الثلاثاء، 21 مايو، 2013

النهاية السعيدة

جريدة عمان
ملحق شرفات
21/5/2013
فاطمة الشيدي

"ونحن لم نحلُمْ بأكثر من حياة كالحياةِ، وأن نموت على طريقتنا"
محمود درويش

إن كل شخص في هذا الوجود يحلم بأن يعيش حياة سعيدة، الحياة التي نصل ضمن عقدها الكثيرة، وحبكاتها المتعددة لسلسة نهايات سعيدة، ولكن كيف يعيش الإنسان النهاية؟ وكيف يعلم أنها سعيدة، وهو لن يعيشها أصلا؟
إن النهاية السعيدة هي تلك التي تجعل الإنسان يعيشها وهو خارجها، أي يعيش ضمن اللاحياة، يعيش إبداعه، وفنه، ويخلد عمله الذي أنجز، والذي مات وهو يجتهد ضمنه، ليحرز فيه تقدما أكثر، ويحقق فيه غايات أكبر. ولذا فالمبدع الحقيقي لا يموت بل يعيش بروحه وعقله وإبداعه.
عني حين سمعت خبر وفاة الروائي العماني علي المعمري، استيقظ في ذهني، صوته الدافئ والمتفائل، في لقاء له بالإذاعة، سمعته أثناء عودتي من العمل وأنا بالسيارة قبل فترة من وفاته، كان يتكلم عن مشقّة كتابة التاريخ في الرواية، وعن صعوبة جمع المصادر التاريخية والتوثيقية التي أعانته على تجسيد أحداث التاريخ في روايته العميقة تاريخا وسردا «بن سولع» . بدا لي يومها -من صوته- سعيدا، واثقا من مشروعه، ذاهبا فيه كل مذهب، بالطبع هو لم يكن يدري أن ساعته قريبة، ومن يدري؟!
كما استحضرت أيضا اللقاء الجميل الذي نشر بشرفات بعد إصداره هذه الرواية، علي المعمري الذي قدم للسرد العماني أربع مجموعات قصصية، وأربع روايات عميقة وجادة، من أجمل ما كُتب في السرد المعاصر خاصة روايتيه الأخيرتين «همس الجسور» ، و» بن سولع» .
كما تذكرت أنني صافحته وهنأته في الأمسية الاحتفائية بأفضل إصدار أدبي لعام 2011، والتي فازت فيها «بن سولع» كأفضل عمل روائي، وكانت المعرفة الشخصية الأولى بالنسبة لي، مع كل المعرفة الثقافية بنتاجاته أولا بأول طبعا، ولاحقا حين أقام قسم اللغة العربية أمسية احتفائية بأعماله، كنت أشعر أنه يجلس في الصف الأمامي من الحضور، وأنه يبتسم أيضا، وأنه ربما صافحنا وشكرنا بعد الأمسية. رغم أن تلك الأمسية كانت خجلة أكثر مما يجب، لأنها جاءت متأخرة أكثر مما يجب أيضا، فقد كنا فيها «وبخجل كثير» نحتفي بالنص في غياب الناص، نحتفي بالكتب في غياب الكاتب، نحتفي بالكلام إذ توقف مد اللغة، وانتهى مدادها، ورفعت الأقلام وجفت الصحف. وكم يشعرنا هذا بالتقصير والعجز، لأن الاحتفاء غالبا يأتي بعد رحيل المبدع، تماما كما يشعرنا بعظمة الكلمة، وقوة الإبداع، الذي يدفع جمعا للاحتفاء بمبدع غائب، وكلمة حاضرة لا تغيب ولن تغيب، فقد دخلت نسغ التاريخ، وتغلغلت في روح الفكرة الخالدة.
لست هنا لأدخل في فكرة التأبين للراحل الجميل، وهو يستحق ذلك وأكثر، ولكنه مدخل لابد منه، سيما مع كاتب مثل علي المعمري، الذي قرأته بعمق إبان رحيله فقط، وبعدها بقليل، ربما نكاية في الموت والفقد الذي يتغلغل في أرواحنا، ويشفّها بالحزن فنحتال عليه بالكلمات ونركن لها، ورغم أنني قرأت منذ زمن مبكر بعض قصصه، إلا أن روايتيه الأخيرتين، والتي حاولت في تلك الأمسية، الوقوف على ملامحها، وتفكيك معالمها خاصة «المسكوت عنه» جعلتني أقول بثقة واطمئنان، أن ليس كل ما وضع بين دفتي كتاب ووضعت عليه صفة «رواية» يعتبر بالمعنى الكلي والحقيقي رواية، لأن الرواية كما كتبها المعمري، وكما كتبها ونظّر لها إمبرتو إيكو وغيرهم، هي صنعة قوية، وكتابة جادة، تتطلب الكثير من كل شيء، من الموهبة والصنعة، والوعي والقلق الإبداعي، والثقافة في الكثير من الحقول المعرفية، والتجريب المتقن للوصول للغاية، والمهارة في الحياكة والصنعة، والمعلومات التي تسعف الفكرة، والرغبة والإقدام في العمل، والتفاني والصدق، والجمع البحثي، والمادة الخام، ولاحقا الجيد والعميق من الكلمات والصياغة والأسلوب.
ولكنني هنا أريد التأكيد على فكرة النهاية السعيدة، التي عاشها علي المعمري، والتي تداعت لي « أي هذه الفكرة» مع خبر وفاته، لأستشعر أنه مات على قيد الكتابة، أي على قيد حلمه، وأنه لا يزال يعيش بيننا على قيدها، وأستدعي صموده ومحبته للكتابة حتى آخر رمق، ليعيش ويموت كاتبا، وربما كاتب فقط، بعد أن تسقط كل الصفات والمسميات، والتفاصيل الأخرى، ولعل هذا تماما ما أراده، وهذا ما خرج به من الحياة، وما رافقه بعد الموت، وما ظل منه، الكتابة هي حلم المعمري، الذي عاش ومات وظل بيننا وهو على قيدها.
تماما كما يخطر على البال «طلال مداح» صوت الأرض، وقيثارة الشرق، وغيرها من المسميات، إذ مات متهاويا على المسرح، وهو يحتضن عوده، الحالة التي جعلته يخلد في الذاكرة بذلك العود، وبذلك الصوت،صوت طلال مداح الذي لا يتكرر ولن يتكرر، صوت يطعن الروح بوجع حتى وهو يغني الفرح، صوته الشجي كالمطر، والشجن والعذب كالحزن، والمعنّى الممزوج بلثغة ذائبة ولوعة حقيقية كالعشق، بكل تلك الممكنات والامتدادات والرقة التي ليس سهلا أن تتوافر في أي صوت آخر. الصوت الخالد في غيابه، والباقي على قيد الحب والعشق والموسيقا إلى الأبد.
ومن التاريخ ليس أجمل من نهاية الجاحظ بين يدي كتبه، أو على يدها، تلك الكتب التي عشقها وكان يكتري دكاكين الوراقين ليقضي لياليه في الكتابة كأي عاشق مجنون بعشقه، فتسقط عليه ذات وهن، فيذهب سعيدا، إذ مات على ما أحب، وما عاش له وعليه، تماما كما حدث مع الفراهيدي العبقري الذي مات وهو يفكر في طريقة لحل لغز السيدة التي سمعها تجادل البائع، فخاف أن يغمطها حقها، وبينما هو يمشي ساهيا متفكرا في معادلة حسابية تمكنه من ضبط العلاقة بين البائع والمشتري، يصطدم بزاوية أو جدار المسجد الذي كان ذاهبا للصلاة فيه، فيغادر مطمئنا غير قلق، سعيدا بنهاية حياته التي قضاها في العلم والتفكير مستغلا عبقريته الذهنية في اللغة والفكر والاكتشاف الدقيق.
وفي الذاكرة أيضا صورة لرجل لم أعرفه بما يكفي، لكن ما عرفته عنه يكفي لأن يخلد في الذاكرة، الأستاذ «أحمد الكندي»، رجل العلم والأدب، والمربي الوقور، وروح المحبة، هذا الرجل الذي كانت يده البيضاء السبب في منح فرص التعليم للكثيرين، وكانت روحه الطيبة مدرسة لكل النفوس، حتى ليتمنى المرء أن يتعلم منها قليلا، ذوي النفوس الضعيفة والقبيحة،والذين لن تخلّدهم الذاكرة الإنسانية إلا كحجر عثرة في طريق إنسان مجتهد، أو حالم بالتغيير.
مات أحمد الكندي الشاعر والإنسان، وهو يلقي كلمة في مهرجان تربوي كبير، على الملأ، وأمام طلابه، ثمرة العلم الذي عاش لأجله، وبين زملائه من معلمين وتربويين، في الحفل الذي يمثل حصادا لعمله وجهده، أمام جمهور الحفل، وجمهور الشاشات الصغيرة التي كانت تنقل الحدث مباشرة، رحل بعظمة أمام كل النفوس التي كانت تحمل له الكثير من التقدير والامتنان، لكل نور وضوء، وهبه ليفتح أمامها الطريق والحياة.
مات واقفا حتى سقط، كشجرة عملاقة «رغم جسده النحيل» تتهاوى أمام قوة الموت الجبار، مات وروحه وقلبه وفكره وغرسه أمامه عينه، مات سعيدا لأنه كان على قيد حلمه تماما.
هؤلاء وغيرهم كثيرون، عاشوا وماتوا على قيد أحلامهم، وكأنهم يعيشون بيننا رغم غيابهم، لأنهم باقون على قيدها، وما أجمل أن يعيش الإنسان ويموت على قيد حلمه. حينها فقط يصبح الموت هو النهاية السعيدة، النهاية التي يختارها الإنسان لنفسه حين يعيش حلمه، ويموت عليه.

الجمعة، 17 مايو، 2013

محاولتان غير جادتين تماماً!

