعيد، ولا تنصاع لحركة الكتابة من داخل النص، ولا لوعي وفكر الكاتب، ورؤاه البعيدة والقريبة، وحبكته الفنية التي يؤزّمها بين الفينة والأخرى، ويفرجها متى شاء، فقط. فهم ليسوا خاضعين للنسق الفني الروائي، ولا للإيقاع المتصاعد في متن الرواية، بناء على عصا الروائي التي يحرك بها رياح النص وأجواءه وفق فكرة داخلية جاء بها مسبقا لكتابة نص سردي، وربما تنامت وتغيرت ضمنيا مع نمو الشخوص وتحركات الأحداث، بل لهم كل الحرية في الكتابة والتغيير والمحو والتدوين متى ما أرادوا ذلك.
وبالتالي فالرواية صنعة فنية محكمة السبك، متفاعلة الأداء، تشبه لوحة سريالية تتمدد الألوان فيها، وتذهب في التناقض والالتباس، أو رقصة جماعية محكومة بالكل في أدائها وحركتها وفرديتها. هكذا يريد أن يقنعنا محمد الحارثي في روايته «تنقيح المخطوطة»، أو يضعنا في مواجهة الأمر برمته، في حالة قلب تامة لمعايير القراءة الداخلية لدى كل منا، تماما كما أحدث قلبا لمعايير الكتابة الروائية وقواعدها المعروفة سلفا، والمتفق عليها ضمنيا من قبل الكتاب والقراء، وبالتالي فهو يتركنا في ذهولنا حتى نهاية الرواية تقريبا، ووفق استعداد كل منا لتقبل رواية مختلفة، واستيعابه لتعددية الرواة في النص، فهو يقدم رواية مربكة في شخوصها وأحداثها وحبكاتها، ورواتها المتعددين والمتذبذين في الظهور والاختفاء، كسمفونية متعددة الآلات والعازفين والأصوات والحركات والسكنات، تعلو وتهبط ولكنها تمثل عملا واحدا يقنعك في النهاية بقيمته وفحواه.
فرواية «تنقيح» التي تبدأ بحكاية سلسة وواضحة حول الدكتور الجيولوجي، القارئ النهم الذي قرر بعد زمن من العمل الدؤوب والمميز، والذي حاز من خلاله على المال والتميز؛ أن يتقاعد ويتفرغ للقراءة، مدرجة (أي الرواية) تفاصيل حياته الدقيقة في العمل، وتميزه فيه بل والكثير من المعلومات العلمية الجادة والصارمة حتى لتصبح زائدة على السرد، كما تذكر حياته الشخصية التي توجت بزواج لم يدم طويلا نتيجة الاهتمام الكبير بالعمل، وطفلين، يذهب الولد في الاتجاه الديني، في حين تظل البنت «شمس» قريبة منه وقد تخصصت في الفنون التشكيلية، ومتسقة مع روح والدها القارئ والمختلف.
وهي حكاية طبيعية بكل ملامحها ورؤاها، وتفاصيلها الدقيقة التي لا تدخر الحياة لبطلها ما يمكن من الاحباطات والانكسارات لتلوّن به حياته، وتجعله يذهب في العزلة والانقطاع للقراءة والتأمل، وبالتالي فهو بؤرة أو أساس لعمل روائي طبيعي، حتى تظهر لنا شخصية أخرى هي شخصية الصيرفي الأصلع الذي وصلت له «المخطوطة اللغز» التي تحكي حياته بالكثير من التفاصيل الدقيقة، وببعض التغيير في المسميات والشخوص فقط. الصيرفي الذي يستغرب كيف سطا أحدهم على تفاصيل حياته الدقيقة، بكل هذه الرعونة والوقاحة، ويغضب لتجرؤه على ذلك، وخاصة على حلمه الغريب الذي يعتبره حالة خاصة، يحاول دائما كبته ومنعه من التحكم في حياته بعد أن ضاق به كثيرا، وأتعبه بما يكفي وأذهب نومه، ولم يعد يلذ له عيش ولا حياة حتى حبسه ذات يوم في علبة معدنية (والرواية هنا تستحضر فكرة الجني الذي حُبس في الخاتم أو في المصباح).
وبعد الغضب، ومن باب المكايدة للكاتب الأول الذي لا يعرفه، ولم يستطع التواصل معه بأية طريقة ممكنة، يقرر الصيرفي كتابة قصته الخاصة التي ربما ليس فيها الكثير من التشويق، ولكنه كأي إنسان عادي يعتقد أن في حياته دائما ما يستحق الاطلاع عليه، ومن هنا تبدأ لعبة الكتابة الغريبة التي أرادها الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
ففي الجزء الأول للرواية «المخطوطة»، وفي أحد عشر فصلا، ستكون الكتابة أشبه بلعبة سردية، غريبة الأحداث والحبكة والنماء الروائي، ولن تكون على يد كاتب واحد، وستدخل بالقارئ في ممرات سرية قد لا تكون واضحة تماما، أو حتى منطقية جدا في بعض الأحيان، فيتعدد الرواة الذين يتصدون لإكمال هذه المخطوطة: الحلم، والتفاحة والمسمار، والشخص الخامس… ليخرج القارئ للرواية من هذا الجزء باضطراب وحالة من الارتباك العميق وكأنه غير مقتنع، أو قابض على فكرة أو حكاية، وربما أصابه الملل والضجر من ذلك، ليجد نفسه لاحقا في الجزء الثاني من الرواية، «التنقيح»، أمام حكاية أخرى تحتوي الحكايات السابقة معا، وتتحكم في مسارها بشكل أكثر دقة وشمولا: في مواجهة شخصية كاتب قصص معروف، وصديقه الناقد الذي يحاول أن يقنعه بضرورة كتابة رواية، وندرك أن الفصل الأول من الرواية هو كتابة الكاتب عن صديق له، والفصول المتبقية هي محاولات الناقد مساعدة صديقه في استكمال الرواية، عبر تسجيل وتدوين ما يقوله في جلسات العلاج النفسي، أو عبر التدخل المباشر والكتابة الفعلية في أحد الفصول، أو باختراع شخوص تسهم في تطور ونمو الرواية.
