الأربعاء، 13 يونيو 2018

إلى أبي في الذكرى الأولى لتقاطعه مع الأبدية

فاطمة الشيدي
13- 6 -2018
رؤى ثقافية

عم مساء يا أبي:
أدرك اليوم بعد رحيلك بعام أن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لاشك فيها، وأن الحياة ماهي إلا رحلة ممضة من الريبة ومحاولات الفهم الناقصة والجزئية، المحكومة بمدى الرؤية والوعي، واشتراطات العبور والاستنارة المتاحة لكل منا حسب محاولاته وظروفه والتجارب الداخلية والخارجية.
وأننا نعبر هذه الحياة عبر ممرات القلق، أو الخوف، نحن أبناء المجهول، الذين تمضي بنا الحياة من قلق لقلق، مرتبكين نعبر، نبحث عن أشياء تكمّلنا، وتهبنا السعادة والهدوء، وتقصي القليل من الحزن، أشياء لا نعرف تحديدا ماهي. لذا نظل العمر كله نركض ونلهث وراء مالا نعرف، نبحث، ونجرّب محاولات الفرح المؤقت، التي غالبا ما تنتهي بالسقوط المريع أكثر فأكثر في هوة الوجع، فندرك أن كل تلك المحاولات كانت في الطريق الخطأ، وبين كل سقوط وآخر نهمد أو نهدأ قليلا ونحن نتلبس سقوطنا وارتباكنا ذلك، ثم نبدأ السعي من جديد وراء المجهول الأجمل، والبعيد المنتظر، مستأنفين رحلة التشظي والتمزق في العبور نحو اللاشيء، ونحو صمتنا الأبدي وعزلتنا المورقة التي تحياها أنت الآن.
"العزلة طريقة للتعرف على أنفسنا" هكذا يقول كافكا، وهي كما نعيشها في هذا العصر ثمرة الغربة الوجودية في أزمنة الشك، وأمكنة الخراب التي نحيا فيها.
العزلة المضيئة التي ليست الوحدة المعتمة ، فثمة فرق شاسع بينهما، ومسافة على الإنسان الواعي الحفاظ عليها، ليجيد الخروج والدخول في اللعبة بحذر. العزلة (الطريقة) ضمن طرق أخرى لمن يستعذبها ويفهمها ويعي أهميتها، وحسب الإطار النفسي للشخص وحساسيته تجاه الوجود والآخر .
العزلة تلك اليد تستحضرنا من الضجيج وتقودنا نحونا، ونحو الله ونحو العمل، ونحو الآخر الأجمل حتى لو كان منظِّرا أو منظَّرا له، المهم أن تكون العزلة مثمرة، وصادقة وثمة فهم واستيعاب ومصالحة بينها وبين الذات. فهي ليست إقامة جبرية ، بل علاقة خاصة قائمة على الاختيار الناضج لمعرفة الذات، والوعي بجماليات الحياة بعيدا عن التداعي في الضجيج والصخب. 
العزلة التي هي تقدير للذات، والانحياز لها بأنفة وكبرياء، ولذا فهي أيضا تجبرك على تقدير المنحازين لها في مقابل الحمقى والمستعرضين الذين تهرب منهم . فبعض الغرور يولد في نفسك التقدير والاحترام للطرف المقابل ﻷنه يصبح موقفا من قضية، أو ترفعا عن رزية، أو إيمانا بفكرة ما. ولكن الكثير منه يولد فيك السخط والاشمئزاز لجهل صاحبه، وربما الاحتقار أحيانا لتعنته في الجهل وشدته في الجمود، وتمسكه به.
وبعضه وهو كثير أيضا يدفعك للشفقة والتحسر على صاحبه، ﻷنه مريض بالغرور والحماقة معا وما يتبعها من أمراض الوهم، فتنحسر وأنت تردد "لكل داء دواء يستطب به **إلا الحماقة أعيت من يداويها"
أحبك يا أبي في عزلتك الراقية في الأبدية كما أحب أن أرى غيابك الأخير، وأشتاق صوتك ودعواتك الطيبة. وأعزّي النفس بأنك عشت الحياة كما هي أو كما تستحقها ثرية ماتعة. وعشت ذاتك بقدرة مدهشة ومتعددة وقد كنت كثيرا وواسعا. 
رحمة وحنانا وأمانا وسلاما وراحة لروحك.
وتيمنا أبديا بحبيبنا أبي العلاء الذي قال:
ضجعة الموت رقدة يستريح الجسم فيها والعيش مثل السهاد

