السبت، 11 فبراير، 2017

نسوة الظل

فاطمة الشيدي
 القدس العربي
Feb 11, 2017

1.
أتذكرها الآن (بلا سبب) واللاسبب هو أكثر الأسباب منطقية. كانت جميلة، بيضاء كمعظم نساء ذلك المكان، مربوعة القامة، تتمتع بالحيوية والنشاط وهي في مرحلة الأطروحة للحصول على درجة الدكتوراه. كانت تعد لنا أنا وهي (المعمول) لنتسلى به في المحاضرة المسائية، وكنا نمشي كل يوم ساعة تقريبا لنشتري الكستناء الدافئ والقهوة الحارة من البائع المتجول لنكايد البرد، ثم نعود لنذرع ربوع الجامعة حفرا في الذاكرة وذهابا في الغد الذي لا ندرك هل سيأتي، في شتاء كهذا الشتاء في الوقت ولكنه أشد في الحضور والتحقق.
حدثتني كثيرا بأمل عن الدورات التي تحضرها في البرمجة اللغوية العصبية وعلم الطاقة لتستمد القوة من الداخل، كنزنا المخبوء المتوهج بالجمال، فالخارج مجرد انعكاس لذلك العمق، كما قالت. هي التي تعيش على هامش الصدفة، خارج الزمن، بلا هاتف نقال، ولا تعرف عن هذا العالم إلا بمقدار ما يعرف هو عنها من اغتراب ووحدة.
كانت تحب السمك المشوي، والمشي في الهواء الطلق، والثرثرة مع الغرباء وكبار السن والأطفال؛ لتبرهن على وجودها الحقيقي في حياة عابرة. قالت: «سأعزمك على مشوي سمك من إيدي ذات يوم». ثم فتحت قلبها المتوجع أكثر للغريبة التي لا تعرفها إلا في مساحات الابتسامة والمصافحة وزمالة الدرس المؤقتة، الغريبة التي كانت وما تزال تحث الغرباء على البوح بالإصغاء والتوحد مع السارد والمسرود.
حدثَتْها عن ليل طويل، ووحدة جارفة، ثم أسرفت هي في وصف عنف الرجال، ومصلحية العلاقات، والدم الذي يستحيل ماء، والقرب الذي يستحيل اغترابا، ولاحقا تداعت ألما ووهنا وهي تتحدث عن غطرسة العالم في وجه الضعفاء، وعن شراسة المرض الخبيث في جسد امرأة جميلة تجابهه بكل الممكنات والمستحيلات ولكنه يستطيل بلا هوادة، ويكبل العزم على الاستمرار، فلا تملك سوى الاستسلام للوهن، وينحسر الأمل لصالح الألم، وتسري قوانين الجسد الخائر على الروح المتقدة عزما، والنفس العالية.
لم تحدث عزومة السمك، ولم نمش لاحقا في المساء الذي نحب معا، ولا أعرف أيهما انتصر على الآخر هي أم السرطان، وها أنا أتذكرها الآن كما يتذكر الغريب الغريب، حين ينحت الشتاء في الذاكرة والبرد في الأجساد، وأبكي; لأنني لم أحتضنها يومها وأبكي كما كان يجب أو كما كان ينبغي أن أفعل، بل اكتفيت بالبكاء داخلي حتى شعرت بالدموع تخرج من مسامي كجمرات حمى أشعر بها الآن عرقا ووهنا على مسافة زمنين ومكانين ووجعين وذاكرة.
2
المرأة الماهرة في الطبخ، التي تصنع كل أنواع الحلويات بشكل أفضل من كل المخابز، ومحلات الحلويات في البلد، وتتفنن في الألوان والأشكال والروائح. حلويات بنية، وحلويات بيضاء ووردية، وحلويات زرقاء وحمراء، حلويات كبيرة ومتوسطة وصغيرة. حلويات مستديرة، وحلويات مربعة ومستطيلة، حلويات بالشكولاتة، وحلويات بالمكسرات أو بالقشطة والجبن. حلويات غربيّة وأخرى شرقية، حلويات عربية وحلويات محلية، حلويات لذيذة ولذيذة ولذيذة.
كل من تذوق حلوياتها يأخذه الطعم نحو أعالي المتعة، يشهق يا الله! لا أحلى ولا ألذ. كل من ذاق الطعم أغراه بالتكرار، بل والمجازفة مرات ومرات، إذ كانت كل محاولة تعمّق الطعم، وتكثف طراوة اللذة، وتكشف عمق الإبداع الذي لا يتكرر في تلك الأصابع المدهشة الصنعة.
ولذا يظل الجميع يطلب المزيد والمزيد خاصة في رمضان شهر الحلويات، الجميع يقبل عليها، ويزور مائدتها، وينتظر طبق الحلوى الذي يطرق الأبواب قبل الأذان كل يوم كموعد لا يخلفه، وكصدقة دائمة ومرغوبة من الأغنياء قبل الفقراء، ومن الأهل قبل الجيران، ومن المقيمين قبل العابربن.
وكم تمنى الجميع أن تفتح محلا خاصا بها كي يتجنبوا حرج (اللامقابل) الذي تأتيهم به الحلوى غالبا، هي التي رفضت كل العروض المغرية لصناعة الحلوى لبعض المخابز المعروفة، والفنادق المشهورة بمقابل مجزٍ، وهي تردد: «لا لا.. أنا فقط أصنع الحلوى لمن أحب، وخاصة في شهر الخير، وأستمتع بكل قطعة أصنعها، ولذا أريد أن أشعر بهم وهم يتذوقونه، إنها هدايا للأحباب والأصحاب فقط».
الجميع يستمتع بالحلوى النادرة التي تعدها ببراعة خاصة من الأقرباء والغرباء، والصغار والكبار، والجيران والأبناء، ويطلب المزيد بشراهة ولذة. أما هي فتتأكد جيدا أنها أخذت إبرة الأنسولين قبل أن تتذوق طعم الخلطة بطرف سبابتها فقط قبل أن تدخلها الفرن.
3
الصديقة التي ذهبت باتجاه الليل، التي تركت قلبي للبرد، أتذكر صوتها وروحها الآن، أتذكر جمالها أيضا، جمالها الداخلي والخارجي، فالجسد مرآة الروح، أتذكر ضحكتها التي كانت ترن كأغنية يتيمة لا يجود بها الدهر كثيرا، وهي تلعن الجميع، الرجال والعادات والتقاليد والنساء التافهات كعلكة رخيصة حسب تشبيهاتها الدقيقة، أتذكرها وهي تحكي لي بدقة تفاصيل رواية جيدة قرأتها مؤخرا وهي كانت قارئة رائعة تثير حسدي وغيرتي بالتهامها الكتب، الأجمل من ذلك كله أنني أتذكرها وهي تخبرني عن أغنية جديدة لمطربة قد لا أعرفها، أنا المنكفئة خلف متاريسي الجمالية الخاصة، وهي تلح: «أرجوك بس سمعيها، وبعدين حكمي». كنت غالبا أحب ذائقتها في اتجاه ما؛ الصوت أو اللحن أو حتى الصورة، لكنها كانت تنتصر في النهاية وأسمع الأغنية وأظل أرددها طويلا، أتذكرها الآن في كل هذا البرد، الشتاء كان فصلنا الأثير، وكنا نزهر معا كزهور الطرقات التي لا تنتظر من يعتني بها في الشتاء، نتورد كزهرتين نادرتين أو كطائرين مهاجرين غريبين يعرفان ذلك، ويتذمران قليلا قبل أن يهاجرا لبلد آخر.
في البرد فقط كنا نحرص على أن نمشي حافيتين على شاطئ البحر، ونرفع صوت الأغنيات في الشارع، ونغازل نادل القهوة الأسمر النحيل وهو يقدم لنا القهوة من نافذة السيارة، ويتباطأ ليخزن عطرنا في رئتيه، ونوزع قهقهاتنا على دروب الحارات الضيقة، ونخزن رائحة شجرة الليل في أرواحنا لحزن ما، ونتبارى في نفخ العلكة لأكبر بالونة ممكنة، ونثرثر عن أكثر فيلم شاهدناه منفردتين، وننتخب حبيبا لليلة الأكثر بردا في ذلك الشتاء.
في البرد كنا نبكي بصمت ونحن نحتضن بعضنا كل لقاء أو فراق وكأننا ندرك أن الأيدي ستفترق مهما طال تشبثها في دفء اللحظة، وحرارة الصدق الذي كان أكثر وأكبر من حياة كاذبة تأكل كالغرغرينا أطراف الصدق النابت في دفء العمر الفائت.
أتذكرها الآن وأنا أسمع أغنية صباح «يانا ..يانا»، تتحرك في مدارات الزمن الشتائي بين يدي، على أوتار عوده، هي الشقية كروح صباح والعذبة كعذوبة الأغنية.. فعليها السلام والبرد أينما كانت.
4
لم تنتظر الشارع بكل مدنيته وسياراته الفارهة والبسيطة أن يقف إجلالا لشحوبها، وتقديرا لعمقها الإنساني وكائناتها الطيبة، بل قطعته بكل قوة وعمق لتجبر المدنيّة أن تنحني تقديرا للطبيعة وحضورها الأول، وتشكيلها البدئي السابق لكل هذا التبهرج الميت. كانت تسوق أغنامها أمامها بكل انسجام وتناغم، وكأن حوارا ممتدا يدور هناك، ويسوقها قدرها الذي رفضته إلى التيه، خارج غابات الإسمنت بكل حيوية وجمال.
كانت خطواتها الواثقة تجعل حديدنا المركّب يقف ـ متخذا علامة الحذر بأربع إشارات ضوئية تنبض كقلب فاجأه العشق دفعة واحدة ـ مشدوها أمام جبروت عبورها وسعة يقينها، ونبذها حياة الأطر الجاهزة للأفق الأوسع، مؤاخية السمر والنحل والجبال.
الراعية التي اعترضت الزمن هذا الصباح، لم تخرج من الحكايات والكتب الصفراء، بل كانت تعبر شارع (الخوض) في مسقط العامرة بيقين ساحرة تغير مجرى الحبكات الكونية التافهة، لنهاية أكثر دهشة مما يعتقد أبناء القرن الحادي والعشرين.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 7 فبراير، 2017