 
 
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٣٠) صفحة (٢٢) بتاريخ (١٧-٠٥-٢٠١٣)
 
فاطمة الشيدي – عُمان
 
 
"محاولة أولى للصمت"

 سأغفل عن دمي
عن حنين أضلعي للنهايات
وعن وشوشة الأشياء الصغيرة بيننا
عن الكلمات إذ تخلت عن حذرها
فخلعت رداءات الريبة في دفتر الحظ
وعن نصوص اكتملت في استدارة الشفتين
وعن الدمع يسرف في الاغتسال بالسهو
وعن التفاصيل تجرح الذاكرة
وعن الحلم يغزل خيوطه كبيت العنكبوت
ورعشة الأمنيات في اليتم
وعن اللهفة تنخر عظامي كدودة القز
وعن الليل إذ يطرق بابي
بإلحاح طفل شاهد وجه الشيطان في الحلم
أو مسافر أرعفه الشوق
أو فاجأه المطر
وعن هديل الحزن في أحرفي
كنوتة من رضاب الموتى
أو سكرات لنوح الغريب
سأرشق عصياني بالندم
وأجرح كرامتي بالغياب
وأنزف أحلامي كشجرة اللبان بشهوة صمت
وسأرتق ثقوبي الكثيرة بابتسامة أمي حين الدعاء
وبصوت أبي تخنقه العبرات
وبرائحة البحر إذ يرعشه وجد المساء للذكريات
وأرسم مكاني ظلاً بلا أهداب وبدمعة حمراء
 
*
 
 
"محاولة ثانية للموت"
 
سأستفيض فيك وفيّ
في ظلام اليأس
وفي عافية الموت
سأطرز ثوب الحقيقة بمنمنمات الغياب
ولن أبكي حين يغرغر الطائر من لهفته
حين يرقص ويغني وهو يموت
بل سأعتكف على اللغات
كي أطفئ ما تبقى من حنينها المازوشي
وكي أسرد للأطفال الذين يرهفون السمع بيننا
عن الحكايات الكثيرة لليل
عن بهو المسافات وشمعدانها الفضي
عن سرادقات الحفظ في الكلمات وفي صناديق الهواتف النقالة
عن تفاصيل الأصابع تنثني كالرخام
وعن الكلام
الكلام الكثير المطعم باللازورْد والأحجار الكريمة
الكلام المتشكل باقات ورداً، وشموعاً، وذكريات
الكلام المرسوم في محيا طفلة خرساء
وأم مرهقة من الشكوى
الكلام المتساقط كالمطر على الطرقات والمكاتب والأسرة والفرش
والمعلق بمشابك ودبابيس صغيرة بين السماء والأرض
الكلام الذي ينبت في الغيم
وفي أصص صغيرة على محيط الدمعة المتلألئة بالفرح
وسأدفن القلب في دمعة كبيرة كي يغفو وحيداً أو يغتسل
سأدندن باللحن الذي نما على شفتين كوردة القُبَل
وسأذبل عند حواف الحزن كالطفولة
وسأنام عند ناصية السهاد عارية من الخوف
فلم يعد بعد ما أخاف عليه.

 
 

الاثنين، 13 مايو، 2013

إضاءاتٌ نقديّة في سرد علي المعمري

في ندوة "عالم علي المعمري السردي" الأحد 12/5/2013
جريدة عمان
الاثنين, 13 مايو 2013
نظمها النادي الثقافي بالاشتراك مع جامعة السلطان قابوس -
كتبت: بدريّة العامريّة -
أقيمت بالنادي الثقافي مساء الأمس ندوة نقديّة حول (عالم علي المعمري السّردي)، نظّمها النادي الثقافي بالاشتراك مع جامعة السلطان قابوس ممثلة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، وذلك تحت رعاية سعادة سعود بن سالم بن علي البلوشي، وكيل وزارة التربية والتعليم للتخطيط التربوي وتنمية الموارد البشرية، حاولت النّدوة بأوراقها المقدّمة إضاءة جوانب عدّة من أعمال المعمري روائيًّا وقاصًّا.
ابتدأت النّدوة بكلمة اللجنة المنظِّمة والتي ألقاها الدكتور هلال الحجري رئيس قسم اللغة العربيّة وآدابها بكليّة الآداب والعلوم الاجتماعيّة بجامعة السُّلطان قابوس، بعدها تحدّث الشّاعر طالب المعمري عن ( علي المعمري.. أخًا وصديقًا) مستدعيًا حكايا طالب المعمري وتفاصيله العالِقة في ذهن الشّاعِر المعمري، وعن علائِق علي المعمري المعرفيّة وصداقاته التي تخلقها اللحظات دونما تأطير أو تأخير، راوح طالب المعمري بين تفاصيل المعمري الرّوائي وحياته الخاصّة وعلاقاته وطبيعتها، وسفرِه وبدايات اهتمامه بالكتابةِ وجنونها.
ترأست الدكتورة جوخة الحارثيّة الجلسة المحتفية بتجربة الروائي الراحل، فيما قدّمت بدءًا الدكتورة عائشة الدرمكيّة تتناول سيميائيات الإيديولوجيا في نصوص علي المعمري، وهي تتضمن دراسة وتحليل للأفكار الإيديولوجية التي يقدمها النص السردي المعتمدة على تجربة كاتبه ومعرفته الموسوعية، من خلال تحليل محوري سيميائية (القيمة الإيديولوجية)، و(الذات المؤدلجة) متناولة في دراستها للمجموعة القصصيّة الأولى للرّاحل علي المعمري (أسفار دملج الوهم).
بعدها تناول الدكتور محمد زروق ورقة بعنوان: الأنا ـــ الآخر وهمُّ التاريخ: دوائر تحقق السرد في رواية "بن سولع"، متناولا رواية بن سولع التي هي آخر الروايات المنشورة لعلي المعمري، متحدِّثًا عنها من جانبٍ نقدي، مشيرًا الدكتور زروق إلى أنّ الروائي الرّاحل انصرف في " ابن سولع" إلى إثارة جملة من المواضيع الحارقة على وجه الإطلاق، هي مواضيعُ تبعث الحكاية وتولّد الأحداث، وقد مثّلت هذه المواضيع في رواية بن سولع دوائرَ كبرى ينتظم فيها السرد ويتحقّق في تداخل وتماه، قسّمها الدكتور إلى: دائرة الأنا، الذات الحاكية المحكية، التي تمثّل الموضوع الأبدي الذي يؤرق الفنّان، وهو تحقيق الذات، ودائرة الآخر، الذي روى ورُويَ، أبان نظرته وسُلّطت عليه نظرات، وهذا الآخر المختلف بدرجات قد تتباعد وقد تتقارب من الذات، قد جلب إليه عين الراوي المتحكّم في الأحداث فأنطق، ونطق من خلاله، ودائرة التاريخ، وهي الحلقة التي جمعت الذات والآخر في حيّزها، وخاصّة التاريخ الحديث والمعاصر لمنطقة الخليج.
فيما سلط الدكتور أحمد يوسف في الورقة الثالثة الضوء على بنية الخطاب السردي في همس الجسور، ويطرح من خلالها مقاربة سيميائية؛ حيث تناول الرواية بحسِّ القارئ الذي يملك حسّا نقديًّا، بعيدا عن الصرامة المنهجية والمعرفية، مركِّزًا على ما إذا كان الروائي قارب بعض المحاذير أو كان على محاذاتِها، كما تطرّق إلى البذخ الدلالي في النّص، والخوفِ من المحظورِ في المتن مستدلا بذلك على إشارة الروائي في بداية روايته، عارِجًا إلى نوعية الشخصيّات التي عمد إليها الروائي وطبيعتها المتمرِّدة أو الانتقائيّة.
أما الدكتورة فاطمة الشيدية فتناولت في ورقتها تفكيك المسكوت عنه في روايتي "همس الجسور"، و"بن سولع" لعلي المعمري، حيث أشارت إلى أنّ المعمري قد أبدع روايتيه باستعداد وموهبة فطرية كتابية كبيرة، وبقدرة سردية وصل إليها بعد محاولات جادة وكثيرة، وبحذق فني نما بالممارسة والدربة والسفر والكتابة، وبرؤية سابرة للتاريخ والسياسة والثقافة والمجتمع، وبتخطيط كلي،مضيفة إلى أنّه انتهج في كتابته نهج صنّاع الرواية حيث مدها بالكثير من المعلومات والوقائع والحقائق والأرقام والأسماء، ومن ثم قام بصياغتها بأسلوب عذب وشائق مع المواءمة في الوصف والدقيق بين الداخلي الإنساني، والخارجي المكاني، بكل صفاته وألوانه وذلك حشد التفاصيل، والانحياز لدقائقها وجوانبها الدقيقة، لتأتي على قدر كبير من الجمال والصدق والمهارة والصنعة، كما تناولت تفكيك المسكوت عنه "التابو" من ناحية: التّاريخ، والسياسة والمجتمع والجسد في الروايتين. بعدها فُتح باب المداخلات والنِّقاش للحضور، الجدير بالذِّكر أنّ الندوة جاءت محاولة إثارة بعض الخصائص المميّزة في الكتابة الروائية عند الروائي الراحل علي المعمري، والتي تحتلّ منزلة مهمّة من عموم السرد في السلطنة، كما أنّه من المؤمّل نشر أعمال هذه النّدوة في كتابٍ مستقلٍّ.
 

الجمعة، 10 مايو، 2013

THE CALL

فاطمة الشيدي
10/5/2013
 .................
في فيلم يسلط الضوء على وظيفة لا يخطر على بال الكثير منا تعرف طبيعة عملها وصعوبة مهمتها عن قرب، ومكان مختلف هو مركز الطوارئ كان يدور هذا الفيلم المختلف في المعالجة رغم الطرح المكرور جدا لفكرة خطف النساء من مرضى نفس...يبن، ليركز على عمر ومواصفات محددة من هذا المجرم .
كان إحساس المرأة في مركز الطوارئ، ووعيها في التعامل مع مشكلات اﻵخر مهما كانت صعبة، وشعورها بالمسؤولية الشخصية تجاه الخطر المحدق بأي فرد يطلب منها المساعدة.. هو ما ساعد في الكشف عن المجرم الذي يخطف المراهقات، ويحملهن لمكان مخصص تحت اﻷرض مزودا بتجهيزات طبية، ليقتلع فروة رؤوسهن مع الشعر، وهن على قيد الحياة ليبقى الشعر حيا، وذلك نتيجة عقدة طفلية تحولت لمرض نفسي بعد فقده لطفلة في حياته في مثل عمره -لم يقل الفيلم ماذا كانت تقرب له- بالسرطان، وحلق رأسها قبل أن تموت. اﻷمر الذي تعمّق ذاكرته، وشكل اضطرابا اجراميا في شخصيته.
ولذا فالمجرم الذي يعمل مساعد طبيب يبحث عن ضحاياه ضمن مواصفات هذه الفتاة التي غيبها المرض والموت. إلا أن الفتاة اﻷخيرة الناجية والتي خطفها من مركز تسوق ووضعها في صندوق السيارة . كانت قوية ومحبة للحياة وحاولت كثيرا بمساعدة الشرطية في مركز الطوارئ بعد الاتصال بها، النجاة وترك دلائل للسيارات اللاتي كن في الشارع خلف سيارة المجرم، للاتصال بالطوارئ، فقد أخرجت يدها ولوحت .. وسكبت بعض اﻷصباغ من فتحة المصباح الذي اقتلعته بجهد.. ولكن الحظ لم يكن معها غالبا، وحتى الرجلين اللذين أرادا مساعدتها قتلهما؛ طعنا للأول، وحرقا لعامل محطة البترول.
وهنا كانت إنسانية و ذكاء الشرطية في مركز الطوارئ وتدخلها شخصيا بالذهاب للمكان هو المنقذ حيث ركزت على صوت سمعته في مكالمتها معه أثناء ما أخذ المجرم الهاتف من الفتاة المختطفة، ووصلت للمكان وعثرت على المخبأ السري تحت اﻷرض. وكانت الشرطة قد عثرت على السيارة والبصمات ولكنها لم تستطع تحديد المكان الذي أخذ إليه الضحية والتي بدأ بسلخ جلدها فعلا لولا هجومها عليه وضربه على رأسه بالجماجم التي كانت تملأ المكان.
كما أن النهاية التي كانت بقيامهما بربط المجرم وحبسه في المخبأ السري الذي يغتال فيه ضحاياه، والمقترحة من الفتاة المخطوفة؛ كانت ذكية، ليكون الجزاء من جنس العمل .. فليس لهذا القاتل المتمرس والذي لا ترف له عين وهو يسلخ رأس ضحاياه من الفتيات الصغيرات وهن على قيد الحياة بلا رأفة أو شفقة، أو انصياع لتوسلاتهن اﻷخيرة ؛ أن يعامل بالعدل والقانون، والذي قد يمنحه الحرية ذات يوم .بل عليه أن يعامل كوحش بشكل يشبه قانون الغابة الذي تمثله تماما، وأن يموت ببطء تحت اﻷرض في المكان (القبو) الذي اتخذه مسلخا لجرائمه يخفي فيه جماجم الطفلات المقتولات.
لينتهي الفيلم معلنا قوة إرادة اﻹنسان في الحياة، وذكاء عاطفة المرأة، وقدرتها على تمكين الخير، ودفع الشر بهذه العاطفة اﻹنسانية التي تحمل وفرة الخير والمحبة وقوة اﻹرادة والشكيمة.
والفيلم من بطولة النجمة الأمريكية هالي بيري، في دور "جوردان" .
 
