الثلاثاء، 31 أكتوبر، 2017

أكتوبر 2017

فاطمة الشيدي

31 أكتوبر
هذا يوم الشجرة  وقد "كنت في البدء شجرة"
في حياةٍ أخرى ماكنت أنا
كنت نخلةً سامقةً نبتت عنوةً في صحراءٍ على مشارفِ الصمت

ووزّعت ظلَّها على حباتِ الرمال
أو لعلني كنت سمرةً طيبةً توقظ الحنينَ في ليل السمّار
وتشغل الغرباء بالغناء
أو كنت سدرةً تغتسل بعشقِها النساء
أو غافةً تحرس الأفق
لعلني كنت زهرةَ ليلكٍ نبتت سهوا عند ناصيةِ شارع ما
وحرست أسرار العشاق الذين يترصدون الزوايا لاستراق قبلة عابرة
المهم أنني كنتُ في البدء شجرة
أعرف هذا الآن من رائحة جسدي ليلا
حين يضوّع عطرا يشبه حقل رياحين أو نعنع بري
ومن تفتّح حواسي على اخضرار الحياة
ومن الماء الذي يتغلغل في روحي تماما
حين ينزل المطر


28 أكتوبر
ثمة شق كبير بيني وبين هذا العالم
أحاول أن أضمّده بالكلمات
أمسح على جرحه الكبير بقلبي المرتجف كل ليلة
أقرأ عليه قصة
أعلمه أن يحلم كثيرا ليلتئم قليلا
...
أحاول أن أعلمه أن يكذب على نفسه ليعيش
أو يختلق فقاعة باهتة ليحيا فيها
أن يتدرب على الكذب كل يوم بدأب وإصرار كي يفقد بعض وزنه
وأن يحفظ بعض الكلمات الهزيلة عن الأمل كمن يتعلم لغة صعبة
كي يحلّق أخيرا كبالونة فارغة
الشق يتسع
وكل ما أخشاه أن يبتلعني
وأنا أردد نفس النصائح همسا داخلي


27 أكتوبر
في هذا اليوم كنا نتابع فيلم ONLY THE BRAVE ، والفيلم يدور حول رجال الإطفاء ودورهم في مواجهة الحرائق التي تلتهم الحياة والاخضرار والجمال، وطرق إعدادهم للعمل الشاق والدقيق في محاورة النار والتصدي لها بعلم ووعي.
ويبدأ من تشكيل فريق نخبة للإطفاء ثم إنجازاته المتمكنة، وخلفية كل فرد بعائلته التي تنتظره بقلق لهذا العمل الخطر. ثم يذهب بك من الحياة للموت، ومن النار للفناء، ومن الحب للفقد حيث يحترق الفريق المكون من 19 إطفائيا في تصاعد تراجيدي صادم نهاية الفيلم.
أجمل ما في الفيلم "الإنسانية العالية" بكل تفاصيلها البسيطة، فهو يتناول قصة حقيقية ويستحضر أرواحا غاربة وأخرى أوجعها الفقد. ويوثق روح الإنسان وعمله وإخلاصه، واعتراف المجتمع بدوره ووفاء البشر له بعد الموت. وهذا ما ينقصنا عبر الكتابة والسينما وعبر كل شيء تقريبا !

24 أكتوبر
في هذا اليوم أنهيت كتاب "الأرقش لميخائيل نعيمة" ربما قرأت هذا الكتاب سابقا أو اطلعت على بعض منه، ولكن أحيانا علينا إعادة قراءة بعض الكبار اعتمادا على نصيحة بورخيس (ليس القراءة هي المهمة، بل إعادة القراءة هي الأهم).
والأرقش الفتى اليتيم المجدور الوجه الذي لا يعرف له اسما أو أسرة، والذي يهيم في هذا العالم صامتا متأملا، يعمل ليعيش، ويكتب ليستشعر حقيقته، ليس إلا نموذجا لعدمية الإنسان وعذابات المتأملين من البشر، الذين يمضون في هذا العالم عبر أحجياته وآلامه محاولين كشف حجبه وفهم أسراره حتى التلاشي.
تلك الأرواح الزجاجية التي تشف حتى ينفذ إليها النور، ويقلقها الوعي، فتتأرجح بين الذاكرة والأمل، بين الحضن الذي تسند
...عليه فراغها الجاثم، والحلم في فرح ما يأتي بيد ممتلئة بالسلال والورود.
وبين هذا وذاك يوجعها كل شيء القلق الذاتي، والإنسان اللاهث وراء المادة، والثرثرة التافهة، والحرب والموت، والأفكار الجاهزة عن الدين والوطن…. الخ
فعبر رحلة روحية يأخذك إليها نعيمة، عبر حيلة دفتر مذكرات الأرقش ويومياته التي كتبها في غرفته الحقيرة عند ش، وهو الذي رحل تاركا ش وقهوته التي عمل فيها فترات بدافع الحاجة واللانتماء لهذا العالم.
الأرقش أو شكيب بعد اثنين وثلاثين عاما بعد أن قتل نجلاء وهرب والتقى الكاتب في الحرب وعرف قصته وكتبها. (لقد ذبحت حبي بيدي لانه فوق ما يتحمله جسدي ودون ماتتوق له روحي) !!



22 أكتوبر
صوت عبير نعمة يشبه القمح والحنين والازمنة البعيدة، والغرباء والعشاق، والحزانى، وكثيرا يشبه نسيم الصباح الدافئ في بلادنا .. لذا فهو بشجنه الخبئ ولذته المرة كالقهوة يصلح للبدايات بكل احلامها الصغيرة أن يكون أسبوعا/يوما مهادنا جدا .. صباح البدايات التي تتلمس الجمال أبدا  

20 أكتوبر
في هذا اليوم كنا نتابع عبر الشاشة الكبيرة فيلم   MOTHER ، وهو فيلم غرائبي برمزية مغرقة في الرعب. وعليك أن تبتكر تأويلاتك الخاصه به ك (توزع الشاعر في روح البشر، وحقهم فيما يكتب، وتحققه الذاتي في روح الجمع، وأنانية الكاتب فيما يخص المرأة) وغيرها من التأويلات التي قد تخرج بها بعد الفيلم مع القليل من متعة الفرجة فقط.

19 أكتوبر
ترتفع في مكتبي في طهران ملصق لرسم كريكاتوري سياسي أحب أن أنظر إليه أثناء العمل عمل يصور الملصق امرأة تعتمر خوذة قتال من عصر الفضاء وتنحني على صفحة بيضاء وفي يدها قلم . يذكرني الرسم بحقيقة تعلمتها في عمري ويتردد صداها في تاريخ النساء الإيرانيات عير العصور أن الكلمة المكتوبة هي الأداة الأقوى لدينا لحماية أنفسنا من طغاة العصر ومن تقاليدنا على السواء. وسواء أكانت شهرزاد راوية القصص التي درأت عن نفس...ها ضرب العنق بابتكار ألف قصة وقصة. أم شاعرات نسويات من القرن الماضي تحدين التصورات الثقافية بأبيات شعر . أم محاميات مثلي من اللواتي دافعن عن الضعيف في المحاكم. فإن النساء الإيرانيات اعتمدن طوال قرون على الكلمة لتغيير الواقع.
ومع أن الكلمات أسلحة مسالمة فقد تعرضتُ في الخمسة عشر سنة الماضية لمضايقات والتهديد وسجنت في سياق الدفاع عن حقوق الإنسان وضحايا العنف في إيران.
وأردت منذ زمن كتابة مذكراتي عن تلك الأعوام أتحدث فيها من وجهة. نظر امرأة تعرضت للتهميش من قبل الثورة الإسلامية لكنها ظلت في إيران وحفرت لنفسها دورا مهنيا وسياسيا في الحكم الديني الناشيء الذي يحظر ذلك
وإلى مسيرتي الشخصية أردت تصوير كيف تتغير إيران وهو تغيير يحل على الجمهورية الإيرانية بطرق بطيئة وماكرة، ويمكن بسهولة عدم ملاحظتها."
شيرين عبادي . إيران تستيقظ (مذكرات الثورة والأمل)، عن قصة الحقوقية والقاضية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، الكتاب الذي ستخرج منه مملتئا بالقوة والحماس والإنسانية معا، وتعرف أن الحياة فعلا فعل مقاومة، وأن عليك أن تكون لائقا بعبورك المؤقت على هذا الأرض وأن تترك أثرا حقيقيا في من يتقاطع معك في الزمن والمكان والفعل .


 18 أكتوبر

في فترة بعيدة في الزمن استحدثت مع صديقة عزيزة جدا، ثم مع أخواتي لاحقا فكرة (التشكي) أو الشكوى، وهي محاولة للفضفضة، فكلما شعرت بالتعب والامتلاء من ضغوطات الحياة وتعبها، أتصل بها (نحتاج جلسة تشكي) حيث تفرغ كل منا ما في جوفها من أوجاع، وتنفض بين يدي الأخرى حصيلة أيامها من التعب والخسارات والمنغصات، لتدرك هي لاحقا وقبل الأخرى أنها (أي الأوجاع) لاشي أو أنها عادية جدا، ولكنها كانت فقط تحتاج تخرجها، وأن تسمعها بصوت عال، أو تنظر إليها من مسافة ما، لتتخلص منها لاحقا بسهولة.
تماما كما كنت ولازلت أحب الجلوس في ردهات المولات المخصصة للأكل، هناك حيث الضجيج والصخب، وكلما شعرت بالضيق والكآبة أذهب لهناك وحيدة أو برفقة أحد، لأفرغ همومي في وجوه الناس، وأفرغ صوتي في أصواتهم، وأتحسس ما يضجرهم مثلي ولو عن بعد، وأخرج لاحقا براحة نفسية.
وقد نلقي بهمومنا على قارعة الطريق ونحن نمشي، أو في وجه المرآة ونحن نتبرج، أو في كوب القهوة حين يعز الصديق الصدوق، وأحيانا نكتب ما نشعر به. أو نتحايل على تفريغه بشكل ما يشبه (التشكي) الذي هو حالة يحتاجها الجميع!!
فهل أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بهذا الدور، هل (كواكب الوحيدين والغرباء)/ .. هي مجال حالة (التشكي) الجديدة لأن الأصدقاء أصبحوا كالغول والعنقاء فعلا. وأصبح الجميع مشغولا بحاله وظروفه?
وهل كلمات المواساة والمؤازرة المكتوبة مثل : (سلامات وماعليك شر .. وقلبي معك) تسد مسد قلب يخفق أمامك، ويد تمسح دمعك، وروح تتشرب همومك وتخففها حتى تصدقها أنت وتنفض في نهاية الجلسة كل ما حضرت به ثقيلا متعبا?!
أم هي مجرد محاولات بائسة لنقول أننا مازلنا أحياء أيها العالم؟!


17 أكتوبر
في هذا اليوم يحتفل الوطن بيوم المرأة  العمانية، وفي هذا اليوم أتذكر أبي. أبي الذي كان (رغم تعليمه وسفره وثقافته) رجلا عمانيا عاديا. وليس ماركسيا ولا تقدميا أكثر مما يمكن أن يكون عليه من هو في ظروفه ومكانه وعصره.
لقد كان أبي ذكوريا قبليا ككل رجال بلاده، وربما متعصبا أيضا بحكم مكانته القبلية والاجتماعية.
ومع هذا فقد حصلت بناته الثمان على حقهن في التعليم، وواصلت أغلبيتهن التعليم الجامعي ومابعد الجامعي الماجستير والدكتوراه، وتوظفن جميعا في وظائف مختلفة. وكنت في 1990 أول فتاة تدخل الجامعة من قبيلتي التي كانت ترى في تعليم ال...بنات الجامعي عارا (نعم حتى هذا الحد) ومع هذا دخلتُ الجامعة الوحيدة المختلطة في البلاد. الأمر الذي حدا برجال قبيلتي الأشاوس للاجتماع به لثنيه عن الأمر، ولكن أبي الذي لم يكن ليكسر قلب ابنته ناقشني في الأمر وأخذني بسيارته للتسجيل وكان يقلني كل أسبوع تقريبا جيئة وذهابا.
وحين امتنع أحد أعمامي (ابن أخ والدي الأكبر) عن تدريس ابنته اتصلتُ به لأقنعه وأكمل هو المهمة، وقال حرفيا للعم الذي كان قد عقد قران ابنته قبل نهاية العام، (دعها تذهب للكلية من بيتك كي لا يجرؤ زوجها على إخراجها، ستنفعك وتنفع نفسها)
ولا حقا كان الجميع يقتدي به (مادام علي محمد دخل بنته الجامعة) وبذلك أصبح دخول الجامعة أمرا سهلا وعاديا لبنات العائلة والبلدة.
لم يجبر أبي إحدى بناته على الزواج ممن تكره، ولم يكرههن على شيء أبدا. ورغم شرطه القبلي في صفات الزوج لم يجبرهن على من يريد.
تحصّلت أولى بناته على رخصة قيادة السيارة في بداية التسعينيات، ولحقن جميعا بها تباعا. واقتدت الكثيرات من بنات العائلة والبلدة بهن بعد ذلك أيضا. كما عملت بناته في مختلف الوظائف بلا شرط ولا قيد. وتحققنا في مسارات حياتنا بحرية تامة، وأظهرنا مواهبنا، وسافرنا وأنجزنا مشاريعنا الذاتية بين يديه وأمام عينه وهو يدعو لنا بالتوفيق والنجاح والتميز.
لقد أدرك أبي مفهوم الحق والحرية للمرأة بروحه الأبوية وعدله الإنساني متجاوزا كل مفاهيم الذكورية المجتمعية التي ينتمي إليها. وهذا هو الوعي الذي يحتاجه الرجل فيما يخص المرأة. والذي يفتقر إليه الكثير ممن يدعون التقدميه حتى الآن .