«حمرة الغياب».. سردية المكان والإنسان

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
7-2-2017



تمثل رواية «حمرة الغياب» للكاتب سالم ربيع الغيلاني، سردا عمانيا مغايرا، وربما تأسيسيا لنضج التجربة الروائية العمانية بعد الكثير من التجارب المحاوِلة لصناعة الرؤية السردية العميقة والجادة حول المكان والإنسان والذاكرة، حيث تفترع هذه الرواية ذاكرة سردية عميقة للمكان والإنسان باتجاهين زمنيين؛ زمن متخيل وآخر واقعي ومكان واحد وهو مدينة صور. وتتقدم الرواية في زمنيها (القديم والآني) بشكل متواز سرديا، بحيث يمضي القارئ في حكايتين متوازيتين تماما؛ ليكتشف في نهاية الرواية أن الزمن الثاني (الحاضر) ما هو إلا امتداد زمني للأول الماضي، عبر حكاية تحاول رصد حضور المكان (صور) وتشكّله في الزمن.
ففي الحكاية الأولى يخبرنا «خميس الراوي» -بصفته الراوي العليم- حكاية الجد الأكبر «الغالي» عبر اقتناصات سردية قصيرة كتبت بلغة تقريرية تقريبا، تسبق كل فصل من فصول الرواية، حيث يحكي لنا كيف وصل الغالي الذي كان قادما من العراق ليذهب للهند للاستقرار هناك بعد زمن طويل من الترحال والسفر، ولكن الريح تشتدّ به وتحطّم مركبه، وتشتت بحارته وترمي به في أرض فضاء تحيط بها الجبال والبحر من كل جانب، ولكنه بعد أن استعاد وعيه شعر بالسكينة تجتاح روحه وقرر أن يتخذ من تلك البقعة وطنا، تلك البقعة التي عرف لاحقا أن الجن يسكنون فيها، وهناك خرجت له جنية جميلة «قالت له لا يمكن أن يسكن هذا الخلاء بشري ما لم يكن له نسب مع سكانه من الجن. انتفض ولوّح بعمته في السماء. نظرت إليه وتبسمت، فسرت بين ضلوعه رجفة، وشعر بخدر لذيذ يجتاح جسده.
قالت له: لا تلوّح بعصاك، فأنت ونحن موعودون بهذا المكان منذ الأزل .. نعم أنا وأنت من سيشكل هذا التحالف، وعلى أحدنا أن يترك جانبه؛ ليعيش في الجانب الآخر حتى يتم هذا العهد.. ولأجلك سأترك عالم الجن، وأذوب في عالمك. سأنجب لك الأطفال، وستولد مع كل طفل منهم أسطورته. سيرثون منك القوة، ومني الجمال ومن كلينا الشقاء.»
ولكن الرجل فيه يدفعه يوما للزواج بأخرى، وهنا تحذره الجنية، وحين لم يصغ لها، تركت له الأولاد وهجرته للأبد، وحاول كثيرا بعد ذلك استرضاءها ولكنه لم يفلح، وهكذا أصبحت نقطة ضعف أبناء الغالي هي قلوبهم التي تجرّ عليهم المتاعب، وتذهب بهم في اللوعة والعشق والفناء.
وفي مقابل هذه الحكاية القديمة فإننا نشهد مع السارد المتجدد الحكاية الأكبر التي تتفرع وتنمو عبر فيها الأحداث في المكان الحاضر، حيث نشهد تبلور شخوصها التي تتقدم في بناء الحدث الدرامي، ونعيش معهم حكاياتهم التي تتفرع وتتلاحم وتبني الحكاية الأكبر. فعبر ثلاث عائلات كبيرة تتداخل فيما بينها في المكان والنسب والدم (وهي ولاد الغالي والخبابيط وولاد الصفار أو الميادير) تتفرع الحكاية لحكايات كثيرة، ولكنها تدور غالبا حول عائلة الغالي التي قررت الجن أن كل نسله يرزأون في قلوبهم وحول قوانين المكان الاجتماعية التي تحكم الإنسان وتشرع له حياته وقد تحددها أيضا.
إن أبرز ما يضفي قيمة فنية خاصة على هذه الرواية هو رسم الكاتب لشخوصه الكثيرة بدقة من الخارج للداخل، ثم رسم دورها العميق في صنع الحدث والذهاب في الحكاية نحو أفقها المكاني الخصب الذي يموج بالحركة والشخوص والأحداث، فكل شخصية في الرواية متحدثة أو صامتة، فاعلة بشكل كبير في بناء الحدث السردي أو توضيح دلالة روح المكان وثقافته بكثافة ووضوح. ومن تلك الشخصيات «الجدة رحمة بقوتها وحناناتها، والتي يهابها الجميع ويحبها أيضا من البنيان حتى سادة القوم، والتي بدأت معها الحكاية وانتهت بموتها.» جاءت تجرّ نفسها إلى حيث مصدر الصوت وعندما رأت حفيدتها مسجّاة بثياب عرسها على الأرض؛ أطلقت أنّة مكتومة وأخذت تردد: لقد قتلنا البنت.. لقد قتلنا البنت .. قبل أن تسقط مغشيا عليها» ، وحمود الصفار ابن خالتها التاجر القوي الذي كان يحبها لولا أن أعراف القبيلة حرمته منها، فتزوجت بابن عمها (محمد) الذي اختارته والذي كان يصغرها بسنتين، ثم مات في البحر بعد زمن قليل، فرفضت كل زواج بعده حتى من حمود الذي تعلّم السحر، ليحصل عليها، وربما كان له دور في موت زوجها. وأولادها بشير بهدوئه وقوته، وزيد بجنونه وعبثه ومجونه، ومهرة الدلاس الطفلة العذبة الذي خطبها زيد وتزوجها من المصنعة بعيدا عن أهله، وماتت بعد زمن قصير لأنه أهملها ومضى في عبثه مع النساء مخلّفة حسرة وألما في نفسه، وفقدا في العائلة جميعا حتى في نفس شقيقه بشير، بعد أن أنجبت له ثلاثة أطفال منهم شمسه الطفلة أغرمت بابن عمها الذي كان يصغرها فاهتمت به وتعلقت به أيما تعلق ثم ماتت حين زفّت لغيره «أدركت شمسة خلال مرض أحمد إلى أي حد هي متعلقة به، وهو متعلق بها، رأت ذلك في عينيه اللتين تنكسر حدتهما، وتشرق فيهما كواكب ونجوم عندما تلتقيان بعينيها، الخدر والسكون اللذان يحلان عليه عندما تمسح عناقيد العرق من على وجهه ورقبته.. رفضه الطعام إلا من يديها، المتعة التي تشعر بها وهي تقضي ساعات الليل الطويلة ساهرة بقربه. السعادة التي تملكتها عندما بدأت العافية تدب في جسده الهزيل. الرعب الذي يمزقها إن مرّ خاطر فقدانه في ذهنها. كل ذلك جعلها تدرك أن أحمد حياتها.» ، وبشارة زوجة بشير، وسعادة الدهانة التي حوّلتها الظروف لمومس، وابنتها راية التي أغرم بها ناصر الغالي وما كان لبنت مومس في مجتمع تحكمه العادات والتقاليد أن تجد السعادة إلا عبر طريق لا يمت للستر بصلة، ولكنها رفضت أن تعيش قدر والدتها فهربت مع سعدون العبد الذي أحب ابنة حمود الصفار فضربه وقيده بالسلاسل حتى أصيب بالجنون بعد أن زوجها لابن أخوالها ونفاها بعيدا عنه «قبل بزوغ الفجر حملت الصندوق الذي ورثته عن أمها وتسللت من غرفة الجدة رحمة إلى المخزن الذي أصبح مسكنا لسعدون، وجدته متكوّما على نفسه، هزته برفق ففتح عينيه، قالت: «هي نهض، وتبعها دون أن يبدي أي اعتراض، اخترقا الأزقة وغاصا في ظلام الغياب.» ، وسبيت الخانب الابن غير الشرعي لعبدالله الصفار شقيق حمود، و(معرس ينيه) الذي عشق جنية فأصابته لوثة بين الجنون والسحر، وسعيدة الدّاه، التي كانت تمضغ التنباك وطلقت زوجها كدلالة على قوة المرأة في المجتمع إن رغبت في التنكر لأعرافه.
هذه الشخصيات وغيرها تمثل نماذج إنسانية متعددة ومكررة للمكان (صور) الذي هو محور هذا العمل السردي بكل ما رسمه الكاتب من عادات وملامح وفنون ولهجة خاصة. فهذه الرواية تجعلك تعرف المكان كأنك عشت فيه، المكان الذي يمثل نقطة تفرد الكاتب ومحليته التي تصبغه بالتميز والعالمية، وهذا ما فعله سالم الغيلاني الذي رسم لنا بوضوح طبيعة المكان وخصائصه وثقافته ووعي وإنسانه وملامحه. المكان الذي استمد كل شيء من علاقته بالبحر والتصاقه به. «صور مدينة تعشق الفرح، وتحترف التعبير عنه. تعلمت من البحر أن لا شيء دائم، فالهدوء يعقبه صخب، والسكون يمكن أن يتحول إلى هيجان. فهذا الأزرق الذي أجج لدى أهالي المدينة الرغبة في الاكتشاف، وأطلق ألسنتهم بقول الشعر، فتغنوا على هدير أمواجه بالهولو واليامال، وفجرت تقلبات مزاجه في دواخلهم الخوف والشك وتوقع كل شيء. هذا الأزرق هو سرهم ومن أراد أن يعرفهم فعليه أن يعرفه أولا.
لقد وضع البحر لهم دستور حياتهم، ومنحهم الفرح، وجلب إليهم الفواجع ينظرون إلى زرقته تارة فيرون الحياة وازدهار الآمال، وينظرون إليه تارة أخرى فيرون الفواجع وفقدان الأحباب. علمهم بحنو أمواجه، وهدير عصفه أن اللحظة التي يعيشونها هي الحقيقة الوحيدة التي ينبغي أن يؤمنوا بها، وأن هدر الوقت في اجترار الأحزان حماقة كبيرة، وخطأ لا يغتفر، لذلك فإنهم يقدسون لحظات الفرح، ويجلّون طقوسها، فالرزحة عنوانه، وأفضل وسائل التعبير عنه»
إن حمرة الغياب رواية ناضجة بكل المعايير الفنية للكتابة الروائية (من عمق المضمون، وجماليات السرد، ورسم الشخصيات وتطور بنائها، وتعدد الحبكات، والنهاية الصادمة للقارئ)، وإن كان عليها ألا تسلم من المآخذ كأي عمل إنساني فهو ذلك الانشطار بين حكايتين، الذي لن يدرك القارئ فكرته إلا حين ينهي النص، إضافة إلى كثرة تضمين اللهجة التي قد تقف عائقا للقارئ من خارج المكان.

السبت، 4 فبراير، 2017

التوحش والإنسان



السينما  متنفس جيد لسكان مدن الملح مع الكتب والمقاهي والمتع الصغيرة غير السائدة في مجتمعات الموت ..
هذا الأسبوع شاهدت هذين الفيلمين: - الأول يتحدث عن الرأسمالية الحقيرة التي لا تأبه بشيء من روح الإنسان، حتى فساد المجتمعات، وصراعها مع الدين،  وتسليط الضوء على جماعة ( كو كلوكس كلان) داعش المسيحية،  الفيلم الذي لن تعجب سوى ببعض الجوانب الإنسانية فيه كالعلاقات الأسرية والحب (حب الله وحب الأبناء وحب المرأة)
الحب  الذي يتملّك على الإنسان نفسه، ويحرّك  ذاته ويحكم قراراته مهما بدت خاطئة للآخرين.
أما الفيلم الثاني فهو فيلم "الصمت" لمارتن سكورسيزي والذي قضى ربع قرن لإعداد وبلورته، وهو عبارة عن ملحمةٍ دينية مرهقة، تعرض لفكرة صمت الرب أمام عذابات المؤمنين به وهو يتعرّضون لأبشع أنواع التعذيب، بل حتى الرهبان الذين يسيرون على نوره ويحملون رسالته لا يتدخل لنجدتهم.
وهو فيلم عميق في أطروحته البعيدة حول صمت الرب عمّا يتعرض له الإنسان في هذه الحياة، ويتناول فكرة التبشير المسيحي في اليابان،  والقهر والقتل الذي تعرّض له الإنسان المسيحي والرهبان هناك في القرن السابع عشر تحديدا، وفشل هذه المهمة(التبشير) تماما هناك.  بل وارتداد رهبانين عن دينهما حفاظا على حياتهما. بسبب عدم تقبل المجتمع للدين المسيحي إضافة لمحاربة السلطة القاهر له، ورغم كل هذا ظل الرب صامتا.
هذا الفيلم يبدو ظاهريا مسيحيا بامتياز ، وربما يقف ذلك بينك وبين الإعجاب به، إلا أن للفكرة الكبرى التي يحملها وهي صمت الرب عن كل ما يتعرض له المؤمنون به من قهر وظلم في سبيل ذلك الإيمان، حيث تجد حيرة الإنسان أمام صمت الرب كل هذا الوقت أمام كل القهر الذي يستشري في العالم.
كما يعرض لحاجة البسطاء للتشبث بحبائل الرب والإيمان المطلق بخلاصه القادم لا محالة دون أي صدى أو تساؤلات تتعلق بضعفه وشكه إلا من رجل واحد يطلب الاعتراف بعد كل خطأ يقوم به في حق الرب فهذا هو الإنسان الحقيقي خائف ومرتبك وجبان أحيانا ولكنه يحمل الله في قلبه غالبا.  أما مرتكز الفيلم فهو صمت الرب فيما مقابل الإيمان والتضحية في سبيله (الموت أو الرجوع عن الدين) هو  للمسيح وللعمل على تحقيق مشيئته والاقتداء به. طبعا ناهيك عن روعة الإخراج.
حين تخرج منهما ستكون ممتلئا بالاسئلة حول الله والدين والتوحش الرأسمالي .. وستشعر كم  هي الأديان  متشابهه في كل شيء.  وكم تحكّم الدين في حيوات الإنسان طويلا، وكم قتل وظلم وشرد باسمه، وكم حُمّل  الله - الذي يسكن في قلب الإنسان فقط -الكثير من هذا وهو منه برئ.

الأربعاء، 1 فبراير، 2017

عدو المرأة راغب هزمته قوة إحداهن، وعدّوة الرجل حالمة خانها الحظ . وهي حالات فردية، على الفرد فيها تمحيص حالته في ظل السواء الإنساني واختيار الحل المناسب، والواقع المريح له خارج التعميمات والندب والغضب.
في حين هناك قضية اجتماعية حقيقية لا ينبغي القفز فوقها في مجتمعاتنا الذكورية تشمل المهمّشات من النساء والمعنّفات والمحتاجات لمصدر دخل. المقيدات بالعوز والحاجة أو الخاضعات لقهر الرجال، قضية يجب النظر إليها بوعي سياسي وفكري واجتماعي وليس بالشفقة أو الصدقة كما في الخطاب الديني،... ولا بالعنف والمكابرة كما في الخطاب الذكوري ولا بالضعف والاستسلام والبحث المريض عن ظل رجل كحلم أخير كما في الخطابات المجتمعية الرجعية العربية، بل عبر تجديد الخطاب النسوي بما يناسب العصر وانفتاح الأفق الإنساني، وتمكين المرأة من التمتع بالقوة الذاتية التي تمكنها من اقتحام هذا العالم وحيدة أو مع الآخر لا فرق المهم أن تجد ذاتها وتتحد مع مكامن قوتها، وذلك عبر تمكينها بقوة القانون من حقوقها الإنسانية كالتعليم والعمل مما يجعلها ندا للرجل في القرار الذي تتخذه لحياتها أو الطريق الذي تسلكه فيها، مع الرجل أو بدونه.