 
 

الثلاثاء، 7 مايو، 2013

أربعة أيام في أبوظبي على هامش معرض أبو ظبي للكتاب

        
 شرفات - جريدة عمان
الثلثاء, 07 مايو 2013

فاطمة الشيدي
 

هوامش : 

1.
اليوم الأول .. الأربعاء 24/4/20013
لم تكن الدعوة الجميلة التي وجهت لي للمشاركة في فعاليات معرض أبوظبي للكتاب الذي يحتفي هذا العام “بالخليج العربي ضيف شرف” تحتاج لكثير تفكير في قبولها، لأنها رحلة عبر امتداد الروح والتاريخ والجغرافيا والأواصر والمحبات، إلا أن المطر وهبها ذاكرة أخرى وحضورا ممزوجا بالرغبة والرهبة إذ ظل يغازل الأرض ليلة الأربعاء 24/4 حتى أقضّ مضجع الليل تلك الليلة، وحرم الأحياء من سكينته، حيث كانت مغازلاته المتسمة بالكثافة والشدة، والمصحوبة بالريح لا تسمح للنوم أن يتلبس الخلائق وتتلبسه، ممتدا حتى الصباح في مجازفة قصوى للوصول للمطار، حيث كدنا نطير بشكل آخر، قبل الوصول وإقلاع الطائرة.
في المطار كانت “رحمة المغيزوي” بروحها الطيبة، رفيقة هذه الرحلة القصيرة التي اخترنا أن نبدأها معا، لنكسر ظهرها بالقليل من الثرثرة وشفاعة الرفقة، رحمة الذاهبة للمشاركة في مبادرة ضاد التي تحتفي بمبدعين أو أكثر كل عام، لتعريف الجمهور على مشروع الكاتب وحضوره، ونتاجاته، مع كاتبين “صالحة عبيد” من الإمارات، و”إسماعيل غزالي” من المغرب.
وفي مطار أبوظبي كانت “زوينة آل توية” -التي كانت تذهب للمشاركة في ورشة كتابة تابعة لمشروع “كلمة” المتميز لترجمة الآداب العالمية للأدب العربي- تقف خلفنا، ونحن نختم الجوازات، لنلتفت إليها ونتعارف بحميمية الوطن والكتابة معا، وتبدأ رفقة صغيرة معنا عبر المطار الكبير، تلك الرفقة التي شاء الحظ أن تنتهي هناك فقط، حيث كان سكنها في فندق آخر ناهيك عن ارتباطها بالعمل الذي جاءت من أجله، ومع بعض التواصلات الرقمية فقط، أبى الحظ أن تجمعنا ردهات المعرض الكبير.
كان الوقت ظهرا حين وصلنا فندق “روكو فورتيه” وبعد القليل من الوقت في إجراءات الفندق وصعودنا للغرف لوضع حقائبنا وللصلاة، قررنا النزول للغداء ومن ثم الركون لراحة قليلة، على أن نذهب عصرا للمعرض.
توجهنا مباشرة إلى “ملتقى الخليج” لنتابع الورقة الأولى للروائي والقاص العماني الأستاذ أحمد الزبيدي، وكانت ورقته بعنوان “الكتابة بداية لمواجهى الشفاهة نصا ومجتمعا”، الزبيدي الذي اعترض مباشرة على ذلك العنوان، مذكرا أن الكتابة في عمان تعود لأكثر من لأربعة آلاف سنة قبل الميلاد، عابرا بهم مع المرويات الأدبية والشعرية، منذ مالك بن فهم حتى العلاقات العمانية التاريخية مع الحضارات السابقة، وأن الحالة الحضارية للبلاد هي التي تفترض فعل التدوين والكتابة، وليس العكس، كانت محاضرة شائقة وجميلة بحق للأستاذ أحمد الزبيدي، هذا المثقف، الإنسان، المتعدد، والواسع، والحاد، والجاد، في أطروحاته المنبرية أو الشخصية، الذي لا يهادن، ولا يجامل سلطة، سواء كانت سلطة سياسية، أو حتى سلطة الجمهور والمكان، ولذا يحبه ويحترمه الجميع في الداخل والخارج، وهو جدير بذلك.
بعد ذلك كان هناك أمسية للشاعرين “شهاب غانم” ، وحمدة خميس، وهما شاعران معروفان جدا للكاتب الخليجي، كانت قصائدهما كانت جميلة وعذبة، وأمتعت الحضور رغم شح الجمهور . ربما لأن الإعلام عن الفعاليات الثقافية لم يكن كافيا، مع أن الكتيبات كانت في كل مكان بالمجان، أو أن جمهورنا العربي لا يريد أن يتعب رأسه المرهق أصلا، بالوعي والثقافة ويكتفي بالبسيط والقليل من كل شيء.
وبصحبة د.أمينة ذيبان التي تحمل في قلبها كما هائلا من المحبة والجمال، إلى وعيها العميق طبعا، والشاعر شهاب غانم تجولت قليلا في المعرض الواسع بشكل يريح العين و “يشرح الصدر”، والمنظم بشكل يحفّز على القراءة وشراء الكتب، كان التنظيم عاليا، ورفيعا وراقيا بشكل ملفت ومبدع، حتى لا تمل من التجوال والوقوف في كل زاوية وردهة منه، هذا ناهيك عن عدد الدور المشاركة والجماليات والمعينات القرائية والشرائية التي ليست العربات المجانية، والمهيأة لحمل الكتب سوى إحدى هذه المعينات، التي تشد الانتباه كي لا يحمل الزائر أطنان الكتب في يده.
أما الفعاليات الثقافية فحدّث ولا حرج، ففي كل ركن هناك فعالية ما، هناك حوارات عميقة مع كتاب ومبدعين مميزين ومتحدثين من كل أنحاء العالم، في “ركن الحوار”، وأمسيات وأوراق عمل لضيوف المعرض من كتاب الخليج، في ركن “ملتقى الخليج” ، وهناك حفلات تواقيع مع مراجعات، وقراءات نقدية معمّقة في زوايا عديدة، وهناك “مبادرة ضاد”، وأمسيات حوارية مع كتّاب قائمة البوكر القصيرة، والفائزين بجائزة الشيخ زايد للإبداع، وندوات معمّقة. فهناك أكثر من فعالية في كل زاوية من المعرض في نفس الوقت وعلى الشخص أن يختار ما يعنيه.
بالإضافة إلى وجود فرق موسيقية شعبية من دولة  من دول الخليج كل ليلة، في ختام الفعاليات الثقافية، لربط ميادين الثقافة، والبرهنة على أن الثقافة ليس كتبا وقراءات، بل هي الجمال والموسيقى والفن بكل أشكاله، وقد نجح في ذلك بقوة من خلال جمالياته المبدعة، ناهيك عن ثقافة الطفل التي وضعت لها كل محفزات الفعل القرائي، من بالونات، وبوسترات طفلية عذبة، وأجنحة مجهزة لهم للقراءة الرقمية من خلال مختبرات حاسوبية وأمكنة مهيأة لتناسب طفولتهم.
القراءة الرقمية أيضا كانت حاضرة للجميع من خلال بعض التطبيقات الرقمية، والكتب، وهناك مساحات للراحة ومقاهٍ واسعة للحوارات الجانبية، ولاحتساء القهوة وللثرثرة القليلة أو الكثيرة، وهناك قلوب جميلة وعميقة تعرفنا عليها، أجملها الكاتبة والصحفية اليمينة الجميلة “لارا الضراسي”، التي تدور في المعرض كفراشة بخفة وعذوبة ناشرة جمالها البهي. والكاتبة السورية العذبة مقدمة أمسيتي مي قطرش، وآخرين هم أكثر من أن أذكرهم الآن، من الإمارات والمقيمين بها ، وضيوف المعرض، في تعدد واختلاف وتمازج خارج، أي ارتباك حول أي من التحزبات التحيزات غير اللائقة بالإنسان والإنسانية.
2.
اليوم الثاني .. الخميس 25/4/20013
في اليوم الثاني قررنا أن نبدأ اليوم من منتصفه، أي عند الغداء تماما، فلست من عشاق وجبة الفطور، كنت أكتفي عبر أدوات وآلة صنعها البسيطة الموجودة في الغرفة، بالقهوة؛ رفيقة الصباحات والمساءات، في الحل والترحال، صديقة القلق، وشاهدة التغيرات والمزاج المتقلب، بين الضجر والملل والقليل من الفرح، كطقس لا يراهن على الثبات، عرابة الحنانات والاكتئابات والصمت المطبق، شهوة الموسيقى، أخية المسافات، أم الوقت وسيدة اﻷمكنة.
ولعل رحمة جاملتني وآزرتني في ذلك، إذ قررتُ أن أنزل عند الغداء فقط لنذهب بعدها للمعرض، وفي الغداء كانت هناك لقاءات مع أكثر من مبدع من الخليج، وهناك تعرفنا على الناقد والشاعر السعودي محمد الحرز، السعوديون يبهرونك غالبا بعمقهم، وجمال أرواحهم، ومحبتهم الفياضة، ونقدهم لكل مظاهر الجهل الإنساني، والمجتمعات العربية المتمثل في الطائفية والأحقاد والغباوات، إضافة إلى اتساعهم المعرفي والثقافي العميق والحاد، ولا تزال الثقافة السعودية ترفد الثقافة العربية بالكثير من المبدعين في كل المجالات النقد والشعر والرواية، وليس وصول محمد حسن علوان لقائمة البوكر القصيرة إلا أحد الأمثلة.
وفي لفتة إنسانية راقية نظمت هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة بالتعاون مع معرض أبوظبي للكتاب زيارة لمركز السكري والغدد، فالأطفال هم المستقبل، والكتاب هو الأمان، وهزيمة المرض تكون بالقراءة والمعرفة، كانت هذه فحوى الكلمات التحفيزية التي قيلت في زيارة مجموعة من الكتاب الخليجين (ضيوف شرف معرض أبوظبي للكتاب) للأطفال المصابين بمرض السكري، في مركز السكري والغدد في أبوظبي، والاحتفاء بقيمة الكتاب، والحديث معهم حول أهمية القراءة وتشجيعهم عليها، وتقديم هدايا لهم من كتب المعرض، في مبادرة رائعة فعلا.
كانت الممرضات والأطباء يعولون على الكتّاب تثقيف للأطفال حول الأمراض وخاصة السكري؛ من خلال كتابة قصص عنها  للأطفال بطريقة جاذبة ومسلية، هذا دور كتّاب الأطفال، فيجب أن يخدم أدب الأطفال قضاياهم الخاصة، ومعاناتهم في الحياة، ويلبي أحلامهم وطموحاتهم .. فهل من مجيب؟!
ومن ثم انتقلنا للمعرض حيث حضرنا أمسية الدكتورة أمينة ذيبان عن “تأخر النقد الأدبي في الإمارات، وكيفية الدفع به” موضحة أسباب تراجع النقد في الإمارات، والتي منها المبدع، والناقد، والمجتمع، وتطبيق النظريات الجاهزة، والازدواجية الثقافية واللغوية وغيرها.