13 أكتوبر
في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم (  BELOW  6) والذي يقول بصراحة ووضوح (إننا لا نعيش حياتنا إلا بالمضي قدما .. ولكن لا نعرف معناها إلا بالنظر للخلف)، وقد كانت هذه هي النتيجة التي خرج بها الشاب الذي ضيّع حياته بالمخدرات التي أفقدته شهرته الرياضية، ثم مضى في مغامرة للتزلج على الجليد ليضيع، وهناك يدرك قيمة الحياة والبعد الإنساني الحقيقي للوجود، يعثر عليه شبه ميت بعد إلحاح والدته، فيقرر البدء من جديد . البدايات التي علينا دائما أن نجدها والنهايات التي علينا أن نحدثها لنمضي قدما في وجودنا الإنساني الشاسع مهما ضاق بنا وعلينا لزمن ما . فيلم عن قصة حقيقية يمثل قوة التحدي الإنساني من أجل البقاء حتى لتخرج من قاعة السينما وأنت ممتلئ أملا وطاقة للبدء من جديد  .. وهذا دور السينما والأدب كأعظم ما يكون.

11 أكتوبر 
أحتاج وقتا لأتعثر فأنهض، لأشك فأتيقن، لأبحث فأجد، لأمضي فأعرف، لأقرأ فأحكم. تحتكم ذاتي لعبودية الوقت، ويهزمني الزمن بحمولاته الثقيلة،  وأوراقه المتساقطة. وأيامه المتسارعة.
يتملكني الرعب من التوقف تماما كما يثقلني المضي في الدرب الطويل حتى لا أكاد أنظر للخلف.
أتوق للرؤيا خلف هضاب المسافة التي أعبرها بلا تأمل جلي وأخشى السراب البعيد الذي قد يبتلع أيامي إذا توقفت.
أخشى أن تمتد مخالب العجز لعنقي تماما إذا ألقيت ظعني، وصدى اللهاث يمنعني من صوت الفراغ المزدحم بالهسهسات الكونية التي تدغدغ أصابعي وتنز من دمي للكتابة.
بين محنة العبور وإثم الفراغ المستحيل الذي قد يتسع فيبتلع الروح ويقبض على الوقت .. أمضي والخوف مما سيأتي والحزن على ما يذهب!!

10 أكتوبر
 في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم (THE FOREIGNER) ،  الفيلم الذي يقول أن الإرهاب مهما كان منظما ومنطلقا من رواسخ شعبوية أو فئوية يظل إرهابا،، ومهما تصاعد في العنف وارتقى في التنظيم لن يغلب الحب، هذا مايقوله هذا الفيلم حول الإرهاب الإيرلندي في بريطانيا وتصدي أب (من أصول صينية) له، بعد ان فقد ابنته للجماعات الإرهابية، تخفيفا لشعوره بالفقد والانسحاق لفقد عائلته تباعا، ولكنه انتقم منهم فعلا وحقق ذلك الرضا الداخلي الذي لن يعيد له ابنته ولكنه سيخفف شعوره بالألم. لنفعل شيئا حتى بعد أن نظن أن كل شيء  انتهى لنعيش بشكل أفضل فقط لأنه لم يأت دورنا في الموت ، كانت تلك رسالة الفيلم التي على المتلقي إدراكها جيدا.

8 أكتوبر
في هذا اليوم أنهيت كتاب الرمل لبورخيس (سأكتب عنه لاحقا)!

6 أكتوبر

 ( FLAT LINERS) هو فيلم الجمعة لهذا الأسبوع والفيلم من تلك الأفلام التي تغريك بالمشاهدة فتذهب إليها بفضول شديد، فالتجربة التي قررت طبيبة متدربة خوضها (لمعرفة ما وراء الموت) بقتل نفسها ثم العودة للحياة بإنعاشها طبيا، مع تسجيل ما يحدث لها في الفترة بين الحياة والموت؛ أغرت زملاءها أيضا ليقرر أغلبهم خوضها.
كانت فكرة الفيلم مغرية جدا بالمشاهدة، ولكنها للأسف لم تعالج جيدا بشكل علمي على صعيد القصة، فسرعان ما تحوّلت لحالة روحية تستند لأدبيات الأديان حول مايحدث في البرزخ. إذ انفتح باب بين العالمين فبدأ كل منهم يشعر بمن يلاحقه، وهناك يهرع للبحث عنه ليطلب منه الغفران.
ماوراء الموت فكرة عميقة جدا نحتاج فعلا لمعينات علمية وفلسفية لفهمها.
الموت الذي هو مرادف للحياة أو وجها من وجوهها في أبسط تعريف له، والذي قد نتعرف عليه قبل أن نفهم معنى الحياة تماما في أحايين كثيرة. 
5 أكتوبر
منذ أكثر من عام في قطار بين مدينتي فيينا وبراغ قرأت المجموعة القصصية (عصفور أعزل يضع منقاره في وجه العالم)  وظل  الكتاب يحتل سطح مكتبي لأكتب عنه شيئا أو أحرر الملاحظات التي وضعتها حوله كما أفعل غالبا.
اليوم استوقفني وأخذني إليه، واستعدت قراءتي له؛ بعنوانه الشعري الجاذب، ومحاولته القصصية (غير المتحققة إجناسيا) ومحاولاته التجريبية في مراودة الأشكال الأكثر انفتاحا وعبورا للأجناس (رغم حدية التصنيف أعلى الغلاف) .
فعبر ملامح التجريب وأسئلة الكتابة الجديدة تأخذك ا...لمجموعة إليها لتجهز عليها بسرعة ولذة، فالعنوان الشعري الذي لم ينبثق من أي من النصوص في متن الكتاب، ولعله لا يتفق معها أيضا، مغرٍ بذلك، وكذلك حجم المجموعة بصفحاتها الثمانين، واللغة القريبة من العادي بلا تفصّد البلاغة أو تقصّدها، وبلا صرامة أو رصانة رغم عمق بعض النصوص . لتأتي النصوص متباينة من حيث العمق اللغوي والتكثيف المضموني، والشكلانية، معتمدة الكثير من الثيمات والأفكار، مناوشة الاجتماعي، والسياسي والذاتي في غير إيغال أو رسوخ بل في عبور ملغّز غالبا عبر (بورتريهات، مواقف يومية، تدوينات سريعة، أفكار عابرة، شذرات شعرية، محاولات تأملية ورؤى ذاتية)، وموضوعاتيا هناك نقد اجتماعي (المرأة نموذجا)، ورسم واقعي لأحداث أو شخوص، واستحضار للهامش الإنساني المعذب بالجوع والفقر، وهناك حوار ضمني مع الجوامد في أنسنة لغوية تتراوح بين الشعرية والسردية، وهناك النقد السياسي الضمني جدا.
الكتاب يحوي أفكارا متباينة وكتابات غير متصلة ببعضها البعض، ولا يجمعها خيط سردي دقيق وواضح، وأغلبها ليست كتابة سردية بقدر ماهي تدوينات ترهقها فكرة التجنيس، فلا تشكّل ملمحا فنيا خاصا، ولا تستحضر وعيا كتابيا بالجنس المحدد، كل هذا لا يثبته أو ينفيه ما يؤكد عليه الكاتب أو الناشر على الغلاف كعتبة من عتبات النص. ولكنك ستجد في الكثير من النصوص ما يجعلك تنتبه لها، وتقف عندها.



4 أكتوبر
قرب أغنية أو كتاب فقط يمكن أن يعيش المرء الباحث عن فسحة ضوء بهدوء في كل هذا الظلام الذي يتمدد باتساع الحلكة التي لا يراد لها أن تتزحزح. فتترقى في تمددها الكوني صعودا وهبوطا، حتى لا تعرف أي المداخل تفضي إليها وأي المخارج تودي بها.. وهل ثمة من يحاول أن يصنع النور أو يحارب الحلكة فعلا. أم أن أنياب الحلكة الحادة تستمد سلطتها من غبش الرؤية وكثافة القدرة .
وصوت جاهدة يشبه المطر والقهوة والألم وأشياء أخرى كثيرة ويصلح في الصباحات للذهاب بخارطة البدايات نحو أفق أكثر اتساعا للداخل والخارج معا مع الجمال الكوني.

3 أكتوبر
لم أكن أريد إلا أن أعيش وفق الدوافع التي تنبع من نفسي الحقيقية، فلِمَ كان ذلك بهذه الصعوبة؟
 هيرمان هيسه

2 أكتوبر
يظن البعض أن وظيفة (المثقف) النواح والعويل، ولذا فالزعيق والنعيق والنهيق يغمر العالم، والقليل من (المثقفين) يضع يده على جرح، أو يشرّح فكرة، أو يوصّف ظاهرة، أو يحلل حالة، أو حتى يبث بعض الأمل.
كما أن البعض يعتقد أن على المثقف أن يحمل سيف دون كيخوته ليحارب طواحين العالم، أو أن يمثّل الجانب المظلم للقمر ، أو يقف في الزاوية الأخرى للعبور، والضفة الأخرى للنهر دائما، والبعض يفترض أن كل من خط سطرا أو قدم عملا إبداعيا صار مثقفا، مع أن ثمة فرق ساشع بين المبدع والمثقف، وليس على أي منهما أن يكون الآخر بالضرورة.

1. أكتوبر 
هذا هو يوم القهوة، صديقتي القديمة الجديدة التي أحبها كما تكون بلا اشتراطات، بكل الأنواع، والأشكال والأحجام، والطعوم والمستويات والرائحة.. والتي أنتمي إليها انتمائي للحب والصمت والبحر والجبل والأطفال والمطر وكل جمال في هذا الكون. وانتمائي لجد عظيم عشق القهوة أبدا، ولأب حبيب لم يكتف منها حتى الغياب ولعله لن يفتقد شيئا أكثر منها في بيته السماوي إلا أنها قد تكون هناك بمواصفات