الثلاثاء، 31 يناير، 2017

كيف يصنع الإرهاب؟




يمكننا القول أن الإرهاب صناعة اجتماعية وسياسية، فما هو غالبا إلا نتيجة لتربية العنف في نفس الإنسان من الأسرة -إن وجدت- فالشارع والمجتمع والحكومات، العنف الذي يشمل الروح والجسد والوعي. والذي ينتج عن حالة من اليأس والخذلان واللاأمان النفسي، ويحدث شرخا كبيرا وزعزعة عميقة في النفس تنتج عنها عدم رغبة في الحياة وعدم ثقة في جميع البشر فتصبح الحياة مرفوضة ورخيصة بل مجرد وسيلة للانتقال لحياة منتظرة. وهي -أي الحياة الأخرى-وإن كانت غيبية فهي أجمل وأكثر عدلا وأمانا....
الإرهاب فكرة تزرع في النفوس الضعيفة والمخذولة والخصبة بالكراهية للحياة وللبشر ، عبر انعدام أسباب الحياة مع قلة الوعي، ثم تسقى بماء الحلم البعيد الذي يدغدغ الروح بمهل وهدوء، حتى تغدو عميقة ومتجذرة بالحقد فتؤتي ثمارها السامة بالقتل واقتلاع الخير والجمال من الكون وإزهاق الأرواح البريئة.
وما يجب أن يواجه به الإرهاب في كل مكان هو الحب ؛ حب الحياة بطبيعتها وجمالها وعدلها، وحب الإنسان، (كالرفيق والصديق والأخ والزوجة والطفل) كي لا يتحولوا لمشاريع للموت، وربما قرابين لفكرة ما أو لثأر ما. وكي لا يعيشوا الحياة بكل معانيها ومفرداتها على عجل في رغبة عارمة لحياة أخرى موعودة. في فهم ناقص لكل شيء.
الحب الذي يبدأ من الأمان والثقة بالحياة وبتوفير متطلباتها الأساسية، الحب الذي هو عدو الجهل والفقر، فهو بيئة حاضنة للجمال طاردة للشر، بينما هما -أي الجهل الفقر - البيئة الصالحة للضغينة والحقد فالإرهاب.

الاثنين، 30 يناير، 2017

الأرواح المعذبة




الألم والمعاناة دائما نتيجة حتمية للذكاء المفرط والقلب الكبير.
أعتقد أن الرجال العظماء هم أصحاب الحزن العظيم على وجه الأرض.
الأخوة كرمازوف
أفكر في الأرواح المعذبة المنذورة للألم ولذة التشظي على نصال الكون الجارحة، عبر رهافة الإحساس، ودفق الوجع المنسكب من داخلها كحليب طازج أبدا، تلك التي يسكنها شيطان الحزن وتمضي معه ممعنة في التحليق نحو البعيد من كل شيء، ذهابا وراء الوهم بكل تجلياته حتى غبار الجحيم غير آبهة بالمنطقي من الفعل الوجودي التافه، كأرواح الفنانين والشعراء الحقيقيين الذين ينسجون لوحاتهم ولغاتهم بدمائهم وبماء أرواحهم تماما، هي التي تستحق التوقف في مدارات مداها ومدادها في هذا العبور الهش الحافل بالمرارات والعبث. أما دون ذلك فالمضي قدما في غبش الرؤية واللا انتباه لفوضى الحجارة المزروعة للعثرات، وللسيرك الكبير بأرواحه الكالحة أولى وأجدى.
الأرواح المعذبة، الأرواح الحائرة والمتعبة التي تهيم في سماوات الوجود بحثا عن الحقيقة، الحقيقة التي لا يعرفها أحد، الحقيقة التي لعل الله هو أحد تجلياتها، الحقيقة المطلقة كالروح، والخير والشر والوهم والجمال والقبح وغير ذلك مما يستعصي على التجلي ويمتنع من التشكل.
تلك الأرواح القلقة التي تعبر العالم المادي إلى اللامادي، بنية الكشف والفهم بحثا بكلها الذي يتناهشه السؤال، والبحث، عن مالا تدرك إلا فكرة وعذابا أصيلا ودائما في روحها، لتسجل بين عذاب وعذاب إشراقة ما تنطلق منها ...في بحث أكبر، تلك الأرواح الجائعة أبدا للمس شيء ما، سيتلاشى لاحقا أمام ضآلة المكتشف في زمن لاحق سيكون فيه الوعي جارحا وحادا كالفكرة المطلقة، وتظل ذاهبة في مداها المتصل غير المحدد الوجهة، ضالة في الهيام، هائمة في الظلال، مشغولة بالسؤال موجوعة بالحقيقة.
تلك الأرواح الرهيفة التي تمضي إلى الوجود بشفافيتها المطلقة، كجرح مفتوح، أو عصب مكشوف، كل شيء يثير حساسيتها، ويوسع تصدعاتها، ويشعل حرقتها، كل شيء يوجعها حتى العظم، هي التي لا تجيد المناطق الوسطى أو الحلول الوسطى، أو المشاعر الوسطى، الحادة في الفرح والوجع، والتي تتعامل بأقصى ما لديها من شعور، ويوجعها السطحي والكاذب، يوجعها العام، وتطمح لسبر أغوار الروح والوجود بمسبار خارق، أو مثقاب حاد لتتحصل على أعمق درجات المعنى، والشعور. تلك التي تتأمل كل شيء حتى تفسد حياتها أحيانا، "فالتأمل في الحياة يزيد من أوجاعها" .
الأرواح التي تحتاج للطمأنينة حاجتها للماء، وترفضها سعيا وراء حكة السؤال، وحرقة المطلق الذي لا يتبدى بسهولة، ولا يتجلى كليا، كالروح تماما، الروح الطيبة والخبيثة، البيضاء والسوداء، التي تهب العقل حكمته أو خفته، وتهب للإنسان جماله أو قبحه، وتهب للحياة إمكانياتها أو استحالتها.
أرواح الشعراء، والفلاسفة (كتبوا أو لم يكتبوا) والدراويش والهائمين، والعارفين، والباحثين والمحزونين، والمجانين كأجمل تلك الأرواح وأصدقها.
فالمجد للأرواح المعذبة، التي تغيب لتحضر، وتتعذب لتتجلى، وتبحث لتركن، وتهفو لتعشق، وتسأل لتكشف، وتمضي في عذاباتها أبدا في رحلة سرمدية من الصفر للصفر، المجد لها في خفتها بثقلها، في سعادتها بشقائها، وفي طمأنينتها بقلقها، المجد لها في عذابها الأبدي، وبحثها المؤبد.


الصورة من عرض أوبرا (يوجين أونيجين) عن نص بوشكين وموسيقا شايكوفسكي الاوبرا
21 يناير 2017

الأربعاء، 25 يناير، 2017

الشللية الثقافية


الكثير من الأعمال الأدبية تعري وسطنا الثقافي المريض بالشللية والانقسامات،  والتهليل والتصفيق لمن نعرف، والصمت والتجاهل لمن لا نعرف.  تضعنا أمام كذبة الموضوعية التي يدعيها الجميع وهي منهم براء، وأمام الحيادية القرائية غير الحقيقية في مقابل الانتقائية القائمة بأسبابها النفسية والاجتماعية.  حمرة الغياب مثلا تفعل ذلك؛ تلك  الرواية الرائعة بحق والتي تدور باتجاهين وتقترف سردا عمانيا مغايرا وربما تأسيسيا لنضج التجربة الروائية العمانية بعد الكثير من التجارب المحاولة لصناعة الرؤية السردية، والتي تقدم ذاكرة سردية عميقة للمكان والإنسان، بكل معايير الكتابة الروائية (من عمق المضمون، وجماليات السرد وبناء الحدث الدرامي، ورسم الشخصيات) والتي لست بصدد عرضها الآن؛ صدرت في 2015 ولم يلتفت إليها أحد،  لأنها صدرت من كاتب حقيقي اختار الظل عن الأضواء، وفردانية الفعل الإبداعي عن شللية الحضور الثقافي المتبجح بالأصدقاء. إن الظل دائما هو خيار الكتابة الحقيقية والكاتب الحقيقي ومن هنا فلا لوم على الكاتب الذي يستحق كل التقدير فيما قدم من عمل، وفيما اختار من خيارات  قائمة على جوهر الإبداع وهو الفردانية والعتمة والصمت. نعم الإبداع يتحدث عن صاحبه ولا يحتاج أجراس الاحتفاء، وطبول الأصدقاء، ولذا فصاحبه يتقدم في غنى وثبات محفوفا بقوة الفعل العظيم، ونبل الفكرة التي تستأثر بروحه وتدل عليه.  هكذا أخبرنا الزمن وأخبرنا ما وصلنا عبره من إبداعات خالدة.

الثلاثاء، 24 يناير، 2017

وهم التاريخ وسدنته




فاطمة الشيدي
24-1-2007

الميثلوجيا هي ابنة الخيال الآدمي الخصب، ابنة الزمن والحكايات التي تمشي على جسده المتلوّن، ابنة الوهم الطري الذي يتخذه الإنسان وسيلة للدفاع عن نفسه، أو لحمايتها من المجهول، إنها نتاج ذلك السارد العليم الذي يقبع في مكان ما بداخلنا؛ يتقرفص أبدا في زاوية حادة بأقلامه وأحباره ومخيلته ليضيف سطرا أو بضع أسطر لكل حكاية يسمعها، ولكل قصة يعيشها، ولكل حادثة تمر عليه، ثم يمضي فيها الجمع عبر الزمن حذفا وإضافة صعودا نحو اللذة الآدمية القائمة على الحكي.
بل ولعل ذلك السارد العليم (الذي يمثلنا جميعا بلا فرق وإن كان يتفوق فيه البعض لمكانة دينية أو سياسية أو لغوية) يخترع القصة الناقصة ليبث بعضا منه، ثم يدفعها للخارج ليخلّص ذاته من ثقل ما، أو من عبء المشاعر الجاثمة على صدره ذات وهن، ثم تمضي ماشاء لها الزمن وتتحول إلى تاريخ نتناقله ونمضي به وفيه، وربما اتحد البعض به في محاولة صناعة مجد، أو تبني قضية، أو مد جذور أو استئصال شوكة صغيرة تعذب صاحبها بنقص أو ضغينة أو صغار.
يأخذ الزمن الحكايات من أفواه لأفواه ويضيف عليها الرواة المتبرعون أبدا للعطاء والصناعة والبدء من حيث توقف الآخرون ليبدأوا حكاياتهم الخاصة، وليبنوا لبناتهم الطرية -التي ما تلبث أن تتصلب يوما بعد يوم - على الجدار الصلب لتتحول صرحا من حكاية صنعها الزمن وخيال الإنسان والركون للماضي والالتذاذ به.
فالماضي هو بؤرة السحر التي تجذب الروح أبدا، إنها تلك الحالة الحنينية، شفاعة النوستالجيا، ووهم الفردوس البعيد، نصاعة البدء، ولذة القديم، والكل منجذب لهناك ومشدود له بشفاعة المشيمة والنوستالجيا الأولى.
وهكذا تمضي الأساطير ويلتذ به اللاحقون عن الماضين دون أن ينتبه أحد لما في التاريخ من أساطير، بل لعله لا أحد  لا يريد أن ينتبه لذلك، لأنه يحتاج لتلك الأسطورة ولذلك الماضي الذي يسند إليه وهمه، فيربت على شقاء حاضره ويخفّف من حدة ووهن عجزه وضعفه في آنه.
التاريخ ابن الماضي الحبيب ولذا فالكل متعلّق ومتعالق معه، والجميع منجذب إليه بأساطيره الخفية ووهمه الخرافي.
ثم تأتي الحكاية/الرواية  لتستند إليه مرة أخرى وتعيد صناعته بعد أن صنعها، وتعيد نبشه وتشكيله بعد أن شكّلها ذات يوم.  تعيد نسج الأسطورة كأم ودود ولدت هذا العالم من رحم لذتها وخرابها.  تعيد نسج الماضي في ثوب جديد، وصناعة التاريخ في شكل جديد وبلورة الأسطورة في حكي جديد عبر وسيط جديد كالرواية أو السينما الشكل الحداثي الأكثر عبورا للمتلقي الجديد.
#من مقال
 (الصورة لفيلم يحكي أسطورة من أساطير سور الصين العظيم، حول كائنات خرافية تهاجم السور والمدينة عرض حديثا عبر شاشات الفن السابع)

الأحد، 22 يناير، 2017




الرياضة من أكثر من الموضوعات النسوية الشرقية التي ينبغي أن تطرح للعلن، وتناقش بقوة كأهم الموضوعات التمييزية العنصرية التي لم تتحصل فيها المرأة على المساواة الكاملة. والتي مازال المجتمع يتحكم بنظرته الناقصة للمرأة فيها نوعا وممارسة، في حين هي جزء مهم من حياة الإنسان وصحته النفسية والجسدية، ناهيك عن كونها حلما للبعض.
فرياضة المرأة في الشرق من المحظورات والممنوعات الحادة والشائكة إلا ضمن تحديد الأطر، وتوجيه السياقات التي تمارس فيها، كأن تكون رياضة نسوية تماما بجمهورها ومحكميها... وكل ما يتعلق بها.
كما يشمل الحظر الرياضة غير المقننة والتي يفترض أن تمارسها المرأة بحرية وأمان في كل مكان من مكانها الخاص كالركض والهرولة والسباحة وركوب الدراجات وغيرها.
الأمر في مجمله ينطلق من القمع والحظر التي يمارسه المجتمع على جسد المرأة، ناظرا إليه بريبة وحذر، محيطا له بالسياجات خوفا منه لا خوفا عليه.
ولذا فرياضة المرأة متأخرة أو متخلفة جدا في الشرق، ناهيك عن كونها محدودة الأنواع أصلا فليس من حق المرأة ممارسة كل أنواع الرياضة وإن كانت موهوبة فيها.
هذا الفيلم حاول خلخلة هذا الثابت الشرقي عبر دخوله منطقة ملغّمة بالحذر والخوف حيث يتناول أعنف الرياضات التي يمكن للمرأة ممارستها والتفوق فيها؛ ألا وهي (المصارعة) وبتقديم مسوّغ من رأس المؤسسة الأولى وهو الأب الذي يقرر تعليم ابنتيه المصارعة بل وتدريبهن بنفسه عليها لتحقيق الميدالية الذهبية العالمية.
الفيلم قائم على قصة واقعية، في محاولة لتوضيح أهمية الرياضة النسوية، وإعلاء قيمتها وعدم وقوف الأنوثة مانعا فيها، بل وتفوقها على الذكور أحيانا، عبر نشر نماذج حقيقية قد تجد بعض الصدى عند المجتمع، فتحرك ثوابته، وتدفع به نحو الاقتداء بها. وإلى تفهم حق المرأة في ممارستها وتحقيق كيانها وتفوقها عبرها ، فغالبا الأفلام أكثر تأثيرا ونشرا للأفكار في المجتمعات البدائية من جميع الوسائل الإعلامية.
فكم من الأفلام العربية نحتاج في هذا الموضوع!