وفي ختام هذه الأمسية كنت مع موعد مع قارئة لم أكن أعرفها، كانت منقبة، وكنتُ في الكراسي الخلفية كما أحب غالبا في كل الملتقيات الثقافية، (في الخلف أنت بعيد عن سلطة الأمام، ووهج الكراسي والحضور، أنت تقرأ كل شيء بتمعن ورؤية وهدوء؛ الأشياء، والأشخاص، والمشهد، بعين محايدة، تبصر الطواويس بلمعان ريشها، والبالونات بهيئتها القابلة للانفجار بقرب أي شيء منها، وتسمع ما يقال بعمق وهدوء، كما تكون جاهزا للانسحاب بخفة في أي وقت، ولأي سبب ليس آخرها ضحالة الأفكار المطروحة، استخفافا بالمتلقي، أو جارك المزعج، أو نسيان شيء ما في السيارة) المهم أنها كانت تنظر إلي بعمق من يعرفني، ويشبّه عليّ، تجاهلتُ الأمر، حتى انتهت المحاضرة، فاقتربت مني، ومدت يدها مصافحة، وقالت أنت فلانة؟ نعم، وأنا أصافحها، قلت لها بهدوء من يرغب أن يتعرف على محدثه، سيما وهي منقبة، وأنت؟ “أسماء” واصلت كلامها، أنا قارئة ومتابعة لك عبر “مدونتك”، وأضافت بعض الكلام الجميل، والذي يحمل الكثير من الوهج والإعجاب الذي يسعد أي كاتب. فرحت كثيرا بها وبكلامها، وتابعنا الحوار بمعرفة تامة. فنعم من يقرأ ما أكتب يعرفني، وأنا أعرفه، يفهمني وأفهمه، فبيننا تعالقات كثيرة.
هذه الفكرة الجميلة تماما، والتي تجعل الكاتب يشعر بالفرح والفخر حين يلتقي قارئه في مكان ما، فيحييه بفرح وغبطة بلقائه، هي ما تجعلني أتقدم بوصفي قارئة لكل كاتب أثّر فيّ، أو قرأت له شيئا أو كتابا، أحييه وأحتفي به، وبلغته ليصل للفرح الذي يصيبني بقرّائي، إلا أن “النجوم “ أو من يظن نفسه أصبح نجما؛ لكتاب أو رواية كتبها، يصيبهم الزهو والغرور حين تسلم عليهم، فينتفخون أكثر، وهم يحيونك بوهم اللمعان، ووفرة البريق الذي يصنعونه حولهم. يردون عليك من الأعلى. داخليا أقول لنفسي”مساكين” هؤلاء الذين يتوهمون هذه العظمة الخيالية، والبريق الذابل .
ذهبت تلك الليلة وأنا أشعر بالفرح، شكرااا أسماء، صديقتي القارئة الجميلة والعذبة، والتي بادرتِ لتحيتي بروحك الجميلة والمقدرة مني، ورقتك ووعيك وحبك للقراءة المثمّن لدي. لقد أضفت لي فرحا خاصا، وللغتي اكتمالا بك. ويكفي مدونتي أن هناك من يتابعها من القراء مثلك .
ومن ثم ذهب بعضنا إلى محاضرة لإبراهيم عيسى حول روايته “مولانا” التي وصلت للبوكر القصيرة، ومناخاتها التي كتب فيها وهي الثورة المصرية، وأسبابها ونتائجها، ولاحقا لحفل عشاء في مكان راق أعد لضيوف المعرض.
وفي نهاية المعرض كنا نبحث عن السيارة التي ستقلنا للفندق؛ إلا أن السيارات غير المحددة “وهنا ظهرت أحد ثغرات التنظيم بشدة” احتاجت وقت وتعب للوصول لها” الأمر الذي استمر في كل ليالي المعرض المتبقية.
3.
اليوم الثالث .. الجمعة 26/4/20013
أيضا بدأنا اليوم من منتصفه، ولكن كانت هذه فرصة جيدة للقيا بعض الأصدقاء على الغداء. ومن ثم الذهاب للمعرض حيث موعد مشاركتي. كانت الورقة التي قدمتها والتي عنونتها بـ “اللامنتمي” حول تعدد الأشكال وتداخل الأجناس وصولا للنص المفتوح. والتي انبثقت فكرتها في الحوار مع المبدع الإماراتي” محمد المزروعي - الشاعر الذي ترك الشعر في تلك الأيام ليتبع التنظيم والضيوف بشكل مباشر، حتى أنك لا تكاد تراه لا يتكلم في هاتفه النقال، إلا أن ذلك لم يمنعه من ينفعل لمنظر قطة جائعة خارج الفندق، وقت الغداء، كانت تنظر إلينا بجوع وعتاب، ليذهب ويقدم لها بعض السمك في تجلي أجمل من كل القصائد.
أثناء تقديم الورقة كانت سعادتي غامرة بوجود بعض الأصدقاء من الكتّاب، مثل : "مثل ميس العثمان، وزوجها الكتاب عقيل عيدان،  والعمانيان المقيمان في الإمارات “ليلى البلوشي، وخميس قلم” ،  ومن عمان   و”ناصر صالح، وسعيد الهامشي، وسالم ربيع” لاحقا، في ختام الورقة كانت المداخلات كثيرة ومتباينة حول النقاط التي أثارتها الورقة، ولكن مداخلة القارئ المهندس، الذي كان حريصا على حضور كل الأوراق والجلسات ومناقشة مقدميها لاحقا، ثناء محبة، أكثر ما يلفت، فالقارئ هو المبدع الصامت الذي يتشرب عصارة الإبداع بصمت.
وكذلك حضور ومناقشة المبدع السعودي العسيري علي الغاوي، الذي يرأس فرقة للفنون الشعبية القادمة من عسير محملة بطيب الجنوب وحضارته وجماله، بالإضافة على عمق وشعرية الأطروحات التي يقدمها كلاما، وشعرا في حواراته وفي فرقته التي جذبت الزوار بشكل ملفت. بعدها كانت ورقة المبعدة السعودية “هدى الدغفق” والتي تحمل “ التجربة النسوية الخليجية” سيرة ذاتية، كانت ورقتها حول كتابها “أشق البرقع ..لأرى” وكانت الورقة تحمل من الجرأة في الطرح، والشفافية في العرض عن تجربتها الخاصة مع الكتابة، ومواجهة الصعوبات في سبيل الكتابة كمشروع حياة، ما يجعلها تصلح لأن تكون مثالا للمرأة العربية المنحازة بصدق ومحبة للإبداع.
وبعدها كانت هناك جلسة مع ابنة عبد الرحمن منيف، وصاحب دار الفارابي، بصحبة سعيد وناصر العمانيين، وكان الحديث يأخذ منحنيات متعرجة حول الأدب والسياسة والربيع العربي المسروق، ويتنقل من مصر إلى سوريا فتونس. ومن السياسة إلى الثقافة والكتب والكتاب.
4.
اليوم الرابع .. السبت 27/4/20013
في اليوم الأخير كنا كالعادة نباشر اليوم من منتصفه، إلا أن شيئا قال لي أن أفتح التذكرة التي حسمتُ أمري سلفا، أنها تحمل رحلتي في التاسعة والنصف مساء؛ لتخبرني بقسوة أن الموعد كان صباحا وطارت الطائرة إلى عمان غير آبهة بي، أنا التي كنت محملة بالكتب والحنين للوطن والمطر والقراءة وأتحين الفرصة للعودة، وكان الشوق قد بدأ يدب في أوصالي، فكلما غبت قليلا، ومكثت خارج دائرة الاعتياد اليومي والمتكرر والذي أتوق أصلا لكسر رتابته بقوة، بين فينة وأخرى كلما أمعنت في الرسوخ والثبات؛ حتى يستيقظ في الحنين، ويغالبني الشوق بقوة إلى أشيائي الصغيرة : بيتي،  وكتبيالمتناثرة والتي لا تترتب أبدا، وقصاصات أوراقي المجنونة كفكرة عبثية، وكمبيوتري الحنون الذي أنقر عليه جنوني ووجعي، وكوابيسي، وأحلام اليقظة وكآبة المساءات، وجملة نزقة تومض في البعيد من الوعي أو اللاوعي، وغلاية قهوتي الطيبة.
وهناك كائناتي الأليفة،  سلحفاتي الصامتة التي تحملق فيّ كل مساء حين أضع لها طعامها، وعصافيري التي تناديني كل صباح حتى أضع لها الماء والحبوب، ووريداتي الصغيرات الجميلات كطفلات الفرح والاخضرار .
وصداعي النصفي ووهني المستمر، خارج دائرة نظامي اليومي،  والنومصديقي المفضل الذي أقضي وقتا طويلا في غيبوبته، إلا أنه يرعبه السفر وتغيير المواقع، فيغادرني بعيدا حتى أعود لحضن مكانه الأثير، والتلفزيون الذي يهديني فيلما مختارا في مساءات الحياة الطويلة، وجهاز الموسيقى الذي يغذي روحي كلما ران عليها الصدأ أو أكلها الحزن، وكل اﻷشياء الحميمة التي أكلمها كل يوم وأتأملها بوصفها جزء من مشهد الحياة الداخلي كالمرايا، وعلب المكياج، وزجاجات العطر، وخزانة  ملابسي الفوضوية، وحقائبي وأحذيتي واكسسوارتي، تماما كما ينتشي الوجع الذي تحتجزه الروح في سويدائها، وتحرره المسافات في شرفاتها كعصفور عطش ينقر القلب، أو طفل متشرد أو يتيم يلح في استجداء الحنان، لأجدني أغني لها من البعيد، بصوت فيروز "اشتقت لك" !
شعرت بالأسف قليلا، لكن الموعد ذاته تغير ليصبح ذات الموعد المسائي، في مفارقات كثيرة أخرى، الغداء بصحبة المبدعات الجميلات باختلاف مشاربهن الكتابية “حمدة خميس (التي راقتها فكرة المبدع اللامنتمي لتشعر بذاتها المتوزعة الاهتمامات بين الشعر، والكتابة، والزراعة، والبناء والكثير من الأشياء التي تمارسها بمحبة ضمن هذا المعنى تماما)، وأمينة ذبيان، وصالحة عبيد، مريم والشحي” ثم الذهاب للمعرض للوداع الأخير، تنقلنا في الردهات مجددا، وكانت الجلسة للكاتبة باسمة يونس حول “المثقف والعمل الإداري”، الكاتبة الرقيقة والعميقة تحدثت حول الورقة، وتداخلنا معها في محبة وألفة، فاجأتني فيها رفيعة الطالعي بحضورها الإعلامي المميز لتغطية شيء من فعاليات المعرض.
لأخرج بعدها بنية الذهاب فورا للفندق ومنه للمطار، ولكني مجددا أسقط لأسقط في فخ التأخير للوصول للفندق، فالمطار الذي وصلت له "في الوقت الضائع" تماما ولولا ستر الله ومساندته، لبت هناك ليلة أخرى، بسبب سوء تنظيم حركة النقل فعلا، التي هي مسمار جحا، فلولاها لكان لأفلاطون وجمهوريته هم الأكثر تصدرا.
متن :