الاثنين، 23 أكتوبر، 2017

جمعية الكتاب وجائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات

الإثنين 23 أكتوبر 2017 09:20 م بتوقيت مسقط



الرؤية- محمد قنات
احتفلت الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء بمقرها بمرتفعات المطار، مساء أمس الإثنين بتكريم الفائزين بجائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات لعام 2017، وشخصيتي العام الثقافيتين، وذلك تحت رعاية معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري رئيس مجلس الدولة.
حضر الاحتفال عددٌ من أصحاب المعالي والسعادة، والمدعوين من المسؤولين والمهتمين، وجمهور من الكتاب والمثقفين والإعلاميين.
استهل الحفل بكلمة المهندس سعيد بن محمد الصقلاوي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء الذي أشار إلى أن جائزة الإبداع الثقافي واصلت مسيرتها بخطوات متتابعة ومتطورة، منذ انطلاقها في عام 2008، وأصبحت علامة بارزة ضمن قائمة الجوائز الأدبية والثقافية في السلطنة، وقد أصدرت الجمعية هذا العام كتيباً يشتمل على نظام الجائزة وشروطها سواء للمتقدمين أو للجان التحكيم، كما أصدرت كتيباً توثيقياً للأعمال الفائزة بالجائزة منذ انطلاقها.
وقال الصقلاوي: في هذا العام حددت جائزة الإبداع الثقافي 6 مجالات وهي الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والدراسات الأدبية والنقدية، والدراسات التاريخية، وتحقيق المخطوطات، وتقدم للتنافس فيها 33 عملاً، وفور إغلاق باب استقبال الأعمال المتقدمة، تشكلت لجان من المختصين من أدباء وكتاب وباحثين وأكاديميين في المجالات الستة المطروحة.
ووجه رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب الشكر والتقدير للجان التحكيم على ما بذل من جهد والمهنية التي تعاملوا بها مع جميع الأعمال المتقدمة، ولجميع الكتاب والأدباء الذين تقدموا للمسابقة، معتبرا أن ذلك يدل على ثقتهم في هذه المسابقة ومصداقيتها وقيمتها المعنوية على مستوى السلطنة، كما تقدم بالتهنئة للمكرمين في فرع الإنجاز الثقافي، الشيخ الأديب أحمد بن عبد الله الفلاحي ومكتبة دار الكتاب العامة بصلالة التي أنشأها المرحوم الشيخ المربي عبد القادر الغساني، مؤكدا الاعتزاز بما أنجزاه من إسهام وافر وعطاء سخي للمشهد الثقافي العماني.
بعد ذلك ألقى الأديب أحمد بن عبد الله الفلاحي، الذي تكرمه الجمعية العمانية للكتاب والأدباء هذا العام، باعتباره أحد شخصيتي العام الثقافيتين كلمة قال فيها: دأبت جمعيتنا منذ تأسيسها على المساهمة بكل استطاعتها في تنمية الثقافة وتنشيطها ومد الرعاية لكتاب عمان ومبدعيها كيفما كانت أنواع إبداعاتهم ومذاهبهم الكتابية شكلا ومضمونا دون استثناء لأحد، ودعمها في أساسه موجه لأعضائها كما هو حال الجمعيات في كل مكان ولكنه لم يكن أبدًا مقتصرا عليهم وحدهم بل هو لكل حملة الأقلام ولجميع الناهضين برسالة الكتابة ونشر التنوير. وتلك سنة حميدة نحييها عليها وفعل كريم نشكره لها وذاك هو المنتظر والمؤمل من جمعية هي بيت أولي الثقافة ومنزل أرباب الإبداع.
وأضاف: توالى هذا النهج من إدارة إلى أخرى، وكل إدارة تركت إضافة ملموسة إلى ما قدمته سابقاتها من طباعة الكتب وتكريم المثقفين وإقامة الندوات والمشاركة في الفعاليات وتبني المبدعين ومساندتهم والوقوف معهم.
ومن بين بنود إدارات الجمعية الذي تعاقبت عليه الواحدة بعد أختها بند تكريم المبرزين في الإبداع وفي الإنجاز الثقافي ابتداء من سعيد بن سلطان الهاشمي ثم في الدورات التالية صالح العامري وسالم بن علي الكلباني وأحمد المعيني والمرحوم سالم الغيلاني الذي سعدنا بتكريمه العام الماضي قبيل رحيله عنَّا بأيام قليلة مع أسماء أخرى غير هؤلاء.
وأضاف: واليوم رأت الإدارة الحالية تكريم شخص أحمد الفلاحي الماثل أمامكم ومني لهم وافر الشكر وصادق الامتنان على ذلك. وقال: لقد أحدثت مبادرتهم ارتباكاً حينما أعلموني بها وفاجأتني! يا ترى ما هو العمل الفارق الذي قمت به ورأوه متميزًا يستحق أن يكرم؟
واستعرض الفلاحي سيرة حياته وكيف ألقت به الظروف خارج الوطن قبل 1970 ليعيش مشردا كحال الألوف من نظرائه وحين فتح الوطن أبوابه وهلت البشائر عاد مع العائدين ليعمل في الإذاعة العمانية لمدة 10 سنوات ومنها إلى وزارة التربية والتعليم، ثم عرج إلى "النادي الوطني الثقافي" ومجلته "الثقافة الجديدة" باعتباره أحد المؤسسين، مشيرًا إلى أنه لم يكن وحده وإنما مع زملاء كثر، ومثل حالة "النادي الوطني الثقافي" كذلك تجربة مجلة "الغدير" التي كان مديرا لتحريرها، معتبرا أن المجلة ليست إنجازا لشخص واحد تفرد به ذاتيا بل كانت نتاج عمل جماعي اشترك في صنعه العديد من شباب ذلك الوقت.
وألقى مصطفى بن عبد القادر بن سالم الغساني عضو مجلس إدارة مكتبة دار الكتاب العامة بصلالة والمكرمة في جائزة الإبداع الثقافي للعام 2017م عن فرع الإنجاز الثقافي، كلمة استهلها بشكر الجمعية العمانية للكتاب والأدباء على اختيار مكتبة دار الكتاب العامة لتكون المشروع الثقافي المكرم لهذا العام، مؤكدا أن هذا سيكون حافزا لمزيد من العطاء حسب رؤية وأهداف المكتبة التي أنشئت عليها.
وأضاف الغساني أن فكرة إنشاء مكتبة دار الكتاب العامة ولدت في نوفمبر 2010، بعد أن كانت مكتبة خاصة بالوالد، من أجل خدمة الباحثين والدارسين وتوفير وسائل المعرفة والمساهمة في إثراء الحركة الثقافية، حيث تم توفير مبنى ملائم يتضمن المكتبة وأماكن مخصصة للقراءة  وأجهزة الحاسب الآلي للبحث وأجهزة أخرى للنسخ وقاعة متعددة الأغراض تتسع لـ300 وذلك لاحتضان الفعاليات الثقافية، مشيرًا إلى أن المكتبة تضم أكثر من 15 ألف كتاب وحوالي 250 موسوعة وبعض المخطوطات النادرة.
بعدها توالت كلمات لجان تحكيم جائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات لعام 2017م، وإعلان الفائزين في كل مجال من مجالات المسابقة. وأعلنت لجنة تحكيم جائزة أفضل إصدار شعري عماني لعام 2017، (والتي تضم الشاعر أحمد الهاشمي، والشاعر مسعود الحمداني، والدكتور هلال الحجري) والتي ذهبت مناصفة بين ديوان "مكتفيا بالليل" للشاعر حسن المطروشي، وديوان "قلب مائل إلى الزرقة" للشاعرة فاطمة إحسان.
وقالت اللجنة إنها تلقت 9 أعمال، وواجهت صعوبة شديدة في اختيار أفضلها؛ لما يتميز به كل عمل من خصائص شعرية تجعل استبعاده أمرًا مؤسفاً. ولكن نظرا لطبيعة الجائزة التي تحتم اختيار عمل واحد أو عملين على أقصى تقدير، اضطرت اللجنة إلى تحكيم معايير فنية صارمة تشمل صحة اللغة، وتنوع الإيقاع، وفرادة الصورة، وعمق المعنى، ونزعة التجديد، وتجاوز المألوف.
وقد وجدت اللجنة أنَّ المطروشي تمكن في عمله من بناء الشعر لغة، وإيقاعا، وتصويرا؛ فقد جاءت لغته سليمة خالية من العيوب النحوية والصرفية، وانزياحية بعيدة عن التقريرية والمباشرة التي يقع فيها كثير من شعراء القصيدة الموزونة المُقفّاة، كما أنه نجح في هذا العمل من تنويع موسيقاه وإيقاعاته فلم يقع في فخاخ قصيدة التفعيلة التي يقتصر معظم شعرائها على تفعيلتي الرجز والكامل. أما الصورة في هذا العمل فهي مكثفة ومكتنزة بأبعاد تاريخية ودينية وايدلوجية تنم عن معرفة عميقة وتجربة متمكنة من بناء القصيدة.
وقد وجدت اللجنة أيضا أن الشاعرة فاطمة إحسان استطاعت أن تتقن كيمياء الشعر في عملها "قلب مائل إلى الزرقة"، رغم كونه باكورة أعمالها؛ فقد جاء هذا العمل بمعان مبتكرة وصُور حيّة تفيض بالحياة، نجحت الشاعرة في توظيفها بلغة رمزية ذات دلالات خصبة عميقة وغامضة غموض الألماس؛ تُوحي بالجمال ولا تُعلنه. كما أن هذا العمل نأى بنفسه عن التقريرية والمباشرة التي يقع فيها كثير من الشعراء الشباب؛ فلغته مُوحيةٌ حافلةٌ بالأخْيلة والصُّور، وهي لُحْمةُ الشّعْر وسُداه.
وأوصت اللجنة بأن يفصل القائمون على الجائزة الشّعْر الشعبيّ عن الشّعْر الفصيح؛ وذلك إيمانا منها بأنه ــ رغم اشتراكهما في معين واحد ــ لكُلّ واحد منها ضوابطه وخصائصه الفنية المستقلة.
وأعلنت لجنة تحكيم جائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات لعام 2016 عن مجالي الرواية والقصة القصيرة، و(وتضم في عضويتها الدكتورة جميلة الجعدية، والدكتور عبد العزيز الفارسي، والقاص حمود حمد الشكيلي) عن فوز رواية "سندريلات مسقط" للروائية والقاصة هدى حمد.
وقالت اللجنة أنها تلقت 4  أعمال  روائية تراوحت بين المتميز والضعيف، فبعضها يحتاج إلى مراجعات لغوية وتدقيق وضبط (لغة وأسلوبا). وفي حين تناولت بعض الروايات أحداثا وشخصيات لا علاقة لها ببيئتنا أو ثقافتنا نجد الأخرى قد تمكنت من الغوص في أعماق شخصياتها وقدمتها في قالب درامي بسيط في أحيان ومعقد في أحيان أخرى.
وأشادت اللجنة برواية "سندريلات مسقط" لما حفلت به من استخدام متقن للغة تميزت كونها لغة جذابة، استطاعت من خلالها استشعار العمق الداخلي للشخصيات المطحونة للحصول على رزقها في عالم يستمتع بالمتاجرة بالبشر في صور حضارية براقة، كما تميزت بالتصوير المشهدي للأحداث والتمكن من الانتقال فيها من مرحلة إلى أخرى والعودة إلى المرحلة دون إخلال.
وأعتبرت أن هذا يدل على أن الرواية في عمان باتت تخطو نحو الثبات والرسوخ، مستفيدة من التجارب السابقة، ومن حياة كتابها كذلك، لذا قرأت اللجنة كل النصوص الروائية المتقدمة، فكان أن توقفت مع النص الفائز، إذ استطاع أن يختلف عن بقية الأعمال المتقدمة بأن تجربته استفادت من تقنية التجريب، رغم ما قد يشعر به القارئ من أن النص كان بناؤه كما لو أن خلفه تجربة قصصية لمؤلفته.
وفي مجال القصة القصيرة، منحت اللجنة مجموعة "كائناتي السردية" لليلى البلوشي بجائزة أفضل إصدار في مجال القصة القصيرة لهذا العام.
وقالت اللجنة، إنها تلقت 6  مجموعات قصصية، ومن أهم الملاحظات التي يمكن عرضها بشيء من الاختصار في مجال القصة القصيرة ما يلي:
يمكن وصف بعض المجموعات بأنها كانت نقيضاً للأخرى ففي الوقت الذي نجد فيه الخلط واضحا في تحديد النوع الأدبي الذي تنتمي إليه المجموعة نجد هناك من حددها سلفا في نوع بعينه على الرغم من اختلاف تقنيات وعناصر القصة عما يكتب فيه.
بعض الموضوعات كانت خيالية يمكننا إدراجها تحت بند القصص الخيالية أو الفانتازيا أكثر من كونها قصص قصيرة، على الجانب الآخر نجد بعض المجموعات التي اتسمت بنضج أدبي على صعيد المواضيع والأساليب واللغة والأفكار والتقنيات المختلفة والصور الأدبية والنهايات الصادمة لتوقعات المتلقي.
وتفاوت المستوى الفني والأدبي داخل المجموعة الواحدة، وبشكل عام هناك مجموعات تحتاج إلى المزيد من الاشتغال والتكثيف والتجريب والتدقيق.
وقالت اللجنة إنها أجمعت على المجموعة القصصية الفائزة، لأسباب أهمها، أن العنوان العام للمجموعة يمتد إلى كل القصص التي وردت بداخلها، فكل الشخصيات ليست شخصيات حقيقية إنما هي شخصيات ألبستها الأديبة صفة الإنسانية وعبرت عن مكامن نفسها بطريقة كما لو أنها أجرت معها حديثا مطولا سابقا تستنطقها مكنونات نفسها محملة لتلك الشخصية ما أرادت الأديبة أن تحملها من بين السطور.
بالإضافة إلى أن المجموعة استطاعت أن تحقق وحدة الانطباع في إبداع الواقع الفني، والتزمت التكثيف اللغوي على مستوى الأحداث والمعالجة المركزة له.
ومنحت لجنة تحكيم جائزة الإبداع الثقافي لأفضل إصدار في مجال الدراسات النقدية والأدبية (والتي تضم في عضويتها الدكتور حمود الدغيشي، والدكتورة فاطمة الشيدي، والدكتور عيسى السليماني) مناصفة إلى كل من الباحث يوسف المعمري عن عمله "قراءة في مضمرات علي المعمري"، وإلى خالد بن علي المعمري عن عمله "أحجيات السرد".
وقالت اللجنة، إنه تقدم هذا العام  لجائزة الإبداع الثقافي في فـرع أفضل الإصدارات، 6 دراسات أدبية ونقدية، ركز 3 منها على المنجز العماني السردي والشعري، و2 منها على المنجز العماني والعربي؛ السردي والشعري، بينما صنف سادسها في حقل الدراسات الفكرية.
وذهبت لجنة التحكيم إلى أن دراستين من تلك الدراسات تـمـيـزتا بالاشتغال في المنجز السردي والشعري، والاحتفاء بالدلالات الكامنة وراء النصوص، فضلا عن المنهج العلمي الذي اشتغلت به الدراستان.
وأعلنت لجنة تحكيم جائزة الإبداع الثقافي لأفضل إصدار في مجال الدراسات التاريخية، والمؤلفة من الدكتور عبد الله بن سعود أمبوسعيدي، والدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي، والدكتور موسى بن سالم البراشدي؛ حيث اطلعت على الإصدارات التاريخية المقدمة إليهم وعددها 6 إصدارات جميعها تشكل إضافةً مهمة للمكتبة التاريخية العمانية. وبعد مداولات ودراسات جادة ومستفيضة تحرى فيها المحكّمون الموضوعية والمنهجية تجاه الإصدارات المحكّمة، ووفقاً للمعايير التي وضعتها اللجنة وأبرزها عنوان الدراسة، وسلامة اللغة المستخدمة ووضوحها، إضافة إلى منهجية البحث، ومدى الالتزام بالمصادر والمراجع، قررت اللجنة منح الجائزة مناصفة إلى رنا الضوياني لدراستها حول "جمال عبدالناصر والحركات السياسية في عُمان"، وكذلك إلى الباحث يعقوب البرواني عن دراسته "المنزفة". واعتبرت اللجنة أن العملين استحقا الفوز لأن مؤلفيهما قدما منهجية واضحة، وعالجا النتائج بطريقة متدرجة ومتكاملة، كما أنهما حققا الشروط المنهجية السليمة التي وضعتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء.
وقالت لجنة تحكيم جائزة الإبداع الثقافي لأفضل إصدار في مجال تحقيق المخطوطات المؤلفة من الباحث سلطان الشيباني، والباحث محمد العيسري، أنها تلقت 3 أعمال للمنافسة على جائزة الإبداع الثقافي لأفضل الإصدارات في مجال تحقيق المخطوطات.
الإصدار الأول: تناول كتابا تربوياً مهماً، جمع بين الفقه والتربية، على نحو قلّ نظيرُه في المصنفات العمانية، وأسّس ما يمكن تسميت بـ«فقه المدرسة» أو «فقه المؤسسة التعليمية»، وأبْرز مبادئ إدارة المدرسة، وقواعد التعليم فيها، وحقوق المعلم وواجباته، وحقوق الأطفال في المدرسة وواجباتهم، في الفترة التي عاشها المؤلف في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة/ الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد. وقد حلّل المحققُ المضامين الفقهية والتربوية لكل مسألة من مسائل الكتاب؛ البالغ عددها نحو 300 مسألة.
الإصدار الثاني: تناول نصًّا يعود إلى أواخر القرن الثاني للهجرة وأوائل القرن الثالث/ الثامن والتاسع للميلاد، وهو أحدُ نصوص ما يُعرف بـ"السّير العُمانية"، التي هي فنٌّ متميز من فنون التأليف عند العُمانيين، يجمع بين تأصيل قواعد فقه السياسة الشرعية، وعلم الأخلاق، ويغطي جوانب إدارية واقتصادية واجتماعية كانت سائدة في المجتمع العماني آنذاك، مع ما تزخر به من تقاليد الحُكم المتبعة، وعلاقة الراعي بالرعية، إلى غير ذلك من مبادئ الفكر السياسي وتطوره عبر العصور عند العمانيين.
الإصدار الثالث: يعود بنا إلى القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، ليُخرج نصا من بواكير النصوص العمانية النادرة، وهو نص شاهدٌ على حقبة تشكُّل المدارس الفقهية وتبلْوُرها، يُلقي ضوءا على منابع الفقه الأولى وأصوله، ومناهج الاستدلال السائدة عند الأقدمين، وطريقتهم في معالجة المسائل والتعاطي مع النوازل، والكتاب يُجلّي شخصية المؤلف الفقهية، كما جلّتْ آثارٌ سابقة له شخصيته الحديثية والكلامية.
وأضافت اللجنة، أن الإصدارات جميعها تتسم بتوخّي الدقة في ضبط النص وتقديمه للقارئ، كما تشترك أيضًا في كونها تناولت نصوصا تُطبع لأول مرة، ولم يسْبقْ أنْ ظهرتْ إلى عالم المطبوعات من قبل.
وبعد تحكيم الإصدارات رأت اللجنة منح الدكتور ناصر بن علي الندابي الجائزة، عن عمله "سيرة العلامة منير بن النير الريامي".
وبعد الإعلان عن الفائزين، قام معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري، يرافقه المهندس سعيد بن محمد الصقلاوي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بتكريم شخصيتي العام الثقافيتين، ولجان تحكيم جائزة الجمعية لأفضل الإصدارات لعام 2017، والفائزين في مجالاتها المختلفة. وقدم رئيس الجمعية في الختام هدية تذكارية لراعي الاحتفال.