الخميس، 19 يناير، 2017






عندما تشاهد هذا الفيلم الذي يتناول العالم السفلي للآخر، عالم الجريمة والمافيا، عالم الموت والقتل والمخدرات والعصابات- الفيلم الذي لن يعجب البعض بالتأكيد وأنا منهم -ستخرج بفكرة نفسية عميقة بعيدا عن القتل، فكرة قالها العلم وقالها الواقع ونقلتها السينما عن الإنسان، هذا الكائن المعقد المتداخل الأمزجة والمشاعر والأفكار، والذي لا تستطيع أن تحكم على فكرة الخير والشر فيه بشكل مباشر أو كلي، في ذات واحدة.
الخير والشر، والحب والكره ليست متناقضات إنسانية، ولا محصورة في فئة دون أخرى، بل ...قد تكون حالات، أو مشاعر متكاملة، متفاوتة التجلي والبعد ، والحضور والغياب حسب الوقت والظرف الذي يستدعي حضورها أو غيابها.
الحب يمكن أن يكون متأججا في الذات الشريرة، والكره قد يكون مؤقتا أو موقوتا بحال أو فرد، والشر قد يكون قناعا، والخير جوهرا والعكس محتمل إنساني كبير أيضا.
القاتل قد يكون أبا حنونا وزوجا طيبا، وعما نبيلا .بل وقد يبرر أفعاله الشريرة بدعوى الحب، أو بالحاجة أو أي مبررات أخرى أكثر نبلا ومسئولية تتعلق وتتعالق مع الأفكار الكبرى كالبقاء ومساعدة الآخرين أو حتى أن سلب القليل مما لدى الأغنياء لن يزعجهم ويؤثر عليهم.
والموت حين يقتل هو وسيلة للحياة والنجاة، ولكنه شر محض، وظلم كبير حين يُقتل ابنه مثلا، وهو قاتل مدفوع ومرغم، بينما القاتل الآخر حقير وظالم.
هل هو التبرير والتعليل لما نقوم به، أم أن المشاعر والأفكار فعلا ليست محددة بل متداخلة ولا كلية داخلنا، بل هي ظرفية ومؤقتة؟!
هذا إضافة إلى أن تعقّد الحياة والظروف والمجتمعات يزيد هذا الكائن (المعقد أصلا) تعقيدا واضطرابا وذهابا في الارتباك والفوضى الداخلية التي تنعكس على الفوضى الخارجية، فيصبح سلوكه مرضيا (سايكوباث)، ويحتاج فعلا للانسجام مع ذاته، وفهمها، وعيا ولا وعيا. الأمر الذي لا يتاح للجميع.
فكم من البشر متصالح مع نفسه، منسجم معها عبر الذاكرة والحلم والوعي واللاوعي. يتحدث إليها، ويفهم رغباتها، ويستقصي أوجاعها ولا يقصيها، كي لا تتفاقم العقد وتكبر وتتصلب، وكي لا تتصاعد المكبوتات لتصبح أمراضا نفسية !

إيجابية الرقمية

رغم كل مثالب مواقع التواصل في تسطيح الثقافة وتسليعها أحيانا، وفي سرقة الوقت وفي ظهور الكثير من (أبطال الوهم) إلا أنه لا يمكن التنكر لدورها الإيجابي في المشاركة وخلق وعي ثقافي عام وإعلام بديل..  مشاركة ما نقرأ، ونستمع له ، ونشاهده، من كتب وأفلام وأغنيات، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي يمثل أنبل وأجمل قيمة لهذه المواقع من حيث مشاركة انطباعتنا العابرة، وأفراحنا الصغيرة، ومباهجنا الخاصة مع من يتقارب معنا في المزاج أو في الوعي، كما تمثل واجبا من حيث التعريف بها (الدعاية لها). كرسالة عميقة وجادة لنشر الوعي، وبث عدوى الجمال للعميق والجارح والحقيقي من الأشياء والأفكار والكتب والأفلام.
شخصيا أتبع الكثير من المقترحات لكتب أو أفلام أو أقلام، وغالبا لاأندم، وحتى لو لم أتح...صل على ما يدهش، فلن أتحسر لأنني أيضا أريد أن أفهم أذواق الآخر وكيف يفكر.
ولعل هذا الدور إضافة لمعرفة الأحداث المستجدة أهم من قراءة النصوص وكتابتها، لأن النصوص التي تكتب هنا غالبا نصوص سريعة وهشة وغير ناضجة، والقراءة المعمقة للمقالات أو الكتب هي الأولى.
لنكتب عما قرأنا وشاهدنا، لنضع نصوصا ونشجع على كتب وأفلام، لنتفق أو نختلف حولها .. المهم أن نبث عدوى الحلم والجمال والكتب والموسيقا والأفلام ولنحفز عليها ما استطعنا لذلك سبيلا .. فعدوى شخص واحد تمثل قيمة حقيقية وهدفا كبيرا.

ثقافة المقهى والمجتمعات




حتى وقت قريب لم تكن ثقافة المقهي (وهي التي تتيح للفرد ممارسة حريته الفردية في القراءة والكتابة والتأمل والصمت والحوار وغيرها ضمن الجمع العام، كما تربي احترام الفردانية والخصوصية من قبل الآخر) _ شائعة في المجتمع العماني إلا من مقاهي الشوارع البائسة حيث تأخذ ساندويتش أو شاي أو قهوة من نافذة سيارتك من مكان أقرب للصندوق القذر منه للمكان الحالم والمتسع الذي ينبغي أن يكون عليه المقهى (ولعل الأمر يعود لتربية الإنسان بتأثير من السلطتين السياسية والدينية)، أما اليوم فمما يبهج انتشار... ثقافة المقهى التي بدأت تتسع وتتمدد قليلا قليلا، فتجد المقاهي (القليلة مهما كثرت) تعج بالرواد من العمانيين مع غيرهم من الأجناس الأخرى، والمبهج أكثر أن تجد النساء تزاحم رواد هذه المقاهي من الذكور لتحتل مكانها الإنساني منفردة أو ضمن جماعات في أماكن حية وطبيعية بعيدا عن الظل والكبت، وهذا مما يربي الأمل في تخلخل ثقافة العيب وما يمثلها من الأطر الجاهزة نحو ثقافة الانفتاح والتحرر رويدا رويدا .

الثلاثاء، 17 يناير، 2017

الرواية النسوية بين نموذجين

فاطمة الشيدي
جريدة عمان - ملحق شرفات
17- 1-2017

الرواية النسوية هي الرواية التي تعالج حالة أو فكرة نسوية بطريقة جادة وعميقة، لتضع فيها اليد على مكمن الجرح، كي يشعر القارئ بما يقع على المرأة في كل زمان ومكان من ضيم وقهر وعنف أحيانا. والأدب النسوي الذي ظهر وقوي في فترة من الفترات في كل أنحاء العالم بدأ يتراجع مع تقدم وعي المرأة، وتشكّل مجتمعات مدنية وحضارية تنظر للمرأة بعين المساواة والعدالة بتباين تلك النظرة وتلك المجتمعات في الحالة المدنية، إلا أنه رغم كل هذا لا تزال القضية قائمة، والظلم حادثا في كل مكان، ولكن لعل الصورة أكثر حلكة في مجتمعاتنا العربية، التي تحاول فيها المرأة جاهدة الحصول على حياة كريمة وسط مجتمع ماضوي متعلق ومتعالق بجذوره الذكورية، ووعيه غير المنصف في حق المرأة.
وهنا ينبغي التأكيد على أن الأدب النسوي أدب يتعلق بالكتابة عن قضية المرأة، وليس كتابة المرأة بشكل مطلق، فالمرأة قد تكتب أدبا نسويا، أو غير نسوي، فيمكن للمرأة الكاتبة أن تعالج التاريخ والوعي وقضايا المجتمع وإنسانية الإنسان في كل مكان. كما يمكن للرجل أن يكتب أدبا نسويا يتخيّر فيه قضية ما، ويعالجها بوعي خارجي ومحايد، وينظر إليها نظرة إنسانية بحتة.
وهنا نعرض لروايتين؛ الأولى تمثل الأدب النسوي تمثيلا عميقا، وهي رواية جنى فواز الحسن (أنا ..هي والأخريات) حيث تناولت الكاتبة القضية النسوية وما يشملها من عنف وكبت اجتماعي يذهب بالمرأة نحو الرضوخ والتسليم والبحث عن أي وسيلة للحياة ضمن الإطار الاجتماعي وهو الزواج مهما كانت عواقبه، ففي قصة (سحر) الفتاة التي ولدت في مجتمع ذكوري يمجد قيم الذكورة والأسرة والمجتمع ولا يحفل بالإنسان ودواخله، وفردانيته، سحر الطفلة التي تذهب للبعيد الداخلي هربا من برودة أمها وغياب والدها، فتوجد لها عالما من الأوهام وتعيش فيه، ثم تفكر أن الزواج هو الحل لكل مشاكلها، ولذا تستجيب لأول شاب يقترب منها وهو سامي، سامي المتدين الذي يحولها لشيء من ممتلكاته الخاصة، عبر احتجازها في ظل رغباته، وعبر الضرب بدون سبب، فتهرب منه لحضن عشيق انتقاما لروحها وجسدها، ثم تلجأ للانتحار.
هكذا أرادت جنى فواز الحسن أن تقدم قراءة نفسية عميقة بلسان الأنا عن واقع المرأة العربية، حيث انطلقت الراوية في كتابة سردية سرية بصوت الساردة/ ‏‏‏البطلة (سحر) من طفولتها بين أب شيوعي منكسر، وأم لم تكن تريد من الحياة أكثر من رجل، وغيابها الداخلي عبر الذات والحياة، فاستيهاماتها الجنسية الأولى التي كانت الحل للهروب من واقع لا تريده، حتى زواجها بأول رجل غازل أنوثتها لتهرب من جحيم التجاهل الأسري، الرجل الذي تحول مع الوقت لجلاد حقيقي ومعنف لزوجته بلا قدرة منها على مواجهته، فخروجها للعمل الذي وفّر لها مساحة من الحرية لتتخذ صديقة تسرّي معها عن بعض ما يعتمل في نفسها وعشيقا تعاقب به زوجها، وتحقق به ذاتها. لتنتهي منتحرة يتم انتشالها في آخر لحظة.
إنها حكاية بسيطة ومتكررة وتشبه الكثير من النساء في مجتمعاتنا العربية -التي مهما تقدمت وتطورت تظل ذكورية، وتظل المرأة فيها محاصرة بالسلطة الاجتماعية، ولكن الفارق أن جنى فواز الحسن ترسم بعمق ووعي نفسي أكثر منه اجتماعي كل الشخوص التي تضعهم في مسارات السرد، وخاصة النساء، فهي تقدم صورة داخلية للأم والأب والعمة سامية وجارتها فدوى، وهالة الصديقة التي غيرتها وأمدتها بالقيمة الإنسانية للتغيير. إضافة لثلاث بورتريهات ذكورية معمّقة هي: والدها الشيوعي المحبط وزوجها سامي العربي، وعشيقها ربيع. محاولة عبر تلك الشخوص رسم حدود الواقع الاجتماعي الذي يعيشه هؤلاء، متوغلة ضمنه إلى الداخل النفسي لفهم بعض ما يعتمل في نفوس هذه الشخصيات من أفكار وأوهام تحركها كمنطلقات نفسية في اللاوعي لتصدر عن تلك التصرفات.
لم تسرف الكاتبة في السخط على المجتمع وظلمه للمرأة، رغم ما هو حادث فعلا عبر أحكام المجتمع الجاهزة والجائرة ولكنها كانت تقدمها كأحكام عامة للجميع. وفقط حمّلت المرأة كثيرا هذا الألم بشكل كبير ودورها في مواجهته، وإن كانت قدمت أمها كصورة سلبية للمرأة قدمت عمتها سامية كصورة للمرأة الحرة التي تدفع ثمن كرامتها والتي وصفتها بأنها العدو للأول للإنسان.
وبلغة عذبة، وسرد واضح ومتتابع، ورسم دقيق للشخوص طرحت الكاتبة القضية النسوية، القضية التي عرضتها بهدوء ووعي وبلا ضجيج أو سخط مفتعل، وثم بانفراج العقدة الكبيرة وهي (انتحار سحر)، وجهت للحل الضمني لهذه القضية، والذي يتمثل في مواجهة المرأة للظلم بقوة وشجاعة، وعدم الاستسلام للضعف والوهن، وصناعة الفرح بكل المسببات مهما كانت بسيطة، في حين مررت بعض القضايا الجانبية كالفهم الخاطئ للدين، والتغيرات التي طرأت على المجتمع العربي، وظلم السجان، والقضية الفلسطينية التي فقدت عمقها، وغيرها من القضايا العميقة التي تناولتها عبر تأثيرها في شخوص الرواية فقط، بل محاولة جادة للتعرض المباشر لها، وكانت النهاية رائعة جدا، فالأمل الغامض الذي بثته البطلة؛ يمثل فكرة الخلاص الذاتي الذي ينبع من الداخل، والذي على المرأة التمسك به، فلا تبحث عن شيء من أي كائن لآخر.
في حين أن رواية «أحببتك أكثر مما ينبغي» للكاتبة أثير عبدالله النشمي، كانت تروم القضية النسوية أيضا، ولكنها للأسف لم تقدم سوى حكاية مضطربة يمكن أن نعتبرها نموذجا للمراهقة اللغوية الفكرية أكثر مما قد تمثل اتجاها نسويا، أو سردا عميقا وجادا، فالرواية التي تدور أحداثها في المغترب العلمي، حول علاقة بين فتاة عشرينية بسيطة ونقية بشاب ثلاثيني لعوب يتعشق النساء ويذهب في علاقاته النسوية ما شاء له المكان والطيش؛ تمثل سردا مملا لتلك العلاقة المترددة أبدا بين شد وجذب، ولذا فلا يمكنك أن تقبض على عنصر من عناصر الرواية الرصينة، فالشخصيات التي تتمركز حولها الرواية (الأشبه بتسجيل يوميات ورسائل) محدودة الحضور والتفاعل إلا من البطلة التي تحرك مجرى السرد ضمن الحالة العاطفية عشقا وألما، في حين تختفي تصاعدات السرد نحو الحبكة الروائية التي يمكن أن نعتبرها اعتباطا «زواج البطل من أخرى»، كما أن الرواية كتبت بلغة هشة وبسيطة لا يمكننا أن نعتبرها شعرية وإنما تداعيات نفسية وعاطفية فقط، أما المكان الأوروبي فلم يأخذ حظه من الوصف، فالساردة كانت تعبر كل شيء بسرعة، وتقفز فوق كل عناصر السرد؛ لتخبر القارئ فقط عن علاقتها بعبد العزيز، تلك العلاقة التي تصعد وتهبط وتذهب وتجيء حتى النهاية التي تركت الباب مواربا فيها.
ورغم أن فكرة الرواية يمكن أن تمثّل جانبا مهما وعميقا من القضية النسوية، فالكثير من الفتيات في هذا العمر سيما تلك اللواتي خرجن من مجتمعات وأسر ضاغطة وعشن حياة الكبت والحرمان العاطفي ثم انفتحت بهن السبل لاحقا نحو مجتمعات منفتحة؛ يقعن فعلا في شرك الرجل الأول عاطفيا، ويتعرضن للابتزاز العاطفي من الرجل اللعوب، ويذهبن في فخ العاطفة المفقودة غير مذهب، إلا أن الرواية للأسف لم تقل أكثر من خيالات مراهقة، ولا يعوّل عليها في تحليل القضية، أو تقديم وعي نسوي متقدم، أو تقديم نموذج إنساني أو حتى حلول يمكن أن تتمثلها الأخرى، بل على العكس تماما فهي تربي العاطفة الساذجة، وتدفع للالتذاذ بها في غير وعي وانتباه.