الجمعة، 1 يونيو 2018

الدين والإنسان والعصر

فاطمة الشيدي
1-6-2018
رؤى ثقافية

في مكان عام أنظر للطفلة ذات الخمس سنوات يلبسها والدها العشريني -بلحيته الطويلة وثوبه القصير مختصرا الدين في تلك الشكلانية- عباءة وغطاء رأس أسود .أشعر بالوجع في روحي تماما، ويجلدني الانكسار والخوف في عينيها. أردد في نفسي هذا أبشع أنواع القمع فأي قانون يحمي الأطفال من قمع مؤدلج كهذا؟! إنه قمع باسم الرب وبسلطة الأب!
وفي مكتب لتخليص المعاملات ترفض المرأة المتدينة أداء وظيفتها التي تكسب منها رزقها، وتقدم عبرها خدمات مهمة للعملاء؛ وذلك بذريعة دخول وقت الصلاة.  لتذهب لأداء الصلاة فور سماع المؤذن متغافلة عن فكرة أن لكل صلاة وقتا ممتدا، وأن العمل عبادة وأن الله  سيحاسبها على العمل أيضا، فالعبادة بينها وبين ربها، ولكن العمل يقدم خدمات للمجتمع وتأخيره يلحق ضررا بالناس. 
وفي منتصف كل رمضان (تقريبا)  تتصاعد حدة الجدل حول الشرعية الإسلامية لعادة "القرنقشوه"، وهي عادة اجتماعية عريقة وممتدة في المجتمعات الخليجية جميعا، ولها جذور في ثقافة المجتمع وتكوينه الإنساني ولحمته الاجتماعية؛ حيث يخرج الأطفال للاحتفال بليلة المنتصف من شهر رمضان وقبلها ليلة المنتصف من شهر شعبان.
هذه العادة الاجتماعية التي ألفها الناس لما تشيعه من روح الود والمحبة في نفوس الجميع، ولما تثيره من فرح في نفوس الصغار والكبار بالاستعداد لهذا اليوم بالهدايا، وبخروج الأطفال للحواري القريبة لإثارة الفرح والمرح في روح المكان والإنسان؛ أصبحت موضع جدل شرعي كل عام.
هذه الحوادث وغيرها الكثير تجعلك تتأمل التفكير الديني لدى المجتمع. وإلى أي مدى أصبح شكلانيا وبعيدا عن روح الدين الحقيقي وعن قضاياه الكبرى وقيمه العليا. 
وإلى مدى تجاوز الناس القيم  التي نادى بها الدين، والأخلاق التي رسّخها، واتجهوا نحو أشياء ثانوية وجانبية لا تمت للدين بصلة، ولا تواشج بين روح الإنسان وروح الدين.
وتدفعك لتتساءل عن حضور الاجتهاد الديني في هذا العصر، الاجتهاد الذي عليه أن يصب في عمق الدين، ويتقارب مع حاجة الإنسان، ومشكلاته العصرية، وضروراته المستجدة. 
الدين الذي التبس فيه على البعض فكرة الحجاب بالسواد، وطبقوه على الصغيرة والكبيرة، والذي تحوّل لحالة من العبادة الروتينية،  بعيدا عن الروحانية التي تمتد لكل جوانب الإنسان والكون كما أرادها الرب. 
الدين الذي أصبح له وسطاء يمارسون سلطتهم (التي تفوق سلطته وسلطة الرب أحيانا كثيرة)  وسطاء يصنعون وسطاء، ويحاولون تنميط المجتمع بأفكارهم الشكلانية والأحادية الجاهزة. 
لقدأصبح النقد الديني اليوم ضرورة حتمية، ومطلبا إنسانيا، فهناك الكثير من التراكمات تحتاج للغربلة والتقشير، والكثير من التداخل  السياسي/التاريخي/الاجتماعي والديني.
والكثير من الجهل يقدم باسم الدين، والكثير من الجهلة يتقدمون بوصفهم رجال دين .  وخارج المسلمات الكبرى التي يجب احترامها؛ لا عصمة لرجل دين، ولا حجر على عقل متدبر. فالدين أولا وأخيرا حاجة روحية للإنسان، فالإنسان البسيط في سعيه الحثيث للقمة الخبز، وللحياةالمعقدة يحتاج للدين كقيمة روحية يستند إليها، ورب يثق به، ويعتمد عليه أمام ملمات الدهر، وحوادثه.  ولكنه بالطبع يحتاج دينا يستوعب حياته المعاصرة، ويعالج قضاياه الجديدة، ويبتعد به عن الشكلانية المتوارثة، والأحكام الجاهزة. 
 يحتاج دينا يغذي روحه، ويشفع لوجوده، وينشغل بما يستجد عليه ويعايشه. 
دين يعتمد القيم الكبرى والأخلاق العظمى التى جاء بها الإسلام لترقّي روح الإنسان أولا، وتجدد في البحث عن حلول للمشكلات الوجودية والفكرية المعاصرة ثانيا، وتساعد الإنسان في ردم الهوة التي تتسع داخله بين المادة والروح دائما.  