الكتاب في كل مكان، يجذب عشاقه كفعل الضوء للفراش، ولكن حين يكون الجمال خرافي الصنعة والتنظيم، كما يستحقه الكتاب وعشاقه، يكون الضوء مضاعفا والاحتراق مرغوبا !
وحين تلتقي بعض الوجوه/القلوب التي تحمل نبضا حيا، وتؤثر فيك، بحيث تلمس مواطن الصدق والجمال والمحبة من جهة، والوعي السابر والذهاب الموغل في مشروع الثقافة بوصفعها معادل حياة من جهة أخرى، تشعر أن الإنسان والأرض والثقافة بخير .
وتصدق ديستوفسكي في مقولته “الجمال يمكن أن ينقذ العالم” الجمال الداخلي والخارجي طبعا.
( هكذا كنت أردد وأنا أقول وداعا معرض أبوظبي للكتاب.. وإلى اللقاء أصدقاء الكتاب في بقعة ضوئية كونية أخرى).

تشظيات العبور


شرفات -  جريدة عمان
الثلثاء, 07 مايو 2013

فاطمة الشيدي

في كل زاوية من هذا الكون
أبحث عن روحك الحادة كالمشرط
المرهفة كالغيم
عن لغتك المتشظية وقلبك المضطرب
عن جنونك المحلّق
وعن دمعك ووجعك وانقساماتك
عن مائك وعطشك وكفرك وإيماناتك
وعن تفاصيل أخرى ليست إلا فيك
وحين وجدتك التفتَ بنصف التفاتة
ولوحت باستدارة كاملة
من يومها وأنا أبحث
عن جحيم يشبهك
له نفس رائحة حزنك
وصدى حشرجاتك
هزاتك وبراكينك
صخبك وحنانك
اهمالك وفوضاك
كأنني أبحث عنك إذن
أو لعلي من يومها وأنا أبحث عني
*
ساخطة أعبر هذا العالم
ساخطة على كل شيء
عليّ، وعليك
على الكتابة
وعلى الصمت الذي تسكننا فيه جبرا
موجوعة أعبر كمشرط يحز ذاته
منقسمة كظهيرة كسوف
متألمة كشاة تذبح كل لحظة بلا عيد
غائبة كجثة على رصيف لا ينتبه لها أحد
لو أن هذا الكون يعلن نهايته الآن
أو لو أن الحياة تمد يدها المعقوفة الأصابع
قليلا نحوي بطعنة أو لمسة حنونة
أو لو أن طفلا يحمل لي وردة بيضاء من القبر
ربما ابتسمت بوجع قليل، وأنا أحاول الإمساك به
قبل أن يتحلل في الضوء
وأتورد أنا في الغياب بياضا
 

الاثنين، 6 مايو، 2013

عبدالله حبيب يحاور المضامين، ويحاول الأشكال: شهادة في مرايا النص والإنسان


 شهادة من كتاب " ليس من زماننا ، عبدالله حبيب" ، الكتاب الصادر عن دار الانتشار العربي، تحرير سليمان بن علي المعمري . بمناسبة فوز عبدالله حبيب  بجائزة التميز الثقافي 2011، ويضم شهادات لعدد من أصدقاء الكاتب، والكتاب والمبدعين .
فاطمة الشيدي*


--1--

ثمة كاتب يكتبه، يكتب شعوره وروحه وفكره، وثمة كاتب يكتبك، فتشعر أن كل ما يكتبه يشبهك، ويعنيك ويقولك، أو يقول عنك ما تعجز عن قوله.  وعبدالله حبيب من النوع الثاني، حيث تشعر أن كتاباته تعنيك شخصياً، وتقولك بشكل ما، بل وقد تبحث في كل جملة عن شيء سقط منك في مكان ما من اللغة، والحياة، والماضي، فكرة عجزتَ عن التعبير عنها، شخصية لم تصافحها إلا في كتاباته، موت انحنى ليقبل صغيرا  لا يعنيه، ولا يعرفه، فرحة ناقصة أطلّت من البحر وغارت في الظلام، ضحكة لم تكتمل على حد الماء، دمعة استوطنت الروح إلى الأبد وهجرت الأهداب، موت مراوغ، حزن كثير، وفرح قليل، وحيوات تقوم على أنقاض حياة؛

الأمر الذي يجعلك قارئاً له بشكل مختلف، أو بشكل حميم، قارئ من الذاكرة واللغة معا، وهذا تماما ما حدث لي مع عبدالله حبيب الذي قرأته نصاً قبل زمن طويل من أن أعرفه إنساناً، وهذا ليس غريباً، بل هذا هو الطبيعي في بلدٍ مترامي الأطراف كعُمان، وثقافة مركزية كثقافتنا.  كالكثير من الأسماء تعرفت عليه ضمن الملاحق الثقافية، وأنا لا أزال على مقاعد الدراسة الثانوية، فتاة تتشكل لديها موهبة أدبية بهدوء وصمت، وتذهب في اهتمامها بالأدب لتتبع الملاحق الثقافية، ووسائل الإعلام لتحظى بالقليل من مكونات المشهد الثقافي القريب والبعيد.

لاحقاً قرأت لعبدالله حبيب الكثير من الشعر، والنثر، والفلسفة، والسينما التي غالبا ما تجيء في نص واحد، أو كتابة عصية على التصنيف، إلا أن نصاً له بعنوان "الغراب" جاء متوزعا في الحنين بين علاقته بالغراب في طفولته، وقصيدة "الغراب" لإدغار ألن بو، لامس مساحة خبيئة في روحي، تشبه تلك العلاقة الخاصة لي بالغراب ذاكرة وحنيناً، كما أن إدغار ألن بو اسم لا يمكن أن تتجاهله روح تذهب في مسارات الشعرية، وعوالمها المشتهاة.  وهناك ترسخ الاسم - الذي كنت أعرف جيدا أنه مترسخ بقوة في الثقافة العمانية المعاصرة منذ زمن طويل - في وعيي، دون أن أتحمل وزر أحكام الآخرين، بل ضمن فعل اختبار الشخصي والذاتي في النص، والكتابة، والحياة.

وبعد زمن من نص "الغراب" كان النص الأهم الذي مد لي يده ليأخذني للبحر تماما، نص "البيت" الذي يحكي فيه عبدالله حبيب عن بيت أسرته القديم في قريته مجز الصغرى.  كان النص كتابة مائية ومالحة، نص غارق ومغرق في الحنين والذاكرة، وهناك شعرت أن هذا النص يعنيني مباشرة، يقولني، يكتبني بشكل ما، كيف لا وأنا وصاحبه خرجنا من رحم البحر، ومشت خطانا بارتباك الخطوة الأولى على رمله، وتباينت خطانا في المسير والغياب عنه لاحقا.  وبعد هذا النص أصبحت القراءة فعل مستمر ويقيني مع كل نص، وفكرة، ومقال، وكتابة، وكتاب بدرجة كثيفة وعميقة كالحياة والكتابة معا، كما تشاركت معه في العديد من الحيوات الثقافية، كاللجان، والأمسيات، والقراءات، والاحتفاءات، والتأبين، والوقفات وغيرها من فعل الثقافة المستمر والصادق، والتي عمّقت وأكّدت صورة الإنسان الحقيقي، وجماليات النص، وعمق الفكرة، وصدق الإيمان بالإنسان.

 

--2--

(أ)

تمثل تجربة عبدالله حبيب الأدبية حالة فريدة، ومزيجاً فكرياً خاصاً ومتداخلاً، فهو حصيلة الجمع بين التراث العربي القديم، والفكر الغربي المعاصر، وبين الشعر والنثر، والقراءات الفكرية والرؤية السينمائية المعمّقة معا، لذا فالمدخل الجزئي، أو المحدود لقراءته أو التعريف به سيكون مجحفاً في حقه.

ولعل التكوين المعرفي البدئي المتباين المنابع والأصول هو الذي أثّر في عبدالله حبيب، حيث خرج من مجز الصغرى، القرية الساحلية المطلّة على البحر بهدوء وصمت، كما كل قرى عُمان البحرية، مشبّعا برائحة الهدوء، والرويّة، والصمت، والزرقة، ومحملا بروح الموت، والفقد، والفجيعة التي يتركها البحر في حياة جيرانه غالبا، كما خرج محمّلا بحصيلة فكرية تراثية استقاها من مكتبة والده، ومن ثقافة عائلية دينية ولغوية متأصّلة، ليمضي فارداً جناحيه في الحياة، واللغة، والكتب، والمدونات التاريخية، والروايات الشفهية، رافضا، ومتسائلا، متعثّرا، وحانقا، ومتشكلا ضمن الوعي الفكري والسياسي المبكّر للقومية العربية، ولمفاهيم الحرية، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، مشفقاً ومتعاطفاً مع الكثير من الوجع، والشظف، والجهل، والظلم، والفقر المحيط به، راتقاً له ضمن اللغة، ذاهبا في الوعي، والعشق، والكتب، والأصدقاء، والعمل بدءاً، ثم منطلقا نحو آخر أصقاع المعمورة دارسا وباحثا في الفلسفة والفكر، فالسينما، مشغولا بالشعر والنثر، لتأتي كتاباته متنوعة ومتداخلة، شفيفة وواضحة، عميقة وجارحة، وتشبه الحياة تماما.  ولعل كتابه الأول "صورةٌ معلَّقة على الليل:  محاولات في الشعر والسينما والسرد" (1992) كان يعكس هذه الحالة البدئية والمستمرة في التداخل الفكري والفني والإنساني.