الاثنين، 16 يناير، 2017

من ديوان كنت في البدء شجرة، دار الانتشار العربي - بيروت  2016

متواليات الهشاشة

1.


أيها الشعر لا تذهب بعيدا

أرجوك
فأنا ولدتُ برئة واحدة
وصدري موبوء بالربو والكلمات
حررني من الكلام العالق بالمريء
وذلك الذي يحزّني في الحنجرة
حررني من براثن الرؤيا
وصرخات الرفض المكبوتة
من شوكةٍ في الفؤاد
وجمرة مستعرة كالجوي
تحرّق كبدي
ولا تستطيب إلا رائحة الورق والاحتراق
امسح على جرحي القديم بقصائدَ عنترة
وأرتق ثقوبي بلامية "الشنفرى"
وأحزان الشعراء المنفيين
بانقسامات الرؤية والوعي
وأوجاع الغرباء
كقروح الملك الضليل
وعزلة "المعري"
وتشظيات "السيّاب"
خذني إليك بكل بيت جميل ذاهب في التصاعد والارتقاء



2.

أيها الحب اقترب أكثر
فأنا مذ كنتُ محاصرة بالخوف والرعب والظلام
وثمة عنكبوت أسود ينسج حكاياتِه وبيوتِاته الواهية في كل مكان من جسدي وروحي
حرّرني مني
من عقدة الذنب
والأماكن المغلقة
من الصمت المطبق على صدري ككابوسٍ يتكرر كل ليلة
ساعدني كي أصرخ
كي أدلل أحزاني بقصائدَ العشق الباهتة
وأسكر بالبوح
وزّعني في أغنيات الماء والتيه
وألحان المسافات والمدى
كي أردد أناشيد اللذّة بحرية وجنون
اجعل أظافري أزاميلَ المجاز الطري
كي أرسمَ لوحاتِ اللوعةِ المرهفة على ظهرك
وأنقش منمنماتِ الرغبة الحارقةِ بألوان قوس قزح
وأحفر مدنا من سحاب وندى
بمتاهات كثيرة متشابكةِ المداخل والمخارج
أختبئ فيها كلما داهمني الخوف والحزن



3.

أيها البحر أغرقني في زبدِك الرهيف
كي أدلل هشاشة قلبي
وأعرني الكثيرَ من ملحك الحنون
كي لا تفسدَ ذاكرة أحلامي المريضة
اقبلني حوريةً خرقاء بنصف جسد
ونصف قلب
غنِّ لي نصفَ أغنيةٍ على وهجِ نصفِ قمر
وموجةٍ رعناء تنكسر بلذة
ثم تعاود ارتجال الفرح
وتضحك حين تلمس أقدام الشاطئ في الظلام
وتغريه بالسعي خلفَها
ضريرا متولّها
قبلني نصفَ قبلةٍ
وعمّدني بنصفِ أمنية
فأنا ألتذّ بالنقص
وترعبني الأشياءُ الكاملة



4.

أيها الليلُ اشملني بالحلكة اليابسة
والحكمةِ الضارية
كي أنادم شجيراتِ السمرِ التي تنام في الوادي وحيدة
تحتضن الظلامَ
أقرضني عينيكَ المسمولتين كي أتتبع عوراتِ العالم الموجعة
للأمهات والأطفال
وللصعاليك والشعراء
وخذ ما تبقي من حلمي القديم
وزّعه على القططِ والكلابِ الحائمة في جوفك
أو على السكارى والمتشردين
فله رائحة الخبزِ
ودفء الأجنة
وإشراقة قلبين غضّين عند التحام الهوى
سيكفيهم مؤونة الشتاء
وسيكفيني عبء انكسار الظَهر
فالأحلام ثقيلة يا صاحبي



5.

أيها الحلم العاقد تعويذته عند أقدام الرب
بسمت نبي تتبتل له المعجزات
أو ساحر ينفخُ في كمه
فتنْهد أجساد الحقول تحت وقع يديه
ويطير منها الفراش
تنحَ قليلا عن متاريس البهجةِ المغلقة
انزل من عليائِك بخفةِ ملاك حنون
صافح جثثَ الأطفالِ
وترقرق في دموع الأمهاتِ والعجزة
وابتسم للجياع
وتعلم فنونَ البكاء