السبت، 28 أبريل 2018

الولادة الثانية




فاطمة الشيدي
28 -4 -2018
رؤى ثقافية

الولادة الثانية هي تلك اللحظة التي تشعر فيها صرخة الميلاد مجددا، تستشعر فيها روح البدايات الأولى عبر التجدد الزمني الكلي والحقيقي لجسدك وروحك وكيانك الإنساني كاملا . تستدرك حضورك البدئي لينا طريا مجددا استدراك العارف والمتتبع لروح الحقيقة والجمال والحب، والغاية العظمى لعبورك المؤقت والطارئ على هذا الكوكب الصغير الذي لا يمثل سوى نقطة في كون لا متناهٍ.
هناك يباغتك السؤال الوجودي العظيم، من أنا؟ لماذا جئت لهذا الوجود؟ ستتقافز الأسئلة تباعا في رأسك وستستحضر رسالتك الإنسانية التي مهما تباينت من شخص لآخر تظل عظيمة وتستحق عناء العيش ومكابدة الأمل ومحاولة التغيير.
فمن قال أننا نولد مرة واحدة؟ وبذلك اللاوعي الذي يتفاجأ بكل شيء لم يختره، ولم يقصده، ولم ينتبه له كثيرا ذلك الوعي الذي لم يُختبر ولم يتشكل ولم يذهب أبعد من ماء الرحم وصمت البدايات واستقبال المسلمات والبدهيات دون أدني قدرة على مساءلتها أو مماحكتها بأدوات لم تتشكل بعد، لأن الروح لم تغترف من فيوضات الحقيقة ومن وخز الأسئلة ومن رعونة الرفض.
إن الولادة الحقيقية هي بدايات لاحقة، ولادات متتالية عبر الزمن، إذ نولد بمن نحب، وبما نعرف، وبالقناعات التي تصبح أرصدة متينة عبر الوعي بالحقيقة البعيدة والمتعددة والمتشكلة، عبر الشك والبحث ومحاولة الفهم والمعرفة والإحاطة بالرب وبالذات وبالكون وبالآخر.
الولادة الثانية هي شرارة تحرق خلفها الكثير مما نعتقد ونؤمن، ونعرف، وتترك وراءها الكثير من الرماد الذي أصبح نتيجة للكثير من السقوطات البالية والقناعات المتداعية، وتشعل أمامها الكثير من الضوء للقادم للبحث خلف كل أكمة وسد وحجب، وتأتي بالكثير من التغيير الحقيقي في العميق الراسخ فتهزه وتحركه، وتتركه مرتبكا غير قار ولا ثابت، وفي الخارج المتحرك والذي يتشكل كل يوم وينسرب مكنونه الخارجي للداخل فيحدث تلك الارتجاجات الراعشة والراعفة فيأخذنا من سكون الأقنعة إلى لذة الحقيقة وشغف التقصي والاحتكام لأدلة العلم.
ولم يكن فيلم إلا نموذجا على هذه الفكرة، ومحركا لها، فالسيدة التي عاشت حياة كاذبة لأكثر من ثلاثين عاما كانت تحتاج لصدمة خيانة زوجها لها لتفيق من تراتبية حياة ميتة قاحلة تعيش فيها كذبا أدوارا ليست لها، لا تشعر فيها بذاتها ولا بقيمتها الحقيقية وليست أكثر من ظل رتيب قاتم لزوجها المتحقق، ليست خارجه أي شيء، لذا ما أن تركته حتى شعرت بالضياع، بأنها لا شيء، حتى انتبهت لذاتها، لحقيقتها الخاصة، وهناك أدركت أنها لم. تكن هي كل ذلك الوقت وأنها تحتاج لبداية جديدة وولادة ثانية لتجد ذاتها، حين قررت اللحاق بالرجل الذي وجدت ذاتها الحقيقية إلى جواره .
الولادة الثانية هي الفرصة الثانية التي يحتاجها كل من لايجد ذاته في الولادة الأولى؛ ليحيا ويستشعر قيمة ذاته، وصدق حضوره الوجودي والكوني ككائن مختلف يعبر الحياة لزمن مؤقت وعليه أن يحقق هذا الحضور في روحه ووعيه وفي الكون تحقيقا يليق بكائن مختلف وخاص.
كلنا نحتاج ولادة ثانية وربما ثالثة ورابعة ومائة، إن اقتضى الأمر. المهم أن نجد أنفسنا بحقيقتها، ونحقق ذواتنا بكل إمكانياتها وأهدافها ورغائبها، ونستغل فرصة عبورنا الزمني لهذا الكون بصدق وحب ومسئولية وبكل ما يشعرنا بالرضا والسعادة. 