 

(ب)

في السرد كانت البدايات حيث كان عبدالله حبيب ابن القرية المحفوف بالتفاصيل التي تنسج الذاكرة بتؤدة وجمال، والمأخوذ بملامح الحكاية التي يرددها البحر كل صباح، ويغيّر نهايتها كل مساء، الحكاية الخضراء كالمزارع النامية على أطراف القرية العجوز المكتحلة بالمراود الفضية في المساءات الدافئة والباردة معا، الحكاية المدهونة باللذّة، والسدر، وبالماء، والزعفران، و"السركى صالح"، والغافية على صدر الرمل، الحكاية الطرية كصرخة مولود تسمعه القرية جميعا، وترتفع الزغاريد في صوت واحد، كأنه وُلد من رحم كل النسوة، ومن أصلاب كل الرجال معا، الحكاية المتعثّرة في الحكي كصياد أكل البحر إحدى ساقيه، وظل يعرج بين ممراتها على أرصفة الكلام، والبكاء، والحنين كلما شاهد طقوس "الضغوة" كل صباح، الحكاية التي تسردها شواطئ المعاني حين تنفجر الآه عند كل غياب ترافقه القرية كلها للمقبرة، حين يتوارى الثرى، الحكاية المرسومة كـ"دينار" على جبهة الطفلات كل عيد، ولثغات النساء المدهونة بالورس والحناء كل عرس، الحكاية المتكررة مع تغيير الشخوص في جلسات العصاري، وكذب الرواة، وتداخل الحبكات، واشتباه الكلام بالكلام، الحكاية التي لا تشب ولا تشيب كالحنين والماء تماما.

          القرية التي علمته فكرة الاشتراكية الأولى بلا معلِّم، ولا دليل، ولا تنظير، إلا قلبه المشفق والمليء بالمحبة، وعلمته الانحياز العاطفي للفقر، والجوع والشظف، وللهامشي من الحياة بنور البصيرة والخير والحق، القرية التي رتّل فيها دروس الفقد والفجيعة مذ كان طفلاً يصافح غياب اختيه لطيفة ومحفوظة، ويستمر في مصافحة الموت، وتجرُّع الفقد، وتجسيده حنيناً لغوياً باهظ اللوعة لاحقاً في كل كتاباته تقريباً، القرية التي أُجبر على تركها، إما للقريب من المكان حيث العمل المبكّر، والصراع الحيوي بين الأجيال، والثقافات، والحلم، والواقع على جميع الأصعدة الشخصية، والوطنية، والقومية، والعالمية، أو للبعيد منه حيث ستأخذه الحياة نحو آفاق، وثقافات، وتثاقفات عديدة ستشكّل وعيه وتبلور رؤيته للحياة.

ومنذ البدايات كان السرد خاصاً وجوانياَ، أو داخلياً منطلقاً من عوالم الشاعر والإنسان النفسية العميقة، ولذا جاءت مجموعته القصصية الأولى "قشة البحر:  في سرد بعض ما يتشبث (1994) كصرخة ترتق ثقوب المخيلة والروح، وتمضي بين أروقة الكلام بغنائية جزلة اللغة، ولهفة حادة، تحكي الأنا كما تحكي الآخر، كما جاءت مولعة بالتفاصيل، ومولعة بالشعرية المتقنة، والألم المصيري والوجودي العظيم، ومحمّلة بصدى العذابات الداخلية، وبروائح القرية وعَرق الصيادين، ودوار البحر، جاءت لتتأمل الغيابات وتنسج الحنين، وتكتب سيرة الروح في سيرورتها الاغترابية التي لن ينجو منها لاحقا.

ثم جاء كتابة " فراق بعده حتوف" (2004) في الجزء الخاص منه بالسرد يحكي سيرة الغيابات التي تشرق في الروح كحد السيف، فيهيض معها الجناح، ويسقط الألم في مغبتها، ليبقى حاضرا متجليا، الموت، الغياب، الانقضاء، الرحيل، وكل ما يخلّفه من هدم، واقتلاع، وقتل، وتدمير للعميق من القلب والروح كان في ذلك الكتاب، حكايات تستجلي الغيّاب، تستحضرهم، تحاكيهم، وتحكي عنهم، في محاولة لتسجيل سيرة حضورهم على الأرض، وتعالقات الكاتب معهم في الحياة والموت بلغة سردية قائمة على الحكاية، تسجل حضور الموت في الحياة، وغياب الحياة في الموت، لمجموعة من الأشخاص، وللكثير من الرؤى الجمالية التي يغيبها الموت، ويستحضرها السرد.

في المتبقي من السرد كانت الكتابة الذاتية، أو اليوميات، أو السيرة الذاتية، وما يشبهها ويتشابه معها ومع الحياة تماما، التسجيل لكل مفترقات الحياة، والحب، والنساء، والأصدقاء، والأعداء، والأغنيات، والأفلام، والكتب، والموت، والفقد، والمشاعر المتغيّرة، والمواقف التسجيلية للمبدأ، وللفكرة، والحالة والشأن المحلي والدولي والعالمي، استحضارات داخلية، وخارجية، لمفاهيم جمالية وإنسانية، والتيمم بماء الغياب لمن ذهبوا، والتنقل على سرير الكتابة في الحب، والقلق، والأرق، كتابة تجمع الرؤية، والفكر، والفلسفة، والحكاية في منطق سردي حكائي جميل، وبسيط، وذاتي، ويسعف القارئ المحب للحكايات والسيّر.  وكان كتابه غير المنتمي للأشكال، والخارج على المضامين "تشظيات أشكال ومضامين:  عنوان مبدئي في أحسن الأحوال وأسوئها" (2009) يسعف هذا الاتجاه لديه في الكتابة المتداخلة، أو غير النوعية، كشكل من أشكال النص المفتوح على الذات وعلى الآخر، والمنفتح على جميع الأشكال، والخارج عليها في ذات الوقت، والذي استمر لاحقاً فيه في كتابته في الملاحق الثقافية، مما يدل على أننا بانتظار كتب أخرى، مفتوحة الشكل، عميقة المضمون، خارجة على التصنيف.

 

(ج)

الشعر كالحب بدءاً وآخراً، لكنه جاء في النشر بعد السرد، ربما لأن الحكاية هي ما يحكينا، بينما الشعر هو ما يكتبنا، ولأن الحكي قبل التدوين غالبا.

جاء الشعر مع التكوّن الأكثر نضجا في الكتابة، والذهاب الأكثر عمقا في الروح والحياة، ومع التجريب المعارِك لأشكال اللغة، ولمضامين المعنى، الشعر الذي بدأ عند عبدالله حبيب في مجموعته "ليليميات" (1994) غامضاً، وباحثاً، وقصيراً، ومكثفاً، ومتناثراً، ومتشظياً  في الفكرة واللغة كشذرة أو "هايكو"، جاء لاحقا في "فراق بعده حتوف" (2004) منساباً، عذباً، مصوّراً عذابات الروح، ووجع الفراق، حميمياً، دافئاً، ونقياً كقطعة بلور، أو لوحة فنية من المذهب الواقعي.

 

(د)

وفي التخصص جاءت السينما، السينما الشعرية غالبا، السينما المشغولة بالتوجهات الإنسانية والفكرية والسياسة، السينما المنحازة للإنسان والفكرة والأرض والجمال، التي بدأها منذ تخصصه الفرعي في مرحلة البكالوريوس في جامعة سان دييغو ستيت الأمريكية ثم في دراسته العليا في جامعة تكساس وUCLA، وفي هذا جاءت صناعة الأفلام القصيرة:  شاعر"، و"حلم"، و"رؤيا"، و"تمثال"، و"هذا ليس غليوناً" (1989).  ثم أصبح مترجماً لها في كتابه "ملاحظات في السينماتوغرافيا" لروبير بريسون (1998)، فباحثاً، وأكاديمياً، وعضو لجان تحكيم لمهرجانات دولية، ثم ناقداً، ومنظّرا فيها، وتوج اهتمامه العميق بها بإصدار كتابه "مساءلات سينمائية" (2009).

 

(هـ)

أما الفلسفة فهي مشروع حياة، وجماع كل ما سبق: الشعر، والنثر، والسينما، والمعرفة، والفكر، والحياة معا، وبين نيتشه العبقري المجنون، الهادم لكل قائم، والمقوّض لكل مستمر، وماركس المنطلق من قيمة الإنسان في صناعة التاريخ، وتمكين الحياة من الأحياء، وكل من تبعه من منظّري الفلسفة الاشتراكية الأهم في العالم كغرامشي وغيره، والتي تقوم على مبادئ الحق والخير والعدل والجمال، والتي تستنهض قيمة الإنسان في الوجود، وترسم صورة المثقف العضوي، المنحاز للبسيط، والهامشي، والعمالي في الحياة، والانتصار لنضال الشعوب، ولحقها في الحياة الحرة المستقلة، والوقوف ضد كل ما يمنعها، أو يحول دونها في ذلك، كانت رؤية عبدالله حبيب الفلسفية، حيث تسري روح الفلسفة الراديكالية المتحررة في روحه، ويسير على نهجها ومنهجها تنظيرا وتطبيقا، رافضا لكل أشكال العنصرية والفوقية مهما اتخذت من مسميات جديدة، وأساليب مبتكرة، وتقنيع عالمي، ويمكن تتبع خيوطها في كل عمل كتبه، وفي كل موقف اتخذه وعاشه.