السبت، 14 يناير، 2017

وقفة للعام الجديد

فاطمة الشيدي

القدس العربي
Jan 14, 2017


كل عام وفي البرزخ الزمني بين عامين نقف، نسمع همس السنة الفائتة للسنة القادمة، كأم على فراش الموت توصي صغيرتها، وهي تمسك يدها وتبتسم بإعياء، تحدثها عن الظلم والقهر الذي مشى على جسدها بخشونة وألم، عن الموت الذي أكل أطرافها قليلا قليلا، وعن صدى ضحكة في مكان بعيد وصلتها باهتة فأشعلت لحظاتها بالفرح، وعن لهفة عاشقين تحت جسر مظلم تبادلا القبلات والدموع
في لقاء عابر. تحدّثها عن الكثير من الدم الذي غسل بحرارته أرصفة العالم، والكثير من الحب الذي أضاء قلوب خدّرها الوجع، عن صرخات أقلقتها ونظرات أربكتها ودموع أرهفت لها السمع، عن قلوب خاوية تذهب في النشيد الكبير، وأرواح عامرة تسكر بالأمل الكاذب بصعوبة وحشرجة.
تقصّ السنة الذاهبة حكايتها الطويلة، لطفلتها القادمة ربما على سبيل العبرة والعظة، وحين تنفلت يد من يد نتمرأى ـ نحن الكائنات الخائفة من الزمن أبدا ـ صورنا في مرآة منكسرة بينهما، نلملم شظايا الأمنيات، ونرقي بقايا الأحلام، ونصلّي ليكون القادم أجمل، قبل أن يستقيم ظلنا في زاوية العام الجديد ونطعنه بخطواتنا المرتبكة بحيادية ولهاث.
في نهاية كل عام نقف وقفة تأمل، مع الذات والآخر والحياة، نعيد تقييم مسيرتنا الذاتية والإنسانية، ننظر نظرة طويلة للوراء، ماذا فعلنا؟ وماذا كان ينبغي أن نفعل؟ هل نحن راضون عما حققنا من منجزات تخصنا وتهمنا دون غيرنا؟ عن سعادة نبحث عنها؟ هل كنا أبطأ مما يجب؟ أو أقل اجتهادا مما يجب؟ أو أكثر حماسا ونزقا؟ أين الخطأ في النقص الذي تحصّلنا عليه؟ ولماذا الكثير من الآلام لاتزال تنحر الروح؟
نتساءل قبل كل هذا ماذا كنا نريد؟ وهل حصلنا على كل ما نريد؟ هل وضعنا نصب أعيننا أهدافا لتحقيقها؟ وهل حققناها أو حققنا بعضها؟ هل كنا واعين في التعامل مع صحتنا وأجسادنا من خلال الاهتمام بالغذاء والرياضة؟ هل كنا منصفين في التعامل مع أرواحنا بالتأمل والصلاة؟ هل قرأنا ما يجب من الكتب؟ وهل كتبنا ما نشتهي من النصوص؟ هل ترجمنا تلك الأحاسيس التي توخزنا كالإبر أو الشوك فرحا وحزنا ووجعا وندما لنصوص حقيقية عميقة، كانت بمستوى شعورنا الجارح بالحياة، أم أننا هربنا من الكتابة كي لا نتمرأى جروحنا في مرايا النص، لأننا تعبنا من أن نجسد خيباتنا نصوصا شهية يتلمظ فيها القارئ بأوجاعنا!
هل كنا في مستوى النص والفكرة والكتابة والحياة والإنسانية في مواقفنا؟ أم كانت مواقفنا باهتة وشحيحة الضوء كأعشى يراوح مكانه وهو يظن أنه يقطع المسافات؟ هل انتصرنا للإنسان في أعماقنا بكلمة؟ أم خدّرنا أوجاعنا بالجاهز من الكلام والسطحي من المواساة؟ هل حلمنا ما يكفي من الأحلام
هل صرخنا ما يليق بنا من الصرخات في وجه الحياة الفجة، والقلوب السوداء، والضمائر النائمة، واللسن المسنونة، والقيد المتحفز؟
هل قلنا «لا» بشكل نقي يشبه البلور ويشبه إيماناتنا العميقة بالخير والحق والعدالة، للوهن الرابض فينا، وللعادات الوقحة التي تحد من تحررنا، وللماضي الرتيب الذي يحتجزنا في خانته؟ وللفوضى والعبث اللذين يجرانا نحوهما، وللعصابات الكثيرة التي تنتشر حولنا؟ للزيف والكذب والنفاق والخوف الذي يسكن الكثير من النفوس؟
هل نفضنا عنا الكثير من الغبار والشر والحقد والبريق والسعي وراء السطحي من الأشياء، لنصبح أكثر رقيا ونبلا في عبورنا الخاص؟ هل آمنا بالله كما يجب؟ وبأنفسنا كما يجب؟ وبالكتابة كما يجب؟ وبالحياة كما يجب؟ وبالإنسان كما يجب؟
هل لوّحنا للعام المنصرم بخفة ورشاقة لأننا لم نؤجل الكثير من المشاريع الي تكلست على ظهره، وسنحمل القليل منه ومن أحلامنا ومشاريعنا للعام القادم وبنية صادقة لتحقيقها؟ هل غفرنا لأنفسنا وتصالحنا معها؟ هل غيّرنا طريقنا الذي كان يمكن أن يتقاطع مع آخرين، لنشعر بالأمان والهدوء والسكينة بعيدا عنهم، وتركنا لهم بكل أنفة واحترام مساحاتهم الباهتة والقابلة للسقوط والتثني والانحناء كأي عصا رخيصة، أو التلون كأي حرباء كاذبة، أو الظهور كنيزك سيسقط حتما؟
هل تعلمنا كيف نتقبل الآخر كما هو، ونحترمه كما هو؟ وكيف نزرع زهورا صغيرة على شرفات أرواحنا للقادم ستنمو خيرا ومحبة وجمالا؟ هل تشربنا موسيقى العالم لتتخلل عظامنا وترهف أرواحنا وتعيننا على الطيران بدعة وسكينة؟ هل قرأنا الحياة كلوحة متجزأة ومتعددة ومتداخلة الألوان، فيها الكثير من الجمال من الشروق حتى الغروب حتى حنانات صوت عصفور وحيد، وارتباكة نملة أمام يد طفل تقبض عليها؟
هل تعلمنا كيف نقرأ أبجديات الرضا، وكيف نعانق أفق الحياة الممتد، وكيف نتسامى على الألم والقبح والزيف؟ وكيف نستشعر جمال الأمل، وكيف نتذوق على مهل رضاب السماء، ونغني أغنياتها الطيبة، وكيف نحتجز الوجع خلف ابتسامة خضراء، ونقايض كل شيء بكلمة حسناء؟
هل ضحكنا كما ينبغي لكل فرح دغدغ قلب العالم كميلاد طفل، أو تحرر شعب، أو أمل فتح كوة في قلب العالم للحرية والعدل والمساواة؟ وهل بكينا بما يكفي لكل الموت والخراب الذي عمّ العالم؟ هل تعلمنا كيف نعمّد الروح بالحلم كي تستفيض في البهاء؟ وكيف نذرع مسافة الفرح على ضحكة طفل يتيم؟ وكيف نقيم على حدود الأشياء، وهوامش الكون لننتشي بالغربة واحتمالية الغياب؟ وكيف نتدرب على النيئ من الفرح، والهش من الدمع، والطازج من الحنان؟ وكيف نحيا الحياة كقصيدة لن تكتمل؟ هل قرأنا ما يكفي من الكتب، وهل شاهدنا الكثير من الأفلام التي تعد تقييمنا لنا وللحياة والإنسان؟
هكذا نقيّم حضورنا في عام فائت. ثم نشعل شمعة لعام جديد وأحلام كبيرة وكثيرة، نأمل أن نحققها فيه، ونضع أهدافا واضحة ونسعى لتحقيقها بجدية ووعي. ولعل أهم هذه الأهداف؛ التقليل من العالم الافتراضي السارق للوقت، والمغري بفتنة ليست ناضجة ولا جارحة في حقيقتها بما يكفي وإن بدت كذلك، والاقتراب من العالم الأرضي في المكان والإنسان بما يسعف العمق الوجداني والحياة الحقيقية، وزيادة القراءة العميقة، والاستماع للموسيقى الجارحة، ومشاهدة الأكثر من الأفلام والمعارض، والجمال والطبيعة، والكتابة الجادة وتنقيح المخطوطات المتراكمة في الأجهزة قبل الغياب الذي لا ميعاد له.
كما علينا الاعتناء برفع منسوب المحبة للأحباء والأقرباء والأصدقاء بقضاء الوقت بينهم وشفاعة الزمن في أرواحهم الصادقة، وزيادة الاهتمام أكثر بالتفاصيل التي تشعل الروح، وتشغل العقل، وتنفع الجسد؛ كالتأمل والصلاة الروحية، والرياضة والصحة والسفر والعمل الجاد والتحصّل على علم أو معرفة جديدة، أو اكتساب مهارة جديدة دائما. والبعد ما أمكننا عن كل القبح والعاهات والأورام والأوهام التي تمشي على قدمين، والتخلص من كل الأحقاد والتفاهات والصغائر اللاإنسانية، والانحياز التام للجمال والخير، والاتساع الضمني، والتعددية الفكرية والروحية، وتربية الضمير الكوني والإنساني الحي. هذا هو أهم ما على المرء التأكيد عليه كل عام، ومن ثم جدولة الزمن الذي يتسرب من بين أيدينا (كقابض على الماء خانته فروج الأصابع) لتحقيق هذه الأهداف والأمنيات، ولكي نليق بإنسانيتنا ووعينا.
كاتبة عُمانية

الثلاثاء، 10 يناير، 2017


قبل أمسية قاسم حداد كنت حائرة هل أذهب أم لا؟
فكرت كثيرا وبجدية كبيرة أنني تقريبا قرأت كل ما كتب من كتبه، وعبر موقعه، كما يمكن متابعته عبر اليوتيوب، وربما حتى هذه الأمسية تنشر لاحقا، وقد تكون المتابعة الخاصة أكثر تركيزا وقربا.
فهل أصبحنا كائنات رقمية نكتفي بما تقدمه لنا هذه العوالم، وهو كثير وواسع ومتنوع؟ وهل حولتنا الرقمية لكائنات كسولة تتردد في الذهاب نحو المعرفة الحية، وبالتالي نحن ننحسر للداخل، فنكتب في العزلة، ونكتب لمن لا نعرف، ونقرأ عن بعد للجميع؟
وهل هذه الحالة صحية، أم أنها حالة نفسية اغترابية تذهب بنا نحو العزلة المرضيّة والتوحد المربك؟!

الجمعة، 23 ديسمبر، 2016

لهذا علينا أن نذهب للسينما !

في كل فيلم وكتاب أقيم حوارا، ثمة أفكار كانت تسكنني قبل الكتاب، وقبل الفيلم (الذي ما هو إلا تجسيد لكتاب أيضا) تنتشي، وتبعث من مكمنها بين يدي الفيلم أو الكتاب، وثمة أفكار ناقصة، وأفكار بلا ملامح وهناك تكتمل وتتشكل.
1.
انتبه للجمال الجانبي (انتبه للجمال الجانبي) هذه الفكرة العظيمة التي ينبثق منها عنوان هذا الفيلم والتي حاول تجسيدها (ولم ينجح كثيرا). الفكرة الإيمانية بالجمال الضمني، والبعيد المبثوث في الكون.
الجمال الجانبي الذي لا ننتبه له غالبا، ولا نأبه به في سعينا الحثيث لبلوغ هدف أو غاية ما، ولكنه القيمة الحقيقية ضمن فكرة (الرحلة أهم من الوصول).
الجمال الذي يمثل فكرة الإيمان (ما أخذ منك إلا ليعطيك) أي ليعوضك بخير مما أعطاك، أو ...رحمك من أمر خفي عليك، إنها (الخيرة) التي يسعى المؤمن ليفسر بها كل جوانب الحياة ليشعر بالاطمئنان والراحة، وتسعى علوم التنمية الذاتية لتقديم وعي نفسي وفكري بها عبر فكرة الرضى والقناعة ومحاولة تجاوز الأزمات النفسية بالانفتاح على المشكلة وفهمها لتجاوزها .
هذه الفكرة التي علينا التفكر والتمعّن فيها بوعي هي روح هذا الفيلم الذي يقوم على حكاية فقد رجل ناجح في مؤسسته الإعلامية لطفلته ذات الست سنوات، فيهجر بيته وزوجته وعمله وأصدقاءه، ويذهب في الحزن والتشظي، فيكتب رسائل للموت والزمن والحب في محاولة لفهم هذا الفقد الذي أربكه وزعزع علاقته مع الوجود ومع نفسه، محاولا فهم الزمن والموت والحب، وعبر هذه الأفكار الفلسفية الكبرى الثلاثة يحاول أصدقاؤه إرجاعه للحياة . حيث يستأجرون فريق من الممثلين لتجسيد الزمن والموت والحب.
هذه الثلاثية التي قام عليها هذا الفيلم والتي لم تكن مقنعة جدا (تمثيل ضمن التمثيل) إلا أن الأهم هو طرح فكرة محاورة هذه القضايا الثلاث التي هي محور تفكير الإنسان الوجودي منذ وجد على هذه الأرض بل لعلها مصدر كل معرفة وفلسفة ووعي، ولا ندري أيها الأكثر اجتراحا وأهمية في الذاكرة الإنسانية.

2.

اتبع شغفك، وكن حلمك، هكذا قالها هذا الفيلم بوضوح وحِدّة عبر الموسيقا التي رافقت كل مشاهده، عبر الجسد المتحرر من ربقة الصمت الذي يعيشه الأغلبية، ناهيك عنّا نحن أبناء الأجساد الصامتة والأحلام المتحشرجة حتى الموت. الموسيقا التي حررت الجسد من صمته وأخذته للرقص معادل الحرية، معادل الحياة.
اتبع حلمك وكن شغفك قالها الفيلم بقوة، عبر ذهاب كل من البطلين وراءه حلمه، وتحقيقه بعيدا عن الآخر (هذا لا يهم ما دام كل منهما قد حقق حلمه). الآخر مساند للحلم غالبا، وشفيع له، ولكنه ليس الحلم أبدا، نحن نحلم لنعيش، كما نفكر لنستمر خارج الصمت، داخل الحوار الأبدي مع الحياة ومع الأفكار ومع الكائنات.
الحلم الذي قد لا نعرف ماهو، ولكننا نعرف إنه دافع البقاء، وحين يتمكن الحلم منا لا نستطيع أن نعيش خارجه، نحن نعيشه ونستمر به، هو محركنا ونحن مبعثه.
ولذا ولكي نحيا على كل واحد منا أن يتبع حلمه حتى النهاية، التي قد تكون الموت في شكل آخر. لا يهم أن تتوقف أسباب الحياة كالمال والشباب وغيرها، المهم أن لا يتوقف الحلم، وأن يكون لدينا دائما ما نحلم به، ما يدفعنا للحياة عبر الذهاب خلفه. قد يكون الحلم هو الحب أو المال أو الصحة أو الشهرة أو التحقق في الفن أو الكتابة، المهم أن يدرك الإنسان شغفه الأهم وحلمه الأكبر. ليتحد معه ويعيش له ثم يموت معه.


السبت، 17 ديسمبر، 2016

جدلية اللغة والإنسان

 