السبت، 30 سبتمبر، 2017

سبتمر 2017



اللوحة للفنان الفرنسي (رائد الانطباعية) كلود مونيه
فاطمة الشيدي



30  سبتمبر 
كالريح أمحو أثر الخطوات كي لا تعرفني الأمكنة لاحقا، ولا تدركني الذاكرة إلا غيابا. أو كما يقول الخيام "هذا حصادي كله / جئت كالماء وأمضي كالهواء." ووحدها الموسيقا تحقق هذا  بما لها من رائحة بكارة الكون، وهسهسة البدايات، وصرير النهايات، ولذا كان مارسيل خليفة وخالد الشيخ وأميمة خليل أصدقاء  الوقت مع مونيه الذي احتجزني في لوحاته المدهشة منذ زمن طويل في هذا الشهر الطويل بتشبثه المقيت في ذيول الصيف الحارقة.

29 سبتمبر
ونحن نغتسل بموسيقى تشايكوفسكي، ونحلق ذهولا واندهاشا أمام عبقرية الجسد في باليه ( بحيرة البجع/ Swan Lake) في دار الأوبرا بمسقط، كنت أفكر في القصة الأسطورية والغرائبية التي قامت عليها. بل وتداعت إلى ذهني كبريات الأعمال الأدبية الغرائبية التي أصبحت ذاكرة إنسانية عالمية مثل (الأميرة النائمة، وليلى والذئب، وسندريلا… الخ) وغيرها كثير وكثير .
وما تحوّلت إليه هذه الأعمال السردية الغرائبية (رغم بساطتها الحكواتية) من أعمال فنّية عظيمة للكبار والصغار (أوبرا، وعروض ومسرحيات غنائية ورقص وباليه، وكرتون وأنميشن) وغيرها لتغزو مسارح العالم، وماتزال تفعل ذلك بوهج وتجدد كل يوم، بل أصبحت رمزا للحالة الر...فيعة من الثقافة التي تزيد في رصيد الفرد والمجتمع والمكان.
بينما نحن (الشرق) أهل الأساطير والغرائبيات والميثولوجيات العريقة، أصحاب ألف ليلة وليلة، والغول والعنقاء، وأبي زيد الهلالي والشطار والمقامات، وأول من ترجم الأساطير الهندية والإغريقية، وأدبياتهم ك(كليلة ودمنة)، ناهيك عن الحكايات الشفهية العظيمة التي تتناقلها الجدات والأمهات وكونت ذاكراتنا الأولى على مر الوجود الإنساني الذي كان مرهونا ومحتكما للغرائبيات والأساطير.
ليس لدينا من هذا الفنون ما نباهي به، ونصدّره للعالم ونحتفي به!
تماما كما كنت -وفي استدعاء لأوبرا عايدا وصنّاعها من الغرب-  أصلي أن يقيّض الله لقصة المسحورة العمانية (بنت نزوى) والتي استلهمتُ روحها في حفلة الموت، وسطّر محمود الرحبي حكايتها في درب المسحورة؛ من يعالجها فنيا وينشرها عالميا، خاصة وأن نسجها الأساس قصيدة رائعة ولا تحتاج سوى الموسيقا والمعالجة الدرامية، وأفكّر كم ستكون بغرائبيتها عظيمة فعلا .
لماذا ?
هل الدين الذي حجب كل شيء، وصادر ذاكرتنا الإنسانية لصالحه، وحرّم علينا الموسيقا والغناء والفنون جميعا.
هل هو الجسد الذي أرعبنا وأشكل علينا فهمه، فشغلنا به أكثر مما يجب، وصدرناه إلى اللاوعي والضمير الجمعي كمحظور وتابو مرعب أن نتماس معه، وأن نفسح له المجال ليبدع ويظهر عبقرياته في الرقص والغناء، وعزز الدين ذلك بعنف وقسوة ليجعل منه مرادفا للعذاب والويل والثبور.
هل هي عقليتنا العربية المريضة بالجسد والخوف والتوجس منه، والتشكّل ضمن قاعدة العيب والحرام، أم هو التخلف الحضاري والثقافي الذي شمل كل شيء من الفكر حتى الفن، ومن الرأس حتى الجسد؟!

28 سبتمبر
أنا لا أخاف الموت، أنا أخاف الحياة، الحياة التي لا تضمن لك أبدا أنك لن تنكسر يوما على نصالها، بيد القدر أو بيد البشر، فيعلكك الحزن بأنيابه الحادة كقطعة لحم عصية على المضغ، أو يعركك الألم بالتذاذ سادي حقير.
الحياة التي قد لا تكون لائقة بشغفك أبدا، فلا تصل بك لبعضك أو بعض ما تريد يوما ما.
الحياة التي قررت باتحاد قدري قديم لاتعرف عنه شيئا؛ كل شيء منك، من صرختك الأولى حتى دمعتك الأخيرة، فتفصّل أوجاعها بدقة متناهية على خرائط جسدك عبر أزمانك المتتابعة، بينما تظل أنت أبدا عاشقا لها، متيما بها، خائفا من فراقها، لاهثا عبرها ككلب أجرب بحثا عن ضحكة ناقصة أو فرح أحمق.
أما بعد الموت فهو قضية كبرى لم ينجح أحدهم بعد في فهمها أو تحليلها أو إخبارنا عنها، كنت أفكر في هذا وأنا أشاهد فيلم  FLAT LINERS ) ، والذي يتناول التجربة التي قررت طبيبة متدربة خوضها (لمعرفة ما وراء الموت) بقتل نفسها ثم العودة للحياة بإنعاشها طبيا، مع تسجيل ما يحدث لها في الفترة بين الحياة والموت؛ أغرت زملاءها أيضا ليقرر أغلبهم خوضها.
كانت فكرة الفيلم مغرية جدا بالمشاهدة، ولكنها للأسف لم تعالج جيدا بشكل علمي على صعيد القصة، فسرعان ما تحوّلت لحالة روحية تستند لأدبيات الأديان حول مايحدث في البرزخ. إذ انفتح باب بين العالمين فبدأ كل منهم يشعر بمن يلاحقه، وهناك يهرع للبحث عنه ليطلب منه الغفران.
ماوراء الموت فكرة عميقة جدا نحتاج فعلا لمعينات علمية وفلسفية لفهمها.
الموت الذي هو مرادف للحياة أو وجها من وجوهها في أبسط تعريف له، والذي قد نتعرف عليه قبل أن نفهم معنى الحياة تماما في أحايين كثيرة.

27 سبتمبر
في القادم من الوقت أريد أن أخرج من رأسي الذي أتعبني طويلا، وأعيش في جسدي فقط، أريد أن أحبه كما ينبغي، كتكفير عن زمن طويل احتجزته فيه في ردهة نائية مني.
أريد أن أركض كل يوم أكثر من ثلاث ساعات أو أسبح مثلها، وأنام عشر ساعات او أكثر بلا أرق أو صداع أو حتى فكرة لكتابة ما، أو أغنية تتردد فيه وتأخذني إلى زمن بعيد.
أريد أن أركب دراجة هوائية وأمشي بها وسط الأسواق أو على رصيف ما، وأتعلم العزف على القانون، أو أي آلة أخرى.
أريد أن تتسخ أصابعي وأنا أطبخ بيدي ثم ألتهمه بلذة على عجل، ويد...خل التراب في أظافري وانا أحفر لأغرس شتلات كثيرة لورود وأشجار ستتحول مع الوقت لصديقات حقيقيات تصغي لأسراري التي تقل مع الوقت.
أريد أن أرقص مع أطفال تحت المطر في بلاد أخرى تحب المطر والأطفال، أو مع عجائز في شارع أو ملجأ مسنين محفوف بشجر عملاق يحرس الغياب، في مكان يحترم الشارع والمسنين.
أريد أن أغني بنشاز مقصود في عناق الغروب، وألعب مع مجموعة من المتحدّين لأجسادهم، كالمبصرين بنظارات سوداء أو المهرولين بأرجل اصطناعية.
كل ما أحتاجه من رأسي بعد هذا الوقت دموع غزيرة يستثيرها موقف خارجي، أو ضحكة صادقة لفرح داخلي.

26 سبتمبر
مبارك للمرأة السعودية استعادة حقها في قيادة السيارة (بعد أن غرست أظافرها الطويلة زمنا في جسد الشارع والوقت والإعلام). وفي انتظار إزاحة الولي لكل القاصرات (مهما كبرن) في بلاد الماء.
الحقوق كثيرة وعلى النساء أن تطيل أظافرها كثيرا وأن تشحذ صوتها ليكون حادا ليقطع كل المحاذير، وأن تسن وعيها أكثر ليكون جارحا بما يليق بالزمن الذي تعيش فيه.

24 سبتمبر 
الإرهاب الأمريكي في العالم هو أبشع أنواع الإرهاب. وربما هو دافع ومحرّض على كل إرهاب آخر كردة فعل موازية.  الإرهاب الذي تصنعه السياسة، ثم يشرّعه التطرف الديني ولا يدفع ثمنه إلا الإنسان البسيط الطيب المحب غالبا.
الإنسان الذي يريد أن يعيش ويعمل ليتحصّل على لقمة عيشه، وينجب أطفالا ليحبهم ويعيش معهم يدفع حياته أو بعض أعضائه ليعيش عاجزا، ومع هذا قد يأتي من يتاجر بضعفه وجرحه ليجعل منه بطلا. في حين ...
كل ما يريده أن يستشعر ضعفه ويبكي بين يدي من يحب حين يكون ضعيفا (بعد أن يفقد قدميه)، ويقاوم بجسده وروحه ليستمر بأقل الخسائر لأنه إنسان عادي وليس كائنا خارقا ولا بطلا، وليس عليه أن يكون كذلك فقط ليدفع فاتورة الحكومات والإعلام والحقارة الكونية التي تتصاعد بأشكال شتى وأسماء جديدة. هذا بعض ما قاله  فيلم ( stronger ) هذا الفيلم الإنساني المستفز للروح والوعي والإنسانية الكونية. 