الثلاثاء، 24 أبريل 2018

الحياة في علبة معدنية

فاطمة الشيدي 
24 - 4 - 2018 
رؤى ثقافية


أصبحنا نحيا الآن فعليا في علبة معدنية، وهي الهاتف النقال أو أي أجهزة محمولة أخرى، ولذا فأن تغير هاتفا كأنك تغير بيتك تماما، تفقد الكثير من مقتنياتك وألبومات صورك وأثاث حيواتك وأصدقائك وجيرانك.
وتحتاج للكثير من الوقت، والكثير من الاستعادات الضمنية لمكانك وزمنك وناسك.
أن تغير هاتفا محمولا يعني أن تجد الكثير من خططك مبعثرة والكثير من أحلامك ناقصة، كيف لا ونحن نفكر بهواتفنا ونحلم بها، ونسيّر حيواتنا عبرها، وننظم أعمالنا وأيامنا في جداولها ومفكراتها. إنها ذاكرتنا الرقمية، ذاكرة البيت والعمل والحياة، نحتفظ فيها بكل ما يهمنا، ونبحث بها عن كل ما يخطر ببالنا. بل وقد يمثل الهاتف النقال ذاكرتنا الروحية نتكلم عبره، ونخزّن أصوات من نحب، وصور من نحب، فكل صورة تمثل موقفا مختلفا عشناه ونريد أن نستعيده يوما.
كما نخزن فيها أحلامنا البعيدة والقريبة، أمنياتنا المستحيلة، خربشاتنا الوجودية، مشاعرنا، لحظات الحب والغضب، ما يعجبنا، ومالا يعجبنا من أشياء نتقاطع معها، غيرتنا من جمال متجسد، وربما شهواتنا المؤقتة.
وهو كثيرا ما يكون مكتبة مقروءة ومسموعة ومرئية، وشوارع نمشي فيها، ومدن نسعى لزيارتها.
مطبخنا الذي يمدنا بأحلى الوجبات.
ولا مجال للملل وأنت بحوزتك هاتف نقال، كما لم يعد الانتظار مكروها، فهناك دائما ما تفعله، ما تشاهده، ما تقرأه، من تتكلم معه، من تحكي له أو تحكي عنه. لقد أصبح الانتظار متعة، وربما حالة مرغوبة جدا. ومفيدة أيضا.
بالطبع أنت قليلا ما تتحدث بصوتك بأن تتصل بأحد (مع ما يفعله الصوت في داخلنا من أثر، وما يبثه فينا من حنانات، وما يزرع فينا من صدق وحميمية وحضور حقيقي أقرب للمصافحة والعناق)، ولكنك ستكتفي بالكلام المكتوب، ستذوي روحك كذبا، ستقول أنك بخير وإن لم تكن بخير، وسترسل ايقونة (ايمجوي)  ضحك عال وضاج بالفرح، وأنت ربما تبكي في داخلك، أو تكون ضجرا أو مرهقا.
لن تتحدث كثيرا حتى بالحروف بل ستكتفي بالوجوه والإشارات، ستكتفي بالأصابع والوجوه المبثوثة في لوحة المفاتيح، وكأنك تتكلم بلغة أخرى لغة لا تشبهك، ولا تعبر عنك ولا تصف كل ما يعتمل في روحك، ولن ينتبه أحد لرعشة صوتك ولاختلاجه بين كلمة وأخرى، ولن يصل شوقك ولهفتك لمحدثك، ولن تشرق بالضحك أو بالدمع مع والدتك أو أخوتك أو صديق قريب.
لقد غربتنا التقنية وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي التي نحيا فيها، أصبحنا نتكلم بأصابعنا وندخر أصواتنا حتى نكاد نختنق بها، أصبح الصمت هو السائد والكلام هو الطارئ، والضحك مختلق، والتجمع عبر جروبات، أصبحنا أكثر غربة عن أنفسنا وأرواحنا وعن من نحب.
أصبحنا نتواصل في عزلة العالم، نقرأ للبعيدين عنا، نتابع أخبار الموت والموتى الذين أصبحوا أكثر حضورا من الأحياء، وربما نعرف أخبار من لا يمثلون لنا شيئا أكثر مما نعرف عن الذين يعيشون في بيوتنا وقلوبنا وأرواحنا. وأصبح من لا يستخدم التقنية بعيدا ولا نكاد نعرف عنه شيئا.
ابتلعتنا العلب المعدنية، وأسكنتنا حضورها المؤقت لتربكنا بخللها واختلالها لو حدث شيء، وأخذتنا مواقع التواصل لجنونها المريض، فصرنا نلهث وراء التلصص المريض على حيوات الآخرين، ماذا يفعلون كيف يعيشون، وماذا يأكلون ويشربون ويهلوسون، ولذا لم يعد ثمة عالم حقيقي نلجأ إليه.
يحاول بعضنا الانتباه بين الفينة والأخرى وسحب ذيوله المتصلة بذيول لا قبل له بها، ليأخذ ذاته خارج العلب المعدنية ويستعيد صوته وجسده اللذين أثقلهما الحديد، وأوسعهما الصمت ضيما والسكون ألما، فيحدث بعض ما يخطط له.
ليست العلبة شرا محضا، وليست سجنا بلا أبواب، ولكن الركون الكلي إليها ضررا واسعا، والعيش فيها قيدا محكما، فلنشرع الأبواب خارج العلب المعدنية، ولنغادرها كثيرا، ونذهب إليها قليلا.