فاطمة الشيدي

القدس العربي
Dec 17, 2016

 
يتفاعل الكثير من الكتّاب مع القضايا الساخنة التي ما أن تظهر على الساحة السياسية أو الاجتماعية، العربية منها أو الدولية، حتى يهرعوا لتدبيج المقالات السريعة للتعبير عن مواقفهم – الواضحة أو المترددة – منها، لإظهار حالة من التفاعل الثقافية والإنسانية التي ينبغي أن يكون عليها الكاتب المتابع كما يعتقدون. سواء كانت تلك الكتابات عبر الصحف الورقية والرقمية أو حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وحين تنظر إلى هذه الكتابات التي تنثال بين قضية وأخرى نظرة تأمل وتحليل وتدقيق، تجد أن هناك جدلية قديمة بين اللغة والإنسان لم تحسم بعد، وقد لا تحسم يوما، فهناك هوة معرفية واسعة بين الكاتب والنص، وفجوة عميقة بين الكلمة والضمير. فالكثير من هؤلاء الكتاب تحرّكهم للكتابة غايات بعيدة أو قريبة؛ كالمال والشهرة والمنصب أو المجاملة والتزلف، أو النيل من فئة أو من شخص أو من فكرة، أو حتى عقدة نفسية محكمة القبض على الوعي أو اللاوعي، ومنهم من يكتب من أجل لقمة العيش، وبالتالي يعبّر عن فكر مؤسسة أو مسؤول أو دولة يعيش فيها، فلا منهج خاصا له فيما يكتب، والقليل منهم فقط يكتب من وحي الضمير والوعي وحب المعرفة، أو لواجب الكتابة وشرفها. ولذا تجد كاتبا باسم العدل يدين الإنسان ويمتدح الديكتاتور في حين أن الحقيقة واضحة إلا لمن يرغب أن يخفي الشمس بالغربال، وهناك كاتب يتحدث عن النسوية وهو ذكوري حتى النخاع، وهناك كاتب يحتمي باسمه الكبير ليدس لنا الكثير من الترّهات أو التشوهات الأخلاقية والفكرية، وهناك كاتب يبني اسمه متسلقا على كل ما يتيح له الوصول من الجدران والأكتاف والسيقان.
وبالتالي تتجلى تلك الجدلية العميقة والجارحة بين الإنسان واللغة، أو بين الكاتب والنص فلا يمكنك أن تحكم على مستوى النص من عمق الكاتب وفكره وإنسانيته الخاصة التي تعرفها أو سمعت عنها فقط، كما لا يمكنك الحكم على عمق الكاتب وموضوعيته وفكره ووعيه والتزامه من نصوصه وكتاباته مهما قرأت له وتتبعت ما يكتب وربما حفظته.
بل وكثيرا ما نصدم من كاتب أحببنا نصوصه وآمنا بها زمنا، بعد معرفته الشخصية أو بعد موقف من مواقفه الصادمة لوضاعتها، كأن يقف منحازا لسلطة ما بعيدا عن إنسانه طمعا ورغبة، أو خوفا وتحرّزا، وقد نردد في دواخلنا (أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه)، كما أنه يحدث كثيرا أن نعود إلى نصوص كاتب ما بعد أول تماس حقيقي بيننا، أو بعد موقف إنساني رفيع له، فنبحث عن كتبه، ونقتني منها ما يزيدنا احتراما وتقديرا لإنسانيته ووعيه.
ومن هنا ظهرت مسميات المثقف وأشكاله كالمثقف الملتزم، والمثقف الاجتماعي، والمثقف العضوي الذي لعله حالة نادرة جدا في ثقافتنا العربية، خاصة ذلك المتمتع بالوعي الراسخ والعمق المتين، والذي يركز على نقد جميع السلطات بوعي ومسؤولية وعشق للأرض والإنسان، وهو يدرك أن دوره في الحياة هو النقد والمماحكة، وعدم التسليم بالمطلق من الأشياء، فالنقد هو بداية الإصلاح، والخطوة الأساسية للتعديل والتطوير والمضي للأمام.
ولأن هذه الجدلية العميقة بين اللغة والإنسان، والكلمة والضمير قائمة، وربما تظل قائمة إلى الأبد؛ لانعدام القدرة على تفكيكها، أو وضع معايير واضحة ودقيقة للحكم بها، أو بيانها وتفنيدها بتوضيح قوة الحقيقة في النص، أو قوة الضمير في النص؛ فما علينا إلا أن نعتمد التفريق بين النص وكاتبه، فلا نؤخذ بالأسماء والألقاب بل نحتكم إلى عمق النص وقيمته الذي يعكس جوهر الإنسان ووعيه، مهما كان حضور الكاتب وثقله وكتبه، فهوية النص هي تلك الروح الإنسانية السامقة التي يقدمها الكاتب بين يدي المتلقي حتى في كتابته الذاتية، تلك اللغة المأخوذة بالهموم الكبرى، عبر تجليات الإنسان البسيطة والعميقة، الداخلية الخارجية.
الإنسان/الكاتب المشغول في داخله، في أحزانه الخاصة، وفي أوجاعه الذاتية بمطلق الإنسانية وهمومها الكبرى كالفقر والجوع والخراب والحروب، ومجابهة الظلم والعنصرية، فتلك هي الهموم التي ينبغي أن تشكّل قضيّة الكاتب وهمه، وهوية نصه، وأن يقدمها متسلحا بالمحبة والتسامح والنبل غير المصنوع، والرفق وكل ما يتعلق بالإنسان من الخير والجمال والسلام. وبذلك يأتي النص ذاتيا ولا ذاتيا، ليعبر عن إنسانية منسوجة من لحم الكائن المهزوم، ومن لُحمة الإنسانية المسفوحة الدم في كل زمان ومكان، والتي تنسجنا بلغتها الأمومية من الصرخة وحتى الشهقة؛ حتى نصبح في كل تيهنا لا نبحث سوى عن حليبها الأزلي لنتكون بحزنها ورائحتها كائنات حقيقية متصلة الأواصر ومتحدة الأطر، وإن حدث وتبرأنا من أمومتها نصبح بلا رائحة ولا حقيقة ولا ثقافة ولا لغة.
هوية النص وروحه أن يأتي ممتزجا بين الداخل والخارج، وأن يكون فيه الضمير والكلمة وجهان لعملة واحدة، فيقدم حزن الإنسان الذي يتجاوز الذات للجمع وفرحه وعشقه وأمسه ويومه وغده، والأمنية الغاصة في روحه مع كل توحش وجبروت، ومع كل ظلم وقهر، ومع كل إبادة وموت، النص الضمير هو الذي يستحضر هزيمة الذات/الإنسان، ومعاناته، فتصبح ذات الكاتب ذاتا جمعية إنسانية، ينطلق عبرها في نصه من عجز الكائن وضعفه الإنساني أمام المد الحضاري المادي، ويفضح هزيمته أمام الآلة، وأمام الآخر، وأمام وحوش العصر بكل الأشكال والألوان، فيجسّد ويلات الحروب، ويعري قبح الدكتاتور، وظلم القوي، وضعف المستضعفين في الأرض، فبذلك فقط يكون النص إنسانا، ويكون نصا كونيا، وذا هوية.
وبالطبع ليس على الكاتب أن يتحوّل إلى نشرة أخبار أو كالة أنباء، وأن يجاري كل ما يحدث، فالكاتب ليس ما يكتب فقط، بل قد يكون ما يسكت عنه أحيانا، حين يكون الظلم أقوى من اللغة، وتكون اللغة أضعف وأوهن من التعبير عن البشاعة أو حتى عن الجمال، فتكون أبعاد الكاتب الإنسانية ووعيه وثقافته الراسخة – وقد خذلته (الأداة) اللغة في توصيل حقيقة جوهره الضمني – أكبر مما يكتب. وهناك تحضر إنسانيته بشكل أشد وضوحا عبر التزامه وواجبه الأخلاقي فنا أو نقلا أو صمتا وحزنا أو جسدا يتهاوى عبر الموت دفاعا عن شرف اللغة والإنسان معا، هناك حيث يتحد النص بالكاتب ولا تستطيع الأداة (اللغة أو غيرها من الأدوات) أن تكون أكثر بلاغة في تقديم الإنسان بصورته الحقيقية المكتملة والناضجة عبر الرسوخ في المعرفة والقيمة في الوعي، وهناك يكون التقدير المستحق – ألا وهو الخلود – نصيب النص والكاتب معا.

كاتبة عُمانية
 

 

الجمعة، 16 ديسمبر، 2016




الأرواح المكبلة بالصمت، المنذورة للغياب، الذاهبة في التكلس والجمود، المؤطرة بالممنوعات، والمثقلة بالمحظورات، المنفية عن أجسادها; تتحرك أبدا في تيهها، هائمة تبحث عن وهم الحرية، تدافع التجريب، وتختلق الأجنحة، وتهيل الفراغ على فجواتها، في حين يمضي الجسد مثقلا بالخوف والتربص في مجتمعات الشك والأشواك.. لن تتحرر الروح مالم يتحرر الجسد، فالخلاص مشترك، ووهم الحرية بعيد!
الصورة من عرض الباليه المذهل "آنا كارنينا" دار الأوبر ، من أداء فرقة مسرح أيفمان للباليه في سان بطرسبرغ.
16-12-2016

الثلاثاء، 6 ديسمبر، 2016

مهرجان الشعر العماني العاشر بـ«العفية»

جريدة عمان
6-12-2016
وسط احتفاء أدبي شعري وحضور ثقافي متنوع، تتواصل لليوم الثالث على التوالي فعاليات مهرجان الشعر العماني العاشر بولاية صور «العفية» ليفتح نوافذ القصائد ضمن كرنفال أدبي متنوع بمركز فتح الخير الثقافي، ففي صباح اليوم وضمن البرنامج الثقافي للمهرجان تقيم اللجنة المنظمة جلسة صباحية مفتوحة حول مهرجان الشعر العماني، يديرها الإعلامي والشاعر بدر بن علي الشيباني ويشارك في الجلسة الحوارية أعضاء لجنة الاختيار في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي وهم الدكتورة الشاعرة فاطمة بنت علي الشيدية والدكتور سالم بن سعيد العريمي، والدكتور محمد بن عبد الكريم الشحي، والشاعر محفوظ بن محمد الفارسي والشاعر علي بن سالم الحارثي، والشاعر أحمد الجحفلي وذلك لمناقشة لجنة التقييم والاختيار بشأن اختيار القصائد ومعايير التقييم للاستفادة من تجربتهم في المهرجانات القادمة.
وتقيم اللجنة المنظمة للمهرجان هذا الحوار إيمانا بما قام به أعضاء لجنة الاختيار والتقييم من جهد كبير، وإخلاص ملموس في انتقاء القصائد المشاركة بكل شفافية، انطلاقا من مهنيتهم العالية وخبراتهم المتراكمة في المجال الشعري التي كان لها الأثر البارز في الوصول الى ما تم اختياره من قصائد شعرية لمهرجان الشعر العماني العاشر.
الليلة الشعرية الثانية
في مساء اليوم تقام الليلة الشعرية الثانية ويشارك فيها 14 شاعرا في الشعر بشقيه الفصيح والشعبي،تحت رعاية سعادة الشيخ سعود بن بدر البرواني والي الكامل والوافــي، ويشارك في هذه الليلة في الشعر الفصيح كل من: الشاعر سالم بن محمد الرحبي بقصيدة «لاجئ» ويشارك الشاعر محمد بن سيف العبري «خبز البقاء» أما الشاعر محمد بن علي العوفي بقصيدة «عراف اليـأس» وكذلك الشاعر منتظـر بن شـرف الموسـوي فسيشارك بقصيدة «مشهد آخر لسيناريو الفلك».
ويشارك الشاعر ناصر بن سعيد الغساني بقصيدة «رهين الجدب» أما الشاعر الوليـد بن خلفان الصوافـي فيشارك بقصيدة «عن العشاق» ويشارك الشاعر يوسـف بن خميس الحارثـي بقصيدة «شهقة في غياب الضوء»، وفي الشعر الشعبي يشارك كل من: الشاعر خميـس بن خلفان الوشاحي بقصيدة «تواقيع» ويشارك ناظـم بن مبـارك البريدعـي بقصيدة «منـفى» فيما يشارك الشاعر نبهــان بن مسعود الصلتـي بقصيدة «طارب الحـي» ويشارك الشاعر محمـود بن خميـس الجنيبي بقصيدة «تجـلّي» كما يشارك الشاعر عبدالعزيـز بن حمد العميــري بقصيدة «الساعة أربعين» ويشارك الشاعر علــي بن حميد العلوي بقصيدة «من سيرة طفلة» كما يشارك الشاعر علـي بن عبــدالله الراسبي بقصيدة «ميسم الكي» ويستضيف المهرجان مساء اليوم عددا من الشعراء وهم جمال بن عبدالله الملا وطلال بن سلطان الشامسي ومنذر بن محمد الفطيسي وعبدالله بن سعود الحكماني.
الجلسة القرائية
انطلقت صباح أمس الجلسة القرائية في فكر الشعراء العمانيين المكرمين، فقد قدم الدكتور محمود بن سليمان الريامي شهادة أدبية في فكر الشاعر الراحل السيد هلال بن بدر البوسعيدي، وفي شهادته شعر الشاعر الأديب السيد هلال بن بدر البوسعيدي من خلال الحديث عن حياته التي امتدت منذ سنة 1314هـ وحتى 1385هـ، وأثر المناصب التي تولاها في توجهه الشعري فقد تقلد مناصب مهمة في عهد السلطان سعيد بن تيمور وكان مشغولا بالهم النهضوي في المجتمع العماني ومتفاعلا مع الأحداث الإقليمية تفاعلا إيجابيا. كما ذهبت شهادة الريامي لتسلط الضوء على أهم الدراسات البحثية التي انجزت حول شعر السيد هلال منذ صدور ديوانه سنة 1985م وحتى اليوم لتضع قاعدة نقدية تفتح المجال للباحثين لمعرفة المنجز البحثي حول شعره، وتحدث الريامي في شهادته عن موقف السيد هلال بن بدر من الآخر وتجليات هذه المواقف في شعره، وعند السمة الخطابية التي غلبت على شعره عموما وعلى الشعر العربي في تلك المرحلة.
أما الشاعر والكاتب خالد بن علي المعمري فقد قدم شهادة في شعر وفكر الشاعر العماني حسن بن عبيد المطروشي واتجهت شهادة المعمري في جانبين اثنين: الجانب الأول: التجربة الشعرية لدى حسن المطروشي والجانب الثاني: الدور الثقافي الذي لعبه المطروشي في الساحة الثقافية العمانية أما على صعيد الجانب الأول يمكن قراءة تجربته الشعرية من خلال مجموعاته: (فاطمة 1996) و(قسم 1997) و(وحيدا كقبر أبي 2003) و(على السفح إياه 2008) و(لدي ما أنسى 2013) و(مكتفيا بالليل 2016).وهنا يمكن القول أن عند الحديث عن تجربة حسن المطروشي الشعرية فإننا نودُّ الإشارة إلى أنها من التجارب المهمة في الشعر العماني، لا سيما في السنوات الأخيرة.
فحسن المطروشي يقدم تجربة شعرية راقية يرفع بها من اسمه في سماء الشعر العماني، أما الجانب الثاني: يمكن القول أيضا إن حسن المطروشي رغم معرفتنا به كشاعر له إسهاماته في الساحة الشعرية العمانية إلا أنه أيضا كاتب ومهتم بالثقافة العمانية وله حراك كبير في هذا الجانب يظهر من خلال نشاطه الصحفي في جريد الوطن ورئاسته للقسم الثقافي وإشرافه على ملحق أشرعة بالجريدة جعل منه شخصية ملمة بالساحة الثقافية العمانية طيلة فترة عمله بالجريدة، وإدارته للنادي الثقافي وقربه من المثقفين بصورة أكبر جعل هذا الحراك يتسع اتساعا يخدم من خلاله الثقافة العمانية، وانتقاله إلى مؤسسة ثقافية أخرى متمثلة في بيت الغشام وعمله في طاقم تحرير مجلة التكوين، ومشاركاته في تحكيم المسابقات الأدبية والشعرية واللجان المختلفة كمهرجانات الشعر والملتقيات الأدبية.
وقدم الدكتور خالد بن حمد الغيلاني شهادة في فكر الشاعر والأديب عبدالقادر الجيلاني وهنا اقترب الغيلاني من حياة الشاعر والأديب الجيلاني في الكثير من التفاصيل مرروا بتجربته في الشعر الفصيح والشعبي وحضوره الأبوي مع الكثير من الشعراء، إضافة إلى علاقاته الإنسانية الشعرية وتواصله المستمر مع الساحة الأدبية العمانية، فقد كان ضمن الشعراء القلة الذي تبنوا أسماء شعرية عمانية وأوجدوا لها مساحة ملموسة في الواقع الشعري العماني.
كما لامست شهادة الغيلاني الجانب الإنساني للشاعر عبدالقادر الجيلاني وحرصه الدائم على تفعيل الدور الثقافي والفني في ولاية صور على سبيل المثال، إضافة إلى محاولته التقرب من المشهد الأدبي بتفاصيله المتعددة، إضافة إلى علاقته بالمناسبات الوطنية التي دائما ما يكون حاضرا فيها بفكره وعطائه الأدبي الملموس. الشاعر العماني راشد بن سعيد الشامسي فقد كانت شهادته في فكر الشاعر الشيخ علي بن أحمد الشامسي وانطلق في شهادته حيث الجذور الأولى لحياة الشامسي فأشار إلى أن الشاعر علي هو ابن حماسة بولاية البريمي، مهد صباه وبداية تكوين أحلامه وشاعريته، ضرب بإيمانه وفكره في أرض راسخة معطاءة وامتدت مخيلته للتطاول النجوم و الضياء، كتب الشعر فتيا، أخلص للشعر، كان نهما في التعلم و التعامل معه، ولا يزال كذلك كما عهده، أعطى الشعر وقته وإخلاصه وتفانيه فأعطاه الجزالة وحب الناس، استعذب الترحال أو تعذّب به، انصبغ شعره بامتداد الأفق نحو المنظور وما خلفه وما يستنبطه وقرأ المحسوس واللا محسوس فصاغهن أبيات جزلة تحاكي سمو نفسه في التعامل مع الآخرين، واستنبط منهن الحكمة والروية اللتين تلازمانه في سائر حياته المهنية والاجتماعية والأدبية.