22 سبتمبر 
الإرهاب الأمريكي في العالم هو أبشع أنواع الإرهاب. وربما هو دافع ومحرّض على كل إرهاب آخر كردة فعل موازية.  الإرهاب الذي تصنعه السياسة، ثم يشرّعه التطرف الديني ولا يدفع ثمنه إلا الإنسان البسيط الطيب المحب غالبا.
الإنسان الذي يريد أن يعيش ويعمل ليتحصّل على لقمة عيشه، وينجب أطفالا ليحبهم ويعيش معهم يدفع حياته أو بعض أعضائه ليعيش عاجزا، ومع هذا قد يأتي من يتاجر بضعفه وجرحه ليجعل منه بطلا. في حين ...كل مايريده أن يستشعر ضعفه ويبكي بين يدي من يحب حين يكون ضعيفا (بعد أن يفقد قدميه)، ويقاوم بجسده وروحه ليستمر بأقل الخسائر لإنه إنسان عادي وليس كائنا خارقا ولا بطلا، وليس عليه أن يكون كذلك فقط ليدفع فاتورة الحكومات والإعلام والحقارة الكونية التي تتصاعد بأشكال شتى وأسماء جديدة. هذا بعض ما قاله هذا الفيلم الإنساني المستفز للروح والوعي والإنسانية الكونية.

21 سبتمبر 
يغشاني الفرح حين أجد رجلا شرقيا -قبل أي صفة أخرى ككاتب أو فنان-يفخر بزوجته، يكتب عنها، يضع صورتها في حدث ما، يجلُّ تكريما تحصّلت عليه، أو يقدّم عملا أنجزته.
وأقول الزوجة تحديدا لأنها الشرف والعرض كفكرة تافهة يقدمها المجتمع الشرقي المريض فلا يستطيع الرجل تجاوزها، بينما قد يستطيع البعض تجاوز حضور الأم والبنت، وتقديمها إلى جانبه امتنانا وحنانا.
أفرح بصدق أن ثمة رجل شرقي غادر منطقة الظل التافه للعادات والتقاليد المريضة في مجتمعنا المقصي للمرأة بوصفها عورة أو ظل أو هلام علينا ...أن نعبره بخجل، ونكون معه في الخفاء الإنساني فقط، أو مع الأقربين والمحارم.
رجل اتحد بإنسانيته الحقيقية، وارتقى بذاته لمدارجها الطبيعية منتشلا إياها من قاع التبعية والخوف والجهل، ومحررا لها من عبودية القيد العرفي، وقبلها محاكما ومواجها لأطرها المريضة ومنطلقاتها الجامدة.
أفرح لأنني أجد أملا أن يحذو حذوه جيل قادم، وأن تتحرر هذه العقول والمجتمعات من داء المرأة العورة، ومن فصام الرجل الشرقي.
أفرح لأن ازدواجية الإنسان العربي في كل شيء والتي هي سبب تأخرنا المريض هذا، وعنصريتنا المقيتة؛ ستتراخى قليلا، وتتراجع خطوة ما. ولأن كل حل يبدأ من تصالح الإنسان مع ذاته، ومن تحقق وعيه الداخلي والذاتي والشخصي أولا وقبل شيء.
أفرح لأن ثمة أمل
في زمن السقوط هذا، وثمة حلم صغير يوازي ضوء شمعة في عبور النفق يوما ما.


20 سبتمبر
 
رحل في هذا اليوم  أخ في النسب والذاكرة القليلة والإنسانية المغدقة بالخير والجمال والمحبة عن هذه البسيطة.
رحل باكرا كما لا يليق بالأشقاء الذين عليهم أن يكملوا الدرب معنا، وكما لا يليق ببنوّتهم لأمهات ينغرز خنجر الغياب والفقد بعيدا في قلوبهن فلا يحدث جرحا بل يجتث كل حس بالحياة، وتظل أرواحهن ترفرف فقدا ووجعا وحزنا حتى تغادر للأبد.
وكما لا يليق بأبوتهم لحمامات صغيرة ستتلمس أبدا موضع فقدهم في هذه الحياة كجرح لن يندمل، وستتألم كلما احتاجت ظلا تسند ظهرها المكشوف عليه، ويدا تعبر بها نحو الأمان وتمسح بقايا دمعة حائرة كلما أمعن الوقت في القسوة، وفرحا مرتعشا كلما أينعت الشهادة في كفنهاية العام.
مبكرا رحل كما لا ينبغي لأخ وابن
وأب ليترك قلوب والدته وأخوته ترزح تحت وطأة الثكل أبدا فلا تتذكر لأنها لا تنسى، ويسمح لليتم أن يسيل في قلوب أطفاله كليل أبدي لا ينبلج له صبح ولا يأذن بالراحة أبدا.
فالرحمة للراحلين.. ولا عزاء للمحبين.

20  سبتمبر
ستتعب كثيرا حتى تنهي رواية (لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة) للروائي السوري المبدع خالد خليفة، ولن تعرف من هو  البطل فيها، وإلى من عليك أن تنحاز كقارئ؟   للأم التي تُفتتح الرواية بموتها وهي التي ركضت وراء رجل لا يوازيها مكانة اجتماعية حتى تزوجته، ومع ذلك تركها مع عجوز أمريكية ليهرب للجنّة الغربية، فتظل تحاول أن تحقق مافاتها من مكانة في بيتها ومع أطفالها برعونة وتشدد. 
أم للخال نزار الموسيقي المثلي، الذي يتعذب لميوله هذا، ويعيش حياة متابينة القسوة والفرح مع عشاقه وموسيقاه وأسرته التي ترفضه ماعدا أخته الأقرب، أم مع سوسن الفتاة المرحة اللعوب المحبة للحياة والتي تجرب كل شيء من الحب حتى السياسة فالدين وتنتهي وحيدة تبحث لطفلها غير الشرعي عن أب. أم لرشيد الفتى العبقري الذي انتهى به الأمر مجاهدا في العراق ثم يعود ليتخلص من حياته ويخلص للغياب.
ولذا ستتبع صوت السارد المحايد تماما في السرد والوصف،  وستنحاز للألم فقط، وستجد في ملحمة القهر هذه ما ينثر الملح فوق جراحك العربية ويستثيرها بحرقة،  ولن يكون بمقدورك تتبع خيط أمل وحيد أو حلم لزمن بعيد تماما عن زمن تحلم به. 



19 سبتمبر 
كاتب/ة قرأ/ت روايتين، وبضع قصائد على الانترنت والفيس بوك، وطبل له أصحابه، وغمرته اللايكات المجاملة، فأخذ بنفسه، وظن نفسه رولان بارت، أو إدوارد سعيد او من فيما مقامها وأعلى. ليظن بنفسه العبقرية والتفرد والقدرة على إصدار الأحكام، متجاوزا القيم الفنية والأخلاقية، ذاهبا في توزيع هبات أحكامه التافهة عطاء وحذفا، وتقديم وتأخير الأسماء وتوزيع الهبات النزقة مثل شخصيته تماما هؤلاء يستحقون الشفقة أكثر من أي شيء !

17 سبتمبر 
سأنتخب اليوم أغنية للصوت الملائكي (أميمة خليل)  الذي ما أن تسمعه حتى يتبادر لذهنك أنه قد تخلقت لديك أجنحة، وأنت تحلق الآن في السماوات البعيدة، خارج الزمن والمكان، في الوسط الهلامي بين الأرض والسماء، وأنك ترتفع فوق كل ترهات هذا العالم وجنونه وشياطينه، أنتخب صوتها وأتشربه وأنا أمضي نحو العمل الذي أحب، لأبدأ بالحب والجمال الفصل الدراسي الجديد.  


16 سبتمبر 
اليوم - وأنا أشاهد بمتعة كبيرة وعميقة حتى العظم وبشكل يشبه العذاب كثيرا، (أوبرا عايدا) في دار الأوبرا بمسقط، حول فكرة الصراع الأزلي بين الواجب والحب والذي تعيشه الأميرة الحبشية عايدا، وقائد الجيش راداميس الذي كان على كل منهما أن يختار بين وطنه وحبيبه، لتكون نهايتهما الدفن أحياء في قبر تحت الأرض، حيث حكم على القائد بذلك جبرا، في حين اختارته عايدا طواعية لتموت مع حبيبها تكفيرا عن خيانة لم تقصدها، ورغبة في خلاص أبدي في حضن حبيبها - كنت أفكر أن فنونا كالموسيقى والفن التشكيلي والرقص والمسرح وغيرها من فنون الجسد أجمل وأكثر عذوبة من الكتابة أو من اللغة بشكل عام.   لأنهما أكثر صمتا وبهاء وتماسا مع الروح.
بينما الكتابة محاولة تجريدية جافة في كل شيء وعاجزة عن تجسيد المعنى الكوني الكبير أحيانا كثيرة. وفي حين يميل أهل الموسيقا والفن التشكيلي والمسرح لتجسيد المعنى بالصمت فيرسم الفنان بصمت، ويضرب اللوحة بسكين قلبه الطافح بالعشق والوجع، تماما كما يفعل الموسيقي وهو يعانق آلته، ويوقّع وجعه على جسدها، يتصاعد في اللحن، ويسقط فيه في ذات اللحظة، ويعبّر الجسد عن أقصى درجات الإحساس بحركاته العبقرية؛ يميل الكتاب للثرثرة في كل شيء، ويظن الكتّاب غالبا أنفسهم أنبياء الحكمة ودعاة الوعي والفهم، وأنهم قادرون على الخوض في كل موضوع. 
الفنون لغة الروح المباشرة التي تعيد الحواس تشكيلها بأشكال جديدة، ثم تجسدها الأصابع وتهبها حضورا فيزيقيا ، بينما تظل محاولة ترجمة الإحساس إلى لغة حالة ناقصة وتجريدية وباهتة أحيانا كثيرة. 
هل هذا تجني على الكتابة؟ بالتأكيد نعم، فلعل ما نراه من خوض الخائضين في كل شيء يشعل هذه الفكرة أحيانا أمام تقدير شخصي ضمني لرفعة الصمت وعظمة الفنون.  فالكتب دواة الوجود، وشجر المعرفة، وروح الحكمة في الكون، وظل الروح الوارف الذي تستظل به أبدا. 


15 سبتمبر 
ونحن نشاهد فيلم (فيكتوريا وعبدول  Victoria and Abdul )  الفيلم الممتع بحسه الكوميدي، وعمقه الإنساني، في القبض على مشاعر امرأة كبيرة في السن تعيش حياة مملة أكثر مما يحتمل الإنسان، وهي الملكة التي يراها الجميع قوية وسعيدة، إلا أنها عميقا تشعر بالخواء الروحي  فتجد في هذا الشاب متنفسا لأشياء روحية تفتقدها فعلا ؛ ندرك كم هي غريبة تلك القصة بينهما، و التي لم يكن ليسمح بها المستعمر العنصري لولا مذكرات عبد الكريم التي وصفت تلك العلاقة، والتي نجت صدفة من كل محاولات الحرق التي قام بها ابنها وعائلتها. والحقيقة أن هذه التفاصيل الصغيرة والعلاقات الخاصة تمثل جوهر عبور الإنسان على هذه الأرض أكثر من المسميات والصفات الكبيرة، فالمجد والخلود للروح والصداقة والجمال.

14سبتمبر 
يميل الكثير من الكتاب الجدد لتقنية السخرية في التعبير عن رفضهم للمجتمع ولكنهم يستخدمون أبشع الوسائل اللغوية والفكرية في ذلك. فالسخرية فن عميق يقوم على حس نقدي وموضوعي لا يتعارض مع الأخلاق ولا يتناول الحالات الطبيعية للجسد أو العيوب الخلقية أو الثقافية أو الإيمان أو العقيدة أو المستوى الاجتماعي وإلا أصبحت إهانة وظلما وتجريحا. 
وللكن للأسف هذا ما يحدث بلا وعي منهم بذلك، ومع اللايكات يرتفع (الإيجو) ويظن البعض أنه (برنارد شو).