 

(و)

يحتل الموت كفكرة أو كفلسفة وجودية الكثير من كتابات عبدالله حبيب، الموت غير المقوّض لفكرة البقاء والوجود، الموت الضمني، والعام، والخاص، الموت السطحي، وغير البليغ جداً، الموت الذي يعني تارة الغياب، وأخرى الفراق، وثالثة الحب، وغيرها من تنويعات مفاهيمية ومضامينية له.  الحياة في الموت، والموت في الحياة، هي أبرز المداخل التي لا يعتوّزك الكثير من القراءة والتأمل في نصوصه لتجدها حاضرة ماثلة، صنعها الغياب الأوّل، وذكّاها الفراق الأخير، لذا تجدها عميقة جارحة من أول إصدار، حتى آخر كتاباته المنشورة في الصحف، وجسّدها في كتابيه "فراق بعده حتوف" (2004) و"رحيل" (2009) الذي كتب فيه عن غياب الكثير من الشخصيات التي أتقنت الحياة بالعشق، والموقف، والجمال، ولذا لم يكن غيابها سوى حالة عبور ضمنية لضفة أخرى، غياب لا يؤثر على وجودها الحاضر، والماثل، والحقيقي في التاريخ المكاني، والزماني، والشخصي للبعض، هذه الشخوص التي ليس عليها أن تكون مشهورة، لأن بعضها حميم كالشارع وكالقرية، وبعضها قريب كالحياة، وبعضها متداخل كالعلاقة الطبيعية بين الموت والحياة، والتاريخ والإنسان.

 

(3)

يحضر عبدالله حبيب بكلِّه في تكامل غير منفصل (الإنسان، والنص)، فأنت تجده في الشارع منحازا للإنسان، يكتب نصه الشخصي والتاريخي، وشهادته الحيّة عن المكان والذاكرة والإنسان.  وتجده نصاً إنسانياً بليغاً قوياً في الصحف والكتب، ناهضا في المواجهة، عميقاً في التجليات الفنية والفكرية، جارحاً في الرفض، ذاهباً في التغيير.  لذا لا يمكنك أن تقرأه في النص إلا إنساناً ذا موقف من الحياة، ولا تقرأه في الحياة إلا نصا عميقاً جارحاً.

-----------------------------

*شاعرة وكاتبة عُمانية.

 

الثلاثاء، 30 أبريل، 2013

المكان والحنين والذاكرة في الرواية المعاصرة

فاطمة الشيدي
شرفات - جريدة عمان - 30-4-2013
المجلة الثقافية - الجزائر -  6 مارس 2013

"خلال الذاكرة فقط، نستطيع بواسطة التأمل، استعادة رجع أصداء تأمل الفخامة"
"الإنسان كإنسان، لا يمكنه أن يحيا أفقيا، هكذا في غالب الأحيان"
"باشلار ..جماليات المكان"

يمثل المكان في الذاكرة الإنسانية حالة حنينية خاصة، لا يمكن التملّص من سطوتها في الحياة والذاكرة معا، ويتعاظم الأمر ليصبح باهظا وجارحا حين يتعلق الأمر بالكتابة، الأمر الذي يجعل الكتابة تتعالق مع المكان تعالقا رحميا موجعا، سيما إذا كان الكاتب يعيش حالة الغربة الجبرية أو القهرية، ويتعاطى قسوة المنفى أو حتى جمالياته على مضض، المنفى الذي قد يكون جبريا سياسيا أو اختياريا اقتصاديا، أو حتى نفسيا، ولعل الذاكرة العربية والموسومة بالحنانات الجارحة، والتعلق النفسي بالجغرافيا الأولى هي الأكثر وضوحا وتجليا في هذا الأمر.