ورغم أن الرواية في الفصول الأولى تصيب المتلقي بالضجر والملل عبر محاولة فهم المضمون، وتتبع الأحداث، واستيعاب الفكرة التي يريد الكاتب إيصالها، وملاحقة كتابة شخوص عدة يحاول كل منهم تحريك مسار الرواية في اتجاه حكايته الخاصة، أو بمحو وتحريف ما كتبه الآخرون، كما عليه أن يقتنع بكتابة بعض الأشخاص غير الحقيقيين، مثل تفاحة ـ التي هي «مغيبة» أو شخصية برزخية بين الحضور والغياب. وهي فكرة غيبية، ولكنها حاضرة بقوة في الثقافة العمانية، وهذه الشخصية الغريبة تتفاعل مع شخوص الرواية، بل ولها حياة خاصة، وعواطف بحيث تعشق وتتأثر وتتعاطف ـ إلا أن الجزء الثاني من الرواية حاول أن يستجمع الخيوط الفنية إلى بعضها، ويفسر كل الأحداث بصيغة واقعية. ذلك جعل الجانب الطبيعي والإنساني يطغى على التهويمات والخروجات على متن النص البعيد في أجزاء منه عن الحياة والمنطق الإنساني، مما يجعل القارئ يتقارب مع العمل بشكل أكثر تفاعلية، فيربط الأحداث بخيوط طبيعية بعد الكثير من التحليق، ويفهم الحكاية، ويتعاطف مع الكاتب الإنسان في عزلته، ومحاولاته الجادة للكتابة والحياة، ثم في الخاتمة يستحضر الحكاية كاملة، متفهما أفكاره وروحه ومرضه بالسرطان، ثم موته منتحرا بهدوء وسكينة.
فالكاتب الذي يعرف أنه مصاب بالسرطان، لا يجزع ولا يحزن بل يقترب من ابنته شمس، ويهديها السيارة التي كانت تحلم بها، ويقرّب بين تفاحة ومسمارها، بتزويجهما بمفتاحين من آلته الكاتبة «ت، م» كرمزية لاكتمال الحياة، واكتمال العمل، وربما في بعد آخر ليجعلنا ندرك أنهما كائنا لغة فقط، ولذا فهما يتزوجان ويعيشان في امتداد اللغة، وغموض الفكرة، ثم يسعى لينهي حياته بهدوء عبر شرب كمية مبالغ فيها من الأدوية، فيموت وحيدا في بيته كطائر عاش وحيدا ويحلق وحيدا، تاركا وصية لصديقه الناقد للاعتناء بابنته، ونشر مجموعته القصصية الأخيرة، وعدم نشر المخطوطة باسمه، بل باسم أي كاتب آخر ممن يتهافتون على الحضور والظهور حتى بادعاء الكتابة.
ويمكننا القول أن هذه الرواية مثقفة، بفتح القاف أو بكسرها، فهي تستحضر الفن التشكيلي والموسيقى والكتب بشكل عميق، بدءا من المكتبة بكل ما تحوي من كتب قيمة وأسماء أدبية، يبثها السارد وهو ينظر لرفوفها الزاخرة بالمعرفة والجمال، في حكاية الدكتور وحبيبته الفنزويلية التي ماتت قبل اكتمال مشروعهما الإنساني، إلى ما يلي ذلك من أسماء لكتب وكتّاب تتداعى عبر متن الرواية في أكثر من موضع.
كما تستدعي الرواية فكرة رسالة الغفران في الأبدية أو الحياة البرزخية، فالكاتب الذي كان على وشك الموت غرقا كما تمنى أسوة بمن يحب من كتّاب انتحروا بهذه الطريقة، لولا أن أنقذه نادل شاب في المنتجع السياحي بهمة عالية وعزيمة قوية، وقبل أن يعود للحياة جلس على مقهى الأبدية في الجنة أو البرزخ مع أعظم شعراء العالم ورواته في الفصل الذي روته تفاحة عنه، وتبادلوا الأحاديث ونخوب الحياة الأخرى.
كما تستدعي هذه الرواية، عبر تعدد الحكاية والحبكة والشخوص، رواية «ملاك الجحيم» لأرنستو ساباتو، الذي أجرى حواراته على لسان شخوص رواياته السابقة، ليجعل من روايته مجالا للتأملات الفلسفية التي يجريها بينهم وبينه، كأحد شخوص الرواية فقط، أكثر من كونها حكاية بكل مضامينها المتعارف عليها. فساباتو في روايته تلك، تحرر من سائدية الأعمال، ونمطية الحكاية والحياكة الروائية، وجاهزية الفكرة العامة، بابتكار شكل آخر، ربما بدا غريبا على ذائقة المتلقي ولكنه كان قادرا على تحميل الرواية الكثير من العمق في اللغة والمعنى والأفكار. وهذا تماما ما فعله الحارثي في «تنقيح المخطوطة».
محمد الحارثي: «تنقيح المخطوطة». دار الجمل، بيروت 2012. 342 ص.
فاطمة الشيدي