13 سبتمبر 
هذا أسبوع العودة لمقاعد الجامعة، الزهور التي تقف على مقربة من كل شيء الآن تحثك على تتبع روائح نوّارها، وعلى نسج أمنيات غارقة في الحلم لها،  وصلوات كثر تبتهل بها في روحك، الحلم هو كل ما نملك نحن سدنة الخيالات والأحلام التي نعيش بها، وفيها. 
زمن جديد قادم كدائما يترنح بين حيثيات الضجر والأماني الملوّنة كمناطيد عليها أن ترتفع أبدا. 
وجوه متنوعة ترفل في زهْوها المستحق، وذهابها  نحو المستقبل، عقول قادمة من تنوّعات بيئية وفكرية وتربوية كثيرة. 
يزرعون بذورا في حقولهم الروحية، مأخوذين بغرور الوقت، البعض كبارا يبدأون، والبعض صغارا ثم يكبرون، والبعض صغارا سيخرجون من حيّز المكان للوجود ويظلون كذلك.  سواء كان ذلك في المعرفة أو في القيم الإنسانية أو كلاهما. 
الصمت يطبق شفتيه برعونة على كل شيء. 
الأشياء كلها في أماكنها ولكن بتراتيبية مريرة، وبجمود ممل. 
المكان بارد وميت رغم حرارة الشمس المتربّعة بخيلاء على جسد الوجود. لا أغنيات تصدح في المكان، لا مرح،  لا ألوان ربيعية لهذه الأجساد الربيعية إلا من ضدية الأسود والأبيض. لا تنوع.  لا اختلافات بينية في الشكل أو الفكر.  
لا ابتسامات تغمر الوجوه والأرواح الصغيرة بالدفء، لا آفاق روحية وعقلية جلية، وهي التي يرمز لها المكان أصلا. 
لا لوحات فنية حقيقية، لا منحوتات عظيمة. لافن. لا مقاهٍ راقية ومفتوحة للجميع من أساتذة وطلاب وعابرين،  تدفع لنقاش طويل ومعرفة خارج قاعات الدرس، وتذهب نحو آفاق أوسع للجمال والرؤى المتعددة خارج الملل الأكاديمي. 
فالجميع يعبر بكهولته المتصنعة مهما كان عمره، وبقالبه الجبسي الذي يضعه فور دلوفه للخارطة المكانية.  الكل ممتثلون لشرط الحالة، متصنّعون للرزانة، ملتزمون بالأشياء الجاهزة، والكليشيهات المتوارثة، ذاهبين في رصانة الصمت، ووجاهة الرؤى الكبيرة والأهداف العظمى، خاضعين لاشتراطات التنافق المجتمعي والديني من عيب وحرام،  فتنقسم الأرواح الغضة القادمة بشغف المعرفة والعمر والرغبة في التكوّن لذكور وإناث ونحن نحتاج لصناعة إنسان راق وناضج (رجالا  ونساء) فقط فقط. يضعون الحب والجمال في دائرة الخطأ، ولذا يرتبك الجمع وتحدث الخروجات على المحظورات قصدا أو ارتباكا، ويسمى لاحقا خطأ، ويتصاعد الارتباك وتقصى الحرية أكثر، ويذهبون في التزمت أكثر وأكثر ويغيب التفاعل ويذهب الجديد نحو زمنه وعوالمه الرقمية خارج الحياة الحقيقية التي تضيق به فيصير الحضور نفاقا والتوافق مع الأنظمة وصنّاعها كذبا. 
فتسكن الكتب الهواتف النقالة والسر يستبدل بالعلن، والإنسان الحقيقي يقبع تائها في زاويته البعيدة إلا من ذاته وصدقه وأهدافه الكبرى.
وأبدا تتصاعد البروتوكولات الرسمية، وتزداد الأنظمة البليدة  تفرعا وقرفا وتحكما بالجميع، فتشعر بيدها تحت جلدك وبين شهقيك وزفيرك، وفي جدولك الدراسي، وفي تغيير درجة في مادتك العلمية، وفي حيثيات مؤتمر تريد أن تحضره أو بحث تريد نشره. في هاتف مكتبك المعطّل، وفي مواقف السيارات المحجوزة لذوي المناصب الرسمية قبل العلمية، ولمسمياتهم الكبيرة والكثيرة تتصدر كل فعالية ونشاط، وفي مزاج الشرطي عند بوابة الدخول، وفي دائرة شئون الموظفين.
فتتراجع أحلام كبيرة بالحرية والبساطة والخفة التى ترقى بالإنسان والوعي والفن والجمال والمعرفة وتبهت قليلا قليلا داخلك. 
وتتقلص الأمنيات لدى الجميع لتسمع من يقول (بضع سنوات وتعدي..  ياصبر أيوب)
نعم كم يحتاج الجميع للكثير من صبر أيوب، ورسائل السماء، وأصدقاء شحذ الهمم بالطاقة والبرمجيات اللغوية والعصبية وللكثير الكثير من الأحلام لنستمر لزمن آخر، عام آخر، فصل آخر .



12 سبتمبر
هذا اليوم أصلي للكتابة في غيابها وعجزي 
أيها الكتابة:
أردتك فرحا فلا تكوني حرنا مضاعفا
وأردتك نجاة فلا تكوني غرقا محتوما
أرتدك  صاحبا فلا تكوني خذلانا مبينا
أردتك حياة فلا تكوني فقدا جديدا



11 سبتمبر
تصادف هذا اليوم ذكرى الحادي عشر من سبتمبر .. بكل ما تشكله أحداث هذا اليوم داخلنا من ارتباك ضمني كبير..  فهل علينا أن نشعر بالقليل من الألم الإنساني لأن قتل إنسان في أي مكان في العالم يمثل طعنة غادرة ووصمة عار كبيرة؟! 
أم علينا أن نشعر بالقليل من الفخر الإنساني، لأننا في هذا اليوم فقط كنا -إنسانا ووعيا وثقافة- في موضع قوة ينظر إليها العالم أجمع بخوف، بعد أن سحقتنا الثقافة الغربية بدمويتها وبشاعتها (إنسانا ووثقافة ووعيا أيضا)  لزمن طويل، وشربت دمنا ساخنا في كؤوسها الأنيقة. لست مع القتل والإرهاب، وضد كل قاتل وجبان، لكن شيئا مني يستشعر أنها كانت صفعة مستحقة على وجه الغرب الأنيق والمتحضر خارجا،  والقاتل والإرهابي ضمنيا لتقول له:  انتبه، تبتكر الإنسانية والثقافات والشعوب المقهورة أساليبها دائما للدفاع عن نفسها، فاتق الكائن الجريح الذي ليس لديه ما يخسره، الكائن الذي قد يتعلم من أعدائه ومن اختراعاتهم وثقافتهم أيضا، والحضارة سجال، ولو دامت لغيرك ما وصلت إليك!!!!

10. سبتمبر
كل ما كنت أحتاجه هو الشغف الحارق للحياة والكتابة، ذلك الجرح الطولي في الجسد والروح والذاكرة، ولكن للأسف أبدا كانت الجراح أفقية،  الشغف باهتا وبسيطا.

9 سبتمبر
الكتابة الجديدة أسهل بكثير من مراجعة وتحرير كتابة قديمة؛  الأولى أشبه بولادة جديدة، والثانية أشبه بمحاولة بث الحياة في جسد وروح قديمين هكذا أشعر الآن بعد زمن من مراجعة وتحرير كتاب للنشر .



8 سبتمبر
في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم الأسبوع كالعادة، وكان موعدنا مع فيلم " HITMAN,S BODYGUARD، شعرت بالامتعاض في البدء من فكرته القائمة على القتل، بين الانتربول وقاتل مأجور، رغم الدعاية الجيدة التي دفعتنا لمتابعته ، ولكن لاحقا كمية الكوميديا الجميلة المشبع بها الفيلم إضافة إلى الحب والرومانسية التي تعطر أجواءه، إذا تتساقط الجثث بين مشاهد الضحك والحب الكثيرة، فتضحك من قلبك،  وتتحسه (أي قلبك) بين فينة وأخرى لتتأكد منه عاشقا ومعشوقا؛ جعلتني أخرج من الفيلم راضية كل الرضا، وتحققت لدي جرعة الأسبوع من المتعة السينمائية التي أنشدها.



7 سبتمبر
أن تبدأ في تتبع حياة وأعمال بورخيس قراءة واستماعا ومشاهدة، فأنت موعود بمتعة كبيرة وعظيمة ومضاعفة، لن تقف فيها على "كتاب الرمل" الذي هو عبارة عن مجموعة نصوص مدهشة، أو الكثير من المقابلات المدهشة للمعلم الضرير، إنك تمضي في شهرك هذا مع الجمال الممكن والمستحيل الذي بدأ للتو ولن ينتهي.



6 سبتمبر
فيما مضى كان ثمة دفتر وقلم وكان ثمة تأن وبطء، وثمة إحساس عارم بالأشياء والناس والحزن. ولزمن طويل حاولت الفضاء الأزرق وأعترف أنني شغفت به، وذهبت معه قليلا، ولكن الضوء كان مربكا جدا، والوجوه مصبوغة ولامعة أكثر مما ينبغي والقلوب المغطاة بالضوء يظهر قبحها ما أن يتوارى الضوء، وثمة أحقاد ولصوص وقطاع طرق، وأوهام منتفخة تمشي على قدمين.  لم أجد هناك ذاكرة لامعة، ولاحزن شجي، ولا قوارب للنجاة ولا عزلة تليق بي، وها أعود خالية الوفاص، بردت تلك الشهوة الجامحة، ونقصتني لذة الغياب والركون للظل وللحنين المستطيل كظل شجرة، عدت للورقة والقلم. 
والآن أود أوعود لكتابة الصمت، للهدوء الأبدي والعزلة المبهجة، بعيدا عن الصخب الموازي للكينونة الحقيقية بعيدا عن كثيرا عن كل شيء . أود أن أعود لذلك الهدوء النبيل، والوعي الجارح،  وأبقى حيث أنا والقلم والقرطاس فقط .


5 سبتمبر
الحياة أوسع من اللغة ..أم اللغة أوسع من الحياة بحيث تتسع لها؟ سؤال كبير يحاصرني هذا اليوم، مستحضرة روح هايدغر ورولان بارت، ودوسوسير وغيرهم من فلاسفة  اللغة إضافة إلى كل الشعراء والكتاب الذين اخترقوا وعيي على مدى عمر الاطلاع والقراءة.
فهل كينونة الوجود تحدث عبر اللغة، وبالتالي فهو توجيد له بشكل جلي، ودون اللغة تظل الحياة خفاء لا وجود له. وهنا يكون التفكير هو البناء اللغوي لمسميات الوجود والموجودات، وخارج اللغة لا وجود للوجود لأن الوعي الوجودي الإنساني مرتبط باللغة بدءا .
وأن الداخلي من المشاعر والانبهار يظل في الداخل. لا يتشكل أصلا وبالتالي فهو غير موجود،  ولعل وصفا لغويا أقل من الحقيقي يشكل وجودا أعمق.
وبالتأكيد أن اللغة ليست هي الكلام المكتوب فقط، بل هي ماقبل العبارة غالبا، فهي التشكل الرؤيوي للفكرة، ثم تجسدها في شكل ما.
فماهي الحياة خارج الوصف؟  وهل نختبرها إلا ضمنه، والوصف باعتباره توصيفا أوليا قبل التجسيد النهائي، ألا يقدم تجسيدا تكوينيا لها، نعرفها أي الحياة عبره. فالتشكل البدئي للذات يحدث داخل اللغة /خارج الحياة. أسئلة تجعل لهذا اليوم بعدا وجوديا لغويا خاصا

 4 سبتمبر
علينا أن نفرق كثيرا بين الكاتب وما يكتب من حيث القيم الرفيعة والوعي والمسئولية الثقافية والإنسانية.  الكتابة فعل نرجسي بالدرجة الأولى ولكن التطبيق الإنساني هو محك تقييم الإنسان.

3 سبتمبر
للتو فرّغت أيامي من جحافل النمل
ومن اكتظاظات الينابيع
قبلها بقليل اسنفدت خطط القيامات
واستفقت على العبث
بعدها بقليل سأمصّ أصابعي في احتشاد الفراغ وأمضي في رقصة العدم

2 سبتمبر
أيلول والعيد وذاكرة مثقلة بالتفاصيل، وروح متصدعة بالحنين..  يا ااأبي
"ورقو الأصفر شهر أيلول تحت الشبابيك/ ذكرني وورقو دهب مشغول ذكرني فيك
رجع أيلول وأنت بعيد بغيمي حزيني قمرها وحيد
بيصير يبكيني شتي أيلول ويفيقني عليك يا حبيبي
ليالي شتي أيلول بتشبه عينيك
يا ريت الريح إذا أنتا نسيت حبيبي أول الخريف وما جيت.. ينساها الحور وقمرها يغيب وليلا يطول
ونبقى حبيبي غريبي وغريب أنا وأيلول"


1 سبتمبر
ممل هذا العيد كمشهد مكرر
كصفحة بلا إثارة في رواية ايروتيكية
كقهقهة مجنونة يخالطها البكاء
كميت يحاول الأطباء إنعاشه
كأشياء بلا معنى نحاول أن  نخلع عليها معنى كبير كالفرح



الخميس، 31 أغسطس، 2017

أغسطس 2017

فاطمة الشيدي
أغسطس 2017

29 أغسطس
المعصرات الجدد، للأسف هذا هو أكثر  ما خرجت علينا به مواقع التواصل الاجتماعي في نسختها العربية، وحين أقول (الجدد) فهذا احتراز لغوي من الفهم أنهن نسوة يقطعن أيديهن، فهم للأسف جمع مشترك بين الذكور والإناث.
المعصرات الجدد في فضاءاتنا الزرقاء، التي وهبتها لنا يد الآخر؛ لا غاية أرقى لديهن/ هم من الكلام الهش والأخبار البائتة والباهتة من هنا وهناك، أو عن هذا وذاك، وقد لا يتورع البعض الولوغ في الأعراض والشرف، وبالطبع لن يعدم  (الأحمق/ الحمقاء صاحب البوست الكثير من اللايكات والتعليقات ممن هو في نفس منزلته ونفسيته ووعيه،  ليرتفع لديه (الإيجو) المريض فيظن في نفسه العلو والمكانة الأدبية والثقافية والمعرفية، فيتباهى على الجميع، ويبدأ في توجيه أصابعه القصيرة نحو كل كبير وكثير.
إن مواقع التواصل الاجتماعي العربية هي نتاج الحياة العربية  تماما، لذا وكما في الحالة الاجتماعية والسياسة والدينية لاتبخل علينا كل يوم بالمسوخ والتشوهات والأمراض التي تتقافز على حبال الضوء كجراء صغيرة أرعبها النها، أو كخنافس تجمع ماتساقط من خراء الوجود وتكوره في عبورها الحتمي وذهابها الأبدي، فيمضون وهم يقرعون ناصية الوهم ويتهافتون على الحضور المريض كزواحف يتسلقن التراب كفعل ارتقاء على مشارف الكونية الباهتة. وليس لمن يكتنز الجمال ويسعى إليه  سوى رفعة العزلة وشغف الصمت والكثير من الاحتياطات التقنية.