وفي ثلاث روايات قرأتها مؤخرا وبشكل متتابع تقريبا، وجدت استحضارا مكانيا عاليا، وخاصا يلخّص هذه الفكرة، ويجليها، ويوضح قيمة المكان في الذاكرة العربية المعاصرة بين المنفى والعودة، وشعرت بخيط من الحنين يربطها معا بحيث يمكن أن تجمعها فكرة المكان والحنين، وهذه الروايات هي:
1.
"عربة قديمة بستائر" لغسان زقطان:
حين تقرأ رواية لشاعر تكون ضمنيا مأخوذا بالشعر، ومهيّأً لأن تلج عالمه المصنوع بالكثير من اللغة الشعرية والتقنيات والأساليب البلاغية والاستعارات، وربما ستكون متساهلا كثيرا مع الفكرة، والحبكات والشخصيات والصنعة الحكائية، حتى أنك لن تنتظر أن تجد نسيجا سرديا واقعيا، بل تريد حلما معلقا على خيوط السرد، وقصيدة مكتوبة بين ثنيات الحكاية.
ولكن هذا ليس ما هو موجود تماما في رواية "عربة قديمة بستائر" لغسان زقطان، الرواية الجميلة والصغيرة والتي تروى رحلة عودة الراوي لوطنه المسلوب، تلك الرحلة التي يخلط فيها بين الواقع والذاكرة، وبين المنفى والوطن، وبين الذات والآخر، ويرسم فيها المكان بين المحو الذي يغيّبه كثيرا على يد المحتل والزمن، وبين التاريخ الذي يستحضره ليستعين به على الحاضر الكئيب، التاريخ الذي هو منفذ الروح للولوج للقصي من التعالقات الحية بالمكان، والذي تبدأ به الرواية عبر حركة الجغرافيا وشواهدها الحية كالوديان والشوارع والمقابر الكنائس، وعبر ذاكرة متوقدة للحكي والسرد للإنسان، والتي هي مادة التاريخ لاحقا.
تتحرك الرواية في أماكن متعددة، ناصعة الحنين في الذاكرة، التي تتوزع بين ذاكرته وذاكرة المقيمين والمغتربين والمهاجرين العائدين والمنفيين، وذاكرة العائلة وخاصة أمه التي يستعيد حياتها ويجمع خيوطها لتتشكل في سرده، "كان الأمر بالنسبة له أقرب إلى تأدية أمانة تأخر في إيصالها ولم يعد ممكنا الاحتفاظ بها، والذي يقوده ويدفعه معا، عناد يشوبه نوع من الاستسلام" .
وتبدأ الرواية من نقطة الصفر من المعبر حيث عليه أن يذهب، ثم تسير في عدة اتجاهات، فهناك الرحلة الأولى من غزة إلى رام الله، بزواياها الداخلية والخارجية، وقصصها الجانبية التي تستحضر اللحظة الحالية وشخوصها المتكومين في عمق المشهد، والذين يصنعونه بلا رغبة منهم، بل يصبحون أبطالا لقصة ما، أو مشهد ما في مساحات الحكي الداخلية للراوي، حيث ينقل مشهد الشخوص وحكاياتهم المبتورة غالبا، والناقصة كثيرا، والمقتنصة من مشهد كبير ومتكامل "السمين الذي غش في الطابور"، و"هند المحتجّة" و"فاطمة التي تواصل المعاملة لزوجها الميت للم الشمل" ، و"الرجل العجوز"، فيجعلها الراوي تتحرك أمامه، وكأنه يصورها في فيلم سينمائي لحظوي، لا يهتم بما قبله، ولا بحركة الشخوص بعده خارج المشهد الآني، وينقلها لاحقا للمتلقي الساكن أمام صفحاته وليس أمام شاشة العرض.
ثم رحلة الذهاب لقريته "كفر زكريا"، المكان الأم، مع استحضارات كثيرة للماضي، وتداعيات لوجع الذاكرة والمكان المنفى، وحواشي جانبية لاستلهامات الحنين أو استيهاماته وشواهده. حيث لا يكاد القارئ يتتبع إحدى الرحلتين حتى يرجعه الراوي إلى نقطة بعيدة في المنفى أو الذاكرة، أو يأخذه لمنطقة ما في الوطن، أو يأتي له بشخوص وحكايات جانبية تحكي قصة جديدة، توازي المشهد وتعضد توازنه الحكائي، وكلها تحكي عذابات الغربة وقسوة الشتات. فهو يصهر الزمن في المكان، ويعيد تشكيل المكان في الزمن.
وبذلك يتخلّص الراوي ذاته، ويخلّص القارئ من عبء الحكاية الواحدة، وذهاب الحكاية لذاتها من أول خيط فيها حتى آخره، حيث لا توجد حكاية وحيدة للرواية، بل هناك الكثير من الحكايات، حكاية الراوي، وحكاية أمه، وحكاية هند، وحكاية فاطمة، وحكاية القيسي، والمغربية وحسن السائق، والكثير الكثير من الحكايات الصغيرة التي تنبت بسرعة على حواشي النص وهوامشه، ثم ما تلبث أن تتصدر المتن، فتصبح لفترة هي الحكاية الأساسية، ثم ما يلبث أن يعيدنا لرحلته لكفر زكريا الرحلة التي يأخذه فيها صاحب التاكسي "حسن" ويجلس فيها على المقهى الذي تديره مغربية، المقهى الذي ما هو إلا عربة من عربات سكة القطار القديمة التي كانت أمه تسأل عنها بإلحاح، والتي كانت تذهب إليها لتنتظر أخاها أو زوجها والتقت فيها بـ "رفقة"، حين لم يكن في الحكاية يهود، ولا نكسة ولا نكبة ولا هجرة، السكة التي سبقت القصة والنكبة والشتات والحزن والمنفى والذاكرة، بما فيها من "العربات القديمة والفارغة للحكايات التي بدأت بالتنفس وستائرها تهتز " في آخر الحكاية.[1]
2.
"حيث لا تسقط الأمطار" لأمجد ناصر"
في هذه الرواية التي تحكي قصة الغائب العائد إلى وطنه بعد زمن من المنفى المتعدد الأوجه، والغياب والقهر، زمن طويل كان كافيا لتغيير كل شيء في الداخل والخارج، في الإنسان والمكان، وفي الروح والذاكرة، تتدفق الحكاية التي يكتبها ويعيشها الراوي في الحاضر بروح الحنين للماضي، والمقارنة بين ماضٍ نضر، وحاضر جاف كما الجسد والروح، لهذا العائد المنهك تماما.
ويحضر المكان في هذه الرواية مرمّزا ومشوبا بالغموض بدءا من رمزية الأسماء، أي عدم تجليها صراحة فهناك "الحامية"، و "بلاد النخيل"، و" المدينة الرمادية والحمراء" كتعويض ضمني عن الأسماء الحقيقية للبلدان، حتى محاولة الكاتب عدم مد يد الحكاية لتأخذ المتلقي لبيان ملامح وتفاصيل الأمكنة التي دارت فيها الحكاية أو الحكايات بدقة، ووضوح، وتعويضه عن ذلك بالسرد الداخلي للشخصيات وتفتيت مسامات الذاكرة بالألم والحنين والذكريات الكثيرة في المكان. ورغم أن القارئ لن يجد كثير عناء في رد الأسماء لمسمياتها؛ إلا أن الكاتب أراد ذلك الغموض في محاولة للذهاب بعيدا نسبيا عن فكرة السيرة الذاتية، التي لاشك أن الرواية تحمل الكثير منها، وتغيّب الكثير أيضا، بقصد أو بدون قصد.
فالرواية التي تعتمد سرد الحكاية من نهايتها تحكي قصة عودة الراوي/ البطل "يونس، أو أدهم" الذي خرج من وطنه هربا، تاركا وراءه البيت والعائلة والحبيبة، ليعود بعد عشرين عاما ليحاكم الأمكنة ويسائل الزمن عن كل ما ذهب في الوقت والخداع، والأفكار البراقة، والوجوه المتعددة للحالة السياسية والثقافية، يعود متشبثا بالماضي بقوة، مستحضرا كل الصور القريبة من الروح، والبعيدة في الذاكرة، الوالد، والحبيبة والأخوة والأصحاب، في قصص جانبية تنبعث من الماضي لتحكي للحاضر حكايتها الموشومة في الذاكرة ضد النسيان. فالطالب الجامعي المشاغب والمتمرد والذي يذهب في الحب والسياسة معا، كمواجهة حقيقية للزمن والحياة التي يحاول أن يعيشها كما يريد، لا كما تريد هي، ولكنها تجبره على الذهاب بعيدا في المنفى ولا يعود إلا بعد عشرين عاما، عشرون عاما هي زمن الحكاية تماما.
الحكاية التي تبدأ من حيث شاخ الجسد، وهرمت الروح، تستمد من الماضي والأمكنة حناناتها المفقودة، وشغبها الحميم، وشغفها بالحكاية، وتعالقها مع المكان الذي يتغير بفعل الزمن تماما كما الإنسان، وتحتفظ به الذاكرة حيّا وغضا وطفلا في كل مراحله وحالته، فرِحا وحزينا، موجعا وأمينا، كما تحتفظ بصورة الأسرة والحبيبة والرفاق في حالاتهم الصادقة والغادرة للشاب المفعم بالحيوية والاختلاف حتى عن والده "الخطاط ".يونس، أو أدهم اللذان هما تمرئي واحد لروح الإنسان والشباب، والرفض والأفكار الكبيرة، والكتابة، والتجريب، والحكاية، وتداعياتها عبر الزمن، عبر الشعر والمقالات والكتابات باسم آخر، والتعالق الجبري مع روح المكان قبل وبعد المنفى، بكل ثقل الحكايات والأفكار والتمرد، وبكل ثقل الزمن في الروح والجسد بعد عشرين عاما.
وكأن الرواية تريد أن تقول ببساطة قصوى: "هذه هي الحياة" موضحة أنها لا تعطي كل شيء، ولا تأتي كما نريد ونخطط ونتحمس في بدء أعمارنا، كل هذا عبر سرد حكائي ذاتي مكتنز باللغة والأسئلة الجارحة، والتأملات القصوى، وحافل بالمرارات والتجارب والوعي والأفكار، لمناضل شاب واجه العالم بأفكاره، ودفع ثمن ذلك غاليا، سنوات من الغربة والألم والغياب والمنفى، عاش، وعشق، ورفض، وسافر، واغترب، وفقد، وخسر الكثير من الحب والعمر والحياة والرفاق، آمن وكفر، أحب وكره، خبر وجرب، واستوعب الحياة كما ينبغي، ومن جلس ليستعيد هذه الحياة بحلاوتها ومرارتها عبر الكتابة؛ لتصبح حياة أخرى -أكثر خلودا وبقاءً، في إعلاء ضمني لفكرة الكتابة- ضمن الحياة العادية التي تسير إلى الموت من أول لحظة فيها، الحياة التي هي قدر الأحياء، والتي تتوازى مع المقبرة التي يرقد فيها الجميع، الأشقياء والسعداء، المقبرة التي ينهي فيها الراوي حكايته المتعددة الأماكن والأزمنة والحيوات والشخوص والسقوطات والأفكار والمراحل، برمزية عالية لفكرة الحياة والموت، للبداية والنهاية، ليقف فيها متوجعا،متألما، مدركا لمصيره الحتمي يتساءل "أيهما سينقش على شاهدة قبره؟ "[2]
3.
"بروكلين هايتس" لميرال الطحاوي:
في رواية إنسانية عميقة تحكي ميرال الطحاوي حكاية امرأة خانها الحظ والزوج وضاقت عليها الحياة، ونازعتها الروح النزاعة للاختلاف، فقررت الهروب من واقعها القريب لواقع الغربة المرير، بصحبة طفلها الذي هو كل عالمها، إلى أمريكا، وتحديدا "بروكلين هايتس"، حيث تعيش وتعمل، لتخلق لها حياة أخرى، ربما تكون أجمل من حياتها السابقة.
تحكي الرواية حكاية "هند" التي قررت أن تترك مكانها الأوّل لتذهب لمكان أكثر اتساعا، وأكثر برودة أيضا، فتهاجر بسبب خيانات الزوج المتكررة، وشعورها بأنها غير قادرة على الحياة كما هي في ذلك المكان، فكل شيء أصبح ضدها، الروح والذاكرة والجسد، وقد ضاقت بقدَر الأمومة الذي تحب، "هند" التي تكره دور المرأة المسكينة والزوجة المغدورة ، التي تستحق الشفقة في مجتمع ذكوري فج، لا يرى في المرأة أكثر من كائن ضعيف، وموارب عليه أن يستكين لواقعه وظرفه، تحت كل المبررات والظروف، وهي لا تستطيع هذا الدور، ولذا قررت أن تغادر بلادها مع طفلها الوحيد، لتبدأ الحكاية، من الشقة الصغيرة التي تستأجرها "هند" قبل أن تراها، ومن التفاصيل المحيطة بالمكان مثل: الحديقة، والشوارع، والحانة الصغيرة "كوكو بار" في توازن تام مع مكان الذاكرة الأول، حيث طفولتها وترعرعها في حضن والديها.
تحكي "الراوية" الحكاية من الخارج، وبضمير الغائب "هي" وكأنها ظل البطلة، أو عين أخرى، أو كاميرا ملتصقة بها، تراقبها وتحكي كل شيء عنها وعن طفلها وعن المدينة، وعن تفاصيل الحياة والشارع، والطعام والناس، بلا تمجيد ولا احتقار، وبلا موقف محتد من الحياة، وبلا ألم كبير أيضا، إنها تحكي كل شيء كما هو، أو كما يحدث تماما، مع استحضار عميق وحاد وأصيل، للماضي حيث حياة "هند" الطفلية بكل مراحلها، بل ولحياة والديها وأخوتها، فتستحضر الشخوص بحكاياتهم الخاصة، لتتفرع الحكايات الماضوية منها، وتتداخل مع الحكاية الآنية التي تتشكل في الغربة الجديدة، كما تحكي على هامشها حكايات أخرى لشخوص تتحاذى "هند" معهم يوميا في الحكاية/الحياة التي تتشكل على مهل في الغربة، وتبني بيوتها الجانبية، وإسقاطاتها الكثيرة عليهم، إنها تحكي حكاية تتخلق بين مكانيين، بلاد "هند" حيث ولدت وعاشت، وبروكلين المدينة التي تعيش فيها الآن، مع طفلها الذي يمثل عالمها والذي تفكر كثيرا أنها تريده أن يكون سعيدا ومميزا، والذي يأكلها الخوف من أن تموت في الغربة وتتركه وحيدا، لذا ما تفتأ تحتاط بوضع كل العناوين التي يمكن أن يستدل عليها لمساعدته وإعادته لوطنه.
هند التي لا تبدو وهي الوحيدة الغريبة متذمرة جدا حسب الحكاية التي ترويها لنا الراوية القريبة، وكأن الحياة علمتها الكثير، وآلمتها أكثر لتصبح مستسلمة ومتعايشة مع الوضع أو الحال كما هو تماما، وكل ما تفعله الآن هو الحياة كما هي أو كما اتفق، لأنها تدرك أن الحياة هكذا، وهكذا فقط. فهي تمشي وتعيش، وتتأمل البشر، وتنبش حكاياتهم، وتدفعها للراوية لتكتبها من زاويتها الخاصة، أو من خلال تقاطعهم مع "هند"، وبحيادية كثيرة لتظهر للقارئ صوت الحقيقة.
الرواية أيضا لا تظهر لنا توجه "هند" الناقم على أحد، أو فكرها النسوي، أو الشكوى من المجتمعات الشرقية، حتى تبدو البطلة كأنها متصالحة جدا مع ماضيها وذاكرتها، ومع مجتمعها، وليس لديها أية حساسيات اجتماعية أو طبقية أو حتى دينية، وتحكي لنا حكاياتها الكثيرة القديمة، التي تنبت من جسد الحكاية الأولى والممتدة عبر الزمن القديم حتى الغربة الآنية، حكايات لرجال ونساء، أحياء، وأموات، حكايات ناقصة، وأخرى مكتملة،حكايات سعيدة، وأخرى حزينة، حكايات تعضد فكرة الحياة، وضبابية السعادة، والزمن والمراوغ، والرجل الخائن، والفقد المبكر، وتغيّر أحوال البشر، وامتحانات القسوة والنجاة والغرق التي يمر بها الجميع، والبرودة التي تتسري في الأرواح، والوحدة التي تحاول أن تتشبث في يد ما لتقضي على الوحشة قليلا.
تستحضر الرواية حكايات الذاكرة والتذكر لهند – الراوية التي نعلم جيدا أنها هي البطلة ذاتها، لكنها تراوغ بتغيير ضمير السرد من "أنا" لـ "هي" كي تبدو للحكاية طعم الحكايات البعيدة، أو المتشكلة بعيدا عن الذات، وعن سطوة النرجسية للكاتب، وعن فضول التلصص على الذات عند القارئ- ومن تلك الحكايات: حكاية الجدة " الضيفة" التي كانت تتمتع بخصوصية ومكانة عالية، وحكاية الأم التي كانت بعيدة عن زوجها تنجب الأطفال وترعى البيت، وحكاية الأب المحامي و "شيخ عرب" في نفس الوقت، والذي ظل محتفظا بهيبة المكانة، رغم تغير الأحوال، وحكاية القرية، والمدرسين الذين سافروا وراء المال، والصديقات اللتي تفرقن بالزواج والحب والهجرة، والجارات اللواتي تغيرن واستغنين. ثم حكايات الغربة في بروكلين هايتس حكايات "إيميليا، وتشارلي، وفاطيما، ونجيب الخليلي، وناراك الأرمني، وليليت " وغيرهم.
حكايات الشارع والحديقة والبار، والباعة، وأصدقاء الدرس، وجوه تخرج من ثقوب الحكاية لزمن قصير، ثم تختفي كفقاعات أطلت من رأسها فجأة، ثم مضت في الفناء في الزمن والمكان البعيد والقريب. حكايات كثيرة تحاول الراوية دمجها في الحكاية الأم بوعي مبطن لتمرير هذه الحكاية المتوزعة بين مكانين، وزمنين لامرأة واحدة، ووحيدة إلا من طفلها وذاكرتها في اللغة والمكان. "يحدث كثيرا في الحياة ..يختلط كل شيء مرة واحدة"[3]
--------------------------------------------------------------------------------
[1] . غسان زقطان ، عربة قديمة بستائر، الأهلية للنشر ، 2011
[2] . أمجد ناصر، حيث لاتسقط الأمطار، دار الآداب 2010
[3] . ميرال الطحاوي، بروكلين هايتس ، دار الآداب 2010