السبت، 21 أبريل 2018

بين السلطة والجماهير



فاطمة الشيدي
21 إبريل 2018
رؤى ثقافية

بين القتلة والجهلة في كل مكان علاقة طردية متينة، وبين كل من السلطة والجماهير حكاية انصياع كلية لها مبرراتها وأهدافها دائما. ولذا فالسلطة تسعى أبدا لنيل رضى الجماهير، الرضى القائم على حساب المصلحة والتأييد.
ولكنها قبل ذلك تسعى لصناعة هذه الجماهير صناعة تتفق مع مخططاتها وأهدافها، صناعة قائمة على التلميع الخارجي للسلطة، والجهل الداخلي للجماهير.
هذه الحقائق باتت معروفة اليوم في ظل التنظيرات السياسية التي أصبحت تدرس وتدرّس في الجامعات كأدبيات بمرجعيات علمية عميقة وجادة.
ولكنك كلما رأيتها على أرض الواقع أو لمستها في فكرة تبدو واضحة وضوح الشمس ومع ذلك تجد تأييد الجماهير الجاهز والمسلّم به للسلطة؛ يصيبك ذلك الحنق والغيظ الذي قد يجعلك تلعن السلطة بكل أنواعها والجماهير معا.
ثم حتى تجد أصداءها التاريخية في الثقافة الإنسانية تعلم أنها أوسع من دوائر المكان والجغرافيا، وأن التاريخ أبدا يكرر نفسه بملاهيه ومآسيه في الزمن والإنسان.
وعندما تشاهد فيلم. الذي يحكي عن قصة السناتور تيد كندي، الذي كان مترشحا للرئاسة، ولكنه في لحظة سكر أخذ معه فتاة ممن يعملن معه، ثم تدهورت سيارته وهو يقودها ثملا بسرعة وسقطت في البحر، فخرج هو ونجا بنفسه، ولم يبلغ عن الفتاة التي ماتت غرقا.
المزعج في الفيلم القائم على قصة حقيقية، هو ذلك الالتفاف الشعبي حول السناتور القاتل، طبعا بعد وقوف حزبه ووسطه السياسي معه بقوة.
السناتور التافه والقاتل صوره الشعب كفارس خانه الحظ فقط، مبررا أن هذه الأمور تحدث عادة، متجاهلا تماما حياة تلك الفتاة التي زهقت روحها ووئدت أحلامها، الفتاة التي وقفت مع أخيه وحملت عبء حملته الانتخابية، وتأثرت كثيرا بموته حتى اعتزلت العمل السياسي والانتخابي، ولكنه أي تيد أقنعها ، فبدت بذلك الشغف به وبعائلته الذي جعلها تبدي استعدادها التام للوقوف معه ومساندته، غاضة الطرف عن كل من يحاول تحويلها عن مساراها. في حين تركها هو للموت ببساطة، لأنه كان مرتبكا بسكره، وذهب إلى فراشه ليحلم بها أحلاما مزعجة في عدم تحمل لمسئولية.
هذا ما يحدث دائما؛ حيث ينظر السفلة القتلة من الأغنياء وذوي السلطان للآخر على أنه مجرد رقم يعبر هذه الحياة، بل وعليه أن يضحي من أجلهم إذا استدعت الضرورة ذلك، لا يهتم القتلة بالجهلة الرعاع كما يرونهم، لأنهم يعبرون هذه الحياة كالنمل لديهم أعمال يومية وطاقات دائمة وهموم بسيطة، بينما هم يفكرون ويحلمون ويخططون ويحملون هم الأمة، ولديهم دائما أهدافا بعيدة، ويجب أن يساعدهم الجماهير لتحقيقها بأرواحهم وأجسادهم وأوقاتهم وبجهلهم أيضا. لأنهم لو كانوا من الوعي بمكان لأربك ذلك الوعي تلك المخططات العظيمة، ولأجهز على أحلامهم، فمن سيحكمون، ومن سيفيدهم عند الضرورة، ومن سيتسلقون أكتافه ليصلوا للأعلى. ومن سيسحقون في عبورهم، وفي ارتقائهم لسلم المجد.
ولا عتب إلا على من يرتضى دور الضحية، فيهتف للقتلة والسفلة بسلطاتهم المزعومة. العتب على الجماهير التي تراوح مكانها القصي في خارطة الوجود بلا رغبة للتغيير، بل تصفق كلما طلب إليها ذلك، وتهتف حتى تبح حناجرها، وترتضي البؤس بقناعة. القناعة التي خلقتها سلطة ورسختها سلطة أخرى وتبنتها سلطة ثالثة.
الإنسان هذا الكائن البشع، لا يفتأ يمضي في صناعة القهر في كل مكان، وإن كانت بعض المجتمعات والدول بقوة العلم والوعي بدأت تواجه ذلك القهر وتتصدى له بحرية، وتحاكمه بالمساواة والعدالة، إلا أن مجتمعاتنا ما تزال راسخة فيه بقناعة وتقبل الجماهير التي تهتف أبدا لجهلها الذي ترسخه السلطات أبدا بهدوء، كما تهتف للسلطة القاتلة لروح الوعي والعلم والمعرفة وتبارك فعلها الحثيث في تجميد الإنسان والمكان أو تراجعه.