27 أغسطس
اختلاف الرأي (خاصة في القضايا القيمية والمبادئ الراسخة) يفسد للود ألف قضية.
لذا فالحمدلله  على نعمة
Delete/unfollow/ plock


26 أغسطس
حرضتنا نيكول كيدمان بمحبتنا السابقة لها على مشاهدة فيلم (The Beguiled) وهو فيلم نفسي داخلي يكشف الكثير من ارتباكات الإنسان أمام حاجاته ورغباته رجلا كان أو امرأة. هذا الفيلم يقدم صورة مقطعية من المجتمع في الحرب الأهليه الأمريكية، هذه الصورة المجتزأة عبارة عن بيت (مدرسة) به مجموعة نساء وفتيات محتجزات خوفا من الحرب. 
وتبدأ الأزمة حين تعثر إحدى الفتيات على جندي جريح من جنود الأعداء،  فتحضره للبيت ليقمن بمعالجته. لاحقا  تظهر الأزمات الداخلية لكل واحدة من تلك النساء المأزومات بفعل الوحدة والحرب.  وتنكشف الطبيعته الذكورية للرجل .. وإذا تتصاعد حدة الصراع بينهن من جهة، وبينهن وبينه من جهة أخرى  يتفقن على قتله ويلقينه خارجا، وكأنهن يقتلن  بذلك رغباتهن وينتصرن على أنفسهن. 

25 أغسطس
 في هذا اليوم كنا نشاهد فيلم الجمعة  كالعادة الأسبوعية، فكان فيلم BlIND هو خيارنا هذه المرة، وهو يحكي قصة امرأة  عاشت مع زوجها الغني حياة ثرية وباذخة غاضة الطرف عن مصدر ثروته وأعماله المشبوهة، حتى يحكم عليها بالخدمة الاجتماعية مدة حبس زوجها بعد أن وقع في قبضة العدالة لاعتراف شريكه عليه، هناك تجد نفسها تقرأ لكاتب أعمى كتابات طلابه.
هذا الكاتب الكبير أصيب بالعمى نتيجة حادث فقد معه زوجته ورغبته في الكتابة،  فتبدأ العلاقة حادة بينهما، ولكنها تسير نحو الإئتلاف حتى الحب خاصة بعد أن عرفت خيانة زوجها .
يخرج الزوج من السجن ويشعر بتغيرها نحوه فيحاول استعادتها، فتترك الكاتب الأعمى بعد أن وقعا في الحب الصادق والعميق، ولكن الزوج الخائن يعود لعشيقته التي هي صديقتها الأقرب. وهناك تتخذ قرارها فتتركهما وتذهب لحبيبها الكاتب الكبير الأعمى. يصور الفيلم أيضا علاقة الكاتب بطلابه، وعلاقته بكاتب شاب يتلمس الطريق إليه ليتعلم منه الكتابة، وهو فيلم إنساني راقٍ جعلني  أخرج من القاعة وبي رغبة في الصراخ نعم كان فيلما يستحق المشاهدة.


24 أغسطس
تنفجر أغنية في روحك، تستجيب لها حواسك، تتداعى معها خلاياك النائمة، تتوزع في رهافة الكلمات وتصدعات اللحن وارتقاءات الصوت الندي. وهي هذه المرة رائعة نزار قباني بصوت الجارحة ماجدة الرومي (أحبك جدا وجدا .. وأعلم أني تورطت جدا) 

23 غسطس
يلكزني سوط من الندم في خاصرتي
فأعترف بوجع أنني أخطأت
وأنني ساهمت في انحدار  السفح أكثر
وفي اهتزاز الصورة المرتبكة أكثر وأكثر
وأني نفخت في جثة حالكة فأصابها الضوء في مقتل
فارتفعت كبالون فارغ
وأصدرت هباء الطبول
وأني مددت يدا لتمثال من خراء
فلا عجب أن ترنح بزهو السقوط
ولا عجب أن تشملني  الرائحة

22 أغسطس
ما زلت أعتقد بشدة  أن من يصنعون الجمال والحب يختلفون كثيرا عمّن يدعونه، وحتى عن أولئك الذين يحترفون الكتابة عنه أو يميلون لتجسيده، فما زلت كلمّا ذهبت لصالون التجميل، وأسلمت نفسي للأيادي الرقيقة التي تعتني ببشرتي وشعري، أعتقد أن هذه المرأة يد الله التي تعتني بالجمال الآدمي، فهي تعتني بالذوق والفرح والبهاء الكوني. وكلما شاهدت العامل الذي يشيّد البنيان ويصنع العمران الإنساني، والمزارع الذي يعتني بالأشجار والمزارع في كل مكان.  أدرك أنهم جميعا بعض أياديه الجميلة ..فالمجد للجمال ولرب الجمال.

21 أغسطس
الأفلام التاريخية مثل الروايات التاريخية لها فضيلة إضافية غير الفن والمتعة، ألا وهي بعث ذاكرة الحدث عبر الزمن، وعرض تاريخ الإنسان على هذه الأرض كدروس مستفادة للإنسان الجديد. وفي هذا اليوم شاهدت عبر الشاشة الكبيرة فيلم (The Man With The Iron Heart)  الفيلم الذي عرض جانبا من المقاومة الشعبية في التشيك لجيش هتلر النازي، في الاربعينيات من القرن العشرين، وتحديدا لقائد الاستخبارات صاحب القلب الحديدي المشبّع بالحقد والكراهية والرغبة في القتل وقد أجهزت عليه فعلا) ؛ ستتذكر كم مر على البشرية عبر التاريخ من القتلة والسفاحين والمجرمين الذين دمروا العالم وقتلوا الإنسان .وكم سيمر!
كما ستتذكر المثل الذي يقول: وراء كل رجل عظيم(حقير /نبيل/قاتل) امرأة. فامرأة هي التي أوصلت هذا الضابط الصغير لرئاسة الاستخبارات عبر والدها، في حين كانت فتيات ونساء المقاومة يضحين بأرواحهن ويخاطرن بكل شيء من أجل الوطن والناس.
الفيلم يعكس جانبا من صراع الأفكار والأيديلوجيات الطويل عبر الأزمنة، وانحياز الإنسان لما يمثله من خير أو شر. ويسرد تاريخ المقاومة في مقابل عنف النازية وبشاعتها ودمويتها.  

20 أغسطس
في حوار بسيط حول الجنة التي يستأثر المسلمون بأحقيتهم لها وحدهم دون باقي البشر ، كان المحاور يحاول أن يقنعني بأن الإسلام هو آخر الملل والشرائع ولذا فإن الجنة هي مكافأة الرب للمتدينين المسلمين .
أنا كنت أستحضر بعضا ممن يدفعون من أعمارهم وأوقاتهم وأموالهم الكثير لتقدّم البشرية ورفاهية الإنسان، ولمساعدة شعوب بأكملها يأكلها الضيم والفقر والحاجة وتنخر أجسادها الأمراض باختيار تام، وقناعة داخلية. وكان عقلي تحديدا يستحضر انجلينا جولي وبيل جيتس.  واتساءل هل هؤلاء سيدخلون النار في حين سيدخل من يطيل لحيته ويقصّر ثوبه فقط الجنة لأنه مسلم. "مالكم كيف تحكمون".

19أغسطس
ويد الإرهاب المجرمة تمتد لبرشلونة؛ أمسح دمعة في قلبي وأستحضر كل ذلك الجمال الذي ملأ روحي وذاكرتي، وكيف وقعت في غرام برشلونه، وفتنت بها وبفنانها الساحر غاودي، وهمنا في شوارعها وأزقتها وتشربنا جمالها حتى الظمأ

18 أغسطس
وقد قرأت قصة (أجمل غريق في العالم لماركيز)  هذا اليوم،  تلبستني تماما، كنت أتساءل هل كلنا هذا الغريق? أم كلنا سكان هذه القرية التي هزتهم جثة الغريق، فحمّلوها أحلامهم وأوهامهم ونقصهم، كم من (غريق) نمر به في حيواتنا فيهز قناعاتنا، ويعري نقصنا، ويجعلنا في مقابل صورنا المشوهة وحياتنا الفارغة وداخلنا المقفر .. وخارجنا المغبّر المليء بالمقابر والجثث.
هل نحتاج أن نموت ليحبنا البشر، أم نحتاج أن نواجه الموت لنشعر بالقليل من المحبة للوجود والإنسان.
استبان أنقذ هذه القرية وأنقذني من تراكمات حزن ما كان يسكنن...ي ألبسته جثته، وزينّته لأجله، ثم رميته في البحر معه، وعدت لذاتي لأجمّلها أكثر للذهاب خلف أفق الجمال الوجود الكوني الذي أحرص على التشبث به مهما كانت أظافري قصيرة، ولا أظنها ستطول يوما.
كم  منا يحتاج لهذا الغريق كصدمة وجودية وحياتية، تعرّي نقصه ، ليواجه ذاته المرتبكة داخليا، ويسعى لأصلاح بعضه، وإكماله في الداخل والخارج.

17 أغسطس
ياطالما رددت بيني وبيني أو بيني وبين آخرين أن ثمة كتاب (رواية تحديدا) لن تعود بعدها كما كنت قبلها، وكنت أقصد تلك الخلخلة التي تصيب عقلك ووعيك ورسوخك، الرواية التي تهبك تصورا أبعد منك، تواجهك بك، تأخذك منك.
وغالبا هي تلك الروايات العظيمة، المنطلقة بدءا من فكرة  غير مطروقة، ويأتي البناء السردي  المحكم ليضيء الفكرة الأساس ويشتق منها أفكارا أخرى متتابعة وجريئة وصادمة.
إنها الرواية المنطلقة من فكر فلسفي عميق قائم على انبثاق كلي من مناطق جديدة تماما، ثم تحميلها بمحمولات فكرية وفلسفية بعيدا عن الحشو اللفظي أو المستهلك من الأفكار.
الرواية الفلسفية هي الرواية الخالدة والتي تجترح رؤية عظيمة تجرح بها وعي القارئ متى ما قرأها فهي صالحة لكل زمان ومكان، إنها رواية الإنسان التي تصور حقيقته الداخلية.
وأستطيع القول أن رواية (العمى) رواية من تلك الروائع الخالدة التي لن ترجع بعدها كما كنت قبلها، وليس بوسعك وأنت تقرأ إلا أن تتلمس عينيك بين فينة وأخرى، وثمة صوت ينهش سكينتك لأحدهم (أنا أعمى). وستتخيل بخوف ذلك البياض الحليبي الذي يغطي الوجود، تماما كما ستتخيل ذلك العجز الذي يصاب به العميان، بكل ممكناتهم وقدراتهم، الطبيب والسارق، والعاهرة، والطفل .. الجميع وهو يحاولون الحياة بأسبابها البسيطة كالأكل والشرب واستعمال الحمام والاستحمام، ومع هذا ورغم هذا العجز ستظل تظهر الكثير من الممارسات الآدمية الشريرة منها مثل التحرش و وظلم الآخرين والاستيلاء على طعامهم ومقايضتهم بأرخص الأساليب.
والطيبة مثل مساعدة الأضعف كالطفل الأحول ومافعلته زوجة الطبيب (التي لم تكن عمياء) بل ضحت لأجل زوجها فظلت بقربه للاهتمام به. وما بين تلك الحالتين كالحب او الخيانة التي وجدت طريقها رغم العمى.
أما نهاية الرواية التي بدأت الوهن والوخوف الذي أصاب زوجة الطبيب إذ شاهدت تفخم عدد من الأجساد ولجوئها للرب (الكنيسة) والرعب الذي أصابها وهي تشاهد أن الأيقونات واللوحات كلها معصوبة الأعين، وأستنتاجها بأن صاحب الأبرشية فعل ذلك، ثم محاورتها للرجل الذي تصدى لها هناك بقولها: (الزمن هو الذي يحكم... الزمن هو المقامر الآخر قبالتنا على الجانب الآخر من الطاولة وفي يده كل أوراق اللعب، وعلينا نحن أن نحرز الأوراق الرابحة في هذه الحياة).
ثم عودة النظر للجميع تدريجيا بزوال ذلك البياض والوعاودة للرؤية، وكيف رفعت هي رأسها للسماء لترى البياض هناك، وتثق أن الجميع عميان أصلا أصيبوا بالعمى فقط (لا أعتقد أننا عمينا، بل أأتقد أننا عميان يرون، بشر عميام يستطيعون أن يرون لكنهم لا يرون) .

16 أغسطس
لم تكن تلك الصرخات التي قوبل بها قرار حقوق المرأة في تونس من نساء العالم العربي من أقصاه إلى أدناه إلا مؤشرا خطيرا وجارحا على رسوخ المنظومة الفكرية المناهضة للحريات لدى المرأة العربية، فالمزعج والموجع بشدة والعالم كله يناقش حصول  المرأة التونسية على حقها في الميراث المساوي للرجل وحقها في الزواج من غير المسلم،  وفي كل ما يتعلق بحقوق المرأة بشكل عام؛ وقوف الكثير من النساء (النسوان) ضد تلك الحقوق تحت ذرائع شتى. شيء يبعث على  القهر والغثيان أيضا أن هناك من يحاول أن ينظر إليها على أنها إنسانة كاملة الحقوق، فتأبى إلا أن تنظر لنفسها على أنها نصف إنسان أو (ناقصة عقل ودين) وترفع صوتها في سبيل ذلك بقوة. فمتى وكيف تدرك المراة حقيقة ذاتها وحقوقها !!!