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

السبت، 19 نوفمبر، 2016

التمييز الثقافي

فاطمة الشيدي

القدس العربي

Nov 19, 2016
 
هل انتهى التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي، وهل بات ينظر للمرأة عملا ووعيا وفكرا بشكل مساوٍ للرجل؟ وهل أصبحت المرأة العربية حرة في تفكيرها وفيما تقوم به من أعمال فلا تشعر بالاضطهاد أو العنف أو التميز في مكان ما، وبالتالي لم تعد بحاجة للكتابة عن همومها وشجونها؟
شخصيا لا أظن ذلك، ولا أظنه يحدث قريبا، فلا تزال الكثير من النساء ترزح تحت وطأة الظلم والقهر، ويعانين الويلات والآلام في حيواتهن الاجتماعية، في بيت والد أو زوج، وفي العمل من زملاء ذكور محملين بعقد المجتمع، وفي الشارع من متحرش جبان. إنها الحياة العربية التي تدركها المرأة جيدا، والتي لا تمنحها الكثير من الحرية أو الحقوق، كما يدركها الرجل الواعي أيضا، فقد ناله منها ما ناله ولعل كل ما يقع على المرأة من الرجل أحيانا أو غالبا، ما هو إلا تعويض نفسي عن القهر الجمعي أو الظلم المجتمعي الذي تعرض، أو ما زال يتعرض له.
ولكنها، أي المرأة العربية، حاولت عبر الزمن وماتزال تحاول بكل طاقتها وجهدها، ومن كل مواقعها العلمية والثقافية والاجتماعية كسر ذلك التمييز، وتغيير نظرة المجتمع لها، واستعادة بعض حقوقها الإنسانية التي وهبها لها الرب، فكان أن تحقق لها القليل من النتائج بعد كل ما قدمته من مكابدة ومثابرة لإثبات حقها في حياة عادلة، ولا أقول متساوية، وبل ما تحقق كان للبعض منهن فقط.
ومع انفتاح الكونية على ذاتها عبر الشبكة العنكبوتية تحديدا، وكثرة مواقعها، وما أتاحته من حرية الكتابة، وجمالية التدوين، وما وهبته للإنسان من مساحات ضوئية للتنفيس عن ذاته المكبوتة في مجتمع عربي ربى الكثير من الكبت لعقود طويلة للجميع رجالا ونساء، مع هذه الطفرة المعرفية والتكنولوجية خرجت الكثير من النساء عن صمتهن الذي امتد زمنا طويلا، وبدأن يستخرجن مسوداتهن من تحت الوسائد والشراشف، فأصبح الفضاء الرقمي صوتها في مقابل صوتها الحقيقي المتحشرج بالخوف، وأصابعها الحرة في مقابل تلك المشلولة بالقيد، ووجهها المتخفي خلف الضوء هذه المرة بدلا من البراقع الحاجبة. ولذا بدأنا نقرأ الكثير من المدونات والكتابات النسوية في غير موضع ومنتدى وفضاء رقمي، تلك المدونات والكتابات التي لم نكن لنقرأها من قبل.
وبالطبع ستكون الخطوة اللاحقة هي النشر لكتب تحكي هذه التجارب، وتؤرخ لتاريخ من الكبت الطويل، وتنتصر للحرية وللمرأة الجديدة، وللفضاء الشاسع الذي انطلقت فيه خطواتها نحو الحياة والبوح، وبالطبع ستتفاوت هذه الكتابات والتدوينات سواء منها المنشورة عبر وسيط رقمي أو عبر وسيط ورقي كالكتب أو الجرائد والمجلات بين كاتبة وأخرى وفق استعدادها وملكاتها وتمكنها من أدوات اللغة، ووفق المحيط الذي تعيش فيه والبيئة التي عاشت فيها، ووفق اشتغالاتها على ثقافتها ووعيها قراءة ودرسا وتأملا وتجاوزا للسائد.
فكان أن تلقّى الجمع هذه الكتابات، وكان التفاوت في التلقي أيضا، إما بالحفاوة المطلقة، والمنطلقة من دافع ما، من المؤسف أنه كان غريزيا في كثير من الأحيان، فلم تخلو من التملق والمدائحية، أو بالنقد الجارح الذي حطّ بشكل كلي من قيمة هذه التجارب التي قد تكون ممهدة لتجارب أخرى، ومؤرخة لزمن التحليق خارج شرانق الصمت. وهذا أمر يحتاجه علماء الاجتماع وعلماء النفس أكثر من الناقد الأدبي والثقافي، وفي كلا الأمرين تمييز ثقافي وجنسي واضح.
واستمر الفعل الكتابي للمرأة بشكل حقيقي ومشرّف كما وكيفا، وتجاوزت الكثير منهن ربكة البدايات واشتغلن بالعميق والحقيقي من الكتابة، والبحث في الداخل حيث تدوين الذات الذي لا يمكن أن يكون إلا من صاحبها، وفي الخارج القريب الذي هي جزء منه كالرجل تماما، بل قد تفهمه أكثر لاهتمامها بالتفاصيل واقترابها من عوالمها اقترابا حسيا جارحا، كما ولدت أجيال جديدة حرة وحية خارج مناطق الكبت والقهر فدونت تجاربها أيضا، واقترفت فعل الكتابة كحالة إنسانية فقط. هذا ناهيك عن ظهور  الكثير من الباحثات والناقدات والفنانات والمبدعات المتميزات في شتى المجالات.
غير أن التمييز العنصري ضد المرأة في عالمنا العربي المتخم بكل أنواع العقد ما يزال مستمرا وفي كل مناحي الحياة ومجالاتها تقريبا، ولذا كان التمييز الثقافي أو اللغوي أحد أشكال هذا التمييز، ويمكننا أن نحدد هذا التمييز أو نعرّفه بما يظهر بين الفينة والأخرى في كتابات بعض الكتاب والنقاد والصحافيين، من إطلاق أحكام عامة حول كتابة المرأة، واتهامها بالضعف أو الجنسانية أو مهاجمة الرجل، مع تحقير مما تكتبه، والموازنة غير العادلة مع كتابات الرجل لصالح الأخير طبعا. فعبر إطلاق أحكام عامة وكلية، وخارج أي تحليل، أو بيان لمواضع الضعف، أو تعيين الخلل أو الوهن، أو التمثيل والاستشهاد ببعض النصوص لإضفاء العلمية والدقة، يقدمون رؤية ناقصة لكتابات المرأة ويضعونها بشكل سلبي تحت ما يسمى بالأدب النسوي، وهو فخ وظّف عربيا ليضع كل كتابات المرأة في سلة واحدة، دون تفنيد للمصطلح أو المفهوم أو حتى للنص.
وبالطبع لا يمكننا أن ننكر أن هناك كتابات نسائية تافهة وساذجة، وما هي إلا مزيج من الثرثرة والسخف، ولكن ألا توجد كتابات رجالية ذكورية تافهة أيضا؟ وألا توجد كتابات نسائية عميقة وجادة؟ فالتباين سنة الحياة والعلم والوعي والثقافة والمعرفة.
إذن نعم هناك كتابات نسائية ساذجة ومراهقة وجنسانية أحيانا، وتتخذ من مظلومية المرأة سلما هشا للكتابة، وتتمحور حول صورة وحيدة للرجل وهي صورة الظالم والقاهر، والكاسر لقلب المرأة، وصورة وحيدة للمرأة وهي تلك الضعيفة والمظلومة. ولكن وضع البيض في سلة واحدة، وإطلاق أحكام مطلقة على كل كتابة للمرأة؛ هو أيضا نوع من السذاجة، إضافة إلى كونه نوعا من التمييز والعنصرية الثقافية والعلمية والمعرفية المقيتة، والتحيّز الأعمى اللامنهجي واللاموضوعي ضد كل كتابات المرأة.
إن إصدار حكم عام بالضعف أو النسوية على كل كتابات المرأة، عبر قراءة بعض ما أنتجته فقط، يعد نوعا من التمييز الجنسي الثقافي ضد المرأة، فتلك القراءات مهما اتسعت وتعددت، ومهما عظم قارئها واتسعت ثقافته، تبقى جزئية ومحدودة وناقصة لتقديم حكم شامل، أو صورة كلية، كما أن مقارنة ما تنتجه بما ينتجه الرجل هو نوع من الإجحاف للطرفين. وهو إبراز للتمييز الذي يتصدّر عالمنا العربي في كل المجالات؛ للون أو العرق أو الدين أو المذهب والذي ربما اخترع شيئا جديدا، إن لم يجد ما يتحيز به ضد الآخر، وكأنه سمة عربية لا يحدها ولا يمنعها أن يذهب الشخص في اتجاهات رفيعة كالعلم والثقافة والمعرفة.
فمن المؤكد والراجح أن هناك الكثير من الكاتبات الرائعات والحقيقيات البعيدات عن تدوين التفاهة والجنسانية والمظلومية، وغيرها من مخلفات الفهم الخاطئ للنسوية، وقد أنتجن من الأعمال ما يستحق الاحترام والخلود معا، تماما ـ وكي لا نضع هنا أيضا البيض في سلة واحدة ـ كما أن هناك الكثير من النقاد الذين أمسكوا بمشرط الجراح بعدل ومعرفة ووعي، وأمعنوا في نصوص المرأة قراءة وعمقا وتحليلا، وأعطوها حقها من التقديم والتحليل والنقد، وبالتالي وضعوا الأمور في نصابها، بعيدا عن الأحكام الجاهزة، والكتابات التمييزية، والنقد العنصري. كما كان هناك الكثير من الرجال الذين وقفوا مع المرأة في عبورها لهذه الحياة، وساندوها للخروج من شرنقة الجهل المجتمعي، ومن مظلومية التاريخ الطويل والقهر الممتد. وهذا ما يجب أن نؤمن به، ونتحيز له فقط.
كاتبة عمانية