الثلاثاء، 10 أبريل 2018

حوار فاطمة الشيدي: الشعر حالة وليست نصًّا

فاطمة الشيدي: الشعر حالة وليست نصًّا




نسرين نجم ..
"الكاتب في مخاض أبدي، ولكن عليه الانتباه أن لا يعمد لقصر أو إجبار لروح النص، ليأتي حقيقيًّا وعميقًا وقادرًا على معانقة روح المتلقي" كلمات للكاتبة والشاعرة فاطمة الشيدي التي تعتبر بأن الكلمة ما لم تلمس شغاف القلب لا يمكن لها أن تؤثر بالقارئ أو أن تجذبه إليها، إشكاليات عديدة ناقشناها مع الشاعرة والكاتبة العُمانية فاطمة الشيدي في هذا الحوار:

* "الشعر روح متعالية ورفيعة":
في الكثير من الأحيان يلعب الوقت الدور البارز في نقل الفرد من مرحلة لمرحلة، وتصبح هذه المرحلة تشكل هويته العملية أو العلمية الجديدة إلا أن الشاعرة والكاتبة فاطمة الشيدي عندما تتحدث عن بدء رحلتها في عالم الكتابة والشعر تعتبر بأنه: "لا دخل للزمن في البدايات غالبًا، يحدث الأمر دفعة واحدة، وبالتدريج في نفس الوقت تولد بتلك الحساسية المفرطة تجاه الأشياء، تلك الحكة التي توجد في الوعي والضمير والقلب. كل شيء يوجعك من الكون حتى الإنسان، من العدم حتى الوجود، يرهقك الفرح المتقاطر من نفوس البعض حتى لا تكاد ترى لهم الحق فيه، ويشطرك الحزن والجوع الذي يشطر البقية.
أما الجمال الذي تراه في كل زاوية من الكون فهو إزميل نحت روحك ومخلب يتعلق بها، لذا يكون بدايات الرعب. كما يقول ريلكه وأمام كل هذا ليس لديك من أدوات سوى اللغة التي هي أكثر الأشكال تجريدًا. يحدث هذا لاحقًا، في زمن تكون فيه قادرًا فيه على استجماع كل ذلك في أصابعك تمامًا فتكتب."
هذا الوصف للمشاعر يجعلنا نتوقف عند حال الشعر اليوم وهل يا ترى الحداثة شيّأت الشعر؟ تجيب الشاعرة فاطمة الشيدي بالقول: "حال الشعر كما كان دائمًا، الشعر غالبًا نوعي، روح متعالية ورفيعة، قليل ونادر -خارج الشعر الذي يروم التكسب والظهور والسلطة- ولأنه عالٍ ورفيع فهو يحتاج متلقيًا خاصًّا وعميقًا يفهمه ويستشعر جمالياته. أما الشطر الثاني من السؤال فبالطبع لا، لأن الحداثة تهب كل شيء بعدًا جديدًا، من الماديات حتى الشعر. مفهوم الحداثة واسع جدًا، ومشكل كالشعر تمامًا، ولذا فالقبض عليه ليس سهلًا أبدًا، وبالتالي إصدار حكم فيما يخص علاقة الشعر بالحداثة أمر أكثر تعقيدًا من إجابة جاهزة. يتطلب الأمر بحثًا كبيرًا في مفهومي الشعر والحداثة. ثم علاقة كل منهما بالآخر."
وما بين الشعر القديم والشعر الحديث تجد الشاعرة الشيدي بأنها: "منحازة للجمال بصورته المربكة والمدهشة في كل زمان ومكان، فهناك الكثير من الشعر القديم ما زال يدهشني كل مرة، وهناك الكثير من الشعر الجديد يفعل ذلك أيضًا، وبالطبع هناك ما يمكن تجاوزه دائمًا." وهي ترفض تجنيس الشعر ما بين المرأة الشاعرة والرجل الشاعر انطلاقًا من قناعتها بأنه: "لا يمكننا تجنيس أحكامنا الجمالية، هذا قبح فادح، لا يمكن  أن نحكم على شعر المرأة لجنسها الإنساني، ولا يمكن ولا ينبغي أن يحدث ذلك مع الرجل أيضًا، هناك شاعرات أضفن الكثير على الشعر، وهناك من عبرن بلا إضافة، وكذلك الرجال. الشعر كتابة الداخل بوجعه وجماله وقوة الشعور به، ودرجة تجسد ذلك في المعنى هي التي تحكم سواء كان من  المرأة أو الرجل."
لذا هي تقرأ الشعر النسوي: "كما أقرأ شعر الرجل، هناك تباين بين كل تجربة وأخرى، ثمة القليل من الشعر، والكثير من الكلام الباهت الذي ليس له حظ من الشاعرية سوى قناعة كاتبه بأنه شعر. وهذا لا يضير كثيرًا متى ما وجدت المعايير الجمالية للحكم، وتنقية الشعر العظيم من الرديء. وهذا شأن الزمن وشأن المتلقي المتزوّد بالمعايير الجمالية.
العالم يا سيدتي يضج بالقبح خارج الشعر ولن يكون الشعر القبيح أكثر عبئًا على الروح الإنسانية من القتل والدمار والقمع الذي نحياه رجالًا ونساء في عالمنا المريض هذا. ومع هذا علينا تتبع الجمال والإشادة به لتوطين روحه بين الشعراء، وعلينا الدفع بالحالة في كل اتجاهاتها للأمام لتجاوز القبح، لمستقبل جميل شعريًّا وإنسانيًّا."