15 أغسطس
لماذا نكتب يومياتنا ؟ نكتب لنتذكر، لعلنا نكايد النسيان بذلك، التذكر فعل إرادي والنسيان فعل لا إرادي غالبا، أو ربما لنكافئ أنفسنا بزهو خفيف بين أصدقاء مثلنا، كما يباهي تاجر بزيادة مليون أو امرأة بطبخة لذيذة، نضع علامات لحياتنا الرتيبة عبر فعل يشبهنا لنستمر في طريق موغل اختارنا أو اخترناه أمام تفرعات كثيرة يفعل فيها الناس ما يظنونه جميلا ومفيدا لهم.
لذا ندون أيامنا لنتأكد أننا لم ننحرف كثيرا عن المسار ، ولم نهمل تلميع عقولنا، ولم تاخذنا توافه الأشياء نحو أفقها المغري. أظن أننا نكتب كما نفكر أحيانا بصوت عالٍ، وربما فعلا يتحول هذا القليل يوما للبنة في بناء أكثر رصانة وأجمل صنعة. ولذا علينا أن ننتبه لرصانة اللبنات وهدفها البعيد.


14 أغسطس
تصل إلى أغنيتها المفضلة عبر الصباح، تتعثر قبل ذلك بالأفكار كسلم طويل، بدعاء والدها، بحنانات مجازية، بالصداع النصفي، بالأحلام القليلة التي تجعلها تعيش، والكوابيس الكثيرة التي تقربها دائما خطوة نحو الموت.
لم تعد حزينة جدا، هي أحيانا حزينة فقط، لكنها ما زالت تتأمل كل شي بألم، الطواويس المنتفخة، والحمامات الوادعة التي لن تتوانى عن نقر عيني جثة حيوان ميت لتعيش، الجيوب المتسعة أبدا لكل شيء، والأحزان التي تتدحرج على الأرصفة ولا يراها أحد، كواليس المشهد الدرامي الذي لم يفصح عنه المخ...رج، والقامات المستطيلة، بكاء الوحيد آخر الليل، وأغلفة الكتب السميكة التي لا تحبها، وصورة امرأة في لوحة في متحف في مكان ما من العالم تطعنها كسكين، الفراغ الذي يسكن الضمائر، والكذب الذي يتدلى كذيل حصان.
المرأة التي تكتب قصيدة في المطبح، والرجل الذي يستعرض ذكورته فور نشوته، و أحلام الخادمات في البيوت، والزهور التي تلسعها حرارة الصيف فتشهر فتنتها لتقاوم الجفاف.
تكتب في رأسها كل شيء، كل شيء تماما، صوت الموسيقى، وانسحابات الجسد نحو الوهن، وقميص ضاق عليها مؤخرا، وقدح القهوة التي تطلبه في المقهى لتكايد الأرق، ورواية عظيمة استمعت إليها مؤخرا، هذه الهواية الجديدة التي تمارسها بشغف جديد مع المشي.
بينما تهرب من أوراق ملطخة بالحبر تخشى الاقتراب منها كي لاتجبرها على تنقيحها، ومن الرواية البائسة التي تنتظر تعديلها النهائي، والقصائد التي لن يقرأها أحد.
هكذا تستيقظ كل صباح في بهو الفراغ العظيم ثم تمضي به إلى نهاية متجددة.

13 أغسطس
"عداوة بسيطة أفضل
من صداقة الخشب المُعاد إلصاقه."
نيتشه

12 أغسطس
ما أجمل أن تكون ذاكرة الفرح!
هكذا عبر عبدالحسين عبد الرضا هذه الحياة ليظل في قلوب أجيال كثيرة، واتساعات مكانية شاسعة ذاكرة حيّة وحميمة للفرح وستظل تبتسم لمجرد أن يخطر اسمه أو صوته أو ملامحه على عيونها أو مخيلاتها.
المجد للفعل الراسخ والإيمان الحقيقي بما نعمل.

11 أغسطس
التاريخ وجهة نظر!  هكذا أفكر في هذا اليوم
ولذا أيضا -وككل وجهات النظر- الاختلاف فيها قد يفسد للود قضية.
ولأن الجغرافيا جزء من التاريخ غالبا ، فهي أيضا كثيرا ما تكون وجهة نظر تفسد الود

10 أغسطس
مثقلة خرجت من هذا الفيلم  (Wind River ) الذي يحكي عن فقد واختطاف نساء الهنود الأصليين في أمريكا، ومشاعر الآباء والأمهات حيال هذا الفقد، وعدم وجود قانون صارم لردع ذلك والتصدي له ويختتم أحداثه بتعليق مؤثر( حتى اليوم لا توجد احصائيات دقيقة عن النساء المفقودات من الهنود الأصليين) .
خرجت حزينة على هذه الغابة الكونية الممتدة والتي غالبا النساء فيها هن الطرف الأضعف. بل وحتى القوة أحيانا لا تكفي إلا كشرف محاولة للنضال ...لصالح الحياة والشرف ضد الموت والانحطاط. فكما يقول البطل في تعليق عميق على العميلة الفيدريالية التي أصابتها رصاصات القتلة وهي تؤدي مهمتها في البحث عن القاتل (الحظ يوجد في المدن، هنا توجد القوة فقط، الغزال الذي ينجو هو الغزال القوي في حين يموت الضعيف).
الفيلم يحكي عن عدم وجود عدالة كافية في هذا العالم، وتفاوت تحقيق القانون حسب المطبِّق والمطبَّق عليه. هذا في أمريكا أما في عالمنا فحتى الكلام عن الظلم ينطبق عليه ما ينطبق على القانون خاصة إذا كانت هناك (جهات عليا تغلّ يد العدالة) وهي دائما موجودة.

 9أغسطس
المؤسسة القانونية (خارج الشرطية) جزء من المؤسسة الدينية فهي في أغلبها مؤسسات شرعية، وكذلك كل من يعمل بها ضمن هذا الإطار، وبالتالي فحضور المرأة (العورة) فيها ضمن تجليات قانونية (حياتيةضرورية) غير مرحب بها، ولا تسير بسلاسة ومهنية، فوجود المرأة يربك منظومة هذه المؤسسة وأعضاءها المنضوين تحت الفكر الديني ووعيه ونظرته الإقصائية (كي لا أقول الدونية وهي كذلك) للمرأة. 
وبالتالي تجد النساء أنفسهن ضمن حالة من القلق والارتباك يتمنى كل من الطرفين(المرأة والمؤسسة) الخروج منها بأسرع وقت ممكن.  والحل الوحيد لهذه الأزمة يكمن في تغليب الحالة المدنية لهذه المؤسسة فقط وفقط.


8 أغسطس
(ونحن لم نحلُمْ بأكثر من حياة كالحياةِ)
من منا - نحن بنات الصحراء (مناخا وعقليات)- لم تحلم أن تستيقظ صباحا وتنزل للشارع دون أن تضع أقنعة أو أجزاءً من بيت السلحفاة على جسدها، فتمشي طويلا في الشوارع التي تعرفها وترتاح لخطواتها وصوت كعبها مهما ارتفع، تتجول في المحلات القريبة ثم تجلس إن أخذ منها التعب مأخذا لتشرب قهوتها وحيدة أو مع صديق/ة أو طفل في أقرب مقهى وهي مأمن من مضايقة شيء أو أحد ما.
غير أننا ندرك جيدا أن المستحيلات لدينا أكثر مما عرفته العرب قديما وحديثا؛ فعلاوة على ...أننا نعيش في جهنم طقسا، وبلا شوارع تقبل تيهنا وجنوننا؛ نحن نعيش بلا حرية أيضا وهذا أكبر همومنا، فالجميع يتيح لنفسه فرصة متابعتك ومراقبتك والتدخل في خصوصيتك وانتقاد ما لايتناسب مع وعيه وثقافته حتى لو كانت من نسخة ما قبل الميلاد بكثير.
الحل الوحيد في هذه البلاد هو وجود المقاهي، المفتوحة على الخارج تحديدا. لتهبنا بعض الهواء للتنفس طبعا متى ما سمح بذلك الطقس ولو قليلا.

5 أغسطس
نعيش حياتين، أغلبنا في الأقل يفعل ذلك، حياة داخلية نتأمل فيها كل شي، حياة صادقة وعميقة ومتأنية، ندخل فيها من نحب ومن نكره، وأخرى خارجية نهرول في عبثها وجنونها، نكذب ونجامل ونربي هالات مرضية، ونضع أقنعة حسن، ونستأصل ذيولنا البسيطة كي نبدو أجمل وأكثر وأكبر، ثم حين ننكسر نذهب للداخل لنبكي ونرمم خيباتنا الحميمة قبل أن نعاود الخروج بفراء نمر أو بيت سلحفاة.

4- أغسطس
مجددا يا أبي ثمة فراغ في الحكايات بما يكفي لحبكة جديدة، وثمة صمت في الموسيقا بما يكفي لانتهاء رقصة بين عاشقين، وثمة حزن في ضحكة مسترسلة كشعر طويل، ودمعة ضلت طريقها إلى فرح قصي.
مجددا ثمة ثقب في القلب يتسع كلما نظرت، وأنا أنظر باتساع الرؤية، والكائنات الباهتة تتكاثر حولي، في حين الرجل الداكن كغيمة على وشك البكاء يضيق ويتقلص للداخل كحنين أزلي أو موت زاحف.
مجددا لا أنتبه كثيرا لهذا الخارج وأنا أعبر الكون بزاوية حادة، الأشياء القليلة داخلي تكفي كي أعيش أو أموت من أجلها، وا...لكائنات القليلة التي أمد لها يدي يعوزها الصدق كثيرا، ويخونني صدقي، يخونني ارتباك الخطوة الناقصة.
مجددا ينتشي الحزن في روحي لأسباب هشة جدا، فتتناقص أسباب وجودي سببا، وأفتش عن أغنية تعيد لي توازني أو ضحكة طفل ملقاة على ناصية ما، أو عن شيء كان منك أو لك.
مجددا أتذوق طعم الليل بلذة مجنون أو عاشق أو صوفي، وأكنز صباحاتي في دواليب الفراغ كي لا يرعبني الضوء أو لا يأكلني ضجيج الكائنات المشرقة بلمعانها المبالغ فيها وأصواتها العالية.
مجددا أحلم بصديقة تكنّس لي بصوتها الجاف حكايات الدروب الوعرة، وأعري ذاتي بين يديها من تفاصيل الأرق، وأهب لها كذباتي المصنوعة على عجل كقهوة سريعة التحضير، ونبكي معا كلما امتصنا العجز أو سرق منا الوجود ضحكة خبئناها تحت أغطية الليل، أو في لفافات السجائر التي نشربها خلسة حين تنتحل المرايا صورة العدم.
مجددا يبتلعني رهاب الزمن، وعدمية الوجود، وأمشي بخطواتي المرتبكة بين الألم والأمل بلا رغبات مستطيلة إلا من أغنية أو كتاب أو كوب قهوة مرة، ويكسرني صوت نحيب خفي خلف نافذة بعيدة، أو خوف طفل يمشي خلف والده، أو انحناءة ظهر عجوز وحيدة وأتساءل عن مطلق الفكرة ونسبية تحققها.
مجددا أستميل الكائنات البسيطة إلى روحي المرهفة كنبات استوائي في بيئة صحرواية، الأمهات المثقلات بالقلق، والرجال المرتعبون من الزمن وفقدان الرغبة.
مجددا أهرع للحلم كي أواري سوأة الكلام، فأحلم بجسد بجعة، وبخفة فراشة، وبأغنية يهديها لي عاشق مجنون على رصيف ما، وبزيارة مدينة لم يزرها أحد قبلي، وبكتاب ينز من روحي اكتئابها المزمن وخيباتها الكثيرة، ويسوي بيني وبين الكلام للأبد.

2 أغسطس
أي رواية هي دميان؟ وأي راوٍ هو هيرمان هسه؟  لقد صب لنا الكثير من الأفكار الكبرى (النفسية والاجتماعية والفكرية ) في حكاية بسيطة لعلها عنه شخصيا، حكاية الطفل سانت كلير الذي تورط في كذبة صغيرة ليتباهى بين أقرانه، ولكن أحدهم يستغل ذلك الموقف فيسلبه ماله وكرامته لزمن طويل، حتى يجيء دميان التلميذ الجديد القوي المتزن والواعي لينقذه، فيتآلف معه ويستشعر قربه منه، ويتعلم منه فكرة عدم الصراع بين الخير والشر، وفكرة السيطرة على الآخر والذات معا، ويتعرف منه خصائص البشر المختلفين في رؤاهم، ويستمر ذلك القرب حتى المدرسة الثانوية إذ يفترقان، فيظل يتذكره، ويتذكر تعاليمه وأفكاره، ويراه في وجه كل من يتعرف عليه خاصة عازف الأرغون (بستاريوس) حتى يلتقيا مجددا. فيقترب منه أكثر، ويتعرف على أمه التي كثيرا ما رآها في الحلم ورسمها  في لوحاته، وأخيرا يفرّقه الموت عن دميان في الحرب العالمية الأولى حيث مات الأخير.
هرمان هسه الذي يعتبرمن أكثر الذين وقفوا ضد هذه الحرب رغبة في السلام. وكان صديقا ليونج، بل خضع للتحليل النفسي على يديه، وضمّن هذه الرواية الكثير من الأفكار النفسية مثل قانون الجذب والاستدعاء بالتركيز على الشخص أو الفكرة فتتحقق، ومهمة كل إنسان في فهم ذاته والترقي بها،  وهو مانجده اليوم كثيرا عند علماء النفس ومدربي التنمية البشرية، كما ركّز على فكرة تحليل الأحلام ومحاولة فهمها وشرحها بكل الوسائل إضافة لنقد الدين والحوار مع الرب وهي أفكار يظهر فيها تأثير يونج الكبير فيه.