*  " الشعر كتابة لمشاعر عميقة داخلية":
البعض يكتب الشعر ليوجه رسالة إلى غائب أو إلى مجموعة ويستخدمون الكتابة وسيلة في ظل غيابهم عن المواجهة أما بالنسبة للكاتبة والشاعرة فاطمة الشيدي تقول: "لا أكتب لأحد. على الأقل في لحظات الدفق الأولى. بالطبع يتكوّن النص داخلي (شعريًّا وسرديًّا) وفق حالة ما تدفعني للكتابة كحاجة قبل كل شيء. وإلا فلم نكتب والعالم مليء بالنصوص الجميلة والقبيحة أيضًا؟ نحن نكتب كما ننجب الأبناء (العالم أيضًا مليء بالأطفال والكائنات التي تحتاج للرعاية والعناية) لنشعر بقيمة ما، بشعور يشبه الفرح ناتج عن الإحساس بالحاجة، ثم بالإنجاز وبالذات وبأشياء متداخلة وعصية على الفهم تدفعنا لنكتب، لنعيش يومًا آخر ربما.".
ولأن الشعر ينتج عن الإحساس بالحاجة سألناها إن كانت تؤمن بأن الشعر يولد من الأحزان ومن الآلام وإذا كان غير ذلك فهل هو ترف؟ فتجيب: "لا طبعًا، فالشعر كتابة لمشاعر عميقة داخلية، غير مجنّسة باتجاه الفرح أو الحزن وهناك نصوص عظيمة ليست حزينة عن الحب والشغف والجمال والآباء والأمهات وغيرها. ولكن أيضًا لا بدّ أن نعترف أن الحزن أكثر استفزازًا للكتابة، واستدعاء لها، لأننا لا نجد وسائل كثيرة (غير البكاء والغضب أحيانًا) لنعبّر عن الحزن الذي نكون فيه فرادى ومعزولين غالبًا.
بينما هناك ألف طريقة للتعبير عن الفرح (الذي ننطلق فيه خارجنا للآخر والكون) أجمل من الكتابة كالصراخ والاحتضان والقبل وغيرها، فلا تعود هناك طاقة للكتابة، فهي تتبدد في أفعال أخرى، بينما تظل حبيسة أرواحنا في الحزن فتكون مادة عظيمة للكتابة غالبًا.
ولذا فأكثر الشعر به لوثة حزن، وكما يقول المجنون (لا أكتب الأشعار إلا تداويًا...)".
لدى الكاتبة والشاعرة فاطمة الشيدي مجموعة شعرية تحت عنوان: "على الماء أكتب" وتذكر بأنها على الماء كتبت فماذا كتبت؟: "المجموعة تذهب باتجاه فكرة المحو والتماهي والعدم ضد الخلود الذي تفترضه الكتابة. فهذه هي فكرة هذه المجموعة، وعنوانها: الكتابة على الماء محو فعلي، ومضمر وأصيل فلا يمكن قراءة النص بعد ذلك. وهذا ما كنت أريد أن أعبر عنه، أو تحديدًا ما أسعى إليه، كما فعل الكثير من الشعراء."
وأيضًا لها مجموعة شعرية أخرى "كنت في البدء شجرة" أرادت إيصال رسالة من خلال هذه المجموعة بأن: "الإنسان جزء من الكون، والشعر كذلك، والشجرة امرأة وقصيدة، وحياتنا قبل وبعد هي ضمن هذا البعد الكوني. هذا ما أريد أن أؤكد عليه كفلسفة وجودية أعيش وأكتب ضمنها. أخوّة الكون لا تختص بالإنسانية فقط، بل بكل شيء في الوجود، ولذا تلبست روح الشجرة الأكثر عطاءً وصمتًا، المانحة للخير والحب والجمال بصمت تام. أما نسويًّا (وهذا بعد فكري أهتم له كثيرًا في كتاباتي) أعتقد أن كل امرأة شجرة في عطائها اللامحدود، والصامت غالبًا ظلًّا وثمرًا. الشجرة تمثل المرأة في حياتها الصامتة والمعطاءة وفي موتها الواقف بعنفوان وبلا ضجيج. وهكذا أظن أن كل كتاباتي ومجموعاتي الشعرية (تحديدًا) تنطلق من فكرة الانتماء للكون؛ الأرض والبحر والشجرة والماء. اللونية في البدايات كانت غامضة في المعني (الاخضرار والزرقة والحلكة) ثم أفصحت عن نفسها في الكتابة على الماء، وروح الشجرة التي كنتها. وما زلت أكتب وأحيا في هذا الاتجاه الفلسفي الكوني الصوفي بروحانية عالية ووعي متصاعد."
لقب الشاعر بشكل عام لا يطلق على أي إنسان بل على من يمتلك معايير ومواصفات معينة إلا أن الشاعرة فاطمة الشيدي تعتبر بأنه: "لا معايير لدي، فعليًّا أؤمن بالفعل الشعري أكثر من كتابته. التأمل والفلسفة والصمت والقراءة والمشي، والانتماء للكون والجمال والطبيعة، هي روح الشعر، والتشكيل والموسيقى والمسرح والسينما تضمر معنى الشعر وتستقي منه نسغها، ويستقي منها روحه المتعددة.
أن تكون شاعرًا يعني أن تتمدد في الزمن وتتلاشى في الأمكنة، أن تحب الوجود لتكتبه، وتحب الإنسان لترسمه، الحب هو الشعر والشعر عشق مكتوب. الشعر حالة وليست نصًّا ولذا نحتاج أن نستشعر الوجود ثم نكتب الشعر.
كبار الشعراء كتبوا الروح والوعي والوجود ولذا أصبحوا خالدين، أما الكتابة الحروفية فهي كتابة ميتة لا روح فيها ولا حياة. فإذن الأمر لا يحتاج معايير وشروط بقدر ما يحتاج انسجامًا مع روح الكون وروح اللغة عبر التأمل والسفر والقراءة والمحبة."
وهي تعتبر بأن الثقافة في عالم الشعر: "مهمة جدًّا، وربما أكثر من الشعر. أي لا تصبح الكتابة شعرًا إلا بها أو عبرها، الشاعر الحقيقي هو كائن كوني، واسع وعميق ونبيل وجميل، قارئ نهم، وذاهب مع كل فكرة وروح وذاكرة إنسانية عظيمة. فلا يستطيع من لا يقرأ أن يصبح شاعرًا حقيقيًّا، فلن يكون شاعرًا قبل أن يكوّن ذاكرة إنسانية رحبة متعددة المشارب والاتجاهات والثقافات والنزعات.
الشاعر الحقيقي نحلة يمتص رحيق الكون فيأتي برحيقه الخاص في نص، وبالتالي فذلك النص عليه أن يمر بكل ما يمر به العسل من مراحل الامتصاص والاعتمال الداخلي ليتدفق عسلًا مصفى."
أما بالنسبة لمشاريعها الحالية والمستقبلية تقول: "المستقبل يأتي بلا تخطيط وربما بلا إرادة أيضًا، والكتابة كذلك. وعلينا أن لا نحمّلهما أكثر مما يطيقان. هذا لا يعني التخبط والبوهيمية بالطبع، بل السعي. وترك الأشياء تأتي على مهل ونضج كما تريد الروح المتحدة مع روح الكون.
فالكاتب في مخاض أبدي، ولكن عليه الانتباه أن لا يعمد لقصر أو إجبار لروح النص، ليأتي حقيقيًّا وعميقًا وقادرًا على معانقة روح المتلقي. يأتي في وقت يكون فيه في جاهزية ناضجة، واستعداد تام للمثول والحياة بين يدي وأعين القراء الأكثر وعمقًا وإيغالًا لروحه أيضًا.
ولذا فأنا أقرأ وأكتب. وأمضي في حياة مليئة بالمنغصات وبالمباهج، ولست أريد منها أكثر من ذلك. النهم الحتمي للقراءة، وتصاعد تلك الحكة في الروح والأصابع للكتابة. مع الذهاب الدائم لأعمق نقطة في الروح، وأخذها لتلتحم مع الوجود عبر  التأمل والمحبة.
المشروع القادم متوقف على جاهزية نص ما (شعرًا أو سردًا أو نقدًا ليكون ماثلًا بين يدي القارئ) فيندفع من رحم الكتابة للكون الفسيح، كطفل يولد مكتملًا، فيبحث له أبواه عن اسم فقط. وهكذا أنا مشروع نص سيظهر إذا اكتمل وشاء له النضج الامتثال للحضور والحياة والقراءة بلا تعجل ولا استباق."

الجمعة، 6 أبريل 2018


فاطمة الشيدي
6 إبريل 2018
رؤى ثقافية

كلنا نعيش الحياة، وكلنا نفكر في الموت، وبين الحياة والموت زوايا عديدة وتقاطعات كثيرة، فالموت ببساطة ماهو إلا غياب الحياة، وأحيانا كثيرة يحدث ذلك بسبب الحياة ذاتها فنحن نموت في سعينا للحياة، عبر طرقها، وبسبب أهلها أو طعامها، أو مرض تسببه لنا. ولكن ولأن الإنسان لا يملك ما يدفع به الموت سوى الحياة، يظل يلهث وراءها حتى آخر لحظة في حياته متغافلا عن الموت وأسبابه المنتشرة والمستشرية في الحياة.
هكذا أفكر أبدا ما أن يقتنص الموت مبدعا من الحياة الحافلة بالعطاء بغتة أو أثر مرض عضال، لا يبدو أن أحدا منا  يكترث بالموت قبل أن يحدث فجأة، لا أحد ينتظره، الجميع مشغولون بالحياة، والكل يبحث في الحياة عما يدفع به نقص الحياة، فيسعى للمزيد من الحياة من المال والجمال والحب والنساء والأبناء .وهكذا يقبض عليها بأسنانه وأظافره في مواجهة الموت الحتمي.
إن حب الحياة وغريزة البقاء حالة طبيعية جدا إلا أنها تتصاعد لدى البعض فيذهب فيها مطيلا أنيابه وأظافره فتتجلى صورة الإنسان الآخر بطمعه وجشعه وظلمه ورغبته في المال والسلطة والنفوذ بأي وسيلة وفي كل كل الأحوال. وليس ذلك إلا تجلى جلي لرعب الكائن من الموت وطريقة مواجهته له بأي وسيلة مهما بدت متوحشة أو قذرة فالغاية تبرر الوسيلة فيما يتعلق بالحياة وبالموت يدخل في ذلك صراع السياسات والأفكار والثقافات والأيدلوجيات وكل ما يمت للحياة بصلة.
هذه الفكرة دلل عليها بقوة فيلم HURRICCANE HEIST  الذي يحكي عن إعصار ضرب وأطاح بوالد طفلين عاندا الحياة فيما بعد وأصبحا ناجحين أحدهما متخصصا في الأرصاد الجوية والآخر تقنيا فنيا. يضعهما القدر مع شرطية نبيلة تعمل في هيئة فدرالية لتدمير الأموال الزائدة بفرمها.  هبت الأخيرة لمواجهة عصابة مكونة من بعض الزملاء الشرطة والعمدة وغيرهم يريدون سرقة المال مستغلين الإعصار الذي ضرب البلدة .
حاربت هذه العصابة بقوة الشر للحصول على المال، وحاربت الفتاة والأخوان بقوة الخير لمنعهم وتحقيق الواجب.
بالطبع في السينما انتصر الخير، بينما في الحياة كثيرا ما ينتصر الشر .
فهل هذه هي روح الحياة المبثوثة فيهم، أم أنه طاقة التمرد الإنساني والتشبث بالحياة.  هذا لا يهم المهم أن الموت ليس ضد الحياة بل طريق من طرقها الجانبية، وقد تكون الحياة طريقا من طرق الموت الخلفية أيضا.
م هذا ما وجدته في الفيلم الغرائبي QUIET PLACE الذي يحكي قصة عائلة تجد نفسها في مواجهة وحش أعمى يهجم كلما سمع صوتا فيأكل البشر، تواجه العائلة التي تفقد صغيرا بسبب الامتثال لشروط الروح الطفلية العذبة، فشغّل لعبة فهجم عليه. ثم تفقد الأب في محاولته لإنقاذ صغاره.
الوحش المشفوع بحب الحياة، والأسرة (الإنسان كذلك) يساومون الموت ويواجهونه الوحس بالقوة، والأسرة بإعمال العقل للوصول لنتيجة وهي إدراك نقطة ضعف الوحش والقضاء عليه.
تؤكد الحياة كما يؤكد الفن أن بين الحياة والموت صراع علني تماما، فكلنا نأتي لنصارع الموت عبر الحياة. كل بطريقته وأدواته ووسائلة، وكل حسب غايته وتفكيره وأحلامه.
ولأن الإنسان لا يعرف إلا الحياة بنقصها وكمالها، وبشرها وخيرها، بمن فيها من أخيار وأشرار من أطفال وكبار.  ولا يعرف ما وراءها مهما صدّرت الأدبيات الدينية ذلك،  فهو يتجه إليها، ويمضي بها ومعها، يمضي حافرا بأظافره ليحقق له متكئا فيها بعيدا عن العدم (مهما تعددت مسمياته) أو قبل العدم الذي لم يختبره ولم يقبض عليه بحواسه.
بالطبع قد يستسلم يوما لوهن أو كبر  أو مرض أو حزن فينهي الحياة لأنه لم يعد قادرا عليها أو على الركض فيها.
لا شأن لذلك بالسكينة أو الاطمئنان ، بل هو عدم يوازي العدم، وفراغ يوازي الفراغ، ولكنه لا يحدث حتى تتسع تلك الهوة داخله، حتى يشرئب فيه ما يوازي الحياة تماما.  أما دون ذلك، فهو يركض خلف الحياة، ويواجه مسببات نقصها وعدمها وفراغها بإرادة صلبة ومحاولات مستمرة وعنيدة.
لذا ليس علينا أن نتكلم عن الموت وكأنه ضد الحياة، لأن الموت هو توقف الحياة أو غيابها، تماما كالشر الذي هو غياب الخير والظلام الذي هو غياب الضوء.